بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم الإنسان ما لم يعلم، والصلاة والسلام على المخلوق رحمة للعالمين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين. حياكم الله أيها الأحبة في هذا المجلس الجديد الذي نعقده في شرح كتاب قطر الندى وبل الصدى للإمام ابن هشام الأنصاري رحمه الله تعالى عليه.
انتهى بنا الكلام إلى النوع الخامس من المعارف، وهو التعريف. يختلف العلماء في الترجمة لهذا الباب؛ فابن مالك رحمه الله في الألفية قال: «المعرف بأداة التعريف»، ولم يقل «التعريف»، وذلك لوجود خلاف في طبيعة التعريف بالضبط كما سيأتي معنا إن شاء الله، فالبعض يقول المعرف هو التعريف ولا يحددها بالضبط في ترجمته، والبعض لا يحدد فيقول المعرفة تعريف ويتسامح في ذلك.
يجب أن تنتبهوا أن التعريف في المرتبة الخامسة من حيث القوة؛ لأنه أولاً الضمائر، ثم العلم، ثم اسم الإشارة، ثم الاسم الموصول، واليوم ندخل في أداة التعريف وننهي الكلام إن شاء الله عن المعرفات تماماً، ولربما ندخل في شيء من المبتدأ والخبر.
قال رحمه الله تعالى ثم: «ثم ذو الأداة»، وكذلك انظر إلى تعبير ابن هشام، فهو قريب من فكرة ابن مالك، حيث قال: «ثم ذو الأداة»، ولم يقل «ثم الأداة»، وهنا أريدكم أن تنتبهوا؛ فـ «ذو الأداة» أو المعرفة هنا هو الاسم المتصل بالأداة، وليست هي الأداة نفسها. الأداة هي الحرف، أما المعرفة فهي الاسم الذي دخلت عليه الأداة، لذلك قال «ذو» بمعنى صاحب من الأسماء الستة هذه؛ أي صاحب الأداة.
فصل فيها في المتن بقوله: «ثم ذو الأداة، وهي ال عند الخليل وسيبويه، لا اللام وحدها خلافا للأخفش، وتكون للعهد نحو: في زجاجة الزجاجة، أو للجنس نحو: أهلك الناس الدينار والدرهم، وجعلنا من المال كل شيء حي، أو لاستغراق أفراده نحو: ﴿وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾، وصفاته نحو: زيد الرجل».
الآن أيها الأحبة نتكلم عن النوع الخامس من أنواع المعارف وهو الاسم الذي دخلت عليه أداة التعريف. وهناك عدة مسائل سندرسها؛ المسألة الأولى: ما هي أداة التعريف بالضبط بالتحديد؟ المسألة الثانية: ما معنى هذه الأداة وما المعاني التي نستفيدها منها؟ وسنقتصر على هاتين المسألتين، وسيعودان وقتاً سيتبعاً بمسألة على الهامش وهي جواز إبدال اللام ميماً، وهي على لغة حمير عندما قالوا يقلبون اللام ميماً، وهذه مسألة على الهامش إن شاء الله.
نبدأ بالخلاف الأول: ما هي أداة التعريف في الحقيقة؟ من سيقرأ المتن ثم يعود إلى الشرح سيجد هناك تباينًا في كلام ابن هشام. انظروا ماذا قال في المتن؟ قال في كلمتين صغيرتين: «وهي ال عند الخليل وسيبويه، لا اللام وحدها خلافا للأخفش». نفهم من هذه العبارة أن ابن هشام يقول إن أداة التعريف هي ال برمتها بجملتها، وهذا رأي الخليل بن أحمد الفراهيدي شيخ سيبويه، ورأي سيبويه أيضاً رحمه الله.
ثم ذكر أن المذهب الآخر هو «اللام وحدها»، وهذا نسبه إلى الأخفش حين قال: «لا اللام وحدها خلافا للأخفش». فهو بين في المتن اختياراً، حيث يختار قول الخليل وسيبويه، وكأنه يشير إلى أنه يتبنى هذا المنهج.
لكن انظروا ماذا قال في الشرح رحمه الله: «النوع الخامس من أنواع المعارف ذو الأداة، أي الاسم الذي دخلت عليه أداة التعريف نحو الفرس والغلام. والمشهور بين النحويين أن المعرف ال عند الخليل، واللام وحدها عند سيبويه». إذن ما ذكره في الشرح ابتداءً يخالف ما ذكره في المتن؛ ففي المتن قال إن الأداة هي ال عند الخليل وسيبويه، ولما بدأ في الشرح قال إن المعرف ال عند الخليل فقط، واللام وحدها عند سيبويه، فجعل سيبويه كأنه مع الأخفش.
ونقل ابن عصفور، وهو من المدرسة التشبيليّة تلميذ ابن الشاب في رحمة الله عليه، عن ابن كيسان -وهو من المدرسة البغدادية- أنه نقل الرأي الأول، وهو رأي الخليل أن المعرف برمتها بجملتها. والثاني أنها اللام وحدها، والذي نسبه في الشرح سيبويه عن بقية النحويين.
نعم، هذا هو المشروع عن الأخفش. هذا هو مشروع الأخفش. الرأي الثاني أن اللام واحدة، لكن هل المشهور عن سيبويه أن المعرفة عنده هي اللام وحدها؟ وما سبب الخلاف بين المتن والشرح؟ في المتن نُسب إلى سيبويه رأي الخليل، وفي الشرح نُسب إلى سيبويه رأي الأخفش.
جميل، ثم قال: «وزعم ابن مالك». إذاً ابن هشام يدري ما يقول، هو ليس غير منتبه، لكنه يريد أن يبين لك باختصار أن النحاة اختلفوا في فهم كلام سيبويه. فالمشهور أو كثير من المحال فهموا أن رأي سيبويه مثل رأي الأخفش؛ أن المعرف هو اللام وحدها. لكن ابن مالك من المحالات له رأي آخر؛ زعم ابن مالك أنه لا خلاف بين سيبويه والخليل في أن المعرف ألفٌ.
ابن مالك يخالف كثيرًا من النحاة، أو أكثر النحاة، يقول: لا، سيبويه ليس مثل الأخفش. يرى أن المعرف ألفٌ واللام وحدة، سيبويه مثل الخليل يرى أن المعرف ألفٌ برمتها. وقال: «وإنما الخلاف بينهما»، وهذا كلام ابن مالك. وقال: «يقال»، ابن مالك يرى أنما الخلاف بينهما -أي بين الخليل وسيبويه- في الهمزة، أزائدة هي أم أصلية؟ واستدل على ذلك بمواضع أوردها من كلام سيبويه.
وإذاً الإمام مالك يقول: لا، أنتم فهمتم كلام سيبويه خطأ. سيبويه موافق لشيخه الخليل في أن المعرف ألفٌ برمتها، وإنما الخلاف بين الخليل وسيبويه في طبيعة الهمزة قبل اللام؛ هل الهمزة همزة قطع أصلية، ولا همزة وصل زائدة؟ هذا هو الخلاف بينهم. ونحن هذا الذي نعتبره في الحقيقة في شرحنا؛ أنه مثل الخليل يرى أنهما يريان أن المعرف ألفٌ برمتها، وإنما الخلاف بينهما هو في بيان طبيعة الهمزة. هل هي همزة أصلية، همزة قطع وإنما سهلت بسبب كثرة الاستعمال؟ ولا هي همزة وصل ابتداء زائدة؟ هذا هو الخلاف بينهما.
قال: «واستدل»، أي ابن مالك، على رأيه الذي تبناه أن الخليل وسيبويه لا يختلفان في أن المعرف ألفٌ، ليس كما تقولون أيها النحاة. سيبويه يرى مثل رأي الخليل أن المعرف ألفٌ برمتها، واستدل على ذلك بمواضع أوردها من كلام سيبويه في كتاب سيبويه؛ «الكتاب».
حقيقة أيها الأحبة، سبب هذا الخلاف بين النحاة عند من يقرأ كتاب سيبويه، هو أن الكتاب عبقرية لغوية. سيبويه لا يصنف كتابًا مثل الكتب المتأخرين؛ يقول لك قواعد واضحة، مثل: «الاسم الموصول هو خاص ومشترك...» هذه طريقة المتأخرين في التوضيح. أما سيبويه فيتكلم مع جهابذة المحامين؛ تقرأ الكتاب فتجد نفسك تقرأ لفنان، تجد عبقرية في الكلام، تجد إنسانًا لا يتكلم في علم له فقط، بل يتكلم في علم النحو والصرف والبلاغة وعلم الصوتيات في كتاب واحد وفي نص واحد.
تجده يتكلم في صفات الحروف، وتجده يتكلم في المعاني البلاغية، وتجده يتكلم في أساليب اللغة. فكتاب صحيح أنه في علم النحو وهو المادة الأساسية له، لكن طريقة التصنيف عجيبة غريبة، بحيث إنها تبهر جداً. هذه الطريقة العظيمة في التصنيف تدل على عبقرية، تدل على إنسان عميق جداً في النظر في معرفة الألفاظ وما وراء الألفاظ. لذلك تجدهم يختلفون في فهم كلام سيبويه؛ لأنه لا ينص على الفكرة عنده بشكل واضح يحسم، بل يأتي بكلام عام يستنبطون من بين ثنايا تلك الأسطر رأياً، أو يقولون من ثنايا كلامه كذا. أما هو، في كثير من الأحيان، لا تستطيع أن تجزم أن هذا رأيه بالضبط، وذلك لعبقريته في التصنيف وقوة عبارته.
باختصار أيها الأحبة، ابن هشام رحمه الله تعالى في مطلع الشرح يبين وقوع خلاف رئيسي بين النحاة في فهم رأي سيبويه، وهذه هي الفائدة. وأنا فقط أريدك أن تعرف أن هناك خلافاً في فهم سيبويه، ولكن ما الذي نريد أن نضبطه ونختاره؟ نحن نريد أن نختار قول ابن مالك رحمه الله تعالى.
لكن قبل أن نذهب إلى السبورة، أبين الآراء النهائية، ثم أنت إذا أصبحت مجتهداً إن شاء الله، رجح كما تشاء. أما الرأي الذي سنسير عليه الآن، فقبل أن أذهب إلى السبورة أقرأ تلخيص ابن هشام للمسألة. قال ابن هشام: «وتلخيص الكلام أن في المسألة ثلاثة مذاهب». ما هي هذه المذاهب؟ أحدها أن المعرف ألفٌ أصلية، يقصد الهمزة أصلية. الثاني أن المعرف ألفٌ زائدة. الثالث أن المعرف اللام وحدها.
والاحتجاج لهذه المذاهب يستدعي تطويلاً لا يليق بهذا الإملاء، وأنا معه في أنه في الحقيقة الاحتجاج ليس موطننا في هذه القضايا، لكن أنا أريد أن ألخص لك الأقوال سريعاً على السبورة.
أقول أيها الأحبة باختصار: أدوات التعريف، الرأي الأول أنها رأي الخليل؛ الخليل يرى أنها ألفٌ برمتها والهمزة همزة قطع سهلت لكثرة الاستعمال، فأُسقطت الهمزة؛ لماذا؟ لكثرة الاستعمال في لسان العرب. ومما يشبه ذلك الإسقاط بسبب كثرة الاستعمال قولهم: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. الآن لو قلت لك اكتب كلمة «باسم»، تكتب هكذا: «باسم»، في همزة متصلة بالباء. لكن في «بسم الله» بسبب كثرة كتابتها في المصنفات أُسقطت الألف وأصبحت تكتب هكذا بدون رسم الألف. المهم، هذا رأي الخليل أنها ألفٌ برمتها والهمزة همزة قطع سُهلت بكثرة الاستعمال.
الرأي الثاني، وهو ما نتمناه ونختار إن شاء الله، هو رأي الإمام ابن مالك رحمه الله عليه؛ أن المعرف ألفٌ برمتها، لكن عنده هي همزة وصل ابتداء، لا هي همزة قطع وسهلت، بل هي همزة وصل ابتداء. وهذا معنى قوي لابن مالك؛ أن الخلاف بينهما هل هي أصلية أم زائدة؟ لأنه إذا قلنا همزة وصل إذاً هي زائدة، وإذا قلنا همزة قطع وسهلت إذاً هي أصلية. فهمنا ما معنى قوله: «إنما الخلاف بينهما هل هي أصلية أو زائدة؟».
الرأي الثالث هو رأي الأخفش؛ وهو أن المعرف اللام فقط، والهمزة إنما أُتي بها للتوصل بالنطق بالساكن. والأخفش رحمه الله وأهل الأخفش هم تلاميذ سيبويه، لا حوارٌ سلسٌ، نورٌ على نور كما يقولون، الخليل...
هو شيخ سيبويه، وسيبويه هو شيخ الأخفش، وكل واحد منهما غلب الآخر في مسألة دقيقة في هذا الموضوع. الأخفش يرى أن المعرف هي اللام وحدها. جميل، طيب الهمزة الموجودة في «أيها» يا أخفش من أين أتت؟ قال اللام ساكنة، والعرب لا تبدأ بساكن، فاحتيج للإتيان بهمزة الوصل حتى يتوصل إلى النطق بالساكن.
وهمزة الوصل هنا جاءت على خلاف المعتاد في همزة الوصل؛ فالمعتاد أن همزة الوصل الأصل فيها أنها مكسورة، مثل: استخرج، اضرب، اكسر، امشي. إلا في كلمة «أيها» فإنها تأتي مفتوحة، وفي كلمة «أيمان» -إن مَن رأى أنها همزة وصل أيضاً- جاءت مفتوحة. وهذا ذكرناه في علم الصرف؛ كيف يلفظ بهمزة الوصل الآن أيها الأحبة؟ وأحياناً تراها تكون مضمومة مثل أخته. فهذا التفصيل بجانب علم الصرف.
هناك رأي آخر ذكرته سابقاً، ولا يهمني كثيراً، وهو رأي ابن المبرد رحمه الله، حيث يرى أن المعرف هي الهمزة وحدها، وأن الوصل لإدخال الهمزة على الاسم، وهذا رأي في الحقيقة جداً ضعيف، لذلك لا تجد كثيراً من النحاة يلتفتون إلى ذكره.
الآن بعض من يريد أن يلخص المعلومة للطالب، رأينا هناك أربعة أقوال فنية؛ ثلاثة آراء لها حد من الاعتبار، والرأي الرابع يعتبر رأياً ضعيفاً جداً. هناك من حتى يسهل حفظ المعلومة على الطالب يقول إن للتعريف فيها رأيين ثنائيين ورأيين أحاديين. الرأيان الثنائيان هما رأي الخليل وسيبويه، حيث يريان أن أداة التعريف ثنائية، لكن هناك خلاف بين الخليل وسيبويه في تصوير هذه الهمزة. والرأيان الأحاديان هما رأي الأخفش والمبرد، حيث يريان أن أداة التعريف أحادية، ولكن أيضاً هناك خلاف بينهما؛ فالأخفش يراها اللام، والمبرد يرى أنها الهمزة فقط. أريدك أن تضبط هذا التقسيم.
انتهينا من هذا التقسيم، وهو في الحقيقة لا فائدة له في علم النحو كثيراً، فائدته ربما تكون صرفية أكثر منها نحوية، لأنها تتعلق ببداية الكلمة. طبعاً بناءً على هذا الكلام، أنا قلت لكم سابقاً مرة أخرى: ما هي أداة التعريف بالضبط؟ يختلف نطق أداة التعريف هذه، سجلوها عندكم.
من تجده يقول إن المعرف لا يؤخذ بـ «الـ»، فهذا يتبنى رأي الخليل وسيبويه؛ لأن العرب إذا كانت الكلمة موضوعة من حرف واحد -يعني الكلمة العربية إذا كانت من حرف واحد- ينطق بهذه الكلمة باسم الحرف، فتقول مثلاً: همزة الاستفهام، والهمزة حرف يدل على معنى، كيف تنطق بها؟ لا تقل: أدخل الاستفهام، بل تقول: أدخل همزة الاستفهام. نفس الشيء مثلاً حرف الجر الباء، هذه كلمة لأنها حرف يدل على معنى، فتقول: أدخل باء الجر.
فعندما تلفظ بهذه الكلمة لا أقول لك: أدخل بـ «بـ»، أقول لك: أدخل باء الجر، فالتلفظ بهذه الكلمة يكون على لفظ حرف الهجاء نفسه. انظروا مثلاً للام الطلب، يقول لك: أدخل لام الطلب. معقولة: أدخل لام الطلب؟ إن هذه الكلمة وضعت على حرف جاء واحد، فلفظها يكون لفظ الحرف الهجائي.
من كان يتبنى أن أداة التعريف هي اللام وحدها؟ هو الأخفش. فالذي يرى أن أداة التعريف هي اللام، يرى أنها كلمة من حرف واحد هجائي واحد، فعندما يعبر عن أداة التعريف يقول: أدخل الألف واللام على الاسم، يعني أدخل همزة الوصل واللام المعرفة على الاسم، هكذا يعبر عنها. ويقول في كتبه مثلاً من علامات الاسم: «الـ»، ولا يقول: «الألف واللام»، لماذا يقول «الـ»؟ لأنه يرى أن المعرف هو اللام وحدها، وإنما همزة الوصل خارجية أُتي بها للتلفظ بالساكن، وبما أنها كلمة من حرف واحد وهي اللام، فيجب أن يلفظ بها بلفظ الحرف الهجائي.
لكن من يتبنى أنه أداة للتعريف من حرفين، وهي الهمزة واللام، يقول مثلاً: أدخل «الـ» للتعريف، ولا يقول: أدخل الألف واللام. أولاً يقول: الاسم من علامته هنا يلفظ بالهيئة «الـ»، ولا يقول: «الألف واللام». إذا كانت الكلمة العربية مبنية من حرف واحد تلفظ بها بلفظ الحرف الهجائي، أما إذا كانت مبنية من حرفين فصاعداً فلا تلفظ بها بهيئتها وصورتها المركبة، ولذلك نجد أنهم يختلفون في التعبير.
المهم الآن ننتقل أيها الأحبة إلى بيان معاني التعريف. بعض الإخوة قالوا لي إنك عندما تكلمت عن أن «الـ» تعريف علامة من علامات الاسم لم تستوعب جميع معانيها. نعم في الحقيقة لم أستوعب جميع معانيها، ربما أشرت إلى معاني الاستغراق، لأنني عندما تكلمت كونه «الـ» تعريف علامة من علامات الاسم لم أرد أن أستوعب جميع المعاني وألخصها كلها ونبحث فيها. هنا سأتكلم عن جميع معاني التعريف بإذن الله، لكن أريدك أن تختم تصورك الآن، ليس للتعليم، بل لكي تختم تصورك لأننا لاحظنا أنه كل مرة نتعلم فيها فائدة جديدة، فأريد أن تختم تصورك بهذا التقسيم الذي تراه أمامك.
نقول أيها الأحبة: هل تأتي في اللغة العربية تعريفية؟ هذا كثير ما أعدته، لكن اليوم بإذن الله سأحاول أن نستوعب أقسامه كاملة. وهناك الزائدة، وتعلمنا قبل أسبوع «الـ» الموصولية. «الـ» التعريفية حرف، و«الـ» الزائدة حرف، و«الـ» الموصولية اسم.
«الـ» الموصولية عرفنا أنها تدخل على وصف صريح غير أفعل التفضيل، فهي تدخل على مشتق صريح لم تغلب عليه الاسمية غير أفعال التفضيل، وهي في الحقيقة أيضاً من علامات الاسمية لأنها تدخل على وصف صريح. وعندما ذكرنا من علامات الاسم دخول «الـ»، ذكرنا أن أنواعها تختص بالأسماء، وذكرنا حينئذ من أنواعها التعريفية والزائدة، أنت الآن أضف أن الموصولية أيضاً تختص بالاسم. هذا هو الصحيح، وإن كان هناك خلاف ضعيف في أن الموصولية يجوز دخولها على الأفعال لكن هذا في ضرورة الشعر، والصحيح أنها في اختصاصها بالاسم مثلها مثل الزائدة مثلها مثل التعريفية، كلياتها تختص بالاسم، وكلها دلالة على أن الكلمة.
بعدها هي اسم جميل. فسابقاً قلنا: هل تنقسم "أل" إلى تعريفية وزائدة وموصولية؟ قد الموصولية انتهينا منها، والزائدة قلنا لها أنواع؛ فالزائدة تأتي على صور، مثل أن تكون الزائدة للمح الأصل.
وهذه تدخل على ماذا؟ تدخل على الأعلام المنقولة؛ المنقولة عن اسم فاعل، أو منقولة عن صيغة مبالغة، أو منقولة عن اسم جنس؛ كانوا يستخدموا هذا اسم جنس وأصبح علماً، مثل كلمة «نعمان». نعمان هي عبارة عن اسم للدم، ثم أصبحت تنقل وأصبح يطلق علماً على الأشخاص. فعندما كثيراً ما نجد في الكتب يقولون: النعمان بن المنذر، مش ملك الحيرة النعمان بن المنذر، النعمان؛ لماذا يقول النعمان للتعريف؟ إنه نعمان، هي علم على شخص، فهي بذاتها معرفة، فالقطعاً هنا لم تفد «نعمان» تعريفاً، هو نفسه نعمان معرفة من يعلمه.
كذلك، وسنقول: جاء العباس بن عبد المطلب؛ لماذا يقول العباس بن عبد المطلب؟ ما هي عباس؟ وحدها هي الآن علم، ما فائدة إدخال "أل" عليها؟ نقول نعم هذه الزائدة، أدخلت على عباس وعلى نعمان، يسمونها للمح الأصل، كأنها تذكرك حينما تسمع هذا العلم أن أصل عباس صيغة مبالغة من العبوس، وتذكرك دخولها أنه النعمان أصل النعمان، هذه مش أصل للعلم، كان أصلها اسم جنس للدم وليست لازمة، يعني ممكن أقول جاء النعمان من دونها، ممكن، ما في مشكلة، ويمكن أقول جاء عباس، فدخوله أصلاً ليس لازماً.
الزائدة على نوعين في الحقيقة أيها الأحبة؛ الزائدة غير لازمة مثل التي للمح الأصل، هذه مثلنا لها العباس والنعمان. والزائدة اللازمة، يعني هي زائدة لكنها لازمة لا تنفك عن ماذا؟ عن الكلمة؛ مثال الزائدة اللازمة أيها الأحبة يقولون مثل التي في الأسماء الموصولة.
الآن أيها الأحبة، الأسماء الموصولة: الذي، والتي، واللذان، وإلى آخرها؛ التي فيها "أل" هي ليست معرفة بالقطع، هي معرفة أصلاً، يعني سبب تعريف الأسماء الموصولة جملة الصلة التي تأتي بعدها، فإن "أل" لا تفيد تعريفاً، فقالوا "أل" هنا زائدة ولكنها لازمة، لا تنفك عن هذه الكلمات. بخلاف الزائدة غير اللازمة مثل التي للمح الأصل؛ يجوز أن تتلفظ بنعمان وأن النعمان وعباس والعباس.
بينما هناك نوع آخر زائدة، مثل كما قلنا التي تدخل على الأسماء الموصولة؛ الأسماء الموصولة: الذي، والتي، واللذان، واللتان، لا تستطيع أن تتلفظ بها من دون أن "أل" لا يجوز أن تحدث، أن تقول «التين» وتحذف الألف، لا بد دائماً أن تتلفظ بالألف لأنها هكذا سمعت عن العرب، فنقول لماذا لازمة؟ نقول لأنها هكذا سمعت، والعربي دائماً بوجودها، ولماذا زائدة؟ لأنها لا تفيدها تعريفاً، فهذا سبب اللزوم وسبب الزيادة.
مثلاً من الأنواع الزائدة اللازمة أيضاً: "الآن"، أليست من ظروف الزمان؟ الآن من ظروف الزمان، قال لك داخل على كلمة "الآن" لا تفيدها تعريفاً وهي لازمة عنها لا تنفك أبداً، فقالوا هذا ظرف هكذا سمع عن العرب بوجود الألف، و"أل" لا تفيده تعريفاً، فبما أنها لا تفيده تعريفاً فهي زائدة، وبما أنها لا تنفك فهي لازمة. لذلك قال ابن مالك: «وقد تُزاد لازماً كاللاتي، والآن، والذين، ثم اللاتي».
وهناك أنواع، يعني أصناف أخرى دخلت عليها الزائدة اللازمة تدرسها في شيء من المطولات، يعني لا يهمني أن أستوعب جميع الأشكال التي جاءت عليها أن الزائدة اللازمة أو غير اللازمة، يهمني فقط أن تعرف رأس التقسيم؛ الزائدة على نوعين: غير لازمة لا تنفك عن الاسم، ولازمة لا يجوز انفكاكها عن الاسم، وذكرنا مثالاً لكل نوع من هذه الأنواع.
الآن ننتقل إلى التعريفية، وهي محور كلامنا في الحقيقة، لكن أردت أن أستوعب لك الآن التقسيمات؛ التقسيمات التي رسمتموها سابقاً عدلوا عليها وأضيفوا هذه الإضافات حتى تكتمل الصورة إن شاء الله. إذاً هذه الزائدة نهينا الكلام عنها، الآن ننتقل إلى التعريفية وهي محور كلامي.
ما معنى "أل" التعريفية أيها الأحبة؟ هي التي تدخل تعريفاً وهي المراد معنا الآن. تأتي على معانٍ ذكرها ابن هشام رحمه الله؛ ما أهل "أل" التعريفية أيها الأحبة؟ ابتداءً مقسمها إلى جنسية وعهدية. إذا كانت جنسية عندنا ثلاثة معانٍ: حقيقة، واستغراق أفراد الجنس، واستغراق صفات الجنس. وإذا كانت عهدية: عهد ذكري، عهد ذهني، عهد حضوري؛ هذه هي الأقسام. البعض أيها الأحبة قد يضيف في الجنسية نوعاً رابعاً، لكن في الحقيقة لا أريد أن أذكره، لم يذكره وبما أنه يمكن رده إلى الأقسام الموجودة وليس متفقاً على ذكره، أكتفي بما هو مشكور.
نقول أيها الأحبة لنبدأ بهذه المعاني واحداً واحداً؛ "أل" التعريفية تأتي إما جنسية وإما عهدية. بما أن ابن هشام بدأ بالعهدية، أنا سأبدأ بالعهدية ثم أعود إلى الجنسية إن شاء الله. العهدية يعني إذا دخلت على اسم تدل على معنى العهدية، وما معنى العهدية؟ نقول هناك ثلاث أنواع من العهود: عهد ذكري، عهد ذهني، عهد حضوري.
أنت تريد أن تربط قضية "أل" هنا بموضوع المعرفة بشكل عام؛ قلنا أيها الأحبة، ما تعريف المعرفة؟ المعرفة هنا الاسم الذي يدل على معين؛ المعرفة ضمير، واللي موصول، أو هو عبارة عن اسم يدل على معين. بالتالي بدنا نتصور هكذا القضية، أنه عندنا اسم قبل دخول "أل" لا يدل على معين، يدل على مبهم، صح؟ لما دخلت عليه "أل" أصبح يدل على ماذا؟ على معين، وما فائدة الدخول؟ التعريف.
طيب ماذا يعني التعريف؟ يعني أن يصبح الاسم يدل على معين، وهكذا التنسيق الذهني؛ لأنه قال لك إن الاسم قبل دخول "أل" لا يدل على معين، كان يدل على مبهم، لما دخلت "أل" ستفيده تعريفاً. ما معنى تفيده تعريفاً؟ بعض الطلاب لا يركز في هذه المعاني فلا ينتبه، هذا مهم؛ ما معنى أن تريد تعريفاً؟ يعني كان يدل على مبهم، لما دخلت عليه أصبح يدل على معين. أريدك أن تستحضر لي هذه القاعدة وهذه الفكرة ونحن نتكلم عن المعاني.
نبدأ بأن "أل" التعريفية على عهد الذكر، ماذا يعني العهد الذكري؟ سأكتب قاعدة أيها الأحبة في العهد الذكري ومن خلالها سنفهم موضوعها، أقول: إذا ذكرت اسماً نكرة في سياق كلامك، ثم أردت -أو هناك لفظة كتبتها عندي أيها الأحبة أريد أن أعتمدها وجدتها كاملة جيدة- أقول: ثم أعدت ذكرها لتثبت لها أحكاماً. فعندما تعيده، إذا ذكرت اسماً في كلامك ثم أعدت هذا الاسم مرة أخرى لتثبت...
له أحكام، فيجب أن تصل هذا الاسم بأن التعريف التي كتبتها. إذا ذكرت اسم النكرة في السياق، ثم أعدت ذكره لتثبت له أحكامًا، فعندما تعيد ذكره -وهي عبارة طويلة- إذا كتبها الطالب مرة واحدة بشكل واضح وأمعن النظر في تركيبها، فلن يفهمها بالضبط.
إذا ذكرت اسمًا نكرة في سياق كلامك، ثم أعدت الاسم مرة أخرى لتثبت له أحكامًا، يجب وصله بـ (أل)؛ حتى يعرف السامع أنك تريد بالاسم المعاد عين الأول لا فردًا آخر. يهمني أن يضبط الطالب هذه العبارة.
أيها الأحبة، إذا ذكرت اسم النكرة في سياق كلامك؛ قلت مثلا: «جاء رجل البارحة فزارني في بيتي»، ذكرت اسم نكرة (جاء رجل البارحة فزارني في بيتي). ثم أعدت هذا الاسم مرة أخرى لتثبت له حكمًا، أي أعدت ذكر هذا الاسم مرة أخرى: «زارني رجل البارحة في بيتي، فأكرمت الرجل». لاحظوا أني أعدت ذكر هذا الاسم مرة أخرى لأثبت له حكمًا جديدًا، أني أكرمته وما أهنته وما طردته.
فلذلك، إذا ذكرت اسمًا نكرة في سياق كلامك ثم أعدت هذا الاسم مرة أخرى لتثبت له أحكامًا، فعندما تعيده يجب وصله بـ (أل). لماذا؟ حتى يعرف السامع أنك تريد بالاسم المعاد عين الأول، أي نفس الأول ذاته، لا فردًا آخر.
انتبهوا أيها الأحبة إلى هاتين الجملتين وانظروا كيف سيختلف المعنى: إذا قلت: «زارني رجل البارحة في بيته فأكرمت رجلًا»، أعدت الاسم مرة أخرى لكنه نكرة أيضًا؛ في الحقيقة لن تفهم أن الإكرام وقع على نفس الرجل الأول الذي زارك. لو قلت مثلاً: «جاءني رجل وأكرمت رجلًا ودرست مع رجل»، ماذا تفهم من هذه الجمل؟ هل تفهم أن الرجل الذي درست معه هو نفس الرجل الذي أكرمته ونفس الرجل الذي جاءني؟ لا، زرت رجلًا، ثم أكرمت رجلًا، ثم درست مع رجل؛ هل الثاني هو عين الأول؟ الله أعلم.
أما لو قلت: «زرت رجلًا فدرست مع الرجل»، أعدت الاسم مرة أخرى بـ (أل) التعريف، فماذا سيفهم السامع؟ سيفهم أن الرجل الثاني الذي درست معه معروف، لأن الاسم رأى (أل) التعريف، فسيفهم أن الرجل الذي درست معه هو عين الرجل الذي زرته. فهذه تسمى "العهد الذكري"، وتسمى دخول (أل) التعريف على الرجل الثاني للعهد الذكري؛ لأن هذا الاسم الذي دخلت عليه (أل) سبق له الذكر في الكلام السابق.
سميت عهدًا ذكريًا لأن هذا الاسم الذي أدخلت عليه له ذكر في الكلام سبق له. أنا قلت: «زرت رجلًا فأكرمت الرجل» أو «زرت رجلًا فدرست مع الرجل». فهذه تسمى العهد الذكري؛ لأنها تعود بك إلى العهد السابق، أي تذكر كلمة "رجل" التي ذكرتها في الجملة السابقة، فالرجل نفسه الذي أقصده الآن هو الرجل الذي زارني، وهو الرجل الذي درست معه، وهو الرجل الذي أكرمته.
أيها الأحبة، القاعدة هي: إذا ذكرت اسم النكرة في سياق كلامك، ثم أعدت هذا الاسم مرة أخرى لتثبت له أحكامًا، فعندما تعيده يجب وصله بـ (أل)؛ حتى يعرف السامع أنك أردت بالثاني عين الأول لا فردًا آخر. واضحة القضية؟
من القرآن الكريم، قال سبحانه وتعالى في سورة المزمل: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ رَسُولًا * فَعَصَىٰ فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل: 15-16]. كلمة «الرسول» الثانية دخلت عليها (أل)؛ لتدل على أن الرسول الذي عصاه فرعون هو الرسول الذي أرسلناه في الآية السابقة، وليس رسولًا آخر. لو قلنا: «كما أرسلنا إلى فرعون رسولًا، فأرسل فرعون رسولًا»، لما فهمت أن الرسول الذي عصاه فرعون هو نفس الرسول الذي أرسلناه، لكن لما جاءت معرفة في كلمة «الرسول» الثانية، استفدنا أنه الرسول الذي جاءه.
ومثل الآية التي ذكرها ابن هشام في سورة النور: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ [النور: 35]. المشكاة هي الفتحة في الحائط، وهذه الفتحة فيها مصباح، والمصباح في زجاجة. ما فائدة (أل) هنا؟ المصباح عاد به الذهن إلى المصباح الذي ذكر في الجملة السابقة والموجود داخل الزجاجة؛ فهذه فائدة العهد الذكري.
أيها الأحبة، لو أردت أن أعطيكم فائدة بلاغية سريعة قبل أن نقوم؛ يجب أن نبني القاعدة: إذا جاء اسم نكرة ثم أعيد معرفة، فالثاني هو عين الأول لا فرد جديد منه، وهذا هو مثال العهد الذكري. أما إذا جاء الاسم نكرة ثم أعيد ذكره مرة أخرى نكرة، فالثاني ليس هو الأول. فإذا قلت: «زرت رجلًا ودرست مع رجل»، فالرجل الذي درست معه ليس هو الرجل الذي زرته. يقول السيوطي رحمه الله في "عقود الجمان": «ما من القواعد المشتهرة...».
تغيروا، وأن يعرف ثاني توافق كلا المعرفين. القاعدة الثالثة: إذا ذكرت اسم المعرفة ثم أعدته معرفة أيضًا، فكذلك الثاني عين الأول. جاء الرجل فأكرمت الرجل؛ المعرفة الثانية هي الأولى عينها.
طبعًا هذه القاعدة الثالثة محل خلاف في الحقيقة؛ اختلفوا في أنه إذا كان هناك معرفة ثم أعدت معرفة، هل الثاني هو عين الأول؟ يمتد الخلاف، لكن كثيرًا من الملاكين ينحو نحو هذه القضية. إذاً هذه القواعد البلاغية سريعة، أريدك أن تطبقها على آية واحدة فقط، ثم ننتقل إلى النوع الثاني من أنواع معرفة العهد الذهني إن شاء الله.
قال سبحانه وتعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: 5-6]. لنبدأ مع كلمة "العسر". العسر الأولى جاءت معرفة، صح؟ لما تكررت في الآية الثانية جاءت معرفة أيضًا؛ العسر الأولى معرفة والعسر الثاني معرفة. إذا بما أنه عندي معرفة تكررت معرفة، فعلى القاعدة التي أخذناها الثاني هو نفس الأول وليس فردًا جديدًا. فبالتالي كم عنصرًا عندنا؟ عنصر واحد، هناك عسر واحد، لأن الثاني هو عين الأول لأن الأول معرفة والثاني جاء معرفة والثاني هو عين الأول.
لننظر في "اليسر": ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾، اليسر نكرة. ممتاز. لما أُعيدت وقررت في الآية الثانية ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ جاءت نكرة مرة أخرى أيضًا، صح؟ بالتالي بما أنه عندي اسم نكرة، فبناءً على القواعد التي أخذناها الثاني ليس عين الأول، بل هو فرد آخر. فعندي يسر في الآية الأولى، وعندي يسر آخر في الآية الثانية. بينما في الآيتين كم عنصرًا عندي؟ العسر واحد، وهناك يسران.
فجاءت القاعدة المشهورة في الآية: "لن يغلب عسر يسرين". من أين يقول العلماء الشرعيون هذه القاعدة؟ من هذا النص القرآني؛ إنه في الآية القرآنية ربنا سبحانه وتعالى يعدنا بيسرين على العسر الواحد، فهناك يسر ويسر من الله سبحانه وتعالى يغلبان عسرًا واحدًا يواجهه. هذه فقط فائدة، أحيانًا بعض الفوائد ليستفيد منها الطالب في حياته التعليمية، خاصة إذا كان طالب لغة، ينبغي أن يقدر ويعرف ويدخل مثل هذه المهارة.
خلص، نريد أن ننتقل إلى التعريف الذي ذكرناه: العهد الذهني. النوع الثاني قال: "العهد الذهني"، وهذا سهل الموضوع. العهد الذهني يكون بيني وبينك أيها الكريم. عهد في رجل معين مثلاً، كنا أنا وإياك البارحة طالعين برحلة، فرأينا رجلًا مثلاً على الشط جالسًا ويمسك كتاب علم ويقرأ، ما نعرفه أنا وإياك. ماشيين على الشط وجدنا رجلًا جالسًا يقرأ كتابًا، جميل. بعد أسبوع التقيت بك، ماذا أقول لك؟ "تعرف الرجل الذي رأيناه على شاطئ البحر قبل أسبوع؟" أو "أتذكر الرجل؟" أو مثلاً أقول: "جاء الرجل الذي رأيناه أنا وإياك على شاطئ البحر قبل أسبوع".
هل هذه "ال" التي دخلت على الرجل قطعًا تدل على رجل معين؟ لأننا قلنا إن "ال" التعريف إذا دخلت على اسم فأصبح الاسم معرفة، والمعرفة تدل على معين. فعندما قلت لك: "رأيت الرجل الذي رأيناه مثلاً الأسبوع الماضي على شاطئ البحر"، هذه دلتك أيها السامع على معين. لازم هذا المعين يكون قد سبق بيني وبينك عهد به، سبق بيني أنا المتكلم وبينك أيها السامع عهد به. حتى عندما تسمع "رأيت الرجل الذي رأيناه البارحة على شاطئ البحر"، ينتقل ذهنك إلى ذاك الرجل المعين مباشرة.
أنا لم أقل لك "رأيت رجلًا"، لو قلت لك "رأيت رجلًا" ما عرفت من رأيت، بينما لما قلت لك "رأيت الرجل" سينتقل ذهنك إلى رجل معين. بالتالي أصبحت كلمة "الرجل" معرفة لأنها تدل على معين. كيف أصبحت معرفة؟ لأنها ذهبت بذهنك إلى رجل معين سبق بيني وبينك معرفة به، فهذا يسمى "ال" العهد الذهني. عندما سمعت أنت هذه الجملة، ذهب ذهنك إلى ذاك الرجل المعين الذي نعرفه أنا وإياك.
عندما أقول لك مثلاً: أنا وإياك رافعان قضية في محكمة شمال عمان، وهناك قاضٍ نتعامل معه أنا وإياك، أنا أذهب إليه وأنت تذهب إليه. فكأننا أنا وإياك جالسين في المجلس فقلت لك: "جاء القاضي"، بدون ما أقول "جاء قاضٍ". أنا أسألك بدون أن يكون حضر، أحسنت، أنا وإياك جالسان وطبعًا هناك قاضٍ معين نتحاكم أمامه، فقلت لك: "جاء القاضي". هذه القصة أوضح من قصة الرجل على الشاطئ.
يجب أن أحسن حكاية القصص كما قلت لك، نيجي على قصة القاضي؛ أنا وإياك نتحاكم عند قاضٍ معين نرفع إليه شكوانا، فإذا رأيتك فقلت لك: "جاء القاضي"، أنت الآن كمستمع، لأنني أنا وإياك عندنا عهد في قاضٍ واحد ما في غيره، عندما قلت لك "جاء القاضي" أين ذهب ذهنك أيها السامع؟ إلى القاضي المعين الذي نتقاضى أمامه أنا وإياك. فبالتالي أصبحت كلمة "جاء القاضي" معرفة، ينطبق عليها حد المعرفة؛ اسم يدل على معين. كيف أصبحت معرفة؟ من خلال "ال" التي دلت على عهد ذهني بين المتكلم والسامع.
بينما لو قلت لك على التلفون: "جاء قاضٍ" من دون "ال"، أنت ما بتعرف مين القاضي الذي جاء، من تقصد؟ هل هو قاضٍ جديد رفعوا لنا شيئًا جديدًا؟ هل هو قاضٍ وجدته في الشارع؟ مين هو؟ لكن لما قلت لك "جاء القاضي"، أنت الذي بيني وبينك عهد في قاضٍ معين، انتقل ذهنك إليه. فهذا يسمى "ال" العهد الذهني.
النوع الثالث قال: "العهد الحضوري". أيها الأحبة، عندما تشير إلى اسم موجود وحاضر أمامك في المجلس، تستخدم العهد الحضوري. متى تستخدمه؟ عندما يكون الاسم الذي تتكلم عنه حاضرًا موجودًا. ندخل على الأسماء النكرة "ال" لتفيد التعريف ويسمى تعريفها "ال" العهد الحضوري، أي أن هذا الاسم الذي أتكلم عنه حاضر موجود، فبالتالي أصبح معرفة بسبب حضوره. وعندما أقول، طبعًا الحضور أيها الأحبة هناك حضور حقيقي وهناك حضور معنوي، يقولون مثال الحضور المعنوي...
ما يتكرر في القرآن الكريم: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾. يقولون: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ هذه ليست للعهد الذكري، لأنه لم يسبق لها ذكر في السياق سابقًا، وليست للعهد الذهني، ليس بينك وبين الله عز وجل عهد ذهني في يوم معين، وإنما يقولون هي للعهد الحضوري.
العهد الحضوري ضابطها أن يصلح تقدير اسم الإشارة قبلها، وهذا ضابط يمكن أن يساعدك فيها. التي للعهد الحضوري هي التي يصلح أن نقدر قبلها اسم الإشارة، فنقول: معنى ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾؛ اليوم يعني هذا اليوم الحاضر الذي تحيونه: أكملنا لكم الدين. هذا اليوم الحاضر نزلت على النبي ﷺ يوم عرفة، يعني هذا اليوم، يوم عرفة المبارك الذي شهده النبي ﷺ وقبله الصحابة، أخبرنا الله أنه أكمل لنا ديننا، فأي يوم؟ هو يوم العهد الحضوري، يعني هذا اليوم بعينه، هذا اليوم الحاضر الذي تحيونه.
هناك شخص يمشي أمامي أنا وإياه، فقلت لك: هذا الرجل مثلا له شأن في المستقبل، هذا الرجل الذي لم يسبق له الذكر بيني وبينك في السياق سابقًا، فجأة، وليس بيني وبينك عهد ذهني، فقط أنا الذي أعرفه، فعندما قلت لك: «هذا الرجل سيكون رجلًا في المستقبل»، التي في «هذا الرجل» هنا للعهد الحضوري، بمعنى هذا الرجل المعين الحاضر أمامي.
مثلًا هناك سيارة في الطريق، فجأة قلت لك: «هذه السيارة جيدة»، كيف أقول هذه السيارة الآن؟ هذه التي دخلت في هذه الجملة، قالوا: هي للعهد الحضوري، لماذا؟ لأنه لم يسبق ذكر للسيارة سابقًا في جمل، حتى عندما أكررها لا أقول والله هذا عهد ذكري، ولا يوجد بيني وبينك عهد ذهني في سيارة معينة، وإنما هناك سيارة رأيتها أنا وإياك في الطريق فجأة فأشرت إليها، فهذه السيارة تسمى للعهد الحضوري؛ لأني هنا أصبح الاسم «السيارة» يدل على معين، وكيف تم التعيين؟ تم التعيين بالعهد الحضوري، بخلاف الجمل السابقة التي كان يتم التعيين فيها بالعهد الذكري أو بالعهد الذهني.
التي في العهد الحضوري يضادها هي التي... لو قلت لي: ما ضابط يا شيخ حتى أفهم؟ تقول إن التي للعهد الحضوري هي التي يكون قبلها اسم الإشارة، أو يصلح أن تقدر قبلها اسم الإشارة. لو أردنا أن نضع لها ضابطًا تقول: التي لا للعهد الحضوري هي التي تجد قبلها اسم الإشارة، مثل: «هذا الرجل»، «هذه السيارة»، أو لا توجد اسم إشارة لكن يصلح تقديره قبلها، مثل: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾؛ أي: هذا اليوم أتممت لكم. فهذه أنواع العهدية: عهد ذكري، وعهد ذهني، وعهد حضوري، وحاولنا أن نجلي معانيه قدر الإمكان بإذن الله.
خلص انتهينا من أنواع العهد، ننتقل للنوع الثاني من التعريفية وهي الجنسية. قال: الجنسية هي التي تفيد إما تعريفًا لحقيقة الجنس، أو تعريفًا لاستغراق أفراد، أو استغراق صفات الجنس. ما معنى التي الجنسية التي تفيد تعريف حقيقة الجنس؟ ذكرنا أيها الأحبة من ضبط معنا درس عالم الجنس وعالم الشخص. قلنا: لماذا وضع النحاة علم الجنس؟ قلنا: علم الجنس وضعه النحاة للحقائق الذهنية، يدل على حقيقة ذهنية معينة، وليس ليدل على الأفراد في الخارج، بشرط أن علم الجنس ما وضعه العرب ليستخدم في حقيقة ذهنية ليدل على الحقيقة الذهنية، ولم يوضع ليدل على الأفراد في الخارج، وإذا استخدم في الأفراد في الخارج فهو استخدام مجازي.
الأصل أن علم الجنس وُضع للحقيقة الذهنية، ومعنى الحقيقة الذهنية أن الإنسان من لما يكون طفلًا صغيرًا حتى يكبر ويموت، كل ما يمشي في هذا العمر يرى شيئًا جديدًا يصبح في ذهنه حقيقة، أو صورة، أو ماهية؛ هي نفس القضية ولكن النحاة أحيانًا يختلفون في العبارات فتتأثر بها، فكلمة حقيقة وكلمة صورة وكلمة ماهية نفس القضية. فالطفل الصغير يرى كأسًا فيصبح في ذهنه حقيقة، أي صورة بهذا الكأس، يرى أسدًا فيصبح في ذهنه حقيقة أو صورة أو ماهية لهذا الأسد، يرى سبورة، يرى مروحة، يرى مخدة، يرى كأسًا؛ المهم فتصبح في ذهنه حقائق ذهنية.
في داخل الدماغ هناك حقائق، يعني صور لملايين الأشياء في الخارج. عندما تموت كم يكون في ذهنك من الحقائق؟ من الصور ملايين؛ لأنك رأيت في عالمك في حياتك ملايين الأشياء، وكل شيء تراه الدماغ ربنا أعطاك قدرة أن يأخذه، نحن نسميه "سكرين شوت" كما تفعلون في الجوالات، تأخذ مقطعًا وتخزنه داخل الذهن، وهكذا فتصبح في داخل الدماغ ملايين الحقائق، ملايين الصور، ملايين الماهيات.
الآن قلنا العرب وضعوا علم الجنس حتى يميز ماهية عن غيرها؛ فوضعوا "أسامة" للحيوان المفترس لهذه الماهية، ووضعوا "ثعل" للحيوان المكار، ووضعوا "ذؤال" للحيوان الخداعة أو الحيوان السريع، ووضعت "أم عليت" للعقرب، هكذا يقولون، وضعت للحشرة التي تسير رويدًا. هي بضعة أسماء للحقائق الموجودة في الذهن حتى تميز حقيقة عن غيرها.
الآن أيها الأحبة، إذا قلنا علم الجنس يدل على حقيقة ذهنية معينة، فالنكرة قلنا وضعت لتدل على ماذا؟ لتدل على فرد غير معين من أفراد الحقيقة الذهنية. قال: لو فهم الطالب أيها الأحبة يستفيد جدًا في فهم كلام العرب وفهم الشريعة. ما الفرق بين النكرة وعلم الجنس؟ النكرة اسم وضع كما عرفوا بالهشام وغيره ليدل على فرد غير معين من أفراد الحقيقة الذهنية، فهي هكذا وضعت ابتداءً، فالنكرة لم توضع للحقيقة الذهنية، بل وضعت لتستخدم في فرد مبهم غير معين من أفراد حقيقة ذهنية.
فحينما أقول: "جاء أسد"، يعني جاء فرد من أفراد الحيوان المفترس، "جاء ثعلب"، يعني جاء فرد من أفراد الحقيقة الذهنية "الحيوان المكار"، "جاء رجل"، يعني جاء فرد من أفراد الذكر البار، "جاء إنسان"، يعني جاء فرد غير معين من أفراد الحيوان الناطق. هذا معنى النكرة. هل يمكن أن ننكر وتدل على الحقيقة الذهنية فقط؟ قلنا حتى تدل النكرة على الحقيقة الذهنية فقط دون الأفراد، يجب إدخال شيء عليها إذا أردنا أن تدل على الحقيقة الذهنية دون الأفراد.
يجب إدخال الـ «أل» النكرة حتى تدل على الحقيقة الذهنية، ودون النظر إلى الأفراد. هذه التي تدخل على النكرة يصبح بها الدلالة على الحقيقة الذهنية دون الأفراد، وهي التي تسمى حقيقة الجنس.
النكرة هي شيء غير معين من أفراد حقيقة ذهنية، فإذا أدخلت عليها «أل» تصبح النكرة -أو هي لا تبقى نكرة إذا أدخلت عليها الـ- حيث أردت أن تدل بها على الحقيقة الذهنية فقط، نقول لك: أدخل عليها «أل» الجنسية، فتصبح النكرة مع إدخال «أل» الجنسية تدل على الحقيقة الذهنية، فتتحول النكرة إلى معرفة.
لماذا ستتحول إلى معرفة؟ لأن النكرة عندما تدل على الحقيقة الذهنية فهي تدل على شيء معين؛ فالنكرة عندما أصبحت تطلق على الحقيقة الذهنية فقط، فهي في المائة تدل على شيء معين، مثل الحيوان المفترس.
وكيف عالم الجنس؟ وكيف الآن عالم الجنس؟ لماذا هو معرفة؟ لأنه يدل على معين أصالة، ما هو؟ الحقيقة الذهنية، لأنك الآن يصعب تصورها بدون تأمل. أنت الآن في ذهنك مئات الحقائق، فعندما أقول: الأسد، فالحقيقة الذهنية للأسد، هنا أنا اخترت حقيقة معينة. فكم حقيقة في ذهنك؟ أنت في ذهنك آلاف مؤلفة من الحقائق.
فعندما تطبق على الواقع الخارجي، عندما تقول: «الرجل»، هنا أتكلم عن واحد معين، سواء كان العهد ذكريًا أو حضوريًا كما تريد، أتكلم عن واحد معين. لو قلت: «رجل»، فهي نكرة لأنها مبهمة، أتكلم عن فرض غير معين، ولو كنت قلت: «الرجل»، عينت واحدًا من ملايين الأشخاص.
ونفس الشيء تريد أن تتخيله في الذهن، أنه في ذهنك آلاف مؤلفة من الحقائق تسبح. عندما قلت: «الأسد»، ذهبت مباشرة إلى واحدة من الجنس، رغم أن هناك آلاف الحقائق الذهنية، فالحقيقة الذهنية كمفهوم نكرة هي حقائق آلاف مؤلفة، وعندما أقول: «الأسد»، هنا عينت حقيقة بحد ذاتها.
فعندما قلت: «الإنسان»، عينت واحدًا، وعندما قلت: «أي حيوان»، فإنه حقيقة بحد ذاته، وعندما قلت: «الرجل»، عينت حقيقة. فالتعيين في «أل» الجنسية التي للحقيقة الذهنية، هو التعيين في داخل الذهن وليس التعيين في الخارج.
هذه أيها الأحبة اهتموا بها، لن تجدها منصوصًا عليها بهذه الطريقة في كتب النحاة؛ فهم يتعاملون ربما مع الأقدمين، يفهمون القضايا بمفهومهم العميق، لكننا للأسف نحتاج إلى عمق في النظر والتحليل حتى نستطيع فهم ما الذي يريده الأقدمون من كلمة ما.
بمعنى: لو خلصت أنت تريد أن تفهم، أي «أل» حقيقة الجنس معرفة؟ الاسم الذي دخلت عليه «أل» حقيقة الجنس معرفة. وما معنى معرفة؟ يعني اسم يدل على معين. كيف شيء قادر على معين؟ قد لا تستطيع تخيل الصورة، أقول لك: يجب أن تحاول أن تستشعر هذا، تستشعر أن التعيين هنا ليس تعيينًا في الخارج كما هو المعتاد، كالرجل أو هذه السيارة أو عصا فرعون، بل التعيين هنا في «أل» التي هي حقيقة الجنس، التعيين عملية تقع في داخل الدماغ.
في دماغك حقائق كثيرة، فعندما قلت: «الأسد»، عينت حقيقة بحد ذاتها دون غيرها، فصار تعيينًا، فصارت «الأسد» تدل على معين، على حقيقة معينة عن سائر الحقائق التي تسبح حولها داخل دماغك. جميل، واضح معنى حقيقة الذهن؟
الآن ننتقل للنوع الثاني، وهو «أل» التي لاستغراق أفراد الجنس. بعض القضايا أطلب من الطالب أن يعيد النظر والتأمل فيها كثيرًا، فالكثير من الطلبة -اسمع هذه المعلومة وسجلها- يكتفون بالحفظ. استنى شوي، انظر وتأمل وأعطِ نفسك فترة من التأمل، إعمال الدماغ حتى تتخمر هذه المعلومة في دماغك، أما هذا الطالب فيسجل ويحفظ من دون تركيز.
يقول الشيخ: افرض الشيخ أخطأ، فالإنسان بعد أن يسير في العلم قد يكون سمع من شيخ من المشايخ شيئًا فخطأ، وصور الموضوع على غلافه، فينبغي للطالب كما رُوي: «إذا كتبتَ قولًا ما، ففتشي عما رويتِ»، هكذا؛ يجمع الطالب، ولكن بعد أن ينقح وينظر ويتأمل ويعرف الصحيح من الفاسد مما يجمعه، وهذه تحتاج إلى طالب علم وليس متسلقًا.
قلة استغراق أفراد الجنس عرضناها لحقيقة الجنس وعرفنا كيف تدل عليها، والآن هناك نوع ثانٍ من «أل» الجنسية وهي «أل» لاستغراق الأفراد. ماذا يعني استغراق الأفراد؟ الله عز وجل يقول: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾، التي لاستغراق أفراد الجنس هي التي تدخل على الأسماء ويكون معناها معنى "كل" لاستغراق الأفراد.
الآن أيها الأحبة، النكرة تدل على فرد، إذا كان مفردًا يدل على فرد من أفراد حقيقة ذهنية، يدل على فرد واحد غير معين من أفراد حقيقة ذهنية؛ حينما أقول: «رأيت رجلًا»، يعني رأيت فردًا غير معين من أفراد الحقيقة، ولم أرَ جميع الأفراد.
وعندما أقول: «رأيت أسدين»، ماذا تفهم منها؟ رأيت اثنين غير معينين من الأفراد، لم أرَ كل الأفراد، بل رأيت فردين غير معينين. وعندما أقول: «رأيت أسودًا» بالتنكير -وهنا المهم توقف عند حالة الجمع- ماذا معناها؟ رأيت جماعة من الأسود غير معينين من أفراد هذه الحقيقة، ولكن هل رأيت جميع أفراد الحقيقة؟ لا، لأنها نكرة.
عندما أقول: «رأيت أسودًا»، يعني رأيت أفرادًا غير معينين من أفراد حقيقة ذهنية، لكن لم أستغرق وأستوعب جميع الأفراد بالنظر. فالجمع النكرة يدل على مجموعة من الأفراد غير المعينة، لكن لا يدل على استيعاب جميع أفراد هذه الحقيقة في الخارج.
أما التي لاستغراق الجنس، فهي التي تدخل على النكرة لتدل على أنك استوعبت جميع الأفراد التي في الخارج. الاستغراقية هي التي تدخل على الاسم النكرة لتدل على أنك استوعبت جميع الأفراد بالحكم وليس بعضها.
هذا الكلام اكتبوه أيها الأحبة؛ لأني أعلم أنكم لن تجدوه مكتوبًا بهذه الطريقة في كتب العلم، إنهم يعلمون هذا في أذهانهم ويدرسونه لطلبتهم، لكن طريقة كتابة المتقدمين طريقة عالية جدًا على الطالب المعاصر، فاحتجت أن أصور المفهوم الذي يريده المتقدم بشكل معاصر قريب لطالب العلم، وكان لابد أن آتي بالمعنى المتقدم ولكن بطريقة صياغة معاصرة، وهذا ينتبه عليه عند تدريس الطلبة؛ ألا تدرس الطالب على ما تفهمه أنت.
فقط إن الطالب اللي أمامك ربما لا يملك المفاتيح التي تملكها أنت، عندما تدرس الطالب عليك أن تصوغ عبارة الإمام المتقدم بطريقة ميسرة سهلة كما يطلب المعاصر. فعندما تقول أنا لدي الاستقرار، هم يقولون هي أنا التي يجوز -إن شاء الله يضبطها- أن تصح أن تحل كل محلها وتمشي الأمور. بس أنا ما بدي إياك تنام بهاي الصورة فقط، إنك بدك تفهم جذر الفكرة؛ أن الاسم النكرة إذا كان مفردًا يدل على فرد غير معين، وإذا كان المثنى يدل على فردين غير معينين، وإذا كان جمعًا يدل على أفراد غير معينة، وبجميع الأحوال لن يستوعب جميع أفراد الجنس.
الاستغراقية هي "أل" التي تدخل على الاسم النكرة لتدل على أن المتكلم قصد استيعاب جميع أفراد الجنس بماذا؟ بالحكم الذي يريده. الحكم يعني بالفعل رأيت، طبعًا هذا مستحيل يصير، يعني مستحيل على الجذر "رأيت" أن تقول رأيت الأسد وتقصد أنك رأيت جميع أفراد الأسد. طبعًا الاستغراقية أيها الأحبة تفيد الاستغراق، قد اكتبوها عندكم لأنها طبعًا في علم أصول الفقه ركزوا عليها، أن الاستغراقية هي التي تخرج اسم النكرة ليدل على أنك تعني جميع الأفراد، سواء دخلت على اسم نكرة مفرد أو جمع.
أين الاستمرارية؟ هذه دوروها عندكم، فائدة جيدة أن الطالب يفهمها الآن. هل للاستغراقية الانتهاء من هشام ما ذكرها؟ قال لي الاستغراقية التي تدخل على نكرة، ممكن تقول يعني مثلًا تأخذ من النكرة هنا من الأعلى، سواء كانت النكرة التي دخلت عليها مفرد أو مثنى أو جمع، فدخول الاستغراقية على المفرد أو المثنى أو الجمع يقولون يبطل معنى الجمعية ومعنى التثنية وتصبح الكلمة على استغراق. طبعًا قضية المثنى يعني احذفوها الآن لأنه فيها خلاف، ما بدي أترك لكم الخلاف الذي فيها، لكن انظروا: إذا كانت النكرة التي دخلت عليها المفرد أو الجمع ودخلت عليه "أل" التي تدخل على النكرة للعموم، في هذه الحالة أصبح معنى المفرد معنى الجمع.
يعني كلمة الأسد والأسود، ما الفرق بين الأسد والأسود من الناحية المعنوية أصالة؟ وإن كانوا يقولون الأسود أقوى من حيث العموم من الأسد، لأن الأسود فيها الاستغراق، حتى هي كلمة جمع ودخل عليها استغراق فهي أقوى من الأسد أنها مفرد ودخل عليها الاستغراق. لكن في النهاية، الأسد والأسود إذا جعلنا "أل" هنا استغراقية، لا فرق بينهما لأنهما كلاهما يستوعبان الجميع.
عليك أيها الأحبة أن تضبطوها وتَعضوا عليها بالنواجذ؛ أن الاسم النكرة إذا دخلت عليه "أل" الاستغراقية، سواء كان هذا الاسم النكرة مفردًا أو كان هذا الاسم النكرة جمعًا، بمجرد دخول "أل" الاستغراقية عليه فالمفرد والجمع لا فرق بينهما؛ لأنه أصبحت الكلمة تدل على جميع الأفراد. فكون أصل هذا المفرد كان مفردًا، أو كان أصل هذه النكرة جمعًا، لا يهمني الآن؛ لأن "أل" الاستغراقية بحت وأصبحت تفيد معنى جديدًا: جميع أفراد الجنس.
فعندما أقول أيها الأحبة مثلًا تلاوة قرآنية حتى أطبق بمثال حقيقي، أفضل خلص ما في قصص كثيرة حتى لا يختبر الطالب. إن الإنسان ﴿لَفِي خُسْرٍ﴾؛ الآن هذه فيها حكم، ربنا حكم على الإنسان أنه في خسارة. طبعًا مستحيل يكون المراد جنس الإنسان، إذا كان جنس الإنسان في خسارة فهي مصيبة، جنس الإنسان كجنس كحقيقة دينية، يقول والله شيخ هذه لها الجنس؟ نقول ولم يرد أن جنس الإنسان في خسارة، الله عز وجل يقول: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: 70]، إذًا ليس جنس الإنسان هو المراد قطعًا، بل المراد مخرج الجنسية. وإن كان البعض يتوسع في تفسيره، لكن العلماء يقولون ليس المراد من حقيقة الجنس.
ما المراد؟ قالوا المراد استغراق، يعني ما فائدة "أل" هنا؟ استغراق جميع أفراد الجنس. طب شف هذه، أكثر وأكثر، إذا كنت تأكل عقيقة، الجنسية ما يصير يعني جنس الإنسان في خسارة. طيب إذا كان ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾، "إن" هنا للاستغراق، أي جميع أفراد الإنسان في خسارة؟ طب مصيبة! يعني نحن نريد الإنسان فنسأل الله العفو والعافية.
إذا قالوا "أل" هنا لاستغراق أفراد هذا الجنس، فكلمة إنسان لو قلت بدون "أل" في جملة خارج القرآن: "إن إنسانًا لفي خسر"، إيش بتستفيد منها؟ أنه في فرد غير معين من أفراد الإنسان سيخسر، بس هذا الذي استفدته، مش الأفراد. بينما لو قلت مثلاً "إن أناساً" -وهذا الجمع الذي يقول ليس على اسم جمع "أناس" بل هو جمع- لو قلت: "إن أناساً لفي خسر" أو "إن رجالاً لفي خسر"، إيش تمكنها؟ أن الرجال بالتنكير أنهم مجموعة من الرجال ومجموعة من أناس ولم أستغرق الجميع. بينما لما ربنا أدخل على إنسان الاستغراقية وأصبحت ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾، إيش أصبح معنا؟ أن أفراد هذه الحقيقة، جميع الأفراد الذين في الخارج من هذه الحقيقة، لفي خسارة. هكذا أصبح معناها، فهذا هو الاستغراق لجميع الأفراد.
طب شيخ أنت تقول إن "أل" هنا استغراقية ولها استغراق، وهي نوع من أنواع التعريفية، والتعريف ما هو؟ هو الاسم الذي يدل على معين، وهذا يدل على جميع الأفراد؟ أقول لك أخي الحبيب: لما أصبح يعم الجميع بالتالي ما عاد في فرد خارج من هذه الأفراد غير مقصود، فبالتالي أصبح معيناً. كيف حدث التعيين في "أل" الاستغراقية؟ أنه أنت لما أردت جميع الأفراد فكأنك في الحقيقة لا تريد الحقيقة الدينية، كأنك تريد الأفراد، أو نقول بما أنك عممت جميع الأفراد بالتالي لا يوجد فرد غير مقصود، فبالتالي جميع الأفراد معين.
صح ولا لا؟ فهذا بوجه التعيين فيها أنها الجميع فلم يعد هناك إبهام. متى يعد الإبهام؟ إذا قلت لك جاء رجل، يصير تفكر هو فلان أو فلان؟ رأيت أسداً، هو فلان؟ رأيت أسدين؟ رأيت أسوداً، من هم؟ وين؟ في غابات أفريقيا ولا في غابات الإسكندنافية؟ لكن عندما أقول "الإنسان" وعلى استغراق جميع أفراده في الخارج، هنا لن يخطر في ذهنك شخص فيهم؛ لأنني أقول لك جميع الأفراد بلا استثناء، فحدث التعيين. إذًا من هذه الجهة أنك أدخلت جميع الأفراد فبالتالي لم يعد هناك إبهام على السامع، لن يتحير السامع ولن يكون هناك الإبهام: المراد فلان أو فلان، فبالتالي أصبح هناك تعيين. فالتعيين أيها الأحبة لا يشترط...
لاحظوا كيف الآن مفهوم التعيين عندك يتوسع. أنت ابتداءً تدل على معين، يعني في شيء معين موجود، هذا معنى التعيين. لكن التعيين كما يكون بالتحديد، يكون بالتعميم؛ احفظ التعيين كما يكون بتخصيص شيء واحد، يكون كذلك بالتعميم بحيث لا يخرج أي فرد. فهذا أيضاً تعيين؛ لأنه إذا استوعبت الجميع بالتالي لن يكون هناك إبهام على السامع يتحير فيه: هو فلان أو فلان، أو هذا أو هذا، لأن الجميع داخل.
جميل يا شيخ، نرجع لموضوع الآية: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾، يعني جميع أفراد هذا الجنس في خسر. نعم، لكن هناك فائدة، وهي أنه قلل الاستغراقية. ميزتها أيها الأحبة: أنه يجوز الاستثناء منها على وجه الحقيقة. يجوز أن تستثني منها؛ لأن معنى "الإنسان" هنا هو الاستغراق، فمن هشام يقول لك: الاستغراقية هي التي لاستغراق الأفراد، وهي التي يجوز حذفها ووضع "كل" مكانها على وجه الحقيقة.
فهنا هذا ضابط لاستغراق الأفراد: يجوز حذف "ال" ووضع "كل" مكانها في الجملة على وجه الحقيقة ويكون المعنى صحيحاً. فلو قلنا بدل "إن الإنسان لفي خسر" إن "كل إنسان لفي خسر"، المعنى صحيح، لا مشكلة. ثم الضابط الثاني الذي يقلل الاستغراقية أنه يصح الاستثناء منها.
ذكر هشام الضابط الأول أنه يجوز حذفها ووضع "كل" مكانها، لكن لم يذكر الضابط الثاني وهو مهم، وهو أنه يصح الاستثناء منها؛ لأنه ما أصلها؟ أن كل إنسان يخصك، بعدين تقدر تستثني منه: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: 3].
إذاً الحمد لله، الآية استبانت؛ هؤلاء الأفراد، الأنواع الأربعة: الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر، هذه الأنواع استثنيناها من الاستغراق. فده أول ما أثبت استغراق لجميع الأفراد، بعدين استثنى منه هذه الأنواع؛ لذلك هذه الصورة هي قصة حياة الإنسان كما يقولون. إن ربنا خلق البشر على وجه الأرض كلهم في خسارة إلا هذا الصنف؛ ليس الذين جمعوا المال، وليس الذين عاشوا بالشهوات، وليس الذين عاشوا بأنفسهم ولم يكن عندهم أهداف وتحقيقات وطموح ودعوة إلى الله عز وجل، وإنما الذي سينجو من هذه الخسارة هم الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر.
هؤلاء الأفراد هم الذين استُثنوا من الاستغراق السابق. فإذاً استغراق الأفراد، ما ضابطه؟ فقل لها ضابطان: الضابط الأول يجوز حذف "ال" التي للاستغراق في الأفراد ووضع "كل" مكانها، والضابط الثاني أنه يصح الاستثناء منها على وجه الحقيقة.
هذه تسمى استغراق الأفراد، حتى أسير على الأخيرة؛ استغراق الصفات. استغراق الصفات فائدتها بلاغية، إعطاء معنى بلاغة عميق للكلمة، وليست على وجه الحقيقة التي لاستغراق الأفراد. الأولى استغراق أفراد جنس، والأخيرة استغراق صفات الجنس.
مثال ذلك: عندك رجل ما شاء الله عليه، شاب ونعم الشباب ونعم الرجال. حينما تضعه يفعل ويتحرك وينشر ويذهب ويأتي ويعود نشيطاً. كانوا يصفون العساكر في دمشق أو في بغداد، كانوا يقولون: "كان ابن عساكر شعلة من نشاط"، وهمته في التعليم والتدريس ونشر العلم والوعي شعلة نار. الرجل المهم، فتأتي لتمدح هذا الإنسان فتقول: "ابن عساكر الرجل".
ماذا يعني؟ تريد أن تبعد قليلاً، هذه الجملة مراد بها المدح. مثل "عنترة"، "خالد بن الوليد الشجاع"؛ خالد رضي الله عنه الشجاع مدح، وأين وجه المدح أيها الأحباب؟ هو مبالغة في المدح، ليس فقط المدح. لماذا يقولون هنا "الرجل"؟ أنت الآن عندما تريد أن تختبر عندك ستة معانٍ: العهد الذكري، والعهد الذهني، والعهد الحضوري الذي هو حقيقة الجنس، واستغراق الأفراد، واستغراق الصفات.
"الرجل" هذه أكيد ليست عهداً ذكرياً، وليست عهداً ذهنياً لأن السياق لا يعتمد العهد الذهني، وليست عهداً حضورياً. إذا خلصنا من العهد، نأتي للجنس. هل هي حقيقة الجزء في العساكر؟ هو حقيقة الرجل، ابن خالد، وحقيقة الشجاع؛ يعني ابن عساكر هو الرجل البالغ. هل تريد أن تصور معناها على أنها حقيقة؟ ليس مراداً أن تخبر عن ابن عساكر أنه بالحقيقة الذهنية رجل بالغ؛ ما في فائدة، ما أنا عارف أنه ذكر بالغ، ولن تستفيد مني شيئاً جديداً.
المعنى مركب؛ أحياناً أيها الأحبة تكون الآية أو النص النبوي يحتمل الحقيقة، لذلك تجدونهم يختلفون. الحمد لله، الهنا لحقيقة الحمد؛ هل هي حقيقة جنس الحمد أم استغراق كل المحامد؟ تأتي الخلافات في التحقيق كثيراً، لكن أنت تريد أن تختبر أي أنسب معنى للسياق. هل هو استغراق أفراد الجنس؟ "ابن عساكر هو كل الرجال"؛ هذا ليس صحيحاً، كيف يكون ابن عساكر كل أفراد جنس الرجال في الخارج؟ برضه استغراق الأفراد مستحيل.
فقالوا: ما المعنى في مثل هذه الجمل؟ قالوا: هذه مبالغة في المدح. فالرجولة لها خصال وصفات موزعة في الناس؛ فلان فيه خصلتان من خصال الرجولة، وتجد رجلاً فيه خمس خصال، وتجد رجلاً فيه خصلة واحدة، وتجد رجلاً الله وكيلك عديم الخصال. المهم أن الرجولة لها خصال وصفات ومعالم، يوجد منها في فلان خصلتان، ويوجد في فلان أربعة، ويوجد في فلان عشرة، ويوجد في فلان مئة.
إذا أردت أن تمدح فلاناً مبالغة في المدح، تقول "فلان الرجل"؛ تريد أن توهم بأن فلاناً استغرق جميع صفات الرجولة المنتشرة والموزعة في غيره. هذا معنى استغراق الصفة؛ أن الرجولة، الشجاعة، الكرم، لها صفات وخصال تدل عليها، وهذه الخصال موزعة في الناس. إذا أردت أن تبالغ في مدح رجل، فتوهم السامع أن هذا الرجل استوعب واستغرق جميع صفات الرجولة التي موزعة في غيره. هذا معنى استغراق الصفات؛ جميع صفات هذه الحقيقة الذهنية.
الآن أيها الأحبة، الحقيقة الذهنية، وسهولة هذه الدائرة عندكم، لها أفراد في الخارج ولها صفات. كلمة إنسان، الحقيقة الذهنية للإنسان هي الحيوان الناطق، صح؟ الحقيقة الذهنية للأسد هي الحيوان...
المفترس. هل سم الحديقة الذهنية؟ هل الحديقة الذهنية لها أفراد في الخارج؟ وهذه العلاقة الدينية لها صفات. رجل حقيقة لها أفراد في الخارج ولها صفات، صح؟ ومعايير، مش كل إنسان تنطبق عليه هذه المعايير وتكون أحيانًا موزعة في الناس. هذا في صفتين من صفات الرجولة، وهذا فيه خمسين، وهذا فيه.
وعلى ذلك، فإن التي بحقيقة الجنس هي التي تأتي للدلالة على الحقيقة الذهنية فقط. التي لاستغراق الأفراد هي التي تأتي لتستغرق الأفراد التي تدخل ضمن هذه الحقيقة جميعهم في الخارج. التي لاستغراق الصفات هي التي تأتي لاستغراق جميع الصفات بهذه الحقيقة الذهنية.
فعندما قلت ابن عساكر الرجل، إيش أريد أنا؟ أن أبالغ في مدحه، فأدلل على أنه استوعب واستغرق جميع صفات الرجولة المنتشرة في غيره. عندما أقول خالد بن الوليد الشجاع، إيش أريد؟ ما أريد الحقيقة الذهنية ولا أريد الأفراد في الخارج، لا ينفع الأفراد أصلًا. أريد أن جميع صفات الشجاعة الموزعة في غيره اجتمعت فيه.
التي لاستغراق الصفات، إيش ضابطها؟ التي لاستغراق الصفات وضابطها تصح حذفها ووضع «كل» مكانها، لكن على وجه المبالغة والمجاز وليس على وجه الحقيقة. فعندما أقول ابن عساكر الرجل، يصح أن أقول ابن عساكر كل رجل؛ نقول هذا يصح ولكن على وجه المبالغة والمجاز. ابن عساكر كل رجل، هو في الحقيقة ليس كل رجل لأنه هو واحد، لكن على وجه المبالغة يجوز أنه كل الصفات التي منتشرة في غيره وجدت فيه. فهذا معنى أنه كل رجل، أنه كل صفات الرجولة المنتشرة في غيره اجتمعت فيه.
هنا أن «كل» توضع مكانها على وجه المجاز، بخلاف التي لاستغراق الأفراد تحذف وتوضع «كل» مكانها على وجه الحقيقة، وأن كل إنسان لفي قصر حقيقة نعلم إلا من استثناه النص. وهذا النوع الذي لاستغراق الصفات تحذف وتوضع «كل» مكانها على وجه المبالغة، ولا يجوز الاستثناء منها. هذا الضابط الثاني؛ بخلاف استغراق الأفراد، فهذه توضع «كل» مكانها على وجه المبالغة ولا يستثنى منها، لأنك أصلاً ما أتيت فيها إلا لتبالغ في مدح الشخص، فإذا استثنيت منها أنت نقضت المبالغة ونقضت المدح. فهذه لا يستثنى منها، فلا يجوز أن تقول: «ما من عساكر الرجل إلا زيدان»، أو ينفع «إلا خصلة واحدة»، يعني لا يصح الاستثناء منها لأنها في هذا المدح.
هذه بالأنواع أيها الأحبة. أعود سريعًا إلى صديقنا ابن هشام رحمه الله، ننظر ماذا قال. قال ابن هشام رحمه الله: «تنقسم المعرفة إلى ثلاثة أقسام». هيك انتهينا من معاني، قال له المعرفة الآن هو سيعيد لملمة الكلام وأنا زدت الطاقة المستطاعة. قد تنقسم إلى ثلاثة أقسام، وذلك أنها إما لتعريف العهد، أو لتعريف الجنس، أو للاستغراق. مقسمها تقسيم ثلاثي، أنا قسمتها تقسيمًا ثنائيًا ثم فصلت؛ فأنا قلت هل إما عهدية وإما جنسية؟ ثم قسمت العهدية إلى ثلاثة أقسام، والجنسية إلى ثلاثة أقسام.
إما لتعريف العهد، أو لتعريف الجنس يقصد لتعريف حقيقة الجنس، فيريد لتعريف الجنس الحقيقة الجنسية التي هي النوع الأول من أنواع الجنسية. أو للاستغراق، جعل بنوعيه استغراق الأفراد واستغراق الصفات نوعًا مستقلًا عن الجنسية، ولكن أنت في الحقيقة قل هكذا: الجنسية ثلاثة أنواع؛ حقيقة جنس، استغراق أفراد، استغراق صفات. وفي النهاية هذا تقسيم ولا مجاهدة الاستيلاء إذا اتفق المعنى.
قال ابن هشام في تفصيل ما سبق: «فأما الذي لتعريف العهد فتنقسم قسمين»، لأن العهد إما ذكري وإما ذهني، وأنا أضفت قسمًا ثابتًا في الحقيقة قلت وهناك العهد الحضوري، فأنت أضف هذا القسم الثالث الذي لم يذكره ابن هشام اختصارًا. قال: «فالأول العهد الذكري»، كقولك: اشتريت فرسًا ثم بعت الفرس، واضحة؟ الفرس الأولى نكرة، الثانية معرفة، حتى يدل على أن الفرس الذي بعته هو الفرس الذي اشتريته عينه، أي بعت الفرس المذكور، ولو قلت ثم بعت فرسًا لكان غير الفرس الأول، لو كنت اشتريت فرسًا ثم بعت فرسًا إيش بفهم منك؟ أنك اشتريت فرسًا وبعت فرسًا ثانيًا، ولم يفد أن الثاني هو عين الأول. قال تعالى: ﴿مِصْبَاحُ الزُّجَاجَةِ * كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ [النور: 35]. مصباح المصباح، زجاجة الزجاجة، يذكرها نكرة ثم يعرفها مرة ثانية.
وأما الثاني فهو العهد الذهني، كقولك: جاء القاضي، إذا كان بينك وبين مخاطبك عهد في قاضٍ خاص، زي قضية المحكمة التي سولفنا عنها في الشارع. قال: «وأما الذي لتعريف الجنس»، أي لتعريف حقيقة الجنس، وهو النوع الأول من أنواع الجنسية، كقولك -وذكر مثال ما بدنا أحد يزعل علينا-: «الرجل أفضل من المرأة». يريد الحقيقة الذهنية، لا يتكلم عن أفراد في الخارج، أنه سيبين أن الأفراد لا ينفع فيهم هذا المثال، لأن النساء كثير منهم أزلم من الرجال برضه.
طيب، «الرجل أفضل من المرأة»، الرجل يعني هذه الحقيقة الذهنية التي هي الذكر البالغ أفضل من الحقيقة الذهنية التي هي الأنثى البالغة. إذا لم نرد به رجلًا بعينه ولا امرأة بعينه، هذا لا نتكلم عن أفراد، وإنما أراد أن هذا الجنس، يعني هذه الحقيقة، أني دائمًا ركز لي على الحقيقة من حيث هو، أي من حيث حقيقته الجنس، من حيث حقيقته بدون النظر إلى الأفراد، هذا معنى «من حيث هو»، أي من حيث الحقيقة الذهنية بغض النظر عن الأفراد، أفضل من الجنس من حيث هو، أي من حيث الحقيقة من دون النظر إلى الأفراد.
ولا يصح أن يراد بهذا الأفراد، أي أن كل واحد من الرجال أفضل من كل واحد من النساء، يعني لا يجوز أن تعتبرها استغراق أفراد باختصار، لأن الواقع بخلافه، كثير من النساء أفضل من الرجال. وكذلك يقول لك: «أهل الناس الدينار والدرهم»، ما ينفع تقول والله معناها استغراق الأفراد، تقول أهل الناس كل دينار، وإنما المعنى أن أهل الناس هذا الجنس، الناس أهلهم التعبد للدنانير والدرهم، لهذه الحقيقة الذهنية عبيد، لهذه الصورة حقيقة الدينار في ذهنهم يعبدونه، وكذلك حقيقة الدرهم. وكقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: 30]، جعلنا من هذه الحقيقة الأشياء الحية، ولم يرد التعميم من كل ما لم يرد الاستغراق، وإنما أراد الحقيقة. وهل هذه هي التي يعبر عنها أيضًا بإعطاء أسماء أخرى لها، التي لبيان الماهية، يعني التي هي الحقيقة، والتي لبيان الحقيقة؟ فهي...
ذكر أسماء عجيبة، ولذلك عندما تقرأ في كتب التفسير، بعضهم يعبر عنها بقول: لبيان الحقيقة، قال: لبيان حقيقة الجنس، قال: لبيان المائية، الاسم والمسمى واحد.
قال: وأما التي للاستغراق فعلى قسمين؛ لأن الاستغراق إما أن يكون باعتبار الأفراد، أو باعتبار صفات الأفراد. لاحظ هنا نسبة الصفات إلى الأفراد، هنا على السبورة نسبت الصفات في الحقيقة الذهنية، وقد تكون نسبة الصفات للأفراد منطقية أكثر من كلامي والله أعلم.
قال: فالأول استغراق الأفراد، كقوله تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: 28]، أي كل واحد من جنس الإنسان ضعيف، و﴿خُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾ فعلاً هي على حقيقته، الاستغراق لجميع الأفراد. في إنسان ليس ضعيفاً أيها الأحبة، في إنسان لا يفتقر إلى ربه سبحانه وتعالى، فكل الإنسان ضعيف؛ هذا الاستغراق للأفراد.
والثانية التي لاستغراق الصفات، كقولك: أنت الرجل، أي الذي الجامع لصفات الرجال المحمودة، صفات الرجال المفرقة في غيرك اجتمعت فيك. الآن أراد أن يأتي بالضوابط؛ الأولى يعني ضابط التي لاستغراق الأفراد: أن يصح حلول كل محلها على جهة الحقيقة، فإنه لو قيل: "خلق كل إنسان ضعيفاً" صح ذلك على جهة الحقيقة. وأنا أضفت ضابطاً ثانياً لها، وهو أنه يصح الاستثناء منها، وهذا الضابط يفيدك في علم أصول الفقه؛ أن هذه الاستغراقية التي تدخل على الاسم النكرة تشكل صيغة من صيغ العموم معها الاسم، فيصبح الاسم معها صيغة من صيغ العموم.
والضابط الثاني الذي لاستغراق الصفات: أن يصح حلول كل ما محلها، لكن قال على جهة المجاز، وأضفت أنا المبالغة؛ فإنه لو قيل: "أنت كل رجل" صح ذلك لكن على أي جهة؟ على جهة المبالغة والمجاز. ثم أراد أن ينظر إلى قضية أنه يجوز إدخال "كل" على الجملة على جهة المجاز، أراد أن يثبت جواز إدخال "كل" على الجملة العربية والمراد بها المجاز.
النبي ﷺ قال لأبي سفيان: «كل الصيد في جوف الفراء». ما معنى هذا المثال؟ "كل الصيد في جوف الفراء"، الفراء أيها الأحبة هو الحمار الوحشي، وهذا مثل مشهور عند العرب. قصته كما ذكر ابن الأثير وغيره من أهل العلم أن هناك رجلاً أو مجموعة من الرجال يصطادون، فصاد أحدهم أرنباً، وصاد أحدهم ظبياً، وصاد أحدهم حماراً وحشياً، والفراء هو الحمار الوحشي. فعندما صاد هذا الرجل الفراء قال هذه المقولة: "كل الصيد في جوف الفراء"، يعني كل شيء في بطن هذا الحمار الوحشي، يعني ما فعلتم شيئاً، أنا الذي فعلته. بلغتنا العامية: كل هؤلاء في جيبتهم، مثلما نقول: "كل هؤلاء الشباب في جيبة فلان"، فيضعهم في جيبه الصغير، هكذا يقولون، فهذا معنى "كل الصيد في جوف الفراء"، أنه كل ما جُلب في جوف هذا الفراء هو الحمار الوحشي، فصار كأنه لا يسوى شيئاً.
ودخول "كل" هنا هل هو عن الحقيقة أم على وجه المبالغة؟ هل فعلاً كل الذين صادوا لا يسوون شيئاً؟ لا، هو يسوى؛ فالظبي يا جماعة الخير والأرنب يسوى، لكن على جهة المبالغة، كأنه يقول: أنا الذي قمت بالعملة الممتازة، فكأن كل ما فعلتموه لا شيء. فإدخال "كل" هنا على وجه المبالغة وليس على وجه الحقيقة.
النبي ﷺ من قال هذه الجملة؟ قالها لأبي سفيان بن حرب، جاء يستأذن على النبي ﷺ فأخره النبي عليه الصلاة والسلام، فجاء في خاطر أبي سفيان فعاتب النبي عليه الصلاة والسلام: لماذا أخرتني؟ فالنبي ﷺ أراد أن يخفف من سطوة هذا الأمر على أبي سفيان، فقال: «يا أبا سفيان، كل الصيد في جوف الفراء». أراد بها الكناية، أراد كأنه يريد أن يقول له: أنت يا أبا سفيان رجل عظيم، فكأنه قابل الحمار الوحشي بهذا الرجل العظيم. فإذا أنا منعتك وأخرتك على الباب، فإذا جاء بعدك من عوام الناس وأخرتهم، فلن يجدوا في صدورهم شيئاً، سيقولون: إذا كان أبو سفيان وهو الرجل المعظم قد أخرناه، فنحن من باب أولى أن النبي ﷺ يعذرنا. فالكل يريد أن يقول: يا أبا سفيان، كل الناس في جيبتك، كما نقول في عرفنا "كل الناس في جيبتك"، فأنت الرجل المعظم.
أبو سفيان رضي الله عنه لما سمع هذه الكلمة انبسط فقال: النبي ﷺ يعظمّني. فكأن المعنى: يا أبا سفيان، أنا أفعل ذلك لأنك الرجل الفخم العظيم، فلو أنني أخرتك قليلاً وجعلتك تنتظر على الباب، فمن باب أولى لغيرك لما ينظر هذا النظر، أنه يتعلم أن هذا أبو سفيان قد أخرناه، فمن باب أولى أن ننتظر نحن. فهذا معنى قول النبي ﷺ: «كل الصيد في جوف الفراء».
وكذلك استشهد أيضاً بمثال آخر على المبالغة، وهذه الأمثلة التي يأتي بها ليدل على جواز المبالغة في لسان العرب؛ قول الشاعر: ليس على الله بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد
هذا يدل على أن العرب تستخدم أسلوب المبالغة: "أن يجمع العالم في واحد". هذا مبالغة أيضاً، فهو يريد أن ينفي هذين المثالين، وهو لا يمثل بهما على التي لاستغراق الصفات، بل يمثل على جواز استخدام أسلوب المبالغة في جعل الشيء الكثير مجتمعاً في واحد. أراد أن يدل على أن من أساليب المبالغة عند العرب أن تجمع الشيء الكبير الموزع في شيء واحد على قصد المبالغة. فمثلها إذا قلت: "أنت الرجل"، أي أن جميع صفات الرجولة اجتمعت فيه.
انتقل ابن هشام لقضية نحوية سريعة، أو هي لغوية عفواً، قال: "وأبدال اللام ميم لغة حمير". حمير قبيلة من قبائل اليمن، عندها في لغة أخرى إبدال اللام ميم، وهذه لغة غريبة علينا أيها الأحبة، فبدل "قل" تقول "أم"، لغة حمير إبدال اللام ميم. قال: «وقد تكلم النبي ﷺ بلغتهم»، أي في قوله ﷺ: «ليس من أنبر أم صيام».
في أم سفر غريبة، أليس كذلك؟ ليس من أنبر. ما حكمك هذا؟ "الميم لام وترجم"؛ ليس من البر الصيام في السفر. هذا حديث مشهور بهذه اللغة المشهورة، لكن بهذا اللفظ: "ليس من أنبر أم صيام أم سفر"، في الحقيقة ذكر أهل العلم الحديث عن هذه الرواية ضعيفة. الرواية التي هي باستخدام هذه اللغة، لغة حمير، هذه رواية ضعيفة، والحديث المشهور باللغة المشهورة.
وقال وعليه قول الشاعر: ذلك لخليلي يواصلني ... يرمي ورائي بامسهم وام سليمة
ما معنى "بامسهم وام سليمة"؟ يعني بالسهم بدون تنوين، لأنه هذا يمنع التنوين. يرمي ورائي بام سهمي وام سليمة، ضع مكان الميم لام؛ يعني يرمي ورائي بالسهم والمسلمة. يعني صديقي هو الذي يدافع عني من ورائي، ليس صديقي الذي أنا ألف وجهي عنه فيبدأ يطعن بي، فبدل اللام ضع ميمًا، وله غيره. ليست هذه الفائدة.
أريد أن أذكر اليوم، لا مجال عندي للذهاب سريعًا، وخلاص انتهينا فعليًا من المعارف. النوع السادس من أنواع المعارف: المضاف إلى واحد مما ذكر، المضاف إلى الضمير، إلى العلم، إلى اسم الإشارة، إلى الاسم الموصول، إلى المعرفة. قال: «وهو بحسب ما يضاف إليه». أي من حيث القوة. قال: إلا المضاف إلى الضمير، فكالعادة استثنيناه، فإنه إذا أضيف إلى الضمير يكون في مرتبة العلم من حيث القوة.
قال ابن هشام: النوع السادس من المعارف ما أضيف إلى واحد من الخمسة المذكورة سابقًا، نحو: فلان، وغلام زيد، وغلام هذا، وغلام الذي في الدار، وغلام القاضي. فلو رددته في التعريف كرتبة، أي من حيث القوة، فالمضاف إلى العلم في رتبة العلم، والمضاف إلى الإشارة في رتبة الإشارة، وكذا المضاف إلى الاسم الموصول، إلا المضاف إلى الضمير فليس في رتبة الضمير وإنما في رتبة العلم.
لماذا؟ نحن قلنا لا نريد أن نستبدل هناك، لكن ابن هشام استدل، أراد أن يبين لماذا المضاف إلى الضمير في رتبة العلم وليس في رتبة الضمير؟ قال: دليل على ذلك أنك تقول: «مررت بزيد صاحبك». لأن المشهور عند النحاة أن «صاحبك» هي... أراها نعم. لو كان زيد من حيث القوة يأتي بعد الضمير، لأن العدم يأتي بعد الضمير، لو جعلنا «صاحبك» نعتًا، لكانت «صاحبك» أعرف من «زيد».
لو قلنا إن المضاف إلى الضمير في رتبة الضمير، ستكون «صاحبك» أعرف من «زيد»، لأن «زيد» علم، و«صاحبك» مضاف إليها ضمير، بالتالي سيكون هنا النعت أعرف من المنعوت. قال: «فتصف العلم بالاسم المضاف إلى الضمير». فلو كان الاسم المضاف إلى الضمير في رتبة الضمير لكانت الصفة أي النعت أعرف من المنعوت، وذلك لا يجوز على الأصح في لغة العرب وعند النحاة.
فالصحيح، كما سيأتي بعد، أن النعت لا يجوز أن يكون أعرف من حيث المعرفية من المنعوت. ولا ينسى أن يكون النعت أعرف من حيث المعرفية من المنعوت. وهذه جملة «مررت بزيد صاحبك»، النعت بـ«صاحب» مشهور جدًا عند العرب. فقالوا بما أنه مشهور عند العرب، إذاً العرب لا تجعل المضاف إلى الضمير يثبت الضمير، بل تجعله في رتبة العلم. لذلك أجازوا نعت العلم بالمضاف إلى الضمير، ولو كان المضاف إلى الضمير في رتبة الضمير لما جاز النعت به.
لكن لما رأينا العرب تنعت العلم بالمضاف إلى الضمير، والقاعدة تقول لا يجوز أن يكون النعت أعرف من المنعوت، عرفنا أن المضاف إلى الضمير ليس أعرف من العلم، بل هو في مرتبته. واضح يا أحبة؟ يجب أن أذكر تسلسل القواعد؛ القاعدة تقول: لا يجوز أن يكون النعت أعرف من المنعوت، لا يجوز أن يكون النعت أعرف من المنعوت من حيث القوة. العرب نعتت العلم بالمضاف إلى الضمير، وهذه الفائدة الثانية. لو كان المضاف إلى الضمير أقوى من العلم لأصبح عندنا النعت أعرف من المنعوت وهذا لا يصح.
فالقاعدة الأخيرة إذاً من ذلك، أن المضاف إلى الضمير ليس أقوى من العلم، بل هو في رتبة العلم. هذا هو استدلال ابن هشام، هذا الذي يريده من حيث ترتيب القوة من ناحية ترتيب قواعدي بإذن الله.
إذاً أيها الأحبة، هكذا لو قلنا هنا الكلام عن النكرة والمعرفة من الأسماء. في الدرس القادم بإذن الله سنشرع في بيان الجملة الاسمية ونبدأ رحلة طويلة معها، ثم نعود إلى الجملة الفعلية ونبدأ في بيان أركانها وفضلاتها، حتى نتكلم عن العرب، لأن لسان العرب في النهاية الكلام إما جملة اسمية وإما جملة فعلية. ونسأل الله أن نكون وفقنا في إيصال الأفكار، وأن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل