حب الصحابة كلهم لي مذهب ومودة القربى بها أتوسل، ولكلهم قدر وفضل ساطع لكنما الصديق منهم أفضل. هذا اعتقاد الشافعي ومالك وأبي حنيفة ثم أحمد ينقل، فإن اتبعت سبيلهم فموحد وإن ابتدعت فما عليك معول.
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. مرحباً بكم أيها الأحباب في هذه الحلقة الجديدة من سلسلة حلقات قصة الفتنة الكبرى، والتي نحاول فيها شرح ما حصل من القتال بين الصحابة الأجلاء رضوان الله عليهم أجمعين، ونزيل ما علق بهذه الفترة من الشبهات والأكاذيب. وصلنا في الحلقة الماضية إلى انزلاق الأمور نحو الحرب بين جيشي علي ومعاوية رضي الله عنهما، وهي الحرب التي كانت ساحتها في صفين، وصفين إلى الجنوب الغربي من مدينة الرقة الموجودة في سوريا الآن.
اصطف الجيشان في صفين بداية من ذي الحجة سنة ست وثلاثين للهجرة، لكنهما ظلا لا يلتحمان، وظل القتال بينهما أشبه ما يكون بالمناوشات أو الغارات الصغيرة طيلة هذا الشهر، شهر ذي الحجة. وأول من أشعل الاشتباك بين الجيشين كانت المعركة على الماء؛ فجيش معاوية رضي الله عنه سبق جيش علي إلى الماء، واتخذ موقعاً يريد به حرمان جيش علي من الماء، نوع من اتخاذ الموقف الحربي المؤثر. فأخرج سيدنا علي رضي الله عنه قطعة من جيشه كان يقودها الأشعث بن قيس، فاستطاعوا الوصول إلى الماء وغلبوا عليه وانتصروا على ما كان يسيطر عليه من جيش معاوية.
سيدنا عمار بن ياسر طبعاً عرفنا أنه في جيش علي، وكان الحسين بن علي كان من أشد الناس في الحرب، كان لديهما يقين تام أنهم على الحق، وأنهم يقاتلون الفئة الباغية التي يأمر القرآن بقتالها. الله تبارك وتعالى يقول: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ۖ فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: 9].
روى أحمد وابن حبان والحاكم وقال صحيح على شرط الشيخين بإسناد حسن عن شاهد عيان في المعركة يتكلم عن قتال عمار رضي الله عنه قال: رأيت عماراً يوم صفين شيخاً كبيراً آدم طوالاً. آدم يعني أسمر، وهذا كان سيدنا عمار كانت بشرته سمراء، طوالاً يعني طويل القامة. أخذني الحربة بيده ويده ترعد. ترعد يعني ترجف؛ لأنه سيدنا عمار كان في ذلك الوقت شيخاً كبيراً، كان في التسعين من عمره تقريباً. وهذا في هذه الحال دليل على إصراره على القتال وعلى حماسته، لأنه حتى وهو في هذه الحال، 90 سنة، وحتى وهو لا يستطيع أن يضبط يده، يده ترجف، فإنه دليل على حماسته للقتال.
وكان سيدنا عمار يقول: والذي نفسي بيده، لو ضربونا حتى يبلغوا بنا سعفات هجر، هجر هذه في شرق الجزيرة العربية، يعني لو غلبونا واضطرونا للانسحاب كل هذه المسافة، لعرفت أننا على الحق وأنهم على الضلالة. يتكلم عن جيش معاوية، فهو كان لا يشك في أنه كان على الحق. لكن انتبه أيضاً إلى كلمة عمار: لعرفت أننا على الحق، كلمة تدل أيضاً على أنه كان يرى أن في جيش علي قوماً مفسدين ومن ذوي الفتن، ويقصد بهؤلاء أهل الفتنة ممن شاركوا في قتل عثمان رضي الله عنه. وفي رواية أخرى عند ابن أبي شيبة في المصنف بإسناد صحيح، أن عماراً رضي الله عنه كان يقول: من سره أن تكتنفه الحور العين، فليتقدم بين الصفين محتسباً.
ولكن، وكالعهد به رضي الله عنه، هذه الحماسة وهذا اليقين وهذه القوة والشدة في القتال لم تخرج به عن الإنصاف. روى ابن أبي شيبة في المصنف بإسناد صحيح أن عماراً سمع رجلاً يقول: كفر أهل الشام، رجل في جيش علي يقول كفر أهل الشام باتباعهم معاوية. فقال عمار: لا تقولوا ذلك، نبينا ونبيهم واحد، وقبلتنا وقبلتهم واحدة، ولكنهم قوم مفتونون جاروا عن الحق، فحق علينا أن نقاتلهم حتى يرجعوا إليه. هذا الموقف يذكر بموقفه القديم وهو يستنفر أهل الكوفة للقتال مع علي، لما قال عن عائشة أمنا وهي زوجة نبينا في الدنيا والآخرة، ولكن الله ابتلاكم بها. فهذا الإنصاف، هذه الحماسة والقوة، لم تخرجه رضي الله عنه عن الإنصاف. ومثل ذلك كان الحسين رضي الله عنه، كان أيضاً من أشد الناس في القتال وكان على مذهب أبيه فيه. روى الطبراني في المعجم الكبير بإسناد قوي أن علي رضي الله عنه كان في مجلس بين أنصاره الموافقين له على القتال، فكان مما قال: فإما أنا وحسين، فإنا منكم وأنتم منا. وهذه الرواية كما ذكرتها عند الطبراني بإسناد قوي، هذه رواية مشهورة، سيدنا علي كان يقيم فيها الرجال الذين اتبعوه، فكان يعجبه من ولده الحسين هذه الشدة.
وفي هذه المعركة، معركة صفين، وقع مصداق ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم وهو قتل عمار. وتلك هي اللحظة الكبرى في هذه المعركة. ومن العجيب أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر عن ذلك في أول أمر الإسلام، يعني في لحظة بناء المسجد النبوي. في ذلك الوقت كان السواد الأعظم من هذين الجيشين لم يولد بعد أو لم يسلم بعد. وأخبر بذلك صلى الله عليه وسلم فقال: «تقتل عماراً الفئة الباغية». هنا ملحوظة مهمة يا جماعة الخير؛ بناء المسجد الوارد في هذا الحديث ليس هو البناء الأول الذي كان بعد الهجرة مباشرة، بل هذا كان بناء التوسعة للمسجد النبوي، وهذا حصل بعد فتح خيبر. وهذا التحقيق للإمام ابن رجب الحنبلي في كتابه فتح الباري شرح البخاري.
وفي بقية الرواية أن سيدنا عمار كان يقول: أعوذ بالله من الفتن. شوفوا هنا أيضاً فقه الصحابة، النبي لم يقل ليقتله الكافرون، قال: «تقتل عماراً الفئة الباغية»، ففهم عمار أنها فئة مسلمة، فلذلك قال: أعوذ بالله من الفتن. وفزع عمرو بن العاص من خبر مقتل عمار. روى معمر في الجامع وأحمد في المسند والحاكم وقال على شرط البخاري ومسلم ووافقه الذهبي بأسانيد صحيحة، أن عمرو بن العاص لما بلغه مقتل عمار ذهب إلى معاوية وهو يردد: إنا لله وإنا إليه راجعون، الكلمة التي تقال في المصيبة. فقال له معاوية: ما شأنك؟ قال: قتل عمار. فقال معاوية: قد قتل عمار، فماذا يعني؟ المشكلة الناس كلها تقتل الآن. قال عمرو: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «تقتله الفئة الباغية». فقال له معاوية: دحضت في بولك، أو نحن قتلناه؟ إنما قتله علي وأصحابه، جاءوا به حتى ألقوه بين رماحنا.
هنا وقفة، بداية يظهر أن سيدنا معاوية لم يكن قد سمع بحديث عمار هذا، فلذلك استغرب أن يفزع عمرو لمقتله؛ القتل مستمر، كل الناس تقتل. الأمر الثاني أنه ليس هناك أدنى شك في أن هذا التأويل الذي نطق به معاوية رضي الله عنه تأويل فاسد، والله أعلم بما كان في نفسه. لكن نحن نعرف من طبائع الإنسان أنه يكاد يستحيل على من تشبع بقضية ما أو اعتنق فكرة وقاتل في سبيلها أن تنهدم عنده هذه الفكرة في لحظة واحدة؛ بل العقل يعمل في تلقائية عجيبة لتطويع الحقائق الجديدة لكي تنسجم مع القناعات القديمة مهما كان في ذلك متعسفاً ومتكلفاً.
في علم النفس نظرية مشهورة، وهذه النظرية تعرف باسم نظرية التناسق المعرفي أو نظرية التنافر المعرفي، وكلا الاسمين يعبر عن نفس المعنى، وهذه ينسب اكتشافها لعالم نفس اجتماعي أظنه ألماني. خلاصة هذه النظرية أن الإنسان حين يتلقى معلومات أو حقائق تتعارض مع قناعة عنده، فهذا يتسبب في محنة نفسية تثير دوافعه لاستعادة الانسجام والاتساق بين القناعة الراسخة والمعلومة الجديدة؛ يعني إما أنه يغير قناعته أو يغير أفعاله، أو أنه يطوع المعلومة الجديدة ويوجد لها تفسيراً. فيما يخص موضوعنا هنا، موضوع سيدنا معاوية، البحث عن تفسير آخر للمعلومة الجديدة، أو بالمصطلح الإسلامي نسميه تأويل النص. فهذا تأويل النص هو إحدى الوسائل التي تلجأ إليها النفس لاستعادة الانسجام مرة أخرى. وفي الحرب تحديداً تكون النفوس في أعلى درجات استثارتها، والعقول تكون في أعلى حالات يقظتها وتوترها، وأي تشكيك في شرعية الحرب التي يخوضها أي جيش تدفع القيادة بكل سرعة وبكل تلقائية إلى إخراج تأويل مناسب لهذه الحقيقة الجديدة لكي يستعيد اتساق الجيش مرة أخرى. وهذا التأويل الجديد سرعان ما يسري في الجيش، لأنه طبعاً الجيش أو الجند وكذلك القائد، كلاهما لو تشكك في شرعية الحرب التي يخوضها فهي مهلكة لكلا الطرفين؛ فالشك في لحظة القتال محنة لا تحتمل. وهذا ما يفسر استمرار المعركة من جهة طبائع النفس والاجتماع.
في هذه الوقفة أيضاً يا أحباب يجب أن نستوعب ونستحضر انصياع الإنسان لظروف الأوضاع المحيطة به وتبعيته لهذه الأجواء، هذه من أهم حقائق علم النفس الاجتماعي، ومن أهم الأبحاث التي أجريت في هذا الموضوع في عصرنا الحديث، تجارب بعض علماء النفس الاجتماعي مثل ستانلي ملغرام وغيرهم، وهؤلاء لهم كتب ومؤلفات كثيرة جديرة بالقراءة. وهذه النتائج معتمدة على تجارب ليست مجرد نظريات أو بناءات منطقية. ومن أهم الكتب في هذا الموضوع كتاب مدرسي مهم جداً اسمه علم النفس السياسي. سآخذ منه هذه العبارة: وجهة النظر الغالبة في علم النفس الاجتماعي تؤكد أن الموقف الذي نواجهه أينما نكون يؤثر في سلوكنا تأثيراً يفوق تأثير خصائصنا الشخصية في كثير من الأحيان، وإلى حد أكبر مما يمكننا تصوره. ببساطة، الإنسان الطبيعي في كل الدنيا، مهما كان سلوكه الشخصي يدفعه إلى اتجاه معين، لو أن البيئة التي حوله تدفعه إلى اتجاه آخر، فالطبيعي أن الإنسان يتجه إلى الاتجاه التابع للناس.
هذه طبيعة البشر، وهذا المعنى نفسه عبر عنه شاعرنا القديم دريد بن الصمة، هذا الرجل الذي خرج مع أهل ثقيف وهوازن في غزوة حنين. نصح نصيحة وقومه خالفوه فيها وهزموا لأجل ذلك، فهو يقول: أمرتهم أمري بمنعرج اللوى ... فلم يستبينوا الرشد إلا ضحى الغدِ فلم يعني لم يكتشفوا أنه كلامي كان صحيحاً إلا اليوم التالي. كان الوقت قد فات، يقول: فلما عصوني كنت منهم ... وقد أرى غوايتهم، أو أنني غير مهتدي وهل أنا إلا من غزية إن غوت ... غويت، وإن ترشد غزية أرشدِ
فهذا ما يفسر تأويل معاوية أولاً، ما ذكرناه من نظرية التنافر أو التناسق النفسي، ويفسر سرعة تشرب عمرو بن العاص وبقية الجيش لهذا التأويل. حتى إن سيدنا عمرو بن العاص أعمل عقله هو أيضاً في تأويل حديث آخر سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم. روى ابن سعد في الطبقات الكبرى وأحمد في المسند والطبراني في المعجم الأوسط بإسناد صحيح أن عمرو بن العاص لما سمع نبأ قتل عمار قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن قاتله وسالبه في النار». فقيل لعمرو: فإنك هو ذا تقاتله أنت الآن تقاتله. قال: إنما قال قاتله وسالبه؛ يعني سيدنا عمرو فهم أن الحديث يتوعد القاتل الفعلي وحده، من قتل أو باشر قتل عمار، أو من باشر سلب عمار.
يجب أن نقول أيضاً، أولاً حديث «تقتله الفئة الباغية» هذا من أهم مواطن الجدل الذي دار بين السنة والشيعة، لأن الشيعة أرادوا أن يتوصلوا به إلى أن الصحابة المخالفين لعلي كفروا، وأنهم في النار، وأنهم دعاة إلى النار. طبعاً بداية الحديث صحيح لا يتطرق الشك إلى ثبوته، لكن المعنى الذي أراده هؤلاء منه هو المعنى الباطل. ولكن هذا الحديث يفهم إلى جوار الأحاديث الأخرى، ومن أهم هذه الأحاديث قول النبي صلى الله عليه وسلم عن الحسن: «إن ابني هذا سيد، وإن الله سيصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين»، فسمى الرسول صلى الله عليه وسلم الفئتين مسلمين. وكذلك حديثه صلى الله عليه وسلم عن الخوارج، سنأتي إليه فيما بعد: «تقتلهم أولى الطائفتين بالحق»، هذا اللفظ صريح أيضاً في أن طائفة معاوية كان معها شيء من الحق، لكن طائفة علي أولى بالحق أو أدنى إلى الحق.
ثانياً، الحديث الثاني في هذا الموطن من الجدل فهذا الحديث هو الذي يكشف أن قاتل عمار في النار. وثبت أن قاتل عمار هو أبو الغادية الجهني، وأبو الغادية الجهني هذا صحابي كما ثبت عنه في الروايات الصحيحة، بل هو ممن شهد بيعة العقبة الثانية وكان له سهم كبير في جهاد الروم. والشيعة أيضاً تعلقوا بهذا الحديث ليكون مدخلهم إلى تكفير عموم الصحابة وإلى إسقاطهم.
عدالة الصحابة، ولكن هذا الحديث الذي يتحدث عن قاتله وسلمه في النار، هذا حديث مختلف في تصحيحه؛ هذا حديث اختلف العلماء في تصحيحه. وهنا نحن أمام موقفين؛ الذين صححوا الحديث جعلوا أبا الغادية هذا استثناء من عموم ما ورد في فضل الصحابة، لأنه ما ورد في فضل الصحابة أحاديث عامة، لكن هناك دليل صحيح قاطع في شأنه هو.
وإلى هذا مثلا ذهب الشيخ الألباني في "السلسلة الصحيحة" ورد بذلك على ابن حجر، وأيضا يدل عليه كلام الذهبي في "سير أعلام النبلاء" في مجلد الخلفاء الراشدين. فهذا توجيههم للحديث أنه ما دام هذا جاء فيه دليل صحيح بذاته، فهو استثناء من عموم الأدلة في فضل الصحابة.
وأما الذين ضعفوا الحديث فقد سلم لهم الأمر؛ لأن الحديث الضعيف لا ينهض لإسقاط عدالة الصحابة الثابتة بالقرآن والسنة، ومن ثم عندهم أبو الغادية مثله مثل غيره من الصحابة الذين قاتلوا باجتهاد وتأويل، مثله مثل معاوية وعمرو بن العاص وغيرهم. وهنا أكمل بحثًا رأيته عن هذا الرأي كان عند الدكتور فواز بن فرحان الشمري في كتابه "صحيح أخبار صفين" لمن أراد أن يرجع إلى الأقوال ويتابع مسألة الأسانيد.
تحرير هذه المسألة أمر يخرج عن مقام هذه الحلقات، لكن المقصود حتى لو سلمنا بصحة الحديث، وحتى لو سلمنا أنه أبو الغادية في النار، فهذا حديث خاص في شأن واحد؛ شأن واحد، الله أعلم بما كان في نفسه والله أعلم بما استحق من العقوبة. وهذا لا يستغرب؛ لأن هناك بعض أقوام ممن رأوا النبي ﷺ وارتدوا في حياته أو ارتدوا بعد موته.
فإذا كان أبو الغادية هذا هو الاستثناء من قاعدة عدالة الصحابة، فهذا لا يعود على أصل القاعدة بالإبطال، يعني هذا الاستثناء لا يلغي القاعدة، ولا يكون هذا الوعيد في حق أبي الغادية لأنه خالف عليًا أو قاتله؛ لأن هناك آخرين خالفوا عليًا وقاتلوه وثبت في فضلهم أحاديث، وثبت أنهم في الجنة مثل طلحة وعائشة والزبير وعمرو بن العاص، هؤلاء ثبت في فضلهم حديث. وإنما يكون هذا الوعيد في حق أبي الغادية لأمور أخرى بينه وبين الله لا نعلمها. أرجو أن أكون ألقيت ضوءًا على هذه المواضعة وأشرت إلى المصادر التي يمكن أن يرجع إليها.
نعود الآن إلى المعركة، استمرت المعركة؛ جيش معاوية تشرب هذا التأويل الذي نطق به معاوية، ونحن ذكرنا قبل ذلك المواقف المتراكمة التي جعلت أهل الشام يظنون أنهم على حق، فيجب أن يتذكر هذا. ونحن نرى كيف عمل عقل معاوية في هذا التأويل. فالمهم نقول مستمرة المعركة، لكن مقتل عمار لم يكن بلا تأثير، وحتى لو أهل الشام تشربوا تأويل معاوية هذا التأويل الذي ولد في لحظة، لكن أهل العراق ازدادوا إيمانًا ويقينًا بموقفهم.
لذلك بعد مقتل عمار -يعني قبل مقتل عمار- كان أهل الشام هم الأعلى يدًا في المعركة، مقتل عمار قلب المعركة؛ فبدأ يفت في عضد أهل الشام، بدأ يتسرب إليهم الشك، ولكنه أعطى لأهل العراق قوة نفسية هائلة بأنهم على الحق وأن خصومهم هم الفئة الباغية، فالمعركة انقلب ميزانها من أهل العراق إلى أهل الشام، ولكن المعركة أيضًا مستمرة لا تفتر ولا تهدأ.
كان في قلب قيادة جيش الشام سيدنا عبد الله بن عمرو بن العاص، سيدنا عبد الله بن عمرو بن العاص كان مع أبيه عمرو بن العاص طاعة له ولكنه لم يقاتل، فلما جاء خبر مقتل عمار لم يرضَ عبد الله بن عمرو بن العاص بالتأويل الذي قاله معاوية، فظل يكرر على أبيه أن النبي ﷺ قال: «تقتله الفئة الباغية»، حتى قال معاوية وهو ضجر: «ألا تغني عنك مجنونك؟ ألا تغني عنا مجنونك يا عمرو؟»، ثم سأله: «فما بالك معنا طب وأنت قاعد معنا ليه؟». فكان يقول عبد الله بن عمرو بن العاص: «إن أبي شكاني إلى رسول الله ﷺ فقال لي رسول الله: قطع أباك ما دام حيًا ولا تعصه، فأنا معكم ولست أقاتل»، يعني هو موجود مع أبيه طاعة له لكنه لا يقاتل.
المهم بدأ جيش الشام يتراجع. ويروي أبو وائل الأسدي -وهذا تابعي شاهد عيان- يقول: كنا بصفين، فلما استحر القتل بأهل الشام اعتصموا بتل، فقال عمرو بن العاص لمعاوية: «أرسل إلى علي بمصحف وادعوه إلى كتاب الله فإنه لن يأبى عليك»، فجاء به رجل فقال: «بيننا وبينكم كتاب الله»، تلا عليه هذه الآية: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَىٰ كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُم مُّعْرِضُونَ﴾ [آل عمران: 23]. فقال علي: «نعم، أنا أولى بذلك، بيننا وبينكم كتاب الله».
إذاً خرجت هنا فكرة التحكيم. قال أبو وائل الأسدي: فجاءته الخوارج -ونحن ندعوهم يومئذ القراء- وسيوفهم على عواتقهم، فقالوا لعلي: «يا أمير المؤمنين، ما ننتظر بهؤلاء القوم الذين على التل إلا نمشي إليهم بسيوفنا حتى يحكم الله بيننا وبينهم». إذاً لاحظوا هنا بدأ يحدث اختلاف في معسكر سيدنا علي، ستكون له آثار فيما بعد؛ سيدنا علي مستجيب لدعوة التحكيم لكن عنده في جيشه خوارج يرفضونها.
تكلم هنا سهل بن حنيف، سهل بن حنيف صحابي من أولئك الذين شهدوا الحديبية، فقال يخاطب الخوارج: «يا أيها الناس، اتهموا أنفسكم»، فلقد رأينا يوم الحديبية -وحكى قصة الحديبية، والخلاصة لأن الموقف لا يحتمل أن نحكي قصة الحديبية- الخلاصة أنه الصحابة في الحديبية كانوا يرون أن الخير في القدوم إلى مكة، ولم تحتمل عقولهم ولا نفوسهم الرجوع عن مكة ولا الرضا بصلح الحديبية، وكانوا متمسكين بهذا حتى كادوا يعصون أمر رسول الله ﷺ في الحديث المشهور الذي تعرفونه، لكن الخلاصة أن الصحابة كادوا يعارضون النبي ﷺ ثم ظهر أن الخير بعد ذلك في أمر رسول الله وأن رأي الصحابة لم يكن رأيًا سديدًا؛ فلأجل هذا يقول سهل بن حنيف للناس: «يا أيها الناس اتهموا أنفسكم أو اتهموا رأيكم».
إذا استقر الأمر في جيش علي على إيقاف القتال، هو أن هذا الخلاف الذي بين علي ومعاوية يتم طرحه إلى تحكيم، يعني تحكيم يختار كل طرف ممثلًا عنه، فهؤلاء الطرفان يحكمون في هذا الخلاف حقنًا لدماء المسلمين. هناك عدد من الروايات أفادت أن سيدنا علي لم يكن راضيًا بالتحكيم وأنه حُمِل على ذلك، يعني أجبر على ذلك، وكأن في جيشه... الرواية تقول إن سيدنا علي فهم أنها خديعة لكن جيشه كان قد ضجر من القتال.
هذه الروايات التي تفيد أن عليًا لم يكن راضيًا عن التحكيم، أنا لم أرَ منها رواية صحيحة، بل سائر هذه الروايات ضعيفة. ما صح عن علي رضي الله عنه أنه كان راضيًا عن التحكيم، وقد ذكرنا الرواية التي يقول فيها: نعم أنا، أو لا بذلك.
كيف انتهى أمر التحكيم وكيف انتهت هذه المعركة؟ هذا ما نستكمله إن شاء الله في الحلقة القادمة. نسأل الله تبارك وتعالى أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا علمًا. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الصحابة كلهم لي مذهب ومودة القربى بها اتوسلوا، ولكلهم قدر وفضل سطع، لكن من الصديق منهم أفضل. هذا اعتقاد الشافعي ومالك وأبي حنيفة، ثم أحمد ينقله. فإن اتبعت سبيلهم فنوحد، وإن ابتعدت فما عليك معوج، وإن ابتدأت فما عليك.
محمد إلهامي