حبُّ الصحابة كلهم لي مذهب ومودة القربى بها أتوسلوا ولكلهم قدر وفضل سطع لكن الصديق منهم أفضل هذا اعتقاد الشافعي ومالك وأبو حنيفة ثم أحمد ينقله فإن اتبعت سبيلهم فنوحد وإن ابتعدت فما عليك معولوا وإن ابتدأت فما عليك معوون
بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. مرحباً بكم أيها الأحباب في هذه الحلقة الجديدة من سلسلة حلقات قصة الفتنة الكبرى. وهذه السلسلة نحاول فيها شرح ما حصل بين الصحابة الأجلاء من القتال، ونزيل ما علق بهذه الفترة من الشبهات والأكاذيب.
وصلنا في الحلقة الماضية إلى الاتفاق الذي جرى في مكة بين عائشة وطلحة والزبير للخروج إلى العراق، وذكرنا لماذا العراق، وذكرنا أنهم عزموا على التوجه إلى البصرة. والآن الإجابة على سؤال: لماذا البصرة على وجه التحديد؟
البصرة مدينة عرفت بميلها بشكل عام إلى عثمان بن عفان رضي الله عنه، إلى درجة أنه حميدي بن سلمة الكوفي، وهو واحد من الرواة المشاهير، وصفها بأنها قطعة من أهل الشام نزلت في العراق. فأهل البصرة كانوا يحبون جداً عثمان بن عفان، وظلت البصرة معروفة بهذا الميل لما بعد ذلك بقرون من الزمان، حتى فيما بعد في زمن الثورة العباسية؛ العباسيون لما كانوا يخططون لثورة استبعدوا البصرة من أن تكون مركزاً ومحضناً لدعوتهم، ومشهورة كلمة محمد بن علي العباسي، وهو المخطط الأول للثورة العباسية، لما قال: "البصرة عثمانية".
فهذا الاختيار، اختيار الصحابة طلحة وعائشة والزبير أن يتوجهوا إلى البصرة، يتبين فيه هنا أنهم لم يقصدوا الخروج على علي ولا نقض بيعته، لكن كان هدفهم توفير العدة الكافية من الجنود التي يمكن بها إعانة علي على قتلة عثمان. هنا أمر مهم وفارق في فهم موقف عائشة وطلحة والزبير؛ كل واحد منهم يستشعر في نفسه الحزن والغضب على مقتل عثمان رضي الله عنه، وكل واحد منهم يرى أنه كان يستطيع أن يبذل من الوسع ما لم يبذله، إما في إيقاف التلاعب على عثمان، أو في مواجهة المتمردين عليه، أو حتى في مواقف صدرت منهم ضخمها أهل الفتنة فجعلوها مطعناً في عثمان.
الآن هم يشهدون انقسام الأمة وعدم انسجامها تحت راية علي رضي الله عنه؛ فالشام لا تستسلم لعلي إلا لو أخذ القصاص من قتلة عثمان، والشام ذهب إليه سائر من يرى هذا الرأي من بقية الصحابة ومن بني أمية. الولايات الأخرى لا تخلو أيضاً من انقسام: ثلاث فئات؛ من بايع علياً، ومن أبى، ومن اعتزل.
إذاً هذا الانقسام من وجهة نظرهم لا ينتهي إلا حين الأخذ بالقصاص من قتلة عثمان. لكن المشكلة أن علياً رضي الله عنه، لتكتل هؤلاء وتكاثرهم وما يتخوف منه من انفلات الأمور، وبعض الناس تفاءلوا عنه، فهو يرجى الأخذ بالقصاص من قتلة عثمان وهو مستمر في محاولة تسكين الأمور وفي سياسة احتواء هؤلاء المتمردين.
إذا استطاعت عائشة وطلحة والزبير تجيش الناس للأخذ بالقصاص من قتلة عثمان، فهم بهذا يعينون علياً على الأخذ بالقصاص، وبهذا ينتهي انقسام الناس حول علي ويعود التئام الأمة مرة أخرى تحت خلافة علي رضي الله عنه، فيبايعه أهل الشام مع سائر الأنصار. هذا هو تفصيل أغراضهم، أو هو محتوى الشعار الذي رفعوه، وهو شعار "الإصلاح بين الناس"؛ هذه الكلمة ستتردد كثيراً في الروايات تعبيراً عن موقفهم.
إذا استقر أمرهم على الخروج إلى البصرة، وفي الطريق إلى البصرة وقع للسيدة عائشة حادث عجيب غريب. روى أحمد في المسند بإسناد صحيح أن عائشة رضي الله عنها لما أقبلت، فنزلت بعض مياه بني عامر، كانت في الطريق في مكان عند بني عامر، فهناك نبحت عليها الكلاب، فقالت: «أي ماء هذا؟»، ذكرنا أن العرب كانت تسمي مضارب القبائل مياه لأن العرب كانت تعيش حول المياه، فقالت: «أي ماء هذا؟»، قالوا: «الحوقب»، المكان هذا اسمه الحوقب. قالت: «ما أظنني إلا راجعة»، فقال لها بعض من كان معها: «بل تقدمين البصرة فيراك المسلمون فيصلح الله ذات بينهم».
فقالت عائشة رضي الله عنها إن النبي ﷺ قال لنا ذات يوم: «كيف بإحداكن تنبح عليها كلاب الحوقب؟». وفي رواية عند البزار بإسناد رجاله ثقات، أن النبي ﷺ قال: «أي كن صاحبة الجمل الأدبب، تخرج حتى تنبحها كلاب الحوقب، يقتل عن يمينها وعن شمالها قتلى كثيرة، وتنجو من بعد ما كادت».
هنا يتعجب كثيرون من موقف عائشة، كيف أنها تذكرت الحديث ومع ذلك لم ترجع؟ ولكن في الواقع العجب من هؤلاء الذين يتعجبون أولى وأقوى وأعجب؛ لو أن عائشة رجعت وما وقعت معركة الجمل، لكان هذا طعناً في النبوة وإخفاقاً لما أخبر به النبي ﷺ، ففي النهاية كان لابد من وقوع ما أخبر به النبي ﷺ، فهو من دلائل صدقه ونبوته.
لكن السؤال هنا: كيف فكرت عائشة في الأمر؟ ما الذي جال في خاطرها فأتمت سيرها إلى البصرة؟ يبدو والله أعلم أنها تفكرت في الحديث فلم ترَ فيه أي تخطئة لها، فهي لم تخرج إلا للاقتصاص من قتلة عثمان، وبغرض الإصلاح بين الناس وبغرض إنهاء هذا الانقسام، فمن الممكن أن يُقتل حولها كثيرون لكن في جهاد صحيح كهذا الجهاد الذي تظن نفسها فيه، فليس في هذا ما يثنيها عن المسير.
هو من فرع من قول الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: 216]، فلا ترى في وقوع قتلى كثيرين ربما يكون القتل الكثير هؤلاء من ممن يستحقون القتل، وربما والله أعلم هي رأت أو قدرت أنه لا تلازم بين هذا الخروج واستنهاض المسلمين فيه وبين وقوع قتل كثيرين، كأنها فهمت أنها الآن تخرج لتصلح بين المسلمين لكن في موقف آخر قادم سيكون حولها قتل كثيرون؛ فنص الحديث يحتمل أن يكون عن حدثين منفصلين، والله أعلم لعل ذلك يكون أمراً آخر أيضاً قد جال في خاطرها. المهم، واصلوا المسير.
وعندما وصل الجيش إلى البصرة استسلم لهم عثمان بن حنيفة، عثمان بن حنيفة هذا أمير البصرة والي البصرة، الذي والله عليه رضي الله عنها؛ لأنه طبعاً عثمان بن حنيفة تورع أن يقاتل جيشاً فيه هؤلاء، فيه عائشة وطلحة والزبير، اثنان من المبشرين بالجنة وأم المؤمنين. استسلام وانسحاب عثمان بن حنيفة أتاح لهم أن يستولوا على البصرة، وأن يستولوا كذلك على ما في بيت المال الذي هو في البصرة، وكان ما فيه من الأموال الدنانير والدراهم، مما زاد في قوتهم، لكن حكيم بن جبله، وهذا زعيم المتمردين...
البصريين على عثمان ذكرناه في الحلقات، ونحن نتحدث عن مقدمات الثورة أو مقدمات الفتنة عن عثمان.
هذا الرجل جمع ستمائة رجل من قومه، فقاتلوا جيش طلحة والزبير وعائشة، فلما قاتلوهم هزم وقُتِل وأبيد جيشه، فكان بذلك أول المقتولين من الذين سعوا في قتل عثمان. فر من جيشه رجل واحد هو حرقوص بن زهير السعدي وهو أيضاً من هؤلاء المتمردين، هذا فر إلى قومه يعني إلى ديار قومه بني سعد. وهناك تعصب له قومه فاحتشد منهم ستة آلاف، عزموا على أن يقاتلوا دونه. هنا نبصر ما رصده ابن خلدون في من أن العصبية القبلية قد عادت في تلك الفترة، وأنها صارت عند بعض الناس تنافس عصبية الدين وتعلو عليها، يعني هؤلاء القوم الذين هم بنو سعد تعصبوا لفرد منهم، فرد مستحق للعقوبة لأنه ضمن أهل الفتنة، ولكن عصبيتهم له حملتهم على أنهم سيقاتلون من أجله جيشاً فيه زوج رسول الله وفيه حواري رسول الله وفيه صاحبه في الجنة طلحة بن عبيد الله.
طيب، تعالوا نقف بالمشهد هنا في البصرة ثم ننتقل إلى المشهد في المدينة المنورة لنرى كيف كانت الصورة عند علي رضي الله عنه. عند علي كانت معركة البصرة وما وقع فيها دليلاً جديداً على صحة موقف علي رضي الله عنه، لأنه هذه المعركة أسفرت عن مزيد انقسام وتمزق. قبلها كان الشام هو الإقليم الوحيد الممتنع بكليته عن البيعة، فالآن صارت الشام وهناك انقسام في العراق، والعراق على وشك الخروج الآن من سلطان الخليفة. يعني حتى لو أن عائشة وطلحة والزبير كان قصدهم حسناً، فالواقع أن خروجهم للقصاص من قتلة عثمان هيج حروباً أخرى. احنا الآن عندنا معركة البصرة حصلت، وتحشد بنو سعد لحرب أخرى، قبائل المقتولين تعصبوا وتحشدوا لمقاتلة جيش طلحة والزبير وعائشة، وبالتالي فما هو إلا أن ينفلت نظام الأمة كلها، وأيضاً لا تدري ربما تزعم آخرون في مكان آخر أن يقاتلوا قتلة عثمان. لذلك عزم علي رضي الله عنه على الخروج بجيشه إلى العراق لوضع حد لهذا الانفلات.
ووجد علي لمرة أخرى تثاقلاً من العديد من الصحابة وأهل المدينة عن الخروج معه. بعضهم رأى أن هذا الخروج هو خروج إلى قتال المسلمين وقتال الزبير وطلحة وعائشة، فكان يرى ألا يتورط في قتال مسلم. وبعضهم كان يرى أنه من الجائز التأخر عن قتالهم لعلهم يستطيعون أن ينجزوا شيئاً، أو على الأقل حين يتسع عليهم الأمر ويعرفون أن الحروب تلد حروباً، سيعرفون خطأ رأيهم فيعودون إلى الطاعة والتسليم لأمر علي. على نحو ما يقول المعاصرون الآن في بعض الكتابات الأمنية: أعطِ للحرب فرصة. يقولون هذا حين يكون بعض الطرفين متشددين ولا بد لهم من الحرب، فبعض أساليب التفكير تقول: أعطِ للحرب فرصة، فهم حين يتحاربوا وتعضهم الحرب سيتراجعون، فهذه كانت فكرة.
وببعض الصحابة الآخرين كان معترضاً على مبدأ خروج الخليفة من المدينة أصلاً. روى أبو يعلى في مسنده والهيثمي في مجمع الزوائد والطبراني في التاريخ بإسناد صحيح أن عبد الله بن سلام الصحابي، كان يهودياً وأسلم لما جاء النبي المدينة، جاء فوقف في طريق علي وهو متجه إلى العراق فقال له: لا تقدم العراق، لا تقدم العراق فاني أخشى أن يصيبك بها ذباب السيف؛ ذباب السيف يعني حد السيف. قال علي: وايم الله لقد أخبرني به رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعني عبد الله بن سلام يقول له لا تقدم العراق لعلك تقتل هناك، فسيدنا علي قال له: نعم، لقد أخبرني رسول الله أني سأقتل في العراق. فتعجب الراوي -الراوي اللي هو أبو الأسود الدؤلي- وقال: فما رأيتك اليوم قط محارباً يخبر بهذا عن نفسه! طبعا هذا يفيد أن علياً كان لديه علم من رسول الله صلى الله عليه وسلم بخروجه إلى العراق وبمقتله هناك.
وجاء في رواية أخرى أن عبد الله بن سلام قال لعلي: لا تأتي العراق وعليك بمنبر رسول الله فالزمه، ولا أدري هل ينجيك، فوالله لئن تركته لا تراه أبداً. يقول: خليك ابقى بالمدينة فإنك لو تركت منبر رسول الله لن تراه مرة أخرى. فقال من حوله: دعنا فلنقتله. فقال علي: إن عبد الله بن سلام منا رجل صالح. فيعني طبعا يغلب على الظن أن أولئك كانوا من أهل الفتنة ومن المتمردين على عثمان لأنهم كانوا أحرص الناس على القتال. كان من المعترضين أيضاً على الخروج -على خروج علي من المدينة إلى العراق- الحسن ابنه الحسن بن علي. روى ابن أبي شيبة في المصنف بإسناد صحيح أنه ناشد أباه أن لا يأتي العراق فيقتل بحال مضيعة.
فالسؤال هنا: لو كان علي رضي الله عنه عنده علم من رسول الله بخروجه إلى العراق وبمقتله هناك، وإن كانت نصائح المقربين منه مالت إلى البقاء في المدينة، فلماذا أصر على الخروج؟ هنا الجواب والله أعلم يعني هذا الموقف فيه شبه قوي بحديث عائشة مع كلاب الحَوْءَب، وفيه أيضاً شبه بحديث عثمان مع أهل الفتنة. يعني صحيح كان لابد لعائشة أن تخرج ليتحقق خبر رسول الله، ولابد لعثمان أن يقتل ليتحقق خبر رسول الله، وطبعا قضاء الله لا يرد، وعند وقوعه تذهل العقول وتحجب الأبصار والبصائر، لكن قضاء الله وإن كان نافذاً لكن لابد لنا من محاولة فهم الأسباب، محاولة فهم السنن، كيف جرت الأسباب، كيف تصرف الناس بعقولهم واجتهادهم في تحقيق قدر الله.
نحن ذكرنا الحكمة التي تبدت لنا من تصرف عثمان رضي الله عنه، وذكرنا قبل قليل ما قد يكون دار في رأس عائشة رضي الله عنها مما حملها على المسير. لكن علي رضي الله عنه وجد نصاً يفسر كيف نظر علي إلى الأمر، روى ابن أبي شيبة في المصنف بإسناد صحيح أن علي رضي الله عنه قال لابنه الحسن لما نهاه عن الخروج، يعني قال له: لا أكون كالضبع تستمع اللدم؛ الضرب. ما معنى هذا؟ علي هنا ضرب مثلاً بالضبع، العرب كانت إذا أرادت أن تصيد الضبع فتأتي عند جحره -جحر هذا الضبع- وتضرب على جحره بحجر أو بالأيدي، فالضبع المختبئ في الجحر يظن أن هذا شيء يصاد، شيء يمكن أن يصيده هو، فيخرج إليه فيصاد هو، يصاد الضبع. سيكون الأمة قد زادت فيها الفوضى، وشاع فيها القتال، وفي كل ولاية ستكون هناك معارك بين المطالبين بالقصاص لعثمان وبين المبايعين لعلي، وهذا كله فيه ضياع للأمة وتفرقها.
طيب، إذاً هكذا قرأ سيدنا علي صورة الحال في ذلك الوقت، ولهذا قرر الخروج إلى العراق لمنع انفلات الوضع. لم يخرج مع علي من المدينة سوى سبعمائة فقط، فكان علي يرسل إلى الأمصار يستنفر الناس معه. طبعا كان أولى من يرسل إليهم بالاستنفار اهل الكوفة؛ اهل الكوفة كان أميرهم أبو موسى الأشعري قد أخذ منهم البيعة لعلي، فالكوفة كانت من الولايات التي بايعت لعلي رضي الله عنه. لكن المشكله أنه أبو موسى الأشعري نفسه رأى أن هذا القتال قتال فتنة، فصار يحمل الناس على القعود، وعلى ألا ينفروا للقتال معه، وكان يروي لهم حديث النبي صلى الله عليه وسلم، الحديث الذي هو عند أحمد وأبي داود وابن ماجه بإسناد صحيح، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: «إن بين يدي الساعة فتناً كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل فيها مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً، القاعد فيها خير من القائم، والماشي فيها خير من الساعي، فكسروا قسيكم، وقطعوا أوتاركم، واضربوا سيوفكم بالحجاره، فإن دخل على أحدكم فليكن كخير ابني آدم»؛ كخير ابني آدم يعني كالذي قال لأخيه: ﴿لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ﴾ [المائدة: 28].
إذاً موقف أبو موسى الأشعري والي الكوفة -مع أن الكوفة بايعت لعلي- استطاع أن يثبط أهل الكوفة عن الخروج مع علي، وأن يعرقل مهمة أولئك الذين أرسلهم علي لاستنفار أهل الكوفة، فعزله علي عن الكوفة. وكان من رسله إلى الكوفة عبد الله بن عباس، لكن أيضاً النتائج كانت قليلة؛ لأن عبد الله بن عباس أيضاً لم يكن متحمساً للقتال. فأرسل بعد ذلك عمار بن ياسر والحسن بن علي بن أبي طالب.
طيب، حماسة سيدنا عمار؛ سيدنا عمار كان أشد الناس حماسة للقتال مع علي رضي الله عنه. حماسة سيدنا عمار وتاريخه الكبير أثرت في أهل الكوفة واستنفرتهم وأخرجتهم. روى ابن أبي شيبة في المصنف بإسناد صحيح أن علياً أرسل عبد الله بن عباس إلى الكوفة فأبطأوا عليه، ثم أتاهم عمار فخرجوا. ومع ذلك سيدنا عمار كان وهو في شدة حماسته واستنفاره للمسلمين يحفظ لأصحابه ولأم المؤمنين حقها، روى البخاري أن عماراً كان يستنفر أهل الكوفة فيقول لهم: إني لأعلم أنها زوجته صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة، ولكن الله ابتلاكم لتتبعوه أو إياها. وفي رواية أخرى: إن أمير المؤمنين بعثنا إليكم لنستنفركم، فإن أمنا قد سارت إلى البصرة. ومع أن الحسن بن علي بن أبي طالب كان مع عمار لكن كان عمار هو الذي يخطب وكان الحسن ساكتاً، وهذا أيضاً يظهر لنا الفرق الذي بينهما.
يدل على ذلك أيضاً ما رواه البخاري أن أبا موسى الأشعري وأبا مسعود الأنصاري أقبلا على عمار. فسيدنا عمار كان أحد أكثر أصحاب سيدنا علي اقتناعاً بمواقفه وحماسة في جيشه، وكان في ذلك الوقت شيخاً كبيراً ناهز التسعين من العمر، واستطاع بالفعل أن يستثير أهل الكوفة فكانوا هم عصبة جيش علي وعماده، وكانوا أكثر الناس فيه. يعني سيدنا علي خرج من المدينة بسبعمائة، لكن خرج إليه من الكوفة سبعة آلاف، وانضم إليه من أهل البصرة ألفان، كان أكثرهم من قبيلة حكيم بن جبلة الذي قتل في معركة البصرة وكان رأس المتمردين المصريين على عثمان، فصار أولئك أيضاً في جيش علي. ماذا سيحصل بعد ذلك؟ هذا ما نراه إن شاء الله في الحلقة القادمة. نسأل الله تبارك وتعالى أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا علماً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
حُبُّ الصحابة كُلِّهم لي مذهبٌ ... ومَوَدَّةُ القُرْبَى ما توسلتُ ولِكُلِّهِمْ قَدْرٌ وفَضْلٌ سَاطِعٌ ... لكِنَّمَا الصِّدِّيقُ منهُمْ أفْضَلُ هذا اعتقادُ الشافعيِّ ومالكٍ ... وأبي حنيفةَ ثُمَّ أحمدَ يَنْقُلُ فإنِ اتَّبَعْتَ سبيلَهُم فَمُوَحِّدٌ ... وإنِ ابْتَدَعْتَ فما عليكَ مُعَوِّلُ
محمد إلهامي