دخولتسجيل الدخول

قصة الفتنة الكبرى | 21. موقعة الجمل.. أول اقتتال بين المسلمين!

محمد إلهاميمحمد إلهامي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

حب الصحابة كلهم لي مذهب ومودة القربى بها أتوسل، ولكل قدر وفضل ساطع لكنما الصديق منهم أفضل. هذا اعتقاد الشافعي ومالك وأبي حنيفة ثم أحمد. فإن اتبعت سبيلهم فمو، وإن ابتدعت فما عليك معول.

مرحباً بكم أيها الأحباب في هذه الحلقة الجديدة من سلسلة حلقات قصة الفتنة الكبرى، والتي نحاول فيها شرح ما حصل من القتال بين الصحابة الأجلاء رضوان الله عليهم أجمعين، ونزيل ما علق بهذه الفترة من الشبهات والأكاذيب. وصلنا في الحلقة الماضية إلى لحظة خروج سيدنا علي بن أبي طالب من مكة إلى البصرة على رأس جيش مكون من سبعمائة، ثم انضم إليهم سبعة آلاف من أهل الكوفة تأثروا بتجييش عمار بن ياسر لهم للقتال مع علي رضي الله عنه الجميع، ثم انضم إليهم ألفان آخران من قبيلة حكيم بن جبلة العبدي الذي كان زعيم المتمردين البصريين على عثمان، والذي قتل في معركة البصرة أمام جيش طلحة والزبير وعائشة رضي الله عنهم أجمعين.

طبعا حاول عدد من الصحابة والتابعين إيقاف انفلات الأمور نحو الحرب، وحاولوا التخذيل عن الحشد فيها. روى ابن أبي شيبة في المصنف وابن سعد في الطبقات الكبرى والطبري في التاريخ بإسناد صحيح؛ أن عمران بن الحسين رضي الله عنه أرسل إلى بني عدي ينهاهم عن القتال ويحلف بالله لهم؛ لأن يكون عبداً حبشياً مجدعاً يرعى أعنزاً في رأس جبل حتى يدركه الموت أحب إليه من أن يرمي في أحد الفريقين بسهم أخطأ أو أصاب.

هنا وقفة، يعني عمران بن الحسين طبعا هو من الصحابة، ولكن هو في هذا يعبر عن الموقف والضمير الإسلامي العام. الآن، جيش على راسه علي بن أبي طالب من جهة ومعه الحسن والحسين وعمار بن ياسر وعدد من الصحابة، والجيش الآخر على راسه عائشة وطلحة والزبير ومعهما عدد آخر من الصحابة أيضاً، فهو يقول إنه أي وضع بالنسبة له حتى لو كان عبداً حبشياً مجدعاً ليس له في هذه الدنيا إلا مجموعة من العنز لكي يرعاها فقط، هذا أحب إليه من أن يرمي في أحد الفريقين بسهم؛ لأنه كلاهما الفريقين فيهما أناس من عظماء المسلمين ومن المقربين من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ولكن بني عدي استعظموا أن يتفرقوا عن أم المؤمنين فقالوا: والله لا ندع ثقل رسول الله صلى الله عليه وسلم لشيء أبداً. وأفادت رواية حسنة الإسناد رواها ابن أبي شيبة في المصنف؛ أن عليّاً رضي الله عنه نصب خيمة بين المعسكرين، فكان يأتي إليها طلحة والزبير فكانوا يتكلمون ويتذكرون، وفي اليوم الثالث عند الظهر رفع علي الخيمة ثم بدأ القتال.

هذه الرواية تشير إلى رفع الخيمة ثم الأمر بالقتال تصف الوضع باختصار، في روايات أخرى جاءتنا روايات أخرى فيها تفصيل لما جرى بين الفريقين في مسألة المفاوضات. خلاصة هذه الروايات أنه كاد القوم يصطلحون، كاد الجيشأن يصطلح وكاد ينتهي الأمر دون قتال، وهذا ما قد يفسر مسألة رفع الخيمة التي كان فيها المفاوضة بين علي وبين طلحة والزبير.

لكن قبل أن ندخل إلى ما حصل في المعركة، الآن تعالوا ننظر إلى صورة من وجهة نظر جيش عائشة وطلحة والزبير رضي الله عنهم جميعاً. المؤكد أن أحداً من هؤلاء لم يكن يشكك في خلافة علي رضي الله عنه، الإمام ابن حزم في كتابه الفصل في الملل والأهواء والنحل يحاول أن يصف صورة الوضع فيقول -هذا كلام ابن حزم-: وأما أم المؤمنين والزبير وطلحة رضي الله عنهم ومن كان معهم، فما أبطلوا قط إمامة علي ولا طعنوا فيها ولا ذكروا فيه جرحة تحطه عن الإامامة، ولا أحدثوا إامامة أخرى.

انتبه هنا، هم لم ينقضوا بيعة علي، لم يطعنوا في إمامة علي، لم يذكروا طعناً في علي يجرحه يحطه عن الإمامة، لم يبايعوا إماماً آخر ولا أحدثوا إمامة أخرى ولا جددوا بيعة لغيره. هذا ما لا يقدر أن يديعه أحد بوجه من الوجوه، بل يقطع كل ذي علم أن كل ذلك لم يكن.

فإذاً، هذا كلام ابن حزم، فلا شك في هذا، إذ لا شك في كل هذا، فقد صح صحة ضرورية لا إشكال فيها أنهم لم يمضوا إلى البصرة لحرب علي ولا خلافا عليه ولا نقضاً لبيعته، ولو أرادوا ذلك -لو أنه جيش عائشة وطلحة والزبير كان في نيتهم سواء محاربة علي أو في نيتهم أن ينقضوا بيعته- لو أرادوا ذلك لأحدثوا بيعة غير بيعته، وهذا ما لا يشك فيه أحد ولا ينكره أحد. فصح أنهم إنما نهضوا إلى البصرة لسد الفتق الحادث في الاسلام من قتل أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه ظلما، هذا كلام الإامام ابن حزم.

نفس هذه الصورة يجملها أيضاً الإامام ابن حجر في فتح الباري. وأصل الكلام الذي يستند عليه ابن حجر هنا هو للإامام ابن بطال، وابن بطال أيضاً إمام أندلسي شرح البخاري، لكن أنا جئت هنا بكلام ابن حجر؛ لأنه كلام ابن حجر كان أوضح وأدق، وإن تكن أصل الفكرة عند ابن بطال. يقول ابن حجر: يدل لذلك أن أحداً لم ينقل أن عائشة ومن معها نازع عليا في الخلافة، ولا دعوا إلى أحد منهم ليولوه الخلافة، وإنما أنكرت هي ومن معها على علي منعه من قتل قتلة عثمان وترك الاقتصاص منه، وكان علي ينتظر من أولياء عثمان أن يتحاكموا إليه.

فإذاً كلمة ابن حجر هنا معناها أن يسلموا له بالخلافة أولاً ثم يتحاكم إليه. فيقول ابن حجر: فإذا ثبت على أحد بعينه أنه ممن قتل عثمان اقتص منه، فاختلفوا بحسب ذلك، اختلفوا على هذه القضية، وخشي من نسب إليهم القتل أن يصطلحوا على قتلهم فأنشبوا الحرب بينهم.

ما حصل هنا هو أن هؤلاء القتلة خشوا أنه لو حصل الصلح بين الفريقين فسيحصل الصلح على هذه القضية. كلا الفريقين متفق على ضرورة القصاص لعثمان إنما المسألة إجرائية: أيهما أولاً؟ فلذلك أنشبوا الحرب بينهم.

تشير بعض الروايات الصحيحة إلى هؤلاء المندسين بين الفريقين من أهل الفتنة. روى أحمد في المسند بإسناد صحيح أن رجلاً جاء إلى الزبير بن العوام رضي الله عنه يعرض عليه اغتيال علي فأبى الزبير، قال الرجل: أقتل لك علياً. قال الزبير: لا، وكيف تقتله ومعه الجنود؟ قال: ألحق به فأفتك. ألا إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الإيمان قيد الفتك لا يفتك مؤمن».

معنى هذا الكلام ببساطة أن أحد الناس جاء إلى الزبير وعرض عليه أن يدخل إلى جيش علي فيندس فيهم، وحين يندس فيهم يرى من علي غرة فيقتله يغتاله غيلة. طبعا هذا رفضه الزبير، لكن الذي نريد أن نستفيد منه هنا -الاستفادة من أن الزبير لم يكن يريد أن يقاتل عليا أو أن يقتل عليا هذه ثابتة وواضحة وكررناها وأكدناها- القصد هنا هو سهولة اندساس الناس بعضهم ببعض؛ لأنه الجيشأن من المسلمين والجيش انقسمت بينهما القبائل أصلاً منقسمة، فلم يكن غريباً أن يكون الرجل هنا وبعض عشيرته هناك، ولم يكن غريباً أن تتصل الناس بين الجيشين، فمسألة أن هناك مندسين وأن بعضهم حاول استغلال هذا الوضع مسألة ثابتة، وهذا هو الشاهد؛ لأنه هذا سيفسر معنا كيف نشأ القتال.

الأسانيد الصحيحة والحسنة تفيد أن القتال نشب فجأة، وأن بداية القتال كانت من الصبيان ومن العبيد ومن سفهاء المعسكرين؛ لأن اختلاط الناس بين المعسكرين كان يدور حول الصلح وحول الرغبة في تجنب القتال. روى الطبري في التاريخ بإسناد حسن موقف أهل البصرة على هذا الحال فقال: لنا أصحابنا من أهل البصرة ما سمعتم إخواننا من أهل الكوفة يريدون ويقولون، فقلنا: يقولون خرجنا للصلح وما نريد قتاتلاً، فبينا هم على ذلك لا يحدثون أنفسهم بغيره -يعني لا يتصورون أن يحدث شيء آخر- إذ خرج صبيان العسكرين فتسابقثم، ثم تتابع عبيد العسكرين، ثم ثلث السفهاء، -فالصبيان والعبيد والسفهاء كانوا رقم ثلاثة- ونشبت الحرب.

هنا بالنسبة للروايات الصحيحة، نحن لا نجد فيما بين أيدينا من الروايات الصحيحة تفصيلاً لما جرى. في الروايات الصحيحة المختصرة، الرواية التي نجدها هي الرواية المفصلة التي نجدها والتي تعطي صورة متماسكة عن الحدث، هي رواية سيف بن عمر التميمي وهذه أوردها الطبري. هذه الرواية طبعا سيف بن عمر التميمي هو أحد الإخباريين المشهورين، تكلم فيه علماء الحديث وأنهم لا يأخذون منه الحديث إلا أنه إخباري مشهور، رجل علامة بالتاريخ وبالأخبار، فسيف بن عمر لا يحتج به إذا انفرد بشيء إذا انفرد بخبر، لكن حين تنسجم روايته مع ما صح من الطرق الأخرى فهذا هو ما قوى روايته هذه التي فيها تفصيل.

إن هذه الرواية تنسجم مع الروايات الصحيحة وتشهد لعدالتها، وتعطينا وصفاً لما جرى على وجه ينسجم مع مواقفهم قبل الحرب وبعد الحرب، وهي كذلك تشير إلى يد أهل الفتنة الذين أنشبوا الحرب فقد كانوا أحْرص الناس عليها.

تقول الرواية أن علياً رضي الله عنه -أنا الآن أتكلم عن رواية سيف بن عمر التي قواها انسجامها مع الروايات الصحيحة- تقول رواية سيف بن عمر أن سيدنا علي رضي الله عنه أرسل القعقاع بن عمرو التميمي، طبعا القعقاع بن عمرو التميمي شخص مشهور في صحبته، إلا أنه من الابطال المشاهير جداً في التاريخ الإسلامي وفي عصر الفتوحات الإسلامية، ومن يقرا في الفتوح الإسلامية اسم القعقاع اسم علم.

فسيدنا -طبعا القعقاع كان في جيش علي- فسيدنا علي أرسل القعقاع بن عمرو التميمي إلى عائشة وطلحة والزبير، يعني كأنه مبعوث أو سفير أو مندوب لمحاولة تجنب القتال. طيب ذهب القعقاع وبدأ بعائشة، سلم عليها، السلام عليكم، قال لها: أي أمة -يعني يا أمي- ما أشخصك وما أقدمك هذه البلدة؟ -هي في البصرة- ما أشخصك يعني ما أخرجك أو ما جاء بك، الشخوص هو البروز والخروج.

قالت: أي بني، إصلاح بين الناس. قال القعقاع: فابعثي إلى طلحة والزبير حتى تسمعي كلامي وكلامهما. فبعثت إليهما فجاءا، فقال -الآن يكلم الثلاثة-: إنني سألت أم المؤمنين ما أشخص وأقدمها هذه البلاد فقالت: إصلاح بين الناس، فما تقولان أنتومان أمعان أم مخالفان؟ يعني نفس الكلام، أم أن لديكما وجهة نظر أخرى أو سبب آخر؟

قالا: متابعون، ونحن أيضاً ما أقدمنا إلا الإصلاح بين الناس. قال القعقاع: فأخبراني ما وجه هذا الإصلاح؟ فوالله لئن عرفنا لنصلحن، ولئن أنكرنا لا نصلح، كيف هو هذا الإصلاح؟

فقال طلحة والزبير: قتل عثمان رضي الله عنه، فإن هذا إن ترك -إن ترك قتل قتلة عثمان، إن ترك القصاص- فإن هذا إن ترك كان تركاً للقرآن، وإن عمل به كان إحياءً للقرآن. وهنا سيظهر لنا أن المسألة لا علاقة لها بالخروج على علي ولا بنقض بيعته، بل هي إعانة له على إقامة حكم القرآن في القصاص من القتلة.

قال القعقاع: قتلتم قتلة عثمان من أهل البصرة -الكلام ده في معركة البصرة- قد قتلتم قتلة عثمان من أهل البصرة وأنتم قتلتموهم، أقرب إلى الاستقامة منكم اليوم قتلتم سستمائة رجل إلا رجلاً فغضب لهم ستة آلاف واعتزلوكم.

يقول الآن: أنتم في معركة البصرة قتلتم سستمائة رجل، فر منهم واحد اللي هو حرقوص بن زهير السعدي، فتعصب لهم لهؤلاء القتلى سستمائة، ستة آلاف، وانسحبوا إلى تكتلهم وتحزبوا وتجمعوا واحتشدوا في مكانهم، فيقول القعقاع: فغضب لهم ستة آلاف واعتزلوكم، وطلبتم ذلك الذي أفلت -اللي هو حرقوص بن زهير السعدي- فمنعه ستة آلاف رجل وهم على رجل، فإن تركتموه -اللي هو هذا الرجل الأخير- كنتم تاركين لما تقولون -لو تركتم هذا الرجل حياً كنتم تركتم القصاص من قتلة عثمان وتركتم العمل بالقرآن- وإن قاتلتم والذين اعتزلوكم فديل عليكم -أديلوا عليكم يعني غلبوكم وانتصروا عليكم- فالذي حذرت وقربت به هذا الأمر أعظم مما أراكم تكرهون.

يعني في هذه الحالة سيكون لو أنكم تركتم حرقوص بن زهير هذا إذا تركتم ما تدينون به عليا، لا، لو أنتم قاتلتم غلبتم، إذاً مش بس قتل عثمان، قتل عثمان وغيره من الصحابة. يقول القعقاع: وأنتم أحميم مضر وربيعة من هذه البلاد -العصبية القبلية اشتغلت- وأنتم أحميم مضر وربيعة من هذه البلاد فاجتمعوا على حربكم، وخذلانكم نصرة لهؤلاء كما اجتمع هؤلاء لأهل هذا الحدث العظيم والذنب الكبير.

فقالت أم المؤمنين عائشة: فتقول أنت ماذا؟ طيب ما الحل عندك؟ قال القعقاع: أقول هذا الأمر ضد التسكين، وإذا سكن اختلجوا، يعني إذا هدات الأمور واستقرت الأحوال أمكن استخلاص هؤلاء المتهمين بالقتل وانتزاعهم للقضاء والقصاص دون أن تتعصب لهم قبائلهم التي هي الآن تتعصب لهم في أجواء الحرب والفوضى والفتنة.

فيقول القعقاع: فإن إنتم بايعتم فعلام خير وتباشير رحمة، ودرك بث هذا الرجل، وعافية وسلامة لهذه الأمة. وإن إنتم أبيتم إلا مكابرة هذا الأمر واعتسافه كانت علامة شر وذهاب هذا الثار، فآثروا العافية ترزقوها، وكونوا مفاتيح الخير كما كنتم تكونون دائماً ولا تعرضوا للبلاء ولا تعرضوا له فيصرعنا وإياكم.

يقول القعقاع: وايم الله إني لأقول هذا وأدعوكم إليه وإني لخائف ألا يتم. وذكر كلاماً طويلاً آخر لا نطيل الآن بذكره. المهم أن عائشة وطلحة والزبير فهموا الوضع على هذه الصورة فكانت إجابتهم هكذا: قالوا: نعم، قد أحسنت وأصبت المقالة، فارجع فإن قدم علي وهو على مثل رأيك صلح.

هذا الأمر، فرجع القعقاع إلى علي رضي الله عنه فأخبره، فأعجبه ذلك، وأشرف القوم على الصلح؛ كره ذلك من كرهه ورضيه من رضيه. وهنا أقبلت وفود البصرة نحو علي، لما كان نزل بمنطقة تسمى ذي قار، وأقبلت عليه وفود البصرة وجاءت وفود تميم وبكر لينظروا ما رأى إخوانهم من أهل الكوفة، وعلى أي حال نهضوا إليهم وليعلموا أن الذي رأوه من الإصلاح هو الإصلاح وخلاص، لم يعد يخطر لهم القتال على بال.

وبالتالي، لما لقي هؤلاء عشائرهم من أهل الكوفة بالذي بعثوا فيه عشائرهم من أهل البصرة، تبادل هؤلاء المقالتين، أي إذا شاعت مسألة الصلح. هنا من المتضرر من مسألة الصلح هذه؟ تباشير الإصلاح هي التي خاف منها أهل الفتنة، لأنهم علموا أن الصلح بين المسلمين سيعود عليهم بالضرر؛ فكان تدبيرهم على هذا النحو أن اندسوا بين الفريقين، وبدأ إشعال الحرب على يد الصبيان والعبيد والسفهاء، وكانت هذه هي الطريقة المثلى التي توصلوا إليها، وهي التي تنقض ما قد أبرم.

نحن ذكرنا أن الانسلال بين الجيشين لم يكن صعبًا؛ فالقبائل منقسمة بين الجيشين والبلدان منقسمة. وذكرنا الرجل الذي كان يستطيع أن يندس في جيش علي فيلحق به فيقتله غيلًا، يعني مسألة تهييج الصبيان والعبيد والسفهاء لم يكن أمرًا صعبًا، وكان هذا هو شرارة المعركة.

يروي الطبري فيقول: «فباتوا على الصلح، وباتوا ليلة لم يبيتوا بمثلها للعافية، من الذين أشرفوا عليه، والنزوع عما اشتهى الذين اشتهوا وركبوا ما ركبوا، وبات الذين أثاروا أمر عثمان بشر ليلة، باتوا قط قد أشرفوا على الهلكة، وجعلوا يتشاورون ليلتهم كلها حتى اجتمعوا على إثارة الحرب في السر».

واستسر من السر واستر شرًا بذلك خشية أن يفطن بما حاولوا من الشر، فغدوا مع الغلس، اللي هو قبيل الفجر وما يشعر بهم جيرانهم، انسلوا إلى ذلك الأمر، وعليهم ظلمة، فخرج المضري إلى المضري، خرج مضرم إلى مضرم، وعيهم إلى ربيعة، الذين من قبائل مضر ومن قبائل ربيعة ومن قبائل اليمن، فوضوا فيهم السلاح؛ فبالتالي ثار أهل البصرة وثار كل قوم في وجوه أصحابهم الذين بهتوا.

إذًا هذه علامة غدر؛ بدأ الغدر منذ الليل، هذا يقول ويضرب ويقول: غدر علي، وهذا يضرب ويقول: غدر طلحة والزبير وعائشة. فلم يأتِ الصباح إلا وكان الجيشان قد اصطفا، وكل منهما يشعر بالغدر من الجانب الآخر.

روى خليفة بن خياط في التاريخ، وابن سعد في الطبقات الكبرى بإسناد صححه الحافظ ابن حجر، أن قاضي البصرة الشهير، وهو كعب بن سور، لما أحس بانفلات الأمر حاول أن يستدرك، فخرج يسير بين الصفين يناشد الناس دمائهم؛ محاولة أخيرة لكف الناس، وكان يحمل المصحف، فجاءه سهم فقتله، ثم انفلت الأمر.

وروى ابن سعد في الطبقات الكبرى بإسناد حسن عن محمد بن الحنفية، أن أباه عليًا أعطاه الراية عندما اقترب القتال. يقول محمد: «فرأى مني نكوصًا لما دنا الناس بعضهم إلى بعض»، يعني محمد كان متورعًا فأخذها منه، فقاتل، فحملها سيدنا علي بنفسه. وهذه الرواية تدل على ما كان يتحرك في صدور المسلمين من الحرج في قتال المسلمين.

وسرعان ما التهمت المعركة المشتعلة الرجلين الكبيرين: طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام، فكان أول ضحاياها. يقول الأحنف بن قيس: «لما التقوا كان أول قتيل طلحة بن عبيد الله». والمشهور أنه قاتله، يعني من قتل طلحة بن عبيد الله هو مروان بن الحكم، أنه رماه بسهم فأصابه به فقتل، هذا المشهور.

وهذا يفتح لغزًا آخر؛ لأنه كيف يقتل مروان بن الحكم وهو في جيش طلحة والزبير وعائشة، واحدًا من قادة جيشه؟ بل إن يبدأ القتل بهذا، يعني أول ما فعل مروان بن الحكم في المعركة أنه يقتل قائد جيشه؟ فكيف يحصل هذا؟ هذا اللغز نفتح قصته معكم إن شاء الله في الحلقة القادمة.

نسأل الله تبارك وتعالى أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا علمًا. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

حب الصحابة كلهم لي مذهب ومودة القربى بها أتوسل. ولكل قدر وفضل ساطع، لكنما الصديق منهم أفضل. هذا اعتقاد الشافعي ومالك وأبي حنيفة ثم أحمد، فإن اتبعت سبيلهم فمو، وإن ابتدعت فما عليك معول.