في الحلقة الماضية كنا في الشام، ونحاول أن نراقب الموقف وأن نفهمه من وجهة نظر معاوية رضي الله عنه وأنصاره، وكيف أنهم فهموا من بعض الأحاديث النبوية أنهم على الحق؛ يعني أنهم كانوا أنصار عثمان وهم الذين لم يشاركوا في فتنة مقتله، وكذلك هم أهل الشام الذين أوصى النبي صلى الله عليه وسلم باللحاق بهم، وهكذا. وذكرنا أنه سياسة علي رضي الله عنه إذا نظرنا إليها من زاوية أهل الشام، فإنها ستؤكد إيمانهم بصحة موقفهم. كيف هذا؟ سيدنا علي أخذ من أيام توليه الأولى، كما ذكرنا، في عزل ولاة عثمان، خصوصاً من كان من أقارب عثمان، مثل خالد بن سعيد بن العاص -هذا عزل عن مكة- وعبد الله بن عمرو بن قريز -عزل عن البصرة- وحاول عزل معاوية بن أبي سفيان عن الشام.
وهذا الوضع أقل ما فيه، أقل ما فيه، أنه يثير الخوف والقلق في نفس معاوية على نية علي في الأخذ بالقصاص من قتلة عثمان؛ يعني لئن سلم معاوية الشام لعلي، فإنه يكون بهذا قد خرج من قوته وعدته وأنصاره، بل ربما ولى علي الشام أحد زعماء التمرد، وساعة إذن، طبعا، سيكون قد ضاع دم عثمان إلى غير رجعة، وربما سعى هذا الوالي، وربما سعى هؤلاء المتمردون بعد أن قتلوا عثمان إلى قتل معاوية نفسه ليتم لهم الأمر، وتنقضي قضية دم عثمان إلى غير رجعة أيضا. حتى إنه سيدنا علي لم يقبل من واليه على مصر -ونحن ذكرنا أنه ولى على مصر، ضمن من ضمن ولاة، قيس بن سعد بن عبادة- فقيس بن سعد بن عبادة استطاع إدارة الأمر في مصر، وأن يصل إلى قدر من الملائمة والمهادنة مع أنصار عثمان في مصر، فسيدنا علي لم يقبل هذا من قيس بن سعد فعزله، وولى عليها اثنين من رؤوس الفتنة الواحد تلو الآخر، وهما محمد بن أبي بكر والأشتر مالك بن الحارث النخعي.
الامر الثاني الذي يؤكد صحة موقف أهل الشام من وجهة نظرهم، أن الذين نهضوا لمعاونة علي في القصاص من قتلة عثمان -اللي هم طلحة والزبير وعائشة ومن معهم من الجيش- خرج علي إليهم فقاتلهم وهزمهم في معركة الجمل؛ يعني لو كان سيدنا علي يسعى للتهدئة مع القتلة الذين تمردوا على عثمان وحاصروه وقاتلوه، فكيف به يقاتل الذين سعوا في نصرته والقصاص له؟ ونحن هنا نكرر، نحن نحاول شرح الموقف من زاوية معاوية وأنصاره، يعني من كان في الشام كان يرى المشهد على هذا النحو. الأمر الثالث، أنه سيدنا علي من بداية خلافته عمل على إرجاء الأخذ بالقصاص من قتلة عثمان، وحاول تسكين الأمور وتبريد الأمور، وسعى إلى محاصرة أي حركة يقوم بها الصحابه لمقاتلة هؤلاء القتلة؛ يعني لو كان من الواجب الأخذ بالقصاص للمقتول ظلماً، يعني لو كان الرجل من أغمار الناس وقتل، لكان الواجب الأخذ بالقصاص له، لكن كيف، المقتول هنا هو عثمان بن عفان، الرجل الثالث في الإسلام!
الامر الرابع الذي نظر إليه أهل الشام، أنه فوق كل ذلك سيدنا علي لم يكتفي بتأجيل أو بإرجاء أو بإنهاء الأخذ بالقصاص لعثمان، لكن جيش علي يضم قتلة عثمان وبعضا من رؤوس الفتنة، وقد جعلهم في جيشه وفي ولايته. ذكرنا أن محمد بن أبي بكر كان قائد الرجالة في جيش الجمل، ثم والاه على مصر، والأشتر النخعي كان من قيادات جيش علي في الجمل، وهو في معركة الجمل تواجه عبد الله بن الزبير بن العوام بمالك الحارث بن الأشتر النخعي، فطبعا وكلاهما شديد، كلاهما بطل، كلاهما قوي شديد البأس، حتى كان عبد الله بن الزبير ينادي على الناس أن يقتلونهما معا، فكان يقول: اقتلوني واقتلوا مالكا معي، فيما يشبه عملية استشهادية لتخليص الناس من مالك هذا، لكن الناس لم يفهموا، لأنه مالك لم يكن معروفا باسم مالك، فلم يفهموا من مالك الذي يقصده عبد الله بن الزبير، وهذه الرواية عند الطبري بإسناد صحيح.
احنا ذكرنا الآن محمد بن أبي بكر كان قائد الرجال وكان والياً على مصر، ثم الأشتر النخعي كان قائدا في الجمل ثم أيضا تولى على مصر فيما بعد وولى على مصر، وقبل ذلك أقر علي على مصر محمد بن أبي حذيفه، وهو أصلاً من المتمردين على عثمان، وانتزعها من والي عثمان السابق، اللي هو عبد الله بن سعد بن أبي السرح، وبقي محمد بن أبي حذيفه عاماً كاملاً يحكم مصر بأمر علي. فإذاً، فالمتمردون على عثمان في جيش علي وولاياته. الامر الخامس الذي يؤكد لأهل الشام صحتهم، أن علي رضي الله عنه انتقل إلى الكوفة، الكوفة معقل رؤوس الفتنة الذين تمردوا على عثمان؛ يعني أول ما بدأت الفتنة بدأت في الكوفة، إذاً فقط طاب لعلي أن يكون المتمردون على عثمان في معقلهم، وأن يكونوا هم أنصاره وجنده، وهو استبدلهم بأهل المدينة؛ أهل المدينة لما تركها -والمدينة فيها المهاجرون والأنصار، وهي عاصمة رسول الله صلى الله عليه وسلم- يعني من بعد ما كان هؤلاء القتلة في جيشه، صار هو نفسه سيدنا علي في معقلهم وعند قبائلهم.
فهكذا كانت الصورة كما ينظر إليها أهل الشام على راسهم معاوية، فلذلك أول ما فعله معاوية حين بلغه أن عليا غلب على أهل الجمل وانتصر عليهم، دعا في الشام إلى الطلب بدم عثمان، وأجابه أهل الشام، ومن هنا نفهم المواقف المتتابعة لس سيدنا معاوية رضي الله عنه. ومن ذلك ما رواه ابن عساكر في تاريخ دمشق بإسناد جيد، كما قال الحافظ ابن حجر في الفتح، أن أبا مسلم الخولاني -هذا رجل من التابعين الكبار- ذهب إلى معاوية فقال له: أنت تنازع عليا أم أنت مثله؟ فقال معاوية: لا والله، إني لأعلم أن عليا أفضل مني وإنه لأحق بالامر مني، ولكن ألستم تعلمون أن عثمان قتل مظلوماً وأنا ابن عمه، وإنما أطلب بدم عثمان، فأتوه فقولوا له فليدفع إلي قتلة عثمان وأسلم له. فأتوا عليا فكلموه بذلك فلم يدفعهم إليه. وفي رواية فيها تفصيل يقول: فأتوه فكلموه، فقال علي: يدخل -يعني يدخل معاوية، يدخل في البيعة- ويحاكمهم إليه؛ يعني الأول يبايع ثم يشتكيهم إليه، فامتنع معاوية.
إذاً، لم يكن الخلاف بين علي وبين معاوية نزاعاً على الخلافة، معاوية هكذا يقر بأن عليا أفضل منه وأنه أحق بالخلافة منه، ولكن كيف يمكن أن يبايعه، لأنه لو بايعه سينعزل عن مأمنه، ويتجرد من القوة والشوكة، يتجرد من قوته وشوكته، وساعة إذن سيستسلم لعلي والقتلة في رجال علي، وهو علي في ديارهم. فاستحضار هذه الصورة، وفهم هذا الموقف، يجعلنا نرى كم كان الامر محيراً، وعصيباً، ولكل طرف من الأطراف وجه من النصوص النبوية، ووجه من المسوغات العقلية تجعله متمسكاً بموقفه، بل تجعله يرى نفسه على الحق لا يشك في ذلك. طيب، نترك الآن الشام على هذا الموقف ونعود إلى علي رضي الله عنه. استقر سيدنا علي في الكوفة، وكذلك استقر أمره في البصرة لأنه دخل أهلها في بيعة علي رضي الله عنه -نحن ذكرنا قبل ذلك أن البصرة كانت منقسمة، وأن بعض أهلها بايع علياً، وبعضهم امتنع، وبعضهم علق بيعته بالقصاص لعثمان-. الآن استقر أمر البصرة، وأمر عليها سيدنا علي ابن عمه عبد الله بن عباس، ثم بدأ هو في الاتجاه نحو معاوية وأهل الشام.
أرسل علي رضي الله عنه سيدنا جرير بن عبد الله البجلي -وهذا جرير بن عبد الله البجلي من الصحابة- أرسله مبعوثاً إلى معاوية يطلب منه البيعة لعلي مثلما بايع سائر الناس؛ يعني يقصد، طبعا، مصر كانت بايعت لعلي الآن، والبصرة كذلك، طبعا مكة والمدينة بايعتا قديماً، لكن معاوية جمع أهل الشام، يعني هو جمعهم فيما يشبه الاستعراض على نمط ذلك الزمن، اللي هو الاجتماع في المسجد، فجمعهم ليراهم جرير، فسألهم عن موقفهم، فكان موقف أهل الشام على النحو الذي يرضاه معاوية، قوة وتماسك وغضب لعثمان وحرص على القصاص لدم عثمان. هناك، طبعا، سفارات ورسائل لا نطيل الآن بذكرها، يعني هي تفاصيل ليس فيها مزيد علم، ولكن يمكن الرجوع إليها لمن أراد أن يتوسع في المصادر التي ذكرتها في الحلقة الثانية لمن أراد مزيداً من التفصيل.
طيب، أخفقت هذه الرسائل والسفارات وبدأ علي في تجهيز الجيش لغزو معاوية، إذاً نحن الآن على الطريق نحو حرب ثانية بين المسلمين، ولأنه الموقف كان عصيباً ولا تزال ذكرى الجمل لم تبرد بعد، فأثار أصحاب علي السؤال من جديد. روى أحمد وأبو داود بإسناد صحيح أن عليا سئل عن مسيره هذا، مسيره إلى قتال معاوية: هل هو اجتهاد منه أم عهد عهد به إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال علي: ما عهد إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء، ولكنه الرأي. وفي رواية صحيحة رواها مسلم في صحيحه -ومن المحتمل أيضا أن تكون هذه حادثة أخرى، فالروايتان بينهما شبه لكن الفارق في المجيب، ففي هذه رواية مسلم سئل علي رضي الله عنه عن هذا، عن خروجه هذا، لكن الذي أجاب هذه المره هو عمار- فقال: ما عهد إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً لم يعهده إلى الناس كافة.
كان معروفاً أن هذه الحرب -الحرب التي بين علي ومعاوية- ستكون أعصر وأشرس وأشد وأقوى بكثير من موقعة الجمل؛ يعني في الجمل قوم خرجوا للإصلاح ولم تنعقد نيتهم على قتال علي لكن انقضى الوضع، لكن أهل الشام يستعدون لقتال ويعزمون عليه. كذلك القيادة في معركة الجمل لم تكن واحدة، هناك الزبير وطلحة وعائشة، لكن قيادة أهل الشام واحدة وهي معاوية، وأهل الشام لا يخالفون عن رأيه ولا يتباطؤون عن عزمه. الأمر الثاني أو الأمر الثالث أن جيش الشام -جيش الجمل- احتشد في أيام، اتفق الزبير وطلحة وعائشة في مكة، وقضى شهوراً مثلاً تحت قيادة طلحة والزبير وعائشة، لكن أهل الشام سيدنا معاوية مكث في أهل الشام عشرين سنة، عشرين سنة والياً من أيام عمر بن الخطاب، وكان واليهم وخاض بهم حروباً رهيبة مع الروم في الفتوحات وخرج منتصراً، فإذاً قوة أهل الشام لا شك أشد بكثير جداً مما حصل في الجمل.
ولذلك هنا يفهم ما قاله الأشتر النخعي لقومه قبيل المعركة، وهذا رواه ابن أبي شيبة في المصنف، والحاكم وقال الذهبي وعلى شرط مسلم، أن الأشتر النخعي قال لقومه: إن هذه الأمة عمدت إلى خيرها فقتلته -ويقصد عثمان- وسرنا إلى أهل البصرة، قوم لنا عليهم بيعة -ذكرنا أن الأشتر النخعي كان يقول إن طلحة والزبير بايعا طائعين، وذكرنا ذلك في الحلقة الخاصة بهذا الموضوع- فهنا الوضع مختلف، يقول: صرنا إلى أهل البصرة قوم لنا عليهم بيعة فنصرنا عليهم بنكثهم، وأنكم تسيرون غداً إلى أهل الشام، قوم ليس لكم عليهم بيعة، فلينظر امرؤ أين يضع سيفه. بعض الناس فهم أن هذا النص هو تثبيط لقومه، وأن ذلك كان بسبب غضبه وتغيره على علي لأنه كان يتمنى ولاية البصرة وعلي لم يعطه ولاية البصرة، لكن الأقرب فيما أرى أن هذا الكلام كان هو من التحميص والتهيج له.
لكن فيما يبدو أن هذا الكلام جاء بنتيجة عكسية وانه ثبتهم ولم يأت ثماره، وهنا من اللفتات الذكية جداً التي قراتها لشيخ المؤرخين المسلمين المعاصرين، الدكتور أكرم ضياء العمري، في كتابه أصل الخلافة الراشدة، الدكتور أكرم كان يرجح قلة من شاركوا من الأزد -اللي هم قوم الأشتر- كان يرجح قلة من شاركوا من الأزد في معركة صفين، وذلك لأن الرواية الواردة بقلتهم هذه كانت من طريق أبي مخنف، وهو لوط بن يحيى، وهذا أحد الكذابين الذين بلغ بهم الغلو -الغلو طبعا في حب علي- أنه كان ينسب الكذب وكان يشوه صورة الصحابه، فهذا أبو مخنف هو من الأزد، فكان تقدير الدكتور أكرم عمري أنه ليس معقولاً أن يكذب مثله على قومه في مناصرتهم لعلي رضي الله عنه.
طيب، مما يضيف أيضاً إلى شراسة المعركة أن عدد ممن تورعوا عن قتال طلحة والزبير وعائشة -طبعا طلحة والزبير وعائشة أعظم في الإسلام وأكرم وأقدم من معاوية- فبعض الناس تورعوا عن قتال طلحة والزبير وعائشة، ولكنهم لم يروا... استسهلوا أن يقاتلوا معاوية؛ معاوية ومن معه لم يكونوا على هذا القدر من السبق الذي كان فيه أولئك الثلاثة. ومن هؤلاء الذين تورعوا عن الجمل وشاركوا في صفين الأحنف بن قيس التميمي، ونحن ذكرنا أنه كان يحاول اعتزل بقومه في ذلك الوقت في الجمل، لكنه دخل الآن بقومه في جيش علي لقاتل أهل الشام.
إذاً، خرج علي رضي الله عنه، وكذلك خرج معاوية على رأس جيش الشام، حتى كان التقاء الجيشين في أرض تسمى صفين. هناك اصطفى الجيشان الكبيران، طبعا هذان الجيشان يا أحبابي هما ثقل القوة الإسلامية، والقوة الإسلامية في ذلك الوقت هي القوة العظمى العالمية، لكم أن تتخيلوا مثلاً.
أمريكا الآن باعتبارها قوة عظمى عالمية انقسمت إلى قسمين، وجيشها انقسم إلى قسمين، فكيف سيتقاتل قسم الجيش الأمريكي؟
طبعاً هناك مبالغات في عدد من حضروا المعركة من كبار الصحابة ومن أهل بدر، وطبعاً دخلت الأهواء والأكاذيب في هذا الموضوع. وتصدى عدد من الباحثين لتحقيق من شهدوا المعركة من كبار الصحابة ومن البدريين، وأحسن ما وقفت عليه من هذا المجهود هو بحث الدكتور فواز الشمري في كتابه "صحيح أخبار صفين والنهروان وعام الجماعة"، وهذا الكتاب أشرت إليه كثيراً ودائماً ما أوصي به. البحث الذي انتهى إليه الدكتور فواز هو أنه معركة صفين ثبت أنه قد شهدها 25 صحابياً، منهم أربعة بدريون، وهؤلاء البدريون الأربعة كانوا كلهم مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ومن هؤلاء الصحابة أربعة عشر كانوا مع علي، وسبعة كانوا مع معاوية.
لكن الصحابة وإن كانوا قلة، فإن الجيشين كان بمثابة أعداد هائلة، فأقل التقديرات أن جيش علي كان 50 ألفاً، وجيش معاوية كان 60 ألفاً، وطبعاً هناك تقديرات أخرى تصل بجيش علي إلى 150 ألفاً، وبجيش معاوية إلى 120 ألفاً؛ في كل الأحوال هذه الأعداد أعداد هائلة قياساً إلى ذلك الزمن. طبعاً المشهد مهيب من جهة العدد، والمشهد محير من جهة الصواب.
ومما يروى في ذلك ما رواه ابن سعد في "الطبقات الكبرى" بإسناد حسن، أن أبا العالية الرياحي قال: لما كنا زمن علي عليه السلام ومعاوية، وإني لشاب، القتال أحب إلي من الطعام الطيب، فتجهزت بجهاز حسن حتى أتيتهم، فإذا صفان لا يرى طرفاهما، أعداد لا تشملها العين. فيقول أبو العالية: إذا كبر هؤلاء كبر هؤلاء، هذا يهتف الله أكبر وهذا يهتف الله أكبر، وإذا هلل هؤلاء هلل هؤلاء، هذا يقول لا إله إلا الله وهذا يقول لا إله إلا الله. قال: فرجعت نفسي فقلت: أي الفريقين أنزله كافراً، وأي الفريقين أنزله مؤمناً، أو من أكرهني على هذا؟ فما أمسيت حتى رجعت وتركته.
وقريب من هذا الموقف موقف عبد الله بن عمرو بن العاص؛ عبد الله بن عمرو بن العاص كان يرى اعتزال القتال، لكن أبوه عمرو بن العاص ذكره بوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم. روى أحمد في "المسند" وابن سعد في "الطبقات الكبرى" بإسناد صحيح، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعبد الله بن عمرو بن العاص: «أطع أباك ما دام حياً ولا تعصه». فبهذه الوصية كان عبد الله بن عمرو في جيش معاوية، ولكنه لم يقاتل، وهو عبد الله بن عمرو بن العاص عبر عن وضعه في شأن صفين بعبارة مؤثرة رواها ابن سعد في "الطبقات الكبرى" بإسناد صحيح، قال فيها: مالي ولصفين، مالي والقتال المسلمين؟ لوجدت أني مت قبله بعشر سنين، أما والله على ذلك ما ضربت بسيف، ولا طعنت برمح، ولا رميت بسهم. هو مع أنه لم يشارك، إلا أنه كان نادماً على أنه شهد هذا اليوم.
ومثله أيضاً ما رواه الحاكم -وقال صحيح على شرط البخاري ووافقه الذهبي- عن جري بن كليب العامري قال: لما سار علي إلى صفين كرهت القتال، فأتيت المدينة، فدخلت على ميمونة بنت الحارث فقالت: ممن أنت؟ قلت: من أهل الكوفة. قالت: من أيهم؟ قلت: من بني عامر. قالت: رحباً على رحب، وقرباً على قرب، ما جاء بك؟ قال: قلت سار علي إلى صفين وكرهت القتال فجئت إلى ها هنا. فقالت ميمونة: أكنت بايعته؟ قال: نعم. قالت: فارجع إليه فكن معه، فوالله ما ضل ولا ضل به. فهذا أيضاً موقف من مواقف المسلم المتردد الذي لا يدري أين يضع سيفه في معركة هائلة كمعركة صفين.
في الحلقة القادمة إن شاء الله نتابع كيف جرت معركة صفين، المعركة الثانية الهائلة بين المسلمين. فنسأل الله تبارك وتعالى أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا علماً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
حب الصحابة كلهم لي مذهب، ومودة القربى بها أتوسل، ولكلهم قدر وفضل ساطع، لكنما الصديق منهم أفضل، هذا اعتقاد الشافعي ومالك، وأبي حنيفة ثم أحمد ينقل، فإن اتبعت سبيلهم فموحد، وإن ابتدعت فما عليك معول.
محمد إلهامي