دخولتسجيل الدخول

قصة الفتنة الكبرى | 13. لماذا كان علي بن أبي طالب الأجدر بالخلافة بعد عثمان؟

محمد إلهاميمحمد إلهامي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

حبُّ الصحابة كلهم لي مذهبٌ ومودةُ القربى بها اتوسلوا، ولكلهم قدرٌ وفضلٌ سطع، لكنما الصديق منهم أفضل، هذا اعتقاد الشافعي ومالك وأبي حنيفة ثم أحمد ينقله، فإن اتبعت سبيلهم فنوحد، وإن ابتدعت فما عليك معولٌ، وإن ابتدأت فما عليك معولٌ.

بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. مرحباً بكم أيها الأحباب في هذه الحلقة الجديدة من سلسلة حلقات قصة الفتنة الكبرى، والتي نحاول فيها شرح ما حصل من قتال بين الصحابة الأجلاء رضوان الله عليهم أجمعين، ونزيل ما علاقة بهذه الفترة من الشبهات والأكاذيب. وصلنا في الحلقة الماضية إلى استشهاد عثمان رضي الله عنه، وناقشنا مسألة هل كان أحد من الصحابة مشاركاً في قتله؟ وتبين لنا أن هذا لم يكن، وأقرب الذين يمكن اتهامهم بهذه التهمة لم يكونا من الصحابة، وهما محمد بن أبي بكر، ومحمد بن أبي حذيفة.

وينبغي أن نقف وقفة هنا مع الأحاديث النبوية التي جاءت في استشهاد عثمان رضي الله عنه، فهو أمر ضروري لغرضين؛ الأول هو فهم الموقف الشرعي، والأمر الثاني هو ضروري لفهم أحداث الفتنة نفسها وكيف انقسم الصحابة في عهد علي إلى ثلاث فرق: فرقة تقاتل مع علي، وفرقة مع معاوية، وفرقة اعتزلت الفرقتين الأخريين.

ذكر النبي ﷺ وقوع الفتنة وزمانها ومقتل عثمان فيها شهيداً مظلوماً. روى أحمد وأبو داود والحاكم بإسناد صحيح عن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي ﷺ ذكر زمان الفتنة فقال: «تدور رحى الإسلام على رأس خمس وثلاثين، أو ست وثلاثين، أو سبع وثلاثين».

وتعددت الأحاديث التي جاء فيها أن عثمان رضي الله عنه يقتل شهيداً مظلوماً، فمنها ما رواه البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري -ولأبي سعيد الخدري حديث طويل في البخاري ومسلم أنه صنع من نفسه أو جعل نفسه بواباً لرسول الله ﷺ في يوم ما، فاستأذن عليه أبو بكر وعمر، فكان النبي ﷺ يأذن لكل منهما فيقول له: «ائذن له وبشره بالجنة»، فلما استأذن عليه عثمان رضي الله عنه قال له النبي ﷺ: «ائذن له وبشره بالجنة على بلوى تصيبه»؛ فإذاً سيدنا عثمان مبشر بالجنة وتصيبه بلوى.

وروى البخاري أن النبي ﷺ كان على جبل أحد ومعه أبو بكر وعمر فرجف بهم، فقال النبي ﷺ: «اثبت أحد، فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان»، والرواية الأخرى التي ذكرناها في الحلقة الماضية أو قبل الماضية: «اثبت أحد، فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد».

وروى أحمد بإسناد حسن والحاكم وصححه ووافقه الذهبي، أن النبي ﷺ ذكر أن قتل عثمان من المهلكات، فقال: «من نجا من ثلاث فقد نجا: موت -يعني لم يفتن بموتي- الذي هو موت النبي ﷺ، والدجال، وقتل خليفة مصطبر بالحق معطٍ».

ومرة معنا سابقاً الحديث الذي رواه أحمد والترمذي وابن ماجه بإسناد صحيح أن النبي ﷺ وصف من أراد خلع عثمان من الخلافة بالمنافقين، وذلك قوله ﷺ: «يا عثمان، إن الله عسى أن يلبسك قميصاً، فإن أرادك المنافقون على خلعه فلا تخلعه».

وروى أحمد والترمذي بإسناد حسن صحيح عن ابن عمر قال: ذكر رسول الله ﷺ فتنة، فمر رجل، فقال ﷺ: «يقتل فيها هذا المقنع»، والمقنع كان ملثماً في ذلك الوقت، كأن سيدنا عثمان جاء بالعمامة أو بطرف العمامة فكان مقنعاً، فيقول ابن عمر: فإذا هو عثمان. وروي هذا الحديث أيضاً، وهو حديث ابن عمر، روي أيضاً عن كعب بن مرة فرواه أحمد والترمذي والحاكم، وهنا ربما يكون هذا موقفاً آخر كرر فيه النبي ﷺ الأمر، أو قد يكون هو نفس الموقف ولكن رُوي مرة عن ابن عمر ومرة عن كعب رضي الله عنه، فجاء عن كعب قال: سمعت رسول الله ﷺ يذكر فتنة فقربها، فمر رجل مقنع فقال: «هذا»، يومئذ وأصحابه على الحق والهدى. قال كعب: فقلت: هذا يا رسول الله؟ وأقبلت بوجهه إليه، فقال: «هذا»، فإذا هو عثمان.

وروى أحمد بإسناد صحيح عن أبي هريرة أنه سمع النبي ﷺ يقول: «إنكم تلقون بعدي فتنة واختلافاً»، فقال قائل: فمن لنا يا رسول الله؟ فقال: «عليكم بالأمين وأصحابه»، يشير إلى عثمان.

وبهذه الأحاديث يتبين لنا أن فتنة مقتل عثمان كان الحق فيها واضحاً، وكان الصحابة فيها إلى جانب عثمان وهو جانب الحق، وهؤلاء الذين خرجوا عليه حتى قتلوه هم المنافقون الأشقياء الذين فتحوا باب الشر على أمة محمد ﷺ، سواء منهم من كان خبيثاً متآمراً مثل ابن سبأ وأتباعه، أو من كان منهم جاهلاً وغالياً ومفتوناً كهؤلاء الخوارج. هذه الأحاديث ستكون مهمة جداً لكي نفهم موقف معاوية وأهل الشام فيما بعد، فركزوا معي في هذه الأحاديث لأنها ستكون عمادة موقف معاوية رضي الله عنه، وهي أحاديث صحيحة.

الآن نأتي إلى موقف معاوية، ودعونا نتوقف مع الشخصية الرابعة الكبيرة في تاريخ الإسلام، وهي شخصية سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه؛ هذا الرجل الذي أراد الله أن يكون أستاذ هذه الأمة وفقيهاً في عصر الفتنة، وعنه ستأخذ الأمة كلها فقهها السياسي في شؤون حركات المعارضة والفرق الضالة.

علي بن أبي طالب هو ربيب بيت النبوة، اتخذه الرسول ﷺ ربيباً له منذ صغره، كان أبوه أبو طالب فقيراً وذا عيال، فالنبي ﷺ أخذ علياً وجعله في حجره، فهو ربيب بيت النبوة، وأسلم وهو في العاشرة من عمره، فهو أول من أسلم من الصبيان، وبعض الروايات تقول إنه أول من أسلم على الإطلاق. وهو الذي نام في فراش النبي ﷺ ليلة الهجرة في لحظة فدائية باسلة وخالدة، وهو رضي الله عنه الذي أدى الأمانات عن النبي ﷺ عند هجرته وهاجر ماشياً.

وفي المدينة كان سيدنا علي هو البطل العظيم في معارك الإسلام الكبيرة؛ في بدر وفي أحد وفي الخندق، يعني هو كان من المبارزين في بدر من الثلاثة الذين خرجوا للمبارزة، وهو الذي قتل عمرو بن عبد ود في الأحزاب في الخندق، وهو الأمير الذي تولى قيادة المسلمين في خيبر ففتح الله عليه الحصن بعد امتناعه، وهو حصن ناعم وهو أقوى حصون خيبر، وفيها بطل اليهود الكبير مرحب، ومن مناقبه الكبيرة أن...

النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الليلة أعلن أنه غداً سيعطي الراية رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، ولذلك كان عدد من الصحابة ومنهم عمر يقول: ما تشوفت للإمارة إلا في هذا اليوم. وعلي رضي الله عنه هو الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يحبك إلا مؤمن، ولا يبغضك إلا منافق». وفيه قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من كنت مولاه فعلي مولاه».

وفي غزوة تبوك لما ولاه النبي على المدينة، تركه والياً على المدينة وغمز به المنافقون، فلحق علي بالنبي صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله خلفتني في النساء والصبيان؟ فقال صلى الله عليه وسلم: «أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي». وسيدنا علي طبعاً من العشرة المبشرين بالجنة، ومناقبه كثيرة، والمقام يضيق عن استقصاء فضائل ومناقب علي رضي الله عنه.

روى أحمد بإسناد حسن عن عبد الله بن عمر أنه كان يقول: كنا نقول في زمن النبي صلى الله عليه وسلم: رسول الله خير الناس، ثم أبو بكر، ثم عمر. ولقد أوتي ابن أبي طالب ثلاث خصال لأن تكون لي واحدة منهن -هذا المتكلم عبد الله بن عمر يقول: لأن تكون لي واحدة منهن أحب إلي من حمر النعم-: زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم ابنته وولدت له، وسد الأبواب إلا بابه في المسجد؛ أبواب كبار الصحابة كانت حول المسجد النبوي، فالنبي سد الأبواب إلا من باب علي رضي الله عنه، وهناك رواية أخرى كذلك عن أبي بكر، وفي المقارنة بينهما يمكن الرجوع إلى كتب الفضائل وهذا ليس وقته الآن. يقول: وسد الأبواب إلا بابه في المسجد، وأعطاه الراية يوم خيبر. هذا كلام عبد الله بن عمر.

كما قلنا إن سيدنا علي جم المناقب والفضائل، حتى إن الإمام أحمد الإمام المحدث الكبير صاحب الفقه قال: ما بلغنا عن أحد من الصحابة -يعني في أحاديث الفضائل والمناقب- ما بلغنا عن علي، يعني أكثر الأحاديث التي وصلت في الفضائل والمناقب الصحيحة هي أحاديث عن علي رضي الله عنه. وكذلك قال الحافظ ابن حجر: إنه لم يُروَ في أحاديث المناقب بالأسانيد الجياد أكثر مما جاء في علي رضي الله عنه. هذه العبارة لا بد أن نتوقف معها وقفة، هذه وقفة ضرورية وإن كانت تخرج بنا قليلاً عن عصر الفتنة، هذه العبارة وأمثالها هي دليل ساطع على نضارة تاريخنا الإسلامي وتفرده.

السلطة في أي حضارة قديمة أو حديثة كان لها الدور الأكبر في إنتاج المعرفة، لكن دور السلطة في إنتاج المعرفة في الحضارة الإسلامية يتضاءل كثيراً؛ لماذا؟ لأن سلطة الدين كانت أعلى من سلطة الدولة، وإنتاج المعرفة في السياق الإسلامي كان لخدمة الدين؛ فهو كان متحرراً من سلطة الدولة. بل في الحضارة الإسلامية حققت المعرفة لأول وآخر مرة -ربما في الحضارات الإنسانية- انتصاراً على رغبة السلطة، يعني صارت المعرفة غالبة لما تنتجه السلطة أو ما تريده السلطة؛ فالأحاديث في فضل علي بن أبي طالب أغزر وأكثر من الأحاديث في فضل معاوية وفي فضل العباس، مع أن معاوية هو رأس الدولة الأموية، والعباس هو رأس الدولة العباسية، ومع أن العلويين كانوا هم المضطهدين في عصر الأمويين والعباسيين وهم المعارضة. لو كانت السلطة تنتج المعرفة في الحضارة الإسلامية لكان العكس هو الصحيح؛ كانت ستكون أحاديث فضل معاوية وأحاديث فضل العباس هي الأغزر والأكثر والأشهر.

بل إن الحافظ ابن حجر يقول في نص نفيس: إن انتشار الأحاديث في فضائل علي كان لهذا السبب تحديداً؛ كان لكثرة من خرجوا عليه في حياته ومن تنقصوه بعد وفاته، فاحتاج أهل السنة لرواية الأحاديث في فضائله، فصارت أشهر وأغزر وأكثر مما سواه من الصحابة، يعني حتى أحاديث علي في الفضائل أكثر من أحاديث أبي بكر وعمر. هذه الغزارة في الأحاديث التي يرويها أهل السنة في فضل علي هي دليل على سلامة أهل السنة وعلى استقامة معتقدهم، طبعاً بخلاف الرافضة الذين يروون الأكاذيب في فضائل علي وفي مثالب من يكرهونه كمعاوية وغيره.

خلاصة هذه الوقفة أنه ديننا لم تصنعه السلطة، وتاريخنا الإسلامي لم يكتبه المنتصر، والمجهود الذي بذله علماؤنا في تصفية وتنقية الأحاديث كان عملاً علمياً نزيهاً رصيناً متيناً، ولم يكن متأثراً لا بجبن ولا بنفاق. وهذه فرصة أنصح فيها المهتمين بهذا الموضوع -موضوع سلامة الروايات والمحدثين في عصرنا من التأثر بالسلطة- بقراءة كتابين مهمين جداً في هذا الموضوع: كتاب «المحدثون والسياسة» للدكتور إبراهيم العجلان، ناقش فيه مسألة: هل يمكن أن يكون علماء الحديث ورواة الحديث تأثروا بالسلطة رغبة أو رهبة، يعني نفاقاً أو جبناً؟ وبحث جليل في تسعمائة صفحة. والكتاب الآخر صدر قبل شهر تقريباً للدكتور أحمد صنوبر، بعنوان «السلطة السياسية وحركة رواية الحديث ونقده»، هذا الكتاب يناقش فيه نفس الموضوع لكن من زاوية أخرى، التي هي زاوية أحاديث الفضائل والمناقب، وهذا الكتاب الأخير أيضاً دراسة دقيقة متينة في فحص الأسانيد وفي إثبات قوة عمل علمائنا المحدثين وفي استحالة أن يكون علم الحديث قد تأثر بالسياسة والسلطة.

بعد هذه الوقفة التي استفدناها من الأحاديث في فضل علي ومناقبه نعود إلى الخلاصة من هذه الأحاديث؛ الخلاصة أن علياً رضي الله عنه جدير بالخلافة وأنه فوق كل شبهة. وبعض الناس -حتى لو أن بعض الناس غلا في علي- هذا الغلو منهم يجب ألا يدفع أحداً إلى انتقاص علي أو إنزال مكانته أو سوء الظن به، يعني أن ترد على غلو بغلو مقابل هذا من الجدال بالباطل ومن الغلو في الاتجاه المقابل. ومن هنا يجب أن نفسر مواقف علي رضي الله عنه وسياساته في ظل هذه النصوص الصحيحة والصريحة، في ظل هذه النصوص التي تثبت مكانته الرفيعة.

وستأتي الأحاديث الأخرى لتثبت مرة أخرى أن علياً كان هو المصيب في اجتهاده وهو الأقرب إلى الحق. والواقع يا أحباب أنه لولا هذه الأحاديث الصحيحة في فضائل علي رضي الله عنه والتي تحسم أنه هو المصيب، لكان الأقرب إلى الترجيح والتصويب هو موقف معاوية؛ يعني نحن لو عزلنا تلك الأحاديث الصحيحة عن الأحداث فستبدو لنا صورة أخرى مشوهة لشخصية علي رضي الله عنه وسياسته. سيبدو علي لو قرأنا هذا التاريخ ونحن مستبعدون الأحاديث الصحيحة، سيبدو في صورة وكأنه قاد انقلاباً على عثمان، وكأنه أسبغ حمايته على قتلة عثمان، وأنه قاتل قتلة عثمان السابقين من الصحابة وأم المؤمنين. هذا الفهم المشوه للابتعاد عن الاسترشاد بنصوص السنة الصحيحة الصريحة هو الموقف الذي وقفته فرقة النواصب، فرقة النواصب حين لم تقرأ تاريخ علي رضي الله عنه في ضوء هذه الأحاديث اتخذت منه هذا الموقف المعادي وقدمت له هذه الصورة المشوهة.

النواصب هذا اسم أطلق على الذين تطرفوا في مقابل الشيعة وعادوا علياً رضي الله عنه، وطبعاً انسحب هذا على أنهم عادوا آل البيت من بعده، فهذا الاسم مستخرج من أنهم ناصبوا آل البيت العداء فقيل لهم نواصب. ومن المؤسف كما قدمنا أن الطغيان الشيعي المعاصر والتمدد الإيراني وما فعله من جرائم شنيعة في بلاد أهل السنة في العراق وسوريا واليمن وغيرها، تسبب في ردة فعل أظهرت مرة أخرى أفكار النواصب في هذه البلدان. وأنا رأيت بنفسي عدداً من الناس يسبون علياً ويرونه أول من انقلب على الخلافة الشرعية في التاريخ الإسلامي، ولا حول ولا قوة إلا بالله. ولذلك نعيد التأكيد والتكرار على أن أحداث الفتنة مجال شائك لا يسلم منه إلا من تناوله بعلم وبعدل. القصد يا أحباب أن هذه النصوص النبوية هي التي أرشدتنا وعلمتنا كيف نقرأ تاريخ الفتنة وكيف نفهمه، وأوضحت لنا ما كان مستحيلاً أن يتضح من دونها.

لما توفي النبي صلى الله عليه وسلم كان علي من المقربين من أبي بكر، وخاض معه معركة الدفاع عن المدينة ضد المرتدين حين هجموها. وكان علي من العلم والحكمة حتى إن عمر رضي الله عنه وهو من هو، كان يستشيره ويستعين برأيه؛ روى البخاري أن عمر رضي الله عنه شهد لعلي بأنه أقضى الصحابة، يعني أفقههم في القضاء، فقال: أقضانا علي. والقضاء أمر فوق العلم، فالقاضي أو الماهر في القضاء هو من كان عنده علم وكان عنده بصر بالواقع وبأقدار الناس وبمناورات الناس، فالقضاء أمر فوق مجرد العلم. وأخبار مشاورة عمر لسيدنا علي أخبار كثيرة جداً ومشهورة ومنتشرة، وسيدنا عمر جعل علياً ضمن الستة الذين رشحهم للخلافة من بعده.

وثبت في الرواية الصحيحة أن علي رضي الله عنه كان يرى نفسه جديراً بالخلافة، هذا ليس فيه عيب؛ المرء إذا كان ذا موهبة وقدرة كان حرياً به أن يتطلع إلى المرتبة الملائمة له طالما كان ذا كفاءة وقدرة ولم يكن مبالغاً في تصور نفسه. لكن هذه الجدارة لم تدفعه أبداً رضي الله عنه إلى أن يشق عصا الطاعة، أو أن يفرق الجماعة، أو أن يحاول نقض ما أبرمته الأمة، بل هو نفسه رضي الله عنه شهد بأن أبا بكر وعمر كانا خيراً منه. وبالتأمل في هذه الروايات الصحيحة سيتبين لنا فضل الصحابة، وسيتبين لنا المرتبة العليا للصحابة، وكيف أنهم جمعوا بين كونهم بشراً لهم نوازع البشر ويختلفون في الرأي، وبين كونهم أسمى البشر وأقدر البشر على التجرد والتواضع والتضحية وإنكار الذات.

ثبت برواية صحيحة أن علي رضي الله عنه فكر في الأمر، فكر في الخلافة، وكان معه العباس، والعباس عم النبي صلى الله عليه وسلم، توقع أن يموت النبي في مرضه هذا. روى البخاري أن العباس بن عبد المطلب قال لعلي: أنت والله بعد ثلاث عبد العصا؛ يعني لن تمر على النبي ثلاثة أيام حتى يكون قد توفي وفي مرضه هذا، وحينها سيكون غيرك خليفة وستكون أنت تابعاً له، يعني هذا معنى قولهم عبد العصا أنك ستكون محكوماً تابعاً لغيرك. فيقول العباس: وإني والله لأرى رسول الله سوف يتوفى من وجعه هذا، إني لأعرف وجوه بني عبد المطلب عند الموت، اذهب بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلنسأله فيمن هذا الأمر -اللي هو الخلافة-، إن كان فينا آل بيته علمنا ذلك، وإن كان في غيرنا علمناه فأوصى بنا، يعني النبي أوصى من سيتولى الخلافة بنا. فقال علي: أنا والله لئن سألناها رسول الله فمنعناها لا يعطيناها الناس بعده، وأيم الله لا أسألها رسول الله؛ يعني كان تقدير سيدنا علي أنه لا يسأل رسول الله عنها، لأنه إذا مُنع منها فسيكون هذا بمثابة النص.

فهذه الرواية تشير إلى التزام الصحابة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيها رد -هذه الرواية- على من زعموا أن النبي صلى الله عليه وسلم أوصى لعلي، فإنه لو كان أوصى بالفعل لخضع الصحابة لهذه الوصية، ولم يكن ليثار خلاف في سقيفة بني ساعدة ولا في غيرها، يعني كان خلاص سيكون بمثابة النص. وتثبت الرواية أيضاً أنه لم تكن ثمة وصية لعلي، وإلا ما حصل بينه وبين العباس مثل هذا الكلام. لكن هذه الرواية تفتح لنا الموضوع الشائك الآخر: علي يرى أنه جدير بالخلافة، وقول القائلين إن أبا بكر اغتصب الخلافة. فموضوع ما هو الخلاف الذي جرى بين سيدنا علي رضي الله عنه وبين سيدنا أبي بكر الصديق في أمر البيعة والخلافة، هذا الموضوع الشائك نؤجله إن شاء الله لكي نناقشه في الحلقة القادمة. فنسأل الله تبارك وتعالى أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا علماً. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

حب الصحابة كلهم لي مذهب، ومودة القربى بها أتوسل، ولكلهم قدر وفضل ساطع، لكن من الصديق منهم أفضل، هذا اعتقاد الشافعي ومالك، وأبي حنيفة، أحمد ينقله، فإن اتبعت سبيلهم فموحد، وإن ابتدعت فما عليك مُعول.