حبُّ الصحابة كلهم لي مذهبٌ ومودةٌ، والقربى بها أتوسلُ، ولكلهم قدرٌ وفضلٌ سطع، لكن الصديق منهم أفضل، هذا اعتقاد الشافعي ومالك وأبي حنيفة ثم أحمد ينقله، فإن اتبعت سبيلهم فموحد، وإن ابتدعت فما عليك معول، وإن ابتدأت فما عليك معول.
بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. مرحبًا بكم أيها الأحباب في هذه الحلقة الجديدة من سلسلة حلقات قصة الفتنة الكبرى، والتي نحاول فيها شرح ما حصل من القتال بين الصحابة الأجلاء -رضوان الله عليهم أجمعين- وإن نزيل ما علق بهذه الفترة من الشبهات والأكاذيب.
نقف في هذه الحلقة مع سؤال في غاية الأهمية، وهو: كيف تكونت عقيدة أهل السنة والجماعة؟ أهل السنة والجماعة قرروا في عقائدهم، في المتون العقدية أو الكتب التي كتبوها بغرض بيان الإيمان الواجب على المسلم، كتبوا فيها أنهم يكفون عما شجر بين الصحابة ولا يتكلمون فيه، ويرون أن الجميع مجتهد متأول معذور، وأن الحق كان مع علي رضي الله عنه، وأن فئة معاوية هي الفئة الباغية، وأن الخوارج والشيعة كلا الفرقتين من الفرق الضالة، بل يختلف العلماء في تكفيرهما.
السؤال هنا: هل كان هذا التقرير، هل كانت هذه العقيدة نتيجة بحث علمي نزيه وبحث موضوعي أصيل، أم أنها كانت نتيجة سياسية لعبت فيها الأهواء أو الرغبات أو التحكمات، أم لها أتباع مستعملين سيف القهر والسطوة؟
تعالوا ننظر معنا مما شاع وذاع وانتشر على ألسنة الناس كلمة وقاعدة: "المنتصر يكتب التاريخ". من معاني هذه المقولة أن الذي انتصر فرض روايته ورؤيته وأفكاره على الناس وكتب تاريخه. طبعًا لابد للمنتصر أن يبرر ويروج لنفسه ولفكرته ولحركته، وإلا صار انتصاره هذا بغير معنى؛ لو أن المنتصر هذا لم ينتج روايته للتاريخ، سيكون هذا الانتصار ملهوش مبرر، بل ربما يصير هذا الانتصار من البغي والجور والعدوان. فإذن، لابد للمنتصر أن تكون له رواية للتاريخ لكي تجعل انتصاره هذا حقًا وانتصارًا للحق، وتجعل خصمه على باطل.
أيضًا من جهة أخرى، المنتصر يكتب التاريخ من جهة المنبهرين بهذا المنتصر؛ وهم يكتبون التاريخ أيضًا وهم متأثرون بهذا الانبهار. فالانتصار دائمًا أمر عظيم وأمر محبب، وأي غالب أو أي منتصر سيكون له أنصار وأتباع، وأيضًا له منافقون يتوددون إليه ويتزلفون عنده ويتقربون إليه بكتابة ما يرضيه. إذًا التاريخ مكتوب على هوى المنتصر على المعنيين؛ رغبةً من حيث إن المغلوب مولع بتقليد الغالب فهو يستلهمه وينبهر به، ورهبةً من حيث إن هذا المنتصر يمتلك القوة والقهر الذي يستطيع أن يفرض به رؤيته وأفكاره وقصته للتاريخ.
وهذا الموضوع للباحثين والفلاسفة فيه كلام طويل عن دور السلطة في إنتاج المعرفة، ومن يقرأ للفلاسفة سيعرف هذا، ومن أشهر الكتب في هذا "المعرفة والسلطة" لفوكو؛ أي إنسان، وأي كتاب تقريبًا تكلم في الحداثة ومسألة إنتاج المعرفة، مرّ على هذا الموضوع.
لكن الذي يهمنا نحن، هو أن كثيرًا من المستشرقين والعلمانيين ومن تأثر بهم، وحتى من عموم الباحثين وبعض أبناء المسلمين أيضًا، يرون أن هذا الأمر نفسه حصل في التاريخ الإسلامي مثلما جرى في تواريخ الأمم وفي التاريخ الغربي؛ ويرون أن عقيدة أهل السنة والجماعة هذه عقيدة شاعت وانتصرت لأنها عقيدة الفرقة التي انتصرت وسادت عبر التاريخ. وبالتالي فهم يظنون أنه بما أن السلطة هي التي انتصرت، فهي كتبت التاريخ وكتبت العقيدة ونجحت في تعميم أفكارها، وبالتالي فعقيدة أهل السنة صارت هي عقيدة السواد الأعظم من المسلمين.
ما نريد أن نقوله هنا، أن عصر الفتنة بين الصحابة وتاريخ عصر الفتنة هو أحد أهم الدلائل على فساد هذا التصور، وهو أحد أهم الدلائل على أن عقيدة أهل السنة والجماعة لم تكتبها السلطة ولم تسد في التاريخ بأثر من غلبة السلطة أو قهر السلطة، ولكن هذه العقيدة تكونت عبر منهج علمي دقيق؛ تعامل مع النصوص من الكتاب والسنة ومع أقوال الصحابة -رضوان الله عليهم- ولم يكن يرجو من ذلك إلا فهم مراد الله ورسوله والوصول إلى الحق فيما اختلف فيه.
كيف كان ذلك؟ أهل السنة والجماعة يرون أنما وقع بين الصحابة كان فتنة، وأن الحق فيها كان مع علي رضي الله عنه، وأن الفئة الباغية هي فئة معاوية رضي الله عنه، وهذا استنادًا إلى نصوص نبوية. تخيلوا الآن لو أن هذه العقيدة كتبها منتصر بالفعل! من المنتصر؟ المنتصر عليه؟ لا، معاوية هو المنتصر حقيقة، فلو أن هذه العقيدة كتبها منتصر فعلاً لكانت قد انحازت إلى معاوية لا إلى علي؛ لأن معاوية هو الذي انتصر، وساعتها كانت المفروض رواية المنتصر تقول إن فئة علي هي الفئة الباغية، وهي الفئة المنقلبة التي قتلت عثمان، وأن الذين انتصروا لدم عثمان وهم الأمويون قد أقاموا دولة عظيمة قوية شاسعة مترامية الأرجاء.
الدولة الأموية هي أوسع ما قام للمسلمين من ممالك؛ فقد امتدت من أبواب الصين إلى فرنسا، وكل هذه المساحة كان يحكمها رجل واحد، ولا يوجد أحد بعد الدولة الأموية استطاع أن يحكم كل المسلمين، فبعد الدولة الأموية بدأت تظهر الانقسامات والاستقلالات في الأنحاء. فلو أن هذه العقيدة قررها المنتصرون -وهم الأمويون- كانوا سيكتبونها باعتبار معاوية هو على الحق وفئته هي الحق، وفئة علي هي الفئة الباغية؛ هذا لم يحصل.
طيب، لو أن لهذه العقيدة لما قررها الأمويون، جاء من بعدهم العباسيون، والعباسيون انقلبوا على الأمويين. والزمن العباسي هو أطول زمن في الخلافة الإسلامية؛ فالدولة الأموية كلها 92 سنة، لكن العباسيين عاشوا خمسة قرون في بغداد وثلاثة قرون في القاهرة، ومع ذلك لم يتغير شيء على عقيدة أهل السنة والجماعة. العباسيون أعداء الأمويين، لكن لا يمكن رصد أي أصل من أصول هذه العقيدة تغير أو تبدل بين عصري الأمويين والعباسيين، بل على العكس من ذلك؛ علماء السنة في عصر تدوين الحديث كانوا ينقلون عن الأمويين في إسنادهم الحديث النبوي، وكانوا ينقلون أيضًا أقوالهم وأقضيتهم بالنسبة للحكام وأصحاب القضاء، وكذلك أخذوا عن العلماء الذين اشتهروا بقربهم من خلفاء الأمويين، فكل هؤلاء موجودون في الأسانيد التي أخذها العلماء في العصر العباسي.
ولا يعرف أبداً أنه خليفة من خلفاء العباسيين؛ استنكر على أهل العلم أنهم يأخذون عن هؤلاء الرواية، أو يأخذون العلم، أو يأخذون الحديث النبوي، فضلاً عن أن يفكر خليفة في أنه يمنع هؤلاء من الأخذ عن الأمويين. فالواقع والحقيقة الواضحة أن هذه العقيدة، عقيدة أهل السنة والجماعة، تقررت بالعلم؛ تقررت عبر منهج علمي.
المنهج العلمي يتحقق من نسبة النصوص إلى قائليها حتى الصحابي وحتى النبي ﷺ، يتحقق من نسبتها إليهم، ويحاكم هذه الأسانيد ويوازن بين هذه النصوص مع سواها من النصوص الأخرى حتى يتضح الحق من بين كل ذلك. فلو أن الغالب المنتصر تدخل في كتابه عقيدتنا، ما كان بالإمكان أن تكون على هذا النحو الذي استقر عليه. عصر الأمويين لن يرحب بأن فئة عليه هي الفئة الألد إلى الحق وفئة معاوية فالباغية، وعصر العباسيين لن يرحب بأن يكون معاوية ومن معه متأولين وأنهم مخطئون، أو متأولين ومعذورين ومجتهدين؛ العباسيون لا يرحبون بهذا لأنهم أعداء الأمويين. وبهذا يتضح أن عقيدة أهل السنة كتبت وقررت انطلاقاً من نصوص القرآن والسنة ولم يؤثر عليها مصدر آخر.
هناك أيضاً أمر آخر؛ لو أن عقيدة أهل السنة والجماعة كانت منحازة إلى تفسير مادي مثلاً، والتفسير المادي كان يزن الأطراف بميزان مادي، فكانت رؤيتها مادية؛ فمعاوية هو الذي انتصر وأبناؤه أقاموا بعده دولة عظيمة، لكن علي لم يستطع السيطرة على جيشه، ولا الحسين انتصر على يزيد، ولا ابن الزبير انتصر على عبد الملك بن مروان. ومع هذا ظلت عقيدة المسلمين تقول إنه علي أرفع وأعظم وأجدر من معاوية، وظل معاوية الباغي، والحسين صار الحسين شهيداً مظلوماً. لكن أهل السنة يختلفون في جواز لعن يزيد الذي هو الذي انتصر، ويختلفون في أنه يكون مغفوراً له. كما ظل عبد الله بن الزبير الخليفة الشرعي، وبقي مروان بن الحكم هو الباغي، وكذلك ابنه عبد الملك بن مروان وعرف في التاريخ بأول خليفة متغلب؛ فثبت بهذا أن عقيدة أهل السنة والجماعة لم تكن متأثرة بالنظرة المادية.
في المقابل، لو أن عقيدة أهل السنة والجماعة كانت تنحاز إلى المعيار الروحي الديني، وكانت تنحاز للمظلومين المقهورين كما تفعل بعض الاتجاهات الفلسفية ومدارس التاريخ الحديثة -أي الآن مدارس التاريخ التي نشأت في ظل الاستعمار وتحاول أن تبحث التاريخ من وجهة نظر المغلوبين المهمشين، مدرسة التاريخ من أسفل، مدرسة التاريخ المهمشين وهكذا- فلو أن عقيدة أهل السنة والجماعة كانت أكثر انحيازاً للمغلوبين مش للمنتصرين، لكانت قد انحازت إلى الخوارج؛ لأن الخوارج كانوا أكثر عبادة من أصحاب رسول الله ﷺ، وهم بالمعيار الروحي المثالي كانوا في ذروة المثالية والنقاء والفداء، ولم يتقبلوا أدنى تنازل في الدين.
وكان يسمع لهم دوي بالقرآن، وكانت وجوههم مسجمة من السهر بقيام الليل، وكانت أقدامهم مثنة من الاجتهاد في العبادة. فبالتالي يبقى إذاً عقيدة أهل السنة لن تنحاز إلى الجانب المادي ولا انحازت إلى الجانب الروحي، لن تنحاز إلى المنتصر ولن تنحاز إلى المغلوب؛ كانت عقيدة أهل السنة والجماعة تفسيراً لآيات الكتاب ولأحاديث النبي ﷺ وفق منهج علمي متين.
كذلك من أصول عقيدة أهل السنة والجماعة أن الصحابة عدول، وأن فضل الصحابة ثابت بالقرآن والسنة، وأنهم خير الأجيال، وأن الله اختارهم لصحبة نبيه ﷺ، وأنهم أعلام هذه الأمة وأنهم نجوم هذه الأمة، وأنه سائر أعمال هذه الأمة لا تبلغ أعمالهم لأن كل أعمال الأمة أصلاً في ميزان حسناتهم. الصحابة هم الذين فتحوا البلاد، وهم الذين بلغوا الدين، وهم الذين ربوا من بعدهم من التابعين، فكل حسنات الأمة هي جزء من حسنات الصحابة.
فلذلك من هنا طرح البعض شبهة: كيف يكون الصحابة عدولاً وقد قاتلوا وقتلوا؟ مصيبة أخرى: عدالة الصحابة هل تخدشها الفتنة؟ هذا هو السؤال المطروح. بعض الناس يزعم أنه ما وقع في عصر الفتنة بين الصحابة يخدش عدالتهم، يقولون: كيف يكون عدلاً من حمل السيف فقاتل وما رسمت تقتضيه الحروب من الفتن والمراوغات والخداع؟ وكيف يكون القاتل والمقتول في الجنة؟ وكيف يكون كلاهما عدلاً؟ وكيف يأمن المسلمون هؤلاء الصحابة في نقلهم لحديث النبي ﷺ؟ يا ترى أليس من الممكن أن يختلق الواحد منهم شيئاً عن النبي لم يقله لضرورات الحرب، يعني ضرورات الحرب المخادعة والمقاتلة؟
هنا نجد أن عصر الفتنة يقوم دليلاً قوياً، بل ربما نقول الدليل الأقوى على أن الصحابة عدول، وعلى أنهم مؤتمنون، وعلى أنهم خير الناس، وأن قتالهم لبعضهم البعض كان أشرف قتال؛ هم لم يكونوا يجهزون على جريح، ولم يكونوا يتبعون مدبراً، ولم يكونوا يسبون الذرية، وهو أمر لا تخلو منه الحروب في أي زمن ومكان. لكن دعونا نتوقف أمام الأمر الأهم، وهو أمر عدالتهم في نقلهم عن النبي ﷺ.
الآن أثبتت أحداث هذه الحقبة، حقبة الفتنة، نزاهة الصحابة وورعهم، وأن الشك لا يتطرق إليهم فيما نقلوه عن النبي ﷺ. لدينا ثلاثة مظاهر: المظهر الأول أنه هناك جمع من الصحابة روى أحاديث تؤيد مواقفهم ولم يوجد أحد يتهمهم بالكذب على رسول الله لمصلحتهم. الصحابي يروي الحديث الذي فيه مصلحته هو، ومع ذلك لم يكذبوا. علي رضي الله عنه روى أكثر أخبار الخوارج، وشهد معه بعض الصحابة على صدقه فيما رواه، هذا وزاد عليه، ولم يرد عن أحد من أهل الشام الذين هم منافسون لعلي وفي خصومة معه، أو عن أحد من أهل المدينة أو مكة، تشكيك فيما يرويه علي رضي الله عنه لأنه رواية أيدت موقفه.
فمن ذلك مثلاً ما رواه الصحابة في مصلحتهم؛ علي روى أخبار الخوارج مثلاً، رواية سيدنا عبد الله بن حوالة الأسدي، الذي هو حديث «عليكم بالأمانة»، وأصحابه، أو ما رواه عثمان، وعبد الله بن حوالة الذي كان من أهل الشام، أو ما رواه هو في فضائل الشام، وهذه أحاديث فهم منها أهل الشام أنهم على حق، وهذه الأحاديث دفعت عبد الله بن حوالة أن يكون في أهل الشام. لم يرد أن أحداً من أهل العراق أو من أهل المدينة أو من أهل مكة كذب عبد الله بن حوالة فيما يرويه، أو أثار أن هذه الرواية اختلقها عبد الله هذا لتأييد موقفه.
مثل ذلك أيضاً سيدنا النعمان بن بشير، والذي هو الصحابي الذي نقل ثوب عثمان ملطخاً بدمه ومعه أصابع زوجته المقطوعة، وحمل رسالة أم حبيبة إلى معاوية؛ هذا روى حديث عائشة الذي فيه إصرار النبي على عثمان، الذي قال له النبي ﷺ وفيه: «لعل الله أن يقمصك قميصاً...».
أرادك المنافقون على خلقه فلا تخلع. النعمان بن بشير كان في أهل الشام وأيضاً لم يتكلم، لم يداخله شك في أن يكون الحديث مكذباً عن النبي صلى الله عليه وسلم، يعني هو لم يتكلم في أن الحديث هذا مختلق أو مخترع، لكن عمل عقله بتلقائية في استخراج تأويل له كما ذكرناه.
فهذه المواقف تثبت أن الصحابة لم يكونوا متهمين في روايتهم عن النبي صلى الله عليه وسلم في أحرج لحظات الفتنة والحرب التي تحتاج إلى المداراة أو المخادعة.
مشهد ثاني مثلاً، أن هؤلاء الصحابة روى بعضهم عن، يعني رووا أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم فيها مجال لخصومهم، لو أنهم كانوا من من يتلاعب بالدين أو بالنقل عن النبي صلى الله عليه وسلم لكانوا كتموا ذلك أو حتى غيروه. يعني علي رضي الله عنه هو الذي روى حديث: تقتلهم أقرب الفئتين إلى الحق. هذا لفظ صريح في أن الفئة الأخرى التي يقاتلها قريبة من الحق أيضاً ولها نصيب من الحق أيضاً.
يعني علي لو كان متلاعباً بالحديث لكان قال ماذا؟ قال: تقتلهم الفئة التي على الحق. أو لو قال مثلاً: يقتلهم أهل الحق دون أهل الباطل. لكن لا، هو روى كما سمع من النبي، وهذا الحديث فيه مجال لخصومه.
علي نفسه أيضاً هو الذي روى حديثاً في فضل الزبير، حديث: إن لكل نبي حوارياً، وحواري الزبير بن العوام. ومتى قال هذا؟ قال هذا حين بلغه مقتل الزبير. وهو الذي لما جاءه ابن جرموز برأس الزبير قال: بشر قاتل ابن صفية بالنار. ابن صفية هذا هو الزبير. فلو كان علي من أهل السياسة في زماننا هذا الذي يعني يجيز لنفسه الكذب على رسول الله، لكان روى حديثاً مثلاً يقول: بشر قاتل ابن صفية بالجنة.
وسيدنا علي سئل سؤالاً مباشراً في موقف هو أحوج فيه إلى كثرة الناس، سئل عن خروجه لقتال معاوية في صفين أهو شيء عهد به إليه رسول الله أم هو رأي منه؟ فقال علي: ما عهد إلينا رسول الله بشيء وإنما هو رأي.
طبعا هذا الموقف لو كان له أن يخترع فيه كلاماً لاخترع لضرورة الحرب ولأنه يحتاج إلى كثرة المقاتلين، لكنه لم يفعل. لكن سيدنا علي لما خرج لقتال الخوارج حدث عن النبي صلى الله عليه وسلم بما كان عنده من العلم، وهو قال ذلك بوضوح.
يعني سيدنا علي قال: إذا حدثتكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلأن أخر من السماء، أن أسقط من السماء، أحب إلي من أن أقول عليه ما لم يقل، وإذا حدثتكم فيما بيني وبينكم فإن الحرب خدعة. ثم قال علي روى حديث الخوارج: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: سيخرج في آخر الزمان قوم أحداث الأسنان سفهاء الأحلام يقولون من خير قول البرية، إلى آخر الحديث الذي هو عن الخوارج.
مشهد ثالث، أن من الأدلة أيضاً على عدالة الصحابة اعترافهم بالحق باعترافهم بالفضل بعضهم لبعض حتى في موطن الخصومة والحرب.
يعني عمار رضي الله عنه جيش أهل الكوفة للخروج مع علي وفي إلى البصرة، جيشهم للخروج ما عليه ضد عائشه وطلحة والزبير، وهو يجيشهم يقول لهم: إني لا أعلم أنها زوجته في الدنيا والآخرة، ولكن الله ابتلاكم بها ليرى أطيعونه أم تطيعونه زوجته في الدنيا والآخرة وفي اللفظ الآخر كما ذكرناه يقول: فإن أمنا خرجت.
عائشة رضي الله عنها أيضاً سمعت عتاب عمار لها بعد الجمل لما قال لها: يا أم المؤمنين ما أبعد هذا عن العهد الذي عهد إليكم، اللي هو قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب: 33]. فقالت: أبو اليقظان. قال: نعم. قالت: إني ما علمت أنك قوال بالحق. فقال: الحمد لله الذي قضى لي على لسانك.
معاوية لما سأله أبو مسلم الخولاني: أنت تنازع علياً أم أنت خير منه؟ فمعاوية يقول: إني لا أعلم أن علياً أفضل مني وأحق بالأمر مني. وعلي رضي الله عنه شهد لأهل الشام بالصلاح وبأداء الأمانة، يعني هو كان يلوم قومه فيقول: والله لقد خشيت أن يدال عليكم، أن يدال هؤلاء القوم عليكم بصلاحكم في أرضكم وفسادكم في أرضكم، وبأدائهم الأمانة وخيانتكم، وبطواعيتهم إمامهم ومعصيتكم له.
فإذاً علي وهو الذي قال: لا تسب أهل الشام جمعاً غفيراً، وإن فيهم الأبدال. وعمار قبل ذلك قال لا، لما قال رجل: كفرة أهل الشام. قال: لا تقل هذا، نبينا ونبيهم واحد وقبلتهم واحدة، ولكنهم قوم مفتونون.
يعني هكذا لم تكن الحرب بينهم مما يدفعهم لاختلاق كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ينصرون به أنفسهم أو حتى يخصمون به من خصومهم، بل نقلوا كما سمعوا. فيعني هذا ما يشهد لهم بالأمانة وبالدين وبالورع والتقوى، الصحابي نقل ما سمعه سواء ما سمعه النبي سواء كان هذا يشهد له أو كان هذا يشهد عليه، ولم يجاوزوا الإنصاف في أمرهم، فرضي الله عنهم جميعاً.
إذاً، بهذا يتضح لنا أن عقيدة أهل السنة والجماعة لم تكتب تحت ضغط حاكم ولم تكتب تحت أو برغبة حاكم أو بإغراء حاكم، لم تتأثر لا بالانحياز المادي ولم تتأثر بالانحياز الروحي، وأنه ما جاء فيها هو مما لا ترضى عنه العصور الإسلامية، لا الأمويون يرضون أن يكون معاوية باغياً، ولا العباسيون يرضون أن يكون معاوية متأولاً مجتهداً.
فبالتالي عقيدة أهل السنة والجماعة لم تكتب إلا بمنهج علمي رصين متين، ومن أبرز ما فيه مما يتعلق بحلقاتنا الآن ما جاء في عدالة الصحابة، وراينا كيف كان عصر الفتنة وسلوك الصحابة فيه دليلاً على عدالتهم وإنصافهم.
نسأل الله تبارك وتعالى أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا علماً. غداً إن شاء الله الحلقة الأخيرة من هذه السلسلة، فكونوا معنا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الصحابة كلهم لي مذهب ومودة القربى بها أتوسل، ولكلهم قدر وفضل ساطع، لكن من الصديق منهم أفضل. هذا اعتقاد الشافعي ومالك وأبي حنيفة ثم أحمد ينقله، فإن اتبعت سبيلهم فنوحد، وإن ابتدعت فما عليك معول.
محمد إلهامي