بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم. أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على رحمة للعالمين، ومحجة للسالكين، وممهد لقواعد الفقه في الدين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا مباركًا إلى يوم الدين.
حياكم الله أيها الأحبة في مجلس جديد من شرح كتاب قطر الندى وظل الصدى للإمام ابن هشام الأنصاري رحمه الله تعالى عليه. وقد انتهينا أيها الأحبة في المجلس الماضي من الحديث عن تقسيم الاسم إلى نكرة ومعرفة، وعرفنا تعريف النكرة وعرفنا تعريف المعرفة وأنواع المعارف الست بتفاصيلها.
واليوم بإذن الله نشرع في قسم جديد من هذا الكتاب، وهو القسم الأهم في النهاية، وهو تقسيم الكلام العربي إلى الجملة الاسمية والجملة الفعلية. كيف نتعامل مع الجملة الاسمية من المبتدأ والخبر، وما هي النواسخ التي تدخل على الجملة الاسمية؟ كيف نتعامل مع الجملة الفعلية وما هي متعلقات الجملة الفعلية: الفاعل، المفعول به، ثم سائر المفاعيل الأخرى؟ ثم بعد ذلك ما يلحق ويتبع من الحال والتمييز والاستثناء إلى آخره.
ثم بعد أن ينتهي الكلام عن الجملة الاسمية ونواسخها، وعن الجملة الفعلية ومتعلقاتها، نعود للحديث عن العوامل. والعوامل الأصل فيها أن أصل العوامل هو الفعل، لكن هناك ما ينوب عن الفعل في العمل وهي المشتقات الخمسة؛ تتكلم عن اسم الفاعل، اسم المفعول، الصفة المشبهة، صيغة المبالغة، واسم التفضيل، كيف تعمل؟ ثم ننهي بالتوابع وأبواب قليلة وينتهي الكتاب بعد ذلك إن شاء الله.
فالآن بدأ إذًا المصنف رحمه الله عليه بالكلام عن الجملة العربية، أو عن الكلام العربي بنوعيه؛ أنه الكلام إما أن يكون -كما ذكر ابن هشام إذا ذكرتهم سابقًا صور تأليف الكلام- إذ ذكر صور تأليف الكلام ستًا. هنا أيها الأحبة نتكلم عن انقسام الجملة العربية، الجملة العربية تنقسم إلى جملة فعلية وجملة اسمية.
وأنا في الحقيقة أحب أن أعطيك تقسيمًا ابتداء؛ نقول أيها الأحبة الكلام عند العرب على تقسيم ذكرناه سابقًا، لكن نحب إعادة تكرار بعض التقاسيم حتى تكون على استحضار الأذهان. الكلام العربي إما أن يكون خبرًا أو إنشاءً، أليس كذلك؟
ما تعريف الكلام؟ هذا مصطلح مهم. الكلام هو القول المفيد؛ أي القول المفيد الذي يحسن السكوت عليه. خذ راحتك، المهم أن تعرف أركانه؛ هو قول مفيد، فائدة يحسن السكوت عليها. هذا الكلام الذي هو القول المفيد الذي يحسن السكوت عليه هو الذي نحتاجه أصلاً في حياتنا العملية.
الكلام ينقسم كما قلنا سابقًا إلى خبر وإلى إنشاء. الخبر ما يحتمل الصدق أو الكذب لذاته، والإنشاء لا يحتمل الصدق والكذب. إذن الكلام إما خبر وإما إنشاء. وسواء كان خبرًا أو إنشاء، فإنه يتكون من جملة اسمية أو جملة فعلية. فمثلاً: «زيدٌ قائمٌ» جملة اسمية خبرية، و«قام زيدٌ» جملة فعلية خبرية. وكذلك الإنشاء، فإما أن يكون جملة اسمية وإما أن يكون جملة فعلية؛ مثل: «أزيدٌ قائمٌ؟» استفهام، فالجملة هنا اسمية إنشائية، و«هل قام زيدٌ؟» جملة فعلية إنشائية.
إذن الكلام ينقسم إلى خبر وإنشاء، والخبر إما أن يكون من الجملة الاسمية وإما من الجملة الفعلية، والإنشاء إما أن يكون من الجملة الاسمية وإما أن يكون بالجملة الفعلية. طبعًا هناك بعض الجمل محيرة كما يقولون، لكنها هي في النهاية إما أن تكون في حكم الجملة الاسمية وإما أن تعتبر في حكم الجملة الفعلية.
مثل جملة النداء: «يا زيدُ». هي محيرة؛ هل هي خبر أم إنشاء؟ هي إنشاء لأنه لا تحتمل الصدق والكذب. أنت تقول: يا شيخ الإنشاء إما جملة اسمية أو جملة فعلية، ولكن «يا زيد»؛ «يا» حرف و«زيد» اسم. نقول «يا زيد» هي في قوة «أدعو زيدًا»، هكذا أصل الجملة؛ حذفت كلمة «أدعو» وأقيمت «يا» النداء مكانها، فإذا عادت إلى أن تكون جملة فعلية، فجملة النداء في حكم الجملة الفعلية.
مثلاً ما سيأتي معنا اليوم أن عندنا ما يسمى المبتدأ والفاعل الذي يسد مسد الخبر، ولن نأخذه هذا اليوم إن شاء الله أو الدرس القادم حسب التفاصيل. فمثلاً: «أقائمٌ زيدٌ؟»، سيأتي معناها أنه قائم، فـ«قائم» مبتدأ، و«زيد» فاعل سد مسد الخبر. فهذه الجملة محيرة؛ فيها مبتدأ وما فيها خبر، وفيها فاعل. هذه نقول في حكم الجملة الفعلية، لكن هي فعلية خبرية أم فعلية إنشائية؟ هي إنشائية؛ لأن الاستفهام دائمًا يكون إنشاءً ولا يكون خبرًا، فـ«أقائمٌ زيدٌ؟» جملة استفهامية، فهي من الإنشاء.
إذن هي إنشائية، لكن هل هي اسمية أم فعلية؟ قد تقول هي اسمية؛ مبتدأ وفاعل، لكننا نرجح حكم الفاعل لأن «قائم» تقوم مقام «يقوم زيد»، فالجملة هذه في أصلها «أيقوم زيد؟»، نحن حذفنا الفعل ووضعنا مكانه صفة تعمل عمله، فـ«أقائمٌ زيدٌ؟» هي في حكم «أيقوم زيدٌ»، فهذه تلحق بالجملة الفعلية. لذلك أنا قلت لكم: الجملة اسمية أو فعلية، أو ما يأخذ حكم الجملة الاسمية وحكم الجملة الفعلية. قد تكون الجملة الاسمية واضحة أمامك أو فعلية واضحة، وقد تكون جملة مؤولة بأحد النوعين.
من الأشياء التي تكون محيرة عند الطالب، أنا أطرح لك أمثلة؛ مثلاً قلت لرجل: «صهٍ»، ما معنى هذا؟ أي اسكت. فهل «صهٍ» إنشائية أم خبرية؟ هي إنشائية مباشرة؛ لأن أي جملة لا تحتمل الصدق والكذب، فإذا قال لك أحد: «اسكت»، فتقول له: «لا أنت لست صادقًا»، ماذا يقول لك؟ «أنا لست صادقًا»، ففي النهاية «صهٍ» إنشائية.
إنشائية ومطلقات إنشائية فعلية واسمية، هي اسم لكنها تعمل عمل الفعل، فنعطيها في حكم الجملة الفعلية؛ لأن لها فاعلاً مستتراً وجوباً، مش قلنا السور التي يستتر فيها الفاعل وجوباً لما تكلمنا عن الضمير المستتر؟
أسماء أفعال الأمر بهذا التحديد، مثلاً لو قلت: «هيهات العقيق»، «هيهات» اسم فعل ماضٍ. «هيهات ما توعدون»، «هيهات» بمعنى بَعُدَ، فهي اسم فعل ماضٍ مبني على الفتح، و«ما» اسم موصول فاعل لاسم الفعل. «هيهات ما توعدون» هل هي إنشائية أم خبرية؟ هي خبرية، لأن هذا اسم فعل ماضٍ، ويقول لك: «ما توعدون» خبر، وممكن تقول لي لا مش صح، فهنا بما أنه اسم فعل ماضٍ فهي خبرية، ولكن في حكم الفعلية؛ لأن اسم الفعل يقوم مقام الفعل في العمل فيأخذ حكم الجملة الفعلية.
أيها الأحبة، قد أطرح لك بعض الأمور التي تكون محيرة عند الطالب، فينبغي للطالب أن يحسن إعادتها إما إلى جملة اسمية أو إلى جملة فعلية، وأغلب ما ذكرناه يعود إلى الجمل الفعلية. باختصار الكلام: ينقسم إلى خبر وإنشاء، والخبر إما أن يؤدى بالجملة الاسمية أو بالجملة الفعلية، والإنشاء إما أن يؤدى بالجملة الاسمية أو بالجملة الفعلية. لذلك، علم النحو يأخذ قسم كبير منه في تحليل الجملة الاسمية وطرقها وما يدخل عليها، وفي الجمل الفعلية مما تتكون وعناصرها وتوابعها، وهذا ما سيشرع فيه ابن هشام -رحمه الله-؛ حيث يبدأ بالجملة الاسمية ثم بعد ذلك يعود إلى الجملة الفعلية.
طبعاً، هل يبدأ بالحديث عن الجملة الاسمية أم الجملة الفعلية؟ هذا خلاف بين النحاة؛ بعض النحاة يختار البدء بالجملة الفعلية فيبدأ يتحدث عن الفاعل وعن توابع الفاعل، وبعض النحاة يذهب إلى الكلام عن الجملة الاسمية فيتحدث عن المبتدأ والخبر ونواسخ المبتدأ والخبر ثم ينتقل للحديث عن الجملة الفعلية. وهذا يعود إلى مسألة خلافية لا أريد أن أطرحها كثيراً: ما هو الأصل؟ المبتدأ أم الفاعل؟ هناك خلاف، من رأى أن الأصل هو المبتدأ، وهذا رأي رئيسي وطائفة بدأت بالجملة الاسمية، ومن رأى أن الأصل هو الفاعل بدأ بالجملة الفعلية، وكل إنسان يأتي بأدلة واستدلالات على ما هو الأصل. هي مجرد إشارة سريعة لوجود خلاف في هذه القضية.
نبدأ بالجملة الاسمية، الأصل فيها المبتدأ والخبر، وسيأتي ما ينوب عن المبتدأ والخبر مثل: «المبتدأ والفاعل سد مسد الخبر»، وذكرناها في الجملة الاسمية، لكن في الحقيقة هي أقرب لأن تكون جملة فعلية من حيث المدلول والمعنى، لكن لأنها تتكون من اسمين أدخلوها ضمن الجملة الاسمية في عملية التصنيف والتدريس. قال رحمه الله: «باب المبتدأ والخبر مرفوعان كـ: ربنا ومحمد صلى الله عليه وسلم نبينا».
سيبدأ ابن هشام -رحمه الله- بتعريف ما هو المبتدأ وما هو الخبر، فبدأ بتعريف المبتدأ فقال: «المبتدأ هو الاسم المجرد عن العوامل اللفظية للإسناد». كم ركناً في هذا التعريف؟ قال: «المبتدأ هو الاسم»، هذا القيد الأول، «المجرد عن العوامل اللفظية»، هذا القيد الثاني، «للإسناد»، هذا القيد الثالث. إذاً عندما نريد شرح هذا التعريف، يجب أن نشرح ثلاثة قيود: الاسم، والمجرد عن العوامل اللفظية، والإسناد.
المبتدأ هو الاسم، إذاً المبتدأ ليس فعلاً، فإذا رأيت طالباً يعرب فعلاً بأنه مبتدأ فمعناه أن هذا الطالب ليس فاهماً لباب المبتدأ والخبر. المبتدأ اسم، لكن المبتدأ إذا جاء اسماً فإما أن يكون اسماً صريحاً مباشراً أمامك، وإما أن يكون اسماً غير صريح، ويقصدون بالاسم غير الصريح "المؤول"، وأظن كلمة المصادر المؤولة أصبحت واضحة لدى طالب العلم.
المصدر المؤول هو عبارة عن حرف مصدري وما بعده، والحروف المصدرية خمسة: (أنْ، وأَنَّ، وكَيْ، ولَوْ، ومَا) الحرفية. أي حرف مصدري من هذه الحروف مع ما بعده يؤول بمصدر مؤول، وهذا المصدر المؤول نسميه اسماً غير صريح، وأصله مصادر، لكنها أسماء غير صريحة؛ لأنك ابتداءً لا ترى مصدراً أمامك، أنت ترى حرفاً مصدرياً وبعده فعل، فتنتج من الحرف المصدري مع الفعل مصدراً مؤولاً تقدره في نفسك.
فمثال الاسم الصريح كما قلنا: «زيدٌ قائمٌ»، «السماءُ فوقنا»، «العلمُ نافعٌ»، كل هذه أسماء صريحة. ومثال الاسم غير الصريح الذي جاء مصدراً مؤولاً مثل قوله تعالى: ﴿وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: 184]. «أنْ» حرف مصدري، و«تصوموا» فعل مضارع منصوب وعلامة نصبه حذف النون لأنه من الأفعال الخمسة، والمصدر المؤول من «أن» والفعل المضارع تقديره «صيامكم»، فـ«صيامكم» هذا المصدر المؤول في محل رفع مبتدأ.
نحن قلنا المصادر المؤولة مما لها محل من الإعراب، تدخل ضمن الإعراب المحلي. المعلومات القديمة يجب أن تبني عليها شيئاً فشيئاً؛ فبعد أن عرفنا معنى المصدر المؤول وعرفنا سابقاً أنه مما له محل من الإعراب، الآن نبدأ بالممارسة. فالطالب الذي ضبط المعلومات الابتدائية يبدأ بالبناء عليها، أما إذا كان الطالب لا يعرف معنى المصدر المؤول، ولم يضبط أن المصدر المؤول مما له محل من الإعراب، فسيغلبنا.
فلا بد من الضبط السابق للمعلومات السابقة التي ذكرناها ابتداء. فنقول إذا: ﴿وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ﴾، أين المبتدأ؟ نقول المبتدأ اسم غير صريح، أين هو؟ نقول المصدر المؤول الناتج من دمج "أن" مع "تصوم". فتقدير "أن تصوموا خير لكم" أي: صيامكم خير لكم.
لذلك قال ابن هشام في بيان القيد الأول: "الاسم جنس"، الآن كلمة جنس وفصل هذا -أيها الأحبة، يفهمها الطالب الذي درس المنطق بهذه الطريقة، المناطقة في التعاريف أن أول كلمة في التعريف تكون جنساً ثم يأتي فصل، وهذه الفصول قد تتكرر: فصل أول، فصل ثاني، ولكن أنت من هنا لا تحتاج كثيراً، إذا لم تفهم كلمة جنس فلا يهمني".
قال: "الاسم جنس، الصريح كزيد في نحو: زيد قائم، والمؤول بالمؤول بالصريح نحو: ﴿وَأَن تَصُومُوا﴾ في قوله تعالى: ﴿وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ﴾، فإنه مبتدأ مخبر عنه بخبر". يعني "أن تصوموا" مبتدأ، لكن أين المبتدأ؟ تقول المصدر المؤول هو المبتدأ، وأخبر هنا بخبر وهو قوله سبحانه وتعالى: ﴿خَيْرٌ لَّكُمْ﴾.
الآن نذهب إلى القيد الثاني؛ ماذا قال؟ "المجرد عن العوامل اللفظية". وخرج بالمجرد نحو "زيد" في قولك: "كان زيد عالماً". المبتدأ ميزته أيها الأحبة أنه اسم مجرد من عوامل لفظية، لم يتسلط عليه أي عامل لفظي. يعني لفظي ملفوظ موجود في السياق لم يتسلط عليه أي عامل لفظي.
قال: "المجرد"، فمثلاً في "كان زيد عالماً"، هل نستطيع أن نقول "زيد" هنا مبتدأ؟ نقول لا؛ لأنه تسلط عليها عامل لفظي وهو "كان". طيب، "إن زيداً عالماً"، ممكن تقول "زيدان" مبتدأ؟ لا، تسلط عليها عامل لفظي. إذاً لا، المبتدأ لازم يكون مجرداً من العوامل اللفظية.
طبعاً بدك تنتبه لما يكون مجرداً من العوامل اللفظية، يعني ليس بالضرورة أن المبتدأ لا يكون مسبوقاً بأي شيء، ممكن يكون مسبوقاً بحرف أو أداة لكن أداة لا تعمل فيه. يعني أنت ممكن تقول: "ما زيدٌ قائمٌ" على أنه مثلاً "ما" تميمية غير عاملة -التي ستأتي معنا- أما "ما" الحجازية فتعمل عمل "ليس" في المتشبهات بـ "ليس". إذا اعتبرنا "ما" أداة نفي غير عاملة على رأي التميميين، قلت: "ما زيدٌ قائمٌ"، تكون "ما" أداة نفي، و"زيد" مبتدأ، و"قائم" خبر. الآن "زيد" هنا قبلها أداة نافية وهي "ما" في صدر الجملة، لكن هذه الأداة لا تعمل فيها شيئاً، فنقول إذا في النهاية: "زيدٌ مجرد عن العوامل اللفظية".
فلا أريدك أن تفهم أن "المجرد عن العوامل اللفظية" يعني ألا يكون قبلها أبداً أي شيء، لا، ممكن يكون قبلها شيء، لكن المهم أن يكون شيئاً لا يعمل فيها. "لولا محمدٌ قائمٌ" أو "لولا محمدٌ موجودٌ لأكرمته سعداً"، هذا "محمد" مبتدأ و"موجود" خبر، وقبل "محمد" كلمة "لولا"، لكن "لولا" لا تعمل في "محمد" شيئاً، فليس هناك مشكلة. إذاً المبتدأ أهم شيء أن يكون مجرداً عن العوامل اللفظية، المجرد عن الأداة التي تسبقه وتعمل فيه، هذا هو المهم. لذلك خرج بالمجرد نحو "زيد" في "كان زيد عالماً"، فإنه لم يتجرد عن العوامل اللفظية.
الآن، لماذا قال "العوامل اللفظية"؟ وقيد العامل بأنه لفظي؛ لأن المبتدأ لا يجوز أن يتجرد من العوامل مطلقاً، إذاً لا بد أن يكون هناك عامل معنوي يعمل فيه، لذلك قيد العوامل التي تجرد عنها بالعوامل اللفظية ليدلل على أن المبتدأ الآن مرفوع. وصحيح، وأي إعراب قلنا؟ فلسفة الإعراب: أثر ظاهر أو مقدر يجلبه العامل. والمبتدأ إذا كان مرفوعاً فإكيد إعرابه جاءه عامل. أنت نفيت العوامل اللفظية إذاً لا بد أن يكون هناك عامل معنوي.
فنقول المبتدأ، أيها الأحبة، الذي رفعه عامل معنوي هو "ما الابتداء"، يعني مجرد أنه وقع في البداية، في ابتداء الجملة، هذا بحد ذاته هو العامل الذي رفعه. وهذا هو العامل المعنوي الثاني الذي يمر معنا. ما هو العامل الأول الذي مر معنا؟ الفعل المضارع. وتلاحظوا التشابه؛ فالفعل المضارع المرفوع رفع بسبب التجرد من العوامل الناصبة والجازمة، والمبتدأ رفع بسبب الابتداء؛ لأنه وقع في البداية ولم يسبق بعامل لفظي يعمل فيه.
إذاً المبتدأ يستحيل أن يتجرد من العوامل مطلقاً، ويتجرد فقط عن العوامل اللفظية، يعني لا توجد كلمة قبله تعمل فيه، لكن يوجد شيء معنوي مقدر يعمل فيه؛ فمن الضروري أن يكون هناك عامل في النهاية. ما الذي يجعل المبتدأ مرفوعاً؟ تقول: عامل معنوي هو الابتداء. لذلك قيد العوامل باللفظية حتى يتحرص على العوامل المعنوية، لأنه لا يتجرد عنها أبداً.
القيد الثالث والأخير، ماذا قال؟ "للإسناد". الآن كلمة "للإسناد" أراد بها أن يبين الغرض من الإتيان بالمبتدأ؛ فكلمة الإسناد في التعريف ما فائدة القيد الثالث والأخير؟ أراد أن يبين الغرض والمقصود من الإتيان بالمبتدأ، لماذا نأتي بالمبتدأ؟ قال: "للإسناد"، فهذه اللام لام التعليل؛ أي أن هذا اسم مجرد عن العوامل اللفظية، ما فائدته؟ من أجل أي شيء أُتي به؟ قال: "للإسناد".
لاحظوا أنه استخدم كلمة "للإسناد"، ذكي ابن هشام؛ لم يقل "الاسم مجرد عن العوامل اللفظية المسند إليه"، مع أنه عادة المبتدأ يكون مسنداً إليه، لكن في صورة يكون فيها المبتدأ هو المسند وليس المسند إليه، وسيأتي معنا، فأراد أن يأتي بعبارة تشمل الصورتين، فأتى بعبارة عامة تشمل الصورتين.
الآن أيها الأحبة، "المسند" و"المسند إليه" هي مجرد مهارات سريعة، هذه الألفاظ يستخدمها عادة البلاغيون؛ المسند إليه هو المحكوم عليه، وما هو المحكوم عليه في الجملة؟ والمسند هو الحكم. المحكوم عليه يسمى مسنداً إليه، والحكم في الجملة يسمى مسنداً. وأنت أي جملة، سواء كانت جملة اسمية أو جملة فعلية، هي عبارة عن حكم ومحكوم عليه.
الآن البلاغيون يسمون الحكم "مسنداً" ويسمون المحكوم عليه "مسنداً إليه"، أما الأصوليون فيسمون الحكم "حكماً" وهذا دأب الأصولي، ويسمون الشيء الذي وقع عليه الحكم "محكوماً عليه"، هذا التعبير بلاغي، أما هذا التعبير فأصولي؛ أصحاب علم أصول الفقه. والمنطقيون، ومن يتذكر معنى تسميتهم، أخذناه حتى في أساسيات المنطق، يقول المنطقيون: المسند هو "المحمول"، والمحكوم عليه يسمونه "الموضوع"، هذا تعبير منطقي.
لاحظ: هذا تعبير بلاغي، هذا تعبير أصولي، هذا تعبير منطقي. أما النحوي فليس عنده إلا أن يسمي المسند، وهذا الذي يهمنا الآن؛ المسند إما خبر أو فعل، وفي حالة ثالثة -التي سنذكرها في المبتدأ عفواً- المسند إما الخبر وإما الفعل، أما الفاعل فهو مسند إليه.
عند النحاة، أيها الأحبة، في الجملة الاسمية المسند -الذي هو الحكم، أو المحمول عند المناطقة يسميه النحويين إيش؟ الخبر- هذا في الجملة الاسمية، المسند هو الخبر. وفي الجملة الفعلية، المسند هو الحكم، والحكم في الجملة الفعلية في الفعل.
لكن هناك صورة ثالثة عند النحاة يكون فيها المسند هو المبتدأ؛ متى يكون المبتدأ مسندًا؟ إذا رفع فاعلًا، مثل: «أقائمٌ زيدٌ؟». هذه الحالة الثالثة تُذكر في الكتب المتوسطة، أما الكتب القصيرة فلا تقول لك إياها، بل تقول لك: «لا يوجد مبتدأ يرفع فاعلًا»، فتقول: «يا شيخ، مبتدأ يرفع فاعلًا؟». هذه سنعلمها إن شاء الله مع ابن هشام.
فعندنا حالة ثالثة للمسند، وهذا كله تقسيم. البلاغة لا يهمها التقسيم النحوي، البلاغة تقول لك: «أنا يهمني أعطني المسند والمسند إليه»، ولا يهمني الإعراب. والمنطق يقول له: «حدد لي الموضوع والمحمول». أما النحو فهو الذي يفصل هذا التفصيل؛ فيقول المسند في الجملة الاسمية هو الخبر، وفي الجملة الفعلية هو الفعل. لكن هناك صورة ثالثة، وهو أن يكون المسند هو المبتدأ، وهذا يكون إذا كان المبتدأ رفع فاعلًا.
لأنك لم تدرس أو تتعلم قبل قليل أن المبتدأ إذا رفع فاعلًا أصبحت هذه الجملة في حكم الجملة الفعلية؛ ففي الحقيقة المبتدأ إذا رفع فاعلًا مثل «قائمٌ زيدٌ» هي في معنى الجملة الفعلية، فأصبحت «أقائمٌ زيدٌ» مثلها مثل «قام زيدٌ». الآن لو عندي جملة فعلية، أين المسند؟ الفعل، حكينا صح؟ فـ «أقائمٌ زيدٌ» هي في قوة «أقام زيدٌ». لكن نقول إنه قائم مبتدأ وزيد فاعل سد مسد الخبر، فقائم تصبح هي المسند.
إذاً، لماذا أفصل في المسند؟ أنا سأترك التعبير المنطقي الآن، لأن ابن هشام استخدم كلمة «الإسناد». أنا أريدك أن تعرف أن الإسناد يتكون من عنصرين: مسند ومسند إليه. المسند هو الحكم الموجود في الجملة الذي حكمت فيه، والمسند إليه هو المحكوم عليه.
عند النحاة، المسند في الجملة الاسمية هو الخبر؛ فإني عندما أقول: «زيدٌ نشيطٌ»، أين الحكم؟ «نشيطٌ» هي الحكم، فهي الخبر. وفي «زيدٌ قائمٌ»، الحكم هو «قائم»، فهو المسند. وفي الجملة الفعلية، المسند هو الفعل والفاعل، مثل: «قام زيدٌ» أو «جاء بكرٌ»، أين الحكم؟ «قام» و«جاء»، إذاً هو الفعل، فهو المسند.
في الحالة الثالثة، التي أركز عليها وأوضحها لك لأنها جديدة على طالب العلم، ممكن يكون المسند -الذي هو الحكم- هو المبتدأ. الأصل أننا نفهم يا شيخ أن الحكم في الجملة الاسمية هو الخبر، لكن ممكن يكون الحكم بالعكس، يكون هو المبتدأ. هذه حالة صحيحة، ليست كثيرة الورود، لكنها موجودة وفصيحة في اللسان العربي؛ وهي أن المبتدأ في بعض الأحيان لا يأخذ خبرًا، بل يأخذ فاعلًا، وسيأتي ابن هشام ويذكرها.
إذا أخذ المبتدأ فاعلًا بالشروط التي سيذكرها ابن هشام، أصبح هذا المبتدأ كأنه جملة فعلية من فعل وفاعل. وفي الجملة الفعلية الحكم هو الفعل، بالتالي الجملة الاسمية التي فيها مبتدأ وفاعل سيكون الحكم فيها -وهو المسند- هو المبتدأ.
فلذلك أيها الأحبة، نعيد الترتيب باختصار: إذا كانت الجملة الاسمية على طبيعتها من مبتدأ وخبر، قلنا الخبر يكون هو المسند، وبالتالي يكون المبتدأ هو المسند إليه. أما إذا كان المبتدأ قد أخذ فاعلًا، يصبح المبتدأ هو المسند، والفاعل الذي رفعه -وهو زيد- يكون هو المسند إليه.
اتضح معنا من خلال هذا التفصيل أن المبتدأ أحيانًا يأتي مسندًا إليه، وهي الحالة الطبيعية، وأحيانًا يأتي المبتدأ مسندًا. وابن هشام ذكي؛ لما جاء لتعريف المبتدأ قال: «الاسم المجرد عن العوامل اللفظية للإسناد»، ليشتمل على الحالتين: سواء كان مسندًا إليه في الحالة الطبيعية (حيث يكون الخبر هو المسند)، أو كان المبتدأ هو المسند في الحالة الاستثنائية إذا رفع فاعلًا.
أنا أريدك أن تفهم لماذا قال «للإسناد» ولم يقل «المسند إليه»؟ لأنه لو قال «المسند إليه» لأخرج المبتدأ عندما يكون مسندًا. فابن هشام يريد أن يأتي بتعريف جامع يشمل كل صور المبتدأ؛ فقد يكون المبتدأ مسندًا إليه إذا أخذ خبرًا، وقد يكون المبتدأ مسندًا إذا أخذ فاعلًا. هل وضحت القضية أيها الأحبة؟
ابن هشام -رحمه الله- لما قال المبتدأ هو «الاسم المجرد عن العوامل اللفظية للإسناد»، أراد أن يدخل المبتدأ إذا كان مسندًا إليه، ويدخل المبتدأ إذا كان مسندًا.
طيب أيها الأحبة، إذا كان هناك اسم مجرد عن العوامل اللفظية ولكن ليس فيه إسناد أصلاً؟ مثل ماذا؟ تعرفون عندما يكون هناك سباق للأطفال الصغار، ماذا يبدأ المنظم بقوله؟ «واحد، اثنين، ثلاثة...» ثم يكرر «واحد، اثنين، ثلاثة». كلمة «واحد» هنا اسم مجرد عن العوامل اللفظية، لكن لا يوجد إسناد؛ لأنها مجرد ألفاظ مفردة معدودة. فلا يصح لو قال لك شخص: «يا شيخ، ما هو قول هذا العالم: واحد، اثنين، ثلاثة؟»، أقول له: لا أستطيع أن أعرضها لك؛ لأن «واحد» ليست إسنادًا.
كلمة واحدة، بقول واحد، اثنين، ثلاثة، صح؟ واحد اسم، صح، اسم ومجرد عن العوامل اللفظية، ما أتى قبلها شيء، لكن ما في إسناد، يعني ما حُكم على الواحد بشيء ولا هي محكوم عليها بشيء، هي مجرد عد أرقام. فالأرقام لما تُعد هي أسماء مجردة عن العوامل اللفظية لكن لا يوجد إسناد، فبالتالي لا يمكن أن تُعرب مبتدأ.
لذلك هذا طَرَز منه ابن هشام حين قال: «ونحو ذلك قولك في العدد واحد اثنان ثلاثة فإنها -أي هذه الكلمات- وإن تجردت». هي أسماء مجردة عن العوامل اللفظية لكن لا إسناد فيها، لا يوجد أصلاً فيها إسناد. بس لاحظوا هنا عبارة ابن هشام متداخلة مع ما قبله، فإن أرادنا -بإجتهاد الشخص الضعيف- تحتاج إلى إعادة صياغة؛ لأنه لما الطالب يقرأ: «وخرج بالمجرد أي على اللفظي نحو زيد في كان زيد عالماً»، فإنه لم يتجرد عن العوامل اللفظية.
صح هيك؟ بعدين قال: «ونحو ذلك قولك في العدد»، دخل في شيء ثاني مباشرة وأنت مش منتبه، فلو قال: «وخرج بقولنا للإسناد»، لو قال هيك أفضل. لو قال: «وخرج بقولنا للإسناد العدد في قولك واحد اثنان ثلاثة فإنها وإن تجردت»، لكن لا إسناد فيها، تكون العبارة أوضح لك. فأنت لو بعت صياغتها للعالم، مش تروح تشطب على النص، لا، يعني بقول لك ساكتة حتى تفهم أنه تقول: «وخرج بقولنا للإسناد قولك في العدد واحد اثنان ثلاثة»، اعتبر واحد عم بيعد، فإنها وإن تجردت -أي عن العوامل اللفظية- لكن لا إسناد فيها.
فهو في هذا المقطع أراد أن يبين ما الذي يخرج بالقيد الثالث؟ ما الذي أراد أن يحترز به في القيد الثالث والإسناد؟ ثم بين أن كلمة اثنان يدخل فيها المبتدأ سواء كان مسنداً إليه أو المبتدأ إذا كان مسنداً فقط. ودخل تحت قولنا للإسناد، لاحظ التقسيم الذي قسمته، ودخل تحت قولنا هذا الإسناد ما إذا كان المبتدأ مسنداً إليه، ما بعده، اللي هو الخبر. المبتدأ مسند إليه والخبر هو المسند.
فدخل تحت قولنا بالإسناد ما إذا كان المبتدأ مسنداً إليه، يعني أسندنا إليه ما بعده، إيش راح يكون بعده؟ الخبر، نحو: «زيد قائم»، فزيد أسندنا إليها الخبر، أسندنا إليها الحكم. الثانية قال: «وما إذا كان المبتدأ مسنداً»، اللي هي الحاجة الثانية: مبتدأ مسند. ومتى يكون المبتدأ مسنداً؟ إذا أخذ فاعلاً، نحو قولك: «القائم الزيدان»، فقام المبتدأ لكنه مسند لأنه في حكم الفعل، كأنها «قائم الزيدان» في مرتبة قولك «أيقوم الزيدان»، فكما أنه يقوم الزيدان في الجملة الفعلية، "يقوم" هي المسند، كذلك "القائم" تكون هي المسند.
انتهينا من تعريف المبتدأ أيها الأحبة: اسم مجرد عن العوامل اللفظية أتى للإسناد، ليكون إما مسنداً -وهذا الأصل- أو يكون مسنداً إليه. طيب، الخبر ما هو الخبر؟ والخبر أيها الأحبة لما شرحت على السبورة هل له حالتان، ممكن يأتي مسنداً ومسنداً إليه؟ لا، دايماً هو مسند. الخبر دائماً مسند، ما يكون الخبر مسنداً إليه. شفت المبتدأ يمكن يأتي مسنداً ومسنداً إليه زي ما بينت لكم، لكن الخبر لما قسمت له على السبورة قلت له: لا، الخبر دائماً مسند.
إذا أنتم جملة اسمية فيها خبر، فالخبر دائماً مسند. ليه؟ لأن هو اسمه خبر، إذاً هو دائماً حكم الخبر، لا يكون إلا حكماً، بينما المبتدأ يمكن أن يكون حكماً ويمكن أن يكون محكوماً عليه، أما الخبر لا يكون إلا حكماً، فبالتالي دائماً هو مسند. إذاً ابن هشام لا يشغل في تعريف الخبر، قال: «الخبر هو المسند»، أنا بس أعطاك إياه مباشرة لأنه الخبر، فقول: لماذا الخبر مسند؟ تضع فوقه تقول: لأنه دائماً حكم ولا يكون محكوماً عليه.
إذاً الخبر هو المسند، ثم قال: «الخبر هو المسند»، طيب يا شيخ الفعل مسند، صح ولا لا؟ فلازم يكمل التعريف؛ لأن الخبر مش أي مسند، لا، المسند الذي يأتي مع المبتدأ، لأن الفعل أيضاً هو مسند، لكن يأتي مع الفعل. فبداية قال: «الخبر هو المسند الذي تتم به مع المبتدأ فائدة يحسن السكوت عليها»، فبالتالي يحصل عندي الكلام، هذا هو الذي يريد أن يقوله: الخبر هو المسند الذي تتم به مع المبتدأ.
إيش الفائدة التي يحسن السكوت عليها؟ طيب، فخرج بقول «المسند» إيش؟ قال: أراد أن يحترز عن الفاعل في نحو قولي: «أقائم للزيدان»، لأنه في «قائم للزيدان» مبتدأ، بس اللي بعده ليس خبراً وإنما فاعل كما سيأتي معنا. والزيدان إيش؟ إذا لاحظ ابن هشام إيش يقول، قال: «فخرج بقول المسند الفاعل في نحو أقائم للزيدان»، بس في «أقائم للزيدان» قائم مبتدأ والزيدان فاعل. الزيدان مسند ولا مسند إليه؟ خرج بقوله «المسند الفاعل» في «أقائم للزيدان»، إذاً الفاعل في «أقائم للزيدان» ليس مسنداً؛ لأنه خرج بقول «المسند»، خرج بقول «المسند الفاعل» في «أقائم للزيدان»، إذاً الزيدان ليست مسنداً، هي مسند إليها فاعل.
قال: «فإنه وإن تمت مع المبتدأ الفائدة لكنه مسند إليه». وبقوله «المسند الذي تتم به مع المبتدأ»، وبقوله «مع المبتدأ»، إيش خرج؟ خرج الفعل؛ لأن الفعل مسند، لكنه تتم به الفائدة مع المبتدأ. قال: «وحكم المبتدأ والخبر الرفع». خلاص لا، راح أخلص من تعريفين، ثم قال: «وحكم المبتدأ والخبر الرفع»، لكن المبتدأ ما العامل الذي يرفعه؟ عامل معنوي هو الابتداء. طيب الخبر إيش العامل الذي يرفعه؟ المبتدأ، الخبر الذي رفعه المبتدأ، ورفعه المبتدأ بالابتداء، كذلك رفع الخبر بالمبتدأ.
طبعاً هذا هو القول الراجح عند أكثر المحققين المتأخرين، لكن هناك أقوال أخرى، طبعاً وأنا لا يهمني أن أثير أقوالاً أخرى، فقد يهمني أن يحفظ الطالب أن المبتدأ مرفوع بعامل معنوي وهو الابتداء، وأما الخبر فمرفوع بعامل لفظي مذكور قبله، هو إيش؟ قبله أو بعده، مش مشكلة، كم سيأتي معنا، المهم الخبر مرفوع بعامل لفظي هو المبتدأ.
جميل، انتهينا من الذكرى الأولى وهي التعريف، ننتقل الآن أيها الأحبة سيذكر رحمه الله مجموعة من الأحكام التي تتعلق بالجملة الاسمية. الحكم الأول مثلاً: الجملة الاسمية، المبتدأ هل يجوز أن يكون نكرة؟ ولا لا يجوز أن يكون نكرة؟ سيتكلم عن مسائل التقديم والتأخير بين المبتدأ والخبر، سيتكلم عن مسائل الحذف؛ متى يجوز حذف المبتدأ، متى يجوز حذف الخبر، سيتكلم عن مسائل تعدد الخبر، المهم سيأتي.
يتكلم عن رزمة من المسائل التي تتعلق بالجملة الاسمية، وكثير من هذه الأحكام التي سيتكلم عنها مهمة جدا لأنها تدرس في علم البلاغة بالتفصيل. هنا هو يتحدث لك عن التقديم والتأخير كناحية إعرابية نحوية، لكن لما تأتي لعلم البلاغة ستكتشف أن مسألة التقديم والتأخير لها وقع عظيم في معنى الجملة العربية، ليس الموضوع اعتباطا. كذلك مسألة التحدث في المبتدأ والخبر أو ذكره لها وقع عظيم في اللسان العربي وفي أشعار العرب وفي إعجاز القرآن.
فهو هنا يعطيك قواعد نحوية في التقديم والتأخير وما شابه ذلك، هي الأساس الذي سيبني عليه طالب العلم عندما يدرس البلاغة، فإياك أن تتساهل وتتعرض هنا لمسألة سهلة. صلب اللسان العربي، أصل الجرجاني رحمه الله في دلائل الإعجاز هو يبني بلاغة اللسان العربي ويبني إعجاز القرآن على مبادئ النظم التي أكد عليها وشدد عليها في دلائل الإعجاز؛ والنظم عنده هو كيف ترتب الكلمة في الجملة العربية؟ أين تضعها؟ تضعها في البداية ولا تضعها في النهاية؟ تحذفها أو تذكرها؟ تعطف جملة على جملة أو تفصل؟ ترتيب الكلام وطريقته هو بلاغة العرب، وهو الإعجاز في القرآن الكريم.
المهم هذه القضايا مهمة لكنها الآن تدرس من ناحية نحوية فقط. المسألة الأولى مسألة هل يجوز أن يكون المبتدأ نكرة أم لا؟ ممكن الطالب لما يبوب ويترجم المسألة يعني تتضح عنده لما يأتي يراجعها، فيقول المسألة الأولى: هل يجوز أن يكون المبتدأ نكرة أم لا؟
يجوز؟ ما سبب إيراد هذه المسألة برأيكم؟ سبب إيراد هذه المسألة أيها الأحبة أنه النكرة نحن عرفناها عبارة عن فرد غير معين من جنس، صح؟ في الاسم النكرة نحن قلنا المبتدأ اسم، صح؟ المبتدأ عرفنا أنه اسم، هل يصلح أن يكون المبتدأ اسما نكرة ولا لازم يكون معرفة؟
أصل النظرية هذه ابتداء أن النكرة مبهمة، فرد غير معين، فرد مبهم. والقاعدة العقلية التي تدرس في علم المنطق: "الحكم على الشيء فرع عن تصوره"، أنا ما أحكم على شغلة إلا بعد ما أكون متصورها. بحكي زيد نشيط، بدي أكون عارف من زيد، بعدين بحكم عليه أنه إيش؟ نشيط. الحكم على الشيء فرع عن تصوره، وما يصير يحكم على شيء مجهول، الأصل لما أحكم على شيء بدي أكون هذا الشيء معلوماً بعدين بحكم عليه، أما أحكم على شيء وهو مجهول فهذا خطأ عقلي.
الآن الاسم النكرة هو في حكم المجهول، هو فرد غير معين، فرد مبهم، فالأصل أن لا يجوز أن أخبر عنه بخبر وأحكم عليه بحكم وهو غير معروف لدي ولا لدى السامع. فإذاً الأصل نعم في الحقيقة أن يكون المبتدأ معرفة، لأن المعرفة ما تعريفها؟ هو اللفظ الذي يدل على معين، بما أن المعرفة ما يدل على معين فبالتالي بستطيع أني أحكم عليه، لأنه هنا الاسم معين معروف لدي ولدى السامع، فلما أحكم عليه بحكم السامع ويفهم. أما إذا كان مبتدأ نكرة مبهمة مجهولة، فكيف أنا أحكم على مجهول؟ فهذا أصل النظرية.
فيقولون كما يقول ابن مالك: «ولا يجوز الابتداء بالنكرة»، هذا الأصل، لا يجوز أن يكون المبتدأ نكرة بل لا بد أن يكون اسماً معرفة؛ لأن الحكم على المجهول، أو الحكم على الشيء فرع عن تصوره، لا يسع الحكم عليه. هذه هي الفائدة الأساسية.
الأصل في المبتدأ أن يكون معرفة لا نكرة، في الشرح: الأصل في المبتدأ أن يكون المعرفة لا النكرة، لماذا؟ قال: لأن النكرة مجهولة غالباً. غالباً تكون مجهولة أو الأصل فيها أن تكون مجهولة، والحكم على المجهول لا يفيد، للقاعدة: "الحكم على المجهول لا يفيد"؛ لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره.
لكن هل يمكن أن أحول النكرة إلى معرفة؟ يعني باختصار هل يمكن أن النكرة إذا صارت معرفة خلص صار يصح؟ يحكوا لكن المقصود هل يمكن أن يكون المبتدأ نكرة ويصح ذلك؟ قالوا نعم، يمكن أن يكون مبتدأ نكرة ويصح ذلك لكن بشروط، الأصل عدم جواز ذلك، لكن يجوز أن يأتي المبتدأ النكرة ضمن شروط، هذه الشروط بمحصلتها تجعل النكرة في حكم المعرفة. النكرة الأصل فيها أنها تدل على فرد مبهم، فالأصل أنها لا يجوز أن تكون مبتدأ، لكن إذا وجدت بعض القيود، بعض الشروط في النكرة تصبح بهذه الشروط قريبة من المعرفة، بالتالي حينئذ يصح الابتداء بها.
هذا الذي أراد أن يبينه في هذا الفصل حين قال: «ويقع المبتدأ نكرة بشرط، قال: إن عاماً أو خاصاً». نحن ما في الدار، فعبد مؤمن خير من مشرك، خمس صلوات كتبهن الله. قال في الشريعة الأصل المبتدأ أن يكون معرفة لا نكرة، مجهولة غالباً، لأنه سيأتي معنا كيف يمكن أن نصيّر النكرة إلى شيء قد يكون قريباً من المعروف، قريباً من التعيين.
الآن يقول لك قاعدة النكرة، نحن عرفنا أن الأصل لا يجوز الإخبار بها، لكن متى يصبح جائز الإخبار بها؟ قال: إن أصبحت عامة أو خاصة. نبدأ بالحالة الثانية، النكرة أيها الأحبة كما قلنا تدل على شيء على غير معين، فرد مبهم من أفراد جنس، لكن النكرة إذا خصصت بالوصف عرفت، سواء كان هذا الوصف نعتاً أو كان مضافاً إليه بغض النظر عن طبيعة هذا الوصف.
النكرة متى خصصت بدأ الاشتراك فيها يقل ويتم الاحتمال، فأنا إذا قلت لك: «جاء رجل»، هذه تصدق على كل ذكر بالغ، صح؟ لو قلت لك: «جاء رجل تاجر»، بلشت الدائرة تصغر، رجل إذاً هذا تاجر، مش صنايعي ومش طبيب ولا مهندس ولا كذا. «جاء رجل تاجر يسكن في الأردن»، بلشنا نقلل الدائرة وتصغر أكثر وأكثر. «جاء رجل تاجر يسكن في الأردن في منطقة مثل طبربور أو صويلح»، هنا أيها الأحبة ايش صارت؟ أصغر وأصغر الدائرة.
فلاحظوا أن النكرة يمكن من خلال التخصيص بالوصف أو بالإضافة أن نقلل دائرة الاحتمال فيها، وكلما زاد الوصف كلما قلت دائرة الاشتراك أكثر وأكثر. ممكن أنت من كثرة التقرير، دائرة الاشتراك، مش إحنا في لعبة عنا: اذكر رجل يلا أعطيه صفات فيه حتى أعرفه؟ رجل يسكن في عمان، قللت من الدائرة، حتى في الجامعة على الكمبيوتر إذا بتذكر له أشياء معينة هو بيبدأ يقلل دائرة الاشتراك شوي شوي، رجل من المشاهير.
بسألك سؤال ثاني: يسكن أين؟ تقول مثلاً اسم في أمريكا، بعدين أبدأ وأعطيك سؤال ثالث. في أي دائرة، يعني سينما، بتعطيه، أبدأ، هو آخر شيء كمبيوتر حاله بيعرفها ويسير على هذه القاعدة. أنت تبدأ تعطيه احتمالات وأوصافه تضيق تضيق حتى تصبح هذه الذاكرة قريبة من...
يمكن أنه السابع هي رفع أصلاً. يمكن السامع مباشرة يرفع حتى ولو لم تأتِ بنص المعرفة. تقول والله زيد ولا خالد، فإذا النكرة إذا خصصت تصبح قريبة من المعرفة، فيجوز بالتالي أن يكون الإخبار عنها، وأن تكون مبتدأ. لماذا؟ لأنها أصبحت قريبة من المعرفة بسبب كثرة الأوصاف.
هذه وضحت يا شيخ؛ النكرة إذا خصصت أصبحت قريبة من المعرفة، فهمناها ووضحت. طب النكرة إذا عمت كيف تصبح قريبة من المعرفة؟ هذه أخذناها في الدرس الماضي أيها الأحبة وبيناها لما تكلمنا عن "أل" الاستغراقية. قلنا: ما المعرفة؟ هو اللفظ أو الاسم الذي يدل على معين. وتكلمنا في الدرس الماضي أنه من أنواع التعريفية "أل" لاستغراق الأفراد.
قال: "أل" لاستغراق الأفراد. قلنا كيف يصبح الاسم الذي دخلت عليه "أل" لاستغراق الأفراد معرفة جميع الأفراد؟ يا شيخ عندما أقول "إن الإنسان لفي خسر"، يعني كل أفراد الإنسان له خسر. كيف يصبح الإنسان الذي فيها "أل" لاستغراق الأفراد معرفة تدل على معين؟ قلنا أنت عندما تعم جميع الأفراد بالجنس ولا يخرج أي فرد، أنت في الحقيقة عينت. صح؟ لأنه أنا أقول لك: "كل الطلاب أجاؤوا"، هل في إبهام عليك؟ ولا الآن أصبحت تدل على معين؟ أنه لو أقول لك: "الطلاب كلهم جاؤوا"، أنت مش رح تكون... ومنهم منه هذا ولا هذا؛ لأن أنا أقول لك الكل جاء، فأنت ما في عندك إبهام لأن الجميع حصل، أو الجميع أتى، فأصبحت فعلاً تدل على معين.
لما أقول لك: "إن الإنسان لفي خسر"، "أل" لاستغراق الأفراد يعني أن كل إنسان إلا في خصلة... الإنسان لا تدل على معين، إيش هو المعين؟ جميع الأفراد، ولا يوجد عندك إبهام؛ لأنك مش راح تقول لي: "آه إن الإنسان لفي خسر، والله مين هو بالضبط؟"؛ لأني أنا أقول لك الكل. أنا ما قلت لك جاء رجل نكرة، أو ممكن تقول لي والله رجل ممكن يكون زيد ممكن يكون خالد، لكن لما أقول لك "الإنسان" بـ "أل" الاستغراق هنا، الإنسان تدل على معين، إيش هو المعين؟ كل أفراد الجنس، فهي تدل على المعين وأصبحت معرفة.
فكذلك هذه الفكرة نفسها جيبها وحطها في النكرة إذا عمت؛ النكرة إذا أصبحت صيغة من صيغ العموم فإنها في حكم الاسم الذي دخلت عليه "أل" الاستغراقية، فكأنها في حكم المعرفة. هذه احفظوها أيها الأحبة، الفائدة.
ماذا يكون في علم أصول الفقه كثيراً؟ النكرة إذا أصبحت عامة -وسيأتي معنا كيف تصبح عامة، أصول الفقه بيعرف كيف تصبح النكرة عامة- النكرة إذا أصبحت عامة أصبحت في حكم الاسم المعرف بـ "أل" لاستغراق الأفراد الذي أخذناه في الدرس الماضي، أصبحت في حكمها، فأصبحت كأنها في المعرفة لأنها أصبحت تدل على جميع الأفراد، فلم يعد فيها إبهام.
بسم الله، الآن النكرة متى تعم أيها الأحبة؟ النكرة إذا جاءت في سياق النفي تعم، النكرة إذا جاءت في سياق الاستفهام تعم، أسماء النكرة إذا كانت اسم شرط تعم؛ لذلك أسماء الشروط: "من"، "ما"، "مهما"، "أي"، هذه كليتها نكرات، لكن لماذا يصح الابتداء بها؟ مش أخذناها لما اتكلمنا عن إعراب أسماء الشرط؟ مش قلنا "من" تأتي اسم شرط مبتدأ في أحوال، وفي أكثر الأحوال "مهما" و"ما" مبتدأ؟ طيب كيف يصح الابتداء بها مع أنها نكرة؟ أخذنا أن المعارف كل ما ليس بمعرفة هو نكرة، فأسماء الشرط نكرة، طيب كيف يصح الابتداء بها من تكون مبتدأ؟ وكيف تكون "ما" الشرطية مبتدأ؟ وكيف تكون "مهما" مبتدأ؟ مع أن أسماء الشروط ذكرت أنها عامة من ألفاظ العموم.
فإذاً أيها الأحبة، النكرة إذا جاءت في سياق نفي: "ما رجل قائم"، مثلاً: "ما رجل قائم". أو "من جاءك فأكرمه". النكرة متى أصبحت من ألفاظ العموم؟ أصبحت في حكم المعرفة. فضل رأيي أيها الأحبة أن أتعمد التلفظ بها بهذه الطريقة حتى يتشربها الطالب. أنت لن تجد من يصرح لك بهذا التصريح الذي يقول، لكن أنا أدرك قيمة هذا التصريح للطالب المعاصر حتى يفهم الأمر، على ما يريد المتقدمون. المتقدمون يريدون هذا لكن عبارتهم فخمة، فالطالب ما يترك العبارة "إيش مراد فلان بهذه الكلمة؟"، يسمعها على العامة، لكن خلص أعطها للطالب المعاصر بهذا الوضوح حتى يفهم الصورة كما هي.
النكرة إذا أصبحت عامة أصبحت في حكم المعرفة، أي نوع من أنواع المعرفة؟ أصبحت في حكم "أل" لاستغراق الأفراد؛ لماذا؟ لأن النكرة إذا أصبحت عامة أصبحت تدل على جميع الأفراد، بالتالي ما عاد عندها إبهام؛ لأنك كمتكلم أدخلت جميع الأفراد ولم تخرج أي فرد، فالسامع لن يفهم: "والله أنت قصدت فلاناً أو فلاناً؟"، لأن أنا أقول له ابتداءً قصدت جميع الأفراد، فخلص عنده أمر معين.
طيب يا شيخ، إذا كانت النكرة في سياق النفي أو سياق الاستفهام أو مثل أسماء الشرط في حكم المعرفة، لماذا قالوا مثلاً من المعارف ستة؟ ليش ما أضافوا نوعاً جديداً؟ قالوا من المعارف بعد الضمائر: "أل" إذا وقعت في سياق النفي أو الاستفهام. ليش المعرفة هي الاسم الذي دخلت عليه "أل" الاستغراقية بس؟
الاستشكال وممكن يقول: يا شيخ إذا كانت النكرة في سياق النفي أو في سياق الاستفهام في حكم المعرفة، ومثلها مثل الاسم الذي دخلت عليه "أل" لاستغراق الأفراد، طيب ليه جعلتوا الاسم الذي دخلت عليه "أل" الأفراد من المعارف، والنكرة التي في سياق النفي أو الاستفهام من قبيل النكرات؟ مش ممكن يقول لي: بما أن معناها مثل معنى هذه، "أل" لاستغراق جميع الأفراد، والذكر في سياق النفي أو الاستفهام لاستغراق جميع الأفراد.
نقول: الفرق بينهما هو فرق؛ أن "أل" التي لاستغراق الأفراد هي التي وضعتها العرب أداة للتعريف، وضعتها العرب ابتداءً بقصد تعريف الأسماء، فلذلك عددنا الاسم الذي دخلت عليه "أل" للاستغراق معرفة. لكن العرب لم تضع أسلوب النفي أو الاستفهام لإفادة التعريف في النكرات، وإنما استفادة التعريف للنكرات في هذه الحالة استفادة طارئة وليست أصلية، استفادة طارئة. فالعرب لم تضع النفي ليفيد التعريف، لم تضع الاستفهام ليفيد التعريف للنكرات، لكن أخذنا التعريف من وقوع النكرة في سياق النفي أو الاستفهام، هذه استفادة طارئة، فيبقى الاسم من ناحية نحوية نكرة.
لكن نقول استفدنا منه العموم، والعموم يفيد التعريف لدلالته على الاستغراق، أي استفادة ايش كما قلنا؟ طارئة ليس النفي والاستفهام أتى به ليفيدنا وإنما معرفة طارئة، بخلاف التي للاستغراق؛ فإن العرب أتت بها فداء ووضعتها لهذا القصد.
واضح الكلام أيها الأحبة؟ فإذاً النكرة في سياق النفي، أو في سياق الاستفهام، أو إذا كانت هي بذاتها من صيغ العموم مثل أسماء الشرط، أصبحت أيها الأحبة في حكم المعرفة. فلذلك يصح الابتداء بها؛ لأنها في حكم المعرفة، ولأنها تستغرق جميع الأفراد، واللفظ الذي يستغرق جميع الأفراد يدل على معين.
ويجوز أن يكون المبتدأ نكرة إن كان عاماً أو خاصاً؛ لأنه إذا أصبحت النكرة عامة أو خاصة أصبحت في حكم المعرفة، باختصار هذا معنى الكلام. واضح؟ إذا كانت خاصة كانت في حكم المعرفة، ووضحت لكم إذا كانت عامة كيف تكون في حكم المعرفة. فهناك الفلسفة، فبينوا لكم أيها الأحبة على فهم كلام العرب وصور جذوره.
أنا ممكن أقول لك خلص المبتدأ إذا كان نكرة عامة أو خاصة يجوز الابتداء بها، لكن أنا بدي إياك تفهم لماذا إذا كان المبتدأ نكرة عامة أو خاصة يجوز الابتداء بها؟ وكيف أصبح في حكم المعرفة؟
قال: فالأول مثال على النكرة التي أصبحت عامة، كقولك: «ما رجلٌ في الدار». ليش «رجل» هنا نكرة عامة؟ يلا بسرعة يا عم مشاريع، «ما رجلٌ في الدار»؛ نكرة في سياق النفي، انتهى. «ما رجل في الدار»؛ المبتدأ معناها نكرة، وتقول النكرة هنا عامة تدل على الجميع، لأنها جاءت في سياق النفي؛ هل أي رجل جميع الأفراد مع الله عز وجل يمكن أن يفعل ذلك؟ النكرة هنا عامة لوقوعها في سياق النفي.
والاستفهام أيضاً، اذكروا مثالاً من أسماء الشرط: «مَن جاءك فأكرمه»، هنا المبتدأ نكرة وجاز الابتداء به لأن أسماء الشرط تدل على العموم، هذه حالة ثالثة مهمة خاصة في علم أصول الفقه.
وأما الثاني الذي هو النكرة الخاصة، قال: «والعبدُ مؤمنٌ خيرٌ من مشركِه». «عبد» مبتدأ وهي نكرة، ما الذي سوغ الابتداء بها؟ لازم دائماً تبين لي ما هو المسوغ، وتقول «عبد» هنا خصصت بماذا؟ بالنعت؛ «عبدٌ مؤمنٌ»، «مؤمن» نعت لـ «عبد»، والخبر هو كلمة «خير». فلما وصفت «عبد» ونعتتها وقيدتها بالإيمان قللت الاشتراك؛ لم يقل «عبد» نكرة في الإبهام، لما قال «عبد مؤمن» حصل فيها تخصيص، وحصول التخصيص يقربها من التعريف وإن لم تصبح معرفة بالحقيقة.
وقوله عليه الصلاة والسلام: «خمسُ صلواتٍ كتبهن الله في اليوم والليلة» أيضاً مبتدأ، «خمس» أين الخبر؟ الجملة الفعلية «كتبهن». ما الذي سوغ الابتداء بكلمة «خمس»؟ أنها خصصت بالإضافة هنا. التخصيص ليس ضرورياً أن يكون بالنعت، ممكن يكون بالجار والمجرور، مثل قولك: «رغبةٌ في الخير خيرٌ»، كما قال ابن مالك؛ لأن «رغبة» قيدت بأنها في الخير. المهم أن يحصل تقييد للنكرة بالوصف، أو بالجار والمجرور، أو بالإضافة، المهم أن نحصل لها نوع التخصيص في هذه الحالة الثانية.
قال: «في المبتدأ فيهما خاص لكونه موصوفاً أو مضافاً». وفي الحديث قال، وقد ذكر بعض النحاة بتسويغ الابتداء بالنكرة صوراً، وأحصاها بعض المتأخرين إلى اثنتين وثلاثين موضعاً. يعني لو في الكتب المطولة ستجد في كلامهم: يجوز الابتداء بالنكرة في حالة كذا، وفي حالة كذا، وفي حالة كذا.
سنكتشف في النهاية أن جميع هذه الصور التي يذكرونها تعود إلى شغلتين: إما أن النكرة أصبحت فيها عامة، وإما أن النكرة أصبحت فيها خاصة. أي صورة من الصور في الحقيقة تعود إلى أمرين: إما أن النكرة أصبحت فيها خاصة، يعني تخصيص بالوصف، أو تخصيص بالإضافة، أو تخصيص بالجار والمجرور؛ وإما أن النكرة أصبحت فيها عامة، إما في سياق نفي، أو سياق استفهام، أو أسماء الشرط، أو كما يقول التعجب وما شابه ذلك. فكل الصور لذلك، قال وذكر بعضهم إنها كلها ترجع إلى الخصوص والعموم، فليتأمل ذلك.
لذلك كأن ابن هشام لا يريد أن يجزم مئة بالمئة أن جميع الصور الاثنتين والثلاثين تعود إلى العموم والخصوص، لكن قال: ذكر بعض أقوال المتأخرين أن كل الصور تعود للعموم والخصوص، أنت يا طالب تأمل وانظر فيها، ممكن فعلاً تجد هذا الضابط صحيحاً.
ممتاز، انتهينا من المسألة الأولى؛ أن الأصل أن يكون المبتدأ معرفة ولا يكون نكرة، وعرفنا الفلسفة في ذلك؛ أن المبتدأ محكوم عليه ولا يصح الحكم على المجهول. والنكرة إذا أصبحت يجوز الإخبار بها؟ نعم، إذا أصبحت في حكم المعرفة، ومتى تكون في حكم المعرفة؟ إذا عمت أو خصت.
انتهينا، نذهب الآن لمسألة تتعلق بالخبر. قال: «والخبر جملة لها رابط كزيدٍ أبوه قائمٌ»، «لألبس التقوى ذلك»، «أي الحاقة ما الحاقة»، «وزيدٌ النعمة الرجل إلا في نحو قل هو الله أحد»، ما بدي آخذ، شوفوا المثال الثاني. قال: «وظرفاً منصوباً وجاراً ومجروراً».
الآن لا تقرأ وتقول «والخبر جملة»، هو الآن يعدد أنواع الخبر وليس يقول إن الخبر لازم يكون جملة. الطالب يتسرع ويقول: يا شيخ الخبر هو جملة! لا، هو الآن لما كان في التعريف قال لك الخبر هو المسند، أنت فهمت أن الخبر الأصل فيه أن يكون مفرداً، لكن الآن يريد أن يبين لك صوراً أخرى للخبر؛ أن الخبر ممكن يأتي جملة، وهذا في هذا المتن. وفي النص الذي بعده قال: «وظرفاً منصوباً جاراً ومجروراً»، تلاحظوا من صاد الصادين وراء بعض، فهو الآن يعدد أنواع الخبر.
أيها الأحبة، الخبر لدرس الآجرومية هذه المعلومة واضحة عنده، هي فقط تكرار سريع. الخبر إما أن يكون مفرداً، وكلمة مفرد هنا تقابل ماذا؟ بدي إياك تعرف كلمة مفرد، فالمفرد هو اللفظ الواحد. الأصل في الخبر أن يكون مفرداً، وخلاف الأصل أن يأتي الخبر جملة أو شبه جملة، وإذا كان جملة فالخبر إما أن يكون جملة اسمية.
أو جملة فعلية، وإذا كان الخبر شبه جملة، إما أن يكون ظرفاً أو جاراً ومجروراً. ممتاز، على تقسيم هذه اللائحة أيها الأحبة. الظاهر يضبط أن الخبر إما أن يكون مفرداً، فما هو المفرد؟ زيدٌ قائمٌ؛ قائمٌ مفرد، ليست جملة ولا شبه جملة.
إذا كان الخبر جملة فعلية أو جملة اسمية، فهذا بدنا نشرحه هناك، ما بدنا نستعجل، خلينا مع الشغل حتى لا نستهلك الوقت. إذا كان الخبر مفرداً، فهذا هو الأصل، وهو واضح. لكن سيدنا يتكلم الآن عن الأحوال الثانية: إذا كان الخبر جملة، وإذا كان الخبر شبه جملة.
فنبدأ بالخبر إذا كان جملة. الآن أيها الأحبة، الخبر إذا جاء جملة، ففيه مسألة قريبة من مسألة صلة الموصول. في الدروس الماضية لما تكلمنا عن الاسم الموصول، قلنا لازم بعده تكون هناك جملة صلة الموصول، وهذه الجملة فيها شرط، من أهم الشروط في هذه الجملة أن تحتوي على عائد يعود على الاسم الموصول. في جملة صلة الموصول لازم يكون العائد ضميراً فقط.
الآن في المبتدأ، إذا كان خبره جملة، فلا بد أن تحتوي الجملة التي هي خبر على عائد أو رابط، وهو عادة في جملة الخبر يسمونه رابطاً. لابد أن تحتوي جملة الخبر على رابط يعود على المبتدأ أو يتعلق به. لكن الروابط في جملة الخبر ليست فقط الضمير؛ الضمير هو أحد أنواع الروابط لكن ليس كل الروابط، بخلاف جملة صلة الموصول التي لا يكون الرابط فيها إلا ضميراً.
هل من تفريق بين الأبواب حتى يستطيع الطالب التفريق بينها؟ قال ابن هشام في الشرح: «ويقع الخبر جملة مرتبطة بالمبتدأ برابط من روابط أربعة».
الروابط أربعة؛ ما هي الروابط يا مشايخ؟ الضمير، والاسم المجرور، والإشارة، وإعادة المبتدأ بلفظه، والعموم.
إذا كان الخبر جملة، فلا بد لهذه الجملة أن تحتوي على رابط يعود إلى المبتدأ. والروابط، وأشهرها الضمير، ليست فقط الضمير. قال: «أحدها الضمير، وهو الأصل في الربط». فالأصل في الروابط في باب الخبر هو الضمير.
نبدأ بمثال: «قال زيدٌ أبوه قائمٌ». زيد مبتدأ، «أبوه قائم» جملة. كيف الإعراب؟ زيد مبتدأ أول، «أبوه» مبتدأ ثانٍ، «قائم» خبر للمبتدأ الثاني، وجملة «أبوه قائم» في محل رفع خبر لزيد. هذه الجملة لابد أن تحتوي على عائد، وأين الرابط؟ الضمير في «أبوه»، هذه الهاء تعود على زيد، وهذه الهاء هي التي ربطت «أبوه قائم» بـ«زيد»، فلابد من وجودها هنا. لو كانت «زيدٌ أبٌ قائمٌ» لكانت جملة فاشلة وخاطئة، لأنه لا يوجد عائد رابط يعود على زيد، فبالتالي لا يوجد علاقة بينهما.
الرابط الثاني قال: «الإشارة»، يعني اسم الإشارة ممكن يكون رابطاً. قال تعالى: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف: 26]. «لباس» مبتدأ أول، «التقوى» مضاف إليه، «ذلك» اسم إشارة مبتدأ ثانٍ، «خير» خبر للمبتدأ الثاني، وجملة «ذلك خير» في محل رفع خبر للباس. الآن «ذلك» ما فيها ضمير يعود على «لباس»، لكن فيها اسم إشارة يعود على اللباس وهو «ذلك»، فهنا الرابط جاء عن طريق اسم الإشارة.
الرابط الثالث: «إعادة المبتدأ بلفظه»، يعني يكون عندي مبتدأ، وجملة الخبر كررت المبتدأ بنفس اللفظ. وهذا سياق موجود كثيراً في القرآن الكريم. مثل قوله تعالى: ﴿الْحَاقَّةُ * مَا الْحَاقَّةُ﴾ [الحاقة: 1-2]. «الحاقة» الأولى مبتدأ أول، «ما الحاقة» جملة من مبتدأ ثانٍ وخبر للمبتدأ الثاني، والجملة في محل رفع خبر للمبتدأ الأول. وكذلك: ﴿الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ﴾ [القارعة: 1-2]؛ «القارعة» الأولى مبتدأ أول، وجملة «ما القارعة» في محل رفع خبر للمبتدأ الأول.
هنا يا شيخ، ما هو الرابط الذي يربط جملة الخبر بالمبتدأ؟ لا يوجد ضمير ولا اسم إشارة، فنقول الرابط هو إعادة ذكر المبتدأ في جملة الخبر. فسوّغ ذلك أن تكون الجملة خبرية، والرابط هنا هو تكرار المبتدأ. وقال أيضاً: «إعادة المبتدأ بلفظه»، مثل: «والحاقةُ من حقٍّ»، فالحاقة مبتدأ أول، وما مبتدأ ثانٍ، والحاقة خبر المبتدأ الثاني، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ الأول، والرابط بينهما إعادة المبتدأ بلفظه.
الرابط الرابع والأخير قال: «العموم». ما المراد بالعموم أيها الأحبة؟ قال: نحو «زيدٌ نعم الرجل». «زيد» مبتدأ، «نعم» فعل جامد للثناء مبني على الفتح لا محل له من الإعراب، و«الرجل» فاعل. هذه الجملة في محل رفع خبر لزيد. أين الرابط في جملة «نعم الرجل»؟ الذي ربط هذه الجملة بالمبتدأ هو العموم الموجود في جملة «نعم الرجل»، فهذا العموم يدخل فيه «زيد» الذي هو المبتدأ، فكأن المبتدأ موجود داخل جملة الخبر، كأنك كررت ذكر المبتدأ في الخبر لكن ليس بلفظه.
لأن المبتدأ داخل في ضمن عموم موجود في جملة الخبر. أين العموم في جملة «نعم الرجل»؟ التي في «الرجل» لاستغراق الأفراد، التي في «الرجل» هذه استغراق الأفراد، كأنك تقول: زيد نعم كل رجل، أو نعم كل الرجال. هي التي في «الرجل»، هذه الاستغراق، وزيد هو أحد أفراد الرجال، فزيدنا المبتدأ داخل ضمن عموم الرجل. زيد هو المبتدأ، داخل تحت عموم الاستغراق الذي في «الرجل»، الذي هو استغراق الجنس، وزيد واحد من هذه الأفراد. فكان المبتدأ قد كرر في جملة الخبر، لكن هذه المرة كرر بالمعنى.
في الحاجة الثالثة، المبتدأ كي يكرر بلفظه، في «زيد نعم الرجل»، المبتدأ كأنه كرر في جملة الخبر، مذكور في جملة الخبر لكن ليس باللفظ، بل هو مذكور بالمعنى. كيف ذكر بالمعنى؟ أن المبتدأ داخل تحت عموم موجود في جملة الخبر، واضح أيها الأحبة؟ فدخول المبتدأ ضمن عموم موجود في جملة الخبر هذا بحد ذاته جعل هناك رابطًا بين جملة الخبر وبين المبتدأ؛ لذلك قال: «زيد نعم الرجل»، زيد مبتدأ، و«نعم الرجل» جملة فعلية خبره، والرابط بينهما العموم؛ وذلك لأن الرجل يشمل زيدًا، فزيد فرد من أفراده، أي من أفراد هذا العموم، تأخذ من الأفراد المستغرقة فدخل في العموم فحصل الربط.
جميل، الآن هذه القاعدة الأساسية: أنه إذا كان عندك خبر جملة، سواء كان جملة اسمية أو جملة فعلية، لا بد من وجود رابط يربط هذه الجملة بالمبتدأ. طيب، ممكن يا شيخ يأتي عندي الخبر جملة ولا يوجد رابط يربط هذه الجملة بالمبتدأ؟ نقول يمكن في حالة واحدة، ذكرها ابن عقيل: «وإذا لم تكن الجملة نفس المبتدأ في المعنى، فإن كانت كذلك». أي إذا كانت -أيها الأحبة- جملة الخبر هي نفس المبتدأ في المعنى، في هذه الحالة يقولون لا نحتاج إلى رابط.
ما معنى أن جملة الخبر هي نفس المبتدأ؟ يقولون اكتب هذه العبارة: إذا كان الخبر هو تفسير للمبتدأ، إذا كانت جملة الخبر تفسيرًا للمبتدأ، حينئذ تكون جملة الخبر هي نفس المبتدأ في المعنى. مثال ذلك: «أفضل ما قاله الأنبياء لا إله إلا الله». «أفضل» مبتدأ وهو مضاف، و«ما» اسم موصول مبني على السكون في محل جر مضاف إليه، و«لا إله إلا الله» جملة صلة الموصول لا محل لها من الإعراب. أين خبر المبتدأ؟ «أفضل ما قاله الأنبياء لا إله إلا الله». هذه الكلية مع المضاف إليه من سماتنا بخبر المبتدأ «أفضل». «لا إله إلا الله» هذه الجملة هي خبر لـ«أفضل».
وهي جملة ليس فيها ضمير يعود، أو فيها رابط، ما فيها ضمير يعود، ما فيها اسم إشارة، ما فيها عموم يدخل فيه «أفضل»، وما فيها تكرار. طيب، إذاً كيف صحت أن تكون خبرًا لـ«أفضل»؟ نقول أيها الأحبة: «لا إله إلا الله» هي تفسير للمبتدأ الذي هو «أفضل ما قاله الأنبياء»، وما أفضل ما قاله الأنبياء؟ فسر لي إياه: «لا إله إلا الله». فأنا قلت لك «أفضل ما قاله الأنبياء»، أنت تنتظر تفسيرًا، فالتفسير هو «لا إله إلا الله».
توضيحها «لا إله إلا الله». بينما لو قلت لك: «زيد قام أبوه»، لو قلت لك فسر لي «زيد»، ماذا ستقول لي؟ لن تقول لي «قام أبوه»، ليس هذا تفسيرًا لـ«زيد»، بل هو حكم على زيد. لو قلت لك فسر لي «زيد»، سيقول لي: «هذا الرجل تعرفت عليه في الحارة ورأيته وقعدت معه»، هذا هو التفسير. أما «أبوه قائم» فهو حكم عليه. لكن «أفضل ما قال الأنبياء لا إله إلا الله»، «لا إله إلا الله» هو التفسير. لو قلت لك مثلاً: «خير ما قلت الحمد لله»، فسر لي إياها، سيقول لك: «الحمد لله»، هذا هو خير ما قلت.
فإذا كان الخبر هو تفسير للمبتدأ، أو تفسير لمعنى المبتدأ وتوضيح له، فهذا لا يحتاج إلى رابط. مثل قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1]. «هو الله أحد»، هذا يسمى عند النحاة «ضمير الشأن»، وبعضهم يقول «ضمير القصة»، إذا قلت الشأن فهو مذكر، وإذا قلت القصة فهي مؤنث. فمعنى «هو الله أحد» أي: الشأن الله أحد، «هو» مبتدأ ومعناها الشأن أو القصة، و«الله أحد» جملة في محل رفع خبر للمبتدأ الثاني.
«الله أحد» هذه الجملة هل فيها رابط يعود على «هو»؟ لا، ما فيها رابط، لا ضمير ولا اسم إشارة ولا عموم. فما الذي جوّز أنها تكون هذه الجملة خبرًا؟ نقول إن «الله أحد» هي تفسير للشأن؛ الشأن تفسيره «الله أحد». كل القصة أن الله أحد، فـ«الله أحد» هو تفسير للشأن، فلما كانت جملة الخبر هي تفسيرًا للمبتدأ وتوضيحًا له، هنا لا تحتاج إلى رابط، يكفي أن أعظم رابط أنها هي نفس الخبر كما أنها هي مدلول وتفسير له، فهذا أعظم رابط، فلا نحتاج إذنًا إلى رابط.
بينما «زيد أبوه قائم»، و«زيد جاريته ذاهبة»، و«زيد يدرس في المدرسة»، هذه كلها أحكام، هي ليست تفسيرًا للمبتدأ، بالتالي تحتاج إلى رابط حتى نعرف أن هذه الأحكام متعلقة ومرتبطة بالمبتدأ. لذلك قال: «وإذا لم تكن الجملة نفس المبتدأ في المعنى... فإن كانت كذلك»، أي إذا كانت جملة الخبر تفسيرًا للمبتدأ، لم يحتج إلى رابط، كقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، فـ«هو» مبتدأ، و«الله أحد» خبره، والجملة مرتبطة به لأنها هي نفسه في المعنى، لأن «هو» بمعنى الشأن، فكل الشأن أن الله أحد. وكقول النبي ﷺ: «أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله».
كم هذا من الوقت؟ ها، باقي تسع دقائق. ساعة ونصف ها؟
نذهب إلى الحالة الثانية للخبر. انتهينا من الخبر إذا كان جملة اسمية أو فعلية، طبعًا أنتم تعرفون الإعراب، نحن ذكرناها في الأجرومية. نقول: محمد جاريته ذاهبة، محمد أبوه قائم. محمد: المبتدأ الأول، قائم: المبتدأ الثاني مرفوع بالواو لأنه من الأسماء الستة، وأبوه مبتدأ ثانٍ. وقائم: الخبر للمبتدأ الثاني، وجملة (أبوه قائم) في محل رفع خبر المبتدأ؛ هذه يجب أن تحفظ، ليس معقول أن أقعد أفسر في التفاصيل ويكتشف أن الطالب ليس عارفًا لرفع المبتدأ.
زيد طلب العلم، زيد: المبتدأ، طلب: فعل ماض والفاعل ضمير مستتر تقديره هو، وهو الرابط، والعلم: مفعول به، وجملة (طلب العلم) في محل رفع خبر للمبتدأ زيد، وهذا أوضح وأسهل مثال.
الحالة الثانية أن يكون الخبر شبه جملة. جميل، إذا كان الخبر شبه جملة أيها الأحبة، فشبه الجملة إما ظرف وإما جار ومجرور. لكن سيأتي معنى تحقيق في هذه المسألة، وهو أن الخبر في الحقيقة لن يكون هو نفس شبه الجملة، لكننا نقول إنه شبه جملة تجوزًا، وسيأتي معنا الآن أن الخبر في الحقيقة ليس هو شبه الجملة، وسيأتي معنا ما هو الخبر بالتحديد.
يقول ابن هشام في المتن: «ويقع الخبر جملةً، أو ظرفًا منصوبًا». لماذا قال: وظرفًا منصوبًا؟ معطوف على ماذا؟ هل معطوف على (الخبر جملة لها رابط)؟ لا، زيد قائم والخبر جملة لها رابط، هذه انسَها أخي الكريم، المتن الشرح هو المثال. فمعطوف على ماذا قبله في المتن السابق؟
المتن يقول: «ويقع المبتدأ نكرة أو خبر جملة لها رابط، أو ظرفًا منصوبًا». عرفت؟ "وظرفًا" معطوفة على النكرة التي في العبارة السابقة، أنا أتكلم عن أنواع الخبر. "وظرفًا منصوبًا"؛ ما الذي نصبها؟ معطوف على ماذا؟ الأكيد أنها معطوفة على ما قبلها في المتن، وهو الخبر. فإذا نظرنا قبل صفحتين: «ويقع المبتدأ نكرة... ويقع الخبر جملة مرتبطة بالمبتدأ... ويقع ظرفًا منصوبًا».
إذن، التقدير: ويقع الخبر جملة لها رابط، ويقع ظرفًا منصوبًا. هكذا يكون التقدير صحيحًا؛ "الخبر" معطوف على "جملة"، و"ظرفًا" معطوف على "الخبر". نحو: الركب أسفل منكم، وجار ومجرور، الحمد لله رب العالمين.
ثم قال: «وتعلقهما بمستقر أو استقر محذوفين». الآن أيها الأحبة، نريد أن نضع قاعدة ابتداء، وهي قاعدة يحب الطالب أن يتقنها في الظرف والجار والمجرور بشكل عام في النحو. نقول أيها الأحبة: ضعوا هذه القاعدة فوق الكتاب وتحت الكتاب، أي احفظوها.
كل ظرف أو جار ومجرور، ونقيد الجار والمجرور بأنه ليس زائدًا ولا مما يستثنى به، لأن حرف الجر إذا كان زائدًا أو كان في أسلوب الاستثناء فلا يدخل معنا في القاعدة. القاعدة العظمى هي: كل ظرف أو جار ومجرور يجب أن يتعلق بفعل، أو وصف مشتق، أو ما أول بالوصف المشتق.
لا مجال للهروب، أي ظرف أو جار ومجرور -سوى ما استثنيناه- لا بد أن تبحث في الجملة العربية عن متعلقها. الظروف والجار والمجرور ضعيفة، لا تستطيع أن تقوم بنفسها باستقلال في الجملة العربية، فلا بد من تعلق بشيء. فإما أن تتعلق بفعل، وهذا هو الأصل، مثل: "ذهبت إلى المدرسة"، (إلى المدرسة) متعلقة بالفعل (ذهبت).
أو تتعلق بوصف مشتق، مثل: "محمد قائم في المسجد" أو "محمد قائم أمام البيت"، فالجار والمجرور هنا متعلق بـ (قائم) وهو اسم فاعل، والأوصاف المشتقة هي: اسم الفاعل، واسم المفعول، وشكراً مع التفضيل.
أو يتعلق الجار والمجرور أو الظرف بما أول بالوصف المشتق، مثل قوله تعالى: ﴿الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَالَّذِي فِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف: 84]. المراد هنا ليس الوجود الذاتي، إنما المراد أنه المعبود في السماء وفي الأرض.
الآن، في قوله: ﴿فِي السَّمَاءِ﴾، الجار والمجرور هنا يحتاج إلى متعلق، ولا يوجد فعل ولا وصف مشتق، بل كلمة (إله). وكلمة (إله) ليست من المشتقات الخمسة، لكنها تؤول بمعنى مشتق؛ لأن (إله) على وزن (فعيل) بمعنى (مفعول)، أي: مألوه، أي: معبود. فهي تؤول بمشتق، فكأن أصل الجملة: "مألوه في السماء"، فالجار والمجرور تعلق بما هو في معنى المشتق.
ما فيه أو ما يؤول بمشتق، فنقول: الله إله في السماء، فالجار والمجرور متعلق بما يؤول بمشتق. ومعنى مألوه في السماء ومألوه في الأرض أي معبود في السماء ومعبود في الأرض، أي يعبده أهل السماء ويعبده أهل الأرض.
فإذا انتهينا للحالة الثالثة، ذكرنا مثال الجار والمجرور أو الظرف المتعلق بالفعل، أو متعلق بما يؤول بمشتق. الحالة الرابعة أن يتعلق بما فيه معنى المشتق؛ ركزوا بين هذين التعبيرين: الثالث أن يتعلق بما يؤول بالمشتق، والرابع أن يتعلق بما فيه معنى المشتق.
ما مثل هذا الرابع؟ يقول: زيد أسد في المعركة، أو زيد أسد في الحرب. الآن زيد أسد في الحرب، في الحرب رجل متعلق بماذا؟ بكلمة أسد. يا شيخ، أسد هذه ليست فعلاً، وهي ليست مشتقاً، فكيف يكون التأويل صادراً؟ التأويل هنا هو الاشتقاق الصرفي، وهم يريدون تأويل الاشتقاق الصرفي؛ لأنه أسد الآن، وزيد أسد في الحرب. لماذا جوزنا تعليق الجار والمجرور بأسد؟ لأنه أسد في معنى شجاع، فقالوا: أسد إذن بمعنى مشتق، بمعنى شجاع، الذي هو صفة مشبهة.
الآن ممكن تحكي: والله تؤول بمعنى شجاع، زيها زي الثالثة. نقول لهم الآن عند الصرفيين: لا، نحن ما نقول أسد هي الشجاع تأول بمشتق، هي بمعنى مشتق. وأما التأويل يكون في مثل هذه العبارات، أوزان صرفية في حال ومفعول أو ما شابه ذلك، بهذا النوع الذي يسمى تأويلاً عند الصرفيين.
فمثلاً: زيد أسد في الحرب. أو أقول: سليمان حاتم في الجود. حاتم اسم شخص، حاتم الطائي، لما أقول: محمد سليمان حاتم في الجود، في الجود متعلقة بحاتم. يا شيخ حاتم علم، كيف علقت الجار والمجرور بها؟ نقول حاتم في معنى... محمد سليمان مثلاً مكرم، أو عبارة المبالغة: موغل في الكرم. سليمان حاتم في الجود هي بتقدير سليمان موغل في الكرم أو في الجود. من أين أتيت بكلمة موغل؟ فهمت من حاتم، أن حاتم عند الذهن العربي مرتبطة بماذا؟ بشدة الكرم والإفضال والإحسان. فعندما نقول: محمد أبو سليمان حاتم في الجود، هذا العلم بمعنى مشتق: موغل في كذا. عندما نقول: خليل عنترة في الحرب، عنترة ترتبط في الذهن العربي بعنترة العبسي، فأصبحت رمزاً للشجاعة، فهي إذن فيها معنى المشتق.
إذن أي ظرف أو جار ومجرور لابد له من متعلق في اللغة العربية يتعلق به؛ إما فعل، أو وصف مشتق من الأوصاف الخمسة، أو وصف يؤول بالمشتق، أو ما فيه معنى المشتق. هذه الأربعة في هذه الحالة، أيها الأحبة، لابد أن يكون الظرف والجار والمجرور متعلقاً بواحد من هذه الأربع حتى يصح أن يأتوا به، لا يصح أن يأتي في الجملة هكذا.
الآن، المتعلق للظرف أو الجار والمجرور إما أن يكون ملفوظاً ظاهراً في السياق، وإما أن يكون مقدراً. ممتاز. إذن القاعدة: كل ظرف أو جار ومجرور -وهذا الجار والمجرور ليس حرف جر زائداً ولا مما به الكسرة- فيجب أن يتعلق بفعل أو وصف أو ما أول بوصف أو ما فيه معنى مشتق أو ما فيه معنى الوصف. وهذا المتعلق قد يكون مذكوراً وقد يكون مقدراً، واضح؟
أشهر المواضع التي يقدر فيها المتعلق، أي يكون فيها المتعلق غير مذكور ويكون مقدراً، وتتكرر معكم في العربية بشكل كبير جداً، إذا كان الظرف أو الجار والمجرور: صلة الموصول، أو خبر المبتدأ، أو الصفة، أو الحال. سأركز على هذه المواضع الأربعة لأنها ستتكرر معنا كثيراً.
إذا كان الظرف أو الجار والمجرور صلة الموصول، فاعرف أن في متعلق محذوفاً، وماذا قدرنا هناك؟ قدرنا: استقر. إذا كان الظرف أو الجار والمجرور خبر المبتدأ، متى ما سمعت كلمة أن الظرف أو الخبر هو الجار والمجرور، فاعرف أنه في متعلق محذوف. وفي باب النعت تقول: ويأتي النعت ظرفاً وجاراً ومجروراً، مباشرة تعرف أنه في متعلق محذوف. ويقولون في باب الحال: ويأتي الحال ظرفاً وجاراً ومجروراً، فتعرف أن المتعلق محذوف.
وفي جميع هذه الأبواب أيها الأحبة، متى ما قالوا: صلة الموصول ظرف أو جار ومجرور، متى ما قالوا: الخبر ظرف أو جار ومجرور، متى ما قالوا: الصفة ظرف أو جار ومجرور، متى ما قالوا: الحال ظرف أو جار ومجرور، فاعلم أن الظرف أو الجار والمجرور متعلق بمحذوف، وهو في هذه المواضع يكون الخبر أو الصفة أو الحال في الحقيقة. فهذه عندما تسمعون النحاة يقولون: الخبر ظرف أو جار ومجرور، أو الصفة ظرف أو جار ومجرور، أو الحال ظرف أو جار ومجرور، فهذا تجوز في العبارة، وإنما في الحقيقة هذه الظرف أو الجار والمجرور متعلق بمحذوف هو الخبر أو الحال أو الصفة.
وفي جملة صلة الموصول يكون المتعلق "استقر"، فيكون في الحقيقة جملة فعلية هي صلة الموصول؛ لأنك تقول: جاء الذي عندك، أصلها: جاء الذي استقر عندك، فصيلة الموصول في الحقيقة تكون جملة فعلية، لكن المتعلق محذوف. هذه قواعد يجب أن تنطلق فيها في فهمك للظرف أو الجار والمجرور متى ما سمعته في الجملة العربية.
يجب أن تقول: الشيخ أعطانا أنه أي ظرف أو جار ومجرور -وطبعاً استثنينا الجار والمجرور إذا كان حرف الجر زائداً، فحرف الجر الزائد ليس له متعلق، وحروف الجر التي تستخدم في الاستثناء وهي: خلا، وعدا، وحاشا، هذه ليس لها متعلق- وكل الظروف لابد لها من متعلق كما عرفنا: فعل، أو وصف مشتق، أو ما يؤول بالمشتق، أو ما فيه معنى المشتق.
هذا المتعلق قد يكون مذكوراً في السياق، مثل: محمد قائم في المنزل، وذهبت إلى المدرسة؛ هنا كل المتعلقات مذكورة. وإما أن يكون مقدراً، وأشهر المواضع التي يقدر فيها المتعلق هي هذه الأربعة: صلة الموصول إذا كانت صلة الموصول شبه جملة، وإذا كان الخبر شبه جملة، وإذا كانت الصفة شبه جملة، وإذا كانت الحال شبه جملة. في هذه الأحوال يقول لك: متعلق محذوف، وهذا المتعلق المحذوف هو الخبر أو الصفة أو الحال، وفي حال صلة الموصول يقول: استقر، هي المقدرة في السياق، ويكون في الحقيقة جملة فعلية هي صلة الموصول وليست شبه جملة فقط.
الآن أيها الأحبة، الفائدة الأخيرة في كل هذه المواضع، نحن قلنا في كل هذه المواضع: احفظوا زي اسمكم هذه المعلومة. في كل هذه المواضع التي يقول فيها النحاة إن صلة الموصول شبه جملة، أو قال النحاة الخبر شبه جملة، أو قال والصفة شبه جملة.
أول حاجة، ما هي الجملة؟ في كل هذه المواضع التي يُنسب فيها الخبر أو الحال أو الصفة إلى شبه الجملة، يكون المتعلق المحذوف عامًا، بسموه "الكون العام" الذي شرحته في درس صلة الموصول الدرس الماضي أو الدرس قبل الماضي. يكون المتعلق المحذوف عامًا، تقديره كلمة "مستقر"، وإذا كان المتعلق فعلًا، فتقديره "استقر". دائمًا المتعلق المحذوف تقديره إذا قدرتَه اسمًا "مستقر"، وإذا قدرتَه فعلًا "استقر".
لازم هذان الفعلان أو ما يقوم مقامهما في العموم، مثل "كائن" مثلاً بدل "مستقر"، والبعض يجوز "موجود". المهم لفظة من هذه الألفاظ التي تدل على العموم، وأنت لا تخرج عن هذه الثلاث: إما مستقر، أو كائن، أو موجود، أو استقر، أو وجد.
مثلاً إذا قلت "استقر" على طول يبدأ الجدال في معناها في العموم. باختصار، متى ما نسب النحاة الخبر إلى شبه الجملة، أو الصفة شبه الجملة، أو نسبوا الحال شبه الجملة، أو صلة الموصول شبه الجملة، يكون المتعلق محذوفًا؛ هذه أول قضية. هذا المتعلق المحذوف يكون هو نفسه شبه الجملة المعربة، ويكون هذا المتعلق المحذوف عامًا تقديره "مستقر" أو "استقر".
الآن في الدرس لما تكلمنا عن صلة الموصول، نحن اشترطنا أن يكون المتعلق المحذوف تقديره "استقر"، ما يصير تقدره باسم مستفل، اشترطنا أن يكون فعل "استقر"؛ لأننا قلنا إن صلة الموصول الأصل فيها أن تكون جملة. فلو قلت "مستقر" تبين أنها لا تصلح أن تكون جملة. لو قلت لك: "جاء الذي عندك"، ماذا ستصبح يا شيخ؟ لو قدرتها بـ "مستقر" ماذا صارت؟ "جاء الذي مستقر عندك"، راح يصير "مستقر" مبتدأ، وعندك أين الخبر؟ ما ينفعش، لن ينفع له في جملة صلة الموصول أن أقدر المتعلق "مستقر" اسمًا، لازم أقدره فعلًا.
لماذا؟ لأني إذا قدرت متعلق الظرف أو الجار والمجرور اسمًا، ماذا سيكون إعراب هذا الاسم؟ "جاء الذي عندك في جانب مستقر عندك"، "مستقر" مبتدأ وهي متعلقة بالجار والمجرور، أنت لن تجعل "مستقر" متعلقًا بمحذوف جديد، لأن "مستقر" هي تفسير للمتعلق، ولن تجيب تفسيرًا جديدًا. "جاء الذي عندك" يعني "جاء مستقر عند مستقر" المبتدأ، ممتاز، أين خبرها؟ لا يوجد خبر، صار ما ينفعش. لذلك قالوا في صلة الموصول لازم نفسر المتعلق خبرًا، وهي فعلاً لازم يكون المتعلق الظرف أو الجار والمجرور فعلًا: "جاء الذي عنده استقر عندك"، هنا خلصت جملة كاملة هي صلة الموصول.
بينما في هذه المواضع في الخبر (المبتدأ إذا كان شبه جملة) أو الصفة، أو الحال، يكون المتعلق الأصل فيه أن يكون اسمًا. في هذه المواضع أنا أعطيكم فوائد سريعة: إذا كان الخبر شبه جملة أو الصفة شبه جملة أو الحال شبه جملة، تكون شبه الجملة متعلقة بمحذوف، والأصل أن يكون المحذوف في هذه الحالة ليس فعل "استقر" بل الاسم "مستقر".
لماذا؟ لأن الأصل في الخبر أنه مفرد، والأصل في الصفة أنها مفرد، والأصل في الحال أنها مفرد، والجملة وشبه الجملة فيها فروع. أما صلة الموصول العكس، الأصل فيها أنها جملة، ففلما جاءت شبه جملة رجعناها إلى الجملة. بينما عندما كان الخبر الأصلي فيه أنه مفرد، والصفة الأصل فيها أن تكون مفردًا، والحال الأصل فيها أن يكون مفردًا، ولما جاءت شبه جملة رجعناها للمفرد. شوف كيف شبه الجملة هذه مجرور محير، الرجعة للمفرد ولا حول ولا قوة إلا بالله، بينما في صلة الموصول شبه الجملة نرجعها لجملة لأن صلة الموصول الأصل فيها أن تكون جملة.
بينما في الخبر والصفة والحال، الأصل في هذه الثلاثة في مواقعها العربية أن يكون الخبر مفردًا، كقولنا: "قائمٌ"، هذا الأصل فيه، فإذا جاء الخبر شبه جملة وجب الخلاف مع الأصل. كذلك الأصل في الصفة أنها مفرد، مثل: "رجل نشيط". كذلك الحال؛ فإذا جاء الخبر أو الحال أو الصفة شبه جملة نرجعها للمفرد، كيف أرجعه للمفرد؟ أن أقدر المتعلق بكلمة "مستقر" أو "كائن"، ليس عندي مشكلة.
الآن أيها الأحبة، السؤال: لماذا يا شيخ لا يصير أن أقدر غير هذه الكلمات وأنا محكوم بها؟ لماذا أنا محكوم بهذه الكلمات التي تدل على العموم مثل "مستقر" أو "كائن"؟ لماذا لا يكون مثلاً: "محمد عندك"، "محمد" مبتدأ، و"محمد" مثلاً "قائم عندك"؟ لماذا لا أقدر المتعلق بـ "قائم"؟
لماذا لا أقدر المتعلق بـ "محمد دارس عندك"؟ لماذا أنت مجبرني أن أقدرها بـ "مستقر"؟ هذا يأتي بنا إلى الدرس الماضي؛ كلمة "مستقر" والحدث العام. العرب إذا سمعت "محمد عندك" من دون أن تذكر المتعلق، تربطه فقط بالحدث العام؛ أنه محمد موجود مستقر عندك. إذا أراد متعلقًا خاصًا مثل "قائم" أو "دارس" أو "أكل" أو "شرب"، أنت مجبر أن تذكره لأنه لا يوجد دليل عليه. أما إذا لم تذكره، فالمعنى هو "محمد عندك" أي أنه موجود.
كيف سأعرف أن قصدك "دارس"؟ إذا أردت متعلقًا خاصًا، لابد أن تذكر المتعلق الخاص، لابد أن تقول: "محمد دارس عندي". فبالتالي أصبح الخبر هو "دارس" وانتهى، بعد ما نحتاج إلى الظرف أن ننظر إليه على أنه خبر. إذا أردت متعلقًا خاصًا يجب أن تذكر الخبر صراحة، أما إذا لم تذكر المتعلق، فأنا كعربي أحملها على المتعلق العام مباشرة، فأقول: "محمد عندك"، يقصد السامع أنه محمد مستقر عندك، غير ذلك أنا لا أعرف، فلا أستطيع أن أقدر متعلقًا خاصًا.
كذلك "جاء رجل في البيت"، مثلاً "في البيت" هذه ليست متعلقة بالرجل. لو كانت "رجل" بمعنى شجاع، أي أن كلمة "رجل" تحمل معنى الشجاعة أو القوة، كانت "في البيت" متعلقة بالرجل مباشرة، على الأنواع الأربعة التي ذكرناها من المتعلقات، لأن "رجل" هنا بمعنى مشتق، لكن هنا "رجل" ليس بمعنى مشتق.
زيد الرجل في البيت، دعت له. إذا جعلت الجار والمجرور نعتاً، ها مباشرة، بدك تقدم له لأيش مباشرة؟ في متعلق محذوف، وأيش تقديره؟ أيوة، زيد رجل كائن أو مستقر في البيت.
صح، إذا قلت لي: لا يا شيخ، لو المتكلم بهذه الجملة أنا لا أقف، أنا لما قلت لك زيد رجل في البيت قصدت أنه زيد رجل نائم في البيت، هذا بدي إياه. أيش بقول له؟ بقول له: ينفعش، بدك إياه نائم بدك تذكر زيد رجل نائم في البيت، ولا أنا مش أعبر بهذه الطريقة، زيد رجل في البيت أنه قصدك زيد رجل يعني في الجملة شيء أعرف فيه هذا التقدير. فإذا أنت قلت زيد رجل في البيت، أنا المتعلق اللي أقدره: زيد رجل مستقر في البيت. هكذا العرب تتكلم، أنت تكلمت بما لم يتكلم به العرب.
فإذاً هذه المعلومة التي تريد أن تتقنها أيضاً، لاحظ قديش المعلومات التي تتقنها في الدار والجامعة جوا الآن. إذا أنت أتقنت هذه المعلومات الآن راح ترتاح في كل الأبواب. بدي إياك تفهم الفلسفة، أما أني مجرد أني أعطيك في كل باب أنه والله هذا الظرف لما نشوف متعلقه محذوف جاء على الصفة، وفي باب الحال أعلمك إياها مرة ثانية، وباب الخبر أعلمك إياها مرة ثالثة، وأنت مش عارف الرابط الذي يربط كل هذه الأمور، بتضلها معلومة سامحة.
فأنا بدي إياك تعرف أن فلسفة الظرف أو الجار والمجرور عند النحاة أنه لابد له من متعلق. هذا المتعلق بسورة أربعة: فعل، أو ما يشتق، أو ما يؤول بالمشتق، أو ما فيه معنى المشتق. هذا المتعلق الأصل فيه أن يكون مذكوراً، بس يمكن يكون مقدراً. أشهر المواضع التي يقدر فيها: في صلة الموصول، وخبر المبتدأ، والصفة، أو الحال. ومتى ما قدر، الأصل فيها مقدر بالإيش؟ بالتقدير العام، متعلق عام؛ أما كائن أو مستقر، هذا الذي كان مفرد أو اسم أو استقر أو وجد.
طيب، الآن أيها الأبرة سريعاً اقرأ، أقول أيش؟ انظر أيش قال لي ابن هشام الآن. قال: «وظرْفاً منصوباً نحو الركبُ أسفل منكم وجارٍ...». الحمد لله رب العالمين، وتعلقهما، قال ابن هشام: «وتعلقهما بمستقر أو استقر محذوفاً». إذاً ابن هشام الآن سنتكلم عن الخبر، خلص الباقي سيبكم منه؛ الصلة والموصول والصفة والحال، لن نتكلم فقط عن خبر المبتدأ إذا كان شبه جملة.
ابن هشام يقول إذا وقع خبر المبتدأ شبه جملة، يعني ظرف وجر ومجرور له متعلق، وأنا قلت لكم الأصل أن يكون مفرد، مستقر أو كائن. طيب، ولكن يجوزون أن نجعل المتعلق بتقدير فعل؛ يصير تقدروا فعل بدل كائن أو مستقر، تقول استقر، ولك بصير جائز، لكن الأفضل أنك تضربه بأيش؟ بكائن أو مستقر. ليش الأفضل أني أقدره بكائن أو مستقر؟ قال إنه الأصل أنه الخبر مفرد، فإن الأصل أنك ترجع الجملة، ترجع شبه الجملة إلى المفرد. فإذا أنت قدرت كائن أو مستقر على شبه الجملة رجعتها مفرد، بينما لو قدرت المتعلق استقر، «محمد استقر في البيت»، أنت هنا لم ترجع شبه الجملة إلى مفرد، رجعتها إلى جملة. والاصل في الخبر أنه مفرد مش جملة، لذلك يقول في الحقيقة الخبر إما مفرد أو جملة، ما في تقسيم شبه جملة. صح؟ لأنه شبه الجملة في الحقيقة إما يرجع مفرد وإما يرجع جملة. فإنك تقول هناك خبر شبه جملة، هذا فقط في المنظر الخارجي، في المنظر والهيئة، وأما في الواقع والحقيقة الخبر إما مفرد لأنه أي شبه جملة إما بدك تعلقها بمفرد فبترجع مفرد كائن أو مستقر، وإما بدك تعلقها بفعل فبترجع جملة. حقيقة هو مفرد أو جملة، لكن دعونا على هذا التقسيم.
يقول ابن هشام: «ويقع الخبر ظرفاً منصوباً»، كقوله تعالى: ﴿وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ [يوسف: 62]. أيش تقدير الركب مبتدأ؟ «أسفل» على القواعد التي تعلمناها؛ أسفل الظرف مكانه منصوب وعلامة نصبه الفتحة، وهو من ظرف مجرور متعلق بأسفل. مش مشكلة الآن أين الخبر، تعرف أنت حفظت قاعدة: أي ظرف متعلق مباشرة يذهب ذهنك إليه وأنه متعلق هنا لأنه أسفل، خبر. إذاً المتعلق محذوف وتقديره لازم يكون عام، تقديره كائناً أو مستقراً، يعني هو الركب مستقر أسفل منكم. واضحة؟ طيب، بصير أقول «والركب استقر أسفل منكم»؟ بصير، بس هيك أنت حولت شبه الجملة إلى جملة مش إلى مفرد.
طيب، أو جاءنا رجل، الحمد لله، الحمد مبتدأ، لله جار ومجرور. طيب وين متعلق الجار والمجرور الآن؟ ليش ما أعلق الجار والمجرور بالحمد؟ يعني المصدر فيه قوة الفعل أحياناً، سمعنا كلامك صح، يعني الجار والمجرور قد يتعلق بالمصادر لأنه المصادر في قوة الأفعال، بس هون ما بقدر أعلقه بالمصدر «الحمد»، ليه؟ لأني لو جعلت متعلق الجار والمجرور هو المصدر الذي هو «الحمد»، أصبح ما عندي خبر في الجملة، أصبح ما في خبر في الجملة، أصبحت «الحمد» مبتدأ، والجار موجود متعلق بالحمد، وبعدين هذا الخبر ربي، لا، ربي هي نعت لله العالمين، ما في خبر، بدنا نجيب الخبر. إذاً المراد، لا المراد «الحمد» مبتدأ، و«لله» ليست متعلقة بالحمد، «لله» متعلقة بما تعلق محذوف تقديره كائن أو مستقر، يعني الحمد مستقر لله أو كائن لله.
طيب، وهما أين المتعلقات بمحذوف وجوباً؟ محذوف وجوباً وتقديره مستقر أو... فكلمة وجوبها تدل على أنه أيها الأحبة، عند العرب إذا كان المتعلق عاماً تقديره مستقر أو كائن، ما تذكره ما بتذكر بتحذفه. متى تذكر العرب المتعلق؟ إذا كان خاصاً: أكل، شارب، نائم، ذاهب، دارس، لاعب. إذا كان متعلقاً خاصاً تذكره. المتعلقات بالوجوب والتقدير مستقر أو استقر، والأول أن تضربه بمستقر هو اختيار جمهور البصريين. جيد، وحجة البصريين في اختيار مستقر أنه المضاف إليه هو الخبر في الحقيقة، والأصل في الخبر أن يكون اسماً مفرداً. والثاني الذي هو تقليل «استقر» فعلاً هو اختيار الأخفش، الأخفش بصري لكنه اختيارات مخالفة للبصريين. الأخفش، الفارسي، أبو علي الفارسي، هلا مئة وسبعة وسبعين، الزواغشري من المتأخرين خمسمئة وستة وثمانين. قال وحجتهم هؤلاء الثلاثة لماذا يقدرون المتعلق باستقر؟ أن المحذوف هو عامل النصب في لفظ الظرف، الآن «أسفل» مش ظرف منصوب، أيش الذي نصبها؟ أكيد في عامل عمل فيها، العامل هو نفسه المتعلق، والأصل في العوامل الأفعال في وجهة نظرهم صراحة، أنه «أسفل» ظرف منصوب وأيش عاملها؟ هو المتعلق، هو العامل فيها، هو الذي نصبها، والأصل في العامل أن يكون...
فقابضا بقدر استقر؛ لأنه استقر فعل، والأصل في العوامل أن تكون أفعالاً. إذاً منذ؟ قال: «وعجلتم»، إن المحذوف عامل النصب في لفظ الظرف.
هل الجار والمجرور أحتاج إلى عامل؟ يقولون أيها الأحبة ينهلكم المعلومة المبكرة، لكن الجار والمجرور في الحقيقة له مواضع، نحن في الإعراب ما بنذكرها، لكنها من ناحية معنوية ملحوظة. كيف؟ عندما أقول: مررت بزيد، مررت فعل وفاعل، وزيد مجرور بالباء حرف جر، وبزيد متعلقة بمروره. هيك بنعرف، ما لنا غير هيك.
لكن من ناحية معنوية، يقولون من ناحية المعنى بزيد مفعول به من حيث المحل؛ هي مفعول به لأن المرور كان عليه، والفعل لازم مش متعدٍ ما بياخذ مفعول به. كيف لما بعد الفعل اللازم حرف جر؟ فهم يقولون أيها الأحبة بزيد هي صح مش مفعول به من ناحية إعرابية، لكنها من ناحية معنوية مفعول؛ لأني أعدت الفعل إليها من خلال حرف الجر. حرف الجر هو كان وسيط لعملية التعدية، ففي الحقيقة بزيد هي مفعول به من حيث المعنى لأن المرور كان على زيد، أو بزيد فبزيد مجرور، بس أنا هذا بدي أكتبه، لكن بدي إياك تفهم أنه من حيث المعنى لها محل المفعول به. أحياناً يكون لها محلات أخرى، لكن هذا أمر معنوي ملاحظ، المعنى وليس في الإعراب.
إياك أن تعدل به، لا ما تعرفها، خليك عدل على اللي بتعرفه. المهم، قال: «وعجلتم»، إن المحذوف -اللي هو هذا المتعلق المحذوف- عامل بالنصب في لفظ الظرف. الآن الظرف واضح أنه منصوب، ومحل الجار والمجرور؛ فالمتعلق عندما أقول مثلاً: محمد مر بزيـد، إذا بزيد هذا الجار والمجرور متعلق بـ "مر" اسم فاعل، لكنه في الحقيقة من حيث المعنى مفعول به إن وقع عليه فعل المرور الذي قام به محمد.
فالمهم أن المحذوف عامل النصب في لفظ الظرف، ويعمل النصب في محل الجار والمجرور. هي بالنسبة لك عبارة غامضة، يعني يعمل النصب في محل الجار والمجرور، بس افهمها هكذا: أن الجار والمجرور العرب يلاحظون له معنى، أو النحاة يلاحظون له معنى في السياق أنه في محل المفعول به.
قال: والأصل في العامل أن يكون أفعالاً. بما أن المتعلق المحذوف هو يعمل النصب في الظرف، ويعمل النصب في الجار والمجرور، فالأصل في العامل أن أقول فعلاً؛ فلذلك اخترنا أن نقدر العامل المحذوف أو المتعلق المحذوف فعلاً. لكن البصريين قالوا: لا، أنا ما بدي ألحظ ذات المعنى، أنا بدي ألحظ أن هذا المتعلق المحذوف هو الخبر، والخبر الأصل فيه أن يكون مفرداً، فأنا بقدره "مستقر" أو "كائن".
إذاً باختصار، هذا الخلاف، يعني تجويز تقدير "كائن" أو "استقر"، هو مبني على أنه في خلاف أصلاً بين النحاة. فلما كان في خلاف بين النحاة، المتأخرون قالوا: من أحب أن يقدر مفرداً قدم، ومن أحب أن يقدر جملة تتبعاً للزمخشري وجماعته فليقدم. ثم سيذكر بعض الأحكام التي تتعلق بالظرف إذا كان خبراً. وإن شاء الله في الدرس القادم ننهي الكلام عن أحكام المبتدأ والخبر ونبدأ النواسخ التي تدخل عليه، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل