دخولتسجيل الدخول

قصة الفتنة الكبرى | 22. هل قتل مروان بن الحكم طلحة بن عبيد الله؟

محمد إلهاميمحمد إلهامي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، مرحبا بكم أيها الأحباب في هذه الحلقة الجديدة من سلسلة حلقات قصة الفتنة الكبرى. وهذه السلسلة نحاول فيها شرح ما حصل من القتال بين الصحابة الأجلاء رضوان الله عليهم أجمعين، وأن نزيل ما علق بهذه الفترة من الشبهات والأكاذيب. وصلنا في الحلقة الماضية إلى هذا اللغز المثير والمحير، وهو سؤال: هل قتل مروان بن الحكم طلحة بن عبيد الله؟

بداية، المشهور في كتب التاريخ أن طلحة بن عبيد الله قتل بسهم رماه به مروان بن الحكم. هنا الروايات التي تفيد أن مروان بن الحكم قتل طلحة بن عبيد الله يعني قتله قاصداً، قالت لأن طلحة بن عبيد الله كان يحرض على عثمان. بعض طرق هذه الروايات ظاهرها الصحة، ولذلك ذهب بعض الناس، مثل محققي المصنف، المصنف لابن أبي شيبة، اللي هم طبعة أسامة بن إبراهيم، الشيخ أسامة بن إبراهيم، وطبعة الدكتور سعد الشثري، إلى تصحيح هذا السند، ويوحي كلام الحافظ ابن حجر أيضاً بتصحيح السند. يعني هو قال الحافظ في كتابه الإصابة في تمييز الصحابة، قال: أخرجه أبو القاسم البغوي بسند صحيح عن الجارود بن أبي سبرة، فذكره. ثم قال الحافظ: أخرج يعقوب بن سفيان بسند صحيح عن قيس بن أبي حازم، ثم أكمل.

هنا دقيقة تظهر في أسلوب الحافظ ابن حجر. يعني الحافظ بن حجر له أسلوب، تظهر يظهر بممارسه كتبه ومعرفة طريقته، وهي أنه يشير أحياناً إلى علة السند إشارة خفية. فهذه منها، يعني هذه على الأرجح من هذه الطريقة؛ يعني هو يصحح الإسناد، الروايتين اللتين ميثاقهما، يصحح الإسناد، حتى الجارود وحتى قيس بن أبي حازم، وهذه هي أقوى طرق الرواية. لكن الاشكال هنا أنه كلا الرجلين، اللي هو ابن أبي الجارود وقيس بن أبي حازم، كلاهما لم يشهد موقعة الجمل، فالإسناد بعدهما منقطع إلى الموقع؛ السند إليهما صحيح، لكنهما ليس من شهود العيان. كذلك، هناك طريق أخرى وتنتقل أيضاً إلى محمد بن سيرين، ومحمد بن سيرين في ذلك الوقت كان صغيراً، كان في طفولته في وقت المعركة.

لكن ذهب من جهة أخرى، ذهب بعض العلماء إلى ضعف هذه الرواية، منهم ابن العربي في العواصم من القواصم، وتابعه في هذا الشيخ محب الدين الخطيب الذي حقق كتاب العواصم من القواصم، وذهب إلى تضعيفها أيضاً الحافظ ابن كثير في كتابه البدايه والنهاية، إلا أنهم لا ابن العربي ولا المحقق ولا ابن كثير لم ينقدوا هذه الروايات على وجه التفصيل. النقد التفصيلي لهذه الروايات وتتبعها حصل على يد الباحثين المعاصرين، وهم يبرهنون في ذلك على مقولة: كم ترك الأول للأخر. وانا شخصياً كنت بذلت جهداً في تتبع الروايات، ثم شاء الله تبارك وتعالى أن رأيت جهد آخرين سبقوني، فحذفت ما فعلت. وانا هنا مهتم بالإشارة إلى هذا الجهد الذي سبقني، فهو أشمل وأوسع وأتقن.

فمن الجهود المتقنة في بحث هذه الواقعة، بحث الاستاذ عبد الحميد الأزهري. هذا بحث بعنوان: هل صح رمي مروان لطلحة بن عبيد الله يوم الجمل؟ وهذا البحث منشور على موقع الألوكة في 2011 بتاريخ 31/12/2011، يعني آخر يوم في 2011. وهذا البحث استفاد منه ثم زاد عليه الدكتور فواز بن فرحان الشمري في كتابه الممتاز: صحيح أخبار صفين والنهروان وعام الجماعة. وكنت قد ذكرت هذا الكتاب في الحلقة الثانية التي ذكرت فيها مصادر الفتنة. وبعض الأمور سبق بها الدكتور خالد الغيث في كتابه: استشهاد عثمان وقععة الجمل، وهذا أيضاً من الكتب التي ذكرتها. الدكتور خالد سبق هذين الأستاذين، الأزهري والشمري، إلى بعض الأمور. وأيضاً نجد تفصيلاً وأموراً نقلها الدكتور علي الصلابي في كتابه: علي بن أبي طالب.

الخلاصة يا أحباب، لدينا أربعة. الخلاصة أن الروايات التي ذكرت أن مروان بن الحكم هو الذي قتل طلحة بن عبيد الله قاصداً، هذه روايات ضعيفة، ولدينا أربعة أدلة على براءة مروان بن الحكم من هذه التهمة.

أولاً: أنه لا يوجد لا داعي ولا مصلحة لمروان في قتل طلحة، فهما في نفس المعسكر، في نفس الجيش، جيش المطالبين بدم عثمان، ولا يعقل أن يقتل مروان قائد الجيش المطالب بالقصاص، لأنه بهذا يطعن نفسه ويطعن قضيته ويساهم في هلكة جيشه. هذه بديهة عقلية.

ثانياً: تقول هذه الروايات الضعيفة بأن مروان قتل طلحة بن عبيد الله لأن طلحة كان من أشد المحرضين على عثمان، وهذا لا يثبت عن طلحة، بل إن محمد بن طلحة كان في أبناء الصحابة المدافعين عن عثمان، وكان أيضاً في الجمل، ذكرنا قبل ذلك أنه كان في الجمل مع أبيه، وهذا مروي بسند جيد، كما قال بسند جيد عند الحاكم، كما قال الذهبي.

ثالثاً: أن أبناء طلحة بن عبيد الله وجيش علي، كلاهما كان يرى أن طلحة قتل على يد جيش علي، وورد هذا من طرق صحيحة، ومن أراد أن يتابع هذه الطرق فأرشح له البحث والروايات التي أوردها الدكتور عبد الحميد فقيهي في كتابه: خلافة علي بن أبي طالب. فلم يرد عن أحد، لا من آل طلحة، أنه اتهم مروان، أو أنه طلب القصاص من مروان.

الدليل الرابع: صنيع الصحابة وأئمة الحديث مع مروان بن الحكم يدل على أنهم يبرئونه، فروى عنه الحديث بعض الصحابة، سهل بن سعد الساعدي، وبعض كبار التابعين، ونقل عنه المحدثون الكبار مثل مالك والبخاري وأصحاب السنن، وهؤلاء متشددون جداً في اشتراط العدالة. طبعا مروان بن الحكم لم يكن من الصحابة، وحيث إنه لم يكن من الصحابة فكانت تشمله شروط الشدة التي يتشددها المحدثون فيمن يروون عنهم، فرواية هؤلاء عنه تدل على أنهم كانوا يرونه عدلاً، ولا يجتمع أنهم كانوا يرونه عدلاً وهم يتهمونه بأنه قتل غدراً أيضاً.

وفي غرائب هذه الرواية الضعيفة التي تتهم مروان بن الحكم بهذه التهمة، أنها تخالف رواية الأحنف بن قيس. والأحنف بن قيس هو رجل معايش لمعركة الجمل، صحيح كان معتزلاً لها، لكنه كان شهد عيان في ذلك الوقت. في رواية الأحنف بن قيس أن طلحة أول من قتل، وفي هذه الرواية أن مروان لما رأى الهزيمة على أصحاب الجمل، انتهى الأمر، رمى طلحة بسهم فقتله، كان قتله في آخر المعركة.

وكذلك من غرائب هذه الرواية الضعيفة أن راويها قيس بن أبي حازم كوفي، والكوفة من المدن المعروفة بشده ولائها لعلي، إلا أنه كان عثمانياً، كان من المنحازين لعثمان، ومع هذا فهو يروي رواية لا يذكر فيها شيخه تثبت تهمة القتل والغدر على مروان، ومروان أصلاً منحاز لعثمان في حق طلحة المنحاز لعثمان. فاتصور أن هذا كاف لمعالجة هذا الموضوع ضمن هذا المقام، ضمن حلقة تلفازية، وأعود وأنصح بالابحاث التي ذكرت أسماءها.

طيب، هذا طلحة بن عبيد الله، واما الزبير بن العوام، فالزبير بن العوام هاله مرأى جيشين من المسلمين يتاهبان للقتال، فورد عنه أنه انصرف من المعركه دون أن يقاتل، وكان ذلك في اولها، ولا تصح الرواية التي ذكرت بأنه انصرف حين ذكره علي بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال للزبير يوماً عن علي: تقاتله وأنت له ظالم. هذه رواية لا تصح.

جاء في عدد من الروايات سبب انصرافه، منها ما يعزو انصرافه لماتبة وقعت بينه وبين علي، وعلي طبعا هو ابن خال الزبير، علي هو ابن خال الزبير بن العوام، أو لأن بعض الروايات تقول إنه الزبير انصرف لما رأى عماراً في صف علي. وربما طبعا كان فيه بعض التردد الذي عبر عنه في القول الذي أوردناه قبل ذلك، لما قال: ما أظن أنها نزلت فينا آية: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: 25]. طبعا قد يكون هذا كله أو أشياء أخرى، المهم من أراد مراجعة هذه الروايات في سبب انصراف الزبير، فأيضاً جمعها جمعاً جميلا الدكتور عبد الحميد فقيهي في كتابه: خلافة علي.

المهم أنه حين انصرف الزبير بن العوام تبعه رجلان، منهم رجل يسمى ابن جرموز، فقتله واحتز رأسه وذهب بها إلى علي رضي الله عنه. روى أحمد في المسند وفي فضائل الصحابة بإسناد حسن، وروى الحاكم في المستدرك وصححه ووافقه الذهبي، وصححه الحافظ ابن حجر أيضاً في الفتح، وكذلك ابن سعد في الطبقات الكبرى وغيرهم، أن ابن جرموز هذا استأذن على علي رضي الله عنه، فقال علي: بشر قاتل ابن صفية بالنار. وقال علي: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن لكل نبي حواري، وحواريي الزبير».

والآن مع اختفاء القائدين الكبيرين فجأة في أول القتال، تركز القتال حول عائشة. وعائشة رضي الله عنها كانت في هودج فوق الجمل، ولولا هذا الهودج لقتلت. روى شاهد عيان مشهد الجمل فقال: لقد رأيت الجمل يومئذ كأنه قنفذ من النبل، من كثرة السهام التي أصابته. ورجل آخذ بخطام الجمل وهو ينشد: نحن بنو ضبة أصحاب الجمل، ننازل الموت إذا الموت نزل، والموت أحلى عندنا من العسل، نفدي ابن عفان بأطراف الأسل. الأسل هي الرماح. لكن هذا الشعر يصور لنا استماتة البصريين حول جمل عائشة، يعني أهل البصرة شعروا بالعار، وأي عار أن يخلص أو أن يوصل إلى أم المؤمنين رضي الله عنها وهي بينهم، فبالتالي استماتوا في الدفاع عنها.

روى ابن أبي شيبة في المصنف وابن سعد في الطبقات الكبرى والطبري في التاريخ بإسناد صحيح أنه قتل بشر كثير حول عائشة يومئذ سبعون، كلهم قد جمع القرآن. يعني قتل سبعون من حفظة القرآن، ومن لم يجمع القرآن أكثر. وروى ابن أبي شيبة في المصنف وخليفة بن خياط في التاريخ بإسناد صحيح عن الحارث بن سويد في وصف المشهد يوم الجمل يقول: لا والله ما رأيت مثل يوم الجمل، لقد أشرعوا الرماح في صدورنا واشرعناها في صدورهم، يعني كلا الفريقين شرع الرماح في صدور الآخر، قال: حتى لو شاء الرجال أن تمر عليها لمرت.

ونادت عائشة رضي الله عنها بلعن قتلة عثمان. طبعا قد يكون نداءها هذا غضباً وسخطاً على انفلات الوضع واشتعال القتال، وقد يكون كذلك تحميساً للمدافعين عنها، فكان الناس ينادون معها بلعنهم حتى بلغ صوتهم معسكر علي رضي الله عنه. روى ابن أبي شيبة في المصنف أن علياً لما بلغه الصوت قال: انظروا ماذا يقولون. فرجعوا فقالوا: يهتفون بقتلة عثمان. فقال علي: اللهم احلل بقتله عثمان خزياً. وفي رواية أخرى عند ابن أبي شيبة أيضاً بإسناد صحيح أنه قال: لعن الله قتلة عثمان في السهل والجبل والبر والبحر.

إذا هذا من مواطن الاتفاق على مسألة قتلة عثمان. لكن هنا أدرك علي رضي الله عنه أن المعركة لن تنتهي طالما بقي الجمل قائماً والهودج بارزاً، فأرسل ما يمكن أن نسميه الآن بمصطلحاتنا المعاصرة فرقة خاصة لعقر الجمل، عقر الجمل يعني قطع قوائمه، قطع أقدامه. فأرسل محمد بن أبي بكر وعبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي، فاخترقا صفوف البصريين فقطع قوائم الجمل، فانتهى الأمر. وكانت هذه حركة سريعة، حتى أن بعض البصريين روى أن ذلك كان مفاجأة لهم، يقول: فأقسم بالله ما برح حتى برى قوائم البعير فسقط. فقالوا: أماناً أماناً. فقال رجل لأبي رجاء: ما صنعت يومئذ؟ قال: رميت بأسهم ما أدري ما فعلن. المسألة كانت سريعة إلى درجة حتى الذي كان يدافع هذا ورمى بأسهم طائشة لا يدري ماذا فعل.

ولما انتهى عبد الله بن بديل إلى عائشة وهي في الهودج قال: يا أم المؤمنين، أنشدك بالله، اتعلمين أني أتيتك يوم قتل عثمان فقلت: إن عثمان قد قتل، فما تأمريني؟ فقلت لي: الزم علياً، فوالله ما غير ولا بدل. فسكتت عائشة، ثم أعاد عليها هذا الكلام ثلاث مرات فسكتت أيضاً.

فالمهم لما عقروا الجمل، يقول عبد الله بن بديل: فنزلت أنا وأخوها محمد بن أبي بكر واحتملنا الهودج حتى وضعناه بين يدي علي، فأمر به فُأدخل في منزل عبد الله بن بديل. وبهذا تحقق ما كان النبي صلى الله عليه وسلم أخبر به. روى أحمد في المسند بإسناد حسن أنه صلى الله عليه وسلم قال لعلي رضي الله عنه: «إنه سيكون بينك وبين عائشة أمر». قال علي: أنا يا رسول الله؟ قال: «نعم». قال: فأنَا أشقاهم يا رسول الله؟ قال النبي: «لا، ولكن إذا كان ذلك فارددها إلى مأمنها». وهذه من دلائل نبوته صلى الله عليه وسلم.

السيدة عائشة أصيبت يوم الجمل في رأسها بشجة أو برِمية، لكن مع سقوط الجمل انتهت المعركة. ذكرنا أنها بدات بعد صلاة الظهر، فلم تغرب الشمس وكان حول الجمل عين تطرف ممن كان يذب عنه. روى ابن أبي شيبة في المصنف بإسناد صحيح أن علياً رضي الله عنه نادى في الناس: لا تُتمُّوا جريحاً، يعني لا تجهزوا على جريح، ولا تقتلوا مدبراً، ومن أغلَق بابه وألقى سلاحه فهو آمن.

فلم يكن قتالهم إلا تلك العشية، الذي هو بعد صلاة الظهر إلى المغرب. وروى الإام الشافعي في كتابه الأم، وسعيد بن منصور في السنن بإسناد حسن أن مروان بن الحكم -وكان في جيش عائشة وطلحة والزبير- قال لعلي بن الحسين بن علي -اللي هو زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب-: ما رأيت أحداً أكرم غلبة من أبيك، ما هو إلا أن ولينا يوم الجمل فنادى مناديه: لا يقتل مدبر، ولا يذف على جريح.

طبعاً شهدت المعركة بعض مواقف مؤثرة تبين كراهة المؤمنين لهذا القتال وتدل على أن نية القتال لم تكن حاضرة، ولكن انفلت الأمر وخرج عن يد الجميع. من ذلك ما رواه عن محمد بن الحنفية أنه كاد يطعن رجلاً من أهل البصرة فقال الرجل: أنا على دين علي بن أبي طالب، فكف عنه.

وروى ابن سعد أيضاً في الطبقات الكبرى، وابن أبي شيبة في المصنف، والبخاري في التاريخ الصغير، والطبري في التاريخ، والحاكم في المستدرك بإسناد حسن، أن محمد بن طلحة قال لعائشة بعدما نشب القتال: يا أماه ما تأمرينني؟ فقالت: كن كخير ابني آدم؛ يعني كن المقتول ولا تكن القاتل، كما قال تعالى عن ابن آدم: ﴿لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ﴾ [المائدة: 28].

فأغمد محمد سيفه بعدما كان قد سله حتى قتل. وعلى هذا انتهت المعركة. روى الطبري في التاريخ بإسناد صحيح أنه لما انتهت المعركة اقترب عمار بن ياسر من المنزل الذي فيه عائشة رضي الله عنها فقال لها: يا أم المؤمنين، ما أبعد هذا المسير من العهد الذي عهد إليك، يقصد بالعهد قول الله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب: 33]. فقالت عائشة: أبو اليقظان؟ قال: نعم. قالت: والله إنك ما علمت قوال بالحق. فقال عمار: الحمد لله الذي قضى لي على لسانك.

وطويت بانتهاء هذه المعركة أول معركة اقتتل فيها المسلمون واقتتل فيها الصحابة منذ ظهر الإسلام، وقتل من المسلمين بيد المسلمين بضعة آلاف كلهم دعواهم واحدة. وانقضت معركة لم يسعَ إليها أحد إلا وهو يظن أنه يسعى في الإصلاح لا في القتال وسفك الدماء. واستفاد المسلمون من هذه المعركة على طول الدهر فقههم في قتال البغاة المتأولين، فكان علي رضي الله عنه هو فارس هذا الباب.

المسلمون رأوا أن عليّاً رضي الله عنه لم يسبِ يوم الجمل، ولم يقتل جريحاً، ولم يغنم من أهل الجمل إلا السلاح والعتاد. فكتب هذا في فقه المسلمين، الذين جعلوا هذا شرعاً، جعلوا هذا ضمن شريعتهم لأنه من فعل الخلفاء الراشدين، وهو الأمر الذي يباهون به كل قانون وضع في هذه الدنيا. يعني لم تعرف الدنيا فقهاً رعى حق الخارجين عن السلطة الشرعية وقاتلوها كما عرفه المسلمون في شريعة هذا الدين.

ترى كيف كانت الأوضاع بعد معركة الجمل؟ وكيف كانت صورة الأحداث تقرأ في الشام حيث معاوية بن أبي سفيان وهو ولي الدم؟ كيف كان معاوية ينظر إلى ما حصل وماذا سيترترب على هذه من أحداث؟ هذا ما نراه إن شاء الله في الحلقة القادمة. نسأل الله تبارك وتعالى أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا علماً. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

حب الصحاب كلهم لي مذهب ومودة القربى بها أتوسل ولكلهم قدر وفضل ساطع لكنما الصديق منهم أفضل. هذا اعتقاد الشافعي ومالك وأبي حنيفة ثم أحمد ينقل. فإن اتبعت سبيلهم فموحد وإن ابتدعت فما عليك معول.