حب الصحابة كلهم لي مذهب ومودة، القربى بها أتوسلوا ولكلهم قدر وفضل سطع لكنما الصديق منهم أفضل، هذا اعتقاد الشافعي ومالك وأبي حنيفة ثم أحمد ينقله، فإن اتبعت سبيلهم فموحد وإن ابتعدت فما عليك معولوا، وإن ابتدأت فما عليك معورون.
بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. مرحباً بكم أيها الأحباب في هذه الحلقة الجديدة من سلسلة حلقات قصة الفتنة الكبرى، والتي نحاول فيها شرح ما حصل من القتال بين الصحابة الأجلاء -رضوان الله عليهم أجمعين- ونزيل ما علق بهذه الفترة من الشبهات والأكاذيب.
وصلنا في الحلقة الماضية إلى لحظة اقتراح التحكيم؛ التحكيم الذي أنهى هذه الحرب المستعرة في معركة صفين، والتي بدا أنها لن تنتهي إلا بإبادة الفريقين. وذكرنا أن عليًا -رضي الله عنه- كان قابلاً للتحكيم، ولا تصح الروايات التي ذكرت أنه كان رافضاً للتحكيم.
لكن هنا يجب أن نقول إنه تكرر في معركة صفين ما كان قد جرى أيضاً في معركة الجمل. روى ابن سعد في الطبقات الكبرى وابن أبي شيبة في المصنف بإسناد صحيح عن أبي أمامة الباهلي أنه قال: «شهدت صفين فكانوا لا يجهزون على جريح، ولا يطلبون مولياً، ولا يسلبون قتيلاً».
فهذه الأخلاق الإسلامية أو المعاملة، التي هي فكرة قتال البغاة وأحكامها أيضاً، كانت موجودة في صفين؛ بل سيدنا علي -رضي الله عنه- نهى عن سب أهل الشام. روى أحمد في فضائل الصحابة بإسناد صحيح أن رجلاً قال يوم صفين: اللهم العن أهل الشام، فقال علي: «لا تسب أهل الشام جماً غفيراً، فإن بها الأبدال»، وقيل في معناها: فيها الأكفاء أو فيها الرجال الذين يقومون مقام النصرة. وفي رواية أنه قال علي -رضي الله عنه-: «فإن فيهم قوماً كارهون لما ترون، وإن فيهم الأبدال».
وانكشفت المعركة الهائلة المستعرة؛ معركة صفين طبعاً كانت أشد بكثير من معركة الجمل، وذكرنا أسباب ذلك في الحلقة قبل الماضية. وانكشفت المعركة عن عدد كبير من القتلى اختلف المؤرخون والرواة في أعدادهم. طبعاً أعداد القتلى في صفين لم يرد لنا منها شيء صحيح؛ هذه الأعداد لا نعرف رواية صحيحة جاءت بأعدادهم، لكن اشتهر وراج أن قتلى صفين بلغوا سبعين ألفاً. هذا الرقم جاء بأسانيد ضعيفة موجودة عند ابن أبي شيبة في المصنف وعند خليفة بن خياط في التاريخ.
وبعض المؤرخين الآخرين بالغ جداً، كما يوجد مثلاً عند المسعودي في مروج الذهب حتى قال إنه قتلى صفين كانوا مائة وعشرة آلاف. طبعاً هذا الرقم الأخير رقم مائة وعشرة آلاف هو رقم ظاهر البطلان، هذا مؤكد لم يكن. لكن هناك بعض المعاصرين لم يتقبلوا حتى رقم السبعين ألفاً؛ فمن هؤلاء المعاصرين مثلاً كما ترونه في كتاب الدكتور يوسف العش في كتابه عن الدولة الأموية، وكذلك كتاب صحيح أخبار صفين للدكتور فواز الشمري، هؤلاء بتقديرهم واجتهادهم ذهبوا إلى أن قتلى صفين ربما يكونوا في حدود ثمانية آلاف يزيدون أو ينقصون.
لماذا قالوا ذلك؟ قاسوا ذلك على معركة القادسية، لأن معركة القادسية كان القتال فيها أربعة أيام وثلاث ليال، فكان قتالاً شديداً متصلاً وأسفر عن هذا العدد، فيقولون إنه لا يحتمل أن يُقتل سبعون ألفاً في معركة صفين. على كل حال، الوقوف أمام هذه التفاصيل ليس من مهماتنا في هذه الحلقات، لكن في كل الأحوال حتى الثمانية آلاف هذه تدل على أن معركة صفين كانت ملحمة عظيمة، وكانت معركة هائلة، وكانت ضحايا فيها كثيرون.
ما أشد خسارة الإسلام بهم! لأنه سقط في صفين عدد من أبطال الفتوح الكبار، الأبطال الذين أسقطوا الفرس والروم، وكان لهم في سجل الفتوحات صفحات مشرقة. من أبرزهم مثلاً هاشم بن عتبة بن أبي وقاص، هاشم بن أخي سيدنا سعد بن أبي وقاص، وهذا فاتح المدائن التي هي عاصمة الفرس، وعُرف بمصارع الأسود. وكذلك ممن سقط فيهم الرجال ذوو الفضائل المذكورة مثل سيدنا خزيمة بن ثابت؛ هذا هو الذي لقب بذي الشهادتين، يعني له موقف مع النبي ﷺ فجعل النبي شهادته بشهادة اثنين، وهذه من مناقبه -رضي الله عنه-، هذا أيضاً ممن قتل في معركة صفين، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
روى سعيد بن منصور في السنن وابن أبي شيبة بإسناد صحيح أن عليًا -رضي الله عنه- سُئل عن قتلى صفين فقال: «قتلاؤنا وقتلاهم في الجنة، ويصير الأمر إلي وإلى معاوية». وفي رواية أنه قال: «من قتل منا ومنهم يريد وجه الله والدار الآخرة دخل الجنة». فهذا كلام علي -رضي الله عنه- في خصومه.
وهنا تبدأ مرحلة جديدة، أو يبدأ فصل جديد في قصة الفتنة وهو فصل التحكيم. الآن صار معروفاً بفضل المجهود الذي بذله المشايخ والعلماء والباحثون المعاصرون، صار مشهوراً ومعروفاً ومنتشراً وذاع أن القصة المشهورة للتحكيم قصة باطلة؛ يعني القصة التي جاءت عن طريق الإخباري الشيعي الكذاب أبو مخنث لوط بن يحيى. ولمن شاء العودة إلى تفاصيل هذا، فأنا أنصح بالرجوع إلى كتاب الدكتور يحيى اليحيى، له كتاب «روايات أبي مخنث في تاريخ الطبري عصر الخلافة الراشدة: دراسة نقدية»، هذا من أجمل الكتب ولعله الوحيد في بابه على حد علمه الذي يناقش مرويات أبي مخنث بغيرها من المرويات، فيكشف أين زاد أبو مخنث أو أين نقص من الروايات؛ كتاب مهم جداً، وأنا ذكرت هذا المرجع في الحلقة الثانية من هذه السلسلة عندما تكلمنا عن أهم المصادر.
ومن أراد أن يتوسع في موضوع الفتنة بشكل عام فليرجع إليها. إذاً هذه القصة المشهورة لتحكيم قصة باطلة، فما هي القصة الصحيحة؟
القصة الصحيحة تبدأ كالآتي: جرى الاتفاق على وقف القتال والذهاب إلى التحكيم، حينئذ اتفقوا على ما نسميه الآن "اتفاق إطار"، يعني كتابة وثيقة تحدد مسار المفاوضات المرتقبة وموضوعها وشروطها. فخلاصة هذه الوثيقة، التي هي اتفاق الإطار الذي ينظم عملية التحكيم، تقول: إنه اختار علي -رضي الله عنه- أبا موسى الأشعري محكماً ممثلاً عنه، واختار معاوية عمرو بن العاص محكماً ممثلاً عنه -رضي الله عنهم جميعاً-.
البند الثاني: أن هذين الحكمين يلتزمان بالحكم بكتاب الله، فإذا لم يجدا في كتاب الله فبالسنة الحسنة العادلة المجمعة غير المفرقة، وأن يجتهدا في أمرهما كي لا تعود الأمة إلى الفرقة والحرب. البند الثالث: التزام الفريقين، يعني فريق علي وفريق معاوية، بالخضوع لما يصدر عن الحكمين، وأن الحكمين آمنان على أنفسهما وأموالهما ودورهما، وأن الأمة جند لهما في تنفيذ ما يتفق عليه.
البند الرابع أنه الحد الأقصى للقائهما في رمضان، يعني بعد ثمانية أشهر. نحن ذكرنا أنه في سفر المعركة، صفين كانت في السفر، فالمدى الزمني أو الإطار الزمني أن اللقاء يكون في رمضان بعد ثمانية أشهر، والمكان يختارونه بالاتفاق، لكن يكون مكاناً وسطاً بين الشام والعراق والحجاز.
البند الخامس أنه من صلاحيات الحكمين اتخاذ من شاؤوا من الشهود للشهادة على هذه الوثيقة التي تصدر الآن. هنا قبيلة وضعت الوثيقة، حصل خلاف، أراد علي رضي الله عنه أن يكتب هذا ما تقاضى عليه علي بن أبي طالب أمير المؤمنين ومعاوية بن أبي سفيان، فاعترض معاوية وقال: «بئس المرء أنا إن أقرتُ أنه أمير المؤمنين ثم أقاتله». واضح أن لو اعترف معاوية بشرعيته لعلي انتهى الأمر، فهو اعترف بأنه باغي، فلذلك محيت كلمة أمير المؤمنين.
وهذا الموقف شبيه بموقف الحديبية حين محا رسول الله ﷺ صفة رسول الله لما اعترض عليها سهيل بن عمرو سفير قريش في الصلح، قال: لا، لو كنا نعلم أنك رسول الله ما قتلناك.
لكن هنا هناك شيء غريب؛ لو كان طبيعياً أن معاوية يختار عمرو بن العاص حكماً ممثلاً عنه لأنه الرجل الثاني في معسكره، فالغريب أنه سيدنا علي يختار أبو موسى الأشعري محكماً من قبله. أبو موسى الأشعري كان ممن اعتزل القتال مع علي، وذكرنا أنه ثبّط أهل الكوفة بعد أن أخذ البيعة لعلي منهم، ثبطهم عن الخروج إلى البصرة لما قدم عليهم، حتى عزله علي وأرسل به ابن عباس، ثم أرسل الحسن وعمار، ولم يشارك أيضاً في صفين.
فيما يبدو أنه سيدنا علي قصد هذا ليكون دوره في التحكيم مخففاً للخصومة مع أهل الشام، كأنه يختار مفاوضاً يطمئن أهل الشام ويحفز على سرعة نجاح التحكيم، خصوصاً وأنه أبو موسى الأشعري أيضاً محبوب لدى أهل العراق، وذكرنا ذلك لأنه أصلاً أن يرد أبو موسى إلى الكوفة كان هذا من طلبات المتمردين على عثمان، لو تذكرون أن يرد عبد الله بن عامر إلى البصرة وأن يرد أبو موسى إلى الكوفة.
تقريباً أنا أحسب أن هذا هو معنى قول علي رضي الله عنه كما ورد في أُنساب الأشراف للبلاذري عن أبي موسى: «فقد رضيه الناس»، يعني أهل الشام وكذلك أهل العراق. طبعاً سيدنا أبو موسى صحابي قديم في الإسلام، وقدم مع قومه الأشعريين إلى النبي ﷺ مع مهاجرة الحبشة في قصة مشهورة، وهو من ولاه النبي ﷺ وكان والياً على بعض اليمن وقاضياً، وكذلك كان من ولاة عمر ومن قضاته، والكتاب كتاب عمر لأبي موسى في القضاء مشهور، وكان من ولاة عثمان ومن قضاته أيضاً، وطبعاً كان من الرجال الفتوح الكبار سيدنا أبو موسى الأشعري لأنه شارك في فتوح العراق وفارس.
رجل مثل هذا، مثل أبي موسى، لا تصح أن تُنسب إليه مسألة أنه كان مغفلاً أو يمكن خداعه أو أنه يسهل التغرير به. طبعاً سيدنا عمرو بن العاص أحد دهاة العرب، أسلم بعد الحديبية وشهد له النبي ﷺ بالإيمان والصلاح، كما في حديث النبي ﷺ: «إن يعمل المال الصالح للعبد الصالح»، هذا قيل لعمرو بن العاص، وقال: «أسلم الناس وآمن ابن العاص»، هذا يشمل عمرو بن العاص، والنبي ﷺ بشره بأن له عند الله خيراً كثيراً، هذه أحاديث صحيحة. وأرسله النبي أميراً في بعض السرايا مثل سرية ذات السلاسل، وكان فيها أبو بكر وأبو عبيدة بن الجراح تحت قيادة سيدنا عمرو بن العاص. وسيدنا عمرو كان من قادة جيش فتح الروم وهو فاتح مصر، وكان سيدنا عمرو بن العاص موهوباً داهية من دهاة العرب حتى قيل فيه: «ما ينبغي لأبي عبد الله أن يمشي على الأرض إلا أمير».
إذاً التقى الحكمان في منطقة دومة الجندل، وهو بالفعل مكان متوسط بين العراق والشام والحجاز، من نظر إلى الخريطة رأى أن دومة الجندل مكان متوسط بين العراق والشام والحجاز. التقوا في رمضان سنة 37 للهجرة، الذي هو في آخر المدى الزمني، وحضر التحكيم عدد من الصحابة؛ عن علي رضي الله عنه حضر سيدنا عبد الله بن عباس، وحضره عبد الله بن عمر، وحضره عبد الله بن الزبير، ومعاوية حضر بنفسه وأسماء أخرى، مجمل الوفدين كان يبلغ المئات.
سيدنا علي لم يستطع حضور التحكيم بنفسه بسبب خطر الخوارج، وموضوع الخوارج هذا وتطوره سنحكيه إن شاء الله في الحلقة القادمة، لكن سيدنا علي لم يكن حاضراً للتحكيم بنفسه. روى البلاذري في أُنساب الأشراف أن معاوية أرسل يزيد بن الحر العبسي إلى علي يطلب منه الحضور بنفسه للتحكيم، قال يزيد لعلي: «إن في حضورك هذا الأمر صلاحاً ووضعاً للحرب وإطفاءً للنار»، أي إطفاءً للفوضى أو الثائرة أو الهائجة. فقال علي رضي الله عنه: «يا ابن الحر، إني آخذ بأنفاس هؤلاء»، يعني أنا وجودي في الكوفة قريب من الخوارج، آخذ بأنفاس هؤلاء الخوارج، فإن تركتهم وغبت عنهم كانت الفتنة في هذا المصر، اللي هو الكوفة، أعظم من الحرب بينهم وبين أهل الشام. ولذلك أرسل سيدنا علي ابن عباس ممثلاً عنه، وطبعاً كان قد اختار أبا موسى الأشعري مفاوضاً عنه، وهذا فيه دليل آخر على أن خطر الخوارج أعظم من خطر البغي.
كذلك ممن لم يحضر التحكيم آخر الأحياء من العشرة المبشرين بالجنة؛ سعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد. طبعاً سيدنا سعد بن أبي وقاص هذا أصر على اعتزاله، هو معتزل الفتنة من أولها ولم يشارك أبداً فيها، وأما سعيد بن زيد فهو اعتذر هذا الأمر منذ أن أخرجه سيدنا عمر من الستة أهل الشورى لوفاته؛ لأنه من بني عدي، سعيد بن زيد بن عمرو بن الخطاب بن نفيل، يعني هو كان قريباً من عمر، فقال: «يكفي آل عمر أن يتولى منها واحد»، فكان بقي سبعة أحياء من العصر والمسلمين بالجنة، سيدنا عمر استبعد سعيد بن زيد وبقي الستة.
إذاً لم يبقَ من الستة أهل الشورى أحد حي إلا علي بن أبي طالب وسعد بن أبي وقاص. إذاً ما الذي جرى في التحكيم؟ نحن الآن أمام أقوى محاولة لحل هذه الفتنة، كل طرف فيها يرى أنه على الحق، تعالوا ننظر من وجهة نظر كل طرف.
سيدنا علي رضي الله عنه، القضية من وجهة نظره على هذا النحو: علي هو الخليفة الشرعي ولا أحد ينازعه في الخلافة، فالبيعة له واجبة، وإنزال القصاص بقتله عثمان هو أمر...
يأتي بعد الدخول في البيعة؛ لأنه إذا دخل معاوية في البيعة، رفع هذه القضية أو هذه الشكوى أو هذا الطلب إلى علي بن أبي طالب ليكون القضاء في هذه القضية. وبقاء إقليم خارج البيعة، وهو إقليم الشام، هو من التفرقة للأمة. والامتناع عن البيعة والخروج بإقليم وجند هذا الإقليم عن طاعة الخليفة يجعل معاوية ومن معه طائفة باغية، وهؤلاء قد أمر القرآن بقتالهم حتى يفيئوا إلى أمر الله. هذه الصورة كما نرى عند سيدنا علي صورة واضحة بسيطة مباشرة لا غبار عليها.
تعالوا ننظر إلى الموضوع من جانب سيدنا معاوية. سيدنا معاوية بالنسبة له علي هو الخليفة الشرعي، إلا أنه لا يعترف بهذا لكي لا يترتب عليه ما بعده؛ فعلي هو خليفة وهو أجدر بالأمر من معاوية. وعلي يقر بأن عثمان قتل مظلوما، لكن قتلة عثمان في جيش علي وفي ولاياته يتولون الولايات، وهؤلاء القتلة سيدنا علي قاتل بهم في الجمل وفي صفين.
وسيدنا علي يصر على إرجاء النظر في أمر القصاص، ويأبى تسليم قتلة عثمان أو حتى عزلهم عن جيشه. وفي ذلك في ذات الوقت، سيدنا علي يصر على عزل معاوية عن الشام، وبالتالي سيتجرد معاوية من قوته وشوكته وحصنه. فلو حصل هذا، لو انعزل معاوية، فإنه لا أمل في الاقتصاص لعثمان حين تخلو يد معاوية من القوة، بل إن معاوية لن يأمن على نفسه من أن يقتله هؤلاء؛ لأن هؤلاء بالفعل في جيش علي.
وكذلك لو كان سيدنا علي لا يستطيع السيطرة عليهم، طالما أن هؤلاء القتلة لا يستطيع علي الاقتصاص منهم ولا يستطيع السيطرة عليهم، فاضطر إلى احتواءهم في جيشه وولاياته، فكيف يضمن معاوية أن يقتص علي منهم إذا هو استسلم ونزل له ورفع القضية؟ أو حتى كيف يضمن معاوية لنفسه أن لا يُغتال هو؟
هذا الموقف، هذه الأشهر السبعة بين الصفين وبين التحكيم في رمضان، شهدت تطوراً جديداً أضاف تخوفاً جديداً لمعاوية؛ إذ خرج أناس، انشق أناس في جيش علي، وهم الخوارج، وانحازوا إلى قرية في العراق، وعلي نفسه لا يأمن أن يترك الكوفة ليحضر التحكيم. فبالتالي، إذا هؤلاء الخوارج الذين انشقوا على علي ومنعوا علياً من الخروج من الكوفة، وإذا كان علي غير قادر على حربهم حتى الآن، فإنه يتوقع منهم أن يسعوا فيه إذا استسلم معاوية وتنازل، ويتوقع منهم أن يعملوا على اغتيال معاوية أيضاً.
فإذًا هذا التفرق الذي أصاب جيش علي في مقابل هذا التماسك الذي ما يزال يحتفظ به جيش الشام، يدفع إلى التشكيك في قدرة علي على القيام بواجبات الخلافة. وبهذا فالأمر من وجهة نظر معاوية أكثر تعقداً بل وأكثر خطورة؛ لأنه إذا خسر التحكيم فإنه حياته نفسها مهددة. لهذا كله عمل معاوية بكل طاقته السياسية على أن ينتهي التحكيم إلى أن يتولى معاوية الخلافة، فإذا لم يكن، فليكن الخليفة الذي سيتولى يقر معاوية على الشام، وبالتالي لا يتجرد معاوية من قوته.
إذًا مطلب معاوية في التحكيم تجاوز في هذه الفترة مسألة القصاص لقتلة عثمان، وتطور إلى أنه لا بد أن يكون ثمة ضمان ألا يتجرد هو من ولاية الشام. طبعاً هذا الأمر يستوعبه جيداً عمرو بن العاص. وطبعاً عمرو بن العاص أيضاً ليس بعيداً عن هذا التخوف الذي عند معاوية؛ لأن عمرو هو الرجل الثاني في معسكر معاوية، وعداوة قتلة عثمان لعمر بن العاص كعداوتهم لمعاوية.
وهكذا الصورة نفسها أيضاً لا تغيب عن أبي موسى الأشعري، ولذلك فكر الحكمان الاثنان، أبو موسى وعمرو، في عزل علي ومعاوية وفي تنصيب خليفة جديد. لكن من يكون هذا الخليفة الجديد؟ لن يكون إلا واحداً من اثنين: سعد بن أبي وقاص؛ لأنه هو الوحيد الباقي من أهل الشورى الستة، أو عبد الله بن عمر لما له من مكانة كبرى عند أهل الشام وأهل العراق. نحن لا ننسى أنه سيدنا علي اقترح على عبد الله بن عمر في أول ولايته أن يوليها الشام؛ لأنه رجل محبب إليهم، لكن المعضلة أنه سيدنا سعد اعتزل الأمر كله حتى لم يحضر التحكيم، وعبد الله بن عمر اعتزل الأمر ولكنه حضر التحكيم، فعرض عليه الأمر، عرض عليه الخلافة فأبى هذا أشد الإباء، وبقي على موقفه أنه لا يقبلها الخلافة إلا لو اتفق عليه المسلمون جميعاً حتى لا يختلف منهم اثنان، تقريباً كأنه وضع شرطاً مستحيلاً.
حاول عمرو بن العاص أن يأخذ عبد الله بن عمر إلى جانب أهل الشام. روى البلاذري في «أنساب الأشراف» بإسناد صحيح أنهم لما اجتمعوا بدومة الجندل، قال عمرو لابن عمر: «إنا قد رأينا أن نبايعك، فهل لك أن نعطيك مالاً وتدعها لمن هو أحرص عليها منك؟» يقصد معاوية. فوثب ابن عمر مغضباً، فأخذ ابن الزبير بثوبه فجلس وقال: «ويحك يا عمرو! بعت آخرتك بدنياك؟ إني والله لا أعطي عليها مالاً، ولا أقبل عليها مالاً، ولا أقبلها من مثلك، ولا أقبلها إلا عن رضا من المسلمين».
كانت هذه المحاولة هي سعيه من عمرو بن العاص لإيصال معاوية إلى الخلافة. وحاول سيدنا معاوية محاولة أخرى مع أبي موسى الأشعري، فكيف فعل هذا؟ ما نراه إن شاء الله في الحلقة القادمة. نسأل الله تبارك وتعالى أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا علماً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
حبُّ الصحابةِ كلهم لِي مذهبٌ .. ومودةُ القربى بها أتوسلُ ولكلهم قدرٌ وفضلٌ سطع .. لكنما الصديقُ منهم أفضلُ هذا اعتقادُ الشافعيِّ ومالكٍ .. وأبي حنيفةَ ثم أحمدَ يُنقلُ فإن اتبعتَ سبيلهم فموحدٌ .. وإن ابتدعتَ فما عليك معولُ
محمد إلهامي