حب الصحابة كلهم لي مذهب ومودة القربى بها أتوسل، ولكلهم قدر وفضل ساطع، لكنما الصديق منهم أفضل. هذا اعتقاد الشافعي ومالك وأبي حنيفة ثم أحمد ينقله، فإن اتبعت سبيلهم فموحد، وإن ابتدعت فما عليك معول.
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، مرحبا بكم أيها الأحباب في هذه الحلقة الجديدة من سلسلة حلقات قصة الفتنة الكبرى. هذه السلسلة نحاول فيها شرح ما حصل من القتال بين الصحابة الأجلاء رضوان الله عليهم أجمعين، ونحاول أن نزيل ما علق بهذه الفترة من الشبهات والأكاذيب. وصلنا في الحلقة الماضية إلى مشهد بيعة علي رضي الله عنه، وكيف أن المهاجرين والأنصار بايعوه في المسجد، وذكرنا أن أهل السنة مجمعون على صحة خلافة علي رضي الله عنه وأنه رابع الخلفاء الراشدين.
مع ذلك نحن حين نعود إلى ذلك العصر ونحاول تخيله وتمثله، نحاول أن نعيش فيه بأرواحنا، فسنجد أنفسنا في ذلك الوقت أمام مشهد ملتبس. ما هو الملتبس في هذا المشهد؟ أن بيعة سيدنا علي بدت وكأنها انتصار للمتمردين قتلة عثمان، فهم قتلوا الخليفة ونصبوا من رغبوا فيه خليفة. نحن ذكرنا أنهم كانوا ينادون بعلي في الحلقات السابقة، فالمشهد العام أنهم قتلوا سيدنا عثمان وولوا سيدنا علي، وبعضهم كان في طليعة الذين بايعوا عليا مثل الأشتر النخعي، وهذا أورده الحافظ ابن حجر بسند حسن.
هناك من كان سينظر إلى المسألة من بعيد، أو من سينسى فضل علي رضي الله عنه، أو من سينظر لهذه الأمور بدون الاعتبار بالأحاديث الصحيحة؛ كيف سيفسر ما حصل؟ سيفسر هذا باعتباره انقلابا ناجحا قاده علي على عثمان. ووجد الوضاعون والكذابون وأهل الشائعات من الرواة والقصاصين مجالا واسعا للكذب في الروايات التي ثبتوا بها تهمة أن عليا متهم بقتل عثمان، فكثير من الروايات الساقطة حافلة بألفاظ تدل على أن عليا دبر على عثمان، أو على الأقل هو رضي بذلك. وهناك روايات نسبت إلى عثمان أنه يتهم عليا بأنه يحرض عليه وأنه يملك أن يمنع عنه هذا التمرد ولكنه لا يمنعه، وهذا انتشر في الكتب وانتشر بين الناس.
روى ابن أبي شيبة في المصنف أن محمد بن سيرين، وهو تابعي قريب من هذا العصر إذ كان في طفولته وقت الفتنة، قال: ما علمت أن عليا اتهم في قتل عثمان حتى بويع، فلما بويع اتهمه الناس. إذا، لما نصب سيدنا علي خليفة، بدأ بعض الناس يرتبون أو يكونون قصة عن هذا الموضوع وأنه كانت مسألة مقصودة ومؤامرة. طبعا عصرنا هذا حافل بمسألة المؤامرة، وأنه كلما نجح شيء خرج من قال لك إنه مخطط منذ البداية، والقصد هنا كلمة ابن سيرين هذه.
ولذلك سنجد كثيرا من الأقوال الثابتة أن سيدنا علي نفسه كان ينفي عن نفسه هذه التهمة، وهذا دليل على انتشار هذه التهمة في زمنه، فضلا عن الزمان الذي بعده. فمثلا من أقواله في هذا ما رواه ابن أبي شيبة في المصنف بإسناد صحيح أن علي رضي الله عنه قال: والله ما شاركت، وما قتلت، ولا أمرت، ولا رضيت قتل عثمان رضي الله عنه. وروى ابن أبي شيبة أيضا بإسناد صحيح أنه قال: كنت لقتله كارها. وروى ابن سعد في الطبقات الكبرى أن علي رضي الله عنه قال: اللهم إني أبرأ إليك من دمه أن أكون قتلت، أو أن أكون قتلت، أو مالأت على قتله. وفي لفظ آخر: أبرأ إليك من أمر عثمان.
وروى ابن عساكر في تاريخ دمشق أن علي رضي الله عنه قال: إن شاء الناس، وفي رواية إن شاء بنو أمية، قمت لهم خلف مقام إبراهيم في مكة فحلفت لهم بالله ما قتلت عثمان ولا أمرت بقتله، ولقد نهيتهم فعصوني، يقصد المتمردين. وروى سعيد بن منصور في السنن وابن عساكر في تاريخ دمشق بإسناد صحيح أن عليا رضي الله عنه قال: والله لوددت أن بني أمية رضوا لنفلناهم خمسين رجلا من بني هاشم يحلفون ما قتلنا عثمان ولا نعلم له قاتلا. وروى ابن عساكر في تاريخ دمشق أيضا أنه قال علي رضي الله عنه: ألا إن الناس يزعمون أني قتلت عثمان، ولا والله الذي لا إله إلا هو ما قتلت ولا مالأت. وروى ابن أبي شيبة في المصنف أنه قال علي رضي الله عنه: فما ذنبي إن كان الناس قتلوه؟
يجب أن نتذكر رواية كنا ذكرناها قبل ذلك لما تكلمنا عن عودة المتمردين على عثمان لما تعرض لهم صاحب الرسالة المزورة، فعادوا إلى المدينة وقدموا إلى علي رضي الله عنه وقالوا له: فقم معنا إليه. فقال علي: والله لا أقوم معكم. فقالوا: فلما كتبت إلينا؟ فقال: والله ما كتبت إليكم كتابا. فالرواية تقول: فنظر بعضهم إلى بعض ثم قال بعضهم لبعض: ألهذا تقاتلون؟ أم لهذا تغضبون؟ فهذه العبارة أيضا فيها دليل على ما كان يروج بينهم من أن عليا كان مضطهدا وكان مظلوما، وأنهم يقومون للدفاع عنه. فالقصد هنا أنه استغربوا أن ينفي عن نفسه كتابة كتاب أو أنه لا يوافق على إعانتهم في الخروج على عثمان.
بل روى البخاري وابن أبي شيبة في المصنف، وأخترت هنا لفظ ابن أبي شيبة لأنه أوضح، أن محمد بن الحنفية، وهو ابن علي بن أبي طالب، نفى أن يكون علي سب عثمان أبدا أو ذكره بسوء أبدا. بعض الناس كان في مجلس محمد بن الحنفية فنال بعض القوم من عثمان فقال محمد: مه، اسكن. فقيل له: كان أبوك يسب عثمان؟ فقال له: ما سبه، ولو سبه يوما لسبه يوم ما جئته وجاءه السعاة. وحكى قصة معينة سأحكيها لكم بعد قليل، لكن القصد هنا أن سيدنا عليا نسب إليه أنه كان يسب عثمان، وأنها كانت إشاعة رائجة حتى إن بعض الناس في مجلس محمد لم يتورعوا عن سب عثمان.
هذه الدعاوى والأكاذيب أيضا راجت عن أم المؤمنين عائشة وعن طلحة والزبير وعن غيرهم من الصحابة، كعمار بن ياسر وأبي ذر وعبد الرحمن بن عوف، لكن سياق الأحداث فيما بعد جعل التهم تتركز على سيدنا علي رضي الله عنه، وجعلته أكثر الناس احتياجا لنفيها عن نفسه، لأن هؤلاء خرجوا في الطلب بدم عثمان. الخلاصة هنا أن تولي سيدنا علي للخلافة في هذه الأجواء المشتعلة بالعاطفة والغضب، جعلت صورة الأمر والمشهد من بعيد يبدو وكأنه انتصار لقتلة عثمان، وكأن أمر الأمة صار بيدهم؛ قتلوا خليفة ونصبوا خليفة.
لكي نفهم كيف يرى الناس الذين خارج المدينة، بل وحتى داخلها، ما هو الموقف الذي قال عنه محمد بن الحنفية إنه لو أن عليا رضي الله عنه سب عثمان يوما لكان سبه في هذا اليوم؟ خلاصة القصة أن بعض الناس جاؤوا بشكوى من عثمان وبذلوها لعلي، أي ذهبوا إلى علي يشتكون من عثمان وكتبوا له رسالة، فأرسل سيدنا علي ابنه محمد بن الحنفية إلى عثمان. سيدنا عثمان لم يأخذ منه الرسالة، فعاد بها محمد إلى أبيه علي، فقال علي: ضعها مكانها. هذا هو الموقف الذي يقول فيه محمد بن الحنفية إن سيدنا عليا كان غاضبا من عثمان، ولو أنه ذكره بسوء أو سبه في مرة لكان قد فعل هذا في نفس الموقف.
هذا الموقف يخرج لنا سؤالا آخر: لماذا أبى عثمان أن ينظر في هذه الرسالة؟ الجواب وارد جدا، سيدنا عثمان يكون على علم بهذه الشكوى، أو كان في ذلك الوقت مشغولا، أو كان في ذلك الوقت في لحظة غضب. هناك موقف شبيه بهذا رواه البخاري عن عبيد الله بن عدي بن الخيار، وهو أنه ذهب ينصح عثمان في إقامة الحد على الوليد بن عقبة، وهي القصة التي ذكرناها بمسألة ما راج عن الوليد بن عقبة من أنه يشرب الخمر، فلما ذهب عبيد الله بن عدي بن الخيار إلى عثمان قال له عثمان: أعوذ بالله منك، فانصرف عبيد الله. فما كان إلا أن أرسل إليه عثمان فيما بعد يستفسر عما أراد أن ينصح به. فهذه الرواية نأخذ منها أن سيدنا عثمان ربما رد صاحب شكوى أو نصح في وقت غضب أو في وقت شغل، وكان فيما بعد ذلك يعود فينظر إليها.
الخلاصة ما نريد أن نقوله هو أن بيعة سيدنا علي أحاطت بها أجواء تكتل أهل الفتنة وتصدرهم، وهذه الأمور عكرت عليها وجعلت مشهد البيعة مشهدا ملتبسا، وصار يظن لمن يرى المشهد من بعيد أنه كانما استطاع أهل الفتنة تحقيق غرضهم في قتل عثمان وفي تنصيب علي رضي الله عنه، خصوصا لمن كانوا خارج المدينة لأنهم لم يكونوا على اطلاع بتفاصيل ما جرى؛ لا تفاصيل حصار عثمان، ولا دفاع الصحابة عنه، ولا حتى ما حصل بعدها مقتله من بيعة علي.
زاد على ذلك أن مشهد البيعة كان أيضا فيه ما يكدره، فقد ذكرنا أن جمهور الصحابة والتابعين بايعوا عليا بالمدينة، لكن في ظل هذه الظروف وقعت أمور من أهمها أنها أثارت غبارا على مسألة صحة البيعة وشرعيتها، ومن أهمها الإتيان بطلحة والزبير قصرا للبيعة. كيف كان ذلك؟ تعالوا ننظر الآن للموضوع من وجهة نظر أصحاب الفتنة؛ سنجد أن موافقة علي على الخلافة كانت بمثابة طوق النجاة والانقاذ لهؤلاء. هو أولا نجاح لتدبيرهم، حيث تولى الخلافة من قاموا ينتصرون له وينادون به، وهو من ناحية أخرى بداية وضع جديد في الخلافة، وهذا الوضع الجديد يؤدي إلى اطمئنانهم قليلا لأنه على الأقل ينجيهم من قدوم الجيوش التي تريد استئصالهم. فقد نصب خليفة جديد، وهذا الخليفة الجديد هو من يقيم الحدود، وهو من يحرك الجيوش، وهو من يولي الولاة.
فلذلك بمجرد أن رضي سيدنا علي رضي الله عنه بمنصب الخلافة، كانت المهمة العاجلة عند أهل الفتنة هو تثبيت هذه البيعة وإلزام الجميع بها. ولهذا سخروا طاقتهم وتكتلهم لحماية هذا الإنجاز من وجهة نظرهم، وتثبيت هذه البيعة وإنفاذها. فأول من فكروا في الذهاب إليه بطبيعة الحال سيكون طلحة والزبير، وهما أكبر رجلين باقيين من الصحابة، وهما بقية أهل الشورى الستة الباقين من بعد عمر، وأيضا هما أكبر زعيمين آخرين يمكن أن ينافسا عليا في الخلافة. ونحن ذكرنا أن أهل البصرة وأهل الكوفة كان فيهم من يميل إلى طلحة ومن يميل إلى الزبير، فبالتالي حصلت هنا معركة حول هذين الرجلين، وكانت بيعة هذين الرجلين على وجه الخصوص هي أهم ما يجب إنفاذه، لأنه لو بايع هذان الرجلان استقر الأمر لعلي في الخلافة وانتهت بذلك مسألة المعارضة أو من يمكن أن ينافس عليا.
هنا قصد هؤلاء المتمردون إلى طلحة والزبير وأتوا بهما قصرا للبيعة. ثبت بأكثر من رواية صحيحة أن طلحة والزبير بايعا مكرهين، وأنهما خُيّرا بين البيعة وبين القتل فبايعا. هذه الروايات وردت عند ابن أبي شيبة في المصنف بإسناد صحيح، وذكرها الحافظ ابن حجر في فتح الباري، وكذلك من أراد أن يتوسع فيها فلينظر في كتاب الدكتور أكرم العمري "عصر الخلافة الراشدة" وكتاب الدكتور طاهر البرزنجي "صحيح تاريخ الطبري".
هناك رواية أخرى عند الطبري عن الزبير وطلحة حينما قدما إلى البصرة سئلا: ألم تبايعوا عليا وتدخلا في أمره؟ فقالا: دخلنا ولج على أعناقنا اللجان، السيف، دخلنا والسيف على أعناقنا. وهذه الرواية إسنادها حسن، ورجال الإسناد كلهم ثقات وكلهم يروي بعضهم عن بعض وينتهي بشاهد عيان ثقة، يعني أقل أحوال السند أن يكون حسنا. هنا من أراد مراجعة هذه الروايات فأنصح بكتاب الدكتور عبد الحميد فقيهي "خلافة علي بن أبي طالب" وكتاب الدكتور أكرم العمري "عصر الخلافة الراشدة". بعض المعاصرين من المؤرخين الإسلاميين يرفض هذا، يرفض أن يكون طلحة والزبير بايعا مكرهين، وبعضهم يرى أن البيعة بالإكراه لا تليق بعدالة الصحابة ولا يمكن أن يقبلها علي، لكن هذا في الواقع موقف غير صحيح منهم، فالتضعيف بمجرد الظن أو بمجرد التوقع ليس أسلوبا سديدا في تضعيف الروايات حين تصح أسانيدها. صحيح جاء في رواية أخرى ما يشير إلى أن بيعة طلحة والزبير كانت طوعا، ولكنها روايات ضعيفة، أشهر ما في هذا ما جاء عن الحسن البصري رحمه الله أنه قال: رأيت.
الزبير بايع علياً في حشرها البستان، في حسن من أحشاش المدينة. هذه الرواية ذكرها البلاذوري في أنساب الأشراف بسند ضعيف، وحاول البعض أن يرفعها إلى درجة المقبول لأنها تتفق مع روايات أخرى ضعيفة، ولكن هذه أيضاً موجودة عند الطبري، ولكن هذا لم يكن أسلوباً شديداً.
هناك رواية أخرى صححها الحافظ ابن حجر في فتح الباري، وهي رواية عن الأشتر النخعي. الأشتر النخعي قال: رأيت طلحة والزبير بايعا علياً طائعين غير مكرهين. هذه الرواية رجال السند فيها ثقات، لكن فيها عنعنة من مدلسين، وهذا ينزل بها عن مرتبة الصحة. لكن حتى لو كانت صحيحة، حتى لو افترضنا أن هذه الرواية صحيحة، فإن الأشتر نفسه قائل هذا الكلام متهم، وقوله هذا ليس بمصدق؛ وهذا يوقفنا وقفة عند الأشتر النخعي.
الأشتر مالك بن الحارث النخعي، هذا هو أحد أبطال الفتنة، وأحد أبطال إشعال التمرد على عثمان منذ أن كان بالكوفة، وهو الذي هيج أهلها على الوليد بن عقبة ثم على سعيد بن العاص. ومن الغريب هنا أنهم حين رجع أهل مصر إلى مصر وأهل الكوفة وأهل البصرة، بقي هو في المدينة بعد رجوع الوفود راضية من عند عثمان، بقي هو في المدينة؛ وهذا البقاء موضع ريبة، كأنه كان ينتظر رجوعهم، والله أعلم، إن لم يكن هو نفسه طرفاً في إرسال هذا الرسول المشبوه الذي حمل الرسالة المزورة فأدى هذا إلى رجوعهم غاضبين.
هذا الأشتر مع أن له مواقف ظهر فيها كالمتعاطف مع عثمان، فهو الذي قال: لعله مكر به وبكم، لكن تبدو حين نقرأها في ضوء شخصيته وكأنها من الخديعة؛ لأنه هو نفسه كان من رؤوس المحاصرين لعثمان، وهو نفسه منع توصيل الماء لعثمان، حتى إنه تجرأ وضرب بغلة أم المؤمنين أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان، فكادت تسقط من عليها حين كانت تحمل الماء والطعام إلى عثمان. وهناك رواية أيضاً عند الطبري وهي رواية ضعيفة، لكن هناك رواية أخرى عند الطبري تنسب إليه أنه هو الذي هدد طلحة والزبير، وهذه الرواية هي من مراسيل الزهري، والعلماء لا يقبلون مراسيل الزهري.
هذا الأشتر نظر إليه يوماً ما عمر رضي الله عنه، تقول الرواية فصعّد النظر فيه ثم قال: لا يكونن لهذا الرجل يوماً عصيب على المسلمين منه. وهذه من فراسة سيدنا عمر رضي الله عنه. طبعاً أنا توقفت هنا وتكلمنا في الأسانيد بكلام قد لا تحتمله حلقة الفيديو أو الحلقة العامة أو حلقة التلفزيون، لكن الخلاصة بعد مقارنة الروايات فالنتيجة التي نصل إليها هي أن الروايات التي تفيد بأن طلحة والزبير أُكرها على البيعة هي أقوى وأصح إسناداً.
حتى لو اعتمدنا تصحيح بعض الناس لروايات البيعة بغير إكراه، فالتأمل فيها يشير إلى أن علياً رضي الله عنه لم يعرف ولم يطلع على ما كان من هذا الإكراه فيها؛ فهذا الإكراه جرى خارج المسجد أو جرى خارج البستان، لكنه حين أُتي بهما من بيوتهما على هذا النحو، فالتقدير أنه لم يظن علي رضي الله عنه أنهما بايعا مكرهين. وقد ذكرت رواية الزبير وهي عند ابن أبي شيبة في المصنف بإسناد صحيح: إني دخلت الحج ودخلت الحش، ووضع على عنقي اللج أو السيف.
فالمهم إذا حاولنا أن نكون الصورة بعد كل هذه الروايات، فالصورة على هذا النحو: طلحة والزبير لم يشكا في أحقية علي بالخلافة، ولم يكونا يرضيان بغيره، بل ونصحا بالبيعة له، ذكرنا هذا في حلقات سابقة، لكن ظروف البيعة وأجواء ما حصل فيها تصدر القتلة لها؛ هذه جعلتهما يكرهان أن يبايعا. هي إذاً كراهة للإجراء، ليست كراهة للمبدأ، وهي كراهة لما احتف بأمر البيعة وليس للبيعة نفسها ولا لصاحبها رضي الله عنه. لكن سيدنا علي مع مرور الأيام عرف بحكمته وفطنته ومن خلال كلامهما معه أنهما يكرهان هذه الأوضاع، فلذلك حين استأذناه للخروج من مكة إلى العمرة، أخذ عليهما العهود والمواثيق ألا يحركا الأمور. فهذه الصورة هي التي تجمع بين الروايات الصحيحة، والله أعلم.
هذه الصورة ينسجم معها ما كان قد وقع قبل ذلك من أحداث الفتنة. والأمانة العلمية تقتضي هنا أن نقول إن الذين ذهبوا إلى الجزم بأن طلحة والزبير بايعا طائعين، أخطأوا في ذلك. وهذا طبعاً مع التقدير للدافع النبيل الذي حملهم على ذلك؛ فهم أرادوا بذلك إثبات شرعية بيعة علي وإثبات صحة بيعة علي، والرد على من يطعن في بيعة علي، لكن هذا الأمر لا يحتاج إلى مثل هذا الإثبات؛ فلو أنه حتى ثبت باليقين أن طلحة والزبير لم يبايعا أصلاً لا مكرهين ولا طائعين، فهذا لا يطعن في شرعية بيعة علي رضي الله عنه؛ لأن امتناع الواحد والاثنين والجماعة القليلة لا تطعن في شرعية بيعة الخليفة. فنحن غير مضطرين إلى إثبات أن طلحة والزبير بايعا طائعين، فالواضح أنهما كما ذكرت روايات الأسانيد الصحيحة أنهما بايعا مكرهين.
كيف سيؤدي هذا كله إلى تسلسل الأحداث نحو الفتنة؟ هذا ما نراه إن شاء الله في الحلقة القادمة. نسأل الله تبارك وتعالى أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا علماً. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
محمد إلهامي