دخولتسجيل الدخول

قصة الفتنة الكبرى | 28. المناظرة الكبرى مع الخوارج

محمد إلهاميمحمد إلهامي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

حب الصحابة كلهم لي مذهب، ومودة القربى بها أتوسل، ولكلهم قدر وفضل ساطع، لكنما الصديق منهم أفضل. هذا اعتقاد الشافعي ومالك وأبي حنيفة ثم أحمد ينقله، فإن اتبعت سبيلهم فموحد، وإن ابتدعت فما عليك معول.

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. مرحبًا بكم أيها الأحباب في هذه الحلقة الجديدة من سلسلة حلقات قصة الفتنة الكبرى، والتي نحاول فيها شرح ما حصل من القتال بين الصحابة الأجلاء رضوان الله عليهم أجمعين، ونزيل ما علق بهذه الفترة من الشبهات والأكاذيب. وصلنا في الحلقة الماضية إلى فشل التحكيم الذي أريد به إنهاء الحرب في صفين، وهو التحكيم الذي رفضه بعض أولئك الذين كانوا في جيش علي، فانشقوا عنه، وخرجوا عليه، وعرفوا منذ ذلك الوقت باسم الخوارج.

فحلقتنا اليوم عن هؤلاء الخوارج. تأملوا معي أيها الأحباب في النتيجة التي يؤدي إليها الغلو في الدين؛ هؤلاء خرجوا على عثمان يحاسبونه على قطعة أرض زادها في الحمى، ويحاسبونه على أنه تخلف عن غزوة، ويحاسبونه حتى على بعض مناقبه، كجمع المصحف، وتغيبه في سفرة النبي صلى الله عليه وسلم عن بيعة الرضوان. هؤلاء انتهى بهم الحال مع الغلو في الدين إلى أن أبغضوا صحابة النبي صلى الله عليه وسلم الذين شهد لهم النبي بالجنة.

روى البخاري أن رجلًا من هؤلاء الخوارج جاء إلى ابن عمر فسأله عن عثمان، فذكر ابن عمر محاسن عمله، ثم قال له ابن عمر: لعل ذلك يسوءك؟ قال: نعم. قال: فأرغم الله بأنفك. ثم سأله هذا الرجل عن علي، فذكر محاسن عمله، وقال: هو ذاك بيته أوسط بيوت النبي صلى الله عليه وسلم -يعني ضمن حجرات أمهات المؤمنين-. ثم قال ابن عمر: لعل ذلك يسوءك؟ قال: نعم. قال: فأرغم الله بأنفك، انطلق فاجهد على جهدك. وفي رواية أخرى عند البخاري أن ابن عمر سُئل: ما قولك في علي وعثمان؟ فقال ابن عمر: ما قولي في علي وعثمان؟ أما عثمان فكان الله قد عفا عنه، فكرهتم أن يعفو عنه، وذلك في مسألة فراره من أحد حين قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ [آل عمران: 155].

فيقول ابن عمر: أما عثمان فكان الله قد عفا عنه فكرهتم أن يعفو عنه، وأما علي فابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وختنه، وأشار ابن عمر بيده وهذه ابنته حيث ترون؛ يقصد أن يقول: لو لم يكن سيدنا علي موضع ثقة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو لم يكن كفئًا لفاطمة ما زوجه النبي صلى الله عليه وسلم من ابنته.

لم يرض هؤلاء الخوارج أن عليًّا استجاب لطلب التحكيم، فبينما يرجع جيش علي من صفين إلى الكوفة انفصلوا بأنفسهم وانحازوا إلى قرية تسمى حروراء، ولذلك يطلق عليهم البعض الحرورية، وكانوا ستة آلاف ولم يكن فيهم صحابي واحد. كان ينبغي أن ينبههم أنه ليس فيهم صحابي واحد إلى بطلان ما هم عليه، لكن هذا لم يحدث لشدة ما في نفوسهم من الغلو. على العكس من ذلك، بدأوا من حروراء موجة من التكفير شملت سائر من لم يوافقهم على مذهبهم. وحتى لما أخفق التحكيم في حل الخلاف بين علي ومعاوية رضي الله عنهما دعاهم علي إلى القتال. روى البلاذري في أنساب الأشراف -وهذا خبر مقبول- أن عليًّا قال للخوارج: إن الحكمين تفرقا على غير رضا، فارجعوا إلى ما كنتم عليه، وسيروا بنا إلى الشام للقتال. فأبوا ذلك عليه، وقالوا: لا، حتى تتوب وتشهد على نفسك بالكفر، أنك كفرت وأنت تتوب. هذا الرد يدلك على ما في قلوبهم من تمكن الغلو؛ لم يكفهم أنه علي رجع إلى الحق في تصورهم، لكن لابد أن يشهد على نفسه أنه قد كفر وأنه يتوب من هذا الكفر.

ولا تزال هذه النفسية مستمرة في أولئك الخوارج حتى في زماننا هذا، وستظهر هذه النفسية أكثر في مناظرتهم الشهيرة مع ابن عباس. سيدنا علي أرسل ابن عباس لمناظرتهم، وهي مناظرة نقلها ابن عباس بنفسه، رواها عبد الرزاق في المصنف، ورواها الحاكم في المستدرك، وهذا الذي نحكيه الآن هو لفظ الحاكم؛ قال الحاكم عن الرواية: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي.

قال ابن عباس: فخرجت إليهم ولبست أحسن ما يكون من الحلل، حُلل اليمن، فأتيتهم وهم مجتمعون في دارهم قائلون -أي في وقت القيلولة-، فسلمت عليهم. فقالوا: مرحبًا بك يا ابن عباس؛ انتبهوا هنا إلى أنهم لم يردوا السلام، لأنهم يكفرونه. قالوا: فما هذه الحلة؟ فهم يستغربون أنه يلبس حلة جميلة؛ لأنهم يرون أن التزين وهذه الثياب الجميلة مما يعارض الزهد والورع والتقوى على مذهبهم. فقال ابن عباس: قلت ما تعيبون علي؟ لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على أحسن ما يكون من الحلل، ونزلت: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: 32].

قالوا: فما جاء بك؟ قال ابن عباس: أتيتكم من عند صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، من المهاجرين والأنصار، لأبلغكم ما يقولون، وعليهم نزل القرآن، وهم أعلم بالوحي منكم، وفيهم أُنزل، وليس فيكم منهم أحد. هنا هو ينبههم إلى بطلان ما هم عليه؛ لو كان يمكن أن يكون مذهبهم هذا حقًّا لما ضل عنه الصحابة جميعًا. قال بعضهم: لا تخاصموا قريشًا؛ فإن الله يقول: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: 58]. لما انقطعت حجتهم أمام ابن عباس ولم يعرفوا كيف يردون عليه، فاتهموا ابن عباس بأنه من قريش الذين نزل القرآن يصفهم بالخصومة في الجدل.

المهم قال ابن عباس: وأتيت قومًا ما رأيت قط أشد اجتهادًا منهم؛ مسهمة وجوههم من السهر، كان أيديهم وركبهم تثنى عليهم من شدة العبادة. فمضى من حضر، فقال بعضهم: لنكلمنه ولننظرن ما يقول. ابن عباس يقول: قلت أخبروني ماذا نقمتم على ابن عم رسول الله وصهره، والمهاجرين والأنصار؟ قالوا: ثلاثة. قال ابن عباس: ما هن؟ قال الخوارج: أما إحداهن فإنه حكم الرجال في أمر الله، وقال الله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [يوسف: 40]، فما للرجال وما للحكم؟ قال ابن عباس: هذه واحدة.

قالوا: وأما الأخرى فإنه قاتل ولم يسبِ ولم يغنم؛ فلئن كان الذي قاتل كفارًا لقد حل سبيهم وغنيمتهم، ولئن كانوا مؤمنين ما حل قتالهم. وهنا أيضًا يظهر ضيق عقولهم، يرون الناس مؤمنًا أو كافرًا، لكن العاصي أو الباغي أو المخطئ كل هذا لا تتسع عقولهم له. قال ابن عباس: هذه اثنتان، فما الثالثة؟ قالوا: إنه محا نفسه من أمير المؤمنين، فهو أمير الكافرين. وطبعًا يظهر فيها ضيق عقولهم أقوى من التي قبلها؛ يعني عليًّا لو لم يكن أمير المؤمنين إذا هو أمير الكافرين، ليس هناك مرتبة أخرى، يا أمير المؤمنين يا أمير الكافرين!

فقال ابن عباس: أعندكم سوى هذا؟ قالوا: حسبنا هذا. قال ابن عباس: فقلت لهم أرأيتم إن قرأت عليكم من كتاب الله ومن سنة نبيه صلى الله عليه وسلم ما يرد به قولكم أترضون؟ قالوا: نعم. قال ابن عباس: أما قولكم حكم الرجال في أمر الله، فأنا أقرأ عليكم ما قد رُد حكمه إلى الرجال في ثمن ربع درهم في أرنب. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: 95]. فنشدتكم بالله، أحكم الرجال في أرنب ونحوها من الصيد أفضل، أم حكمهم في دمائهم وصلاح ذات بينهم؟ وأنت تعلم أن الله لو شاء لحكم، ولم يصر ذلك إلى الرجال. وضرب لهم ابن عباس مثلًا آخر في المرأة وزوجها؛ قال الله عز وجل: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: 35]، فجعل الله حكم الرجال سنة مأمونة، أخرجتم من هذه؟ قالوا: نعم.

قال ابن عباس: وأما قولكم قاتل ولم يسبِ ولم يغنم، أتسبون أمكم عائشة ثم تستحلون منها ما يستحل من غيرها؟ فلئن فعلتم لقد كفرتم وهي أمكم، ولئن قلتم ليست أمنا لقد كفرتم، فإن الله يقول: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: 6]. فأنتم تدورون بين ضلالتين، أيتهما صرتم إليها صرتم إلى ضلالة. فنظر بعضهم إلى بعض، قال ابن عباس: أخرجتم من هذه؟ قالوا: نعم.

قال ابن عباس: وأما قولكم محا نفسه من أمير المؤمنين، فأنا آتيكم بمن ترضون، وأريكم قد سمعتم أن النبي صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية كاتب سهيل بن عمرو وأبا سفيان بن حرب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمير المؤمنين علي: اكتب يا علي هذا مصطلح عليه محمد رسول الله. فقال المشركون: لا والله ما نعلم أنك رسول الله، ولو نعلم أنك رسول الله ما قاتلناك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم إنك تعلم أني رسول الله، اكتب يا علي هذا مصطلح عليهم محمد بن عبد الله. فوالله -هذا كلام ابن عباس- لرسول الله خير من علي، وما أخرجه هذا من النبوة حين محا نفسه. قال ابن عباس: فرجع من القوم ألفان وقتل سائرهم على ضلالة.

هذه المناظرة دليل صدق على أن القوم يقرؤون القرآن ولا يجاوز حناجرهم؛ أي لا يصل إلى عقولهم فيفقهونه ويعقلونه ويتأملونه، ولا هو يصل إلى قلوبهم فيجعلهم أرق أفئدة أو ألين أخلاقًا، بل جمعوا ضيق العقل إلى ضيق النفس. هناك مناظرة أخرى وقعت بين علي وبين الخوارج، ربما كانت قبل مناظرة ابن عباس أو بعدها، وتكرر فيها بعض ما ذكر، ولكن زادت عليها أشياء؛ من هذه الأشياء الزائدة أن عليًّا رضي الله عنه لما قالوا له إن الحكم إلا لله، جاء بمصحف كبير فجعل يصكه بيده ويقول: أيها المصحف حدث الناس! فقال الناس: يا أمير المؤمنين ما تسأل عنه؟ إنما هو مداد في ورق، ونحن نتكلم بما روينا منه. قال: أصحابكم هؤلاء الذين خرجوا بيني وبينهم كتاب الله؛ يقول الله تعالى في كتابه في امرأة ورجل: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: 35]، فأمة محمد أعظم دمًا وحرمة من امرأة ورجل.

وجه الحجة في كلام علي رضي الله عنه أن الرجال -أهل العلم- هم الذين ينطقون بحكم الله، فالمصحف لا ينطق من تلقاء نفسه. في هذه المناظرة رجع منهم أربعة آلاف؛ أي تاب أربعة آلاف، فيهم رجل يسمى ابن الكواء، وكان من أشد الخوارج وكان يرفض حتى المناظرة.

بعث علي رضي الله عنه إلى هؤلاء الخوارج -الذين ما زالوا في قرية حروراء- ما يشبه القانون الذي يعرفون به الحقوق والواجبات. روى أحمد والحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي، أن عليًّا رضي الله عنه بعث إليهم يقول: قد كان من أمرنا وأمر الناس ما قد رأيتم، فقفوا حيث شئتم حتى تجتمع أمة محمد، بيننا وبينكم هذه الحقوق والواجبات: ألا تسفكوا دمًا حرامًا، أو تقطعوا سبيلًا، أو تظلموا ذمة -أهل الذمة-؛ فإنكم إن فعلتم فقد نبذنا إليكم الحرب على سواء، إن الله لا يحب الخائنين.

وفي رواية أخرى عند ابن أبي شيبة في المصنف أنه أوضح لهم حقوقهم في قوله: لكم عندي ثلاث خصال: ما كنتم معنا لن نمنعكم مساجد الله أن يذكر فيها اسمه، ولا نمنعكم في شيء ما كانت أيديكم في أيدينا -في الحرب أو في الغنيمة-، ولا نقاتلكم حتى تقاتلوا. وهنا يا أحباب وقفة مهمة عند علي وفقه علي وعظمة علي رضي الله عنه؛ نحن نرى عليًّا رضي الله عنه أحرق من قدسوه، وهو نفسه الآن يحفظ حقوق من كفروه ونابذوه. وهو رضي الله عنه لم يفعل لا هذا ولا ذاك إلا حراسة للدين وحفظًا للشريعة. هذا هو الفارق بين الخلفاء الراشدين المهديين وبين طبائع الملوك والحكام؛ الخلفاء الراشدين يلزمون الشرع، وأولئك الحكام والملوك يقربون من يعظمهم ويمارسون أشد القسوة على من خالفهم لمجرد أنه خالفه.

لكن وقعت هنا حادثة خطيرة، بينما سيدنا علي رضي الله عنه يفكر في غزو الشام، بدأ الخوارج في ارتكاب القتل. روى ابن أبي شيبة في المصنف بإسناد صحيح أن عليًّا خطب في أنصاره قائلًا: ما ترون؟

أتسيرون إلى الشام أم ترجعون إلى هؤلاء الذين خُلِّفوا إلى ذراريكم؟ أي هؤلاء الذين بقوا، فقالوا: لا بل نرجع إليهم. في رواية صحيح مسلم أن علياً قال: فتذهبون إلى معاوية وأهل الشام وتتركون هؤلاء يخلفونكم في ذراريكم وأموالكم؟

إذ صار الخوارج أشد خطراً من أهل الشام، كان مع علي رضي الله عنه علم من رسول الله ﷺ بما سيصير إليه أمر هؤلاء الخوارج، وهو معركة إبادة. وهذا جاء في عدد من الأحاديث تصف خروجهم في زمن الفرقة، وتصف أعمارهم الصغيرة، وتصف عقولهم السفيهة، وكذلك تصف المعركة والقتل، بل تشير إلى قتيل منهم على وجه الخصوص.

من هذه الأحاديث ما رواه البخاري ومسلم أن النبي ﷺ قال: «يخرج من ضئضئ هذا -يقصد من نسله- قوم يتلون كتاب الله رطباً لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية». يقول الراوي: وأظنه قال: «لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل ثمود».

ومن الأحاديث ما رواه مسلم في صحيحه أن النبي ﷺ قال: «يخرج قوم من أمتي يقرؤون القرآن، ليست قراءتكم إلى قراءتهم بشيء، ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشيء، ولا صيامكم إلى صيامهم بشيء، يقرؤون القرآن يحسبون أنه لهم وهو عليهم، لا تجاوز صلاتهم تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، لو يعلم الجيش الذي يصيبونهم ما قُضي لهم على لسان نبيهم ﷺ لاتكلوا عن العمل».

وآية ذلك أن فيهم رجلاً ليس له ذراع، له عضد وليس له ذراع، على رأس عضده مثل حلمة الثدي عليه شعرات بيض. انظر هذا الوصف الدقيق، وفي رواية البخاري قال النبي ﷺ: «آيتهم رجل أسود، إحدى عضديه مثل ثدي المرأة أو مثل البضعة تدردر، ويخرجون على حين فرقة من الناس».

وروى مسلم في صحيحه أن النبي ﷺ قال فيهم: «سيخرج في آخر الزمان قوم أحداث الأسنان -يعني صغار السن- سفهاء الأحلام -سفهاء العقول- يقولون من خير قول البرية، يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فإذا لقيتموهم فاقتلوهم؛ فإن في قتلهم أجراً لمن قتلهم عند الله يوم القيامة».

وروى أحمد والترمذي والحاكم بإسناد صحيح عن أبي أمامة رضي الله عنه أنه قال: «كلاب النار، شر قتلى تحت أديم السماء -أديم السماء يعني صفحة السماء- خير قتلى من قتلوه»، ثم قرأ ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: 106]. فقيل له: أنت سمعته من رسول الله ﷺ؟ فقال أبو أمامة: لو لم أسمعه إلا مرة أو مرتين أو ثلاثاً أو أربعاً حتى عد سبعاً ما حدثتكم. إذاً فالنبي ﷺ كان يكرر هذه الأحاديث لكي ينبه صحابته إلى هذه الظاهرة التي ستحصل، حتى أن أبا أمامة سمعها من النبي سبع مرات.

وروى ابن ماجه بإسناد صحيح عن النبي ﷺ أنه قال فيهم: «الخوارج كلاب النار».

إذاً، هذه بعض أحاديث صحيحة واردة في شأن الخوارج، كيف تحققت هذه الأحاديث؟ وكيف صدقت أخبار رسول الله ﷺ؟ وكيف تعامل معهم علي رضي الله عنه؟ هذا ما نراه إن شاء الله في الحلقة القادمة. نسأل الله تبارك وتعالى أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا علماً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

حب الصحابة كلهم لي مذهب، ومودة القربى بها أتوسل، ولكلهم قدر وفضل ساطع، لكنما الصديق منهم أفضل، هذا اعتقاد الشافعي ومالك، وأبي حنيفة ثم أحمد ينقل، فإن اتبعت سبيلهم فموحد، وإن ابتدعت فما عليك معول.