حب الصحابه كلهم لي مذهب وموده القربى بها أتوسل، ولكلهم قدر وفضل سطع، لكنما الصديق منهم أفضل. هذا اعتقاد الشافعي، ومالك وأبي حنيفة ثم أحمد ينقله. فان اتبعت سبيلهم فنوحد، وإن ابتدعت فما عليك معول.
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. مرحبا بكم أيها الأحباب في هذه الحلقة الجديدة من سلسلة حلقات قصة الفتنة الكبرى، وهذه السلسلة نحاول فيها شرح ما حصل من القتال بين الصحابة الأجلاء رضوان الله عليهم أجمعين، ونزيل ما علق بهذه الفترة من الشبهات والأكاذيب.
نحن وصلنا في الحلقة الماضية إلى لحظة البيعة؛ بيعة علي رضي الله عنه بالخلافة. وذكرنا في هذه الحلقة أنه سيدنا علي رضي الله عنه كان هو الأجدر بالخلافة بعد عثمان، وأن هذه الجداره كان رأي الصحابة والتابعين وأهل المدينة. وهؤلاء الذين هم الصحابة والتابعين بالذات الموجودين في المدينة عاصمة الإسلام، هم أهل الحل والعقد الذين تنعقد بهم البيعة الشرعية. لكن المشكلة والمعضلة والأزمة كانت قائمة في الأجواء والظروف التي جرت فيها هذه البيعة. سنحتاج أن نتركّز في هذه الحلقة معا، لأننا سنتعرض الآن إلى بعض الأمور التي جعلت هناك شبهات تحوم حول شرعية بيعة علي رضي الله عنه.
نحن ذكرنا أن المتمردين على عثمان كانوا سارعوا باقتحام الدار وسارعوا بقتل عثمان، لأنه جاءتهم وبلغتهم الأخبار أن جيوشا تحركت من الشام ومن العراق لنجدة عثمان رضي الله عنه. يعني لو كان سيدنا عثمان استطاع أن يلزم أهل المدينة ألا يدافعوا عنه، مؤكد أن هؤلاء القادمين من بعيد لم يبلغهم أمر عثمان هذا. ثم إنهم جيوش وهم من القوة والكثرة بحيث لا يمكن أن تصمد أمامهم حفنة المتمردين، وتقديرات الرواة أنهم كانوا لا يتجاوزون ثلاثة آلاف. فهذا الخوف من هذا التغير وقودم الجيوش كان من أهم أسباب مسارعتهم في قتل عثمان.
هذا التخوف أنتج أمرا آخر. هذا الخوف كان من أهم أسباب حرصهم على التكتل، وحرصهم على البقاء في المدينة وألا يتفرق جمعهم، لكيلا تكون فرقتهم هذه فرصة للانتقام منهم أو للقصاص منهم. تماما مثلما تفعل أي مجموعة أو أي عصبة أو أي حركة تتخوف على نفسها إذا فعلت شيئا؛ مجموعة قامت بثورة، قامت بانقلاب عسكري، أسقطت رئيس إلى آخر هذا الكلام. في البداية لابد أن يكونوا حريصين على بقاء التكتل إلى أن يطمئنوا إلى أن هذا التغيير الذي فعلوه قد تم، وأنه لن ينتقض ولن ينقلب عليهم.
وزاد في تكتلهم هذا، ساعدهم في تكتلهم هذا، طبيعة البشر. طبيعة البشر حين تحصل الفوضى الناس تتكاثر ويهرعون إلى منطقة الأزمه؛ شجار في الشارع، حادثة فالناس تجتمع. فطبيعة البشر أنه حين تحدث الفوضى يجتمع الناس. وحين يجتمع الناس في لحظة فوضى، تنفلت أيضا أزمة الأمور من أيدي الكبراء والوجهاء. ففي زمن حصار عثمان رضي الله عنه، القبيلة مقتلة، كثير من الأعراب في لحظات الفوضى هذه قدم إلى المدينة. الأعراب الموجودون حول المدينة جاؤوا إلى المدينة.
بهذا التكتل وهذا التجمع يحدث ما يسميه علماء علم نفس الجماهير أو علم الاجتماع النفسي، علم النفس الاجتماعي أقصد، يحصل ما يسمى الشعور بالقوة؛ الشعور بالقوة ضمن المجموع. ويحدث ما يسمى عدوى انتشار المشاعر، قلة الإحساس بالمسؤولية الفردية ضمن المجموع. ولذلك هنا الثورات لا تواجه بالعنف والصد لحظة الثورة، لا تواجه بالعنف والصدق وإنما بالتهدئة والامتصاص، لأن الجمهور حين يتمرد الجمهور، الشعب، تعجز قدرة السلطة عن السيطرة عليه. طبعا إلا إذا كان فارق القوة كبير جدا، فساعة إذ يمكن للسلطة أنها تخمد الثورة بالعنف، لكن أيضا يحصل هذا بكثير من التكاليف، وأيضا بعد زمن قد يطول.
وهذا الأمر يجب أن نفهمه نحن؛ نحن جيل الثورات يجب أن نفهمه نحن جيل الثورات أكثر من أي جيل آخر. نحن رأينا كيف يتمتع الناس بقوة تكتل كبيرة حين يجتمعون، وكيف يسعى المناهضون لهذه الثورات إلى امتصاصها وتهدئتها أكثر مما يسارعون إلى مواجهتها وقمعها بعد أن تبدو أن الجماهير نزلت إلى الشوارع. ونرى أيضا كيف تسبب القمع في أضرار كثيرة وفي تكاليف كبيرة. المهم فهم هذا، فهم هذه الفكره في علم الاجتماع في علم نفس الجماهير، فهم هذه الفكرة ستساعدنا جدا في فهم موقف سيدنا علي رضي الله عنه فيما بعد.
بعض العبارات الواردة في ثنايا الروايات تضيف سببا آخر، وهو أنه فترة الحصار التي حصر فيها سيدنا عثمان، ما سببته من الفوضى، توقف فيها النظام المالي، توقفت معها العطايا والأموال. وهذا أدى إلى أن جهد الأعراب، بدأت بعض المناطق حول المدينة تشعر بالفقر أو جهدوا، حصلت عندهم الأزمة الاقتصادية، فهرعوا أيضا إلى المدينة. يبقى هناك من يهرع إلى المدينة علشان لحظة فوضى، وهناك من يأتي إلى المدينة من أثر الأزمة الاقتصادية. وهذا يسمى في علم الاجتماع ظاهرة الهجره إلى العاصمه، وهي ظاهرة اجتماعية طبيعية ولا تزال متكررة عند وقوع الأزمات الاقتصادية أو المجاعات أو ما شابه، فالناس يحضرون من القرى والأنحاء والبوادي إلى العاصمه. وحصل مثل هذا في عهد سيدنا عمر رضي الله عنه في عام الرمادة، عام المجاعة، كثر الأعراب بالمدينة. خلاصه الوضع أن الأزمة في المدينة ازدادت، وكثر الناس في المدينة، وتكتل فيها المتمردون، فهذه كانت المعضلة الأولى في وجه علي رضي الله عنه.
هنا بدا وظهر، كان يبدو وكأنه تكتل المتمردين الذي تكاثر بتكتل الأعراب قد غلب على المدينة وسيطر على المدينة، وكانه قادة المتمردين امتلكوا زمام المبادرة في اختيار الخليفه القادم. ونحن ذكرنا أنهم لم يكونوا أصلا متفقين على شخصية أخرى اتفاقا تاما، وطبعا وبالتأكيد ما كانواش متفقين على شخصية منهم، وهو لم يكن يخطر ببالهم أن يتجاوزوا كبار الصحابه.
رواية عند الطبري أن أهل البصرة كانوا أكثر ميلا إلى طلحة بن عبيد الله، وأن أهل الكوفة كانوا أكثر ميلا إلى الزبير بن العوام. وأهل مصر، وذكرنا أهل مصر العرب الذين أقاموا في مصر وهؤلاء الذين فشى فيهم ابن سبأ وأفكاره، كانوا يرغبون في علي بن أبي طالب. فتحركت ثلاثة وفود، إن صح التعبير، ذهب كل قوم إلى صاحبهم يطالبوه بأن يكون خليفة. وهؤلاء الثلاثة كلهم أبى وكلهم دفعها عن نفسه، حتى ذهبوا إلى عبد الله بن عمر بن الخطاب وألحوا عليه حتى هددوه بالقتل. ويعني روايته تهديده بالقتل هذه الرواية صحيحة، أوردها الإمام أحمد في فضائل الصحابه بإسناد صحيح، وكذلك رواها ابن سعد في الطبقات الكبرى. فكان جواب ابن عمر كجواب الجميع، كلهم يدفعها، يدفع الخلافة عن نفسه.
طبعا هناك سببين أساسيين؛ السبب الأول ما في الخلافة والامارة من التكاليف والأمانة الثقيلة، هذا سبب معروف. السبب الثاني هو هذا الوضع الذي نحن فيه الآن، أنه هؤلاء الذين جاءوا يبادرون وجاءوا يبايعون، هم المجرمون الذين ارتكبوا جريمة عظمى لأول مرة في تاريخ الإسلام، قتل الخليفة. وهذا ظهر واضحا في رد علي بن أبي طالب عليهم، هو حكى ذلك بنفسه رضي الله عنه قال: لقد طاش عقلي يوم قتل عثمان وأنكرت نفسي، وجاؤوني للبيعة فقلت والله إني لأستحيي من الله أن أبايل قوما قتلوا رجلا قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا أستحيي ممن تستحيي منه الملائكة؟ يقول علي: وإني لأستحي من الله أن أبايع وعثمان قتيل على الأرض لم يدفن بعد.
فعندئذ انصرفوا. فلما دفن عثمان، رجع الناس فسألوني البيعة. هذا الكلام ما يزال لعلي، وهذه الرواية رواية عند الحاكم بسند صحيح على شرط الشيخين، وهو وافقه الذهبي في هذا. فلما دفن، رجع الناس فسألوني البيعة. فقلت: اللهم إني مشفق مما أقدم عليه، ثم جاءت عزيمة فبايعت. فلقد قالوا يا أمير المؤمنين، فكأنما صدع قلبي وقلت: اللهم خذ مني لعثمان حتى ترضى.
هذا موقف علي رضي الله عنه. هنا حصل شيء مهم للغاية وسيؤثر معنا في مسار الفتنة. هنا بدا وكأنه هناك معضلة في الشرعية، وأن وجود أهل الفتنة هؤلاء في مشهد البيعة يضر بها، يضر بالبيعة وبشرعية البيعة. يعني هؤلاء ليسوا أهل حل وعقد، بل هم مجرمون قتلة وهم منقلبون على الخليفة الشرعي. ولذلك سيدنا علي رضي الله عنه ماذا فعل؟ أبى أن يبايعهم في بيته. يعني هم جاؤوه للبيعة في بيته فابى أن يبايعهم في بيته، وأمر بأن تكون البيعة في المسجد؛ البيعة العامة، خروجا من أن يكون هؤلاء هم من انفردوا بتنصيبه خليفة أو ببيعته خليفة.
روا الإمام أحمد في فضائل الصحابة والطبري في تاريخه بإسناد صحيح عن محمد بن الحنفية، ومحمد بن الحنفية نحن ذكرنا أنه ابن سيدنا علي بن أبي طالب. قال محمد: كنت مع علي أبيه وعثمان محصور. فاتاه رجل فقال: إن أمير المؤمنين مقتول. ثم جاء آخر بعده فقال: إن أمير المؤمنين، يعني عثمان، مقتول الساعة، خلاص الآن اقتحموا. فقام علي، محمد يقول فقام علي. فيقول محمد: فأخذت بوسطه تخوفا عليه، وطبعا قام كأنه يريد أن يدافع عن عثمان أو يتدخل، قال: فأخذت بوسطه تخوفا عليه. فقال: خل لا أم لك، يعني اتركني دعني. قال: فأتنى علي الدار، يعني سيدنا علي وصل الدار وقد قتل الرجل.
فأتنى داره فدخلها، يعني سيدنا علي حين وصل إلى دار عثمان كان عثمان قد قتل، فدخل علي داره وأغلق عليه بابه. فاتاه الناس فضربوا عليه الباب فدخلوا عليه فقالوا: إن هذا الرجل قد قتل، ولابد للناس من خليفة، ولا نعلم أحدا أحق بها منك. فقال لهم علي: لا تريدوني، فإني لكم وزير خير مني لكم أمير. فقالوا: لا والله، ما نعلم أحدا أحق بها منك. قال علي: فإن أبيتم علي، فإن بيعتي لا تكون سرا، يعني في البيت. وفي رواية: فإن بيعتي لا تكون إلا عن رضا المسلمين، ولكن اخرجوا إلى المسجد، فمن شاء أن يبايعني بايعني. قال محمد: فخرج إلى المسجد فبايعه الناس.
الآن علي هو أفضل من بقي من الصحابة، وقد كان جديرا بالمبادرة؛ يعني هو لابد للناس من خليفة. وطبعا لقد مات من هو خير من عثمان، رسول الله صلى الله عليه وسلم. فبادر الصحابه، بادر من هو خير من علي اللي هو أبو بكر وعمر إلى تدبير شأن الخلافة ونصب الخليفة، وكان النبي ما زال لم يدفن بعد. فلذلك موقف مبادرة سيدنا علي بتولي الخلافة، هو موقف صحيح شرعا وعقلا. وهنا دلت على شرعية بيعة علي أمور؛ منها نصوص نبوية وهذه كفى بها طالما صح النص النبوي فخلاص، لكن منها نصوص نبوية وأمور أخرى.
فمن هذه الأمور ما رواه أحمد والترمذي والنسائي بأسانيد حسنة وصحيحة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تكون ملكا». المقصود هنا الخلافة الراشدة التي هي على منهاج النبوة. الخلافة بعدي يقصد بها الخلافة الراشدة، لأنه يعني الخلافة نظام الخلافة استمر 1340 سنة. نظام الخلافة ألغي من مئة سنة فقط ماضية يعني. فالشاهد من الحديث أنه فترة سيدنا علي رضي الله عنه كان ضمن هذه السنين الثلاثين، ولو لم يكن غير هذا الحديث الصحيح حجة لكفى به، لأنه صريح الدلالة.
ومن الأمور التي تدل على شرعية علي، سائر النصوص النبوية التي تفيد أنه على الحق. النصوص التي تحدثت عن الفتنة وذكرت أن عليا سيكون على الحق، هذه كلها أيضا تثبت شرعية علي رضي الله عنه. يعني شهادة النبي بأنه على الحق وأنه أولى الفئتين بالحق، هي دليل على شرعيته.
الأمر الثالث هو إجماع الصحابة على ذلك. لم ينازع سيدنا علي أحد على الخلافة، غاية ما حصل أو غاية ما كان، غاية الخلاف أن امتنع البعض عن بيعته. وامتناع البعض عن البيعة لا يضر انعقاد الخلافة، يعني شرعا كون أن هناك بعض من امتنع عن البيعة هذا لا يضر انعقاد بيعة الخلافة شرعا. بل هؤلاء الذين خالفوه وقاتلوه لم يكونوا ينازعونه الخلافة. وورد عن معاويه في رواية بإسناد حسن عند ابن أبي شيبة في المصنف قوله: ما قاتلت عليا إلا في أمر عثمان، يعني لم يكن يقاتله على الخلافة.
الأمر وما بعد ذلك، مما يثبت شرعية علي رضي الله عنه، هي وصية الصحابة باتباعه ولزومه. يعني بعض الصحابة حين سئلوا عن الخليفة بعد عثمان قالوا عليه. ثبت ذلك عن طلحة والزبير وعائشة، وكذلك من بايعوه من الصحابة واتبعوه وقاتلوا معه، وثبوت بيعة أهل الحرمين له الذين هم موطن أهل الحل والعقد في ذلك الوقت، هو مما يؤكد شرعية بيعة علي رضي الله عنه.
ومما يؤيد بيعة علي رضي الله عنه، ما رواه البزار بإسناد جيد كما قال الحافظ ابن حجر في الفتح عن حذيفة بن اليمان. وحذيفة هو أعلم الناس بالفتن، كان يهتم بها وكان كثير السؤال عنها للنبي صلى الله عليه وسلم. فحذيفة قال؛ حذيفة كان يحدث الناس فكان يقول: كيف أنتم وقد خرج أهل بيت نبيكم فرقتين يضرب بعضكم وجوه بعض بالسيف؟ فسئل: يا أبا عبد الله فكيف نصنع إذا أدركنا ذلك؟ قال: انظروا إلى الفرقة التي تدعو إلى أمر علي بن أبي طالب فإنها على الهدى.
وهذه المسألة؛ مسألة شرعية بيعة علي وانعقاد الإمامة له، مما انعقد عليه قول أهل السنة والجماعه ونطق به أئمتهم عبر العصور وصنفوا في ذلك كتبا وتصانيف. ويعني لو أردنا أن نلتقط من أقوالهم بعض هذه الاقوال، فيعني لناخذ هذه الجولة أو هذه الباقة.
روى أحمد في فضائل الصحابة بإسناد صحيح عن الحسن البصري أنه قال: قتل أمير المؤمنين عثمان، فعمد الناس إلى خيرهم فبايعوه. هذا نص.
النص الثاني رواه عبد الله بن الإمام أحمد في كتاب السنة أنه قيل للإمام أحمد بن حنبل: إن قوماً يقولون إنه ليس بخليفة، فقال أحمد: هذا قول سوء، هذا قول سوء رديء؛ أصحاب رسول الله ﷺ يقولون له يا أمير المؤمنين، أفنكذبهم؟ وقد حج بالناس وقطع ورجم، أي أقام الحدود؛ فيكون هذا إلا خليفة؟ فهذه كلمة الإمام أحمد.
وقال الإمام أبو الحسن الأشعري في كتابه الإبانة عن أصول الديانة: تثبت إمامة علي رضي الله عنه بعد عثمان رضي الله عنه لعقد من عقدها له من الصحابة رضوان الله عليهم من أهل الحل والعقد، ولأنه لم يدعها أحد من أهل الشورى غيره؛ أي لم يخرج أحد ويقول أنا الخليفة غير علي، فلم يدع أحد من أهل الشورى غيره في وقته، وقد اجتمعوا على فضله وعدله. هذه كلمة الإمام الأشعري.
وقال الإمام ابن العربي صاحب الكتاب الشهير العواصم من القواصم: لم يكن بعد الثلاثة، اللهم أبو بكر وعمر وعثمان، لم يكن بعد الثلاثة كالرابع علي؛ يعني قدراً وعلماً وتقى وديناً. ومما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى: لم يتردد أحمد، يقصد أحمد بن حنبل، لم يتردد أحمد ولا أحد من أئمة السنة في أنه ليس غير علي أولى بالحق منه ولا شكوا في ذلك.
وقال الإمام ابن حجر الهيتمي في كتابه المشهور الذي خصصه للرد على أهل البدع، كتابه الصواعق المحرقة في الرد على الرفض والضلال والزندقة: قال وجه انعقاده في زمن الشورى على أنها له أو لعثمان، هنا يتكلم عن لحظة ما قتل سيدنا عمر فتركها في ستة، وهؤلاء الستة انتهوا إلى اثنين هو أو عثمان، فهو يأخذ من هذا مقدمة أو قاعدة يبني عليها ويرتب عليها؛ فيقول على أنها له أو لعثمان، وهذا إجماع على أنه لولا عثمان لكانت لعلي، فحين خرج عثمان بقتله من البيت علم أنها بقيت لعلي إجماعاً. ومن ثم قال إمام الحرمين، يقصد الجويني: لا اكتراث بمن قال لا إجماع على إمامة علي، فإن الإمامة لم تجحد له، وإنما هاجت الفتنة لأمور أخرى.
فلا خلاف بين أهل السنة على أن علي بن أبي طالب هو خليفة شرعي، وبهذا فإن موقف علي رضي الله عنه من المبادرة إلى الخلافة هو موقف صحيح شرعاً وعقلاً. لكن نلاحظ في هذه العبارات التي أوردناها أنها أصلاً قيلت لأنه وجد من كان يتشكك في صحة بيعة علي رضي الله عنه، وأن هذا السؤال بقي قروناً وهو مطروح؛ فهو يطرح على أحمد بن حنبل بعد قرنين من الزمن، ويذكرها ابن تيمية بعد سبعة قرون، ويذكره ابن حجر الهيتمي بعد ثمانية أو تسعة قرون. لماذا؟ نحن ذكرنا أن شرعية علي كانت موضع نقاش، خصوصاً مع فرقة النواصب، الفرقة التي نصبت لعلي العداء ورأت أنه قائد انقلاب ناجح على عثمان.
وهذه الأجواء التي أحاطت بالبيعة، وأن هذه البيعة لم تكن بيعة خالصة كبيعة الثلاثة الخلفاء الأوائل، فهذه الأمور اتكأ عليها هؤلاء النواصب للتشكيك في شرعية خلافة علي رضي الله عنه. وهذه الفرقة، التي هي فرقة النصب كما ذكرت ذلك من قبل، كانت قد انقرضت فعلاً؛ أي لم ينشأ في عصرنا أحد، لا في هذا القرن ولا في القرون السابقة، من كان يتشكك في خلافة علي، لكن بعث هذا النقاش من جديد مع الغلو الشيعي والتمدد الإيراني المعاصر.
الخلاصة الآن أنه مع أن جمهور الصحابة والتابعين بايعوه في المدينة، لكن ظروف الاختلاف وأجواء الفتنة ومقتل عثمان وما أثره هذا في النفوس أسفر عن كثير من المعضلات، كل معضلة جرت إلى أخرى، وهذا ما أدى إلى تسلسل غير متوقع في الأحداث. وهذا التسلسل نراه معكم إن شاء الله في الحلقة القادمة. نسأل الله تبارك وتعالى أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا علماً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
محمد إلهامي