بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم. أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين ومحجة للسالكين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا مباركًا إلى يوم الدين.
حياكم الله أيها الأحبة في مجلس جديد في شرح كتاب قطر الندى وبل الصدى للإمام ابن هشام الأنصاري رحمه الله تعالى عليه. وقد انتهى بنا المطاف إلى الاسم الموصول. وهذا الاسم الموصول هو النوع الرابع من أنواع المعارف.
فنحن الآن أيها الأحبة نحيا مع ابن هشام في تقسيمه الأسماء إلى نكرة ومعرفة، فقد بين رحمه الله أن المعارف ستة: الضمائر، ثم العلم، ثم أسماء الإشارة، ثم الأسماء الموصولة، ثم المعرف بأداة التعريف، ثم المضاف إلى واحد مما سبق. وطبعًا هذه ليست الترتيب الأخير، بل قلنا للترتيب في القوة، أما المضاف إلى واحد مما سبق فليس في المرتبة الأخيرة، وإنما هو كما ذكرنا سابقًا في مرتبة المضاف إليه من حيث القوة، واستثنينا الضمير وسيذكر هذا ابن هشام رحمه الله.
ولعلنا نذكره اليوم بإذن الله. في الدرس الماضي بدأنا في النوع الرابع في الأسماء الموصولة، فعرفنا بشكل عام أن الموصولات في اللغة العربية على نوعين: هناك موصول حرفي، وهو الحرف المصدري الذي يسبك مع ما بعده وينتج عندي مصدرًا مؤولًا منه، وعرفنا الموصول الحرفي في: أن، لو، أن، كي. والنوع الثاني هي الأسماء الموصولة.
وعرفنا أن الأسماء الموصولة عند النحويين هي عبارة عن أسماء وضعت ليستخدمها المتكلم فيما هو معهود عند المخاطب. هذه العبارة مهمة جدًا تحفظها في فلسفة الاسم الموصول: اسم وُضع ليستخدمه المتكلم في ما هو معهود عند المخاطب. كيف سيكون معهودًا عند المخاطب؟ من خلال جملة صلة الموصول التي سنتحدث عنها اليوم؛ فالجملة صلة الموصول التي يعرفها السامع سابقًا.
الاسم الموصول، سواء المشترك أو الخاص كما قسمناهم في الدروس الماضية، مثل: الذي، والتي، واللتان، والذين، هي في النهاية مبهمة لا تدل بذواتها على معين. فكيف عددناها من قبيل المعرفة مع أن المعرفة هو الاسم الذي يدل على معين؟ قلنا إن الأسماء الموصولة تدل على معين من خلال جملة صلة الموصول التي تأتي بعدها، لأن هذه الجملة ينبغي أن تكون معهودة عند السامع، من خلالها يعرف الشيء المعين الذي تتحدث عنه.
مثال: «جاء الذي بنى المسجد». لا يصير أن آتي بكلمة بنى المسجد إلا ويُعرف من الذي بنى المسجد حتى عندما أقول: «جاء الذي بنى المسجد». الذي بنى المسجد عرفت، يتكلم عن فلان الفلاني. كيف عرف ذلك؟ أن جملة «بنى المسجد» صلة الموصول معهودة بيني وبينه، هو يعرفها وأنا أعرفها، فلما قلت: «جاء الذي بنى المسجد» عرفت المعين الذي نتكلم عنه.
وكذلك: «جاء الذي حفر بئر زمزم»، و«جاء الذي أكرمك البارحة». إذا هو خلص قضية الإكرام عنده واضحة، فلما قلت: «الذي أكرمك البارحة» عرفت من هو الشخص. فالأسماء الموصولة إنما تدل على المعين من خلال جملة صلة الموصول.
لذلك ابن هشام لما عرف الاسم الموصول قال: «الأسماء الموصولة هي المفتقرة إلى صلة وعائد». لما أرى لفظة «مفتقرة» تدل على الافتقار، أي أنها تحتاج إلى صلة وعائد. فالاسم الموصول بحد ذاته مبهم، وحتى يدل على معين ليكون معرفة، يفتقر إلى الصلة التي تتضمن عائدًا يعود على الاسم الموصول. هذه قضية مهمة تفهمها في فلسفة الاسم الموصول.
ثم بينا بعد ذلك أن الأسماء الموصولة تنقسم إلى اسم موصول خاص واسم موصول مشترك. اسم الموصول الخاص هو لفظة وضعت لتستعمل في نوع معين ولا تستعمل في غيره؛ فالمفرد المذكر له: «الذي»، والمفردة المؤنثة لها: «التي»، والاثنان المذكران لهما: «اللذان»، والاثنتان المؤنثتان لهما: «اللتان».
أما جماعة الذكور، فقلنا جمع الذكور العقلاء له: «الذين»، ويستخدم لجمع الذكور مطلقًا عقلاء وغير عقلاء، بينما «الذين» خاصة بالعقلاء. ثم ننتقل إلى جماعة الإناث، فلها: «اللاتي»، و«اللاتي»، و«اللائي»، و«اللاءات» فذكر أربعة.
ثم انتقلنا إلى الاسم الموصول المشترك، فعرفنا الأسماء الموصولة المشتركة وهي: «من»، و«ما»، و«أي»، و«الذي» (بمعنى ما)، و«ذا»، و«ذو» الطائية، وهي ستة. ودرسنا كل واحدة من هذه الأسماء المشتركة، وقلنا: معنى الأسماء الموصولة المشتركة أن اللفظة الواحدة تصلح لجميع الأنواع؛ فتصلح للمذكر والمؤنث، وللمفرد والمثنى والجمع.
ويظهر المقصود منها من خلال الضمير العائد؛ فسياق الجملة وما يتضمنه العائد الذي يعود على الاسم الموصول المشترك هو الذي سيفسر لي ما المراد بهذا الاسم الموصول المشترك، هل يتكلم عن مفرد أم مثنى أم جمع؟ هل هو مذكر أم مؤنث؟ الضمير العائد الموجود في جملة صلة الموصول هو الذي يوضح الاسم الموصول المشترك. أما الاسم الموصول الخاص، فالضمير العائد مهم له، لكنه لا يدل على المراد منه لأنه هو بذاته يدل عليه لكونه خاصًا ابتداءً.
أنهينا الكلام عن الاسم الموصول المشترك والخاص، واليوم سنتكلم عن جملة صلة الموصول، ما شرط هذه الجملة وما أشكالها؟ فقال ابن هشام رحمه الله: «أما الصلة...». الآن بدأ يتكلم عن الجملة التي تأتي صلة للاسم الموصول، تأتي بعد الاسم الموصول، وهذه الجملة أيها الأحبة نحفظ أنها لا محل لها من الإعراب أبدًا، فهي ليست من الجمل السبع التي لها محل من الإعراب التي ذكرناها في بداية الدورة.
الصلة التي تأتي بعد الأسماء الموصولة ما طبيعتها؟ قال: «فأما الصلة فهي على ضربين: إما أن تكون جملة، وإما أن تكون شبه جملة». والجملة على ضربين: اسمية وفعلية.
أذهب إلى السبورة أيها الأحبة. صلة الاسم الموصول أريد أن أفسرها أكثر؛ صلة الاسم الموصول على ثلاثة أضرب، تسمحوا لي؟ ابن هشام قال إنها على ضربين اختصارًا هنا، لكن أنا سأجعلها ثلاثة أضرب: صلة الاسم الموصول إما جملة...
وأما شبه جملة، وأما وصف صريح لغير تفضيل. سأجعل صلة الاسم الموصول ثلاثة أنواع حتى أستوعبها جميعًا: إما أن تكون جملة، وإما أن تكون شبه جملة، وإما أن تكون وصفًا صريحًا لغير تفضيل، وسأذهب للأخير فقط سريعًا.
الوصف الصريح لغير تفضيل: هذه الصلة لأي نوع من الأسماء الموصولة؟ الوصف الصريح لغير تفضيل صلة لأي نوع من الأسماء الموصولة ذكرناه في الدرس الماضي؟ هو صلة "الموصولية"، هذا ذكرناه في الدرس الماضي، فدائمًا صلة الموصولية تكون وصفًا صريحًا لغير تفضيل. غير الموصولية، من الأسماء الموصولة سواء المشتركة أو الخاصة، تكون صلتها إما جملة أو شبه جملة.
نبدأ بالجملة؛ الجملة إما أن تكون جملة اسمية وإما أن تكون جملة فعلية. طالب يريد أن يفهم ماذا تعني جملة اسمية؛ فهي مبتدأ وخبر. والجملة الفعلية هي فعل وفاعل. أقول: «جاء الذي أبوه قائم»، "أبوه" مبتدأ و"قائم" خبر، فالجملة الاسمية صلة الموصول. وأقول: «جاء الذي أكرمتُ أباه»، "أكرمت أباه" جملة فعلية صلة الموصول للذي. ممتاز.
ابن هشام -رحمة الله تعالى عليه- بدأ حديثه عن صلة الاسم الموصول إذا كانت جملة، سواء كانت اسمية أو فعلية، فبين شروط جملة الصلة، ثم بعد أن ينهي الكلام عن صلة الموصول إذا كانت جملة، سينتقل إلى صلة الاسم الموصول إذا كانت شبه جملة ويتكلم عن شروطها. فنحن نسير مع ابن هشام.
لنعد إلى القسم الأول، الجملة إذا كانت صلة للموصول، إما أن تكون جملة اسمية وإما أن تكون جملة فعلية، وسواء كانت اسمية أو فعلية عندنا شروط لهذه الجملة. ذكر ابن هشام شرطين، وأنا سأذكر شرطًا ثالثًا ذكرته في الدرس الماضي. الشرط الأول يجب أن تكون جملة الصلة خبرية لفظًا.
أيها الأحبة، أنتم تعلمون أن الكلام ينقسم إلى خبر وإلى إنشاء، وهذا أخذناه في دورات سابقة كثيرة. الكلام العربي ينقسم إلى خبر وإنشاء؛ أي جملة تنقسم إما إلى خبر أو إنشاء. وأنا تجاوزًا سأعتبر أن الكلام هو الجملة. الجملة العربية إما أن تكون جملة خبرية وإما أن تكون جملة إنشائية.
الجملة الخبرية هي التي تحتمل الصدق والكذب، والجملة الإنشائية هي التي لا تحتمل الصدق والكذب. ومعنى أن الجملة الخبرية تحتمل الصدق والكذب، أن هذه الجملة إذا سمعتها تستطيع أن تقول لقائلها: "أنت صادق" أو "أنت كاذب". تكون صادقة إذا كانت مطابقة للواقع الخارجي، وتكون كاذبة إذا كانت مخالفة للواقع الخارجي. فإذا قلت: «جاء زيد»، هذه جملة خبرية؛ لأنها تحتمل أن تكون صادقة (أي أن زيدًا جاء فعلاً ومطابقة للواقع)، وتحتمل أن تكون كاذبة (أي أنك قلت ذلك وفي الواقع زيد لم يأتِ).
إذن أي جملة تستطيع أن تقول لقائلها: "صدقت" إذا كانت جملتك مطابقة للواقع، أو "كذبت" لأن جملتك ليست مطابقة للواقع، فهذه تسمى جملة خبرية، وهي في النهاية إخبار عن شيء، فبالتالي هذا الإخبار إما أن يكون مطابقًا للواقع فيكون صادقًا، وإما أن يكون مخالفًا فيكون كاذبًا.
أما الجملة الإنشائية فلا تقبل التصديق والتكذيب؛ لا تستطيع أن تقول للقائل: "والله كذبت" أو "والله صدقت"، مثل الجمل الإنشائية وأشهر أمثلتها الجملة الطلبية. أقول لك: «اضرب زيدًا»، لا تستطيع أن تقول لي: "والله كذبت"، لأنني لست أخبرك عن شيء في الخارج، بل أنا آمرك بفعل شيء. فباختصار، الجملة الإنشائية مدلولها ومعناها ليس موجودًا في الواقع الخارجي بعد، أما الجملة الخبرية فمدلولها يكون موجودًا في الواقع الخارجي.
عندما أقول: «ليت الشباب يعود يومًا»، وهي جملة التمني، لا تستطيع أن تقول لي: "كذبت"، لأنني أتمنى وقوع شيء في المستقبل. وكذلك «لعل محمدًا يأتي»، لا تستطيع أن تقول لي: "كذبت"، أنا أرجو رجاءً داخليًا فقط. وكذلك في ألفاظ العقود، مثل شخص يبيع سلعة فيقول: «بعتك هذه السيارة»، فقال المشتري: «اشتريت»، لا تستطيع أن تقول "كذبت" أو "صدقت"؛ لأنه ينشئ عقدًا.
الجملة الإنشائية لا تحتمل الصدق والكذب لأن معناها ليس وجودًا في الواقع الخارجي، وإنما أنت تطلب إيجاده ووقوعه. بينما الجملة الخبرية تحتمل الصدق والكذب لأن معناها موجود في الواقع الخارجي وأنت أخبرت عنه. الجملة الإنشائية مثل الجملة الطلبية؛ يعني: افعل ولا تفعل، الأمر والنهي، وقد مر معنا الطلب: الأمر، والنهي، والدعاء، والاستفهام، والعرض، والتحضيض، والتمني، والرجاء؛ فهذه الأنواع الثمانية للطلب كليتها تعتبر في اللغة العربية جملًا إنشائية، لأنها تطلب، والطلب لا يتوجه إليه الصدق أو الكذب.
كذلك يدخلون ألفاظ العقود في الجمل الطلبية، مثل: «بعتك»، و«اشتريتك»، و«زوجتك»، و«قبلتُ»؛ فهذه الألفاظ لا توجه إليها الصدق والكذب لأنها لإنشاء عقد. فمن قال «بعتك» فهو لا يخبر عن شيء ماضٍ، بل يقول: "أريد أن أبيعك فتشري"، فكلمة «بعتك» هنا معناها إنشاء العقد.
اشتريت لك كذبت أنت ما اشتريت، لا تقدر تقول له؛ لأنه هو الآن يقول لك اشتريت ليس أنه يخبرك، هو في النهاية يقبل شيئًا تعارضت عليه، فهذا لا يقبل التصديق ولا التكذيب.
يقولون الجمل الطلبية وألفاظ العقود، مثل أن يقول شخص لآخر: زوجتك ابنتي، فيقول الآخر: قبلت. ممتاز، هذه لا تقبل التصديق والتكذيب؛ لأنه لا يخبر عن شيء مضى، هو يقول لك: أنا أعطيك ابنتي، تريد أم لا تريد؟ إذا قلت أريد انتهى الأمر، فبذلك لا تصديق ولا تكذيب. فهذه العقود والجمل الطلبية هي جمل إنشائية، والجمل الإنشائية لا يجوز أن تكون صلة للموصول.
لماذا الجملة الإنشائية لا تكون صلة موصول؟ لأن الذي يفهم اسم الموصول يعرف لماذا؛ لأن جملة صلة الموصول يجب أن تكون معهودة عند السامع، من لما يسمعها يعرف الشخص المعين الذي تتكلم عنه. الجمل الإنشائية لن تكون معهودة عند السامع لأنها تطلب شيئًا في المستقبل.
نحن قلنا كيف يدل اسم الموصول على معين؟ أنه من خلال جملة الصلة التي تأتي بعدها، مثل: «جاء الذي أبوه قائم»، «جاء الذي أكرمت أباه»؛ هذه الجمل تكون معهودة ومعروفة عند السامع سابقًا، ومن خلالها سيستدل على الشخص المعين أو الشيء المعين الذي تتكلم عنه. أما الجمل الإنشائية فليست جملة معهودة عند السامع؛ لأنك في الجملة الإنشائية تنشئ شيئًا في المستقبل، تطلب منه شيئًا في المستقبل أو تنشئ عقدًا، فالجمل الإنشائية ليست بطبيعتها معهودة عند السامع، أنت الآن تنشئ شيئًا للمستقبل، فكيف تكون معهودة سابقًا عند السامع؟ يستحيل. فالجملة الخبرية هي التي تأتي جملة صلة الموصول لأنها هي التي تدل على شيء معهود عند السامع. وضعت هذه القضية ولا أريد أكثر من ذلك فيها.
هذا هو الشرط الأول، لذلك انظروا ابن هشام ماذا يقول؟ (أوجه الكاميرا نحو أخي الكريم)، أعلق على كلام ابن هشام، هل الأمور واضحة؟ يقول: «وشرطها أمران»، بدأ بشروط جملة صلة الموصول، الشرط الأول قال: «أحدهما أن تكون خبرية»، وهذا هو الشرط الأول، وفسر معنى خبرية بأنها: «محتملة للصدق والكذب».
فلا يجوز، لا يمكن أن تقول: «جاء الذي أضربه»، نقول خطأ؛ لأن جملة صلة الموصول هنا جملة إنشائية من قبيل الطلب (فعل أمر). هل جملة «أضربه» معهودة عند السامع؟ «جاء الشخص الذي أضربه»، يقول لك: من هذا الشخص الذي تريد ضربه؟ جملة «اضربه» تعني أنك تطلب مني فعل شيء في المستقبل، فالسامع لا يجد فيها دلالة على شخص معين، وبالتالي لم يستفد اسم الموصول هنا وما زال مبهمًا.
بينما لو قال: «جاء الذي ضربته البارحة»، فهذه الجملة معهودة عند السامع، هو يعرف من الذي ضربته. لو قلت له: «جاء الذي ضربته البارحة»، أصبح السامع يعرف من ضربت البارحة. لذلك لازم تكون معهودة، وهذا الشرط الذي لم يذكره ابن هشام هو أنه ليس كل جملة خبرية تصلح أن تكون صلة موصول، لابد أن تكون الجملة الخبرية... سأدخل فيه الآن، دعوني أخلص قراءة ابن هشام، سيكتشفون أنه أيضًا ليست كل جملة خبرية تصلح أن تكون صلة موصول، هناك قيد.
المهم، «جاء الذي أضربه» لا تصح، و«جاء الذي بعتك» كذلك لا تصح. قال: متى؟ قال: «بعتك لا تصح إذا قصدت به الإنشاء»، ومتى تكون «بعتك» وقصدت بها الإخبار؟ إذا كانت «بعته» من ألفاظ العقود. أنا قلت لكم ألفاظ العقود؛ إذا قصدت بها إنشاء عقد الآن، فكلمة «بعتك» و«اشتريت» أنا ممكن أخبر بها عن شيء مضى، مثل: «جاء الذي باعك السيارة البارحة» أو «جاء الذي بعته السيارة البارحة»، هذه صح، لأن المراد بها ليس إنشاء عقد، وإنما الإخبار عن شيء مضى.
وأحيانًا هذه الألفاظ «بعت» و«اشتريت» تستخدم لإنشاء عقد، يعني أمامك شخص يريد أن يشتري منك سلعة، فتقول له: «بعتك»، وهو يقول لك: «اشتريت»، وهذا في الفقه بالتأكيد نتعامل مع هذه الألفاظ، نقول لابد أن تكون إيجابًا بعد قبول وكذا، ونحلل هذه الأمور. هذه ألفاظ العقود إذا كان المراد منها إنشاء عقد الآن؛ ففي هذه الحالة هي من حيث اللفظ هيئة فعل ماضٍ، «بعتك» و«اشتريت» كلاهما فعل ماضٍ، فظاهر اللفظ أنها خبر عن شيء ماضٍ، لكن المعنى حقيقة الذي يحدث الآن ليس شيئًا ماضيًا، المعنى هو: أنا أريد أن أبيعك وأنت تقول: أريد أن أشتري، ففي الحقيقة أنت لا تخبر عن شيء بل أنت تنشئ عقدًا.
لذلك انظر ماذا قلت أنا في الضابط: «يجب أن تكون جملة الصلة خبرية»، ومعنى الاحتراز أنه هناك بعض الجمل هي في ظاهرها تشبه الخبر لكن معناها إنشاء، فتعتبر من قبيل الإنشاء، وهذا مثالها الشهير ألفاظ العقود؛ من حيث الظاهر هي خبر، لكن من حيث المعنى هي إنشاء. وكذلك يقول مثلًا من الألفاظ: «نعم الرجل زيد»، «بئس الرجل خالد»، أنا أمدح شخصًا، أنت لا تقدر أن تقول أنا صادق أو كاذب، فهي كذلك من حيث اللفظ خبر، لكن من حيث المعنى المراد منها الإنشاء.
فالجملة الخبرية التي تأتي صلة الموصول لازم تكون خبرية لفظًا ومعنى، أي أنها إخبار عن شيء فتحتمل التصديق والتكذيب. فإذا قال ابن هشام: «الشرط الأول أن تكون خبرية»، يعني محتملة للصدق والكذب، فلا يجوز «جاء الذي أضربه»، «أضربه» هذه إنشائية لفظًا ومعنى. لاحظوا ابن هشام ماذا قيد؟ قال: «جاء الذي بعتك متى لا تصح؟»، قال: «إذا قصدت به الإنشاء»، يعني إذا لم تقصد...
الإنشاء، وإنما قصدت جاء الذي بعتك؛ الأخبار عن شيء مضى بتصح الجملة، هذه نفسها. لكن إذا أردت ببعتك، يعني جاء الذي يلا بعتك هذه السيارة، الجملة أصبحت مختلة؛ شو: جاء الذي يلا بعتك هذه السيارة؟ أو بعتك هذا العبد؟
جاء الذي، يعني هي جاء لو اقترضنا أنه "الذي" المراد بها عبد، يعني جاء العبد الذي بعتك هذا العبد يلا تشتريه، تنظر أن الجملة مش متزنة، يعني جاء العبد الذي يلا بدي أبيعك إياه تشتريه. لكن لو كان إخباره عن شيء مضى، جاء العبد الذي بعتك أو اللي بعتك إياه السنة الماضية، هون بفهم هو إشي غدا صح؟ فإنت إذا مستحضر فلسفة الاسم الموصول أنه جملته لازم تدل السامع على معهود، بتفهم ليش "بعتك" إذا كانت إنشاء لا تفيد السامع شيئًا، وإذا كانت خبرًا تفيد السامع شيئًا.
قال بخلاف "الذي": جاء الذي أبوه قائم، وجاء الذي ضربته، لأنه هذه الجملة خبرية لفظًا ومعنى تصح. الشرط الثاني، لماذا ابن هشام؟ لأنه هذه الجملة الخبرية لفظًا ومعنى يجب أن تكون معهودة عند السامع، يعني مش فقط القضية أن تأتي بأي جملة خبرية وتضعها صلة للموصول، لا، جملة صلة الموصول الخبرية هي التي تريد أن تستخدمها ينبغي أن تكون معهودة عند السامع، يعرف هذه الجملة مسبقًا.
لماذا؟ وهذا كررته كثير؛ لأن معرفته السابقة بهذه الجملة الخبرية ستدلّه على المراد بالاسم الموصول. فإذا قلت أنا جاء الذي -قلتها للشيخ الإمام الذي يجلس أمامي- جاء الذي أكرمته البارحة، لابد أن يكون الأخ الكريم الذي يجلس أمامي يعرف من هو الذي أكرمته البارحة، حتى لما أقول جاء الذي أكرمته البارحة خلص يعرف من هو الشخص. وإلا لو قلت لك جاء الذي أكرمته البارحة وأنت لا تعرف من الذي أكرمت البارحة، أنت لم تستفد شيئًا من هذه الجملة ولم تعرف الاسم الموصول على من يدل، فبالتالي انتفت فائدته، فلا بد تكون جملة صلة الموصول معهودة عند السامع.
وهنا طبعًا هناك قضايا ما أريد أن أدخل فيها الآن ولا أخليها لشروح مطولة. يقولون أحيانًا جملة صلة الموصول تكون تدل على التفخيم والتعظيم، كقوله تعالى: ﴿فَغَشِيَهُم مِّنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾ [الطور: 43]. يقولون هنا جملة صلة الموصول لما تقول غشيهم ما غشيهم، يعني غضبت منك الغضب الذي غضبته، المراد بها عند العرب في علم البلاغة التعظيم والتفخيم. فقوله تعالى: ﴿فَغَشِيَهُم مِّنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾، هذا النوع يسمى عندهم إبهام المراد به التهويل والتفخيم والتعظيم، يعني غشيهم شيء عظيم من اليم.
وجملة صلة الموصول هنا "ما غشيهم" ليست معهودة عندك، أنت ما بتعرف إيش اللي غشيهم، فهي في الحقيقة مجهولة عند السامع. لكن لما أريد بها التفخيم والتهويل والتعظيم حقيقة ولم يرد بها الدلالة على معين، سُمح فيها أن تكون مجهولة، فهذا شبه استثناء، تستطيع أن تقول شبه استثناء في هذه الحالة إذا كان المراد بالاسم الموصول ليست دلالة على معين، وإنما المراد به التهويل والتعظيم، في هذه الحالة أجاز العلماء أن تكون صلة الموصول مجهولة لا تدل على شيء معهود عند السامع، والمثال المشهور: ﴿فَغَشِيَهُم مِّنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾.
في الدرس الماضي ذكرنا قضية، لأن خلص انتهيت من هذه القضية الاستثنائية، قضية أن الأسماء الموصولة عند إخواننا الأصوليين تعتبر من صيغ العموم، وقلنا كما ذكر الزركشي في البحر المحيط أنه هذا مشكل؛ كيف تجعل الاسم الموصول يدل على عموم مع أن الأصل أن تكون جملة صلة الموصول معهودة تدل السامع على معين واحد فقط أو جماعة معينة فقط؟ فهذه في الحقيقة فيها استشكالات كثيرة.
وكأن الأصوليين لهم رأي آخر يختلف عن رأي النحاة، أنا ممكن أقول ارتأيت في هذه القضية أن نقسم الأسماء الموصولة إلى نوعين -وهذه تقرأ ضعها على الهامش قد توافقني قد تخالفني، أنا أحب أن يثرى هذا النقاش في هذه القضية لأنها مشكلة عند الأصوليين، يقولون بدنا حل لهذا الموضوع-: نقول الأسماء الموصولة على نوعين: أسماء موصولة المراد منها الدلالة على شخص معين، جاء أو شيء معين ذهب أو طائفة معينة ماتت، باختصار يكون الاسم الموصول المراد به الدلالة على معين، فهذا الذي يشترط فيه أن تكون جملة معهودة عند السامع.
وأحيانًا يكون الاسم الموصول ليس المراد منه الدلالة على معين، وإنما المراد منه إعطاء حكم عام، وفي هذه الحالة لا يشترط أن تكون جملة صلة الموصول معهودة، كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: 275]. الآن يأكلون الربا، الأصل أنا إذا بدنا نطبق قواعد النحاة "الذين يأكلون الربا" لازم السامع يحمل "يأكلون الربا" على شيء معين، من هم الذين يأكلون الربا؟ السامع عنده معهود الذين يأكلون الربا، عارف من هم، فمن لما سمعها عرف الأشخاص أو الطائفة التي نتكلم عنها، ممتاز عودة الطائفة التي نتكلم عنها.
لكن في الحقيقة الآية جاءت على عمومها، أي شخص يأكل الربا لا يقوم إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس، صعب تقول إن الآية هنا "يأكلون الربا" تتكلم عن جهة مجموعة معينة من الناس عرفهم السامع حين تكلمنا بها، إلا أن نكون ننزل هذه الجملة منزلة المعلوم، ننزلها تنزيلاً، يعني هي في الأصل لا تدل السامع على طائفة معينة، لكن يمكن بنوع من التأويل أن نقول والله هذه الجملة في حكم الجملة المعهودة عند السامع وإن لم تكن معهودة على وجه الحقيقة، وهذا كلام طويل لا أريد أن أناقش فيه الآن. باختصار هكذا يقول إنه يجب أن تكون معهودة عند السامع، لأن هذه فلسفة الاسم الموصول.
الشرط الثالث لجملة صلة الموصول أن تحتوي على ضمير يعود على الاسم الموصول، هذا واجب، يجب أن تحتوي جملة صلة الموصول على ضمير يعود على الاسم الموصول، ويكون هذا الضمير مطابقًا للاسم الموصول من حيث الإفراد أو التثنية أو الجمع أو التذكير والتأنيث. فإذا كان الاسم الموصول مفردًا يجب أن يكون الضمير مفردًا، إذا كان مفردًا مؤنثًا يجب أن يكون...
الضمير مفرد مؤنث، وإذا كان مثنى مذكرًا يجب أن يكون الضمير مثنى مذكرًا، وإذا كان مثنى مؤنثًا يكون الضمير مثنى مؤنثًا. وإذا كان الاسم الموصول لجماعة ذكور يجب أن يكون الضمير لجماعة ذكور، وإذا كان الاسم الموصول لجماعة إناث يكون الضمير لجماعة إناث. فيجب أن يكون الضمير الموجود في جملة صلة الموصول، والذي يسمى العائد، يكون مطابقًا للاسم الموصول من حيث الإفراد والتثنية والجمع، والتذكير والتأنيث. هذه الشروط الثلاثة لجملة صلة الموصول، سواء كانت اسمية أو فعلية، وتكون خبرية لفظًا ومعنى؛ هي في اللفظ والمظهر لفظية، وفي المعنى تدل على خبر، وأن تكون معهودة عند السامع. وعرفنا مع الأصوليين أن تحتوي على ضمير يعود على الاسم الموصول، ويكون هذا الضمير مطابقًا للاسم الموصول من حيث الأنواع التي ذكرتها.
الآن سنتكلم عن الشرط الثالث بشيء من التفصيل لم يذكره ابن هشام وإنما أشار إليه إشارة سريعة، وهي قضية أن الضمير العائد الذي يعود على الاسم الموصول قد يكون مذكورًا ظاهرًا في جملة صلة الموصول، وقد يكون محذوفًا لكنه مقدر، وهذا كثير أن يحدث؛ إذ يقدر الضمير العائد في السياق. سأتكلم عن شروط حذف الضمير، لأن حذف الضمير العائد ليس هكذا على إطلاقه، يحذف الإنسان متى شاء وقت ما شاء، بل له شروط لم يذكرها ابن هشام هنا.
وأنا في الحقيقة في شرحي لـ "قطر الندى" أيها الأحبة أسعى أن أؤَسِّس الطالب للألفية، فكثير من الأمور أذكرها وأتوسع بها حتى إذا وصل الطالب إلى الألفية يكون قد شرح تقريبًا سبعين بالمئة منها، فبالتالي سنعطيه معلومات جديدة أوسع في موضوع الألفية وحول أبياتها. أما إذا شرحت شرحًا مختصرًا مقتضبًا، فعندما آتي سنحتاج إلى وقت طويل في الشرح لإعادة تفاصيل كثيرة. أما هنا، من ضبط "قطر الندى" فإننا نذكر إن شاء الله ضبط سبعين بالمئة من ألفية ابن مالك، يبقى عليه ثلاثين بالمئة، ونضيف له فوائد جديدة إن كان في العمر بقية.
نقول أيها الأحبة، مسألة في حذف الضمير العائد، دعوني أعود إلى ابن هشام أقرأ ما قاله في الشرط الثاني ثم أذهب إلى هنا. الشرط الثاني قال: "أن تكون مشتملة"، يعني أن تكون جملة صلة الموصول مشتملة على ضمير مطابق للموصول، لاحظ: مطابق في أفراده وتثنيته وجمعه وتذكيره وتأنيثه. نحن نقول: "جاء الذي أكرمته"، و"جاءت التي أكرمتها"، لاحظ كيف المطابقة. "جاء اللذان أكرمتهما"، و"جاءت اللتان أكرمتهما"، طبعًا في التثنية سواء مذكر أو مؤنث ستأتي المطابقة، يعني الضمير المثنى مذكرًا أو مؤنثًا كان واحدًا. "وجاء الذين أكرمتهم"، و"جاءت اللواتي أكرمتهن"، جميل، لاحظوا المطابقة.
بعد هذا الشرط قال ابن هشام: "وقد يحذف الضمير"، يعني قد يحذف هذا الضمير العائد سواء كان مرفوعًا. نحو قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَنَنزِعَن مِّن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ﴾ [مريم: 69]. أين الاسم الموصول أولًا؟ حدد أين الاسم الموصول؟ "أيّ"، وهو مضاف ومضاف إليه. أين جملة صلة الموصول؟ تقول جملة صلة الموصول، هذه ذكرناها في الدرس الماضي، هناك مبتدأ محذوف تقديره "هو" والخبر مذكور "أشد"، فالجملة: "أيّ هو أشد"، جملة اسمية، لكن حذف المبتدأ الذي هو الضمير العائد. والمبتدأ هنا هو "هو"، وهو الضمير العائد على الاسم الموصول "أيّ"، ولا تفكر أن الضمير العائد هو المضاف إليه، مستحيل أن يكون الضمير العائد هو المضاف إليه؛ لأنك تكون أضفت الشيء إلى نفسه، فالضمير العائد هو "هو" المحذوف، فتقدير الجملة: "أيّ هو أشد".
وقد يكون الضمير العائد المحذوف منصوبًا، نحو: ﴿وَمَا عَمِلَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة: 270]. قرأ غير حمزة والكسائي وشعبة: "وعَمِلَتْ" بالتاء، كما في قراءتنا "ول يأكلوا من فمه وما عَمِلَتْ أيديهم"، هذه في قراءتنا عاصم وفي قراءة أغلب القراء. أما قراءة حمزة والكسائي وشعبة، فقد قرأوها بحذف الضمير: "وما عَمِلْ أيديهم"، لذلك قال: "قرأ غير حمزة والكسائي وشعبة عَمِلَتْ"، فنحن في قراءتنا: "وما عَمِلَتْ أيديهم".
وقد يحذف الضمير العائد مجرورًا، قال: "أو مخفوضًا بالإضافة"، يعني يكون مخفوضًا بالإضافة كقوله تعالى: ﴿فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ﴾ [طه: 72]. الاسم الموصول "ما"، وجملة صلة الموصول "أنت قاضٍ". أين الضمير العائد؟ هناك خطأ يقع فيه البعض فيستعجل في التفسير، الضمير العائد هو الذي يفسر لي الاسم الموصول، فمعنى "فاقضِ ما أنت قاضٍ" أي: فاقضِ الشيء الذي أنت قاضيه، فهناك ضمير الهاء يتصل بـ "قاضيه" لكنه محذوف هنا. أيها الأحبة، العائد هو الذي يفسر الاسم الموصول فيجب أن يكون مطابقًا له. وبعض الإخوة يستعجل بظن أي ضمير في جملة صلة الموصول هو العائد، لا، بل يجب أن يكون الضمير العائد على الاسم الموصول هو الذي يفسر الاسم الموصول ويبين معناه.
وقول الشاعر: سَتُبْدِي لَكَ الأَيَّامُ مَا كُنْتَ جَاهِلًا ... وَيَأْتِيكَ بِالأَخْبَارِ مَنْ لَمْ تُزَوِّدِ وَيَأْتِيكَ بِالأَخْبَارِ مَنْ لَمْ تُبَاحِ لَهُ ... بِتَاتًا وَلَمْ تَضْرِبْ لَهُ وَقْتَ مَوْعِدِ
هذه الأبيات لامرئ القيس في معلقته المشهورة، فقوله: "ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً"، التقدير: "ما كنت جاهله"، فهناك ضمير محذوف متصل بـ "جاهل" هو الذي يعود عليه، وهذا حذف الضمير المجرور بالإضافة.
وقد يكون الضمير المحذوف مجرورًا بحرف الجر وليس بالإضافة، لذلك قال: "أو مخفوضًا بالحرف"، كقوله: ﴿وَيَأْكُلُوا مَا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُوا مِمَّا تَشْرَبُونَ﴾ [المائدة: 66]. التقدير في الجملة الثانية: "ويشربوا مما تشربون منه"، فـ "منه" هنا محذوفة والضمير الذي في "منه" هو الذي يعود على "ما" المتصلة به. ومن الأمثلة أيضًا: "نصلي للذي صلت قريش ونعبده وإن جحد العموم"، أين الضمير العائد على "الذي"؟ محذوف، والتقدير: "المصلي للذي صلت قريش له". وفي هذا الفصل تفاصيل كثيرة لا يليق بها هذا المختصر. الآن كم ذهب من الوقت؟
الآن أيها الأحبة، أنا قرأت الباب سريعًا لكن لأني أريد توضيحه مرة أخرى هنا. الآن ننظر أيها الأحبة في حذف الضمير العائد؛ ابن هشام ذكرها سردًا لم يبين الشروط، وحين قال في النهاية: «وهناك تفاصيل كثيرة»، هو يريد الشروط، وأنا سأبينها لك حتى تفهم فلسفة حذف العائد، ولو أنها شروط.
قال: حذف الضمير العائد. الآن الضمير العائد على الاسم الموصول إذا كان مرفوعًا فإنه لا يحذف إلا إذا كان مبتدأً. حذف الضمير العائد المرفوع يقصدون بالمرفوع هنا الضمير العائد إذا كان مبتدأً في الجملة. مثال ذلك: «جاء الذي هو قائم في المسجد»، الآن هو قائم في المسجد جملة صلة الموصول، أين الضمير العائد على الذي؟ هو، ما موقعها الإعرابي؟ مبتدأ.
هذا الضمير العائد المرفوع يجوز حذفه من الجملة وأن تقول: «جاء الذي قائم في المسجد». وحينما تعرب يكون: «جاء الذي قائمٌ في المسجد»، قائمٌ خبر لمبتدأ محذوف تقديره هو، هو العائد على الذي. وإلا فإن «قائم في المسجد» ليس فيها ضمير يعود على الذي، بالتالي يجب أن تبحث عن الضمير العائد، لازم يكون موجودًا، فإذا لم يكن موجودًا ظاهرًا أمامك، فإنه يكون مقدرًا. فقولك: «جاء الذي قائم في المسجد» ما فيها ضمير، إذًا أين الضمير؟ قائم خبر لمبتدأ محذوف تقديره هو، وهذه المضافة هي الضمير العائد. فإذا حذف الضمير العائد يجوز في حالة الرفع، والضابط أن يكون هذا الضمير المحذوف في حالة المبتدأ.
ولا تخلط بين الضمير المستتر في الفعل. مثلا لو قلت: «جاء الذي أكرم بكرًا»، الآن «أكرم» فعل ماضٍ، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو، فيأتي هو، وهو العائد على الاسم الموصول. يأتيه طارق يا قوت! طيب يا شيخ، لماذا أنت قلت حذف الضمير العائد المرفوع أنه يكون مبتدأ؟ الضمير العائد هنا تقديره هو مرفوع، وهو مستتر في «أكرم»، نقول الضمير المستتر في الفعل، لا نقول إنه محذوف؛ لأنه لم يكن موجودًا حتى يحذف، بل هو ابتداء جاء مستترًا.
فقولك: «جاء الذي أكرم بكرًا» صحيح، المستتر في «أكرم» الذي هو الفاعل تقديره هو، هو العائد على الذي، لكنه هنا لا نقول إنه محذوف، بل نقول إنه مستتر. فهو هكذا جاء ابتداءً، بخلاف الجملة السابقة «جاء الذي هو قائم في المسجد». هل في واحد يقول والله المبتدأ ضمير مستتر؟ هنا المبتدأ ضمير ظاهر حذف من الجملة. فرق هنا، تقول المبتدأ ضمير ظاهر حذف من الجملة، حينما جاء «الذي أكرم بكرًا»، «أكرم» ليس فيها ضمير ظاهر حذف، هو الفاعل ابتداءً ضمير مستتر.
أنا أذكر هذا حتى لا يختلط الأمر عليك، لكي لا يكون عندك مشكلة ذهنية لما قرأت وسمعت كلامي. أنا أقول حذف الضمير العائد المرفوع، وما هو الضمير العائد المرفوع الذي يحذف؟ هو المبتدأ فقط. طب يا شيخ، مش ممكن يكون الضمير العائد المرفوع فاعلًا أو نائب فاعل؟ أقول: صح ممكن يكون الضمير العائد نوعه فاعل أو نائب فاعل، وهذا ضمير رفع لكنه لا يكون محذوفًا، لا نقول إنه محذوف، بل نقول إنه مستتر، والاستتار غير الحذف. الحذف يكون الشيء ظاهرًا وأنت تسقطه، وأما الضمير المستتر فهو ابتداء جاء مستترًا لم يكن ظاهرًا ثم استتر، فهو يعتبر في حكم الظاهر. فلا نقول إن هنا العائد حُذف، بل العائد مستتر، بينما «جاء الذي قائم في المسجد» العائد حذف. هل اتضح الفرق بين الجزئيتين؟
إذًا حذف الضمير العائد إذا كان هذا الضمير العائد مرفوعًا تقول: لا يحذف إلا إذا كان مبتدأً. واضحة هذه القضية، لكن هناك شروط؛ يعني أنا عرفت أنه يكون المبتدأ، لكن حتى يحذف هذا الضمير العائد المرفوع المبتدأ هناك شروط. الشرط الأول أن تكون جملة صلة الموصول طويلة، بحيث يبقى بعد حذف الضمير العائد المرفوع المبتدأ اسمًا طويلًا، بحيث يبقى بعد حذف الضمير العائد المرفوع المبتدأ أكثر من كلمة.
أنا ذكرت مثالًا هنا على ما وجدت فيه الشرط مختلفًا فيه. ما أنا بـ«الذي قائم في المسجد»، الآن «قائم في المسجد» ما فيها ضمير يعود على الذي. إذا كان هناك ضمير يعود على الذي تصبح هذه الجملة غير صحيحة، لا تصلح أن تكون جملة صلة موصول، لأن شرط جملة صلة الموصول كما تكلمنا قبل قليل وجود العائد. أين العائد؟ العائد هو الضمير الواقع مبتدأ والذي حذف، فاصلاً الجملة: «ما أنا بالذي هو قائم في المسجد». الآن لما حذفته هو، ماذا بقي بعد الحذف؟ كم كلمة بقيت؟ ثلاث كلمات: «قائم في المسجد». فنقول هنا جملة صلة الموصول طويلة. ماذا يعني جملة الموصول طويلة؟ يعني بعد ما حذفت المبتدأ ما بقي من الجملة أكثر من كلمة، بقي كلمتان فصاعدًا، فبالتالي هنا يجوز حذف الضمير العائد المرفوع.
بينما لو كانت قصيرة، لو أنا حذفت فقلت: «ما أنا بالذي معجبك»، نفس الشيء ما عندنا ضمير عائد نلاقيه، فيأتي شخص يقول الضمير العائد محذوف، وتقدير الجملة: «ما أنا بالذي هو معجبك»، حذفت الضمير العائد المبتدأ المرفوع فصارت: «ما أنا بالذي معجبك»، فتقدر «معجبك» خبر لمبتدأ محذوف تقديره هو. نقول هذا لا يصلح هنا، لا ينفع، لا يعتمد. لا ينفع تحذف هو، لازم تنص عليها، تقول: «بالذي هو معجبك». لماذا لا يصلح حذف «هو» هنا؟ لأن بعد حذفه كم كلمة بقيت في الجملة؟ بقيت كلمة واحدة، يعني بالتدقيق تقول «معجب» ولا كلمة والضمير كلمة، لكن في الظاهر بقي كلمة واحدة هي «معجبك». فقالوا: «ما أنا بالذي معجبك»، لا، لا ينفع هكذا، لأنه ما بعد حذف الضمير لم تبقَ إلا كلمة واحدة، فبالتالي هذه صلة قصيرة بعد حذف الضمير فلا تصلح.
طبعًا هذا بالاستقراء لكلام العرب، هكذا وجدوهم، ما يحذفون الضمير العائد المرفوع المبتدأ إلا إذا كانت جملة الموصول تبقى طويلة بعد حذف المبتدأ. ماذا يعني تبقى طويلة؟ يعني تبقى من كلمتين فصاعدًا، كضابط عام. هل هذا الشرط أيها الأحبة في جميع الأسماء الموصولة؟ في الحقيقة لا.
هذا الشرط أن تكون جملة صلة الموصول طويلة بعد حذف الضمير العائد المرفوع المبتدأ، بحيث يبقى أكثر من كلمة، هذا لجميع الأسماء الموصولة إلا "أي"؛ فإني معاملة خاصة، يجوز حذف الضمير العائد المرفوع منها حتى ولو كانت جملة صلة الموصول بعد الحذف قصيرة، حتى ولو لم يبقَ إلا كلمة واحدة، وأكبر دليل الآية القرآنية التي عندنا: ﴿لَنُخْرِجَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ [مريم: 69].
الآن جملة صلة الموصول في الأصل كانت: "هو أشد"، فماذا بقي بعد الحذف؟ بقي "أشد" كلمة واحدة، فلاحظ أن هنا مع أن بعد حذف الضمير العائد المرفوع بقيت كلمة واحدة ومع ذلك صح الحذف. فقالوا إذا هذا الشرط الذي هو أن تكون جملة صلة الموصول بعد حذف الضمير العائد المرفوع طويلة، يكون في جميع الأسماء الموصولة: التي، واللاتي، واللذان، واللذان، ومن، وما وغيرها، إلا "أي" فيجوز فيها حذف العائد المرفوع المبتدأ حتى ولو لم يبقَ من الجملة إلا كلمة واحدة بعد الحذف.
الشرط الثاني إذا لم تتحقق الشروط، لكي لا نختصر على أنفسنا؛ الشرط الأول أن تكون جملة صلة الموصول طويلة بحيث يبقى بعد حذف الضمير العائد المرفوع المبتدأ أكثر من كلمة، أما الشرط الثاني أيها الأحبة، فهو ألا تصلح جملة صلة الموصول بعد حذف الضمير بأن تكون وحدها صلة الموصول من دون الحاجة إلى تقدير ضمير. أريد أن أصوغها بشكل أخسر: ألا يكون الباقي من جملة الصلة بعد الحذف للضمير يصلح وحده لأن يكون صلة.
هذا شرط مهم وخطير، أيها الأحبة، يقول: إذا أردت أن تحذف الضمير العائد المرفوع المبتدأ، لازم أن الباقي من جملة صلة الموصول بعد الحذف لا يصلح وحده لأن يكون صلة للموصول؛ لأنه إذا كان هو وحده بعد الحذف يصلح لأن يكون صلة الموصول، فلن يكون عندي دليل على الضمير المحذوف، هكذا المنطق.
إذا كانت جملة صلة الموصول بعد حذف الضمير العائد المرفوع المبتدأ تصلح وحدها لأن تكون صلة للموصول فلا يجوز حذف الضمير منها؛ لماذا؟ لأنك إذا حذفت الضمير منها وهي وحدها وهذا الباقي يصلح لأن يكون صلة للموصول، لن يبقى عندي دليل على المحذوف. وشرط الحذف كما يقول ابن مالك في الألفية: «وحذف ما يُعلم جائز»، لازم الشيء المحذوف يبقى في السياق دليل عليه في جملة ما.
مثال: "ما أنا بالذي قائمٌ في المسجد". "قائمٌ في المسجد" بعد حذف الضمير المبتدأ لا تصلح وحدها لأن تكون جملة صلة موصول، لأنها باختصار لا تحتوي على عائد يعود على الاسم الموصول، فأنا مضطر إذاً أن أقدر المبتدأ: "ما أنا بالذي هو قائمٌ في المسجد".
بينما أيها الأحبة، لو قلت لكم: "جاء الذي ضربته"، لا يصلح هنا أن تقول إن الضمير العائد على الاسم الموصول محذوف، وأصل الجملة "جاء الذي هو ضربته"، وتقول "ضربته" والله الجملة الفعلية خبر للمبتدأ المحذوف "هو"، هذا لا ينفع. لماذا؟ لأنه حين تحذف "هو" تصبح الجملة "جاء الذي ضربته"، و"ضربته" وحدها تصلح لأن تكون جملة صلة موصول، لأنها تحتوي على ضمير يعود على "الذي"، أليس ضميراً يصلح أن يعود على "الذي"؟ نعم.
لو جاء رجل فقال: أنا قصدت "جاء الذي هو ضربته"، فحذف "هو" فقال: "جاء الذي ضربته"، وأراد أن يقول العائد على "الذي" محذوف تقديره "هو" وجملة "ضربته" هي خبر لهذا الضمير العائد، أقول: هذا لا ينفع. لأنه إذا أسقطت "هو" وقلت "جاء الذي ضربته"، فإن الباقي بعد إسقاط "هو" -وهي جملة "ضربته"- هي وحدها تصلح لأن تكون جملة صلة موصول متوفرة فيها جميع الشروط؛ جملة خبرية معهودة عند السامع وتحتوي على ضمير عائد يصلح لأن يفسر الاسم الموصول.
فبالتالي بما أن هذه الجملة الباقية تصلح وحدها لأن تكون صلة موصول، فأنا كسامع ليس عندي دليل على وجود حذف لذلك الضمير الذي تدعيه، كيف أعرف أنك كمتكلم قصدت أن هناك ضميراً محذوفاً وهو مبتدأ وجملة "ضربته" هي خبر عنه؟ ما عندي دليل. بخلاف "ما أنا بالذي قائمٌ في المسجد"؛ "قائمٌ في المسجد" ما فيها ضمير يعود على الاسم الموصول "الذي"، فبالتالي أنا محتاج أن أقدر المبتدأ حتى يبقى عندي في هذه الجملة ضمير عائد على المبتدأ؛ فـ "قائمٌ في المسجد" وحدها لا تصلح أن تكون صلة موصول لولا تقدير المبتدأ المحذوف.
فهذا هو الشرط الثاني؛ إذاً الشرط الأول أن تكون جملة صلة الموصول طويلة بحيث يبقى بعد حذف الضمير العائد المرفوع المبتدأ أكثر من كلمة، وهذا في غير "أي". أما "أي" فيجوز أن تكون جملة صلة الموصول قصيرة. والشرط الثاني أن لا يكون الباقي من جملة صلة الموصول بعد حذف الضمير يصلح وحده لأن يكون صلة.
أكتب هذا المثال: "جاء الذي ضربته"، لو أن المتكلم قصد "جاء الذي هو ضربته" وحذف "هو" نقول هذا خطأ؛ لأنه بعد حذف "هو" من الجملة أصبحت الجملة "جاء الذي ضربته"، و"ضربته" وحدها تصلح أن تكون صلة موصول لتوفر جميع الشروط فيها، وبالتالي لن يبقى هناك دليل على وجود ضمير محذوف عائد تقديره "هو". أما إذا كانت الجملة بعد حذف الضمير العائد لا تصلح وحدها لأن تكون جملة صلة موصول مثل: "ما أنا بالذي قائمٌ في المسجد"، فهنا سيبقى دليل عندي على وجود الضمير العائد المحذوف المبتدأ، واضح القضية؟ وهذا الشرط الثاني يشترط في الجميع، وليس فقط في غير "أي"، فلا تقل: يا شيخ، الشرط الثاني "أي" تستثنى منه.
أيضًا فيه إذا كان بعد حذف الضمير المبتدأ، العائد بعد «أي» تبقى جملة الصلة الباقية تصلح وحدها لأن تكون صلة لـ«أي»، لا يجوز حذف هذا الضمير العائد. لاحظ إذا حذف الضمير طلعت «قصة». إذا حذف الضمير العائد المرفوع انتهينا منه.
حذف الضمير إلى العائد المنصوب، إذا أردت أن تحذف الضمير العائد المنصوب أيها الأحبة، هناك شرط: أن يكون هذا الضمير العائد منصوبًا الذي تريد حذفه منصوبًا بفعل أو وصف. إذا كانت جملة صلة الموصول الضمير العائد فيها ضمير نصب، هل يجوز حذف هذا الضمير؟ نقول يجوز في حالتين: إذا كان ناصبه فعلًا أو وصفًا.
ماذا يعني وصفًا؟ يعني وصف عندك خبرة، يعني مشتق من المشتقات الخمسة؛ فالوصف هنا يقابل الاسم. الاسم الجامد باختصار الذي ليس مشتقًا، فالوصف هنا يقابل الاسم الجامد. فإذا كان الضمير العائد المنصوب منصوبًا بفعل أو وصف يجوز حذفه.
انظروا المثال يمثل في ابن هشام رحمه الله: قال: ﴿وَمَا عَمِلَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ على قراءة حمزة والكسائي. ما «عملت أيديهم»؟ ما التقدير؟ الجملة الأصلية؟ لاحظ أنت بدك تحلل «ما عملت أيديهم»، الآن في ضمير في الجملة ظاهر وهو في «أيديهم»، الضمير «هم» في «أيديهم». هل الضمير في «أيديهم» هو الذي يفسر «ما»؟ يعني الشيء الذي عملت أيديهم، أيديهم الضمير «هم» هذه، فـ«أيديهم» ما له علاقة بـ«ما».
أي الضمير الذي يفسر «ما» مش موجود يا شيخ؟ طب ما نقدر نقدره؟ والله ممكن تقديره: «وما عملته»، وهذا هو الأصل عند الجمهور، هكذا القراءة. «وما عملت» يعني الشيء الذي عملته أيديهم، فالضمير المحذوف من «عملته» وهو ضمير نصب؛ لأننا أخذنا «عملته»، الهاء ما بتيجي ضمير رفع، بل ضمير نصب لأنها اتصلت بفعل.
إذاً «ما عملته أيديهم»، هل يجوز حذف الهاء هنا؟ هل يجوز حذف العائد هنا؟ تقول نعم يجوز حذف العائد هنا؛ لماذا؟ لأن العائد هنا منصوب بفعل. والمرفوع بوصف، عفواً، المنصوب بوصف، العائد الذي يكون متصلًا بـ«ضارب» باختصار، باسم فاعل، أو متصل باسم مفعول، أو متصل بصفة مشبهة، أو متصل بصيغة مبالغة.
تقول مثلاً: جاء الذي زيد ضارب. إذاً نقول هذه جملة أولاً خبرية، ممتازة، معهودة. بقي العائد، أين العائد؟ نقول العائد محذوف وتقديره: «جاء الذي زيد ضارب إياه». وهكذا قدرتها، أنا ما قدرت «ضاربه»، لا، «جاء الذي زيد ضارب إياه»، لأنه إذا كان موصوفًا تخليه مجرورًا. «ضارب إياه»، إياه أيها الأحبة مفعول به منصوب بماذا؟ باسم الفاعل «ضارب»، وحذف من الجملة وهو الذي يعود على الاسم الموصول، يعني هو العائد.
هل يجوز حذف «إياه» من الجملة؟ تقول نعم يجوز حذف «إياه» من الجملة؛ لماذا؟ لأنها منصوبة بوصف، اسم فاعل، والقاعدة تقول: الضمير العائد المنصوب إذا كان منصوبًا بفعل أو بوصف يجوز حذفه. فيجوز أقول: «ذا الذي زيد ضارب» وأقصد «جاء الذي زيد ضارب إياه». ممتاز.
أما إذا كان الضمير العائد المنصوب منصوبًا بحرف، مثلاً: «جاء الذي إنه قائم»، أقول «جاء الذي إن قائمون»؟ لا، لا يصير. الآن الضمير هذا منصوب على أنه اسم «إن»، بس منصوب بماذا؟ بحرف، مش منصوب بفعل ولا بوصف. «جاء الذي إنه قائم»، والضمير العائد المحذوف هو اسم «إن»، لا، بنقول ما بيصير تحذف «إنه» في الجملة هنا؛ لماذا؟ لأنه هنا الضمير العائد المنصوب نصبه بحرف، ليس بفعل ولا بوصف، وبالتالي لا يجوز حذفه وإسقاطه. هكذا سمع عن العرب؛ لو كان الهاء منصوبة بفعل أو بوصف يجوز حذفها، إذا كانت منصوبة بحرف مثل «إن» أو ما شابه ذلك لا يجوز أن تحذف. لذلك شرط حذف الضمير العائد المنصوب أن يكون منصوبًا بفعل أو بوصف.
انتهينا أنا بالنهاية، ما بدي أطول عليكم في هذا، لكن أشعر أنه هذا لازم تحيط به، يعني ما ينفع فقط أنك تفهم يجوز حذف الضمير العائد وتمشي، بدك تعرف متى يحذف، إذا كان مرفوعًا ما الشروط؟ إذا كان الضمير العائد منصوبًا متى؟ طيب، إذا كان الضمير العائد مضافًا إليه، أو مضافًا إلى ما بحرف الجر.
إذا كان مجرورًا بالإضافة عندي شرط، الشرط هو أن يكون مجرورًا بوصف عامل. ماذا يعني بوصف؟ أخرج بكلمة وصف أي الاسم الجامد، فلازم إذا أردت أن تحذف الضمير العائد المجرور بالإضافة أن يكون هذا الضمير العائد المجرور بالإضافة مضافًا إلى ماذا؟ إلى وصف، يعني إلى أحد المشتقات الخمسة، ويكون هذا المشتق أيضًا عاملًا وليس مهملًا عن العمل. يعني في أوصاف أحيانًا بتكون عاملة لأنها استوفت شروط عملها، وفي أوصاف يعني مشتقات ما بتعمل في بعض الجمل لأنها ما استوفت شروط عملها.
ما هي شروط العمل؟ ليس هنا شرحها، هذا بده دروس، هذا نشرحه إن شاء الله لما يتكلم ابن هشام عن اسم الفاعل وأيش شروط عمله، واسم المفعول وأيش شروط عمله، واسم التفضيل، والصفة المشبهة. بتعرف أن هناك متى يكون الوصف عاملًا ومتى لا يكون عاملًا، لكن هنا أعطيك المعلومة جاهزة: الضمير العائد المجرور بالإضافة لا يُحذف إلا إذا كان مضافًا إلى وصف، يعني مشتق وليس أي مشتق، بل مشتق يعمل.
مثل قوله تعالى: ﴿فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ﴾ [النساء: 128]. أصل الجملة: «فاقضِ ما أنت قاضيه»، «ما» اسم موصول، مفعول به إعرابًا، جميل. «أنت» مبتدأ، أنت مستحيل تكون هي المفسرة لـ«ما»، لأن «اقضِ الشيء» أنت لا تفسر «ما» إذا لم تكن هي العائد قطعًا. «فاقضِ ما أنت قاضٍ»، يا شيخ طب بدنا ضمير يعود على «ما» المفسرة لها؟ الضمير العائد هنا محذوف، وأصل الجملة: «فاقضِ ما أنت قاضيه»، حذف الضمير العائد وأصبحت: «فاقضِ ما أنت قاضٍ». هل يجوز حذف الضمير العائد هنا؟ نقول نعم يجوز حذفه؛ لأنه مجرور بماذا؟ بوصف، اسم فاعل «قاضٍ» وهو عامل. لماذا هو عامل؟ ما راح تعرف الآن، بعدين بفهمك.
لو كان جاء الذي ضربت غلامه، أين الضمير العائد على "الذي"؟ الشخص الذي أنا ضربت غلامه، أين الضمير العائد على "الذي"؟
تحليل سريع وواضح، ما هي الضمائر في الجملة؟ أنا هنا ما حذفت شيئًا، أين الضميران؟ التاء مستحيل لأنها ترجع لي أنا، إذًا هو الهاء؛ "جاء الذي ضربت غلامه"، الهاء في "غلامه" هي الضمير العائد على "الذي". والهاء الآن مجرورة بالإضافة؛ لأن "غلام" مضاف والهاء مضاف إليه، صح؟ فالهاء والضمير مجرور بالإضافة.
هل يجوز الحذف هنا؟ هل يجوز حذف الهاء فأقول: "جاء الذي ضربته غلامًا"؟ هل يصير يحكي: "جاء الذي ضربته غلامًا" وأحذف الهاء وأقدرها؟ نقول لا يجوز حذف الضمير العائد هنا؛ لأنه الضمير العائد هنا مجرور بالإضافة، والإضافة ليست إلى وصف عامل، فإضافته لاسم جامد "غلام" اسم جنس جامد، فلا يجوز أن أقول: "جاء الذي ضربت غلامًا" وأقول والله أصلها "جاء الذي ضربت غلامه" وحذفت الضمير، ما يصير؛ لأن "غلام" ليس وصفًا عاملًا، ليست مثل "قاضٍ" فيما أنت قاضٍ وأصل "ما أنت قاضيه". فبحتى تعرف إذا كان حذف الضمير المجرور جائزًا إذا كان مجرورًا بالإضافة، يشترط أن يكون مجرورًا بإضافة إلى وصف عامل وليس إلى أي وصف.
إذا كان مجرورًا بالحرف، أحيانًا يكون الضمير العائد على الاسم الموصول مجرورًا بحرف جر، هنا حذفه له قصة. يقولون حذف الضمير العائد المجرور بحرف الجر له شروط: أولًا: أن يكون هذا الضمير العائد مجرورًا، وأن يكون الاسم الموصول مجرورًا بنفس حرف الجر الذي جر الضمير العائد. ثانيًا: أن يكون متعلق حرف الجر الذي جر الاسم الموصول هو نفس متعلق حرف الجر الذي جر العائد. ثالثًا: أن يكون معنى حرف الجر الذي جر الاسم الموصول هو نفس معنى حرف الجر الذي جر الضمير العائد.
ثلاثة شروط، شايفين القضية؟ ليست سهلة. حذف الضمير العائد المجرور بحرف الجر له ثلاثة شروط: الشرط الأول أن يكون الاسم الموصول نفسه مجرورًا بنفس حرف الجر الذي جر الضمير العائد، ثانيًا أن يكون المتعلق (العامل الذي يتعلق به حرف الجر الذي جر الاسم الموصول) هو نفس العامل الذي في حرف الجر الذي جر الضمير العائد، ثالثًا أن يكون معنى حرف الجر الذي جر الاسم الموصول هو نفس معنى حرف الجر الذي جر الضمير العائد.
ما معنى هذا الكلام؟ أريد أن أمثل سريعًا، لاحظوا الأسماء الموصولة أخذت منها درسين في تفصيلها. الآن أيها الأحبة، سأعطي مثالًا استوفى الشروط الثلاثة: "مررت بالذي مر به زيد". ممتاز، "مررت بالذي مر به زيد"؛ جملة خبرية معهودة وفيها عائد، هذه الجملة مستوفية لشروط جملة صلة.
الآن أين العائد في هذه الجملة "مررت بالذي مر به زيد"؟ الضمير في المجرور بحرف الجر "الباء" وهو الهاء، صح؟ هذا هو العائد. هل يجوز حذف هذا الضمير العائد؟ طبعًا لاحظ إذا حذفت الضمير العائد المجرور بحرف الجر ستحذف معه حرف الجر، وإذا لم يكن حرف الجر موجودًا سيظل معلقًا في الهواء. إذًا إذا حذفت الضمير العائد المجرور بحرف الجر سيحذف حرف الجر معه تلقائيًا.
فهل يحذف الضمير العائد؟ لننظر في الشروط الثلاثة: الشرط الأول أن يكون الاسم الموصول مجرورًا بنفس حرف الجر الذي جر الضمير العائد؛ فالاسم الموصول "الذي" هل هو مجرور بنفس حرف الجر الذي جر الضمير العائد؟ الحرف الذي جر "الذي" هو الباء، والحرف الذي جر الهاء هو الباء أيضًا، وجد الشرط الأول.
ثانيًا: العامل أو المتعلق، يسمونه متعلق حرف الجر، يعني الكلمة التي يتعلق بها حرف الجر، هل ما يتعلق به حرف الجر لجر الاسم الموصول هو نفس الفعل أو الوصف الذي يتعلق فيه حرف الجر الذي جر الضمير العائد؟ الآن عندي الباء جرت اسمًا موصولًا، تتعلق بماذا؟ متعلقها "مررت"، فالباء تتعلق بـ "مررت". ننظر في الباء التي جرت الضمير العائد، ما متعلقها؟ أيضًا "مر به"، نفس الفعل "مررت". فهنا إذا كان حرف الجر الذي جر الاسم الموصول يتعلق بفعل هو نفس الفعل الذي يتعلق به حرف الجر الذي جر الضمير العائد، فقد تحقق الشرط الثاني.
باقي الشرط الثالث: معنى حرف الجر، هل معنى حرف الجر الذي جر الاسم الموصول "الباء" هنا هو نفس الباء التي جرت العائد؟ هنا الباء بمعنى، وهنا الباء أيضًا بمعنى المجاوزة، فإذا كان معنى حرف الجر هنا هو نفس معناه هناك، استكملنا الشروط الثلاثة، وبالتالي يجوز أن أقول: "مررت بالذي مر زيد"، وتكون الجملة أصلها: "مررت بالذي مر به زيد".
نأتي للأمثلة التي ذكرها ابن هشام، ننظر هل هي مطابقة للشروط أم لا؟ قال تعالى: ﴿وَاشْرَبُوا مِمَّا تَشْرَبُونَ﴾. ترى أيها الأحبة هذه القضايا مهمة في تفسير القرآن، مستحيل تستغني عنها حتى تفهم القرآن الكريم. "ويشرب مما" أريد أن أفكها الآن، هي مضغمة، أصلها "ويشرب من ما تشربون"، والاسم الموصول "ما".
هذه قطعًا قرآن كريم، إذًا لنطبق شروط جملة صلة الموصول: جملة صلة الموصول خبرية، ومعهودة، بقي أن نبحث عن الضمير العائد. أين الضمير العائد في "تشربون" يا مشايخ؟ الضمير العائد على "ما" أين هو؟ "مما" تعني "من ما"، أي "يشرب من الشيء الذي تشربون". الواو هنا لا تصلح أن تكون عائدًا على "ما".
قد تقول: "يشرب مما تشربون" لا يوجد ضمير عائد يا شيخ. سنعطيك الخلاصة: هناك ضمير عائد محذوف مع حرف الجر الذي يجره، وأصل الجملة: "ويشرب مما تشربونه منه"، فهناك حرف جر متصل به ضمير عائد على "ما"، حُذف العائد مع حرف الجر مباشرة وتلقائيًا. هل يجوز حذف المجرور هنا بحرف الجر؟ هل استوفى الشروط الثلاثة لحذفه؟ نقول: "يشربوا مما تشربون منه"، هكذا أصل الجملة.
المجرور يقول: الشرط الأول لعرض العائد المجرور بحرف الجر أن يكون الاسم الموصول مجرورًا بنفس حرف الجر الذي يجر العائد. ممتاز. أين الاسم الموصول؟ هل هو مجرور بحرف جر؟ نعم، ما هو؟ "من"، هي نفسها "من" الأخرى التي جرت الضمير العائد. إذا وجد الشرط الأول: اسم الموصول مجرور بنفس الحرف الذي جر الضمير العائد. ممتاز. متعلق حرف الجر الذي جر "من" الأولى، ما متعلقه؟ الفعل الذي قبلها "يشرب". ممتاز. متعلق "من" التي جرت الضمير العائد، ما هو؟ "تشربون". إذا نفس الفعل، نفس مادة الفعل.
معنى حرف الجر الذي جر الاسم الموصول هو نفس معنى حرف الجر الذي جر الضمير العائد. "من" هنا للتبعيض، و"تشربون من" للتبعيض، ممكن تقول إنها للبيان وهنا للبيان؛ معانٍ متقاربة، بس المهم هنا للتبعيض وهنا للتبعيض، المعاني نفس الشيء، وبالتالي استوفت الشروط الثلاثة، يجوز حذف "من".
المثال الثالث، من دون ما أكتب على اللوح، ما هو المثال الثالث الذي ذكره، أو الثاني الذي ذكره ابن هشام؟ "نصلي للذي صلت قريش". أين الضمير العائد؟ لا يوجد، فنقول لك: الضمير العائد محذوف. أصل الجملة: نصلي للذي صلت قريش له. كيف حذفت الهاء مع اللام الجارة؟ نقول استوفت شروط الحذف فيجوز الحذف. يريد اختصار الكلام، لماذا يحذفونه؟ اختصارًا للكلام بوضوحه، وأحيانًا لنواحي بلاغية، وأحيانًا مراعاة للفواصل. هذا ندرسه إن شاء الله في علم البلاغة: دواعي الحذف، لماذا يحذف هذا؟ ندرسه في علم البلاغة، أنا يهمني تفهم الناحية النحوية الآن.
نقول: "نصلي للذي صلت قريش". "الذي" مجرورة باللام، والعامل أو المتعلق لـ "الذي" هو اللام الجارة. والعامل الذي متعلق أو متعلق اللام التي جرت "له" هو نفس الشيء؛ "نصلي للذي صلت قريش له"، فـ "له" متعلقة بـ "صلت"، فنفس العامل، ومعنى حرف الجر هنا وهنا واحد، فإذاً يجوز الحذف.
الآن أعطيك مثالًا على الاختلال حتى تفهم كيف يحدث الاختلال؛ لو قلت لك: أيها الحبيب جئت على الذي مررت به البارحة، أو يا كأنك تقول: جئت على الذي مررنا به البارحة. هل يجوز أن أحذف الهاء في "به"؟ يعني أحذف العائدة المجرورة بحرف الجر؟ أقول لك: لا، ما يجوز هنا. لماذا؟ في "مررت به" قبل قليل كانت "مررت بالذي"، وجوزتها، لماذا؟ لأن "جئت على الذي مررت به البارحة" لا تجوز. انظر، هل حرف الجر الذي جر الاسم الموصول هو نفس حرف الجر الذي جر العائد؟ لا، هنا "على" وهنا "بـ"، بالتالي اختل الأمر، هنا حرف جر وهنا حرف جر ثاني، فلا يجوز الحذف في هذه الحالة.
مثلاً: أتيت بالذي مررت به البارحة. نطبق الشروط: هل حرف الجر الذي جر "الذي" هو نفس حرف الجر الذي جر الضمير العائد؟ نعم، هنا الباء وهنا الباء. بس الشرط الثاني: هل متعلق حرف الجر للاسم الموصول هو متعلق حرف الجر الذي جر الضمير العائد؟ لا، هنا "أتيت" وهنا متعلقة "مررت"، هذا فعل وهذا فعل، بالتالي لم يتوفر الشرط الثاني. لازم تكون هنا "مررت به"، لازم "مررتُه"، ما ينفع حتى كلمة فيها معنى مرارته، بدك تجيب مرارته، بدك تجيب نفس الفعل لفظًا ومعنى، أحيانًا يكون مثلاً: "مررت به بالذي مررت به البارحة". الآن هنا ماشي حرف الجر هو حرف الجر، ومرارته ومرارته. لكن لو قيل جدلاً إن المراد بالباء هنا معنى "على" كما عُرفت، أو معنى مثلاً الإلصاق، وهنا معنى آخر المجاوزة والتعدية؛ فاعرف أن الباء هنا ومعنى الباء الأولى معنى آخر. صحيح الباء والباء والمتعلق متعلق، لكن اختلف المعنى جدلاً، الآن أردت أن هنا معنى وهنا معنى، أشرت إلى ذلك بقرينة من القرائن؛ نقول كذلك لا يجوز حذف الضمير العائد في هذا المعنى لحرف الجر. فباختصار لازم تتوفر الشروط الثلاثة.
إذاً لاحظوا أيها الأحبة كيف أنه قضية حذف الضمير العائد قضية لها شروطها وضوابطها في اللغة العربية وليست قضية على إطلاقها. ساعة ونصف، أنا كنت متوقع ننهي المعارف اليوم لكن أخذت منا قضية حذف العائد وشروطه وقتًا، لكن شعرت أن من الأمانة العلمية أن أبينها للطالب حتى لا يظن أنه حذف الضمير العائد هكذا كما يشاء، بل يحذف الضمير سواء كان مرفوعًا أو منصوبًا أو مخفوضًا بالإضافة أو مخفوضًا بحرف الجر، هذه كلها لها شروط ذكرناها على السبورة، حاول قدر الإمكان أن تضبط هذه الشروط وترتبها عندك حتى واضح الأمر.
انتهينا أيها الأحبة هكذا من جملة الصلة. الصلة إذا كانت جملة، نريد أن نقول جملة الصلة، انتهينا من الصلة إذا كانت جملة اسمية أو فعلية، لها ثلاثة شروط: أن تكون خبرية، أن تكون معهودة، وأن تحتوي على عائد، وهذا العائد يجوز حذفه وعرفنا شروط حذف العائد سواء كان مرفوعًا أو منصوبًا أو مجرورًا.
ننتقل للنوع الثاني من أنواع الصلة، وهي إذا كانت صلة الموصول شبه جملة. قال ابن هشام رحمه الله: "وشبه الجملة ثلاثة أشياء: الظرف، نحو الذي عندك، والجار والمجرور، ونحو الذي في الدار، والصفة الصريحة بغير تفضيل". وقد تقدم شرحه، يقصد النوع الثالث والأخير وهو الصفة الصريحة لغير تفضيل، اكتبوا: "لغير تفضيل". إذاً ابن هشام عدَّ الصفة الصريحة لغير التفضيل داخل شبه الجملة، وأنا في تقسيمي عددتها نوعًا منفصلًا عن شبه الجملة؛ ليه؟ لأنه في العادة أيها الأحبة مصطلح شبه الجملة عند النحاة يقصد به الظرف أو الجار والمجرور فقط، أما الصفة الصريحة عادة لا تسمى شبه جملة، لكن ابن هشام عدها إلحاقًا بشبه الجملة. أنا أفضل أن تعدها نوعًا مستقلًا ثالثًا، تكلمنا عن هذا الوصف الصريح الذي هو لغير تفضيل.
بقي أن نتكلم عن شبه الجملة إذا كان الظرف أو جاره مجرورًا. الآن وضع ابن هشام شرطًا، كما أن الجملة الخبرية أو الجملة الاسمية والفعلية إذا كانت جملة صلة موصول لها ثلاثة شروط، إذا كانت صلة الموصول شبه جملة لابد من تحقق شرط مهم، ما هو هذا الشرط؟ قال ابن هشام: "وشرط الظرف والجار والمجرور أن يكونا تامين"، فلا يجوز: "جاء الذي بك".
ولا جاء الذي أمسي لنقصانهما. وحكى الكسائي: «نزلنا المنزل الذي البارحة»، أي الذي نزلناه البارحة، وهو شاذ. وإذا وقع الظرف والجار والمجرور صلة، كانا متعلقين بفعل محذوف وجوبًا تقديره استقر، والضمير الذي كان مستترًا في الفعل انتقل منه إليهما.
الآن أيها الأحبة نتكلم عن جملة صلة الموصول. أنا مشكلتي بقول جملة صلة الموصول إذا كانت شبه جملة، بضل لأ، أنا بدي أحافظ على المصطلح أني متعود أقول جملة صلة الموصول وبضلها تيجي على لساني. سأتكلم عن الصلة؛ أن الصلة إما أن تكون جملة، أو شبه جملة، أو وصفًا صريحًا لغير تفضيل، وهي ليست دائمًا جملة واضحة. أما إذا كانت شبه جملة، فإما أن تكون ظرفًا أو جارًا ومجرورًا. ابن هشام أدخل الوصف الصريح لغير تفضيل هنا وأنا فصلته واعتبرته نوعًا ثالثًا وشرحناه سابقًا.
إذا كانت شبه جملة ظرفًا أو جارًا ومجرورًا، فلها شرط ذكره ابن هشام. ما هو الشرط؟ قال: لابد أن يكون الظرف أو الجار والمجرور تامًا. ما معنى تامًا؟ ويقابل التمام النقصان.
الآن أيها الأحبة باختصار، أنا أبتدئ أقول: الظرف أو الجار والمجرور التام هو الذي يكون متعلقه حدثًا عامًا، تقديره استقر أو وجد. الظرف أو الجار والمجرور التام عند العرب يقولون هو الذي يكون متعلقه حدثًا عامًا، يعني الفعل الذي يفسره فعل عام جيد. طبعًا هنا الشيخ محمد محيي الدين في الحاشية ما قال حدثًا عامًا، قال: أن يكون متعلقه كونًا عامًا، وهذا هو المصطلح المشهور: الكون العام، أن يكون متعلقه الكون العام، لكن المعنى الكون والحدث، ولأنه كلمة الحدث أقرب إلى ذهنك أيها الطالب عبرت بالحدث.
فإذا كان الظرف أو الجار والمجرور متعلقه حدثًا عامًا، وهو نفس معنى قول النحاة كونًا عامًا، فهذا يسمى حينئذ الظرف أو الجار والمجرور التام، وهذا هو الذي يصلح أن يكون صلة الاسم الموصول.
الآن بدي أعطيك فكرة عامة. أي حدث في حياتك تعمل فيه أي نشاط يسمى كونًا. الأكل هو حدث، الشرب حدث، النوم حدث، الضرب حدث، الذهاب حدث، الرجوع حدث، القتل حدث، الحب حدث، كما تشاء. هذه كلها تسمى أحداثًا خاصة، هكذا فلسفتهم؛ يقسمون الأحداث، الأكوان، الأفعال إلى حدث خاص وحدث عام. الحدث العام هو الوجود والاستقرار، الحدث العام هو وجد؛ إن وجد هذا يقول الحدث عام جدًا، حتى عند الفلاسفة والمناطقة يقولون: أعمُّ جنس الأجناس، أو أعمُّ العموميات: الموجود. بعد ذلك يبدأ الموجود ينقسم إلى كذا وإلى كذا، وإلى جوهره موجود، وإلى عرضه موجود. فالتقسيمات التي يذكرها الفلاسفة هي أن الوجود وجد أو استقر، هذان الحدثان يسميان حدثًا عامًا.
«وجد» يسمى حدثًا عامًا، وباقي الأحداث في اللغة العربية: أكل وشرب ونام وقتل، هذه تسمى كلها أحداثًا خاصة. الآن أي ظرف أو جار ومجرور، هي بدك تحفظها مثل اسمك؛ أي ظرف أو جار ومجرور أينما جاء في اللغة العربية لازم يتعلق بحدث، لازم يتعلق بحدث؛ يأتي الجار والمجرور أو الظرف ليقيده أو ليزيد فيه معلومة، فتقول: جئت البارحة، البارحة ظرف جاء ليفسر المجيء متى وقع. وذهبت إلى المنزل، الجار "إلى المنزل" جاء ليفسر حدث الذهاب إلى أين؟ فقط، فأي ظرف أو جار ومجرور يأتي مقيدًا لحدث؛ مقيدًا لزمان الحدث، أو مكان الحدث، أو جهة الحدث، أين وقع الحدث؟ المهم يأتي مقيدًا لهذا الحدث.
فالظرف أو الجار والمجرور إما أن يأتي لحدث عام تقديره استقر أو وجد كما تشاء، يقولون متقاربة ما في مشكلة، وإما أن يكون الظرف أو الجار والمجرور يأتي مقيدًا لحدث خاص، كنوم أو أكل أو شرب أو ما شابه ذلك. إذا كان الظرف أو الجار والمجرور جاء مقيدًا للحدث العام للوجود أو الاستقرار يسمى هنا الظرف والجار والمجرور التام، وإذا كان الظرف أو الجار والمجرور مقيدًا لحدث خاص يسمى هنا الظرف والجار والمجرور ناقصًا. هذا مصطلح النحاة.
واضح القضية؟ الآن احفظوا: الحدث الخاص لا يجوز حذفه. إذا كان الظرف أو الجار والمجرور حدثه خاصًا، لا يجوز حذف هذا الحدث من السياق إلا بدليل واضح عليه. وإذا كان الظرف أو الجار والمجرور حدثه عامًا، يجوز حذف هذا الحدث العام من السياق، ونعيد: الظرف أو الجار والمجرور إذا كان الحدث الذي يقيدانه هو استقر أو وجد، يجوز حذف هذا الحدث من الجملة وتقديره في النفس. أما إذا كان الظرف أو الجار والمجرور جاءا مقيدين لحدث خاص، ما يصير تحذف هذا الحدث الخاص، لازم تذكره، وإلا ما راح أعرفه. ليش لازم أذكره؟ أنت هذا الظرف يقيد الأكل، ولا بيقيد الشرب، ولا بيقيد الذهاب، ولا بيقيد النوم؟ ما أعرف. فإذا أردت بالظرف أو الجار والمجرور تقييدًا لحدث خاص، لا يجوز حذف هذا الحدث الخاص.
فلذلك أنت تسأل: يا شيخ لماذا سمي الظرف أو الجار والمجرور المتعلق بالحدث العام تامًا؟ لأنه يستقل بنفسه، يستطيع أن يقوم بنفسه من غير حاجة إلى ذكر حدثه، لذلك هو تام. بينما الظرف أو الجار والمجرور الذي يأتي مقيدًا لحدث خاص لا يستطيع أن يستقل بنفسه، بل لا بد من ذكر الحدث الخاص قبله، لذلك هو ناقص، دائمًا يحتاج إلى ذكر الحدث قبله. سمي هذا تامًا وهذا ناقصًا؛ التام لأن الظرف والجار والمجرور لا يحتاج إلى ذكر حدثه العام قبله، المفهوم من السياق، والناقص يكون متعلقًا بالحدث الخاص فلا يجوز ذكر الظرف أو الجار والمجرور من دون ذكر الحدث قبله.
الآن قال ابن هشام: شبه الجملة إذا كان الظرف أو جاره مجرورًا، لازم يكون هذا الظرف أو الجار والمجرور تامين. إيش؟
أن يكونا تامين، خلص بعد ما شرحت لك بدك تفهم الآن. أن يكونا تامين يعني أن يكون الحدث الذي يقيدانه هو حدثًا عامًا، تقديره استقر أو وجد. فإذا لم يجز ولم يصلح في السياق، هيك أقول: احفظ: «إذا لم يجز ولم يصلح في السياق».
يعني وجد عندي صلة اسم موصول بعدها ظرف أو جار ومجرور، إذا لم يصلح في السياق تقدير الحدث العام فجعل صلة الموصول هي الظرف أو الجار والمجرور خطأ. إذا كان عندك اسم موصول بعده فقط ظرف أو جار ومجرور ولم يصلح تقدير الحدث العام في الجملة، تكون هذه الجملة خاطئة. أما إذا كان عندنا بعد الاسم الموصول ظرف أو جار ومجرور وصلح تقدير الحدث العام الذي هو كلمة استقر أو وجد في الجملة وأفادتنا معنى صحيحًا، هنا نعم يجوز الاكتفاء بالظرف أو الجار والمجرور.
وضحت القاعدتين؟ فنقول شرط الظرف أو الجار الموجود يكونا تامين، لذلك قال: فلا يجوز. «جاء الذي بك»، انظر؛ «جاء الذي بك»، بعد الذي ايش عندنا؟ جار ومجرور. هيك بتفحص، هل يصلح أن أقدر الحدث العام هو متعلق الجار والمجرور وتكون الجملة معناها مفيدًا بتقدير استقر أو وجد؟ «جاء الذي استقر بك» أو «وجد بك». يقول ابن هشام: هذه ليست جملة مستقيمة، يعني شو «جاء الذي وجد بك» أو «استقر بك»؟ لو كانت «جاء الذي عندك» بدل «جاء الذي بك» مثلاً، ظرف بدل اسم مجرور؛ «جاء الذي استقر عندك»، مفهومي؟ هذه واضحة، فـ«جاء الذي عندك» تصلح، تقول «جاء الذي عندك»، والله هذا الظرف هو صلة الموصول، لأنه متعلقه العام استقر أو وجد يصنع في هذا السياق. أما «جاء بك» وتقول والله متعلق بك الحدث العام «جاء الذي استقر بك» أو «جاء الذي وجد بك»، ليست بذاك المعنى المفيد، صح؟
نأخذ جملة أخرى، فقال: ولا يجوز أن تقول «جاء الذي أمسي». «أمسي» ظرف، وهو عند الحجازي مبني على الكسر، ماشي، ظرف، ايش متعلقه؟ ظرف زمن، حاول أن تقدر الحدث العام: «جاء الذي وجد أمس». يقولون «جاء الذي وجد أمس»، كل شيء في العالم كان موجودًا البارحة، «وجد أمس»، مش هذا الشيء يعني أنت ما فهمتني شيء. «جاء الذي وجد أمسي»، طب ما هو كل شيء مبارح كان موجود، من أمريكا إلى الهند كله اسمه «وجد أمس»، فمعناها كثير مطاط، الجملة ما أفادتني شيء.
الآن حتى تفهم جملة صلة، مش لازم تكون معهودة عند السامع. الآن «جاء الذي وجد أمس» أو «استقر أمس»، السامع ما راح يذهب ذهنه إلى شيء معين؛ لأن الذي وجد أمس ملايين من الأشياء، يقول لك: ايش اللي وجد أمس؟ مو كل الدنيا وجدت أمس. أو «جاء الذي استقر أمس»، يقول لك: شو جاء الذي استقر أمس؟ هذا حدث عام جداً، كل شيء استقر أمس، بدي حدث يفهمني. «جاء الذي زارني أمس» هيك فهمت، «جاء الذي أكل معنا» فهمت؟ هون «جاء الذي أمسي» أنا مضطر أني أقدر الحدث الخاص حتى يفهم السامع من المراد بالذي جاء حتى تصبح الجملة معهودة.
بينما «جاء الذي عندك»، أو «جاء الذي استقر عندك» أو «وجد عندك»، هنا السامع فاهم من المستقر عنده، أو الذي وجد عنده، أنه هنا واضح، يعني أظن من معنى الجملة ومبناها أنه استقر عندك، ستكون مفهومة عند السامع، مين اللي وجد عنده؟ بالتالي سيعرف الشخص المعين المراد. أما «الذي وجد أمس» تبقى فيها نوع من العموم والإبهام، فلا أن نعلقها بالحدث العام بل لابد من الحدث الخاص.
لذلك قال: «جاء الذي بك»، «جاء الذي» مثلاً استنصر بك أو استعاذ بك، بينفع. فبالتالي «جاء الذي بك» لا يصلح أن تحذف، أطلق منها لماذا؟ لأنه متعلق بحدث خاص تقديره استنصر أو استعاذ أو ما شابه ذلك، والحدث الخاص لا يجوز حذفه من السياق. كذلك «جاء الذي أمسي»، قال ابن هشام: «لنقصانهما». قال لنقصانهما؟ «جاء الذي أمس»، أمس لازم يكون متعلقها حدث خاص، لا يجوز تعلقها باستقر أو وجد، والحدث الخاص لا يجوز حذفه من الجملة فتعتبر الجملة خاطئة. الأصل تقول: «جاء الذي زارني أمس»، تصرح بالفعل مباشرة وتتحول من شبه جملة لجملة.
يقول الكسائي: جوز وحكى «نزلنا المنزل الذي البارحة»، وتدير الجملة ايش؟ لاحظ «نزلنا المنزل الذي البارحة»، ينفع تقدرها بالحدث العام: «نزلنا المنزل الذي استقر أو وجد البارحة»، قلت لك «وجد البارحة» ما ينفع، شو المنزل الذي وجد البارحة؟ ما هي كل المنازل وجدت البارحة، كل المنازل الموجودة البارحة وجدت البارحة، ما فيها شيء معين بتفهمني إياه أنت. ابن الكسائي ايش قدرها؟ قال «نزلنا المنزل الذي»، ما علقها بالحدث العام، لا، علقها بحدث خاص، قال أصل الجملة: «نزلنا المنزل الذي نزلناه البارحة». قال وهو شاعر هذا شاذ، لأنه هنا متعلق الظرف حدث خاص وحُذف، والحدث الخاص لا يجوز حذفه في الأصل، صح؟ مش قلنا يصير هيك «نزلنا المنزل الذي البارحة» وقصدت أنه متعلق البارحة الفعل المحذوف «نزلناه»، لا، «نزلناه» حدث خاص، مش حدث عام، والحدث الخاص لا يجوز حذفه في السياق لأنه باختصار لا دليل عليه، فلذلك تعتبر هذه الجملة حُذف منها الحدث الخاص وجعلت جملة صلة موصول مباشرة، تعتبر هذه الجملة جملة شاذة. لنحذر من حذف الحدث الخاص، والحدث الخاص لا يجوز حذفه.
طيب الآن فهمنا يا شيخ؛ إذا الظرف أو الجار والمجرور اللي بده يجي صلة للموصول لابد يكون متعلقه ايش؟ الحدث العام لو «استقر» أو «وجد»، جميل؟ فإذا كان متعلقه حدثًا خاصًا لازم مباشرة تنص على الحدث الخاص وتتحول الجملة من شبه جملة إلى جملة، خلص لأنه ذكرت الفعل صار جملة فعلية ما عادت شبه جملة.
الآن يقول في النهاية ابن هشام: «وإذا وقع الظرف أو الجار والمجرور صلة كانا متعلقين بفعل محذوف وجوباً». اللي هو ايش؟ الحدث العام. فاكتب بعدها: «وإذا وقع الظرف والجار والمجرور صلة كانا متعلقين بفعل محذوف وجوباً»، تقول وهو الحدث العام، الفعل المحذوف وجوباً هو الحدث العام، تقديره استقر أو وجد. هذا الفعل المحذوف، لماذا قالوا وجوباً؟ ايش الوجوب؟ الوجوب مش صفة للمحذوف أنه محذوف وجوباً، لا، أنا متأكد بعض الطلاب فهموا بـ«فعل محذوف وجوباً» يعني الفعل يجب أن يحذف، لا مش...
كيف قصده بالوجوب؟ الوجوب ليس تقييدًا للحذف، إنه يجب أن يكون محذوفًا. ويريد أن يقول: إذا وقع الظرف أو الجار والمجرور صلة، يجب أن تقدر المتعلق فعلًا؛ أي أن هذا الظرف أو الجار والمجرور متعلق بفعل. لماذا؟ لأن بعض النحاة جوزوا أن يكون متعلق الظرف أو الجار والمجرور اسمًا تقديره "كائن"، فيقول هذا ما لا يصح. فلا يجوز أن أقول: "جاء الذي بك" أو "جاء الذي عندك"، بل يجب أن تقدر فعلًا: "جاء الذي استقر عندك" أو "وجد عندك".
ما يصير أقول "جاء الذي عندك" أو "جاء الذي موجود عندك". مثلاً تقول لي: يا شيخ، هذا جوزوا البعض من المشتقات، لكن هذا الأصل لا؛ لأنه لا يجوز. في النهاية "موجود" و"كائن" هي عامة، صح؟ لكنها عامة لكنها مشتقة وليست فعلًا، فلا يجوز أن تقول: "جاء الذي عندك" بمعنى "جاء الذي مستقر عندك" أو "جاء الذي كائن عندك" أو "جاء الذي موجود عندك". مستقر وكائن وموجود هي أحداث عامة، لكنها هنا عبر عنها بالمشتقات، ولا يجوز في صلة الموصول أن تكون هكذا، لازم يكون فعلًا وليس مشتقًا.
هذا احتراز من الخبر؛ سيأتي معنا أنه إذا كان ظرفًا أو جارًا ومجرورًا وتعلق بالحدث العام، يجوز أن يكون متعلقه اسمًا مثل "كائن" أو يكون فعلًا مثل "استقر". لذلك ماذا قال ابن مالك في الألفية: «وأخبروه بظرف أو بحرف جر، ناوين معنى كائن أو استقر». ففي الخبر إذا كان شبه جملة ظرفية أو جارًا ومجرورًا، يجوز أن يكون متعلقه المحذوف اسمًا مشتقًا مثل "كائن" أو "مستقر"، ويجوز أن يكون فعلًا مثل "استقر" أو "وجد".
بقينا في صلة الموصول؛ الجار والمجرور أو الظرف المتعلق بالحدث العام المحذوف لا يجوز تقديره إلا فعلًا. لماذا؟ لأن جملة صلة الموصول الأصل فيها أنها جملة وليست مفردة. فإذا قدرت أنا "جاء الذي مستقر عندك"، فـ "مستقر" مبتدأ، و"عندك" متعلق بالمبتدأ، فأين الخبر؟ وإذا قلت "جاء الذي عندك" وأصلها "جاء الذي استقر عندك"، فأين المستتر؟ فإذا قلت "مستقر" فهو مبتدأ وهو المتعلق بـ "عندك"، بالتالي لا يوجد خبر.
جملة صلة الموصول أيها الأحبة لازم تكون جملة. جاء الذي عندك، لو أننا قدرنا "عندك" متعلقة بحدث عام لكنه اسم فاعل -كما في الخبر- لا يجوز هنا. لماذا؟ لأنك قلت: "جاء الذي عندك"، وعلقته بكلمة "مستقر" وهي اسم فاعل، فأصبحت كأن الأصل: "وجاء الذي مستقرٌ عندك"، فـ "مستقر" هي المبتدأ، وهي التي جعلتها أنت متعلقًا بـ "عندك"، فـ "عندك" لا يوجد فيها متعلق، بل هي الخبر.
في المبتدأ والخبر عندما نقول "محمدٌ عندك"، نقول "محمد" مبتدأ، و"عندك" كيف نعربها؟ متعلقة بمحذوف تقديره "كائن" هو الخبر. فـ "عندك" ليست هي الخبر، بل هي متعلقة بمحذوف تقديره "كائن" هو الخبر، فـ "محمد كائنٌ عندك"، "محمد" مبتدأ و"كائن" المحذوف المقدر هي الخبر، و"عندك" متعلق بـ "كائن".
الآن، لكي نفسر هذه القضية: "جاء الذي عندك" في جملة صلة الموصول، وأنت فسرت لي متعلقها بأنه "مستقر" أو "كائن"؛ فلو قلت "جاء الذي كائنٌ عندك"، وتقول لي يا شيخ "كائن" حدث عام، أقول لك: هو حدث عام لكنك عبرت عنه باسم فاعل، فبالتالي ماذا سيكون الإعراب في الجملة؟ "كائنٌ" ستكون مبتدأ، وأين الخبر؟ لا تستطيع أن تقول لي "عندك" هي الخبر، لأن "عندك" متعلقة بمحذوف تقديره "كائن"، فلا تستطيع أن تقدر "كائن" مرتين، بل بدك تقدره مرة واحدة.
فعندما قلت "جاء الذي عندك" وقدرت "جاء الذي كائن عندك"، أصبحت "كائن" مبتدأ، والجار والمجرور متعلق بـ "كائن"، ولا يوجد خبر. وجملة صلة الموصول يجب أن تكون جملة لا عبارة عن مفرد. فصارت "كائن عندك" عبارة عن مفرد، وصلة الموصول متى تصح أن تكون مفردًا؟ في حالة واحدة: إذا كانت وصفًا صريحًا غير تفضيل، أما إذا كانت في غير ذلك فلا بد أن تكون صلة الموصول جملة. فبالتالي أنا مضطر أن أقدر "جاء الذي استقر عندك"، حتى تكون "استقر" هي أصل الصلة التي هي شبه جملة، فأصل "جاء الذي عندك" هو جملة فعلية.
طيب، أين الضمير العائد؟ يا شيخ حتى إذا كانت الصلة شبه جملة، هل لازم ضمير عائد؟ نقول نعم. فاكتبوا عندكم: إذا كانت صلة الموصول شبه جملة من ظرف أو جار ومجرور، فلا بد من وجود ضمير عائد في شبه الجملة يعود على الاسم الموصول، وكذلك شرط أن يكون شبه الجملة معهودًا عند السامع.
في "جاء الذي عندك" أيها الأحبة، أين العائد؟ قالوا: أصل الجملة متعلقة بحدث عام جملة فعلية، أصلها "جاء الذي استقر عندك"، ففي "استقر" ضمير مستتر هو الفاعل يعود على "الذي". قالوا: حذفنا الفعل "استقر"، فانتقل الضمير المستتر وأُضمر في الظرف أو الجار والمجرور. فقالوا: الظرف أو الجار والمجرور يوجد في ضمنه ضمير عائد على الاسم الموصول، هذا الضمير كان في الأصل مع الفعل "استقر"، فلما حذفنا الفعل نقلنا هذا الضمير وضمناه داخل الظرف أو الجار والمجرور. طبعًا في النهاية هذه قضية نظرية مثالية، أنت الضمير لا تراه، لكن يجب أن تنويه في قلبك؛ تنوي أن الضمير الذي كان مستترًا في "استقر" قد انتقل وهو الآن يجلس ويتربع في داخل الظرف.
أو الجار والمجرور، جميل. فإذا أعود سريعًا فأقول: قال ابن هشام: «إذا وقع الظرف والجار والمجرور صلة، كانا متعلقين بفعل محذوف وجوبًا». إيش معنى الوجوب؟ مش أن الفعل المراد، إنه بفعل يجب حذفه، لا؛ الموجوب هنا هو إيجاب لوجوب تقدير فعل، فهمتم؟ يعني أصل الجملة: إذا وقع الظرف والجار والمجرور صلة وجب أن يكونا متعلقين بفعل، وبالتالي إيش المحظور؟ إذا هذا الواجب إيش هو المحظور؟ لا يجوز أن يكونا متعلقين باسم.
فالوجوب المراد به وجوب تقدير المتعلق في علم وعدم جواز تقديره باسم؛ لأنه تقديره باسم، لو واحد قال لك: طب ليش المشكلة في تقدير اسم؟ نقول: تقدير المتعلق اسم سيحول صلة الموصول إلى مفرد؛ ستصبح "جاء الذي كائن عند الكائن" مبتدأ ولا يوجد خبر، لأنه لا تصلح هنا أن تكون خبرًا لأنها خلاص متعلقة بـ "كائن"، بالتالي أصبحت الصلة هي "كائن" وعندك هي فقط تكملة لـ "كائن"، وصلة الموصول لا تكن مفردًا، لازم تكون جملة.
فأنتم لاحظتم، إذاً في النهاية أيها الأحبة، شبه الجملة التي هي صلة الموصول هي في الحقيقة جملة وتعود في النهاية إلى جملة، صح؟ فنقول: صلة الموصول جملة، إما تكون جملة ظاهرة أمامك، وإما أن تكون جملة في التقدير. متى تكون جملة في التقدير؟ إذا كانت ظرفًا أو جارًا ومجرورًا؛ لأن الظرف والجار والمجرور يجب أن يعلقا بفعل، وهذا الفعل في النهاية سيحول شبه الجملة إلى جملة.
فتقدير "جاء الذي" عندك: "جاء الذي استقر" عندك أو "وجد" عندك، فعادت القضية في النهاية إلى جملة، لكن بمعنى في الرسم والظاهر الفعل محذوف، قالوا خلاص هي شبه جملة الآن، لكن في الواقع وفي العمق لو نظرت، ها هي في النهاية جملة حذف منها الفعل؛ فجاء الذي عندك: "جاء الذي استقر" عندك أو "وجد" عندك. ولما حذفنا الفعل إيش قال؟ قال: تقديره إذا وقع الظرف أو الجار والمجرور صلة كانا متعلقين بفعل محذوف وجوبًا، تقدير هذا الفعل خلاص قدر لك "استقر"، وأقول لك يجوز أن تقدره بـ "وجد" لأن المعنى متقارب.
ثم قال: الضمير الذي كان مستترًا في الفعل انتقل منه، أي من الفعل بعد حذفه، إليهما. لماذا هذا الانتقال؟ لأنه لا بد في النهاية من وجود عائد يعود على الاسم الموصول، فلما حذفنا الفعل، قالوا: لا، الضمير الذي كان مستترًا في الفعل لا نحذفه، نقول إنه كأنه قفز وانتقل إلى حضن شبه الجملة من الظرف أو الجار والمجرور، فهو مقدر السياق.
وضعت أيها الأحبة الفكرة، فإذاً باختصار: صلة الموصول -أنا ما توقعت أنها تؤخذ ساعتين لكن لاحظتم فيها عمق في الكلام- صلة الموصول إما أن تكون وصفًا صريحًا لغير تفضيل، وهذا في أفعل فقط، وإما أن تكون جملة أو شبه جملة. إذا كانت جملة اسمية وفعلية لها ثلاثة شروط: أن تكون هذه الجملة خبرية وليست إنشائية، معهودة عند السامع، وفيها عائد يفسر الاسم الموصول ويكون مطابقًا له إفرادًا وتثنية وجمعًا وتذكيرًا وتأنيثًا.
هل يجوز حذف العائد؟ تقول نعم يجوز حذف العائد سواء كان هذا العائد مرفوعًا أو منصوبًا أو مجرورًا. شرط حذف العائد إذا كان مرفوعًا أن يكون مرفوعًا على أنه مبتدأ، وهنا شرطان: أن يكون هذا العائد المرفوع على أنه مبتدأ تكون صلة الموصول جملة، والصلة بعد حذفه تبقى طويلة، أي أن تكون الجملة بعد حذف هذا العائد المرفوع المبتدأ تبقى طويلة من كلمتين فصاعدًا، وهذا في غير "أي". الشرط الثاني أن لا يكون باقي الجملة بعد حذف العائد المرفوع المبتدأ يصلح وحده لأن يكون جملة صلة؛ لأنه بالتالي لن يبقى عندي دليل على العائد المحذوف.
أما حذف العائد المنصوب، فشرطه أن يكون منصوبًا بفعل أو بوصف، فإذا كان منصوبًا باسم غير الوصف فهذا لا يجوز أيها الأحبة أن يحذف عائده؛ لأننا قلنا لازم يكون منصوبًا إما بفعل أو بوصف، إذا كان منصوبًا بغير ذلك، ليس بفعل ولا بوصف، بعوامل أخرى، لا يجوز حذف العائد المنصوب في هذه الحالة.
والعائد المجرور، إيش شرطه؟ نقول إما أن يكون موجودًا بالإضافة أو مجرورًا بحرف الجر. إذا كان مجرورًا بالإضافة فشرط حذفه أن يكون مجرورًا بوصف عامل، يعني بمشتق عامل. وإذا كان مجرورًا بحرف الجر فله ثلاثة شروط: أن يكون الاسم الموصول مجرورًا بنفس الحرف الذي يجر به العائد، وأن يكون عاملًا هذا الحرف، وأن يكون معنى هذا الحرف... باختصار، انتهينا من الجملة.
ننتقل إلى صلة الموصول إذا كانت شبه جملة، إما أن تكون ظرفًا أو جارًا ومجرورًا. إذا كان ظرفًا أو جارًا ومجرورًا فيشترط أن يكونا تامين. ما معنى تامين؟ أن يكون متعلقًا "استقر"، فإذا قدرت المتعلق "استقر" أو "وجد" معهما أفادتك الجملة معنى صحيحًا كاملًا وافيًا. فإذا كان لا يصلح تقدير الحدث العام، بل لا بد من تقدير حدث خاص حتى تعطينا الجملة فائدة مستقلة، بالتالي يسمى الظرف أو الجار والمجرور حينئذٍ ناقصين، ولا يجوز حذف المتعلق الخاص لأنه لا دليل عليه.
ممتاز، إذا صلح تقدير الحدث العام في الجملة، يسمى الظرف أو الجار والمجرور تامًا، وبالتالي يصلح أن يكون صلة للموصول، ولكن يجب أن يقدر هذا الحدث العام بصيغة الفعل، ولا يجوز أن يقدر الحدث العام بصيغة اسم فاعل مثل "مستقر" أو اسم مفعول مثل "موجود"؛ لأن الأصل في جملة صلة الموصول أنها تكون جملة، وتقديري للحدث بأنه مستقر أو كائن سيسبب أن صلة الموصول تصبح مفردًا وهذا لا يصح. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل