دخولتسجيل الدخول

قصة الفتنة الكبرى | 17. الممتنعون عن بيعة علي بن أبي طالب

محمد إلهاميمحمد إلهامي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

حب الصحابة كلهم لي مذهب ومودة القربى بها أتوسل، ولكلهم قدر وفضل ساطع لكنما الصديق منهم أفضل، هذا اعتقاد الشافعي ومالك وأبي حنيفة ثم أحمد ينقل. فإن اتبعت سبيلهم فموحد وإن ابتدعت فما عليك معول.

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، مرحبًا بكم أيها الأحباب في هذه الحلقة الجديدة من سلسلة حلقات قصة الفتنة الكبرى، والتي نحاول فيها شرح ما حصل من القتال بين الصحابة الأجلاء رضوان الله عليهم أجمعين، ونزيل ما علق بهذه الفترة من الشبهات والأكاذيب.

وصلنا في الحلقة الماضية إلى مشهد بيعة علي رضي الله عنه، وذكرنا ما حصل فيها من الأجواء التي عكرت صفاءها وجعلتها تبدو من بعيد وكأنها نجاح لأهل الفتنة والانقلابيين؛ قتلوا عثمان ونصبوا عليا. وهذا الكلام كان يمكن أن يكون موضع نقاش لولا أن الأحاديث الصحيحة واتفاق علماء أهل السنة هو على شرعية بيعة علي رضي الله عنه. وذكرنا أنه من الأمور التي حصلت في هذه البيعة فعكرت عليها بعض الأحداث، مثل الإتيان بطلحة والزبير قسرًا لمبايعة علي، وحصلت أيضًا أحداث أخرى نستكملها معكم في هذه الحلقة.

مما حصل أيضًا أن بعض الصحابة امتنعوا عن بيعة علي. طبعًا هذا الامتناع لم يكن اعتراضًا عليه، ولكن لما ألمَّ بالمدينة من أجواء الفتنة، ومن انتشر في الأمة من الاضطراب والانقسام. وفي طليعة هؤلاء عبد الله بن عمر؛ عبد الله بن عمر أراد علي أن يجعله أميرًا على الشام، أراد أن يوليه بدلاً من معاوية؛ وذلك لحب أهل الشام لعبد الله بن عمر، لكن ابن عمر امتنع عن البيعة وأصر على امتناعه، ومنهم الذين اعتزلوا القتال مع علي في حروبه. هؤلاء لم ينقل عنهم من الروايات على وجه الدقة موقفهم من البيعة، لذلك ذهب البعض منهم الدكتور أكرم العمري في عصر الخلافة الراشدة إلى أن هؤلاء اعتزالهم للأحداث دليل على أنهم لم يبايعوا عليا؛ كأنه هؤلاء العلماء الذين ذهبوا هذا المذهب كانوا يرون أن الخروج في الحرب من مقتضيات السمع والطاعة التي تكون عليها البيعة، بحيث أنهم لم يخرجوا الحرب إذا هم لم يبايعوا.

لكن ذهب آخرون، وهذا أيضًا نراه عند جمع من العلماء منهم الباقلاني الإمام الباقلاني في كتابه التمهيد، ومنهم ابن العربي في كتابه العواصم من القواصم، ذهبوا إلى أن هؤلاء الصحابة الذين اعتزلوا القتال كان اعتزالهم للقتال بعد أن بايعوا، وإنما كانوا متحيرين في الأمر؛ فهو نوع من عدم طاعة الأمير إلا في المعروف. المهم سواء كان هذا أو ذاك، لكن لدينا عدد من الصحابة لم يبايعوا عليا رضي الله عنه أو بايعوا ولم يخرجوا معه. منهم أسامة بن زيد؛ هو سيدنا أسامة تعلق بالموقف القديم الذي قال له فيه النبي وقتلته بعدما قال لا إله إلا الله ﴿أَقَتَلْتَهُ بَعْدَمَا قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾. فسيدنا أسامة تعلم من هذا الموقف في أنه لن يرفع سيفه على من يشهد أن لا إله إلا الله. فروى البخاري أن أسامة أرسل لعلي رضي الله عنه يقول: لو كنت في شدق الأسد، يعني بين أنياب الأسد، لأحببت أن أكون معك، ولكن هذا أمر لم أره، يعني أمر الحرب.

ومنهم محمد بن مسلمة أيضًا، روى أحمد وغيره بإسناد صحيح أن محمد بن مسلمة قال: أوصاني خليلي أبو القاسم صلى الله عليه وسلم أن أدركت شيئًا من هذه الفتن فاعمد إلى أحد فاكسر به حد سيفك، يعني اكسر سيفك ولا تقاتل به مسلمًا، وهذا موجود في السلسلة الصحيحة وحسنه الشيخ شعيب الأرناؤوط في تعليقه على مسند أحمد. ومثله كذلك أهبان بن صيفي وهو من الصحابة، روى أحمد بإسناد صحيح أن عليًا رضي الله عنه لما قدم البصرة فيما بعد بعث إليه، لأنه أهبان كان في البصرة، فقال: ما يمنعك أن تتبعني؟ فقال: أوصاني خليلي وابن عمك صلى الله عليه وسلم فقال: إنه سيكون فرقة واختلاف، فاكسر سيفك واتخذ سيفًا من خشب واقعد في بيتك حتى تأتيك يد خاطئة أو منية قاضية، ففعلت ما أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا أيضًا سند صحيح. ومثله أيضًا الصحابي سليمان بن صرد، وهذا سيأتي معنا إن شاء الله طرف من ذلك. لكن الخلاصة أنه هناك بعض الصحابة حتى من بايعوا عليا كان في نفوسهم شيء من الكراهة أن يذهبوا للقتال.

لكن أنا الآن أتكلم عمن لم يبايع، الذي حتى بايع عليا رضي الله عنه كان في نفوسهم؛ بعض هؤلاء الذين بايعوا عليا كان في نفوسهم أن لو تأخر سيدنا علي وتباطأ في الاستجابة وفي تولي الخلافة؛ لأن عليا كما قلنا هو مطلب المتمردين على عثمان، فهناك شبهة وغبار وأقاويل تحيط بهذا. من هؤلاء الصحابة ابن عباس، ابن عباس وهو ابن عم علي وكان معه في حروبه، روى معمر في الجامع والطبراني في المعجم الكبير بإسناد صحيح عن ابن عباس أنه قال: لما وثب على عثمان فقتل قلت لابن أبي طالب اجتنب هذا الأمر، اجتنب هذا الأمر فستكفاه، فعصاني وما أراه يظفر. وفي رواية أنه قال: اعتزل، فلو كنت في جحر لطلبت حتى تستخرج. يعني ابن عباس كان يرى أن سيدنا علي يتجنب أمر البيعة ويتباطأ فيها حتى يكون هو مطلب الجميع، فساعة إذن يستجيب له.

وهناك رواية أخرى بينت أن هذا الرأي من ابن عباس رضي الله عنه كان لأن عليا لن يستطيع الأخذ بالقصاص من قتلة عثمان، وبالتالي فليس من الحكمة أن يتولى هذا الأمر، يتولى الخلافة فيكون مسؤولًا عن تنفيذ الحد وعن القصاص، وبالتالي يكون مطالبًا بما لن يقدر عليه بنو أمية أنفسهم اللي هم أولياء الدم. روى الطبري في التاريخ أن ابن عباس قال لعلي: كان الرأي أن تخرج حين قتل الرجل، يعني تخرج من المدينة أو قبل ذلك، فتأتي مكة فتدخل دارك وتغلق عليك بابك، فإن كانت العرب جائلة مضطربة في أثرك لا تجد غيرك، في ذلك في هذه الحالة سيأتيك العرب حتى عندك، أما اليوم فإن في بني أمية من يستحسنون الطلبة بأن يلزموك شعبة من هذا الأمر. الآن في هذا الوضع بني أمية يحملونك أنت هذا الموضوع، يعني موضوع الأخذ بالقصاص، ويشبهون على الناس ويطلبون مثل ما طلب أهل المدينة، ولا تقدر على ما يريدون ولا يقدرون عليه، ولو صارت الأمور إليهم حتى يصيروا في ذلك أموت لحقوقهم وأترك لها إلا ما يعزلون من الشبهة. القصد أنه لو سيدنا علي تباطأ سيجد الكل أنه غير قادر على الأخذ بالقصاص، سيجد الكل أن عليا هو موضع الإجماع، ساعة إذن يأتي الناس إلى علي دون أن يلزموه بأخذ البيعة، أخذ القصاص من قتلة عثمان. هذه نصيحة ابن عباس.

نفس هذه النصيحة قال بها أيضًا الحسن بن علي ابن سيدنا علي بن أبي طالب، روى ابن أبي شيبة في المصنف بإسناد صحيح أن الحسن قال لأبيه علي: أمرتك، يعني طلبت منك ورجوتك، فهي ليست الأمر الذي فيه معنى الإلزام أو الأمر الذي لا يليق من الولد نحو والده، يقول الحسن: أمرتك حين حصر الناس هذا الرجل الذي هو عثمان أن تأتي مكة فتقيم بها فعصيتني، ثم أمرتك حين قتل أن تلزم بيتك حتى ترجع إلى العرب غوارب أحلامها. غوارب أحلامها يعني العقول التي طاشت، فلو كنت في جحر ضب لضربوا إليك أباطل الإبل حتى يستخرجوك من جحرك فعصيتني. يعني كلمة الحسن هنا أن سيدنا علي لو أنه تباطأ في الاستجابة للبيعة فسياتي إليه الناس ويبحثون عنه ويفتشون عنه، حتى لو أنه وجدوه في جحر سيستخرجونه منه لكي يتولى البيعة، وفي هذه الحال لم يكن أحد ليطالبه بالقصاص من قتلة عثمان، وهو الشيء غير المقدور عليه الآن.

هاتان النصيحتان من أحرص الناس على علي؛ ابن عمه وابنه الأول الحسن، نرى فيها دليلًا على ما أحاط بالموقف من الأجواء الضاغطة الشديدة، وأيضًا ما كان في هذا الموقف من الحساسية، موقف سيدنا علي على وجه الخصوص في ذلك الوقت. نفس الاتجاه أيضًا نصحه المغيرة بن شعبة، ذكرنا أنه معدود من دهاة العرب. كانت نصيحة ابن شعبة أن يقوم سيدنا علي باحتواء رجال عثمان وتسكين الأمور معه. نحن سنرى بعد قليل أن سيدنا علي سارع إلى عزل ولاة عثمان، سنرى، لكن فالمغيرة بن شعبة كان يرى غير ذلك. روى الطبري أن المغيرة قال لعلي: إن لك حق الطاعة والنصيحة باعتباره خليفة، ومن ضمن ما قاله: أقرر معاوية على عمله، يعني خله معاوية كما هو والي على الشام، وأقرر ابن عامر على عمله عبد الله بن عامر بن كريز ليبقى وليًا على البصرة كما كان، وأقرر العمال على أعمالهم حتى إذا أتتك طاعتهم وبيعة الجنود استبدلت أو تركت. لكن سيدنا علي رضي الله عنه قدر أن احتواء المتمردين على عثمان أولى، أو على الأقل هو أيسر باعتبار أنهم يرونه زعيمًا شرعيًا.

إذًا حتى هذه اللحظة لدينا هذه المواقف التي شوشت على بيعة علي رضي الله عنه: الإتيان بطلحة والزبير قسرًا للبيعة، امتناع بعض الصحابة عن البيعة لعلي، وامتناع بعضهم عن القتال مع علي، وحتى الذين قاتلوا كانت لهم نصيحة أن الأولى هو التأخر والتباطؤ عن البيعة؛ لأن عليا رضي الله عنه على وجه التحديد الأمر فيه ملتبس لأنه مطلب المتمردين. وطبعًا نحن هنا نقصد امتناع الصحابة الذين كانوا في المدينة، أما من خارجها نأتي الآن إلى أمر ثالث شوش على بيعة علي وعلى شرعية بيعة علي وهو امتناع بعض الأمصار عن بيعة علي رضي الله عنه. تعالوا نستعرض أهم الأمصار في ذلك الوقت، نبدأ بالشام، والشام طبعًا أهم الأمصار في هذه اللحظة. امتنعت الشام عن البيعة، أميرها معاوية بن أبي سفيان، ومعاوية هذا هو أقوى رجال بني أمية، بني أمية هؤلاء هم عصبة عثمان، يعني جيش معاوية كان قد خرج من الشام بالفعل لنصرة عثمان رضي الله عنه، ولما كانوا في الطريق بلغهم أن عثمان قد قتل، فعاد الجيش وهو يضطرم بنار الثأر ويشتعل من الغضب. وطبعًا في ذلك الزمن الأخبار لم تكن تنتقل إلا بعد أيام أو أشهر، لم يكن أحد من هؤلاء يعلم أن سيدنا عثمان هو من أمر الصحابة ألا يدافعوا عنه، فكان هناك دهشة وغضب تملأ الشام؛ كيف يقتل عثمان وعنده أهل المدينة؟

زاد في تأجج هذه النار وزاد في هذا الغضب أن أسرة سيدنا عثمان بن عفان أرسلت إلى معاوية أنهم يفوضونه في ولاية دم عثمان؛ باعتباره أقوى رجل في بني أمية في ذلك الوقت وباعتبار أنه تحت يده جيوش الشام. فكتبت أم المؤمنين أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان وهي أخت معاوية، كتبت رسالة تصف فيها كيف قتل عثمان رضي الله عنه، وأرسلت إلى زوجة عثمان نائلة بنت الفرافصة أن تبعث إليها بقميص عثمان الذي قتل فيه، فأرسلت نائلة قميص عثمان وعليه دماؤه وعليه شعره الذي نتفوه من لحيته بعدما قتلوه. فجعلت أم حبيبة رسالتها التي تصف فيها الوضع مع الكتاب مع القميص مع الشعر، وأرسلتها مع النعمان بن بشير رضي الله عنه إلى معاوية في الشام. فلما وصل النعمان بن بشير، وصل هذا الكتاب، فسيدنا معاوية قرأ هذا الكتاب الذي فيه الوصف على أهل الشام، وأمر بقميص عثمان أن يطاف به على أجناد الشام، فكان هذا مما كتَّل أهل الشام خلف معاوية في المطالبة بالقصاص لعثمان. وهنا يجب التنبيه إلى أنه قصة القميص هذه زيد فيها كثير ومبالغات وأمور منكرة على يد الإخباريين والوضاع والقصاصين، يعني هذا الذي أوردناه هو القدر الصحيح منه.

في البصرة وقع انقسام، سيدنا علي أرسل إلى البصرة عثمان بن حنيف، صحابي أنصاري، أرسله إلى البصرة واليًا عليها بدلاً من عبد الله بن عامر بن كريز الذي كان واليًا لعثمان، فشرع عثمان بن حنيف أخذ البيعة لعلي رضي الله عنه من أهل البصرة، فهناك انقسم أهلها، منهم من بايع ومنهم من اعتزل ومنهم من رفض البيعة صراحة إلا أن يؤخذ بالقصاص من قتلة عثمان.

مصر، الأوضاع في مصر كانت مضطربة أيضًا، عبد الله بن سعد بن أبي سرح كان والي عثمان على مصر، تركها لما بلغه هذا الانقسام والاضطراب، فتغلب عليها محمد بن أبي حذيفة، وبقي فيها عامًا يحكمها، وهناك واجه معارضة تطالب بالقصاص لعثمان، وفيما بعد قتل محمد هذا في حرب مع جيش تابع لمعاوية، وتولى بعدها قيس بن سعد بن عبادة بأمر من علي، فقيس بن سعد بن عبادة استطاع أن يصل إلى حل وسط فأخذ البيعة لعلي من أهل مصر، واستطاع أن يهادن الفئات الموالية لعثمان والمطالبة بالقصاص.

مكة، هذه ولاية مكة كانت أيضًا تمور بالغضب على مقتل عثمان، وكل من كره تكتل هؤلاء القتلة أصحاب الفتنة في المدينة خرج من المدينة إلى مكة، ومن مكة خرج جيش طلحة والزبير وعائشة فيما بعد، وهنا سنرى أن سيدنا علي بن أبي طالب ولا...

ولى مكة أبو قتادة الأنصاري وعزله بعدها بوقت قصير، وولى بعده ابن عمه قثم بن العباس، فهذا أيضاً يخبرنا بطبيعة الأحوال في مكة وأنها لم تكن مستقرة. هنا نحتاج أن نؤكد مرة أخرى أن التكدر الذي اختلط بمشهد البيعة لا يضر صحة انعقاد البيعة لعلي، وأن بيعته بيعة شرعية، وأنه جدير بها، وأنه من الخلفاء الراشدين، ونحن ذكرنا النصوص النبوية وأقوال العلماء في الحلقة السابقة ويمكنكم أن تراجعوها.

لا شك أنه لا ريب أن الاتفاق على سيدنا علي والخضوع والانصياع لسيدنا علي كان أقل بالتأكيد من الخضوع الذي خضع المسلمون فيه وأطاعوا الخلفاء الثلاثة أبا بكر وعمر وعثمان. هذا هو موقف أهل السنة، فالإمام الباقلاني مثلاً في كتابه التمهيد يقول: ليس تفسد إمامة علي بخلع من عقدها له، ولا بالتأويل عليه بأنها عقدت على شرط فيها؛ لأن بعض من بايع قال إنه بايع علياً بشرط أن يأخذ بقصاص عثمان، فهنا الباقلاني يرد على هذا ويقول: ليس تفسد إمامة علي بخلع من عقدها له، ولا بالتأويل عليه بأنها عقدت على شرط فيها، ولا يوهنها قعود من قعد عنها.

هنا نلاحظ أمراً في تراثنا الإسلامي بشكل عام، مع كثرة ما جرى من المناظرات والمساجلات بين علماء السنة والشيعة، لكن علماء السنة كانوا دائماً حريصين ألا ينزلقوا تحت ضغط الجدل إلى ما يخدش شرعية علي. وهنا كلمة جميلة جداً للإمام الباقلاني وهو يتحدث في سياق ردوده على الشيعة، يقول فيها: وعلي عليه السلام قعد عن نصرته كثير ممن دعاه إلى القتال، ومنهم جملة من الصحابة كسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وعبد الله بن عمر، ومحمد بن مسلمة، وأسامة بن زيد، وسلمة بن وقش وغيرهم ممن لا يحصى كثرة، فيجب أن يكون ذلك أظهر في القدح في إمامته وأجدر مما تعلق به من تعلق على عثمان. إذا نحن نقارن بين علي وعثمان، فبالتأكيد هؤلاء الصحابة أطاعوا عثمان أكثر من إطاعتهم لعلي، وبالتأكيد أن صحة بيعة عثمان أشد صحة من بيعة علي. لكن الباقلاني يعود فيؤكد فيقول: ونحن نبرأ إلى الله تعالى من القدح في إمامتهما جميعاً، غير أن الشيعة تفتح على أنفسها من هذا الباب ما لا قبل لهم بدفعه. هو الشيعة يفتحون مواضيع حين نقارن سنجد أنها تعود عليهم حين يتحدثون عن بيعة أبي بكر وعمر وعثمان.

الآن هذا المشهد في الأمصار كيف انعكس على المدينة؟ الأمصار المضطربة والممتنعة انعكست على المدينة بأن زاد هذا كله من تكتل المتمردين وقتلة عثمان حول علي رضي الله عنه. ذكرنا أنهم كانوا يتكتلون خوفاً من الجيوش التي خرجت من مصر والشام والبصرة لنصرة عثمان، وتكتلوا حتى تحقق غرضهم في بيعة علي، تكتل طبيعي من طبائع الاجتماع ذكرناه قبل ذلك؛ سائر الذين يقيمون نظاماً ويقلبون نظاماً ويريدون تثبيت تغيير، يظلون على تخوف من انقلاب الأمور عليهم، ويظلون على يقظة وتربص وتمسك بتكتلهم.

تكتلهم هذا الذي هو التكتل حول علي رضي الله عنه يخشون فيه أن ينقلب الأمر عليهم وعليه، وهناك خشية أخرى، يخشون أيضاً أنه إذا انفرد علي عنهم، أي إذا هم لم يكونوا كتلة علي، فالذين سيتكتلون حول علي هم المهاجرون والأنصار، وهؤلاء يطالبون بدم عثمان، فبالتالي كان حرصهم على التكتل خوفاً على أنفسهم وعليه، وعليه وعلى أنفسهم من أن يكون تكتل آخر حول علي رضي الله عنه. طبعاً هذا كله زاد في مشهد الفوضى في المدينة، وهذه الفوضى استمرت في جذب الأعراب إلى المدينة كما ذكرنا قبل ذلك عن طبيعة الفوضى وما يحصل من انجذاب الناس، فكثر الأعراب في المدينة حتى غلب ذلك على مشهد المدينة، فكانت المدينة قد غلب عليها الأعراب والمتمردون.

وهذا ظهر في قول علي رضي الله عنه لما يتعجله بعض الصحابة وعلى رأسهم طلحة والزبير في الأخذ بالقصاص، روى الطبري في التاريخ أن علي رضي الله عنه قال: يا إخوة، لست أجهل ما تعلمون، ولكن كيف أصنع بقوم يملكوننا ولا نملكهم؟ ها هم هؤلاء قد ثارت معهم عبيدكم، وثارت إليهم أعرابكم، وهم خلالكم يسومونكم ما شاؤوا. هم الآن في نوع من السيطرة على المدينة والتكتل فيها، فهل ترون موضعاً لقدرة على شيء مما تريدون الذي هو القصاص؟

الإمام ابن حزم يصف هذا الوضع في كتابه الفصل في الملل والأهواء والنحل فيقول: أما قولهم إن أخذ القود أي القصاص واجب من قتلة عثمان رضي الله عنه فنعم، وما خالفهم قط علي في ذلك ولا في البراءة منهم، ولكنهم كانوا عدداً ضخماً بما لا طاقة له عليهم، فقد سقط عن علي رضي الله عنه ما لا يستطيع، كما سقط عنه وعن كل مسلم ما عجز عنه. طبعاً سيدنا علي حاول تفكيك هذا التكتل فنادى قائلاً: برئت الذمة، أي لا ذمة ولا أمان ولا ضمان، كأنه بمصطلحنا المعاصر من فعل كذا فقد عرض نفسه للعقوبة. سيدنا علي يقول: برئت الذمة من عبد لم يرجع إلى مواليه، يا معشر الأعراب الحقوا بمياهكم، أي عودوا إلى دياركم. العرب كانت تسمي المواطن المياه لأن العرب كانوا يقيمون عند مواضع الماء. لكن هذا النداء حفز السبئية، فشعروا أنهم المقصودون، وأنه إذا انفض تكتل الأعراب عنهم فغداً سينادى عليهم بالتفرق إلى الأمصار، فهذا مما زاد تكتلهم.

أمام هذه المعضلة ماذا سيحدث؟ هذا ما نراه إن شاء الله في الحلقة القادمة. نسأل الله تبارك وتعالى أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا علماً. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

حب الصحابة كلهم لي مذهب، ومودة القربى بها أتوسل، ولكلهم قدر وفضل ساطع، لكن من الصديق منهم أفضل. هذا اعتقاد الشافعي ومالك، وأبي حنيفة ثم أحمد ينقله، فإن اتبعت سبيلهم فمُوحِّدٌ، وإن ابتدعت فما عليك مُعَوَّلُ.