حب الصحابة كلهم لي مذهب، ومودة القربى بها أتوسل. ولكلهم قدر وفضل ساطع، لكنما الصديق منهم أفضل. هذا اعتقاد الشافعي ومالك وأبي حنيفة ثم أحمد ينقله، فإن اتبعت سبيلهم فموحد، وإن ابتدعت فما عليك معول.
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. مرحباً بكم أيها الأحباب في هذه الحلقة الجديدة من سلسلة حلقات قصة الفتنة الكبرى، والتي نحاول فيها أن نشرح ما حصل من القتال بين الصحابة الأجلاء رضوان الله عليهم أجمعين، ونزيل ما علق بهذه الفترة من الشبهات والأكاذيب.
نحن في الحلقة الماضية وصفنا المشهد من جهتيه: كيف يرى علي رضي الله عنه القضية من وجهة نظره، وكيف يرى معاوية القضية من وجهة نظره، وكيف تطورت الأحداث بما زاد إلى قوة معاوية، وجعل موقف معاوية من التحكيم مضطراً لأن يتولى الخلافة، أما هو أو رجل على الأقل يسمح له بالبقاء في ولاية الشام. وذكرنا أنه لكي يصل سيدنا معاوية إلى هذا حاول أن يستميل عبد الله بن عمر، فلم تنجح محاولة عمرو بن العاص معه، وحاول كذلك أن يستميل المحكم الذي أرسله علي نيابة عنه. ذكرنا أن سيدنا معاوية عمل بكل ما استطاع لكي يصل إلى هذا الغرض.
مع محاولة معاوية استمالة أبي موسى الأشعري، روى ابن سعد في الطبقات الكبرى بإسناد صحيح أن معاوية كتب إلى أبي موسى الأشعري -أبو موسى هو الذي روى لنا هذه الرواية- أنه قال: كتب إلي معاوية: سلام عليك، أما بعد، فإن عمرو بن العاص قد بايعني على الذي قد بايعني عليه، وأقسم بالله لئن بايعتني على ما بايعني عليه لأبعثن ابنيك أحدهما على البصرة والآخر على الكوفة، يعني يجعلهما ولاة له على البصرة والكوفة، ولا يغلق دونك باب، ولا تقضى دونك حاجة، يعني سيكون سيدنا موسى من المقربين جداً إلى معاوية، وإني كتبت إليك بخط يدي، يعني الكتاب ربما للحفاظ على السرية أو ربما لرفع شأن أبي موسى، فاكتب إلي بخط يدك.
فقال أبو موسى: يا بني، إنما تعلمت المعجم بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعني لم يكن سيدنا أبو موسى كاتباً، تعلم الكتابة متأخراً، قال: وكتب إليه مثل العقارب، يعني كان خط سيدنا أبو موسى ليس خطاً حسناً، كتب إليه يقول: أما بعد، فإنك كتبت إلي في جسيم أمر أمة محمد -الجسيم هو الشيء العظيم- في جسيم أمر أمة محمد صلى الله عليه وسلم، لا حاجة لي فيما عرضت عليه.
إذاً وضع التحكيم انتهى إلى الوضع الآتي: أنه لا يقبل أحد، لا سعد بن أبي وقاص ولا ابن عمر، الرجلين المرشحين للخلافة مكان علي، أن يتولى الخلافة، ولا استطاع معاوية أن يجتذب إليه لا ابن عمر ولا أبا موسى الأشعري.
إذاً ما الوضع الذي انتهى إليه الحكمان؟ انتهى الحكمان إلى هذا الحوار، سأل عمرو أبا موسى الأشعري: ما ترى في هذا الأمر؟ قال أبو موسى: أرى أنه في النفر الذي توفي رسول الله وهو عنهم راض. الأمر اللي هو الخلافة، والنفر الذي توفي رسول الله وهو عنهم تطلق على العشرة المبشرين بالجنة، يعني عملياً الآن ليس فيهم إلا علي وعبد الله بن عمر وسعد بن أبي وقاص، وحيث إن سعداً معتزل فإذاً الأمر في علي، هذا كلام أبي موسى. قال عمرو: فأين تجعلني من هذا الأمر أنا ومعاوية؟ فقال أبو موسى: إن يستعن بكما علي ففيكما معونة، والله إن ولاكما -يعني أنتم أكفاء- إن يستعن بكما ففيكما معونة، وإن يستغن عنكما فطالما استغنى أمر الله عنكما، يعني أيضاً الدنيا لن تقف أو الأمة لن تنهار إذا لم يستعملكما ولم تكونا من رجاله وولاته.
هكذا خلاصة التحكيم كالآتي: أن علياً هو الخليفة الشرعي، هو من أهل الشورى الستة، وليس لمعاوية ولا لعمرو حق في شيء، أن يرى علي أن يستعين بهما فكان بها، وإلا ففي غيرهما الغنى عنهما. وهنا أنصح أيضاً من أراد التوسع في قصة التحكيم مطالعة الروايات والأسانيد وترتيب فصول القصة، فهذا أنصح بالرجوع إلى كتاب الدكتور عبد الحميد فقيهي "خلافة علي بن أبي طالب"، وكتاب الدكتور فواز الشمري "صحيح أخبار صفين والنهروان".
إذاً انتهى التحكيم إلى ضرورة إذعان معاوية لخلافة علي. طبعاً لما وصلت هذه النتيجة إلى معاوية غضب، أنه خسر بهذا كل شيء، ورجعنا إلى الوضع الأول وهذا بل أسوأ من الوضع الأول؛ ليس الوضع الأول فقط، الآن زاد على ذلك التهديد بوجود هؤلاء الخوارج، وما يراه معاوية من الضعف المتزايد عند سيدنا علي في ضبط الأمور. يعني سيدنا علي الآن ليس فقط غير قادر على القصاص لقتلة عثمان، بل هو غير قادر على ضبط أمور جيشه الذي ينشق عنه.
طبعاً في يوازي هذا أن سيدنا معاوية أصلاً تزداد قوته بتماسك أهل الشام، وهنا وقع الغضب بين معاوية وبين عمرو بن العاص، يعني ما حصل في التحكيم يا أحباب على خلاف الصورة المشهورة والمشوهة التي نقلها أبو مخنف، لم يعزل أبو موسى علياً، بل الذي حصل أن عمراً هو الذي عزل معاوية، ولم يستطع أن يأخذ لنفسه ولا لصاحبه. بهذا الوضع رفض معاوية نتيجة التحكيم. الدكتور أكرم العمري، شيخ المؤرخين المعاصرين على الأقل من وجهة نظري، يقول عبارة مهمة في كتابه "عصر الخلافة الراشدة"، يقول إن فشل التحكيم يرجع في جوهره إلى عدم حيازة المحكمين على قوة محايدة تنفذ القرار، فبقيت الأوضاع على حالها: علي خليفة المسلمين، ومعاوية أمير الشام، ولم يبايع معاوية علياً بالخلافة.
طبعاً كانت قوة معاوية وسياسته مما ساهم في ميل مزيد من الناس إليه، روى ابن سعد في الطبقات الكبرى بإسناد صحيح عن مسروق بن الأجدع، وهو تابعي شاهد عيان كان في التحكيم، قال: كنت مع أبي موسى أيام الحكمين، وفسطاط الخيمة إلى جانب فسطاط أبي موسى، فأصبح الناس ذات يوم قد لحقوا بمعاوية من الليل، فلما أصبح أبو موسى رفع رفرف فسطاطه -يعني كأنه رفع باب الخيمة هكذا- فقال: يا مسروق بن الأجدع، قلت: لبيك أبا موسى، قال: إن الأمرة ما ائتمر فيها، وإن الملك ما غلب عليه بالسيف. يعني هذه الكلمة التي قالها أبو موسى فيها خلاصة مواقف السياسة والقوة، كل اتفاق يكون تعبيراً عن ميزان القوة بين أطرافه، وإلا فإنه لا ينفذ.
يعني ميزان القوة بين علي ومعاوية شهد تغيراً خلال هذه الشهور السبعة الفاصلة التي كانت بين معركة صفين وبين التحكيم، فزاد فيها الضعف في معسكر علي بانشقاق الخوارج وخروج الفرق، وزاد فيها التماسك عند معاوية.
الآن نتكلم عن ظاهرة خروج الفرق. الحال في ذلك الزمن يا جماعة الخير كان حالاً عصيباً، وأحسن وصف له وصف سيدنا سهل بن حنيف الأنصاري، هذا صحابي بدري شهد صفين وشهد الحديبية، روى البخاري في صحيحه أن سهل بن حنيف قال، سئل عن صفين بعد قدومه منها فقال: اتهموا الرأي، فلقد رأيتني يوم أبي جندل ولو أستطيع أن أرد على رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره لرددت، والله ورسوله أعلم. هو يحكي قصة الحديبية، أنه النبي وقع اتفاقاً فيه تسليم من جاء مسلماً، وأول من جاء مسلماً أبو جندل، جاء مسلماً فاضطر النبي أن يرده إلى المشركين، فهنا الصحابة كما قلت لكم لم يقبلوا هذا ولم يهضموه ولم يستطيعوا أن يستوعبوه، لكن فيما بعد تبين أن رأي رسول الله خير، ولعل هذا نرجع إليه في الحديث عن صلح الحديبية إن شاء الله، أولى الحلقات عن صلح الحديبية يمكن الرجوع إليها، لكن هنا سهل بن حنيف يقول: يا أيها الناس اتهموا الرأي، يعني كل واحد عقله أوصله إلى أمر لا نستوعبه.
فالمهم يقول سهل بن حنيف: فاتهموا الرأي، فلقد شهدتوني يوم أبي جندل ولو أستطيع أن أرد على رسول الله أمره لفعلت. والله ما وضعنا أسيافنا على عواتقنا -يقول والله ورسوله أعلم- وما وضعنا أسيافنا على عواتقنا لأمر يفضحنا، إلا أسهل بنا إلى أمر نعرفه قبل هذا الأمر، يعني بيقول: لم يوجد موقف قبل ذلك استعملنا فيه الأسياف إلا ووصلنا إلى الحل قبل هذا الأمر. ما نسد منها خصماً إلا انفجر علينا خصم، ما ندري كيف نأتي له، يعني هذه الفتن متلاحقة، كلما حاولنا أن نعالج شيئاً انفجر شيء آخر. قبل ذلك كنا بالسيوف نحل المشكلات، هنا ستجد أنه كل محاولة لحل الأمور تلد مشكلة، تلد مشكلة أعقد منها.
تعالوا نتابع التسلسل ببساطة: مبادرة سيدنا علي إلى البيعة لكي يستقيم أمر الناس أسفرت عن تحميل علي مشكلة القصاص من قتلة عثمان. محاولة سيدنا علي احتواء هذه الموجة المتكتلة من المتمردين وقتلة عثمان أسفرت عن انقسام المسلمين إلى فرقتين. هاتان الفرقتان من المسلمين خرج منهما عدد يريد أن يستنهض المسلمين ضد قتلة عثمان، اللي هو عائشة وطلحة والزبير. فصلت حرب في البصرة، خرج علي يريد أن يحتوي الأمر دون أن ينفلت الوضع، فانفلت الوضع واشتعلت معركة الجمل. ما كاد غبار الجمل ينقشع حتى بدأت معركة صفين، وصفين كادت تهلك جيوش المسلمين وأبطالهم. فما إن خرج رأي التحكيم لإيقاف القتال وحقن الدماء انقسم به معسكر علي، وخرجت فيه الفرق التي انشقت عنه، بالذات الخوارج.
إذاً كل مشكلة كانت تحل كانت تؤدي إلى مشكلة أكبر. الآن نحن وصلنا إلى اللحظة الأخيرة، أنه التحكيم أدى إلى انشقاق الخوارج والتحكيم فشل.
هنا نأتي إلى قصة الفرق التي خرجت من علي. أبرز الفوارق بين جيش علي وجيش معاوية هو انسجام أهل الشام وائتلافهم على معاوية رضي الله عنه، على خلاف ما كان عليه أهل العراق مع علي رضي الله عنه؛ كثر خلافهم عليه، وحتى بعض الروايات تكشف أنه أي اختلاف كان يمكن أن ينقلب إلى عداء، نحن ذكرنا ذلك سابقاً. والرواية التي رواها ابن أبي شيبة في المصنف بإسناد صحيح أن علياً قال لابنه الحسن: يا حسن، ثكلتك أمك أو هبلتك أمك، ما ظنك بامرئ جمع بين هذين الغارين -الجيشين- والله ما أرى بعد هذا خيراً، فقال الحسن: اسكت لا يسمعك أصحابك فيقولوا شككت فيقتلونك.
انظر، فأي خلاف كان يمكن أن يصل إلى هذا الوضع. يعني الآن طبعاً الفتنة إحنا ذكرنا لو كانت الفتنة على عثمان، تغطى وتسربل أهل الفتنة فيها بهذا الثوب من ثوب التشدد والمغالاة، فقد كانت صفين هي اللحظة التي انكشف فيها الغلاة في جيش علي رضي الله عنه، وهؤلاء هم الخوارج. سيدنا علي وصف هذا الفارق بقوله -يقارن بين أهل العراق وأهل الشام- كان يقول: إنني أخشى أن يديل عليكم -يغلبكم- أهل الشام، فكان مما قال: وطواعيتهم إمامهم، ومعصيتكم له، واجتماعهم على باطلهم، وتفرقكم على حقكم.
هنا الحديث عن خروج الفرق يمثل مناسبة لتناول الفرقة القديمة التي خرجت في أمة المسلمين، ولكنها حتى الآن لم تتميز عنها في أرض ولا قتال، وهي فرقة الشيعة. الآن معسكر علي ظهر فيه فرقتان: الشيعة والخوارج، تعالوا نبدأ مع الشيعة. البذرة التي بذرها عبد الله بن سبأ في مصر أيام كان يحرض على عثمان وكان يغلو في علي تطورت، وزادتها أجواء الفتنة قوة ونمت؛ لأن الغلو في علي يجد له في هذه الحروب والخلافات متنفساً ومخرجاً، وطبعاً يختلط بالانحياز لعلي، ويختلط بالمحبة والتوقير اللائق به. فانشغال علي رضي الله عنه بهذه المشكلات المتفجرة والمتتالية سمح لأولئك الغلاة -يعني أعطاهم الوقت وأعطاهم الفرصة- لكي تتخمر لديهم هذه الأفكار وتتطور حتى تصل إلى منتهاها.
وهو ما كان، فوجئ علي رضي الله عنه ذات يوم بظاهرة خطيرة، قيل له إن هنا قوماً على باب المسجد يدعون أنك ربهم، فدعاهم علي فقال لهم: ويلكم ما تقولون؟ قالوا: أنت ربنا وخالقنا ورازقنا، فقال علي: ويلكم، إنما أنا عبد مثلكم، آكل الطعام كما تأكلون، وأشرب كما تشربون، إن أطعت الله أثابني إن شاء، وإن عصيته خشيت أن يعذبني، فاتقوا الله وارجعوا، فأبوا -يعني هم يؤمنون أنه ربهم خالقهم وهو أمرهم بهذا، رفضوا-.
فلما كان الغد غدوا عليه، فجاء خادمه قنبر فقال: قد والله رجعوا، يقولون مثل ذلك الكلام الذي قاله بالأمس، فقال علي: أدخلوهم، فقالوا كذلك. اليوم الثالث، قال علي: لئن قلتم ذلك لأقتلنكم بأخبث قتلة، فأبوا إلا ذلك، أصروا على موقفهم، فقال علي: يا قنبر، ائتني بفعله -اللي هم العمال- ومعهم الآلة، معهم الأدوات، فخدد لهم أخدوداً بين باب المسجد والقصر -القصر والبيت، العرب كانت تسمى القصر للبيت الواسع- فأحفر أخدوداً بين المسجد وبين البيت اللي هو بيت علي، وقال: احفروا فابعدوا في الأرض، وجاء بالحطب فطرحه بالنار في الأخدود -يعني أشعل ناراً في هذه الحفرة- وقال: إني طارحكم فيها أو ترجعوا، فأبوا أن يرجعوا، فقذف بهم فيها حتى إذا احترقوا قال: إني إذا رأيت أمراً منكراً أوقدت ناري ودعوت قنبراً.
إذاً نحن أمام مغالاة هائلة في علي وصلت إلى أنهم يدعونه ربهم ولا يرجعون حتى وهم يقذفون في النار. طبعاً كانت هناك مغالاة في علي بأقل من هذا الحد؛ بلغ علياً رضي الله عنه أن بعض الناس يفضله على أبي بكر وعمر، فكان يكرر رضي الله عنه أن أبا بكر وعمر خير منه، حتى شيخ الإسلام ابن تيمية قال في مجموع الفتاوى: روي عن علي من أكثر من ثمانين وجهاً أنه قال: خير هذه.
روى عبد الله بن الإمام أحمد في كتاب السنة وابن أبي عاصم أيضًا في كتاب السنة أن عليًا رضي الله عنه قال: لا يفضلني أحد على أبي بكر وعمر إلا جلدته حد المفتري.
وهنا يا جماعة الخير؛ سياسة سيدنا علي رضي الله عنه كانت مثالًا فريدًا بين الحكام على الإطلاق. الحكام دائمًا يستهويهم ويحبون أن يغالي أتباعهم فيهم بحق أو بباطل، ويحبون أن هؤلاء يفضلونهم على من سبقهم من الحكام. وكل حاكم تقريبًا سعى أن يكون إلهًا في قومه، أو أنه يؤسس نظام حكمه في ذلك الزمن. الإمبراطوريات وحتى فيما بعد ذلك زمن مئات السنين؛ نظام الحكم كان مؤسسًا على كون هذا الحاكم سليلًا من الآلهة أو تسكنه روح مقدسة أو أنه تولى بإذن الآلهة ونحو ذلك من الخرافات التي كم استعبد الحكام بها الناس.
علي كان على العكس من هذا رضي الله عنه؛ أحرق الذين غلو فيه، وأقر على نفسه أنه بشر وأنه عبد، وأكثر من ذلك توعد الذين فضلوه على من سبقوه، توعدهم بالعقوبة جلدًا حد المفتري. فسيدنا علي كان حارسًا للدين وكان قائمًا بحق الشريعة.
هذه فئة الخوارج، نأتي إلى الخوارج. الخوارج بداية أمرهم في اللحظة التي قبل فيها علي التحكيم لإيقاف الحرب في صفين ولحقن دماء المسلمين. روى أحمد بإسناد صحيح عن أبي وائل الأسدي -وهذا ذكرناه قبل ذلك- يقول: كنا بصفين فلما استحر القتل بأهل الشام اعتصموا بتل، فقال عمرو بن العاص لمعاوية: أرسل إلى علي بمصحف وادعوه إلى كتاب الله فإنه لا يأبى عليك. فجاء به رجل فقال: بيننا وبينكم كتاب الله، وتلا قول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَىٰ كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُم مُّعْرِضُونَ﴾ [آل عمران: 23].
فعلي قال: نعم، أنا أولى بذلك، بيننا وبينكم كتاب الله. يقول أبو وائل: فجاءته الخوارج -ونحن ندعوهم يومئذ القراء- وسيوفهم على عواتقهم، فقالوا: يا أمير المؤمنين ما ننتظر من هؤلاء قوم الذين على التل؟ ألا نمشي إليهم بسيوفنا حتى يحكم الله بيننا وبينهم؟ فتكلم سهل بن حنيف فقال: يا أيها الناس، اتهموا أنفسكم، وذكر حديث الحديبية.
رفع الخوارج شعار: لا حكم إلا لله، اعتراضًا على التحكيم، وعلي رد عليهم كما في صحيح مسلم بقوله: كلمة حق أريد بها باطل. الخوارج هؤلاء كانوا هم كما ذكرنا الحاضنة التي اعتمدت عليها مؤامرة ابن سبأ، كان ابن سبأ وتنظيمه يفجرون الأحداث أو يبثون الشائعة، وهؤلاء بعقولهم الضيقة ونفوسهم الضيقة المتهيجة يندفعون بها إلى التمرد والحركة، وكان اجتهادهم في العبادة والصلاة وتلاوة القرآن يزيف صورة المؤامرة ويحسنها، ونحن ذكرنا كلمة عائشة أنها حين نظرت إليهم وهم في حصار عثمان قالت: احتقرت أعمال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. في البداية ولذلك كانوا يسمونهم القراء. هؤلاء الخوارج جمعوا بين بغض عثمان وبغض علي رضي الله عنه، وتطور الحال إلى أن انفصلوا بأنفسهم عن الأمة ونابذوها بالسيف.
وهؤلاء الخوارج هم الواقع المتجسد للمنهج الذي يزعم أصحابه لأنفسهم أنهم مثاليون، ومثاليتهم هذه تحملهم على أن الواحد منهم يظن نفسه أتقى وأعدل حتى من الصحابة ومن رسول الله. أول ظهور هؤلاء الخوارج من عند الرجل الذي يدعى ذا الخويصرة التميمي. روى البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري أنه قال: بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقسم قسمًا -أي غنائم- أتاه ذو الخويصرة فقال: يا رسول الله اعدل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ويلك، ومن يعدل إذا لم أعدل؟ قد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل». فقال عمر: يا رسول الله ائذن لي فيه أن أضرب عنقه، فقال صلى الله عليه وسلم: «دعه، فإن له أصحابًا يحقر أحدكم صلاته إلى صلاتهم وصيامه إلى صيامهم، يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية».
هنا العلماء توقفوا عند هذا الوصف؛ وصف يمرقون من الدين واختلفوا، بل وحتى اختلف الصحابة قبلهم هل هم مسلمون أم كفار؟ أقوال علي وسلوكه معهم تدل على أنهم مسلمون؛ هو سئل، قيل له: أمشركون هم؟ قال: من الشرك فروا. قيل: منافقون؟ قال: المنافقون لا يذكرون الله إلا قليلًا. قيل: فما هم؟ قال: قوم بغوا علينا فقاتلناهم. وطبعًا أفعال علي معهم أيضًا أنه لم يسبِ منهم حين حاربهم. لكن طبعًا هناك من الصحابة من كفرهم بالذات أبو سعيد الخدري رضي الله عنه كان يؤكد على أنهم من الكفار.
على كل حال هذه مسألة لا ندخل فيها الآن ونستكملها إن شاء الله في الحلقة القادمة. نسأل الله تبارك وتعالى أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا علمًا. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
محمد إلهامي