دخولتسجيل الدخول

قصة الفتنة الكبرى | 29. المؤامرة الكبرى واستشهاد علي بن أبي طالب

محمد إلهاميمحمد إلهامي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

مرحبًا بكم أيها الأحباب في هذه الحلقة الجديدة من سلسلة حلقات قصة الفتنة الكبرى، والتي نحاول فيها شرح ما حصل من القتال بين الصحابة الأجلاء رضوان الله عليهم أجمعين، ونزيل ما علق بهذه الفترة من الشبهات والأكاذيب. وصلنا في الحلقة الماضية إلى قضية الخوارج، هؤلاء الذين انشقوا على علي رضي الله عنه، وانحازوا إلى قرية حروراء، وكفروا علياً. وذكرنا في الحلقة الماضية ما جاء فيهم من الأحاديث الصحيحة التي تظهر فساد عملهم، وتنبئ عن أخبارهم. عدد من تلك العلامات كان بالفعل المتحقق في الخوارج، ولكن هذا الأمر لا يكتمل إلا بوقوع معركة الإبادة التي جاء وصفها في الأحاديث.

هذه المعركة فجرها ما شرع فيه الخوارج؛ شرعوا في الإغارة أو الهجوم على المسلمين، حتى قيل في وصف عملهم: كانوا يهلكون الناس قتلى. وكان أبرز وأبشع ما وقع منهم أنهم قتلوا عبد الله بن خباب بن الأرت، ابن الصحابي المشهور خباب بن الأرت الذي كان يعذب في مكة، فقتلوا عبد الله هذا، وزادوا على ذلك أن قتلوا جارية له، وكانت حبلى أيضًا في ذلك الوقت، وتذكر بعض الروايات أنهم بقروا بطنها أيضًا.

في ذات الوقت الذي كانوا يقتلون فيه ويمثلون بالجثث، كما فعلوا، أخذ أحدهم تمرة، فنهره صاحبه لأنه أخذ تمرة لم يستأذن فيها صاحب النخلة. فكانوا يتورعون عن التمرة، وكانوا يسفكون الدم بغير تورع، بل حتى بغير تردد. فهذه الحادثة هي التي فجرت الموقف، فسيدنا علي رضي الله عنه طالبهم بأن يسلموا إليه قتلة عبد الله بن خباب. نحن طبعًا ذكرنا أنه كان من حقوقهم التي أعلنها علي رضي الله عنه: ألا ننابذكم بقتال ما لم تسفكوا دماءً. وبسفكهم الدم خرقوا هذا، فقالوا لعلي: كلنا قتلة.

فعندئذ قصد علي إلى قتالهم وجيش الجيوش، وسيدنا علي كما في صحيح مسلم قال وهو يجيش الجيش: والله إني لأرجو أن يكونوا هؤلاء القوم هم الخوارج الذين وصفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. يقول علي: فإنهم قد سفكوا الدم الحرام، وأغاروا في صرح الناس، فسيروا على اسم الله. قائد الخوارج في ذلك الوقت كان اسمه عبد الله بن وهب الراسبي.

التقى الجيشان؛ جيش علي وجيش الراسبي قائد الخوارج، فأبدى الخوارج قوة وشدة عظيمة في القتال. روى ابن أبي شيبة في المصنف بإسناد صحيح أنه كانت خيل علي لا تقوم له، حتى قام علي رضي الله عنه وخطب في الناس وقال: أيها الناس، إن كنتم إنما تقاتلون لي فوالله ما عندي ما أجزيكم به، وإن كنتم إنما تقاتلون لله فلا يكن هذا قتالكم. فحمل الناس حملة واحدة، فانجلت الخيل عنهم وهم مكبون على وجوههم.

هناك اتفاق بين الروايات، طبعًا هناك روايات في أقصى درجة الصحة كما في صحيح مسلم، وكذلك عند ابن أبي شيبة في المصنف وأسانيد حسنة وصحيحة، وكذلك عند خليفة بن خياط في التاريخ وغيرها؛ هناك اتفاق على أن هذه المعركة أفنت الخوارج إلا قليلاً منهم، وكذلك أن من استشهد من جيش علي رضي الله عنه كانوا عدداً قليلاً، كانوا حوالي بضعة عشر رجلاً.

لكن بالإضافة لما كان مع علي رضي الله عنه من العلم الذي أخبره به رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخوارج، لكن الحديث الذي كان علي أفرح الناس به هو قول النبي صلى الله عليه وسلم، والرواية في مسلم عن الخوارج: «هم شر الخلق أو من أشر الخلق، يقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحق». وفي لفظ آخر: «تمرق مارقة عند فرقة من المسلمين يقتلها أولى الطائفتين بالحق». يبقى هذا الحديث دليل إضافي على أن فئة علي هي الأولى بالحق، والأدنى إلى الحق، وأن فئة معاوية هي الفئة الباغية الأبعد عن الحق. بهذا الموقف ينكشف مزيد من الحق في الفتنة التي اقتتل فيها المسلمون.

الإمام النووي رحمه الله في شرح مسلم وقف عند هذا الحديث، فاستنبط من كلمة «أدنى الطائفتين إلى الحق» أن عليًا رضي الله عنه كان هو المصيب المحق، والطائفة الأخرى أصحاب معاوية رضي الله عنهم كانوا بغاة متأولين. وفي الحديث التصريح بأن الطائفتين مؤمنون، لا يخرجون بالقتال عن الإيمان ولا يفسقون؛ يعني هذا القتال الذي وقع بينهم لا يخرجهم عن وصف الإيمان ولا يجعلهم من الفاسقين. هذا المعنى أيضًا تكلم فيه شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى، فذكر أنه هذا الحديث دليل على أن كلتا الطائفتين المقتتلتين، علي وأصحابه ومعاوية وأصحابه، على حق، وأن عليًا وأصحابه كانوا أقرب إلى الحق من معاوية وأصحابه، استنتاجًا من لفظ أدنى الطائفتين إلى الحق.

سيدنا علي من بين هذه الأوصاف اهتم اهتماماً بالغاً بالقتيل الذي وصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم. ذكرنا وصفه في الحلقة الماضية، أنه رجل أسود، وليس له عضد، وليس له ذراع، وأن عضده مثل ثدي المرأة، وفيه حلمة وحولها شعرات بيض، وصف دقيق جداً من دلائل نبوته صلى الله عليه وسلم.

فهنا روى مسلم في صحيحه أنه لما انقضت معركة النهروان قال لأصحابه: انظروا. يعني ابحثوا عنه، فنظروا فلم يجدوا شيئاً، فقال علي: ارجعوا انظروا مرة أخرى، فوالله ما كذبت ولا كذبت؛ يعني هذا خبر لا مجال للخطأ فيه، لا أنا كذبت في النقل، ولا كُذبت؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم لا ينطق إلا بالصدق. فرجعوا فبحثوا فوجدوه في خربة، مكان خارج، فأتوا به حتى وضعوه بين يديه، يعني بين يدي علي رضي الله عنه.

وروى البخاري عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه قال: أشهد سمعت من النبي صلى الله عليه وسلم، وأشهد أن علياً قتلهم وأنا معه. جيء بالرجل على النعت الذي نعته النبي صلى الله عليه وسلم، ففرح علي رضي الله عنه به، تحقق هذه العلامة التي تؤيد الحق الذي هو عليه. طبعًا في رواية أخرى عند مسلم أن سيدنا علي هو الذي خرج بنفسه ليبحث عنه حين لم يجدوه. جاء عند مسلم أنه التمسوه فلم يجدوه، فقام علي رضي الله عنه بنفسه حتى أتى أناساً قد قتل بعضهم فوق بعض، يعني كومة من الجثث، قال: أخروهم. فوجدوه مما يلي الأرض، فكبر علي، يعني قال: الله أكبر، ثم قال: صدق الله وبلغ رسوله.

فقام إليه رجل من أصحابه اسمه عبيدة السلماني، قال: يا أمير المؤمنين، الله الذي لا إله إلا هو لسمعت هذا الحديث من رسول الله؟ فقال علي: أي والله الذي لا إله إلا هو، حتى استحلفه ثلاثاً وهو يحلف. وهذا طبعاً من الاستغراب والعجب والدهشة أن يتحقق الحديث بهذا الوصف وبهذه الدقة.

هنا يا أحباب نحتاج إلى وقفة بسيطة عند سياسة علي رضي الله عنه. جاءني هذا السؤال: لماذا فرق علي رضي الله عنه في تعامله بين طائفة معاوية وطائفة الخوارج؟ يعني هو ترك لطائفة الخوارج حرية الانفصال السياسي، بل وحرية الانفصال الاعتقادي، لم يحرمهم من حقوقهم كمسلمين، ومنع التعرض لهم طالما لم يعتدوا، مع أنهم خرجوا من البيعة ومع أنهم كفروا الصحابة. لكن معاوية مع أنهم رفضوا البيعة ابتداءً، فهو في طائفة الشام أعلن الحرب على أهل الشام لمجرد إصرارهم على رفض المبايعة. صاحب السؤال يقول: أنتم تقولون إن علي رضي الله عنه سنَّ في معاملة الحاكم للمعارضة السنة المعروفة، وهي حفظ حقوق المعارضة، فلماذا لا تجعلون معاملة علي لطائفة الشام بالسيف بعد أن نصحهم وقبل أن يعتدوا، سنة لعلي أيضاً؟

الإجابة على هذا السؤال كالاتي: وهذا هو الفارق في تعامله رضي الله عنه مع فئة معاوية ومع الخوارج؛ فئة معاوية كانت فئة كبيرة قوية مستقلة بالشام، لكن الخوارج كانوا في مبدأ أمرهم فئة صغيرة وقلة، وكانوا معتزلين ومنحازين في قرية قريبة من الكوفة، هي قرية حروراء. في هذه اللحظة كان خطر الشام، مواجهة الشام كانت قبل ظهور الخوارج، ففي لحظة ما قبل الشام وإلى ظهور الخوارج بفترة بسيطة، كان خطر الشام هو الخطر الأكبر، لأن هناك خشية من انقسام الدولة الإسلامية باستقلال الشام، فلذلك بادر إليهم علي رضي الله عنه.

لكن لما ظهر الخوارج بعد صفين وكانوا في قرية قريبة من الكوفة، رأى علي رضي الله عنه أن هؤلاء القلة موجودين في قرية فاحتواؤهم ممكن، فلذلك أخبرهم بحقوقهم، وأنهم لا يبدأهم بقتال ما لم يقتلوا أو يحدثوا، فلما أحدثوا وقتلوا كان خطرهم في هذه اللحظة أشد من خطر الشام، لأنهم كانوا قريبين من الكوفة. ولذلك لم يحضر علي التحكيم بنفسه لما قال ليزيد بن حُصين الحر العبسي: إني آخذهم بأنفاس هؤلاء. ولما أخفق التحكيم في حل القضية، كان المفروض أن تتجدد الحرب مع أهل الشام، جعل علي الأولوية لقتال الخوارج، لأنهم أقرب وأخطر، طبعاً مع أن فئة معاوية في ذلك الوقت كانت تزداد قوة واتساعاً. فخلاصة القول أن المسألة هنا تابعة لتقدير الخطر، كل مرحلة واجه علي الخطر الأعظم منهما، والله أعلم.

فالمهم بعد إبادة الخوارج إلا قليلاً منهم، لم يبقَ في مشهد الفتنة بين الصحابة إلا المشهد الأخير، هذه اللحظة المؤلمة وهذه القتلة الثانية البشعة في تاريخ الإسلام، وهي لحظة استشهاد سيدنا علي رضي الله عنه على يد أشقى الناس. طيب، بعد التحكيم عاد الوضع إلى ما كان عليه قبل التحكيم، وأخذ علي رضي الله عنه في استنفار الناس لحرب معاوية وأهل الشام، وكذلك معاوية من جهته شرع أيضاً في استنفار الناس معه، وحاول أيضاً أن يستولي على الأمصار، وجرت محاولات واشتباكات بين الطرفين لمحاولة السيطرة على الأمصار. واستطاع فيها معاوية أن يستولي على مصر وأن يضمها إليه، كان له أيضاً محاولة غير ناجحة في البصرة، وأرسل أيضاً بُسر بن أبي أرطأة إلى المدينة ومكة واليمن. أيضاً سيدنا علي عانى من تمردات أخرى في المناطق التابعة له شرق العراق، يعني في الأهواز وفي فارس، تفاصيل هذه الأخبار مما لا يعنينا الآن في هذه الحلقات المختصرة، هي أشبه بالتاريخ المحض؛ تاريخ لا يضيف شيئاً كثيراً في فهم موضوع الفتنة.

سيدنا علي بدأ في أواخر أيامه مثقلاً بالهموم، وأشد ما ضايق سيدنا علي وأشد ما كان ثقيلاً على نفسه هو تثاقل أهل الكوفة عن القيام معه في الحرب، في حرب أهل الشام. روى ابن سعد في الطبقات الكبرى، والفسوي في المعرفة والتاريخ، والبلاذري في أنساب الأشراف، أن أبا صالح الحنفي قال: رأيت علي بن أبي طالب أخذ المصحف فوضعه على رأسه، حتى لأرى ورقه يتقعقع؛ صوت كذا، سيدنا علي يضع المصحف على رأسه، ثم قال علي: اللهم إنهم منعوني أن أقوم في الأمة بما فيه، فأعطني ثواب ما فيه. ثم قال: اللهم إني قد مللتهم وملوني، وأبغضتهم وأبغضوني، وحملوني على غير طبيعتي، وخلق وأخلاق لم تكن تعرف لي، فأبدلني بهم خيراً منهم، وأبدلهم بي شراً مني، اللهم أمت قلوبهم ميت الملح في الماء.

فهو طبعاً سيدنا علي يقصد هنا أنهم لم يطيعوه، أهل الكوفة لم يطيعوه للقيام على الحرب، وبذلك يقوم بما في القرآن من مقاتلة الفئة الباغية، وهذا مع أنه ثبت لأهل الكوفة باليقين أن عليًا رضي الله عنه هو الحق، هو على الحق بعد انتصاره على الخوارج وظهور هذا الرجل من الخوارج، المقتول الثدي، وكذلك مقتل عمار رضي الله عنه. وفي رواية أخرى في مصنف عبد الرزاق أن عليًا رضي الله عنه قال وهو يدعو: فأرحني منهم وأرحهم مني. فما يمنع أشقاكم أن يخضبها بدم؟ ووضع يده على لحيته. يعني كان علي عنده علم من رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه مقتول، فكأنه كان يستحث هذا الأشقى من الناس الذي سيقتله.

روى البلاذري في أنساب الأشراف بإسناد صحيح عن عبيد الله بن أبي رافع قال: شهدت عليًا وقد اجتمع الناس عليه حتى أدموا رجله، يعني سال الدم من رجله رضي الله عنه، فقال: اللهم إني قد كرهتهم وكرهوني، فأرحني منهم وأرحهم مني. فقال عبيد الله بن أبي رافع: فما بات إلا تلك الليلة، استجاب الله دعاءه، وتوفي في اليوم التالي، أو قتل في اليوم التالي. طبعاً يظهر هنا فكرة أنهم أدموا رجله، وفي رواية أخرى أيضاً حتى وطئوا على رجله؛ أن بعض أهل الكوفة كانوا لا يوقرون علي رضي الله عنه.

بالتوازي مع هذا الحال في الكوفة، كان الخوارج ينسجون مؤامراتهم الكبرى، اجتمع نفر من الخوارج، وكانوا كأنه اجتماع يبحثون فيه ماذا عليهم أن يفعلوا لكي تصح أحوال الأمة. هؤلاء الخوارج يبحثون ماذا يفعلون إذا صحت أحوال الأمة، فخرجوا بحل يتناسب مع غباء عقولهم وضيق نفوسهم، خرجوا بأسوأ حل، عزموا على اغتيال أقوى ثلاثة رجال في العالم الإسلامي: علي بن أبي طالب في الكوفة، ومعاوية بن أبي سفيان في دمشق، وعمرو بن العاص في مصر.

مدينة الفسطاط عاصمة مصر، ودبروا أن يكون اغتيال الثلاثة في يوم واحد، وهو فجر اليوم السابع عشر من رمضان من عام أربعين للهجرة. وهنا تصدى ثلاثة منهم للقيام بهذه المهمة؛ عبد الرحمن بن ملجم المرادي، واغتيال علي هذه مهمته، والثاني اسمه البرك بن عبد الله التميمي -ورأيتها في بعض الكتب البرك بن عبد الله التميمي- فكلاهما موجود، لكن هذا البرك مهمته اغتيال معاوية في دمشق، وعمر بن بكر التميمي هذه مهمته اغتيال عمرو بن العاص في الفسطاط.

عبد الرحمن بن ملجم أدرك غايته وهاجم عليًا رضي الله عنه بالسيف في جامع الكوفة، فأصابه إصابة بليغة ما لبث أن مات منها بعد أيام. وأما البرك بن عبد الله فهو بالفعل هاجم معاوية في جامع دمشق، أصابه إصابة متوسطة لم تقتله، لكنه بقي طريحًا لشهر أو أكثر لا يستطيع أن يتحرك.

أما عمر بن بكر التميمي فقد ذهب ليقتل عمرو بن العاص، وطبعًا في ذلك الوقت كان الإمام إمام البلد ومن يصلي بهم الصلاة، فهو بدون صور زمان ولا فضائيات تنقل الصور، فذهب ليقتل أمير الناس؛ كيف يعرفه؟ لأنه يؤم الناس في الصلاة. فأمر بن بكر قتل بالفعل أمير الناس في صلاة الصبح، لكن من قدر الله تعالى أن سيدنا عمرو بن العاص في هذه الليلة أصابه وجع ومرض، فما استطاع أن يخرج، وخرج بدلاً منه ليصلي عنه صاحب الشرطة خارج بن حذافة، فهو بالفعل قتل خارج بن حذافة ولم يقتل عمرو بن العاص، ومن هنا جاء المثل الشهير: "أردت عمرًا وأراد الله خارجًا"، هذه كلمة عمرو بن بكر التميمي.

وباستشهاد علي رضي الله عنه تطوى صفحة الرجل الذي هياه الله ليتعلم منه المسلمون كيف يكون فقه التعامل مع المعارضة بأنواعها؛ معارضة سلمية ومعارضة مسلحة، معارضة من المسلمين ومعارضة من الفئة الضالة، معارضة قريبة ومعارضة بعيدة. والله تبارك وتعالى ادخر عليًا لهذا الموقف العصيب الذي لا يصلح له ولا يتأهل له إلا رجل بلغ في العلم وفي الحرب الغاية.

هذا موقف لا يصلح له إلا رجل جمعه بين الأمرين؛ فسيدنا علي فارس مقاتل باسل، محارب لا يشق له غبار، وهو أيضًا فقيه مغروس في لوحي النبوة، عاش صباه في كنف النبي ﷺ وتزوج من بنت النبي ﷺ وأنجب سبطي النبي ﷺ، فأخذ علم النبوة وأخذ بركة النبوة. نستطيع أن نقول ما لم يتسنَّ لغيره، الإمام أبو حنيفة النعمان رضي الله عنه كان يقول إنه ما قاتل علي أحدًا من الناس إلا وكان الحق معه، وإلا كان أولى بالحق منه.

لولا سنة علي في هؤلاء ما علم أحد كيف السير في المسلمين، وهذا الذي ذكرناه، أنه سنة علي رضي الله عنه في معاملته لهؤلاء المعارضة هي السنة التي أنارت للمسلمين جميعًا كيف يتعامل الحاكم مع المعارضة، وما هي حقوق المعارضة وما هي واجبات الحاكم وما هي حقوق الحاكم وهكذا. فهذا لم يكن لا في زمن أبي بكر ولا عمر، إنما كان في زمن آخر، زمن عثمان شيء بسيط وبعض، وأغلب ذلك كان في عصر علي رضي الله عنه.

وفاز علي بالشهادة بعد هذه الرحلة الطويلة على يد هؤلاء الخوارج، الخوارج الذين لا تزال الأمة تذوق منهم حتى الآن شر ما تذوق أمة من أبنائها. وهذا يثبت لمرة جديدة أن هذه الأمة لم تؤتَ من أعدائها كما أوتيت من هؤلاء المنسوبين إليها؛ حتى هذه اللحظة لا تزال فتنة الخوارج فتنة وطعنة نافذة في قلب الأمة، وتتحدث عنها ساحات الثورات وساحات الجهاد وساحات المقاومة.

وهذا حديث مرير طويل، بقي معنا في قصة الفتنة موضوعان لابد من التعرض لهما والوقوف عندهما، وهذا إن شاء الله ما نتناوله في الحلقتين القادمتين الأخيرتين من هذه السلسلة. نسأل الله تبارك وتعالى أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا علمًا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الحب للصحابة كلهم لي مذهب ومودة القربى بها أتوسل، ولكل هم قدر وفضل سطع، لكن من الصديق منهم أفضل؟ هذا اعتقاد الشافعي ومالك وأبي حنيفة ثم أحمد ينقله، فإن اتبعت سبيلهم فموحد، وإن ابتدعت فما عليك معوجا.