بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، ومحجة للسالكين، حبيبنا وقرة أعيننا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً. اللهم يسر لي أمري واشرح لي صدري.
حياكم الله أيها الأحبة في مجلس جديد نعقده في شرح كتاب قطر الندى وبل الصدى للإمام ابن هشام الأنصاري رحمه الله تعالى عليه. وقد انتهى بنا المطاف في جوازم الفعل المضارع، وبينا أن الفعل المضارع له نوعان من الجوازم. النوع الأول ما يجزم فعلاً مضارعاً واحداً، وعدها ابن هشام رحمه الله عليه خمسة جوازم، وهي ذكرناها في الدرس الماضي: الطلب، ولم، ولما، ولا المطلبية، ولا الناهية.
اليوم بإذن الله ننتقل إلى النوع الثاني من جوازم الفعل المضارع، وهو ما يجزم فعلين مضارعين. لكن في البداية أيها الأحبة، أود أن أعلق على قضية ما أشرنا إليها سريعاً في الدرس الماضي واليوم نحاول أن نحقق القول فيها بشكل أفضل، وهي تعليقة سريعة على الهامش لكنها مهمة حتى يفهم الطالب بعض الجزئيات وبعض الحيثيات بشكل واضح.
عندما قال ابن هشام رحمه الله عليه في الجازم الأول: «مما يجزم فعلاً واحداً وهو الطلب»، فقلنا إن ابن هشام قال: إذا وجد عندنا طلب ثم بعده فعل مضارع مجرد من الفاء، وكان هذا الفعل المضارع المجرد من الفاء ناتجاً ومسبباً عن الطلب، فإنه يجزم هذا الفعل. أما إذا كان في بداية الجملة نفي أو خبر مثبت لا يتضمن معنى الطلب، ففي هذه الحالة إذا وجد فعل مضارع مجرد من الفاء فإنه لا ينجزم.
فهنا سيطلب الطالب الفرق بين باب النصب وباب الجزم، فيقول: إنتم عندما تكلمتم عن فاء السببية في باب نواصب الفعل المضارع قلتم إن فاء السببية إذا اتصلت بالفعل المضارع وكان الفعل المضارع مسبوقاً بطلب أو نفي، في كلا الحالتين ينتصب الفعل المضارع على السببية. هذا في باب النواصب؛ آخر باب النواصب عندما نتكلم، إذا كان هناك فاء سببية وواو معية وسبقت بطلب أو نفي، وكان الفعل الواقع بعد فاء السببية أو واو المعية مسبباً، أي يكون ناتجاً عما قبل فاء السببية، أو في واو المعية يكون ما بعد الواو في معية ما قبل الواو.
فلماذا اعتبرتم في السببية الطلب والنفي، بينما في باب الجوازم اشترطتم أن يكون الفعل المضارع الذي هو مسبب عما قبله مسبوقاً بطلب فقط؟ وإذا كان مسبوقاً بنفي فإن النفي لا يعتبر ولا يؤثر في جزم الفعل المضارع. ومثلنا بالمثال المشهور، أو الذي يتكرر عندهم عادة في هذا الموضع، وما تأتينا يشبه المثال المشهور هو: «ما تأتينا فتحدثنا».
الآن في باب المنصوبات، ماذا قلنا؟ هذه الجملة ينصب الفعل المضارع فيها: «فتحدثنا»، لماذا؟ لأن فاء السببية سبقت بنفي، والفعل الواقع بعد فاء السببية هو مسبب ناتج عن الفعل الواقع قبل فاء السببية، فينتصب الفعل المضارع. الآن لو حذفنا فاء السببية، هل يجزم الفعل المضارع في هذه الحالة؟ قلنا لا يجزم يرحمك الله، بل يجب رفعه: «ما تأتينا تحدثنا» بالرفع. طيب، لو كان قبل فاء السببية طلب وأسقطنا فاء السببية، الفعل المضارع مباشرة سيجزم؛ لأنه سيكون مسبباً عن الطلب. لكن في حالة النفي، إذا أسقطنا فاء السببية فإن الفعل المضارع لن يجزم بل سيتحول إلى الرفع.
لماذا لا يصلح جزم الفعل المضارع بعد النفي؟ الآن هناك من قال إننا في حالة الجزم، ذكرتم في الدرس الماضي، أننا إذا أردنا أن نجزم الفعل المضارع فإننا يجب أن نقدر في الطلب شرطاً؛ نقدر أن الطلب تضمن معنى الشرط، ففي «زرني أكرمك» ما التقدير؟ زرني أنت أكرمك، فابن هشام رحمه الله يرى أن "أن تزرني" مضمنة في داخل "زرني"، فلذلك جزمنا "أكرمك".
الآن، هل يتأتى هذا فيما: «ما تأتينا فتحدثنا» على نفس التقدير، أن يكون "تحدثنا" مسبباً نتيجة عما قبل "أن تأتينا"؟ الآن لو قلت على نفس السياق السابق: «ما تأتينا فتحدثنا»، لو أردنا أن نجزم الفعل المضارع جدلاً ونفكر بهذه الفلسفة، هل يصح ذلك؟ نقوم بعملية اختبار؛ هل يصح أن أقدر أن هناك شرطاً متضمناً في النفي؟ لو قلنا: «ما تأتينا تحدثنا»، في تقدير "ما تأتينا أن تأتينا تحدثنا"، لا يصلح جعل عدم الإتيان سبباً في التحديث؛ بل بالعكس، هو الإتيان هو الذي ينتج عنه التحديث، أما عدم الإتيان فلا ينتج عنه التحديث.
فإن «ما تأتينا تحدثنا» نشعر فيها بشيء من التناقض، ومعنى الجملة لا يصلح لو ضمنا "أن تأتينا" الشرط الذي نضمنه في الطلب؛ ففي هذا المثال تجد أن "أن تأتينا تحدثنا" هي الأصل، فنلاحظ أن معنى الجملة مختل. وكما ذكر ياسين الحمصي، إنه هنا اختل معنى الجملة لطبيعة المعنى.
يمكن نأتي بجملة أخرى فيها نفي، وهذا النفي يتضمن معنى الشرط ولا يختل المعنى. ذكر ياسين الحمصي رحمه الله مثالاً لذلك؛ لو قلنا أيها الأحبة: «ما تعظمنا نهينك»، هل يصلح الجزم هنا؟ هل يصلح أن نقدر أسلوب الشرط هنا؟ هل يصلح أن نقدر أن جملة النفي تتضمن معنى الشرط ولا يختل المعنى، وتبقى الإهانة مسببة عن عدم التعظيم؟ «ما تعظمنا نهينك» في تقدير: ما تعظمنا أن تعظمنا نهينك. هناك ما صارحتنا، صح؟ طيب هنا «ما تعظمنا نهينك»، أما «ما تأتينا تحدثنا» فالمعنى فيه خلل.
صح أن ما تعظمنا نهينك، هكذا معنى الجملة، ففي هذا السياق وجدنا أن تضمين النفي معنى الشرط يصلح وتبقى الجملة معناها صحيحًا، ويكون هناك "نهينك" ناتجة ومسببة عن عدم التعظيم.
بينما في "ما تأتينا تحدثنا" لا يصلح أن نقول إن تضمين النفي معنى الشرط يجوز بالجزم؛ لأنه لا يصلح أن نقول إن "ما تأتينا تحدثنا" لا يصلح جعل التحديث ناتجًا عن عدم الإتيان. فباختصار، قد تصلح معك في جملة وقد لا تصلح معك في جملة أخرى، فإذاً لا يصلح أن نعلل بهذا التعليل.
نقول إنه لا يصلح جزم الفعل المضارع بعد النفي؛ لأن المعنى يختل بهذه الطريقة، لأنه لا يصلح أن نجعل الفعل المضارع المجزوم مسبباً عن النفي. انتبهوا، لا يصح أن نعلل فنقول: لا يصح جزم الفعل المضارع بعد النفي؛ لأن الفعل المضارع المجزوم بعد النفي لا يكون مسبباً عن النفي. إذا قلت: لا يكون الفعل المضارع مسبباً عن النفي، لذلك لا يجوز جزمه بعد النفي، نقول هذه الجملة ليست مطردة.
لو قال قائل: لا يكون الفعل المضارع مسبباً عن النفي، لذلك لا يجوز جزمه بعد النفي، ماذا نقول؟ نقول هذه الجملة ليست مطردة. لماذا؟ لأن "ما تأتينا تحدثنا" هنا لا يجوز جزم الفعل المضارع، لأن التحديث ليس ناتجًا عن عدم الإتيان. لو قدرت شرط "ما تأتينا تحدثنا" لا يصلح جعل المسبب ناتجًا عن عدم الإتيان، لكن في سياق آخر يمكن أن نقدر، فمثلاً في "ما تعظمنا" يأتي فيه فعل مضارع نجزمه ويكون هذا الفعل المضارع المجزوم مسبباً عن النفي. "ما تعظمنا نهينك" أصلح في جملة ولا يصلح في جملة، فلا يصلح إذاً أن تعلل بهذه القضية.
التعليل الصحيح أيها الأحبة، إذا كان الطالب لم يفهم الكلام السابق، فالمشكلة هي أن هذا الكلام ليس صحيحًا، أو يريدك أن تفهم التعليل الصحيح وتنتهي. الآن أيها الأحبة، نحن قلنا إن ابن هشام -رحمه الله- يقول: الطلب يجزم الفعل المضارع؛ لماذا؟ لأن الفعل المضارع مضمن معنا معنى الشرط. هو يقول لك: والذي جزم الفعل المضارع بعد الطلب هو أن الطلب تضمن معنى الشرط، كما في شرح القطري.
وهناك رأي آخر قلنا إنه الذي جزم الفعل المضارع هو نفس الشرط المحذوف. فباختصار الجميع متفق على وجود الشرط، لكن ابن هشام في قطر الندى اختار أنه الشرط مضمن في الطلب، وقلنا في مغني اللبيب وفي جذور الذهب اختار أن الشرط محذوف دل عليه الطلب، فقط الشرط هو الذي لزم الفعل المضارع والشرط محذوف دل عليه الطلب، فاختلفت اختياراته في كتابين. إذاً الكل متفق في النهاية على أن هذه الجملة فيها نوع من الطلب، هل هو على التضمين أو على الحذف؟ المهم أن هناك شرطًا.
أسلوب الشرط ماذا تفهم منه أنت إن قلت: "زرني إن تزرني أكرمك"؟ أسلوب الشرط أيها الأحبة يدل على أن الحدث لم يقع بعد؛ فالحدث لم يقع بعد، فأنا أعلق على وقوع شيء آخر. يقول لك: زورني، أنت زرني أكرمك، إذاً هل الزيارة وقعت؟ لا، أنا أقول لك أنت زرني، هي بمعنى أنت إن زرني أكرمك.
كذلك أسلوب النهي مثلاً من الطلب، مثل العرض: "ألا تزورنا نكرمك"؟ ما التقدير؟ "ألا تزورنا"؟ طبعًا هذا عرض، وأداة العرض لا تأتي بعد "إن"، فالتقدير: "ألا تزورنا إن تزرنا نكرمك"، فكذلك هنا الحدث لم يقع وأنت تعلق وقوعه على وقوع شيء آخر، أو تعلق شيء آخر على وقوعه. كذلك انظر مثلاً في النهي: "لا تكفر تدخل الجنة"، ما التقدير؟ "ألا تكفر تدخل الجنة"، فتعلق كله بشيء مستقبلي.
الطلب يصلح لهذا الأمر، أن الطلب سواء كان أمرًا أو دعاءً أو نهيًا أو عرضًا أو حضًا أو تمنيًا أو رجاءً، كل شيء غير واقع فيصلح أن يجزم الفعل المضارع، وتقدر شرطًا محل الطلب يكون هذا الشرط شيئًا مستقبليًا.
أما النفي أيها الأحبة، فالنفي يقتضي تحقق عدم الوقوع. يعني أنت عندما تقول "ما تأتينا" أو "ما تعظمنا" -مثال المثالين السابقين- ماذا تفهم؟ "ما تأتينا" أنت حققت عدم الإتيان، وكذلك "ما تعظمنا" أنت تنفي وقوع التعظيم. ما هي أداتنا فيه؟ عندما تقول "ما تأتينا" أنت تنفي، و"ما تعظمنا" أنت تنفي، فهي تقتضي تحقق عدم الوقوع.
فلا يصلح أن أضمنها معنى الشرط الذي يفيد التعليق على المستقبل. فلو قلت "ما تأتينا" ماذا فهمت منها؟ أنه ليس هناك إتيان، أنت تنفي وقوع إتيان، لا يصلح أن أضمنها معنى الشرط لأنه سيختلف معنى الجملة. أنا أحاول أن أوصل لك: "ما تأتينا تحدثنا"، إذا ضمنتها معنى الشرط، ماذا سأقول لك؟ أنت ما بتيجينا تحدثنا، أنفي وأحقق وقوع النفي، أنفي مجيئك وتحديثك. إذا أنا ضمنت الجملة معنى الشرط صارت الجملة مستقبلية، فاختلفت معنى الجملة. الجملة الحقيقية هي "ما تأتينا تحدثنا"، ومعناها في هذا الوضع هو نفي وقوع إتيان ينتج عنه تحديث مثلاً.
كذلك "ما تعظمنا نهينك"، الأصل "ما تعظمنا نهينك" لا يجوز أن أقول "نهينك" بالجزم، لازم نرفع "نهينك"؛ لماذا لا يجوز الجزم؟ لأن "ما تعظمنا" تنفي التعظيم، فأصبحت "نهينك" جملة استئنافية. أنا أنفي أنك تعظمنا، أقول لك أنت لا تعظمنا، فإذا قدرت فيها معنى الشرط ماذا سيحدث؟ اختل معنى الجملة تمامًا. أنا "ما تعظمنا نهينك" أنفي وقوع التعظيم، فإذا قلت إن معنى الجملة "إن ما تعظمنا نهنك" اختل المعنى تمامًا، إذ أصبح التعليق على شيء مستقبلي وليس نفيًا للحال.
فهمتم علي أيها الأحبة؟ أنا أحاول أوصل الفكرة قدر الإمكان. جملة مثلاً نفهمها في الخبر؛ نحن قلنا لا يجوز جزم الفعل المضارع بعد النفي وبعد الجملة التي لا تتضمن معنى الطلب، صح؟
لو قلت لك: "أنت تأتينا تحدثنا". هل يجوز جزم الفعل المضارع "تحدثنا" بتقدير أنه: "أنت تأتينا إن تأتِنا تحدثنا"؟ هل يجوز أن نقول "أنت تأتينا تحدثنا" بجزم الفعل المضارع "تحدثنا" بناءً على أن "أنت تأتينا" متضمنة معنى الشرط؟ لا، ما يصير. ليش؟ لأنه "أنت تأتينا" أنا هنا أثبت وأحقق وقوع شيء وهو أنك تأتي. ما معنى "أنت تأتينا"؟ أنا عم بثبت أنه أنت أتيتنا، أنت تأتيني الحمد لله، أنت الآن أتيتنا ونتكلم وتحدثنا.
إذا قلت "أنت تأتينا" هي بمعنى "أنت تأتينا تحدثنا" اختلف معنى الجملة. أنا في ابتداء عم بخبرك بخبر واحد أنه أنت تأتينا تحدثنا، أثبت وقوع شيء. فإذا وضعت أو قلت إن جملة الخبر "أنت تأتينا" متضمنة لمعنى الشرط بتقدير "إن أنت تأتينا تحدثنا"، أصبحت إذاً هذه الجملة ليست حقيقية. كان هنا "أنت تأتيني وتحدثني" أثبت وقوع شيء، فإذا أنا قلت معناها "إن أنت تأتينا تحدثنا" أصبحت تعليقاً على وقوع شيء في المستقبل، وأنا لا أريد أن أعلق على المستقبل، أنا أريد أن أثبت أن هناك شيئاً واقعاً: "أنت تأتينا تحدثنا". فهمتم علي؟ وهذه قيسوها في كل الأمثلة.
لاحظوا لماذا لم... شف لو كانت "أنت تأتينا" فيها معنى الطلب مثل قوله تعالى: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ كان تقدير "أنت تأتينا" هو "إن تأتينا". إذا كانت "أنت تأتينا" بتقدير "إن تأتينا" حينئذٍ يجزم الفعل المضارع لأنها حينئذٍ بمعنى الطلب، فبالتالي يصلح أن أقول "إن أنت تأتينا تحدثنا" لأن معناها "إن تأتينا نحدثك"، يعني تعليق على شيء مستقبلي. فلذلك أنا سأكتب عبارة الأشموني بنصها وأنتم انقلوا وحاولوا أن تطبقوها على الأمثلة؛ هذا مثال على الخبر وذاك مثال على النفي.
إذا قلت: "ما تأتينا تحدثنا"، إيش فهمت أنت؟ أن هذه الجملة "ما تأتينا تحدثنا" تقتضي تحقيق وقوع النفي، تحقق أنه انتفى الحدث، صح؟ فإذا أنا ضمنت معنى الشرط، أصبحت بدلاً من أن هي تحقيق للنفي أصبحت تعليقاً لنا فيه، فاختلف معناها تماماً، فلا يصلح.
إيش معناها "ما تأتينا تحدثنا"؟ إنه أنا الآن بهذه الجملة "ما تأتينا تحدثنا"، أن في وقوع مجيء منك ينتج عنه تحديث لكن لا أستطيع أن أجزم الفعل المضارع لأني لا أستطيع أن أضمن في "ما تأتينا" شرطاً، فأقول التقدير: "ما تأتينا تحدثنا" هي بتقدير "ما تأتينا أي ما تأتينا..."؛ لأنني هناك عم بخبر. أنت ملاحظ أنه كلا السياقين خبر؛ هذا سياق إثبات وهذا سياق نفي، بس إذا أنا أخبرت أنك ما بتجينا، أنا ما بدي أعلق، أنا بخبرك خبر أنك ما بتجينا بس. فتعليقها أو تضمينها معنى الشرط سيخل بمعنى الجملة تماماً، الجملة الأصلية سيختل معناها لأن الجملة الأصلية هي فقط تنفي وقوع شيء يترتب عليه شيء. وجملة الإثبات نفس الشيء تثبت وقوع شيء ترتب عليه شيء، فلا يصلح حينئذٍ أن أضمنها معنى الشرط لأنها تحول من جملة إثبات أو نفي لوقوع شيء إلى تعليق وقوع شيء على شيء آخر، وهذا لا يصح.
بينما في الطلب؛ لأن هو أصلاً الطلب هو استدعاء وقوع شيء في المستقبل. وإيش الطلب؟ استدعاء وقوع شيء أو استدعاء عدم وقوع شيء إذا كان نهياً. فإذا قلت: "زرنا نكرمك"، قال ما احنا متناسق، أنا بقول لك زرنا في المستقبل، "زرنا في المستقبل نكرمك"، هيك تقدير الجملة. أو "لا تزرنا" نهي، "لا تزرنا" مثلاً... خلينا مثال ما حتى مش نقعد ندور على أمثلة: "لا تكفر تدخل الجنة". هون أنت إيش تفهم معنى الجملة؟ أنا بدي إياك تفهم المعنى أيها الأحبة، مهم في الإعراب: "لا تكفر تدخل الجنة"، إيش معنى الجملة هاي؟ أنه إياك أن تكفر حتى تدخل الجنة، هيك أنت فاهمها، صح؟ فمعنىً إذاً يصح أن أقول "إن لا تكفر تدخل الجنة".
بينما لو قلت لك: "ما جاء محمد أكرمه"، شو فهمت أنت هنا؟ "ما جاء محمد أكرمه"، شو فهمت؟ أنه محمد ما جاء، يعني "ما جاء محمد أكرمه" أنه ما جاء محمد حتى يحصل له إكرام، بس نفيت "ما جاء محمد"، نفي مجيء محمد اللي يترتب عليه الإكرام، أخبرتك أنه ما جاء. ما يصير أحكي "ما جاء محمد أكرمه" بالتقدير: "ما جاء محمد أي إن جاء"، واختلفت معنى الجملة. أنا ليش بتقول لي "إن جاء"؟ أنا بقول لك "ما جاء" بس بخبرك بنفي وقوع حدث، فكيف أنت تحوله وتضمن معنى شرط؟ أنت عم تعمل اختلال، أنا ما عم بعلق شرط، أنا ما بدي إياك تفهم تعليق، أنا بدي إياك تفهم عدم وقوع شيء، وبالتالي ما وقع الشيء الذي يليه سواء كان في نفي أو كان في إخبار.
وهذا التعليل يطرد في جميع الأمثلة، لذلك قال النحاة: لا يجزم الفعل المضارع بعد النفي وبعد الجملة الخبرية المثبتة التي لا يراد منها الطلب؛ لماذا؟ لأنه كما قلت لكم الآن، سأنقل عبارة الأشموني عفواً بنصها: "ومتى سيختل؟ إذا كانت الجملة إخباراً بنفي أو إثبات". فنقول ويحفظ الجميع هذه العبارة: "أما النفي فلا يجزم جوابه، لأنه إينا فيه يقتضي عدم الوقوع، كما يقتضي الإيجاب تحقق الوقوع". هذه عبارة الأشموني، يريد الأشموني أن يقول لك -والأشموني هنا ينظر الجملة المنفية على الجملة المثبتة- كما أن الجملة المثبتة "أنت تأتينا تحدثنا" إيش أنا أفهم منها كسامع؟ إثبات وقوع إتيان وهذا الإتيان أعقبه تحديث، هذا اللي فهمته؛ قلت له أثبتت وقوع إتيان وهذا الإتيان أعقبه وجود تحديث، فلا يصلح أني أحول الجملة من باب الإخبار عن تحقق وقوع...
إلى جعلها جملة شرطية أو تتضمن معنى جملة شرطية؛ لأنه سيختل المعنى. قال كذلك في النفي؛ فالنفي هو إخبار عن عدم وقوع الإتيان فلم يحدث تحديث، أنا أخبرت خبراً فلا يصلح أن تُضمن هذه الجملة المنفية معنى الشرط، فتقول: أما تأتينا؛ لأنه إذاً سيختل المعنى من إخباره عن عدم وقوع شيء إلى تعليق عدم وقوع شيء على عدم وقوع شيء آخر، هكذا صار يصير القضية، فهذا اختلال في المبنى كامل.
بينما الطلب هو أصلاً استدعاء شيء مستقبل، يعني استدعاؤه وقوع شيء في المستقبل أو استدعاء عدم وقوع شيء في المستقبل؛ لأنه طلب حصول شيء في المستقبل أو حصل، أو طلب عدم حصول شيء في المستقبل. بالتالي وأسلوب الشرط كذلك هو يتعلق بالمستقبل؛ فتناغم الشرط مع الطلب فصح تضمين الشرط في الطلب، لأنه الطلب للمستقبل والشرط للمستقبل.
باختصار، الطلب هل يدل على شيء وقع؟ لا. النهي هل يدل على شيء وقع؟ لا، وإنما هو طلب في المستقبل. والشرط هو كذلك تعليق للمستقبل، فصلح تقديره وتضمينه في داخل الطلب. أما النفي أو الإثبات فهو عبارة عن إخبار؛ إخبار عن شيء وقع أو شيء لم يقع فقط، فلا يصح أن أضمنه معنى الشرط؛ لأنه هنا اختل المعنى تماماً من جهة إخبار إلى تعليق. في قطر هي القضية التي حاولت أن أبسطها لكم حتى تفهموا كلام النحاة.
الآن أيها الأحبة، ننتقل إن شاء الله إلى بيان ما يجزم فعلين مضارعين، القسم الثاني من الجوازم. بالنسبة للإخوة المتابعين لبرامج قطر الندى على غراس العلم، في الدرس الحادي عشر سيوضع في وصف الحلقة رابط الاختبار؛ هناك اختبار من الدرس الأول إلى الدرس الحادي عشر. المتابعون من خارج الأردن، وقطر الندى الذين يطالبون باختبارات في الدرس الحادي عشر أو في الثاني عشر، أظن الإخوة سيضعونه في الحادي عشر في الوصف. سيوضع فيه رابط اختبار قطر الندى الأول لمن أحب أن يتابع معنا ويدخل في الاختبارات.
إذا اليوم ننتقل أيها الأحبة إلى ما يجزم فعلين مضارعين، وهو ما يسمى في اللغة العربية أسلوب الشرط. وهذا سيقودنا أيها الأحبة إلى شيء من التوطئة والتمهيد، فنقول ابتداءً أيها الأحبة: أقدم مقدمةً أقول فيها إن أدوات الشرط على نوعين. وقبل أن أقول إن أدوات الشرط على نوعين، نقول أسلوب الشرط ابتداءً؛ أسلوب الشرط أيها الأحبة في اللغة العربية عبارة عن ثلاثة أركان: أداة شرط، بعدها جملة شرط، بعدها جملة جواب شرط.
أسلوب الشرط في اللغة العربية عبارة عن أداة شرط بعدها جملة شرط، بعدها جملة جواب شرط. وظيفة أداة الشرط أن تربط بين جملتين، بين جملة الجواب وجملة الشرط، وطبيعة الربط هذا يكون بحسب الأداة المستخدمة، وهذا يورث بتفصيله إن شاء الله، لكن فقط أريدك أن تعرف هذه القاعدة تنطلق منها: أن أسلوب الشرط في اللغة العربية عبارة عن أداة شرط بعدها جملة شرط، بعدها جملة جواب شرط.
«إن جاء محمد فسأكرمه»؛ عندي أداة شرط «إن»، جاء محمد جملة شرط، فسأكرمه جملة جواب الشرط. ما وظيفة «إن» في كلا الجملتين؟ ربطت بين جملة الجواب وجملة الشرط، كيف ربطت؟ ربطت وقوع الجواب على وقوع الشرط. «إن تعودوا نعد»؛ يعني متى يقع الجواب الذي هو «نعد»؟ إذا وقع الشرط. «إن جاء محمد فسأكرمه»؛ متى يقع الإكرام؟ إن جاء محمد. هذا يتعلق بـ «إن»، وممكن أداة تختلف معناها مثل «لولا»، سنأتي عليها إن شاء الله بعد أن نفصل أدوات الشرط إلى نوعين: جازمة وغير جازمة.
إذن أسلوب الشرط عبارة عن أداة شرط + جملة شرط + جملة جواب شرط، هذه هي القاعدة الأولى. بعد أن عرفنا أسلوب الشرط في اللغة العربية، وأنه أداة الشرط وظيفتها أن تربط بين جملتين: جملة الشرط وجملة جواب الشرط، نقول أيها الأحبة: أدوات الشرط على نوعين؛ هناك أدوات شرط غير جازمة، وهناك أدوات شرط جازمة، الذي يعنينا في هذا السياق هو بالضبط أدوات الشرط الجازمة؛ لأننا نتكلم عن جوازم الفعل المضارع.
سنتكلم عن أدوات الشرط الجازمة التي تجزم فعلين مضارعين: فعل الشرط وجواب الشرط، لكن حتى أعطيك المعلومة كاملة لابد أن أتكلم عن أدوات الشرط غير الجازمة، ولك تفهم إن شاء الله أسلوب الاشتراط في اللغة العربية، لكن لن أدخل في التفاصيل كثيراً. أدوات الشرط غير الجازمة هي: «لو»، «لولا»، «لوما»، «إذا»، «كلما»، «لما»، «أما»؛ سبعة، سأتكلم سريعاً ولن أدخل في التفاصيل الكثيرة.
أقول: «لو» أيها الأحبة، يسميها النحاة على نوعين؛ إما أن يكون فعل الشرط ماضياً بعدها لفظاً ومعنى أو معنى فقط، وإما أن يكون فعل الشرط بعدها مستقبلاً لفظاً ومعنى أو معنى فقط. إما أن يكون فعل الشرط ماضياً، سواء كان ماضياً لفظاً ومعنى، أو لفظه مضارعاً لكن معناه ماضي، وإما أن يكون فعل الشرط بعدها مستقبلاً يدل على المستقبل لفظاً ومعنى، يعني فعل مضارع هو لفظه ومعناه المستقبل، أو معنى فقط وهو الذي لفظه ماضي لكن معناه مستقبل.
الحالة الأولى: أن يكون فعل الشرط ماضياً بعدها لفظاً ومعنى أو معنى فقط، وهو الأكثر، وتسمى حينئذ عند المعربين المشهور «حرف امتناع الامتناع»، طبعاً هذا المصطلح ليس دقيقاً، لكن لن أناقش الآن ما هو المصطلح الدقيق، لكن ما هو المتعارف أن اسمها «حرف امتناع الامتناع». ما معنى هذه الجملة؟ امتنع وقوع الجواب بسبب امتناع وقوع الشرط. مثال، وهذا هو الأشهر: «لو جاء محمد لأكرمته»؛ أنت كعربي ماذا تفهم من معنى هذه الجملة؟ امتنع وقوع الإكرام الذي هو الجواب، وامتنع وقوع المجيء. «لو درست لنجحت»؛ ماذا تفهم أنت كعربي من هذه الجملة؟
لو درست ماضي لفظا ومعنى لو درست لنجحت؛ إيش فهمنا؟ أفهم من هذه الجملة امتناع وقوع النجاح بسبب امتناع الدراسة. لو أسلمت لدخلت الجنة؛ إيش فهمت منها؟ امتنع أن هذا الرجل ما دخل الجنة لأنه ما أسلم، وعلى ذلك فقس. لذلك تسمى حرف امتناع الامتناع؛ امتنع وقوع الجواب بسبب امتناع وقوع الشرط.
وهذا يكون إذا كان الفعل الواقع بعدها للماضي، سواء كان ماضي لفظا ومعنى أو كان مضارعا لكن المراد به الماضي. لا يحضرني الآن في الحقيقة مثال، مضارع المراد به معنى الماضي ممكن يأتي أثناء الحديث.
الحالة الثانية أن يكون فعل الشرط بعدها مستقبلا يدل على المستقبل، سواء كان مستقبلا لفظا ومعنى وهو المضارع، والمضارع يدل على المستقبل كما قلنا بالقرينة، وتعتبر له هي القرينة؛ أو مستقبلا معنى فقط، وهو الذي يكون ماضيا لكن معناه للمستقبل. وفي هذه الحالة لا تكون حرف امتناع الامتناع، بل تكون بمعنى «أن».
قال الله تعالى: ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا﴾ [الزخرف: 31]، أي إذا شئنا في المستقبل أن نجعله أجاجا، أي مالحا. لو نشأ، إيش الفعل الواقع بعد لو؟ مضارع ومراد به المستقبل، يعني لو نشأ في المستقبل لجعلناه أجاجا. وينكر أن يقول مفسر إن المراد بالمضارع هنا الماضي، لأن الآية تحتمل أن التقدير: ما شاء، مضارع لكن أراد به الماضي، أنه لو شئنا في الماضي أن نجعله أجاجا لجعلناه ولكن ما جعلناه؛ فإذا قدرت أنه نشاء مضارع لكن معناها الماضي تصبح «لو» حرف امتناع الامتناع، امتناع جعلناه أجاجا لامتناع المشيئة الإلهية. ولو قلنا إن نشاء هنا والمراد بها المستقبل، فيصبح لو نشاء في المستقبل لجعلناه، فـ «لو» هنا ليست امتناع الامتناع بل بمعنى «أن»؛ إن نشاء جعلناه أجاجا، وهذه قضية مهمة بالتفسير.
كذلك الآية التي قبلها في الزرع: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَلَظِلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ [الملك: 16]. أنا هنا فيما يظن أن الآية المراد بالمضارع هنا الماضي، أنه افرأيتم ما تحرثون، أنتم تزرعون، لو شئنا جعلناه حطاما. ممكن تقول إن لو نشأ كان مضارعا يحتمل أن تحمله على الماضي؛ التقدير أنه لو شئنا -شايفين هذا الزرع طالع- لو شئنا خلينا لكم إياه حطاما وما أكلتم منه شغلة بس إحنا ما شئنا، فيصير حرف امتناع الامتناع. وإذا كان المعنى أنه لو نشاء في المستقبل أنه لجعلناه حطاما، بتكون لو هنا بمعنى «أن».
لاحظوا، إذا كان الفعل بعد فعل الشرط مستقبلا لفظا ومعنى تكون بمعنى «أن». نأتي على فعل شرط مستقبل لكن معنى فقط؛ قال تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا﴾ [النساء: 9]. الله عز وجل يخاطب ناسا أحياء لسا، صح؟ وليخشى الذين لو تركوا؛ «تركوا» فعل ماض، طيب كيف تركوا وهم لسا أحياء؟ تقول هي ماضي لكن المراد بها المستقبل، والسياق هو الذي أراد، فتقدير لو تركوا المعنى لو يتركون في المستقبل، فهي صح ماض في اللفظ لكنها في المعنى للمستقبل، فهنا «لو» ليست امتناع الامتناع، بل «لو» هنا بمعنى «أن»، فتقدير: لا يبلغوا إن تركوا من خلفهم ذرية ضعافا.
لاحظوا كيف الأمر خطير ومهم جدا في تفسير القرآن؛ تحديد معنى «لو» وتحديد معنى الفعل الواقع بعدها، هل المراد به الماضي ولا المستقبل؟ والقرائن والسياق والسباق هو الذي سيحدد لك ما المراد بالضبط بالفعل الواقع بعد «لو»، هذا باختصار. واضح أيها الأحبة؟ ما أريد أطيل أكثر من ذلك، ليس موضوعنا، لكن أنا أحاول أن ألم بباب الشرط كله للطالب حتى إذا وقع في الإعراب للآيات أو ما شابه ذلك صار يعرف يتعامل معه.
هذا فيما يتعلق بـ «لو»، وفيما يتعلق بـ «لولا» و«لوما». طبعاً «لو» أيها الأحبة حرف ليس له محل من الإعراب. «لولا» و«لوما» أيضا حروف، لكن «لولا» و«لوما» إن كانت جملة الشرط -التي هي الجملة الواقعة بعد الأداة مباشرة- جملة اسمية مكونة من مبتدأ وخبر، تقول: «لولا» و«لوما» حرف امتناع لوجود، لا تخربط بين «لو» امتناع الامتناع، بينما «لولا» و«لوما» إن كانت جملة الشرط جملة اسمية يكون حرف امتناع لوجود.
شو يعني حرف امتناع لوجود؟ يعني امتنع الجواب لوجود الشرط؛ امتنع الجواب لوجود الشرط، لولا محمد موجود. وكما قال ابن مالك، وبعد «لولا» غالبا يحذف الخبر، فـ «لولا» الجملة الاسمية التي بعدها عادة يكون المبتدأ هو المذكور والخبر محذوف، بس غالبا أنا ما بدي أمشي على الغالب، بدي أمشي على عدم الغالب حتى يتضح ذاك المقال. لو قلت: لولا محمد موجود لأهنتك، إيش أنت بتفهم كعربي من هذه الجملة؟ امتنع وقوع الإهانة لوجود محمد، امتنع الجواب لوجود الشرط. وكذلك «لوما»، «لولا» و«لوما» نفس القضية، بس إحنا في التعامل عادة بنستخدم «لولا» وما بنستخدم «لوما»، قليلة الاستخدام عندنا. المهم: لولا محمد، امتنع الجواب لوجود الشرط.
هذا متى أيها الأحبة؟ إذا كانت جملة الشرط بعد «لولا» جملة اسمية. أما إذا كان بعد «لولا» جملة فعلية فعلها مضارع، حينئذ لن تكون «لولا» أداة شرط غير جازمة، بل تخرج من أسلوب الشرط إلى أسلوب التحضيض، تخرج من أسلوب الشرط وتصبح أداة تحضيض. فلو قلت لك: لولا تزورنا، ما في جواب أصلي، أنا ما بحتاج الجواب، أنا بحطك بس؛ لولا تزورنا، لولا تشرفنا، لولا تدرس.
أما إذا كان بعد «لولا» جملة فعلية فعلها ماض، تخرج من أسلوب الشرط وتصبح أداة توبيخ؛ لولا جئت البارحة، توبخت، يعني نوع من التوبيخ؛ ليش ما جئت؟ مشاكل لغتنا إحنا بنحكي، بس العرب ما تحكي، بل تحكي: لولا جئت البارحة بلغة عربية فصحى. جميل؟
لولا؛ متى تكون أداة شرط غير جازمة باختصار؟ إذا كان بعدها جملة اسمية، وهذه الجملة الاسمية كما سيأتي معنا إن شاء الله غالباً ما يحذف فيها الخبر، وتكون حينئذ حرف امتناع لوجود. وإذا كان بعد لولا جملة مضارعة تكون للتحريض، وإذا كان بعد لولا جملة ماضية تقول لي ماذا؟ للتوبيخ. لذلك يقول: لولا امتناع لوجود في الجمل الاسمية، وفي المضارع للتحريض، وفي الذي مضى للتوبيخ، ونفيها لا يرتضى؛ كما قال السيوطي في الكوكب الدري. هذا فيما يتعلق بلولا ولولا.
انتهينا من لولا، ننتقل سريعاً ولا أكثر إلى الأمثلة لأنه ليس موضوعنا كما قلت ابتداءً، لكن نحاول أن نلم أشلاء الموضوع. إذا؛ كثير مرة معنى "إذا" كما قلنا هي ظرف لما يستقبل من الزمان. إذا تختلف عن "لو" و"لولا"، وأنها اسم مش حرف، اسم ظرف لما يستقبل من الزمان، يأتي بعدها جملة شرط وتأتي بعدها جملة تساوي جملة الجواب.
أقول لك: إذا درست تنجح. طبعاً "تنجح" مش مجزومة، "تنجح" لأن "إذا" أداة شرط غير جازمة. إذا درست تنجح، وإذا لعبت ترسم هي كالحياة. إذاً هي ظرف. طيب، ما معنى "إذا" هنا؟ "إذا" ظرف لما يستقبل من الزمان. طيب، فما إعرابها يكون؟ تقول: ظرف مبني على السكون في محل نصب. والجميلة أن الجملة الواقعة بعد "إذا" نقول ما يكون إعرابها؟ في محل جر مضاف إليه.
وإذا "إذا" إيش اللي ناصبها الآن؟ أي إعراب يريد نصباً؟ أنت تقول: "إذا" ظرف مبني على السكون في محل نصب، فما العامل؟ العامل هو فعل الجواب. فإذا قلت: إذا تدرس تنجح -طبعاً ما تدرس- هي مش مجزومة، "إذا تدرس تنجح"؛ إذاً ألزموا "إذا" الإضافة إلى الجمل الأفعال.
ماذا يأتي بمثال آخر؟ ومن القرآن مثلاً: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْقِسْطِ﴾ [النساء: 58]. إذاً "حكمتم بين الناس" الجملة الواقعة بعد "إذا" في محل جر مضاف إليه، وبعد ذلك تأتي جملة الجواب. فإذاً "تدرس تنجح" باختصار؛ الجملة الواقعة بعد "إذا" مباشرة في محل جر مضاف إليه، وهي من الجمل السبع التي أخذناها، "تنجح" هي العامل الذي نصبه "إذا" على الظرفية. انتبهوا لها؛ لو قال لك واحد: "إذا" أنت تقول مبني في محل نصب على الظرفية، لماذا نصبها على الظرفية؟ تقول له: الفعل الذي في جملة الجواب، الذي هو "تنجح". فالفعل الذي بعد "إذا" أو الجملة التي بعد "إذا" في محل جر مضاف إليه، وفعل الجواب هو الذي نصب "إذا" على الظرفية. طبعاً ابن الجرامة في المدرسة الآجرومية، إذا تذكر المدرسة الآجرومية، عدا "إذا" من أدوات الشرط الجازمة في الشعر خاصة، حيث يقول بعض النحويين إن "إذا" تكون أداة شرط جازمة في الشعر خاصة، وهذه مسألة خلافية بين النحويين، لكن المشهور أن "إذا" أداة شرط غير جازمة، الجملة التي بعدها مضاف إليه وهناك جملة جواب، وهي ظرف لما يستقبل من الزمان.
كلما؛ أيها الأحبة، كلما لن أكتب عنها كثيراً، هي كذلك اسم، وهي بمعنى "إذا" ظرف لما يستقبل من الزمان، لكن ما الفرق بين "إذا" و"كلما"؟ أن "إذا" تدل على المرة، بينما "كلما" تدل على التكرار، وهذا يفيدك في باب الطلاق. إذا قال لرجل لامرأته: "كلما دخلت الدار فأنت طالق"، هذه كلما دخلت تطلق، كلما دخلت تطلب، كلها خلاص، كلما دخلت ثلاث مرات سلام عليكم. لكن إذا قال: "إذا دخلت الدار فأنت طالق"، خلص، إذا دخلت دخولاً وقعت عليها طلقة، بعد ذلك لو دخلت مرة أخرى لا يقع عليها الطلاق. فهذا الفرق بين "إذا" و"كلما"؛ أن "كلما" تدل على التكرار وهي ظرف لما يستقبل من الزمان، بينما "إذا" لا تدل على التكرار وفلسفتها نفس القضية. لكن "كلما" الجملة التي تقع بعدها ليست في محل جر مضاف إليه، بخلاف "إذا" الجملة الواقعة بعدها في محل جر مضاف إليه.
لما؛ عندما أتكلم عنها أنتم تتكلمون عنها، "لما" هذه الرابطة درسنا الخلاف فيها بين أبي بكر بن العجاب وأبي علي الفارسي، وأبو علي الفارسي قال: ظرف زمان، فقال هي مثلها مثل "إذا" باختصار. ابن هشام رد عليه، قال: لا، "لما" ليس ظرفاً إذا كانت رابطة، "لما" حرف، واستدل بآية من يذكرها: ﴿فَلَمَّا قَضَىٰ عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِ﴾ [سبأ: 52]. استدل ابن هشام على عدم ظرفية "لما" بأنه لا يوجد عامل ينصبها على ظرف الزمان. لذلك أنا أركز على قضية العوامل كثيراً من فلسفة النحو، إذا كان هناك عامل ينصبها، لكن ابن هشام استطاع أن يأتي بجملة، لو أتيت بجملة واحدة فيها "لما" رابطة ولم يوجد ناصب كانت "لما" حرفاً مثلها مثل "لما" التي لا يوجد في اللغة العربية ناصب لها، لكن "لما" استطاع ابن هشام أن يجد مثالاً من القرآن الكريم جاءت فيه "لما" رابطة ولا يوجد -يعني يستحيل أن يوجد- في جملة عامل ينصبها، بالتالي ثبتت على أنها حرف. هذا الفرق بين "إذا" و"لما"؛ أنه في "إذا" كل الجمل فيها عوامل، بينما "لما" وجدنا جملة لا يوجد لها عامل.
أما؛ أيها الأحبة، هذه التي عادة كثيراً ما تقول: "أما محمد فموجود"، "أما محمد فقائم"، "أما فلان فيدرس"، وهذا الذي يكون عادة في مطلع الكتب والمصنفات: "أما بعد". "أما" هذه اختصار لأداة شرط، "أما" تقديراً: مهما يكن من شيء فمحمد مثلاً موجود. "أما محمد فموجود"، ما معنى هذه الجملة عند العرب؟ يقولون "أما" تنوب عن مقطع كامل وهو "مهما يكن من شيء". لذلك قال ابن مالك في الألفية: «أما كمهما يكن من شيء مهما»، فتقدير "أما محمد فموجود" هو "أما محمد فموجود مهما يكن من شيء".
فمحمد موجود. فبقول للطالب: يا شيخ، أنا شايف الفاء مرتبطة بالجملة الحقيقية بمحمد، هون أما محمد وجود الفاء اجت على اللي بعد محمد، اللي هي كلمة فموجود. بنقول: صح كلامك، الأصل أنه أما محمد فموجود، الأصل أنه محمد هاي اللي بعد أما في جملة الجواب، والأصل أنه الفاء مرتبطة بمحمد. لكن لما كانت «أما» مختصرة، قالوا لا، نأتي؛ شف لو افترضنا أننا خلينا الفاء مرتبطة بمحمد مباشرة، قال: ايش صارت الجملة؟ أما فمحمد موجود. قالوا: الفاء التي تربط بين جملة الجواب وجملة الشرط ما بتيجي بعد أداة الشرط سواء جازمة ولا غير جازمة، لازم نخلي مسافة بين الفاء وبين أداة الشرط.
فقالوا: يا عمي الفاء اللي في محمد زحفوها منه، زحلقوها إلى أين؟ إلى موجود، وقدموا محمد. الآن شو عرى محمد؟ «وأما محمد فموجود»؛ محمد مبتدأ، وموجود خبر. بقول لك الطاولة ايش الفاء؟ هذه واقعة في جواب الشرط، وأصلها أن تكون في محمد لكنها زحلقت إلى الخبر حتى لا تقع الفاء بعد أداة الشرط مباشرة، ما بنفعش «أما فمحمد موجود». أداة الفاء الرابطة بين جملة الجواب وجملة الشرط تأتي في منتصف الجملة، ما نيجي بعد أداة الشرط مباشرة، لذلك قاموا بعملية زحلقة، اسمها عملية إزاحة.
إذا «أما» هي نائبة عامة مهما يكن من شيء. هذه أيها الأحبة الأدوات تسمى أدوات الشرط غير الجازمة. أدوات الشرط غير الجازمة هي التي تربط في اللغة العربية بين جملة شرط وجملة جواب ولا تجزم. انتهينا منها، ننتقل الآن إلى المقصود بعد أن عشنا هذه الجولة، ننتقل إلى أدوات الشرط الجازمة. أي أدوات الشرط الجازمة أيها الأحبة؟ نعود إلى ابن هشام، واستريح شوي يا ابن هشام.
بسم الله، لماذا أنا أحتاج لهذا التفصيل؟ لأنه كثير من الطلاب يقولوا: يا شيخ أنا أرى كثيرًا من جمل الشرط في اللغة العربية لكنها ليست مصدرة بالأدوات الجازمة، كيف أتعامل معها؟ فلا بد من تقديم لمحة للطالب أنك تفهم أسلوب الشرط، فيها أدوات غير جازمة وفي أدوات جازمة. من أدوات غير الجازمة التي تأتي في اللغة العربية هذه الأدوات السبعة، إن أسلوب الشرط براحة أو أسلوب الربط، أنا بدي أسميه بين جملة وجملة. الطالب يلاحظ أن أدواته كثيرة ومتشعبة عليه، فأنت محتاج أن تحصر له وتهذب له هذه الأدوات وفصل له هذا بالتفصيل: أدوات غير جازمة وأدوات جازمة، هذا يساعد الطالب.
الآن أي بيت رح يمر عليك في استشهاد ابن هشام في اللغة العربية، فصل مباشرة، شفت في ربط بين جملة وجملة، إلى أدواتها؛ هي من أدوات الشرط غير الجازمة بدك تحفظها، أو من أدوات الشرط الجازمة. قال ابن هشام: «وأما ما يلزم فعلين فهو إحدى عشرة أداة»، وهي نحو: «إن يشأ يذهبكم»، «أينما تكونوا يدرككم الموت».
أنا سريعيًا سؤالي لوحدي: «إن» أيها الأحبة حرف ليست اسم، انتهينا. «إن يشأ يذهبكم»، هذه أول أداة من أدوات الشرط الجازم، «إن» وهي أم أدوات الشرط؛ لأنه تفصيلات أو تفريعات كثيرة مثل «إن» الناصبة، «إن» بالكسر هي أم أدوات الجزم لفعلين لأن تفصيلاتها وتفريعاتها كثيرة أيها الأحبة. إذا الأول مما يجزم فعلين لمضارعين: «إن»، لاحظوا: «إن يشأ يذهبكم»، «يشأ» إعرابها فعل مضارع مجزوم، و«يذهبكم» جواب الشرط مجزوم بـ «إن» الجازمة.
الأداة الثانية «أين»، نحو: «أينما تكونوا يدرككم الموت». «أين» أيها الأحبة أداة شرط جازم أيضًا، وهي ليست حرفًا هي اسم مكان، هي تدل على الظرفية المكانية. وإن شاء الله بعد ما أنهي الكلام وأعيد تعداد سأقسم لكم أدوات الشرط الجازمة بتقسيمات، الأدوات التي تدخل عليها «ما» بعدها، وسنتكلم عن إعرابها بالتفصيل؛ لأن هذا الفن لن تجدوه مرتبًا عادة في الكتب، تجدوه مفرقًا، نحن بإذن الله سنحاول أن نجمعه. كيف نعرب أدوات الشرط؟ ما هي أدوات الشرط الجازمة التي تدخل عليها «ما»؟ وهذا ستجوده، لكن الآن هي مقدمة سريعة.
«أين» إذا قلنا تدل على اسم مكان، تدل على ظرفية المكان، «أينما تكونوا يدرككم»، «تكونوا» مجزومة والجواب «يدرككم» مجزوم. «أيًّا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى»، «أي» أيها الأحبة اسم شرط، هذه الفائدة الأولى فيها، وثانيًا هي أداة الشرط الوحيدة المعربة، كل أدوات الشرط مبنية وهي الأداة الشرطية الوحيدة المعربة. نلاحظ «أيًّا ما تدعوا» أي مثال، «أيًّا ما تدعوا» منونة، الدليل أنها معربة ومتمكنة. «أيًّا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى»، «تدعوا» فعل مضارع مجزوم، علامة جزمه حذف النون لأنه من الأفعال الخمسة. «فله الأسماء الحسنى»، هنا جملة الشرط ليست فعلًا مضارعًا، كيف نعربها؟ نتعلم إن شاء الله.
«مَنْ» أيها الأحبة هي اسم أداة شرط، وهي من الأسماء، ووضعتها العرب لمن يعقل، فاستخدام «مَنْ» كأداة من أدوات الشرط الأصل في لسان إذا كنت تتحدث عن شخص يعقل حينئذ تستخدم «مَنْ». لاحظوا: «مَنْ يعمل سوءًا يجزَ به»، «مَنْ» هنا تتكلم عن شخص عاقل، فيها خطاب أو تتحدث في الجملة عن العقل. «مَنْ يعمل سوءًا يجزَ به»، «يعمل» و«يجزى» مجزومان. وكذلك «ما»، اسم من أسماء الشرط، ووضعتها العرب لما لا يعقل. قال تعالى: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ [البقرة: 197]، «تفعلوا» مجزوم و«يعلمه» مجزوم أيضًا.
«مهما» مثل «ما»، اسم شرط ووضعتها العرب لما لا يعقل. والبصريون يرون أنه «مهما» أصلها «ماما»، أصل «مهما» عند البصريين «ماما»، لو قال له في فتحتين صارت «ماما»، كيف صارت «مهما»؟ قالوا: «ماما»، الألف التي في «ما» الأولى قلبت إلى ماذا؟ قلبت إلى الهاء فصارت «مهما». طبعًا هل هذا عليه دليل؟ لا، إذاً يذكر، اشمعنى أن نقول؟ وقيل إنها بسيطة، بسيطة يعني ليست مركبة، هكذا سمعت عن العرب، وأنا دائمًا هذا الذي أذهب إليه إذا لم يكن عندي دليل واضح، ما عندك دليل واضح قل إنها بسيطة، الأصل هكذا سمعت عن العرب. لكن المشكلة أن البصريين يرون أنها مركبة، والكوفيين يرون أنها مركبة، وأنت لما تحكي عن مدرستين إذا كان في قوة للكلام، لكن أنت حتى ترتاح قل إنها بسيطة كما قال بعضهم، والأجر على الله إن شاء الله.
لذلك ماذا يقول امرؤ القيس؟ «أغرك مني أن حبك قاتلي .. وأنك مهما تأمري القلب يفعلِ». وإن قال هذه هي امرؤ القيس: «أفاطمة مهلا بعض هذا التدللِ .. وإن كنت قد أزمعت صرمي فاجملِ. وإن تك قد ساءتك مني خليقةٌ .. فسلي ثيابي من ثيابك تنسلي». «أغرك مني أن حبك قاتلي .. وأنك مهما تأمري القلب يفعلِ. وما ذرفت عيناك إلا لتضربي .. بسهميك في أعشار قلب مقتلِ».
فهذا في وصفه وحديثه مع فاطمة في معلقته المشهورة. مهما تأمري القلب يفعل؛ أي أي شيء تأمري به القلب يفعل. لاحظوا «مهما»؛ معناها أي شيء، تدل على شيء غير عاقل، مهما أي شيء تأمري به القلب يفعله. متى؟ نعم، هو كسرها هنا لهذا الروي؛ كسرها لليوم هو يفعل القلب، تأمري عن يفعلي. نعم واضح، هي تأمرينا هكذا، قال تأمرين.
متى؟ كقول الآخر؟ متى؟ هذه السابعة، سواء نحن الآن في السابعة، متى؟ واضح، ظرف زمان، اسم بشرط ظرف زمان. «متى أضع العمامة تعرفوني .. أنا ابن جلاء وطلاع الثنايا». متى أضع؛ أضع فعل مضارع مجزوم، لماذا مكسور هنا؟ تخلصاً من التقاء الساكنين. وتعرفوني؛ تعرفوا فعل مجزوم، علامة جزم ماذا؟
الأداة الثامنة: «إيا نا» أيضاً، إيا نا أيها الأحبة، اسم شرط يدل على الزمان، مثلها مثل متى، لكن كما ذكر السيوطي في عقود الجمان، وقيل إنها تستخدم للزمان يعني للتهويل في الأزمنة، لكن هذا معنى فيه خلاف، هل هي مثل متى تماماً؟ أم تستخدم للأزمنة التي لها شأن ولها فخامة؟ هذا معنى بلاغي، لكن المهم أنها اسم زمان؛ لقوله: ﴿فَإِيَّانَا مَا تَعْدِلُ بِهِ الرِّيحُ تَنْزِلْ﴾. لاحظوا كيف جزم به الريح تنزل، جزم فعل الشرط وجزم جواب الشرط، لكن لاحظوا أنه دائماً إذا كان في آخر البيت يحدث كسر ربما للروي أو ما شابه ذلك.
حيثما، هي الأداة التاسعة، وهي اسم شرط يدل على ماذا؟ على المكان مثل أين، هذا الذي عليه الجماهير أنه حيثما اسم شرط للمكان، لكن لاحظوا البيت الذي أتى به مثالاً على حيثما قال: «حيثما تستقم يقدر لك الله نجاحاً في غابر الأزمان». حيثما تستقم؛ تستقيم فعل الشرط، يقدر جواب الشرط، مجزومين. لكن حيثما، لاحظوا ماذا تشعر معناها في البيت؟ حيثما لا تستقم يقدر لك الله نجاحاً في غابر الأزمان.
غابر كلمة غابر، طبعاً من الضاد تأتي بمعنى ماضي الأزمان وتأتي بمعنى قابل، فهي بسموها للغة العربية تستخدم للماضي وللمستقبل، فهنا معناها المستقبل؛ يعني حيثما تستقم يقدر لك الله نجاحاً في مستقبل الأزمان. لكن حيثما هنا في هذا البيت تشعر أنه فيها معنى الزمان، لذلك ابن هشام يقول في مغني اللبيب: «وهذا البيت حيثما تستقم دليل عندي على أن حيثما ترد للزمن».
لكن ردوا على ابن هشام بمناقشات طويلة، وقيل لا، هذا البيت ليس صريحاً ويمكن أنه يحمل حيثما على المكان لأنه حيث فعلاً والأصل فيها للمكان. لكن هل يمكن أن ترد على ابن هشام؟ يقول: «وهذا دليل عندي على أنها قد ترد للزمان»، لأنه قال: في غابر الأزمان، إذا كان المعنى: متى تستقم؟ يقدر لك الله نجاحاً في غابر الأزمان. تفسيرها بـ«متى» أفضل من تفسيرها بـ«أين»، حيث يقول ابن هشام، لكن لو فسرناها باسم مكان، يعني في أي مكان تستقم يقدر لك الله نجاحاً في غابر الأزمان، يمكن، لكن في الحقيقة معنى الزمان أظهر، معنى الزمانية أظهر، لكنه لا يحسم، ليس قطعياً لكنه أظهر.
إذاً ماذا اختار ابن هشام فيها؟ يا من كثير أخطأ في اختبار النحو، في قضية «إذ ما»، ماذا يختار ابن هشام؟ يختار ابن هشام على أنها اسم، وليست حرفاً. فإذا اخترنا أنها اسم تكون ظرفاً، تكون ظرفاً لما يستقبل من الزمان، كقوله: «وإنك إذ ما تأتي ما أنت آمر به .. تلفي من إياه وتأمر آتيا». بيت عظيم من أبيات الحكمة، حاول تستشعر المعاني التي يأتي بها ابن هشام في الأمثلة: «وإنك إذ ما تأتي ما أنت آمر به تلفي من إياه وتأمر آتيا»، إذا أنت تفعل الفعل الذي بتؤمر الناس فيه، الناس بتفعله، أما أنت بتحكي شغلة وما بتعملها ما ينفع. إذا إذ ما تأتي؛ تأتي فعل الشرط، وتلفي جواب الشرط، وكلاهما مجزوم.
الأداة الحادي عشر والأخيرة: «أنّى»، قوله: «فأصبحت أنى تأتيها تستجر بها». أيها الأحبة، أنى ظرف مكان أيضاً، أنى ظرف مكان، فـ«أنى تأتيها تستجر بها»، من أي مكان تأتيها تستجر بها، من أي مكان تأتيها تستجر بها. هذه أدوات الشرط، جميل؟ إذا منها خلاصتها أنه في الحقيقة أنا لا أريدك تمشي على طريقة ابن هشام في «إذ ما»، امشوا على طريقة أكثر من المعاصرين على أنه «إذ ما» حرف، وارتاحوا. فنقول أيها الأحبة أنا لن أسير طريقة ابن هشام هنا، أود أن ابن هشام يختار «إذ ما» اسماً، واضح الكلام؟ إذ ما عند ابن هشام اسم، لكن كثير من العلماء اختاروا أنها حرف، وهذا الذي نذهب إليه، فإن «إذ ما» حرف.
أدوات الشرط الإحدى عشر، سنقسمها سريعاً، سأقسمها على السبورة سريعاً. كم ذهب من الوقت؟ ساعة وعشر دقائق، الحمد لله معنا وقت، أنا والله خفت أن يذهب الوقت. أدوات الشرط الجازمة، الآن خلص تكلمنا عن أدوات الشرط غير الجازمة، نتكلم عن أدوات الشرط الجازمة.
أقسمها الآن باعتبار الحرفية والاسمية، جميل؟ فنقول إن «إذ ما» حروف، هذا اختياري في «إذ ما»، أما هي عند بني هشام اسم، ابن هشام يختار أنها اسم. «إن» و«إذ ما» حروف. «من»، «ما»، «مهما» هذه أسماء ليست ظروفاً، لكن «من» للعاقل، و«ما» و«مهما» لغير العاقل. «أين»، «حيثما»، «أنّى» ظروف، هي أسماء وهي ظروف مكان. «متى»، «إيا نا» أسماء وهي ظروف زمان. أي اسم معرب؟ وكيف يعرب؟ عندما نتكلم عن الإعراب سيتضح، أي تأتي الحمد لله للجميع؛ قد تأتي ظرف زمان، وقد تأتي ظرف مكان، وقد تأتي مبتدأ، وقد تأتي مفعولاً به بحسب موقعها في الجملة، فمحيي رأيي، أي بحسب موقعها باختصار، ما القانون؟ المضاف إليه، أي إعراب بحسب المضاف إليه، وسيتضح هذا المعنى.
وألاحظ أن «إن» و«إذ ما» هي واحد، اثنان، ثلاثة، أربعة، خمسة، ستة، سبعة، ثمانية، تسعة، عشرة، إحدى عشر. عدينا إحدى عشرة أداة أيها الأحبة، وقسمناها من حيث الحرفية والاسمية بهذا التقسيم. يهمنا جداً أن تعرف هذا التقسيم حتى تعرف كيف تعرف الإعراب، لأن الإعراب ينطلق من هنا. الآن هل بقيت هناك أداة من أدوات الشرط الجازمة لم يذكرها ابن هشام؟
هناك أيها الأحبة "كيفما"، وهذي ذكرها ابن الجروم، أليس كذلك؟ "كيفما" أيها الأحبة هي أداة جزم عند الكوفيين، وهي اسم، "كيف ما" أداة جزم عند الكوفيين وليس عند البصريين، وهي اسم وليست حرفًا.
فيمكن أن تضيفها، وطبعًا "كيفما" شرطها أن تكون جملة الجواب هي نفس جملة الشرط، كفعل الجواب هو فعل الشرط؛ كيفما تأتِ آتِ، كيفما تزرني أزرك، كيفما تكرمني أكرمك، لاحظوا يكون فعل الجواب هو فعل الشرط. واختلفوا، هم يقولون: كيف؟ يعني هل يجب أن تتصل بما؟ هناك أيضًا خلاف في وجوب وصلها بما. لكن أنا ذكرت "كيفما" حتى الطلاب الذين معنا في الأجرومية لا تختل عندهم الأمور، أنه يا شيخ في "كيفما" نقول ابن الروح لأنه كوفي في اختياراته ذهب إلى أن "كيفما" أداة من أدوات الشرط الجازمة. أما ابن هشام ففي أكثر اختياراته بصري، لذلك ذهب إلى أنه "كيفما" ليست من أدوات الشرط الجازمة، وبالتالي على طريقة ابن هشام أيها الأحبة "كيفما" نلحقها بأدوات الشرط غير الجازمة، فتصبح أدوات الشرط غير الجازمة ثمانية. وعلى طريقة ابن الجروم، وعلى طريقة الكوفيين، "كيفما" من أدوات الشرط الجازمة، وفي خلاف هي تجزم ولا لا تجزم؟ هذه إشارة سريعة تكتبها على الهامش.
الآن عرفنا أيها الأحبة معنى أدوات الشرط. سنتكلم عن كيف نعرب الشرط؟ قضية إعراب الشرط بالنسبة لي مهمة؛ أنت تقول خلص عنا أدوات شرط وحروف وكذا وظروف، طيب كيف نعرف أي الحروف أدوات الشرط التي هي من قبيل الحروف؟ مالها إعراب، سهلة. لكن مشكلتنا في أدوات الشرط التي هي من قبيل الأسماء، هنا في كلام كثير أتمنى أن تفهموه جيدًا.
ابتداءً أيها الأحبة أقول: أدوات الشرط هذا تمهيد، اكتبوه عندكم، أدوات الشرط الجازمة لها أربعة أحوال. فالحالة الأولى أن يكون فعل الشرط مضارعًا وفعل الجواب مضارعًا، مثال ذلك أن قال تعالى: ﴿إِن تَعُودُوا نَعُدْ﴾ [النساء: 84]. لاحظوا فعل الشرط مضارع، وفعل الجواب مضارع، فإذاً فعل الشرط مجزوم، علامة جزمه حذف النون لأنه من الأفعال الخمسة، و"نعد" جواب شرط مجزوم وعلامة جزمه السكون، صح؟ واضحة.
الحالة الثانية أن يكون فعل الشرط ماضيًا وفعل الجواب ماضيًا. ما هو يا شيخ بأدوات الشرط الجازمة؟ مش خاصة بالفعل المضارع، لا، من قال لك إنها خاصة بالمضارع؟ هل قلنا إن أدوات الشرط، هل ابن هشام ولا غيره من النحاة ذكروا من علامات الفعل المضارع أدوات الشرط أنها لا تدخل إلا على الفعل المضارع؟ لا، وابن هشام يقول لك الأدوات التي تجزم فعلين مضارعين، يعني هذه الأدوات إذا كان فعلها وجوابها مضارعًا تجزمهما، هذا الذي يريد أن يقوله، لا يلزم أن يكون فعل الشرط وجواب الشرط مضارعًا، ممكن يكون ماضيًا. وأكبر مثال: ﴿إِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾.
في القرآن الكريم: ﴿إِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾، "عدتم" فعل ماضي، و"عدنا" ماضي أيضًا. لكن هنا انتبهوا على قضية النحاة، اهتموا فيها ماذا يقولون؟ يقولون الأصل أنه يكون فعل الشرط وجواب الشرط مضارعًا، هذا هو الأصل، مجيء الماضي كثير منتشر وصحيح لكنه في المرتبة الثانية، لذلك هنا سيرتكبون مخالفة لقاعدة سابقة.
ما هي المخالفة؟ الآن أيها الأحبة نحن أخذنا أن الأفعال التي لها محل من الإعراب هي ماذا؟ الفعل الماضي له محل من الإعراب، لماذا؟ لأنه ليس معربًا في الأصل. الفعل الأمر إذن هو محل من الإعراب لا، لأنه مبني وليس معربًا. لماذا المضارع له محل من الإعراب؟ لأن المضارع معرب، فإذا جاء مبنيًا فهذا خلاف الأصل فيه فيرد إلى أصله فنقول فيه محل، أما الماضي والأمر فهما أصلاً مش معربين.
لكن هنا سيخالفون، فيقولون: "عدتم عدنا" فعل ماض مبني على السكون، المفروض هو مبني على السكون بدون ما تكون هناك إدغام، في المرة الثانية ننتبه أنه في إدغام؛ "عدتم" التاء أُدغمت في التاء، فأنتم تجدون في الأولى دائمًا "عدتُ"، فهنا فعل ماضٍ اتصل بضمير رفع متحرك فيبنى على السكون كراهة توالي أربع متحركات، نقول فعل ماضٍ مبني على السكون، لكن هذا المثال الوحيد في اللغة العربية نقول فيه: فعل ماضٍ مبني في محل جزم.
نثبت محلًا للفعل الماضي، القاعدة تقول الفعل الماضي لا محل له من الإعراب، لكن هنا استثناء ممن أثبتنا له محله، وفعل الجواب أيضًا نفس الشيء، "عدنا" فعل ماضٍ بني على السكون في محل جزم جواب الشرط. فاحفظ هذا المثال، تقول هذا المثال عرفت فيما وقفت عليه، ما أحب أن أنفي دائمًا في اللغة العربية كلها كلام النحاة، فيما وقفت عليه هو المثال الوحيد الذي خالف فيه الفعل الماضي الطريقة في الإعراب؛ الفعل الماضي لا محل له من الإعراب إلا في جملة الشرط وجواب الشرط إذا جاء ماضيًا.
لماذا أيها الأحبة؟ كأنهم لما قالوا "في محل جزم" كأنهم يريدون أن ينبهوك على أن هذا الموضع الذي جاء فيه الماضي الأصل فيه أن يكون مضارعًا، يعني قوله "في محل جزم" كأنه تنبيه وإشارة على أن هذا الموضع الأصل أن يكون مضارعًا؛ لماذا؟ لأن معنى "إن عدتم عدنا" هل الفعل الماضي على معناه الحقيقي في الماضي أم معناه المستقبل؟ فإذا هو ماضٍ في اللفظ مستقبل في المعنى، فشابه الفعل المضارع فأخذ محل الجزم، صح ولا لا؟
هنا الفعل الماضي ليس على معناه في الماضي، هو ماضٍ في اللفظ لكنه في المعنى مستقبل، وكل أدوات الشرط الجازمة تحول معنى الفعل الماضي للمستقبل، هذه دونوها عندكم، أي أداة شرط جازمة -سيبونا من الأدوات غير الجازمة، نتكلم عن الجازمة- مثل: إن، إذ، ما، مهما، من، ما، إن، أتى؛ إذا جاء بعدها فعل ماضٍ فهي قرينة تحول من الماضي إلى المستقبل في المعنى، لذلك الفعل الماضي بعدها يكون في محل جزم. لماذا؟ كأنهم يريدون أن يقولوا إن هذا الماضي ليس ماضيًا حقيقة، وإنما هو مستقبل، فاشبه الفعل المضارع تشبيهًا له بالفعل المضارع نقول في محل جزم، واضحة القضية أيها الأحبة؟ من أجل هذا وضعوا له محلًا من الجزم، وإلا الأصل ليس له محل من الإعراب.
"إن عدتم عدنا"، نعم، أنت هنا هذه قضايا بلاغية، قضايا بلاغية؛ أنت تستخدم الفعل الماضي للدلالة على المستقبل، وهذا أبلغ من أنك تستخدم المضارع للدلالة على المستقبل، لأنك لما...
لفظة هي ليست لشيء في هذا الشيء، تؤكد تأكيدًا أكبر من أنك تستخدم اللفظة الحقيقية لهذا الشيء، فهذا فيه تأكيد أبلغ من هذا. لا مشكلة، هو فقط أنهى الآن.
الحالة الثالثة، أيتها الأحبة، أن يكون الشرط ماضيًا والجواب مضارعًا. ما مثال ذلك؟ الشرط هو الماضي والجواب مضارع، مثل: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ﴾ [الشورى: 20]. من كان؟ "كان" ماضٍ، صح؟ "من كان يريد حرث الآخرة"، الطالب يقول لك "تريده"، لا، الفعل "كان". انتبهوا، "نزد" جواب الشرط مضارع، هذه الحالة الثالثة، وهي الأشهر رقم واحد في اللغة العربية.
بعدها الحالة الرابعة، وهي الأضعف، أن يكون العكس؛ أن يكون الشرط مضارعًا والجواب ماضيًا. هذه الحالة هي أضعف الأحوال وأقلها في اللغة العربية، حتى بعض المناحفة قالوا لا يجوز، لكن لها شواهد في الحقيقة. يذكرون لها شاهد حديث قوله ﷺ: «من يقم ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له». فلاحظوا، يقع فعل الشرط مضارعًا، وجواب الشرط جاء ماضيًا: "غفر". من يقم (مضارع)، غفر (ماضٍ). لما أقول لك "غفر" ما تقوليش كيف غفر في الماضي؟ هي يغفر، وقلت لك سيكون المعنى للمستقبل، أنه خلص الفعل الماضي بعد أدوات الشرط، لكن أيهما أشد تأكيدًا عندما أقول لك "غفر له"؟ كأن الأمر انتهى وتحقق، بدلاً من أن أقول لك "يغفر"؛ تأكيدًا بـ "غفر" لأنك جعلت الشيء المتوقع للحصول كالحاصل والمنتهي. فهذه فائدة الإتيان بالفعل الماضي.
إذن هذه أربعة أحوال: أن يكون فعل الشرط مضارعًا والجواب مضارعًا، أن يكون الشرط ماضيًا والجواب مضارعًا، أن يكون الشرط مضارعًا والجواب ماضيًا. ممتاز. الآن أيتها الأحبة، عرفنا هذه الأحوال الأربعة، ونريد أن نضيف حالة خامسة.
الحالة الخامسة أيتها الأحبة، أن يكون فعل الشرط ماضيًا أو مضارعًا، والجواب لا يصلح أن يأتي فعلًا للشرط. ما هي الأجوبة التي صنعت على لسان العرب ولا يصلح أن تأتي فعلًا للشرط؟ ذكرها ابن هشام، قال في صفحة مئة وأربع عشرة: "وإذا لم تصلح الجملة الواقعة جوابًا -يعني جوابًا للشرط لأن تقع بعد أداة الشرط- وجب اقترانها بالفاء".
ما هي جمل الجواب التي لا يصلح أن تأتي جملة فعل للشرط مباشرة؟ ذكرها، وهي سبعة: الجملة الاسمية، والجملة الفعلية التي فعلها طلبي (مثل الأمر)، والجملة الفعلية الجامدة (مثل عسى ونعم وبئس)، والجملة المنفية بـ "لن"، والجملة المنفية بـ "ما"، والجملة المقترنة بـ "قد"، والجملة المقترنة بحرف التنفيس (الواو أو السين أو سوف).
إذا كانت جملة الجواب من إحدى هذه الأحوال السبعة، يجب أن تقترن بالفاء. وهذا مهم أن تضبط هذه القاعدة حتى تعرف اللغة العربية، ودائمًا هذا مطرد؛ أي جملة جواب رأيتها مقترنة بالفاء، يجب أن تكون واحدة من هذه الجمل السبع.
هل في شيء غير الفاء ممكن يحل مكان الفاء؟ إذا كان الجواب جملة اسمية -وهي الحالة الأولى- يمكن بدل الفاء تأتي "إذَا" الفجائية، وهي حرف. لكن الشيخ محمد محي الدين عبد الحميد في الحاشية رقم أربعة في ختامها قال: "الآن نحن قلنا الأصل أنه إذا كانت الفجائية بدلًا من الفاء الرابطة، متى؟ إذا كان الجواب جملة اسمية، لكن هناك ثلاث صور يكون الجواب فيها جملة اسمية".
ويجب الإتيان بالفاء، ولا تصلح "إذا" الفجائية. متى؟ ذكر الشيخ هذه ثلاث مسائل تحت عندكم. إذا كانت الجملة الاسمية دعائية، كقولك: «إن جاء زيد فسلام عليه»، أي نسأل الله أن يحل عليه السلام؛ فسلام عليه. لا يصلح أن تقول: «إن جاء زيد إذا سلام عليه».
الحالة الثانية أن تكون الجملة مقترنة بحرف نفي؛ أي جملة اسمية مقترنة بحرف نفي يجب أن تجعل الرابط الفاء، ولا تصلح "إذا" الفجائية، كقولك: «إن يلعب زيد فما أنا براض عنه»، لا يصلح أن تقول: «إن يلعب زيد إذا ما أنا براض عنه».
الحالة الثالثة أن تكون الجملة الاسمية مؤكدة بـ "إن"؛ كقولك: «إن تسافر فإن معك»، لا يصلح أن تقول: «إن تسافر فإذا إن قلبي معك»، لا بد أن تأتي بالفاء هنا. فهذه ثلاث استثناءات. الأصل في الجملة أن يتعاقب عليها الفاء أو "إذا" الفجائية كما تشاء، إلا في ثلاث أحوال: إذا كانت جملة اسمية دعائية نستفيد منها معنى الدعاء، أو جملة اسمية منفية، أو جملة اسمية مقترنة بـ "إن" التي هي من أخوات إن، أو مقترنة بـ "إن" المؤكدة.
قال ابن هشام: «وأما الحالات التي يجب فيها اقتران جواب الشرط بالفاء...» (أمثلة على ذلك).
قبل أن أذكر الأمثلة، تذكر عندما تكلمنا عن الجمل السبع التي لها محل من الإعراب، ماذا ذكرنا منها؟ ذكرنا من الجمل السبع التي لها محل إعرابي جملة الشرط إذا كانت أداة الشرط جازمة وجملة الشرط مقترنة بالفاء. نحن قلنا من الجمل السبع التي لها محل من الإعراب جملة جواب الشرط الجازم المقترنة بالفاء. هذه هي قاعدتها؛ جملة جواب الشرط الجازم، الجازم يعني لأنه لازم تكون أداة الشرط جازمة. أنه لو كانت أداة الشرط ليست جازمة، مثل "إذا" وكذا، فجملة الجواب حتى لو كانت مقترنة بالفاء، لكن أداة الشرط التي في مطلع الجملة ليست من أدوات الشرط الجازمة، فجملة الجواب ليس لها محل من الإعراب.
كما ذكرنا في مقدمة دراسة قطر الندى، هناك شرطان لكي تكون جملة جواب الشرط لها محل من الإعراب: أن تكون أداة الشرط التي في مطلع الجملة جازمة، وأن تكون جملة الجواب مقترنة بالفاء. فلو سئلت الآن -وأنت أصبح عندك خبرة- متى تكون جملة الجواب مقترنة بالفاء؟ تقول: إذا كان الجواب جملة اسمية، أو كان جملة فعلية فعلها طلبي، أو منفية بـ "لا" أو "ما" أو "قد" أو بالسين وسوف. هكذا أصبح عندك خبرة، والحمد لله اتضحت عندك الخارطة.
الآن لو أردنا أن نطبق على القرآن الكريم، قال ابن هشام المثال الأول: ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ ۖ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأنعام: 17]. لماذا اتصلت الفاء بجواب الشرط؟ مباشرة نريد جواباً سريعاً؛ لأن جواب الشرط جملة اسمية. هل ينفع هنا لو خرجنا عن سياق القرآن أن نضع "إذا" الفجائية، فنقول: «وإن يمسسك بخير إذا هو على كل شيء قدير»؟ هي كقاعدة تصلح، لكن المعنى قد يختل معك؛ لأن "إذا" الفجائية تدل على عنصر المفاجأة، لذلك سميت "إذا" الفجائية. أنت تريد عادة أن تشعر بعنصر مفاجأة، لكن كأصل يجوز؛ لأن هذه الجملة ليست منفية، وليست دعائية، وليست مؤكدة بـ "إن"، فالأصل أن يجوز قول الفاء أو "إذا". وجملة «فهو على كل شيء قدير» جملة جواب الشرط المقترنة بالفاء إعرابها في محل جزم.
﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ [آل عمران: 31]. أين فعل الشرط؟ فعل الشرط «كنتم»، وهو فعل ماضٍ مبني في محل جزم. وأين جملة الجواب؟ «فاتبعوني»؛ فعل أمر، وجملة جواب الشرط المقترنة بالفاء في محل جزم.
﴿أَنْ تَرَني أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا فَعَسَى اللَّهُ أَن يُؤْتِيَنِي خَيْرًا مِّنكَ﴾ [الكهف: 34]. أين فعل الشرط؟ «ترني»، وهو مجزوم وعلامة جزمه حذف الياء لأنه من الأفعال الخمسة. وأين جملة الجواب؟ «فعسى ربي»، لماذا اتصلت بالفاء؟ لأن "عسى" فعل جامد، فتقول: والجملة «عسى ربي أن يؤتيني» في محل جزم جواب الشرط.
﴿وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَن يُكْفَرُوهُ﴾ [آل عمران: 123]. أين فعل الشرط؟ «يفعلوا»، فعل مضارع مجزوم وعلامة جزمه حذف النون لأنه من الأفعال الخمسة. ولماذا اتصلت بالفاء؟ لأن الجواب منفٍ بـ "لن"، فتقول: «فلن يكفروه»، الجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط.
﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ [الحشر: 6]. أين فعل الشرط؟ «أفاء»، فعل ماضٍ مبني على الفتح في محل جزم. وهنا محل من الإعراب. ولماذا اقترنت بالفاء؟ لأن الجواب مضارع منفي بـ "ما"، والجملة الفعلية في محل جزم.
﴿إِذْ يَسْرِقُ فَسَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ﴾ [يوسف: 77]. فعل الشرط «يسرق»، وهو مجزوم وعلامة جزمه السكون. ولما لماذا اقترن بالفاء؟ لأن الجملة الفعلية مقترنة بـ "قد"، والجملة الفعلية المقترنة بـ "قد" في محل جزم جواب الشرط.
﴿وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ﴾ [النساء: 75]. أين فعل الشرط؟ «يقاتل»، و«يقتل» معطوفة عليه، و«يغلب» معطوفة عليه. جملة الجواب هي «فسوف نؤتيه»، لماذا اقترنت بالفاء؟ لوجود حرف التنفيس "سوف"، والجملة في محل جزم جواب الشرط.
جميل، ماذا قال ابن هشام في النهاية؟ قال: «ويجوز في الجملة الاسمية أن تقترن بـ "إذا" الفجائية»، كقوله: ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذًا هُم مُّقْنَطُونَ﴾ [الروم: 36]. طبعاً من ناحية بلاغية، "إذا" هنا في معنى؛ "إذا هم يقنطون" تقول لك كأن الأمر جاء مفاجأة وبغتة، ومباشرة من دون أي تراخٍ، بمجرد أن تصيبهم السيئة يقنطون بشكل مفاجئ. والجملة «هم يقنطون» هي جملة اسمية، مبتدأ وخبر، والجملة الفعلية في محل جزم.
قال: «وإنما لم أُقيّد في الأصل إذا الفجائية بالجملة الاسمية». ما الأصل في المتن؟ إذا رجعنا للمتن، قال: «وإنما لم أُقيّد في الأصل إذا الفجائية بالجملة الاسمية». لماذا؟ قال: «لأنها لا تدخل إلا عليها»، فأغناه ذلك عن الاشتراط؛ لأنه معروف أنها لا تدخل إلا على الجملة الاسمية. فلماذا أشترط شيئًا معروفًا عند طلبة العلم؟ لكنه قد لا يعرف أنه يتكلم مع ناس لا يعرفون هذه المعلومة.
الآن أيها الأحبة، نحن أنهينا الكلام عن الجوازم على كلام ابن هشام -رحمة الله عليه-، ولكن بقي عليّ أن أتكلم عن الإعراب سريعًا. كيف نعرب أدوات الشرط؟ هذا ما سأختم به الكلام إن شاء الله.
أدوات الشرط نفسها، كيف نعربها؟ هل أحتاج إلى ذكر إعراب (إن) و(إذا) و(هل)؟ لا، ما هي إلا حروف، وطبعًا (إذا) ما هي إلا ظرف على اختيارنا. انتبهت أنني تكلمت عن إقالة ابن هشام، حيث يقول: «فهذه الأدوات -أي أدوات الشرط- تجزم فعلين، يسمى الأول منها شرطًا، ويسمى الثاني جوابًا وجزاءً». هو يريد أن يقول إن فعل جواب الشرط يسمى جواب شرط ويسمى جزاء شرط؛ لأنه نتيجة وجزاء عن فعل الشرط. لذلك قلت لكم عندما مهدت: إن الجملة الشرطية عناصرها: أداة شرط، جملة شرط، وجملة جواب. هذه هي عناصر الجملة الشرطية، سواء كانت أدوات جازمة أو غير جازمة.
قبل أن أتكلم عن الإعراب، هناك فائدة أريد أن أثبتها لكم. بسم الله، أدوات الشرط أيها الأحبة قسمناها باعتبار الحرفية والاسمية، وهناك تقسيم ثاني نقسمها به باعتبار إلحاق "ما" بها. متى تلحقها "ما" ومتى لا تلحقها "ما"؟
تنقسم أدوات الشرط باعتبار إلحاق "ما" بها إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول، من أدوات الشرط ما لا يعمل إلا بإلحاق "ما" بها وجوبًا، وهي (حيثما) و(إذما)؛ لأنه إذا قلت "حيث" لحالها من دون "ما" صارت ليست أداة شرط، وإذا حذفنا "ما" من "إذما" صارت ظرفًا لما مضى من الزمن وأصبحت أداة أخرى. فـ (حيثما) و(إذما) لا بد إذا كانتا أداتَا شرط أن تقترن بهما "ما".
القسم الثاني أيها الأحبة، ما تلحق به "ما" جوازًا، أي يجوز في بعض السياقات أو تجدها في بعض الجمل، وهذه نعرف أين تقول: (أينما) ويجوز أن تقول (أين) من دون "ما". و(أي) الشرطية وهي أم الباب، وتقول (أيّما) وكثير من الطلاب يخلط في هذا. فقولك: «فأما ترين من البشر أحدًا»؛ "أما" هنا ليست من أدوات الشرط غير الجازمة، بل البعض يخلط بينها وبين "أما" التي هي أداة تفصيل، مثل: «أما منا بعد وأما فداء». السياق هو الذي يحدد؛ هل هي "أما" الشرطية أم "أما" التي هي حرف تفصيل.
كذلك ذكرنا أن (أي) الشرطية تلحقها "ما" جوازًا، كقولك: «أيما تدعوا له الأسماء الحسنى»، ويجوز أن تقول من دون "ما": «أي رجل جاء بأكرم»، كذلك (حتى) يجوز أن تقول (حتى ما) ولا يجوز أن تقول (حتى) من دون "ما". والأخيرة هي (أيان)، وهذا البيت الذي ذكره: «فأيان ما تعدل به الريح». الشاهد هنا أن (أيان) كانت مقترنة بـ "ما". فهذه الخمسة تلحق بها "ما" جوازًا: (أين، وأي، وأيان، وأيما، وحتى).
بقي علينا قسم لا تلحقه "ما" أبدًا، وهو عبارة عن: (من، وما، ومهما، وإن). (من) و(ما) و(مهما) هم أخوات دائمًا مع بعض، وتضاف إليهم (إن). هذه لم يُسمع عن العرب استخدام "ما" معها. إذًا عندنا: ما تلحقه "ما" وجوبًا وهما (حيثما وإذما)، وما تلحقه "ما" جوازًا وهي خمسة: (أين، وأي، وأيان، وأيما، وحتى)، وما لا يجوز إلحاق "ما" بها أبدًا وهي الأخوات الثلاث: (من، وما، ومهما) وتزاد عليها (إن).
الآن كيف نعرب أدوات الشرط التي معنا؟ سأتكلم عن (من) و(ما) و(مهما). الفعل الواقع بعدها إما أن يكون فعلًا ناقصًا وإما أن يكون فعلًا تامًا. الفعل الناقص هو "كان" وأخواتها، مثل: «من كان يريد الآخرة نزد له في حرثه»، و«من أصبح»، و«من أمسى»، و«من ضل».
إذا كان الواقع بعد (من، وما، مهما) الشرطية فعلًا ناقصًا، فهنا حالتان: الحالة الأولى أن تكون هذه الأدوات الثلاث في معنى اسم "كان"، بحيث تفهم من الجملة أن هذه الأداة هي اسم "كان"، مثل: «من كان يريد الآخرة»، فأنت تفهم أن "من" هنا هي التي تريد الآخرة، فتسقط "من" على اسم "كان". وهنا نعربها مبتدأ؛ لأن اسم "كان" لا يتقدم عليها. فتقول: "من" اسم شرط مبني على السكون.
في محل رفع مبتدأ لأنها واقعة، ساقطة معناها مدلولة، كما هي عندي مشكلة. هي بمعنى اسم كان، واسم كان لا يتقدم عليها، فأنا مضطر أن أعربها مبتدأ، صح؟ طيب وين خبرها؟ أي مبتدأ بده خبر؟ أين الخبر؟
الخبر باختصار جملة جواب الشرط، عفواً، جملة فعل الشرط مع جواب الشرط، وتقول وجملة فعل الشرط وجواب الشرط هي الجواب؛ كل جملة جواب الشرط وفعل الشرط هي الخبر. لماذا؟ لمن؟ طبعاً هذه مسألة فيها خلاف؛ البعض يقول لأنه الخبر بس جملة فعل الشرط، والبعض يريحنا ويقول لنا: لا، كل الجملة الواقعة بعد "من" أو "ما" أو "مهما" كلياتها هي الخبر، وأنت خذ هذا الرأي وتوكل على الله، الأمور زينة إن شاء الله.
الحالة الثانية أن تكون "من" أو أخواتها واقعة في معنى خبر كان. في هذه الحالة ننظر، إذا كانت "كان" أخذت خبرها مباشرة في الجملة، تكون "من" أيضاً في هذه الحالة مبتدأ. مثال ذلك: «من كنته فسأكرمه»، بدها تدقيق شوي يا جيدي. «من كنت أنت هو فسأكرمه»، من كنته، شف من كنته، واضحة وهي بدها شوية تفكير. «من كنت أنت هو»، نعم، لا، أنا مش الشخص الذي تكون أنت هو، نعم؟ الشخص الذي تكون أنت هو. «من كنته» هي شوي بدها تفكير. «من كنت أنت هو؟» نعم، بغض النظر أخوه. هذه يقول لك الشخص الذي بتكون أنت هو، من كنته كنت أنت هو فساكرمه. أنا شايفها واضحة بالنسبة لي، بس مش يعني أنه مع التفكير بتطلع أكثر. "من" يعني الشخص الذي كنت أنت هو، أنت هو، يعني ما بدها كثير كثير.
الآن من هنا تسقط على التاء التي هي اسم، ولا تسقط على الهاء التي هي الخبر؟ لا، هي بتسقط على الخبر؛ الشخص الذي كنت أنت هو، ركز: الشخص الذي كنت أنت هو فساكرمه. من هنا وقع هذا الخبر، خلص، مش لحتى إنه ما فهمتها ما هي مشكلة. هي معناها مش كثير عميق، لكن الشأن لا يعترض مثاله: «من كنت أنت هو فسأكرمه». الآن من هنا واقعة على الخبر، هي بمعنى الخبر، يعني الشخص الذي كنت أنت هو، فماذا تعرف؟ نقول هل الخبر موجود في "كان"؟ موجود الضمير، إذاً مستحيل تكون "من" هي الخبر في هذه الحالة، أضطر أن أجعل "من" أيضاً مبتدأ.
لكن لو حذف الخبر من «كنت فسأكرمك»، حذفت الخبر باختصار، فكان: «من كنت فسأكرمك»، معناها أي شخص كنت فسأكرمك. «من كنت»؟ من هنا؟ إيش إعرابها؟ هنا "من" هي واقعة على خبر "كان"، و"كان" لم تأخذ خبرها في الجملة، فتعرب "من" اسم شرط مبني على السكون في محل نصب خبر "كان" مقدم؛ خبر "كان" يتقدم عليها بس اسم "كان" هو ما بيتقدم عليها. فهنا "من" مع إسقاط الهاء في «فسأكرمه» نقول طبعاً هي أدوات الشرط لإعرابها شوية عميق. واكتبوا عندك ودونوا مع الوقت إن شاء الله، كل ما تنظر فيه أكثر وأكثر بثبت وتطبق، أنا ما بقول لك إنها سهلة، بدك تطبق وتنظر وتتأمل، ما هي قضية بس إنه كلامه سريع، فيها تفاصيل كثيرة حقيقة، وقل من ينتبه إليها من طلبة العلم.
إذاً، الحالة الأولى أن يكون فعل الشرط فعلاً ناقصاً؛ إذا كان عندنا فعل ناقص فعندنا حالتان: الحالة الأولى أن تكون أداة الشرط هي بمعنى اسم "كان" أو غيرها من الأفعال الناقصة، في هذه الحالة ماذا ستعرب ذات الشرط؟ مبتدأ، وجملة الشرط وجواب الشرط هي الخبر.
الحالة الثانية أن تكون "من" أو أخواتها، "ما" و"مهما"، هي بمعنى خبر "كان" أو إحدى أخواتها. إذا كانت "من" أو "ما" و"مهما" هي بمعنى خبر "كان"، ننظر بالتفصيل هنا: إذا كانت "كان" إحدى أخواتها أخذت خبرها ابتداءً في الجملة، وأنا ما باستطيع أقول إن "من" هي الخبر أو خبر ثاني، خلص ما هي أخذت الخبر، فأقول "من" مبتدأ. وإذا كانت "كان" ما أخذت خبراً، مثل: «من كنت فسأكرمه» أو «فسأكرمك»، في هذه الحالة "من" تكون هي خبر "كان" أو إحدى أخواتها مقدم، واضح التفصيل هذا أيها الأحبة، هذا مهم لما تعرب لما يكون فعل الشرط فعلاً ناقصاً، بهاي الطريقة يا بتخليها اسم يا بتخليها خبر بناءً على هذا التفصيل الذي أعطيناك إياه.
خلصنا من الفعل الناقص، بس أنتم ما شفتوش حاجة، أي والله ما فيها آية، هذا مثال: «من كنت»؛ لسا «من كنت» أسهل ممن كنته. يقول لك: «من كنت؟» يعني مين كنت؟ بغض النظر من كنت فسأكرمك، يعني هي بمعنى أي شيء كنت، أي شخص كنت فسأكرمك، يعني ما عندي أولوية.
طيب، فعل تام: إذا كان بعد "من" و"مهما" فعل تام، ما هي الأفعال الأكثر في اللغة العربية التامة التي ليست من "كان" وأخواتها؟ ضرباً، أكلاً، شرباً، يقوم، يقعد، ينام، فعل تام. كيف نعرف؟ نقول إذا كان الفعل التام لازماً، هذه الحالة الأولى، بتعرفوا الأفعال إما لازمة إما متعدية؛ اللازم لا يأخذ مفعولاً به، والمتعدي يأخذ مفعولاً به. إذا كان الفعل التام فعلاً لازماً، في هذه الحالة تكون "من" أو أخواتها مبتدأ، مستحيل تكون مفعولاً به، مثل: «من ذهب إلى المدرسة فسيدرس»، أنت ما تركزوا كثير على الأمثلة، أنا خلص بجيب مثالي وبمشي الحال. «من ذهب إلى المدرسة فسيدرس» أو «فسينجح» أو «فسيوفق»، المهم «من ذهب إلى المدرسة»، "ذهب" فعل لازم ما بياخذ مفعول به، صح؟ إذا بما أنه فعل لازم مباشرة تعرب "من" اسم شرط مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، وأين الخبر؟ جملة الشرط والجواب.
الحالة الثانية أن يكون الفعل التام فعلاً متعدياً، يعني يأخذ مفعولاً به، هنا ننظر إذا كان فعلاً متعدياً عندنا ثلاثة أحوال. وكالعادة إذا كان فعلاً متعدياً عندنا ثلاثة أحوال: أن تكون "من" أو إحدى أخواتها -أنا ما بتكلم عن "من" بتكلم عن "من" و"ما" و"مهما" بس نوحد الكلام حتى ما نضطرب- أن تكون "من" أو إحدى أخواتها هي بمعنى الفاعل لا المفعول به، أن تكون بمعنى الفاعل، مثل: «من أكرم بكراً فسأكرمه». إيش بتفهم من هذه الجملة؟ «من أكرم بكراً فسأكرمه»، شو أنت فاهم منها؟ الشخص الذي أكرم، يعني صدر منه الإكرام لمحمد أو لبكر.
فسأكرمه؛ فمن هنا بمعنى ماذا؟ هي بمعنى الفاعل. هل يتقدم الفاعل على فعله؟ لا. فإذاً ما إعراب "من"؟ اسم شرط مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. كذلك إذا كان الفعل متعدياً، لكن أداة الشرط "مهما" هي بمعنى الفاعل وليست بمعنى المفعول به، في هذه الحالة تكون "من" مبتدأ؛ لأن الفاعل لا يتقدم على فعله، فمن المستحيل أن أعرفها فاعلاً لأن الفاعل لا يتقدم على فعله.
لما أقول زيد أكرم بكراً، سيبوني من جملة الشرط؛ لو قلت لك: زيد أكرم بكراً، "أكرم" هو بكراً، هل يصير يحكي زيد فاعل مقدم عند البصريين؟ لا، عند الكوفيين يصير، لكن بدرس المنطقة البصرية؛ ما يصير، فالزيدون أنا مضطر أقول عنها مبتدأ، صح؟ مع أنه هو الفاعل في المعنى. وكذلك "من" إذا كانت هي الفاعل في المعنى، والفاعل لا يتقدم على فعله، فأنا أضطر أن أجعلها مبتدأ والجملة التي بعدها خبر.
باء: أن تكون، بلشنا نميل ممكن نطلع لفوق. إذا خلصنا من ألف، الآن نقول باء: أن يكون الفعل متعدياً، صح؟ أن يكون الفعل أخذ المفعول به، أن يكون الفعل المتعدي الذي وقع بعد "من" أو إحدى أخواته، طبعاً هي بمعنى المفعول به. أن يكون الفعل المتعدي أخذ المفعول به، و"من" هي بمعنى المفعول به، مثل: «من أكرمته فسيسعد».
من أكرمته فسيسعد؛ "من" هنا بمعنى ماذا؟ مفعول به، يعني الشخص الذي أكرمته أنا. فننظر بالفعل "أكرمت"، هل الفعل متعدٍ أخذ مفعوله؟ نعم، الهاء هي المفعول به، "أكرمته". و"من" هي بمعنى المفعول به؛ إذاً مش ممكن أن نقول هي مفعول به لأنه خلص الفعل أخذ المفعول به. هنا العبارة الدقيقة أن نقول: هنا نطبق أحكام باب الاشتغال الذي سندرسse إن شاء الله. أنا بدي أقتصر عليك المسافة وأقول إنه مبتدأ حتى نوحد الموضوع، قل إنه "من" هنا مبتدأ، فيها وجوه أخرى إعرابية لكن قل إنها مبتدأ. حتى في هذه الحالة، لاحظوا كله إلى الآن مبتدأ؛ إذا كان الفعل لازماً، "من" مبتدأ، وفعل لازم. وإذا كان متعدياً و"من" بمعنى الفاعل، فهي مبتدأ. وإذا كان فعلاً متعدياً وأخذ مفعوله، "من" مبتدأ.
الحالة الأخيرة هي جيم: أن يكون الفعل متعدياً، طبعاً لأننا الآن نتكلم عن الفعل المتعدي، أن يكون الفعل المتعدي لم يأخذ المفعول به، و"من" هي بمعنى المفعول به، في هذه الحالة تعرب "من" مفعولاً به مقدماً. ما مثال ذلك؟ مثال: «من أكرمتَ فسيسعد»، أسقط الهاء منه؛ "من أكرمتَ فسيسعد"، الكرامة ما أخذت المفعول به، ستعرب "من" اسماً شرطياً مبنياً على السكون في محل نصب مفعول به مقدم. فهاي الوحيدة التي تعرف فيها أدوات الشرط التي هي "من" أو "ما" أو "مهما" مفعول به؛ إذا كان الفعل متعدياً و"من" بمعنى المفعول به، تكون "من" بمعنى المفعول به، وفعل متعدٍ و"من" بمعنى المفعول به والفعل لم يأخذ المفعول به، في هذه الحالة تعرب "من" مفعولاً به.
بدنا أكثر من هيك؟ يكفي، خلينا نوقف. إذا أنت تبرمجت وفهمت هذه القضية، مباشرة ستكتشفها، ما هي قضية صعبة، هي بس بدها انتباهاً لمعنى أداة الشرط في الجملة.
خلصنا أيها الأحبة من "من" و"ما" و"مهما"؟ هذا الكلام الذي قلته في "من"، ابقوا على ما طبقتم على "مهما" وطبقوه على "ما" وطبقوه على "مهما". «وَمَا تَكُ عِندَ امْرِئٍ مِّنْ خَلِيقَةٍ تَذْكُرْهُ»؛ ماذا قال ابن عقيل فيها؟ قال: "تكن" اسمها مستتر، و"مهما" الآن هي واقعة موقع اسم كان أو اسم تكن، هي بمعنى اسم "تكن"، لذلك قال هي مبتدأ. هذه القواعد سهلة، هي فقط قليل من التطبيق والتأمل، لكن ضبطها بهذا المنهج أنه تصير عندك على شكل قواعد سريعة التطبيق أفضل من أن تظل سابحة.
تقسم فعلاً ناقصاً ولا تعمل: إذا كان فعلاً ناقصاً، إذا كانت "من" بمعنى اسم "كان" فهي مبتدأ، وإذا كانت بمعنى الخبر ننظر هل أخذ الخبر ولا ما أخذ الخبر؟ ونفس الشيء في الفعل التام؛ إذا كان لازماً خلص مباشرة هي مبتدأ، وإذا كان متعدياً ننظر: هل "من" بمعنى الفاعل؟ إذاً هي مبتدأ، إذا كانت بمعنى المفعول به؟ الآن إذا كان بمعنى المفعول به هل أخذ الفعل المفعول به؟ أخذ وخلص، ما أخذ المفعول به فهي مفعول به. بهذه الطريقة السريعة السهلة، هذا فيما يتعلق بـ "من" و"ما" و"مهما".
الآن الباقي أيها الأحبة سريع، يكون عندنا بالنسبة لنا ظروف المكان التي عندنا: أين، وأينما، وحيثما. أين مبنية على الفتح، وأينما مبنية على السكون، وحيثما مبنية على الضم؛ لأن "حيث" هي، و"ما" زائدة، فالدقة أن تقول "حيث" مبنية على الضم. ترى مثل هذه الأمور لا مشاحة فيها، يتسامح فيها إخوانا، باعتبار أنها كلها مع "ما" مبنية على السكون. المهم أين مبنية على الفتح، وحيثما مبنية على الضم، وأينما مبنية على السكون، وهذه الثلاثة أيها الأحبة دائماً إعرابها ظرف مكان مبني، كل واحد على حسب بنائه، في محل نصب.
ما الذي نصبها؟ فعل الجواب، فعل الجواب هو العامل. فإذا قلت: «أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ»، أين ظرف مكان مبني على الفتح في محل نصب؛ ليس "تكونوا"، بل فعل الجواب "يدرككم". فترتيب الجملة يكون: "يدرككم الموت أينما تكونوا".
هناك تفصيل في هذه القضية إذا كان فعلاً ناقصاً أو فعلاً تاماً؛ لأنه إذا كان فعلاً ناقصاً، مثل "أينما كنت"، سندخل في التفاصيل، لكن لا أريد أن أدخلكم الآن، خلينا نكتفي بهذا القدر. إذا كان فعلاً ناقصاً، ستكون هي ظرفاً لكنها متعلقة بمحذوف خبر "كنت"، مثل: "أينما كنت فسأكرمك"، أين هنا ظرف، وهي في الحقيقة متعلقة بمحذوف خبر كنت.
أخذت اسمها. طيب وين خبرها؟ «أينما كنت فسأكرمك»، أخذت اسمها، وين خبرها؟ الظرف المتقدم، وبالتالي إذا كان خبرها الظرف المتقدم سيكون عاملها متعلق بمحذوف؛ لأننا سنأخذ إن شاء الله ظروف الأزمنة والأمكنة ليست هي الخبر بحد ذاتها، هي متعلق بمحذوف تقديره كائن، وتقدير كائن هو الخبر. باختصار، إذا كان الفعل ناقصًا وهي الخبر وما في خبر تكون هي خبرًا، بس أنا ما بدي أشغلك كثير، خلص اعتبرها ظرف مكان مبني في محل نصب بفعل الجواب.
إذا كان الطيب أداة زمان؛ متى وأيان؟ متى وأيان ظرف زمان، إيش إعرابها؟ متى وأيان ظرف زمان أو اسم شرط، تكون مثلاً ظرف زمن مبني، متى مبنية على السكون، وأيان مبنية على الفتح، الحركة الظاهرة عندك سكون ولا فتح أنت بتبين عندك، في محل نصب على الظرفية، في محل نصب. طيب إيش اللي نصبها؟ تقول جواب الشرط، شو بقى عندنا؟ لا، الحروف ما لهاش محل من الإعراب.
ريحنا واحدة، اللي هي أخطر واحدة، وهي «أي»؛ أيها الأحبة يختلف إعرابها بحسب المضاف إليه، يعني ما أستطيع أني أضبط لك إياها بقاعدة معينة، أي بحسب المضاف إليه، فهكذا نقول إن «أي» هي الوحيدة المعربة، معربة مش مبنية، هذه قاعدة احفظوها، وإعرابها بحسب المضاف إليه.
إذا أضيفت إلى عاقل فهي بمعنى «من»، فتأخذ إعراب «من» الذي تقدم بالتفصيل، مثل: «أي رجل يأتني فسأكرمه»، شيل «أي رجل» وحط «من» وطبق كل القواعد. طيب الحالة الثانية، إذا أضيفت إلى غير عاقل: «أي دابة أركبها فسأهلكها من شدة الركوب»، هذه هنا تكون بمعنى «ماذا» أو «مهما».
طيب إذا أضيفت إلى اسم زمان: «أي وقت تأتيني تجدني»، هنا إعراب «أي» مثل إعراب متى وأيان، بس هي معربة، بتكون «أي وقت» ظرف زمان منصوب، أي ظرف زمان منصوب وعلامة نصبه الفتحة على آخره. إيش اللي نصبه؟ جواب الشرط، بس الفرق بينها وبين أيان ومتى أن تلك مبنية في محل نصب، وهذه منصوبة مباشرة.
طيب الحالة الرابعة، إذا أضيفت إلى اسم مكان: «أي مجلس تأتي تجدني»، عرفت؟ هنا إيش إعرابها؟ ظرف مكان منصوب وعلامة نصبه الفتحة. إذا أضيفت إلى مصدر يكون إعرابها مفعول مطلق: «أي ضرب تضربني فإنه موجع»، «أي ضرب تضربني فإنه موجع»، لاحق في جملة «تضربني»، وجملة «فإنه موجع» في محل جزم جواب الشرط، صح؟ «أي ضرب» تكون مفعول مطلق.
كأنك لو قلت لك: ضربتني ضربتين، أو ضربتني ضربًا، فـ«أي» هنا بمعنى المفعول المطلق في الحقيقة لو تأملت، فهي «أي ضرب تضربني». أنت إذا ما تأملت كثيرًا أحيانًا القواعد بتساعدك، فإذا وجدت «أي» مضافة لمصدر فالأكثر فيها أنها مفعول مطلق، نقول مفعول مطلق منصوب وعلامة نصبه الفتحة، والعامل فيه هو الفعل.
لكن هنا في الحقيقة في المفعول المطلق سنجد إشكالًا. يعني إذا نحن قلنا قضية أن «أين» و«أيان» و«متى» و«حيث» من ظروف الزمان والمكان، أو أن «أي» إذا كانت ظرف زمان أو مكان العامل فيها جواب الشرط؛ في الحقيقة مسألة البعض يقول إن العامل فيها فعل الشرط، والبعض يقول العامل هو جواب الشرط. المسألة هذه ليست محسومة ابتداءً، وثانيًا كل قول عليه انتقادات وستجد فيه خلافًا طويلًا.
لو قلت: «أي ضرب تضربني فإنه موجع»، إيش رأيكم أيها الأحبة؟ هنا ألاحظ «أي ضرب تضربني فإنه موجع»، لا يصلح أن تقول جواب الشرط هو الناصب، صح؟ لأن «فإنه موجع» كيف ينصب «أي» على المفعول المطلق؟ اللي ينصب المفعول المطلق هو فعله، «ضربتني ضربًا»، إيش اللي نصبه مفعوله مطلقًا؟ ضربتك. فالآن في «أي ضرب تضربني»، الأصل أن «تضربني» لفعل الشرط هي التي تنصب المفعول المطلق، مشاكل منطقية؛ مفعول مطلق لفعل الشرط.
فهنا نقول مثلاً: في «أي»، إذا كان المفعول المطلق العامل فيها فعل الشرط، هذا الأظهر. قضية العامل باختصار في أدوات الشرط إذا كانت أسماء مكان أو أسماء زمان أو «أي»؛ في الحقيقة العامل هنا فيه خلاف كبير عند النحاة، هل هو فعل الشرط ولا جواب الشرط؟ وبما أن القضية ليست محسومة وفيها أخذ وعطاء وظنية، لو الطالب قال إن الذي ينصب الظروف «أيان» و«متى» هو فعل الشرط ما عندي مشكلة، وكذلك ظروف المكان أو «أي»، لأن القضية محتملة.
ما في عندي شيء يجزمني أن هذا هو العامل أو ذاك هو العامل، فلذلك لا يهمني كثيرًا، لكن يهمني أن أعطيك الأقوال؛ قيل إن العامل هو جواب الشرط، وقيل العامل هو فعل الشرط، والأكثر على أن العامل هو جواب الشرط، لكن الذي يظهر أن هذا لا ينضبط في كل الأمثلة.
أنا يهمني أن تعرب، فقط يهمني أن تعرب حتى لو لم تذكر العامل، خلص اعرف بس أعرب، هذا الذي أريده، جزاك الله خيرًا. فهمنا أيها الأحبة كيف نعرب «أي» وهي الوحيدة المعربة. هكذا نكون قد أنهينا الكلام عن أسلوب الشرط، أظن ساعتين وعشر دقائق، الله يجزاكم الخير.
نسأل الله أن نكون وفقنا في تقريب الصورة وفي لملمة شعث هذا الباب بأكمله في اللغة العربية، إنه لي ذلك والقادر عليه. سامحونا على الإطالة. اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علمًا يا أرحم الراحمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل