بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين ومحجة للسالكين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.
حياكم الله أيها الأحبة في هذا المجلس الجديد الذي نعقده في شرح كتاب قطر الندى. نسأل الله أن يعلمنا ما ينفعنا وينفعنا بما علمنا.
انتهى بنا الحديث أيها الأحبة في هذا الكتاب، أو أنهينا في الدروس التي مضت الكلام عن الفعل المضارع مرفوعاً ومنصوباً ومجزومًا. هذا الذي بدأ به ابن هشام؛ بدأ هو الآن سيتكلم عن المعربات، والمعربات عندنا إما الأسماء المتمكنة وإما الفعل المضارع، أليس كذلك؟ فبدأ بالفعل المضارع، فبيّن الرفع وما هو عامل الرفع، وعرفنا أن عامل الرفع معنوي تجرده من الناصب والجازم، ثم بيّن ما هي عوامل النصب التي تنصب الفعل المضارع، ثم بيّن ما هي عوامل الجزم التي تجزم الفعل المضارع، وقسمها إلى ما يجزم فعل المضارع واحداً، وإلى ما يجزم فعلين مضارعين، بعد أن أنهى الكلام عن الفعل المضارع تماماً واستوعبنا الكلام فيه بإذن الله عز وجل والتفصيل في أبوابه.
سينتقل الآن إلى الأسماء المتمكنة، فسيتكلم عن مرفوعات الأسماء، وعن منصوبات الأسماء، وعن مجرورات الأسماء، وهذا سيأخذ قسماً كبيراً من الكتاب، ثم سينتقل إلى الكلام عن العوامل التي تعمل عمل الفعل؛ لأنه الأصل كما قلنا في نظرية العامل أنه للفعل، وهناك ما ينوب عن الفعل في العوامل، وهذا سيأخذ أيضاً حجماً جيداً من الكتاب، ثم نأتي إلى آخر الكتاب إن شاء الله في بعض الأبواب المتفرقة.
فبدأ رحمه الله وتعالى الآن بمدخل إلى باب الأسماء، فقسم الأسماء وبيّن تقسيماً مهماً وهو أن الأسماء تنقسم إلى معرفة وإلى نكرة. وهذا التقسيم لا ينحصر في الأسماء المتمكنة، بل هو يشمل الأسماء المتمكنة وغير المتمكنة؛ فالأسماء المبنية والأسماء المعربة كلاهما ينقسمان إلى معرفة وإلى نكرة.
طبعاً ابن مالك في الألفية قدم هذا التقسيم، فهو تكلم عن النكرة والمعرفة قبل أن يتكلم عن مرفوعات الأسماء ومنصوبات الأسماء ومخفوضاتها، ثم ذكر بعد ذلك الفعل المضارع مرفوعاً ومنصوباً ومجزومًا. أما ابن هشام -لا، عكس- بدأ بالفعل المضارع مرفوعاً ومنصوباً ومجزومًا، ثم انتقل إلى الكلام عن الأسماء، فقسمها إلى نكرة، ثم شرع في مرفوعاتها ومنصوباتها ومجروراتها. وهذا في النهاية تقسيم اصطلاحي، يعني تقسيم علمي ككتاب، لا حرج عليه؛ لا نثرب على هذا ولا على هذا، هو اجتهاد في طريقة التقسيم وطريقة إيصال المعلومة إلى الطالب، هو فقط اجتهاد لا مشاحة فيه.
يقول ابن هشام رحمه الله في متنه الآن: «فصل: الاسم ضربان: نكرة، وهو ما شاع في جنس موجود كـ«رجل» أو مقدر كـ«شمس»، ومعرفة، وهي ستة: الضمير، وهو ما دل على متكلم أو مخاطب أو غائب، وهو إما مستتر كالمقدر وجوباً في نحو «أقوم»، أو جوازاً في نحو «زيد يقوم»، أو بارز، وهو إما متصل كـ«قمت» وكاف «أكرمك» وهاء «غلامه»، أو منفصل كـ«أنا» و«إياك»، ولا فصل مع إمكان الوصل إلا في نحو الهاء من «سلنيه» لمرجوحية، وظننتكه وكنته لرجحان».
الآن أيها الأحبة سنشرح بإذن الله في الكلام عن تقسيم الأسماء إلى نكرة ومعرفة، فنقول ابتداءً: كلمة نكرة ما هي من حيث المشتقات الصرفية؟ ما نوعها من المشتقات؟ هل هي اسم فاعل؟ اسم مفعول؟ مصدر؟ ما نوع المشتقات؟ وكذلك كلمة معرفة، ما نوع المشتقات؟
نقول ابتداءً أيها الأحبة: ذهب كثير من النحاة إلى أن كلمة نكرة وكلمة معرفة هي عبارة عن اسم مصدر للفعل نُكِر في حالة نكرة، وعُرِف في حالة معرفة. نكرة اسم مصدر لـ«نكر»، ومعرفة اسم مصدر لـ«عرف».
فقط لمحة سريعة، أنا لا أريد أن أدخلكم كثيراً في المشتقات؛ ما هو اسم المصدر؟ اسم المصدر هو الذي تقل حروفه عن حروف المصدر القياسي للفعل. في مدرسة النظم المقصودة في علم الصرف أخذنا أن كل فعل له مصادر قياسية؛ أفعال ثلاثية مصدرها القياسي كذا، ورباعي كذا، وخماسي كذا، وعرفنا بشكل عام أن الأفعال لها مصادر قياسية.
«نكر» على وزن «فعّل»، ما هو المصدر القياسي لـ«فعّل» إذا لم يكن معتل الآخر؟ أخذناه في علم الصرف: «تفعيل». جرب تجريب وتجربة، يجوز ذلك؛ مثلاً: «قتّل» مصدرها «تقتيل»، «كرّم» مصدرها «تكريم»، هذا مصدرها «تفعيل»، و«نكر» على وزن «فعّل»، فإذاً «نكر» مصدرها القياسي هو «تنكير». نلاحظ المصدر القياسي كم حرفاً؟ «تنكير» خمسة أحرف، بينما «نكر» ثلاثة أحرف، لأن أكثرهم لا يعد تاء التأنيث حرفاً في نية الانفصال، وحتى لو عديتها تصبح أربعة، فحروف «نكر» أقل من حروف المصدر القياسي لـ«نكر».
فبالتالي نقول: نكرة اسم مصدر لـ«نكر» وليست مصدراً؛ لأن تعريف اسم المصدر هو: المصدر الذي تقل حروفه عن حروف المصدر القياسي للفعل. المصدر القياسي لـ«نكر» هو «تنكير» (خمسة أحرف)، و«نكر» (ثلاثة أحرف) فهي اسم مصدر وليست مصدراً قياسياً.
مثال ذلك في القرآن الكريم: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾ [نوح: 17]. «أنبت» ما هو مصدرها القياسي؟ إذا أخذنا الفعل على وزن «أفعل» فإن مصدره «إفعال»، فـ«أنبت» مصدرها القياسي «إنبات»، و«إنبات» خمسة أحرف، لكن القرآن لما جاء بالمفعول المطلق هل أتى بالمصدر القياسي أم أتى باسم المصدر؟ أتى باسم المصدر وهو «النبات». «إنبات» خمسة أحرف، و«نبات» أربعة أحرف، إذاً «نبات» اسم مصدر لأن حروفها تقل عن حروف المصدر القياسي. فـ«نكرة» قيل لنا هي اسم مصدر.
ومعرفة عرف نفس القضية، عرف ما مصدرها القياسي؟ "تفعيل"، عرف تعريف، كم حرف؟ واحد، اثنان، ثلاثة، أربعة، خمسة. ما أعرف كم حرف؟ واحد، اثنان، ثلاثة، أربعة. أنا قلت لكم تاء التأنيث يعني تعد في نية الانفصال كما يقولون، كثير منهم لا يعدها حرفًا في بنية الكلمة الآن، أنا في نية الانفصال فائدتها التأنيث. فيقولون: معرفة من أربعة أحرف، وتعريف من خمس أو ست أحرف، فإذاً هذه الكلمة معرفة اسم مصدر لـ "عرف" وليست مصدره.
ما هو الأصل في الأسماء أيها الأحبة؟ الأصل في الأسماء أنها نكرة أو معرفة، هذا الذي بهمنا الآن. هذا كله كلام صرفي. الأصل في الأسماء أنها نكرة والتعريف فرع. الأصل في الأسماء أيها الأحبة أنها نكرة والتعريف فرع.
ما الدليل على أن الأصل في الأسماء أنها نكرة؟ أولًا نقول: الاسم النكرة لا يحتاج إلى قرينة تدل على تنكيره، بينما الاسم المعرف يحتاج إلى قرينة تدل على تعريفه. فكلمة "الرجل"، ما الدليل على أنها معرفة؟ وجود "أل" للتعريف هي القرينة، صح ولا لا؟ كما يقولون الضمائر: "هو" و"هي" و"هما" وغيرها، ما الدليل على معرفيتها؟ قالوا وجود قرينة التكلم أو الخطاب أو الغيبة. والأسماء الموصولة: "الذي" و"التي"، ما الذي جعلها معرفة؟ هي بذاتها لا تستطيع أن تكون معرفة إلا بجملة صلة الموصول، فجملة صلة الموصول هي القرينة. واسم الإشارة: "هذا" و"هذه" و"هؤلاء"، ما الذي جعلها معرفة؟ قرينة الإشارة أنك تشير بيدك. فباختصار، التنكير لا يحتاج إلى قرينة، الأسماء النكرة لا تحتاج إلى قرينة حتى تدل على تنكيرها، بينما المعارف تحتاج إلى قرينة تدل عليها. والمستقل أقوى من الذي يحتاج إلى قرينة، هذا الدليل الأول.
الدليل الثاني، ذكره بعضهم، يقول: إن الشيء في أول وجوده تلزمه الأسماء العامة النكرة، ثم بعد ذلك تدخل عليه المعارف حتى تخصصه عن غيره من الأشياء في وجودها. أي شيء يوجد يكون ابتداءً نعطيه اسمًا عامًا، ثم بعد ذلك نخصصه باسم خاص. أعطيكم مثالًا تفهمون به الكلام: إذا رزقك الله عز وجل مولودًا قبل أن تسميه، أول ما يولد ماذا نقول؟ فلان أتى له ولد، أعطيته اسم نكرة، أو جاءه طفل بالتنكير. ثم بعد يومين أو ثلاثة أو أربعة تذهب إلى دائرة الأحوال الشخصية وتعطيه تعريفًا، أي ماذا ستسميه؟ محمد. فلاحظوا كيف كان في ابتداء وجوده نكرة: ولد، جاءه طفل، ثم بعد ذلك دخله التعريف أردت أن تميزه عن غيره فقلت أريد أن أسميه محمدًا، فالتعريف دخل بعد التنكير، فهذا يدل على أن في الوجود الأصل النكرات، ثم بعد ذلك تأتي المعارف من الناحية الوجودية، فهذا دليل أيضًا على أن النكرة تسبق المعرفة.
هناك دليل ثالث ذكره بعضهم، يقولون: ما من معرفة إلا وهي مسبوقة بنكرة، ولكن هناك نكرات ليس لها معارف. ذكر بعضهم الدليل الثالث أنه ما من معرفة إلا ولها نكرة، لكن يمكن أن توجد نكرات ليس لها معارف. قالوا نعم، يمكن أن توجد نكرات ليس لها معارف، ومثلوا بقولك: "أحد" و"ديار". هاتان الكلمتان يذهب كثير من أهل العلم إلى أنهما ليس لهما تعريف، لا تعرفان ملازمة للتنكير، ولكن هذا دفعه بعضهم وقال: يمكن أن تعرف "أحد" و"ديار"، وإن كان الأصل فيها أنها تستخدم في حالة التنكير، ولكن يرى بعضهم أنها يمكن أن تعرف. فالدليل الثالث ليس بالقوي، يعني فيه جدل بين أهل العلم: هل فعلاً يوجد عندنا نكرة لا معرفة لها؟ ولكن هذا كما قلنا ذكره طائفة من أهل العلم دليلاً على أن النكرة هي الأصل.
لذلك يشقى ابن هشام في أول شرحه: ينقسم الاسم بحسب التنكير والتعريف إلى قسمين: نكرة وهي الأصل، ولهذا قدمتها، ومعرفة وهي الفرع، ولهذا لا أحد يقول لك لماذا بدأت من النكرة ثم تكلمت عن المعرفة، لأن النكرة سابقة من حيث الوجود للمعرفة، فبدأت بذكرها أولًا ثم اتبعت ذلك بذكر المعرفة.
وأنت الآن أعطيتك ثلاثة أدلة على أن النكرة هي الأصل، بعضها منتقد. لكن فائدة سريعة: هم يقولون النكرة أصل والمعرفة فرع، ولكن التعريف أشرف من التنكير. فقال لهم بعضهم: إذا كان التعريف أشرف من التنكير، لماذا لم تجعلوا التعريف هو الأصل؟ قالوا: لأن النكرات لا تتزاحم، يعني الأصل في النكرة نكتة تقتضي تقديمها، والتعريف في نكتة أخرى وهي الشرف تقتضي تقديمه، لكن تلك أقوى. نكتة النكرة أقوى من نكتة المعرفة، لأن كون الشيء أشرف لا يدل على أنه أصل. هذه باختصار هي بعض النقاشات التي أثيرت.
الآن أيها الأحبة نبدأ بتحليل مفهوم النكرة اصطلاحًا عند النحاة. ما هي النكرة؟ يقول ابن هشام بدأ بتعريف النكرة، قال: «أما النكرة فهي عبارة عما شاع في جنس موجود أو مقدر». مبهم، نريد أن نفسرها لأنها بداية التعريف. النكرة: ما شاع في جنس موجود أو مقدر. هذا تعريف ابن هشام، النكرة ما معنى "ما شاع في جنس موجود أو مقدر"؟ فسروا ما معنى "ما"؟ واضحة؟ اسم. أحسنت، اسم شائع أو اسم شاع في جنس موجود أو مقدر. فـ "ما" بمعنى اسم، لأن النكرة هي من أوصاف الأسماء، يعني اسم شاع في جنس موجود أو مقدر. فوق هذا التعريف ضعوا تعريفًا آخر أذكركم به قريبًا من هذا لكن قد يكون أوضح: النكرة اسم وضعته العرب ليكون شائعًا في جنس موجود أو مقدر. هو قريب، لكن يمكن أن يتأمل الطالب هذا فيفهم أكثر: اسم وضع ليكون شائعًا في جنس موجود أو مقدر.
خلوني أشرح التعريف الذي ذكرته أنا: النكرة عبارة عن اسم وضعته العرب ليكون شائعًا. ما معنى شائع؟ يعني ليصدق على أفراد كثيرين وليس على فرد معين، هذا معنى الشيوع. اسم وضعته العرب ليكون شائعًا، يعني وضعته العرب ليصدق إطلاقه على أفراد كثيرين وليس متعلقًا بفرد معين، لكن هؤلاء الأفراد الكثيرين يجمعهم جنس واحد، لذلك قلنا: اسم وضع ليستعمل في شيء شائع في جنس موجود. سنفهم ما معنى جنس موجود أو جنس مقدر، لكن المهم أن أريدك أن تفهم أصل الفكرة.
ما النكرة؟ هي عبارة عن أسماء وضعتها العرب تصدق على الشيوع، على أفراد متعددة لا تصدق على فرد واحد. تصدق على هذا الفرد، وعلى هذا الفرد، وعلى هذا الفرد، ولا تتعلق بفرد واحد فقط، فلا يجوز أن تستخدمها في هذا وفي هذا وفي هذا؛ لذلك هي شائعة. إذن هي اسم وضع ليكون شائعًا أو ليستعمل شائعًا.
الأسماء التي تصدق عليها، الآن عندي اسم وضعته ليكون شائعًا يطلق على أفراد عديدة، لكن هؤلاء الأفراد يجمعهم جنس واحد. هذا الجنس الواحد قد يكون موجودًا وقد يكون مقدرًا أنه موجود وإن لم يكن موجودًا حقيقة.
لنأخذ مثال كلمة «رجل» أيها الأحبة. الآن أنت تعرف لو سألتك على السريع ستقول لي: «رجل» نكرة، و«قلم» نكرة، و«مفتاح» نكرة، و«مروحة» نكرة، و«سبورة» نكرة. لكن أريدك أن تفهم ما معنى أن تقول إنها نكرة؟
معنى ذلك أن هذه الكلمات عبارة عن أسماء وضعتها العرب لتستعمل شائعة، أي لتصدق على أفراد كثيرة ولا تصدق على فرد واحد، بل تصدق على هذا وعلى هذا وعلى هذا. لكن الأفراد الذين تصدق عليهم كلمة «رجل»، هل تصدق على كل الأفراد في العالم؟ لا، تصدق على أفراد يجمعها جنس واحد، تصدق على أفراد مجموعة كلياتها يجمعها جنس واحد.
فكلمة «رجل» اسم وضعته العرب شائعًا أو ليستعمل شائعًا ليصدق على أفراد كثيرة يجمعها جنس واحد، ما هو هذا الجنس؟ هو الذكر البالغ من بني آدم. ابن هشام -طبعًا عرف تعريف الإنسان- قال: «الحيوان الناطق»، والذكر هذا تعريف الرجل في الإنسان، فالمهم أن الرجل هو الذكر البالغ من بني آدم.
بما أن كلمة «رجل» معناها الذكر البالغ من بني آدم، فكل فرد يصدق عليه أنه ذكر بالغ من بني آدم يصح إطلاق كلمة «رجل» عليه. فأتي إلى هذا الفرد، هذا ذكر من بني آدم إذن هو رجل، هذا ذكر بالغ من بني آدم إذن هو رجل، هذا الفرد ذكر بالغ من بني آدم إذن هو رجل. لاحظ أن كلمة «رجل» لم تتعلق بفرد معين، بل صدقت على هذا الفرد وعلى هذا الفرد وعلى هذا الفرد، ولكن هؤلاء الأفراد الذين صدقت عليهم كلمة «رجل» يجمعهم كلهم جنس واحد، وهو أنهم ذكور بالغون من بني آدم. فلذلك كلمة «رجل» نكرة؛ لأنها اسم يستعمل شائعًا في أفراد عديدة يجمعهم جنس واحد.
الآن ما معنى الكلمة الأخيرة في التعريف؟ «جنس موجود أو مقدر». كلمة «رجل» تدل كما قلنا على الذكر البالغ من بني آدم، وهذا موجود الحمد لله في الواقع الخارجي بكثرة، أي أن هذا الجنس له أفراد كثيرة موجودة في الخارج، وهذا معنى الجنس الموجود.
أما الجنس المقدر، فهناك بعض الأجناس أيها الأحبة لا يوجد منها في الخارج إلا فرد واحد، ويمثلون لذلك بكلمة «شمس». الآن لو سألتك عن كلمة «شمس»، ستقول لي نكرة، جميل، طبق عليها تعريف النكرة: اسم وضعته العرب ليستعمل شائعًا في جنسه.
إذا فهمنا «رجل» أن معناها الجنس الذي تدل عليه وهو الذكر البالغ من بني آدم، فكلمة «شمس» في ذهننا عندما تحكيها يذهب الذهن إلى الفرد الموجود في السماء المعين هذا، لكن في الحقيقة كلمة «شمس» ليست مقصودة بهذا الفرد الموجود في السماء. يقول النحاة إنها تدل على جنس، وهي كل كوكب نهاري، أي كل جرم سماوي يظهر في النهار اسمه «شمس».
فكما أن كل ذكر بالغ من بني آدم اسمه «رجل»، كذلك أي جرم سماوي يظهر في النهار اسمه «شمس». لو كان على الكرة الأرضية أكثر من جرم سماوي يظهر في النهار، لكان هذا الجرم سميناه شمسًا، وهذا الجرم سميناه شمسًا. إن «شمس» نكرة تصدق على أفراد عديدة يجمعها أنها كواكب نهارية.
لكن لما كان في الواقع الخارجي لا يوجد من هذا الجنس إلا فرد واحد، أصبحت كلمة «الشمس» عندك تدل على معين، على فرد معين، لكن هذا التعيين طارئ وليس أصليًا في معنى الكلمة، وسبب التعيين هنا هو أن واقعنا الخارجي ما فيه إلا فرد واحد، فلما أسمع «الشمس» يتبادر ذهني إلى فرد واحد. لكن في الحقيقة الأصل أن كلمة جنس «شمس» لا تتعلق بهذا الفرد الواحد، بل تصدق على كل فرد موجود في الخارج منه، ولكن ليس لنا إلا فرد واحد فقط.
فلو ذهبنا إلى كوكب زحل ووجدنا أن هناك عشر شموس كثيرة، فبعض الكواكب يقولون إن لها شموسًا كثيرة، لو ذهبنا لذلك الكوكب، هل كلمة «شمس» عندنا تصدق على جرم واحد أم ستصدق على أكثر؟ ستصدق على أكثر، ونقول على ذاك الكوكب إن جنس الشمس موجود حقيقة، لكن على كوكبنا الأرضي جنس الشمس موجود تقديرًا.
أنت الجنس الأصل لا يصدق على أفراد كثيرة، نحن عن الكرة الأرضية هذا الجنس نقول إنه مقدر تقديرًا لا حقيقيًا؛ لأنه ما فيه إلا فرد واحد، ولو كان منه أفراد عديدة لصار هذا الجنس حقيقيًا. ولكن في اللغة العربية، اللغة العربية لا يهمها إن كان بقي عندك أفراد في الخارج كثيرة أم لا، أنا وضعت الكلمة هكذا، إذا كان عندك أفراد كثيرة فهو جنس حقيقي، وإذا كان من هذا الجنس فرد واحد تسميه جنسًا مقدرًا.
إذن نعود إلى التعريف، الآن حاولنا تقريب تعريف النكرة قدر الإمكان، عباراته فيها زخم قليلًا لكن نحاول تقريبه، فقلنا: النكرة عبارة عن اسم وضع ليستعمل أو ليكون شائعًا، شائعًا يعني يصدق على أفراد كثيرة يجمعهم جنس واحد.
وهذا الجنس قد يكون موجودًا حقيقة، أي له أفراد كثيرة في الخارج، وهذه هي كلمة موجود. أو يكون مقدرًا، ومعنى الجنس المقدر أنه ليس له في الخارج إلا فرد واحد، وهذا الذي يقصدونه بالجنس الموجود والجنس المقدر.
لذلك انظروا ماذا قال ابن هشام: النكرة عبارة عن اسم شاع في جنس، أي يصدق على أفراد عديدة يجمعها جنس موجود أو مقدر. فالأول مثال على الجنس الموجود، ويقصد به الجنس الموجود؛ ككلمة «رجل»، لاحظوا مثلنا بـ «رجل»، فهي تدل على جنس، ما هو الجنس الذي تدل عليه؟ قال: الحيوان الناطق، الذكر الذي هو نحن، بعبارة العوام: البالغ من بني آدم. فكلما وُجد من هذا الجنس واحد -أي فرد- فهذا الاسم الذي هو «رجل» يصدق عليه.
والثانية مثال على جنس مقدر: «شمس». لماذا الشمس؟ هل الشمس تدل على اسم جنس؟ نعم، إن الشمس موضوعة لما كان كوكبا نهاريا ينسخ ظهوره وجود الليل، وطبعا هذا كلام منطقي وليس كلاما نحويًا. أي يقول علماء المنطق إن الشمس هي عبارة عن كل جرم سماوي يظهر في النهار لينسخ ظلام الليل. فحقها أن تصدق على متعدد، أي حقها في الأصل أن يكون لها أفراد، لأن مسماها جنس لا يتعين بفرد، فهي تصدق على أي جرم سماوي يصعد في النهار، فحقها أن تصدق على متعدد كما أن كلمة «رجل» كذلك تصدق على متعدد.
وإنما تخلف ذلك في الواقع أننا لا نجدها تصدق على متعدد مما نراه في السماء، لماذا تخلف ذلك؟ قال: من جهة عدم وجود أفراد في الخارج بسبب هذا الأمر. لماذا لا نرى في حياتنا العملية شروق الشمس على أفراد كثيرة؟ ليس لأنها شمس موضوعة لمعين، لا، بل لأنه لا يوجد أفراد كثيرة في الخارج تصدق عليهم، فلو وجد أفراد لصدقت، لكن لا يوجد.
قال: ولو وجد لكان هذا اللفظ صالحا لها، فإنه لم يوضع -لاحظ- لم يوضع لفظ الشمس على أن يكون خاصا بفرد معين مثل «زيد» و«عمرو». زيد وضع ليكون خاصا بفلان، وعمرو لما وضعوه وضعوه ليكون خاصا بفلان. قد يحدث عند الطالب أن يظن أن «زيد» اسم خاص، لكن قد نجد «زيد ابن الجيران» و«زيد المدرسة». كيف يكون خاصا بفلان؟ سيأتي معنا إن شاء الله أن الأعلام الأصل فيها أنها خاصة، فإذا طرأ عليها الاشتراك فهذا أمر عارض طارئ ليس أصليا في وضعها.
ما معنى عارض؟ أنا شرحته في «السلم المنورق» لكن أحتاج لتوضيحه حتى لا يشتبه على الطالب هنا. يقولون: الأصل أني عندما سميت ابني «زيدًا»، أنا وضعت هذا الاسم لابني حتى أميزه عن غيره، فالأصل أنه يصدق على واحد فقط على معين. لكن يطرأ أحيانا أن الجار يسمع أنك سميت ابنك «زيدًا» فيعجب هذا الاسم، فيقول: والله أنا برضه بدي أسمي ابني «زيدًا»، فيسمي ابنه «زيدًا»، فيسمع رجل ثالث بهذا الاسم فيعجبه فيسمي ابنه «زيدًا»، فيصبح «زيد» يصدق على أفراد كثيرة.
لكن إطلاق «زيد» على أفراد كثيرة ليس لأن كلمة «زيد» ابتداء وضعت لأفراد تشملها مثل «رجل»، بل هذا الاشتراك حدث فيها لأمر عارض خارج عن الوضع الحقيقي. كلمة «زيد» و«إبراهيم» و«خالد» و«بكر» هي في الأصل وضعت لتدل على معين فقط، وطروء الاشتراك فيها بين أفراد عديدة هذا أمر عارض خلاف الأصل. ففكر: هل كلمة «زيد» وضعت لتدل على أفراد كثيرة؟ لا، وضعت لتدل على فرد، بينما كلمة «رجل» لما وضعتها العرب وضعتها لتدل على أفراد كثيرة يجمعهم جنس واحد. فالأصل في «زيد» أنها تدل على فرد معين، وطروق الاشتراك فيها طارئ بسبب أمور كأن يعجب شخص باسم فينقله نقلا، وإلا فالأصل أن تتعلق بفرد واحد فقط.
إذن المهم لما تكلم عن الشمس قال: فالشمس لم توضع على أن تكون خاصة كـ «زيد» و«عمرو»، بل هي ابتداء ما وضعت إلا لتشمل أفرادا عديدة، لذلك قال: وإنما وضع لفظ الشمس كأي اسم جنس، مثله مثل «مال» و«تراب»، لكن هناك أجناسا لها أفراد في الخارج عديدة موجودة فهي تسمى جنسا موجودا، وهناك أجناس لم يولد منها في الخارج إلا فرد واحد، فهذا يسمى جنسا مقدرا لأنه لا يوجد منه إلا فرد واحد.
إذا عرفنا الآن تعريف النكرة، وهي واضحة القضية: النكرة هي اسم لما وضعته العرب حتى يستعمل لأفراد عديدة يجمعها جنس موجود أو مقدر. وفي فائدة منطقية للإخوة الذين درسوا معنا منطقا فقط، أردت أن نذكرها هنا؛ وهي أن كلمة «جنس» هنا ليست بمعنى الجنس عند المناطقة.
الجنس عند المناطقة هو عبارة عما يصدق على كثيرين مختلفين في الحقيقة، مثل كلمة «حيوان». فكلمة «حيوان» جنس عند المناطقة لأنها تصدق على أفراد مختلفة الحقائق؛ فتصدق على الفرس وهذه حقيقة، وتصدق على الأسد وهذه حقيقة أخرى، وتصدق على الإنسان وهذه حقيقة ثالثة، وتصدق على الهرة وهذه حقيقة رابعة. أما كلمة «إنسان» عند المناطقة فهل تسمى جنسا؟ لا، لأنها تصدق على أفراد متفقين في الحقيقة؛ فإنسان تصدق على زيد وبكر وعمرو وخالد وهند وسعاد، وهذه الأفراد حقيقتها واحدة، وهي كائنات مفكرة من جنس بني آدم، لذلك «إنسان» عند المناطقة لا تسمى جنسا بل تسمى نوعا.
لكن «حيوان» عندهم هي التي تسمى جنسا لأن أفرادها مختلفة الحقائق، وهذا راجع في المنطق. أما الجنس هنا عند النحاة فلا يشمل النوعين، بل يشمل أي اسم له أفراد سواء كانت متفقة الحقائق أو مختلفة الحقائق، فيسمى هذا جنسا عند النحاة. فإنسان عند النحاة تسمى جنسا مع أن أفرادها متفقون، لأن الجنس عند النحاة ليس هو أسماء الأجناس، بل هو ما يدخل تحته أفراد عديدة، سواء كانت متفقة الحقائق أو مختلفة الحقائق. فحيوان عند النحاة جنس، والإنسان عند النحاة جنس، والمرأة عند النحاة جنس، والرجل عند النحاة جنس، كلها أجناس لأن النحوي لا يهمه.
الأفراد التي تدخل تحت هذا الاسم متفقة الحقائق أو مختلفة الحقائق. بهمة أن هذا الاسم تحته أفراد، فإذاً الجنس؛ وهذه القاعدة: الجنس عند النحاة أعم من الجنس عند المناطقة، لماذا؟ لأن الجنس عند المناطقة يختص بما كانت أفراده مختلفة الحقائق، والجنس عند النحاة يشمل كل ما له متفق الحقائق أو مختلف الحقائق.
لأن الطالب الذي يدرس السلم المنطقي لما يأتي يحاول يطبق المصطلح الذي تعلمه في السلم المنطقي على علم النحو، فيجد أنه في إشكال، أنه مش عم بيجي معه، برتّب صح؛ أن الرجل اعتبرها هنا جنس، وهو اسم جنس عند ابن هشام، وشمس اسم جنس، مع أنه نحن في علم المنطق ما بنعتبره أجناساً، بنعتبرها أنواعاً. فبنقول لك: ذاك علم المنطق وهذا علم النحو، فعليك أن تفرق بين المصطلحات في العلوم حتى لا تتداخل عليك.
ننتقل إلى المعرفة. قال: «وأما المعرفة». ابن هشام في المتن لم يذكر لها تعريفاً، ولم يذكر لها تعريفاً، ولماذا؟ كأنه أخذ من كلام صاحب شرح التسهيل. يقول صاحب شرح التسهيل: «من تعرض لحد المعرفة عجز عن الوصول إليه دون استدراك عليه». يقول صاحب شرح التسهيل: من تعرض لحد المعرفة، يعني أي شخص يريد أن يعطي تعريفاً لكلمة معرفة، يصعب عليه أن نصل إلى تعريف ولا يستدرك عليه إلا يخطئ، هيك باختصار بده يقول. فذهبوا إلى أنه خلص ما تعرفوها.
يقول صاحب شرح التسهيل: «من تعرض لحد معرفة عجز عن الوصول إليه دون استدراك عليه». طبعاً يجوز نقول عجز وعجز، ويختلف المضارع بناءً على ذلك. المهم فكأن ابن هشام قال: ليش أنا أعرفها وينتقدوني؟ خلص أذكر تعريفاً من خلال القسمة، وتعريف الشيء من خلال تقسيم إلى أنواعه، هذا نوع من أنواع التعاريف عند المناطقة. فالتعاريف عند المناطقة هناك بالحد، وهناك الرسم، وهناك اللفظي، وهناك التعريف بالقسمة، وهناك التعريف بالمثال، على طرق التعريف عديدة، وعلى الطالب أن يحسن هذه الكلمات التي أتكلم بها.
التعريف بالقسمة هذا يُعدل إليه لما تكون الكلمة المعرفة يصعب أن تعرفها بالحد أو الرسم. لذلك في علم أصول الفقه، كلمة العلم ذهب الغزالي والجويني إلى أنه يصعب أن نحد كلمة العلم، لا أن نحدها وأن نعرفها، فذهبوا إلى تعريفها من خلال التقسيم؛ تقسيم العلم إلى تصوري وإلى... زي ما قسمناه البارح: تصور وتصديق، والتصور نظري وضروري، فهكذا قالوا نعرف العلم. ما نأتي له بتعريف معين هيك معين، قسمه خلص وجبت أقسام وانتهى. فابن هشام أظنه عدل إلى هذا، قال أعرف كلمة المعرفة من خلال بيان أقسام المعرفة.
إن المعرفة هي: الضمائر، الأعلام، أسماء الإشارة، الأسماء الموصولة، والمعرف بأل والمضاف إلى واحد مما سبق، خالص. الآن البعض يقول: إحنا خلينا نعرف المعرفة، ما في مشكلة، نقرب الصورة، وإحنا ما بدنا لما نعرف... يعني هذه قضية الاستدراك على التعاريف بقوة هي قضية فلسفية منطقية في الحقيقة، قد يكون لها جوانب سلبية كثيرة. إن الغرض من التعريف كما يقول ابن تيمية هو تقريب الصورة قدر الإمكان، هذا هو الغرض من التعريف بغض النظر أنا قربت لك الصورة مئة بالمئة من خلال التعريف، أو قربت ثمانين تسعين بالمئة، المهم.
أليس كذلك؟ فلو قلنا أيها الأحبة لو أردنا أن نعرف كلمة المعرفة؛ الآن عرفنا النكرة: اسم شائع في جنس موجود. والمقدر المعرفة ايش هي؟ إذا كانت النكرة اسم وضع ليكون شائعاً، فالمعرفة بعكسها اسم وضع ليكون معيناً. حتى تتصور، إذا نقول المعرفة ما وضع ليستعمل في معين، عكس النكرة تماماً. النكرة اسم وضع ليستعمل شائعاً، أي في أفراد كثيرة يا جماعة جنس واحد، أما المعارف وضعتها العرب لتستعمل في معين، في أفراد معينة.
يعني لما تستخدمها في الكلام تصدق فقط على معين، لا يمكن تستخدمها وتصدق على كثيرين. فكلمة رجل، لما أقول جاء رجل، يصدق على فلان وعلى فلان وعلى فلان وعلى فلان، يصدق على كثيرين ما في مشكلة، لكن جاء زيد ما يصدق إلا على شخص. جاء الذي حفر بئر زمزم لا يصدق إلا على معين، جاء بشير لشخص، إذا في واحد معين، صح؟ جاء الرجل الذي رأيناه البارحة، الرجل الآن تصدق على معين. لاحظوا، إذاً النكرة لما تستخدم يصلح أن تُطلق على أفراد عديدة، لا يلزمنا أن أطلقها على فرد معين، لكن المعرفة لا، إذا استخدمت تستخدم للدلالة على معين، هذا الأصل فيها، وهذا الأصل فيها وما سوى ذلك فهو خلاف الأصل. كما يمكن أن يتضح لك في هذا العلم، أو في علم أصول الفقه عندما يتكلم عن أنواع للاستغراقية وما شابه ذلك، أنها معرفات لكن تدل على العموم، لكن هذا خلوه على خلاف الأصل، أما الأصل في المعارف أن تدل على معين.
طيب، إذاً في المعرفة ما وضع أن يستعمل في معين، جميل. قال: «وتنقسم ستة أقسام». القسم الأول الضمير، وهو أعرف الستة. الآن المعارف هو يبدأ بالضمير ابتداء، سأذهب إلى السبورة أذكر المعارف سرداً، ثم نبدأ بها واحداً واحداً. المعارف أيها الأحبة يرتبونها ترتيباً تصاعدياً من أعرف المعارف إلى أقلها معرفة. فأعرف المعارف -طبعاً قبل ما أعرف المعارف يقولون- هو لفظ الجلالة، أعرف شيء هو لفظ الجلالة، «الله»، أعرف شيء، ولا نقول إن هناك شيء مقدم عليه في التاريخ، فهو يدل على الذات المعظمة جل في علاه سبحانه وتعالى.
ثم بعد لفظ الجلالة نقول في المعارف: الضمائر أولاً، ثم رقم اثنين العلم، رقم ثلاثة ايش عندنا؟ اسم الإشارة، رقم أربعة اسم الموصول، عفواً اسم الإشارة قبل اسم الموصول، اسم الموصول ثم المعرف بأل. لاحظنا هذا التقسيم: الضمائر، العلم، اسم الإشارة، اسم الموصول، المعرف بأل. جميل، بقي النوع وهو ماذا؟ هو الاسم الذي أضيف إلى واحد من هذه الخمسة. والاسم الذي أضيف إلى واحد من هذه الخمسة يعني الاسم المضاف إلى الضمير، الاسم المضاف إلى العلم، الاسم المضاف إلى اسم الإشارة، الاسم المضاف إلى اسم الموصول، الاسم المضاف إلى المعرف بأل، الاسم المضاف إلى واحد من هذه الأربعة. مرتبته من حيث المعرفية، من حيث القوة، تكون في مرتبة المضاف إليه. الاسم المضاف إلى معرفة يكون في مرتبة المضاف إليه؛ فالمضاف إلى المعرف بأل مرتبط في مرتبة المعرف بأل، والمضاف إلى الاسم الموصول مرتبط في مرتبة الاسم الموصول، والمضاف إلى اسم الإشارة مرتبط في مرتبة اسم الإشارة.
المضاف إلى العلم مرتبته مرتبة العلم. المضاف إلى الضمير، هنا في استثناء، يقولون المضاف إلى الضمير -وعاد بدنا نطبق القاعدة- رح يكون مرتبط ومرتبة الضمير، لكن قالوا لا، المضاف إلى الضمير في العلم أيضًا في القوة وليس في مرتبة الضمير، المضاف إلى الضمير في مرتبة العلم.
فمرتبة العلم فيها ثلاثة أشياء: العلم، والمضاف إلى العلم، والمضاف إلى الضمير. اسم الإشارة في مرتبة المضاف إلى اسم الإشارة، والاسم الموصول في مرتبة المضاف إلى الاسم الموصول، والمعرف بـ «أل» في مرتبة المضاف إلى ما فيه «أل».
هذا يفيد أيها الأحبة؛ هذا التقسيم يفيدك في عدة أبواب، منها باب النعت حينما يقولون قاعدة هي قاعدة غير متفق عليها لكنها مشهورة، الأكثر يقولها أن النعت لا يجوز أن يكون أعرف من المنعوت. فماذا يعني أعرف؟ يجب أن تعتمد هذا التقسيم: لا يجوز أن يكون النعت أعرف من المنعوت، بالتالي إذا كان هناك من يتوهم أنه نعت لكنه أعرف من المنعوت، يقولون فليس نعتًا، هذا بدل أو عطف بيان، فتروح إلى حل ثانٍ.
إذًا هذا هو الترتيب للمعارف من حيث القوة، وسيبدأ بها ابن هشام -رحمه الله- واحدًا واحدًا، سنبدأ بها في الدروس التي تأتي من اليوم إلى الدروس القادمة إن شاء الله.
هنا فائدة أيها الأحبة أني دونت هنا ربما نسيت؛ أنقلها لكم. ماذا يعني أنه هذا أقوى المعارف؟ يعني هذه الكمية، تقول ماذا يعني أقوى المعارف ترتيبها من حيث القوة؟ فهمنا. ماذا يعني أن أقوى المعارف الضمير، بعدين العلم؟ لماذا الضمير هو أقوى المعارف؟ ماذا يعني القوة هنا؟
يقولون معنى أقوى المعارف: ما تطرق الاحتمال إليه يكون أقل. أعرف المعارف هو ما يكون تطرق الاحتمال إليه أقل، ثم بعد ذلك تنزل واحدًا واحدًا؛ كلما اتسعت دائرة الاحتمال، كلما ضعفت هذه الكلمة في المعرفية. أعطيك مثالًا: أقوى المعارف، المراد بالقوة هنا كلما كان تطرق الاحتمال في فهمه أقل -يعني في فهم مدلوله الذي يصدق عليه أقل- يكون هو أعرف المعارف، ما تطرق الاحتمال إليه أقل أعرف مما يكون تطرق الاحتمال إليه أكبر. هكذا يقولون.
الآن أيها الأحبة، لما تسمع أنت كلمة أي ضمير، أقول لك: «أنت قائم»، أنت الآن ماذا فهمت منها؟ على من تصدق عليك بخاطبك، صح؟ فيها احتمال ثاني يعني ممكن تفهمه أو يشكل عليك، بخاطب الشخص بقول له «أنت قائم»، فانت هنا الاحتمال فيها يقع، يكاد يصل إلى العدم. لكن لما أقول لك «زيد قائم»، الاحتمال يصير عندك عدة احتمالات، هو زيد ابن خالد ولا زيد ابن سعد ولا زيد ابن بكر؟ هنا بدأت الاحتمالات تتسع.
لو قلت لك «هذا قائم»، الآن «هذا قائم» ممكن تقول إنه والله شيخ أنا شايف إنه هذا قائم، احتماليتها أقل من العلم؛ لأنه «هذا» فيها نوع عموم، هي في النهاية تدل على فرد، لكن لأن كلمة «هذا» بحد ذاتها فيها إبهام أكثر من زيد وخالد، يعتبروا أن دائرة الاحتمال فيها ممكن تقول إنه هذا عميم، بالضبط بتشير لـ؟ هيك ممكن يصير الاحتمال فيها.
اسم الموصول الذي جاء البارحة «أكرمته»، لاحظوا دائرة الاحتمال صارت: من الذي جاء البارحة؟ يصير عندك احتمالات عديدة في ذهنك. أما «الرجل» فهو أضعف أنواع المعارف، كلمة «الرجل» هذه مطاطة، الرجل تصدق أن الآن أنت تقصد بها فردًا معينًا، لكن من هو الفرد؟ الاحتمالية واسعة.
فلذلك هذا الترتيب من حيث الاحتمالية التي تطرأ على الذهن عند سماع المعرفة. لما تسمع الضمير، الاحتمالية عندك جدًا تكاد تصل إلى العدم، أنت محصور، ليس فيها معنى ثاني، أنت تتكلم مع شخص. لكن العلم تبدأ الاحتمالية في فهم مدلوله أوسع، أن تعين من المراد به، وكذلك اسم الإشارة تبدأ توسع أكثر أن تعين من المراد به، وكذلك اسم الموصول.
فأنا أحب الطالب لما يفهم عندما يتكلم عن تقسيم يكون فاهمًا بحقيقة المعنى. أخي يا طالب العلم لا تكتفِ فقط بقشور المعلومات، هناك طلبة وإخوان خلص دون معلومة، هو ما هو فاهم ما هي المعلومة؟ هي مدونة عنده، ما عنده روح الاستعداد ليبحث. ماذا معنى هذه المعلومة؟ لما تقول لي إنه أقوى المعارف، لماذا الضمائر أقوى المعارف؟ من حقك تسأل هذا السؤال. لما تقول وهذا أقوى المعارف، ماذا يعني أقوى المعارف؟ فهمني أنا بدي أفهم، أكيد هذا له مقصد عند النحاة وليس اعتباطًا عندهم.
قالوا هذا أقوى المعارف، فإذاً لا بد أن تفهم عن أصل المعلومة ولا تقف مع القشور الظاهرة. فلما نقول أقوى المعارف يعني ما يكون تطرق الاحتمال فيه أقل، يكون أعرف مما تطرق الاحتمال فيه أكبر، فقط باختصار.
نبدأ بالضمير، أعرف المعارف بعد لفظ الجلالة. ما هو الضمير؟ قال: «وهو أعرف الستة»، ولهذا بدأت به وعطفت عليه بقية المعارف بثمه، يقصد في المتن. قال الآن سيعرف الضمير، عرفه بهذه الطريقة ببيان أقسامه، قال: «والضمير هو عما...» -عما ما هذه بمعنى ماذا؟- اسم، نعم مباشرة بتفسرها باسم، اسم الضمير: اسم دل على متكلم كان أو مخاطب أو غائب.
هذه طريقته في تعريف الضمير، وأحيانًا أيها الأحبة بعض الكلمات تعريفها بالحدود والرسوم يؤدي إلى إقفالها على الطالب، فتعريفه من خلال التقاسيم أسهل، وأنا مع ابن هشام بهذه الطريقة. الضمير هو ما دل على متكلم أو مخاطب أو غائب. اسم، إذا سمعته دلك على متكلم، إذا قلت «أنا» لما سمعت هذا الاسم دلك على متكلم واحد يحكي عن حاله، إذا سمعت أنت يتكلم مع مخاطب، وإذا كان يشير إلى غائب، جميل، هو يتكلم عن غائب.
وهذا طبعًا تقسيم للضمير باعتبار الشخص المقصود منه. لو سئلت: يا شيخ هذا التقسيم للضمائر باعتبار ماذا؟ هذا تقسيم للضمائر باعتبار الشخص المقصود، هل هو متكلم أو مخاطب أو غائب، باعتبار الشخص الذي يستعمل له الضمير، لأن الضمائر أيها الأحبة تنقسم باعتبارات عديدة. سنبدأ الآن رحلة في تقسيم الضمائر، لكن هذا التقسيم...
إلى متكلم، وإلى مخاطب، وإلى غائب؛ هو تقسيم للضمائر باعتبار الشخص الذي استخدمنا له الضمير. إذا كان الشخص الذي استخدمنا له الضمير هو متكلم، يسمى ضمير متكلم. وإذا كان الشخص الذي استخدمنا له الضمير هو مخاطب، يسمى ضمير مخاطب. وإذا كان غائبًا، يسمى ضمير غائب، فهو تقسيم للشخص الذي استخدم له الضمير أو استعمل له الضمير.
الآن أيها الأحبة، هناك خارطة هي كل مدار ابن كمال وابن هشام عليها في الضمائر؛ نقول الضمير ينقسم إلى ضمير مستتر وضمير بارز. البارز له صورة في الكلام، والمستتر ليس له صورة في الكلام. الضمير البارز ترى له صورة أمامك؛ أنا، أنت، هو، ضربتَ؛ شايفة التاء صورة، ضربتها الهاء لها صورة. وعلى ذلك فالبارز ما نراه، والمستتر ليس له صورة لكننا نقدر وجوده في الكلام، ولكن ليس له صورة نراها.
نبدأ بالقسم الأول، الضمير المستتر ينقسم إلى قسمين: مستتر وجوبًا، ومستتر جوازًا. قبل أن أتكلم، الضمير المستتر قاعدة اكتبها عندك: لا يكون إلا ضمير رفع، لا يمكن أن يكون مستترًا في حالة نصب أو جر. الضمير المستتر ضمير رفع دائمًا، مستحيل يكون ضمير نصب أو ضمير جر. وينقسم إذاً إلى مستتر جوازًا وإلى مستتر وجوبًا.
ما معنى مستتر جوازًا؟ افهم جيدًا؛ لأنه هناك من يخلط من المدرسين ومن الطلبة. المراد بأنه مستتر جوازًا أنه في هذا الموضع الذي استتر فيه، يجوز أن يحل الاسم الظاهر محله. والمضمر وجوبًا هو أن يكون الضمير بعد العامل لا يمكن أن يحل محل الاسم الظاهر. فالمستتر جوازًا هو ما يجوز أن يحل محله الاسم الظاهر.
الضمير المستتر جوازًا تقول ما يجوز أن يحل محله الاسم الظاهر، يعني يمكن أن تحذف وتقول لا، ليس هناك ضمير، بل تضع اسمًا ظاهرًا، ممكن. فالعامل الذي رفع هذا الضمير المستتر يقبل ويستطيع أن يرفع الاسم الظاهر. هذه العبارة أوضح: فالعامل الذي رفع الضمير المستتر يستطيع أن يرفع الاسم الظاهر. سمعنا عن العرب أن هذا العامل يرفع اسمًا ظاهرًا ويرفع ضميرًا مستترًا.
أما المستتر وجوبًا فهو ما لا يحل محله الاسم الظاهر؛ وبعبارة أخرى عامله لا يستطيع أن يرفع اسمًا ظاهرًا، بل دائمًا عامله يرفع ضميرًا. فإذا كان العامل لا يستطيع أن يرفع الاسم الظاهر فنقول هنا ضمير مستتر وجوبًا، وإذا كان العامل يستطيع أن يرفع الاسم الظاهر مكان الضمير المستتر، نقول عامله الضمير هنا مستتر جوازًا.
سأعطيكم مثالًا حتى تفهموا محلات الاستتارة الوجوبية. الآن: "ضرب الطلبة"، بتقدر ترفع اسمًا ظاهرًا؟ يعني ممكن يكون فاعلها اسمًا ظاهرًا قطعًا، تقول: "ضرب زيدٌ". فإذا كان الضمير مستترًا في قولك: "زيدٌ ضربَ بكرًا"، الآن زيدٌ مبتدأ، و"ضرب" فعل ماضٍ، والفاعل ضمير مستتر. تقول جوازًا ولا وجوبًا؟ تقول جوازًا. لماذا؟ لأن كلمة "ضرب" تستطيع أن ترفع الأسماء الظاهرة في سياقات أخرى، يعني هي قادرة على أن ترفع الأسماء الظاهرة.
ما الخطأ الذي يقع فيه بعضنا؟ يظن عندما نقول له إن "ضرب" تستطيع أن ترفع الاسم الظاهر، أنه في هذه الجملة يجوز أن أقول "زيد ضرب"... لا، ليس المراد؛ المراد أن الضمير مستتر جوازًا، أي أن الضمير يجوز أن يظهر ويجوز أن يختفي. البعض يقول "ضمير مستتر جوازًا" فيفهمها أن هذا الضمير لما يكون مستترًا يجوز أن أظهره ولا يلزم أن أظهره، لا، ليس هذا مرادهم.
البعض يظن أن معنى مستتر جوازًا هو أنه يجوز إظهاره، لا، ليس معنى كلمة الجواز أنه يجوز إظهاره. معنى كلمة الجواز أنه يجوز أن يكون عامله يرفع اسمًا ظاهرًا. أما هو لما يكون مستترًا فلا يجوز إظهاره. ففي "زيدٌ ضربَ بكرًا"، هل يجوز أن أقول: "ضرب زيدٌ بكرًا"؟ الفاعل ضمير مستتر جوازًا، شو معنى جوازًا يا شيخ؟ هل يعني أنه يجوز أن يظهر؟ لا، خطأ.
معنى مستتر جوازًا أن عامله يستطيع أن يرفع ظاهرًا، لديه قابلية لرفع الأسماء الظاهرة. أما هنا، الضمير المستتر لا يجوز إظهاره أبدًا ومع ذلك يسمى مستترًا جوازًا. كيف يكون الضمير لا أستطيع أن أظهره ويسمى مستترًا جوازًا؟ أقول لك: أنت إلى الآن لم تفهم ما معنى جوازًا. المراد بمستتر جوازًا أن عامله يستطيع أن يرفع الاسم الظاهر، يعني في جملة أخرى يمكن لكلمة "ضرب" أن ترفع اسمًا.
فلذلك، إذا جاء الضمير مع عامل يستطيع أن يرفع الاسم الظاهر، أقول الضمير مستتر جوازًا. هذا معنى قول النحاة، وليس معناه أن الضمير نفسه يمكن أن يظهر في هذا السياق. يعني في "زيدٌ ضربَ بكرًا"، ليس معنى مستتر جوازًا أنني أستطيع أن أقول "زيدٌ ضربه بكرًا"؛ لا، في الجملة لازم أقول "زيدٌ ضربَ بكرًا"، ولا يجوز أن نقول "زيدٌ ضربه بكرًا" على أنه هو الفاعل.
جميل، أنه ممكن تأتي أحيانًا تقديرات أخرى للتأكيد أو ما شابه، لكن هذه الكلمة لكي تكون فاعلاً مستترًا، لا يصح أن تقول "ضربه هو بكرًا". معنى الجواز هو أن العامل الذي هو "ضرب" يستطيع أن يرفع الاسم الظاهر، هذا هو المراد بأن يحل محله. ليس المراد في نفس الجملة، بل المراد أن العامل نفسه يستطيع أن يأتي بضمير مستتر ويستطيع أيضًا أن يأتي باسم ظاهر.
لو قلت لك "زيدٌ ضربَ بكرًا"، أستطيع أن أقول "ضربَ زيدٌ بكرًا"، والعامل نفسه يرفع اسمًا ظاهرًا، فيظل ضميرًا مستترًا. فهذا هو مراد قوله: "ما يجوز أن يحل محله الاسم الظاهر"، أي أن العامل يستطيع أن يرفع الظاهر كما يرفع الضمير. طيب أعطيك مثالًا تفهم به. لو قلت لك...
«أضربُ بكراً»، أضربُ أتكلم عن نفسي، «أضربُ» فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه الضمة. أين الفاعل؟ ضمير مستتر. هل هو جوازاً أم وجوباً؟ قلتَ طبق القائل: ليش وجوباً؟ دخول ضمير مستتر وجوباً، أحسنتم. «أضربُ» فاعل مرفوع بفاعل مستتر وجوباً، الضمير تبعها مستتر وجوباً تقديره «أنا».
طيب، ليش مستتر وجوباً؟ لأن العامل تبعه، الذي هو «أضربُ»، لا يستطيع أن يرفع الاسم الظاهر. ائتِ بجملة يكون الفاعل فيها ظاهراً، ائتِ بجملة تستطيع فيها أن تأتي بفاعل ظاهر، مستحيل؛ «أضربُ» بطبيعتها هذا العامل لا يأخذ إلا ضميراً مستتراً. هذا العامل «أضربُ» لا يأخذ إلا ضميراً مستتراً. طبعاً أنا سأنص على أماكن الضمير المستتر وجوباً حتى أريحك إن شاء الله، لكن بدك تفهم الفكرة: لماذا «أضربُ» فاعلها مستتر وجوباً؟ لأنه «أضربُ» في أي جملة عربية لا تستطيع أن ترفع الاسم الظاهر، دائماً ترفع الضمير. فيكون يسمي ضميرها مستتراً وجوباً.
بخلاف «يضربُ»، «يضربُ» بطبيعتها تستطيع أن ترفع اسماً ظاهراً وتستطيع أن ترفع الضميراً المستتر، فلذلك إذا كان فيها ضمير مستتر نقول مستتر جوازاً. والعامل الذي لا يرفع إلا الضمير نقول مستتر وجوباً. فقضية أنه مستتر وجوباً أو جوازاً مرجعها باختصار إلى ماذا؟ مرجعها إلى هل العامل يستطيع أن يرفع الاسم الظاهر ولا لا؟ فقط، وليس مرجعها أن الضمير المستتر في الجملة التي يكون فيها مستتراً يجوز أن أظهره، ليس هذا هو المراد.
كثير من الإخوان في هذه القضية... هشام، ماذا قال في تعريف المستتر والظاهر قبل أن أكمل التقسيم على السبورة؟ انظر ماذا قال ابن هشام؛ قال بعد أن عرف الضمير: «وهو ينقسم إلى مستتر وبارز»، لأنه لا يخلو إما أن يكون له صورة في اللفظ، الضمير له صورة أو لا، ليس له صورة. الأول الذي له صورة ماذا يسمى إذا قسمت لكم الضمير إلى بارز ومستتر؟ بارز، والثاني الذي ليس له صورة هو المستتر كالمقدر، أي كالضمير المقدر في نحو قولك: «قُمْ»، ضميرها مستتر ما له صورة، تقديره «أنت».
قال: ثم لكل من البارز والمستتر انقسام باعتبار... البارز له انقسامات باعتبارات معينة، والمستتر له انقسامات باعتبارات معينة. فنبدأ بالمستتر، قال: «فأما المستتر فينقسم باعتبار...» حدد لك مباشرة الاعتبار الذي سيقسمه: «باعتبار وجوب استتاره وجوازه» إلى قسمين: واجب الاستتار وجائز. ونعني بواجب الاستتار -انظر ماذا قال: ماذا نعني بواجب الاستتار؟- «ما لا يمكن قيام الظاهر مقامه».
اليوم أنا قلت لكم إياه بعبارة أخرى: «ما لا يحل محله الاسم الظاهر»، وهي قريبة من كلام ابن هشام: «ما لا يمكن قيام الظاهر مقامه». ماذا يعني؟ طبعاً ابن هشام لا يقول لك ما معنى هذه العبارة، هو ابتكرها لتفهم، ولكن أنا متأكد أن كثيراً من الإخوان لم يفهموا معنى هذه العبارة ولم يتبين لهم مراده. مراده: «ما لا يمكن قيام الظاهر مقامه» أي أن عامله لا يستطيع أن يرفع اسماً ظاهراً بدل الضمير في كل السياقات العربية، لا يرفع إلا ضميراً. هذا معنى كلامه: «لا يمكن قيام الظاهر مقامه».
قال: «وذلك كالضمير المرفوع بالفعل المضارع المبدوء بالهمزة»، هو أنا أعطيك قاعدة: أي فعل مضارع مبدوء بهمزة المتكلم يكون ضميره مستتراً وجوباً، لأن الفعل المضارع المبدوء بهمزة المتكلم لا يقوى على رفع اسم ظاهر، هكذا سُمع عن العرب. فأي ضمير مستتر فيه يكون مستتراً وجوباً لأن الفعل المضارع المبدوء بهمزة المتكلم مثل «أضربُ بكراً» لا يقوى على رفع الاسم الظاهر، فضميره مستتر وجوباً كـ «أقوم».
وذكر الحال الثاني، وهو الفعل المضارع المبدوء بنون المتكلمين، فالضمير فيه دائماً مستتر وجوباً. أو التاء، طبعاً قيدوها بـ «تاء المخاطب للمذكر» أو التاء التي تدخل على الفعل المضارع، ولكن أقيد التاء التي جاءت لمخاطبة الواحد المذكر؛ لأن التاء إذا كانت لمخاطبة أنثى هنا -أيها الأحبة- يكون فيها الضمير بارزاً: «تقومين». وإذا كانت لمخاطبة أنثى غائبة كذلك يرفع الظاهر: «تقوم هند».
إننا ذكرنا هذا، الآن سينبني على ما سبق تعلمه، أن التاء لما تدخل على الفعل المضارع لها معانٍ: إما أن تخاطب بها مذكراً، إما أن تخاطب بها أنثى، وإما أن تخاطب بها أنثى غائبة. إذا خاطبت بها مذكراً واحداً في هذه الحالة يكون الضمير مستتراً وجوباً، أما إذا خاطبت بها مثلاً مذكرين اثنين، أقول: «أنتما تضربان»، فالضمير بارز وهو ألف الاثنين. لو قلت أخاطب أنثى واحدة: «تقومين»، عنده الضمير بارز. إذا خاطبت أنثى غائبة: «تقوم هند»، فإذاً التاء التي أتكلم عنها هنا عند ابن هشام هي تاء معينة، تاء المضارع التي هي لمخاطبة المذكر الواحد.
فالتاء التي تدخل على المضارع لمخاطبة المذكر الواحد أيضاً لا يمكن أن ترفع اسماً ظاهراً، مثل الفعل «تقوم»؛ أنا شخص أمامي ذكر أقول له: «أنت تقوم»، «تقوم» هنا هل يأتي في سياق عربي يرفع اسماً ظاهراً؟ مش ممكن، فالفاعل ضمير مستتر وجوباً تقديره «أنت». قال: «ألا ترى أنك لا تقول: أقومُ زيدٌ»، بدأ يتضح؛ ألا ترى أنك لا تقول «أقوم زيد»، تقدر تحكي «أقوم زيدون»؟ إذاً الفعل «أقوم» لا يقوى على رفع الاسم الظاهر. ولا تقول «نقوم عمرو»، لأنه كذلك الفعل الذي يتكلم به المتكلمون لا يقوى على رفع الظاهر.
قال: «ونعني المستتر جوازاً ما يمكن قيام الظاهر مقامه»، ليس في نفس الجملة، لا يقصد أن العامل يستطيع أن يرفع الأسماء الظاهرة بطبيعته. قال: «وذلك كالضمير المرفوع بفعل الغائب»، مثلاً المضارع المتصل بالياء: «يقوم»، «يقوم هو» يستطيع تقول «يقوم بكر وزيد يقوم»، ممكن، إذاً «يقوم» يقوى على رفع الظاهر، فالضمير متى جاء فيه مستتراً نقول هو مستتر جوازاً. ألا ترى أنه يجوز لك أن تقول: «زيد يقوم»، «غلامه زيد يقوم»، فمثلاً هنا «زيد ضرب بكراً»، ممكن أن أحول الجملة فأقول: «زيد ضرب أبوه بكراً»، ممكن صح؟ ممكن أقول «زيدون ضرب أبوه بكراً»، يصلح والفاعل هنا اسم ظاهر، إذاً «ضرب» تقوى على رفع الظاهر.
ما هي المواضع التي يكون فيها الضمير مستتراً وجوباً حتى نختصر على الطالب المسافة؟ المواضع التي يكون فيها الضمير مستتراً وجوباً: واحد، الفعل المضارع المبدوء بالهمزة، همزة المتكلم، أو نون المتكلمين.
قل لي من أضرب ونضرب. اثنين: الفعل المضارع المبدوء بتاء مخاطبة المفرد المذكر، التي هي تقوم وتضربه. مخاطبة؛ ما هي بتقيد، لأنه التقييد لازم نقيده، من المهم أنه لها عدة استخدامات. فالتاء لمخاطبة المفرد المذكر مثل: "تقوم"، تخاطب فرداً مذكراً أمامك فتقول له: أنت تقوم.
فعل أمر لواحد مذكر، فعل الأمر لمخاطبة الواحد المذكر "افعل"، دائماً: اضرب، اشرب. تستطيع أن تأتي بعدها باسم ظاهر الفاعل؟ اسم ظاهر مش ممكن. صح؟ يا شيخ استنى كيف ما بقدرش أجيب فيها اسم ظاهر؟ "اسكن"؛ اسكن أنت وزوجك الجنة. "اسكن أنت" هذه، هي تقول فيها الأمر لواحد مذكر، دائماً فاعلها مستتر وجوباً. ربنا يقول في القرآن: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ﴾. فنقول لا أخطأت، "أنت" هنا ليست فاعلاً، أنت هنا توكيد للفاعل المستتر. توكيد للفاعل المستتر، وأنا أقول لك ائتيني بفاعل ظاهر، مش تجيني بتوكيد. "أنت" إعرابها توكيد للفاعل المستتر وجوباً الذي تقديره أنت، حتى لا يشكل هذا المثال عليك.
الحالة الرابعة: فعل التعجب، "ما أجمل السماء!". فعل التعجب "أجمل" دائماً بعده الفاعل مستتر وجوباً ولا يجوز أن يظهر. شيء عظيم "أجمل"، هو السماء. "ما أجمل السماء!"، "ما أكرم زيداً!". يقولون دائماً الفاعل مستتر وجوباً.
اسم فعل الأمر، لأنه أسماء الأفعال تعمل عمل الأفعال، تأخذ فاعلاً ومفعولاً به مثلها مثل الفعل. اسم فعل الأمر، دائماً فاعلها مستتر وجوباً. ستة: اسم فعل المضارع، أسماء الأفعال التي تدل على مضارع مثل: "أُفٍّ" بمعنى أتضجر، و"وَيْ" بمعنى أتعجب. أيضاً اسم فعل المضارع دائماً فاعله مستتر وجوباً. أما اسم فعل الماضي مثل: "يرحمك الله"، يستطيع أن يرفع الاسم الظاهر. "هيهات هيهات ما توعدون"، "هيهات" اسم وصول فاعله اسم ظاهر. فهيهات اسم فعل ماضٍ بمعنى بَعُدَ. أسماء الأفعال الماضية تقوى على رفع الأسماء الظاهرة، فمتى ما استتر الضمير فيها يكون مستتراً جوازاً. لذلك قيدنا اسم فعل الأمر واسم فعل المضارع.
إيش بقي علينا الآن؟ ستة، صح؟ سبعة، هذا ظاهر عندك في الكاميرا، سبعة. نكتبه هنا، سبعة. يجب أن نشتري أقلاماً جديدة يا مشافيف، نجمع تبرعات. سبعة، إيش هي؟ أفعال الاستثناء. وهي: "خلا"، "عدا"، "حاشا"، "لا يكون"، و"ليس". طبعاً "ليس" و"لا يكون" عندما تُستخدم في أسلوب الاستثناء. المهم الآن أن تعرف القضية كاملة، لكن يهمني أن تكتب حتى عندما تدرسها إن شاء الله تفهم أفعال الاستثناء: "خلا"، "عدا"، "حاشا"، "لا يكون"، و"ليس". هذه الأحبة لما تُستخدم في الاستثناء على أنها أفعال، لأنه سيأتي معنا أن "خلا" و"عدا" ممكن تُستخدم حروفاً وممكن تُستخدم أفعالاً. باختصار: "خلا"، "عدا"، "حاشا"، "لا يكون"، "ليس"، لما تكون أفعال استثناء دائماً يكون فاعلها ضميراً مستتراً وجوباً، لا يجوز. وعندما ندرس أفعال الاستثناء وأسلوب الاستثناء ستفهم هذا الكلام وتتذكره إن شاء الله.
السبعة، الضبط الثامن: المصدر الذي يعمل عمل فعله، أي الذي ينوب عن فعله، مثل: "ضرباً زيداً" يعني اضرب زيداً، "فضرب الرقاب". المصدر الذي يعمل عمل فعله، الذي يقوم مقام فعله. فهذه المواضع الثمانية أيها الأحبة يكون الفاعل فيها مستتراً وجوباً، لا يمكن أن ترفع الأسماء الظاهرة. هذه العوامل لا تستطيع أن ترفع الأسماء الظاهرة، احفظها ولونها، هناك خلاف في بعض العوامل، لكن ما في الخلاف، فاعتبره ضميراً مستتراً وجوباً، لكن اعتبر أنت هذه العوامل الثمانية.
جميل، انتهينا الآن من الضمير المستتر؛ نوعيه: المستتر جوازاً والمستتر وجوباً. انتهينا من الضمير المستتر، نذهب إلى الضمير البارز أيها الأحبة. ينقسم الضمير البارز إلى قسمين: ضمير بارز متصل، وضمير بارز منفصل. الضمير البارز المتصل يكون متصلاً ببنية الكلمة، لا يكون مستقلاً بنفسه. والضمير البارز المنفصل هو الذي ينفصل ويستقل بنفسه عن الكلمة، يستطيع أن يقوم بنفسه وحده، لا يحتاج أن يتصل بكلمة سابقة له، فلذلك سمي منفصلاً. إذاً المتصل لا يستقل عن الكلمة، يحتاج دائماً إلى كلمة قبله يتصل بها، والمنفصل يستقيم وحده ولا يحتاج إلى كلمة يتصل بها.
نبدأ بالمتصل. الضمير البارز المتصل يمكن أن يكون ضمير رفع، ويمكن يكون ضمير نصب، ويمكن يكون ضمير جر. إذا كان ضمير رفع عندنا قسمين: ضمير رفع متحرك، وضمير رفع ساكن. ما هي ضمائر الرفع المتحركة؟ هذه حكيناها عندما تكلمنا عن الفعل الماضي، وهي التاء بأنواعها الثلاثة: "ضربتُ"، "ضربتَ"، "ضربتِ"، بثلاث حركات، ونون النسوة، ونا الفاعلين. أما ضمير الرفع الساكن، فما هو؟ هي الألف (ألف الاثنين)، وواو الجماعة، وياء المخاطبة للأنثى التي تدخل على الأفعال الخمسة: "تضربون"، "تضربان"، "تضربين". اكتبوا جنبها ألف الاثنين حتى تفهموا: الألف، والواو، وياء المخاطبة. قيد لي ياء المخاطبة حتى لا تخطئ مع ياء المتكلم، لأن ياء المتكلم تأتي نصب وجر فقط، ما تأتي رفع.
إذاً، الضمائر البارزة المتصلة للرفع عندي: إما ضمير رفع متحرك وهي التاء بأنواعها الثلاثة ونون النسوة ونا الفاعلين، وإما ضمائر رفع ساكنة: ألف الاثنين، وواو الجماعة، وياء المخاطبة. أما الضمائر المتصلة المنصوبة والمجرورة فهي واحدة. قال ابن مالك في الألفية: «وضمائر البارزة المتصلة منصوبة أو مجرورة هي الكاف والهاء ويا المتكلم». تكون منصوبة إذا كان عاملها نصباً، وتكون مجرورة إذا كان عاملها جراً؛ إذا كان حرف جر تكون مجرورة، وإذا كانت "إن وأخواتها" تكون منصوبة إذا كانت اسماً لها. الذي يحدد أنها منصوبة أو مجرورة هو العامل قبلها، لكن المهم أنها ثلاثة: الكاف، والهاء، والياء (ياء المتكلم وليس المخاطبة). الآن بقي علينا... أيها الأحبة، هذا الضمير يُستخدم ضمير رفع، وضمير نصب، وضمير جر.
للرفع والنصب والجر، ما بتصلح للثلاثة. تستخدم أحياناً ضمير رفع وتأتي فاعلاً، وتستخدم أحياناً ضمير نصب، وتستخدم ضمير جر مرة؛ بنا. ما في مشكلة، مجرد بحرف الجر. فنا ضع لي إياها وحدة. تستخدم رفعاً ونصباً وجراً للجميع، هيك إحنا الحمد لله عددنا لكم الضمائر المتصلة، هاي هي الضمائر المتصلة؛ احفظها ترتاح في دراستك وفي تطبيقك في إعرابك.
إخوانا، إحنا الآن نعاني من طلبة علم ما بيفرقش بين ياء المتكلم وياء المخاطب، ومش عارف شو الضمائر المتصلة والمنفصلة، وضايع في الإعراب؛ لأنه ما ضبط هذا التقسيم ابتداءً. وين ما تحطه سيبقى ضائعاً تائهاً، من ضبط هذا التقسيم لما يأتي إلى الناحية الإعرابية التطبيقية خلص عنده مباشرة فلترة. مستحيل يعرب الكاف أو الهاء أو ياء المتكلم أنها فاعل، يعني أعجبني، بعض الطلاب يقولون: يا فاعل! طب مش كده؟ لأنه أنت ما بتعرف أنه الياء المتكلم مستحيل تكون فاعل؛ ياء المتكلم يا منصوبة يا مجرورة، كيف بدها تكون فاعل مرفوع؟ فإذاً قطعاً «أعجبني» الياء دائماً مفعول به مقدم، وهذا نوع الوقاية. فإذاً المهارات هذه أيها الأحبة والقواعد تخرج من أصول متقنها الطالب ومتشرب لها تماماً.
نذهب إلى البارز المنفصل. الضمير البارز المنفصل له موضعان فقط، إيش هم؟ إما أن يكون مرفوعاً وإما أن يكون منصوباً. ولا يوجد ضمير منفصل مجرور، جميل؛ إما رفع أو نصب. طيب يلا، إيش ضمائر المنفصلة المرفوعة؟ هاي درسناها في الآجرومية. للمتكلم اثنين: أنا ونحن، وللمخاطب خمسة: أنتَ وأنتما وأنتم وأنتن، وللغائب خمسة: هو وهي وهما وهم وهن. وهذه تبعيتها هي صيغ الرفع، إذا أصبحت ضمائر منفصلة منصوبة بتتحول الصيغ هاي؛ فللمتكلم اثنين: إياي وإيانا، وللمخاطب خمسة: إياكَ وإياكِ وإياكما وإياكم وإياكن -طبعاً ذكرنا ابن هشام في الشرح- وللغائب خمسة: إياه وإياها وإياهما وإياهم وإياهن. فإذاً ضمائر المنفصل المرفوعة اثنا عشر، وضمائر المنفصلة المنصوبة اثنا عشر: اثنين متكلم، خمسة غائب، وخمسة مخاطب. مرفوعة أو منصوبة ما عنا مشكلة بهذا التقسيم أيها الأحبة.
نكون أنهينا الكلام عن الضمائر بأقسامها، باقي علينا فقط قاعدة أخيرة في الضمائر نذكرها بعد أن نقرأ ما قاله ابن هشام. قال ابن هشام رحمه الله عليه: «وأما البارز فإنه ينقسم بحسب الاتصال والانفصال إلى قسمين: متصل ومنفصل. فالمتصل الذي لا يستقل بنفسه، أي يحتاج كلمة سابقة له يتصل بها، كـ (قمتُ)، والمنفصل هو الذي يستقل بنفسه كـ (أنت وهو). وينقسم المتصل بحسب مواقعه من الإعراب».
لاحظوا بحسب التقسيمات مهم أن يتقن الطالب هي باعتبار ماذا؟ أن يتقن باعتبار ماذا؟ الإعراب إلى ثلاثة أقسام: مرفوع المحل -لاحقاً المحل ليش قال المحل؟ لأنه الضمائر من الأسماء المبنية، والمبنيات الأسماء المبنية لها محل من الإعراب، لا تكون مرفوعة بذاتها أو مقدرة الإعراب عليها، لا يكون يا رب محلي- ومنصوبة ومخفوضة. فالمرفوع هو ما قسم لك إيش المرفوعات؟ أنا حاولت أني أجمع لك كلياتها وما ذكر ما حصل هون. قال المرفوع: ذكر مثال (كتائبُ قمتُ) فإنه فاعل، ومنصوبه (كـ كافي أكرمك) فإنه مفعول، ومخفوضه (كـ هاء غلامه) فإنه مضاف إليه. لكن أنت اكتب هذا التقصير اللي ذكرته على السبورة حتى تحصر وتنتهي من الموضوع.
وينقسم المنفصل بحسب مواقعه في الإعراب إلى مرفوع الموضع ومنصوب الموضع. في المرفوع اثنتا عشرة كلمة: أنا ونحن، وأنت وأنتما وأنتم وأنتن، وهو وهي وهما وهم وهن. ومنصوبة اثنتا عشرة كلمة أيضاً: إياي وإياك وإياك وإياكما وإياكم وإياكن، وإياه وإياها وإياهما وإياهم وإياهن. فهذه الاثنتا عشرة كلمة لا تقع إلا في محل النصب. طبعاً أكثر النحاة على أن الضمير هو فقط «إيا» وما بعد «إيا» من كاف أو هاء أو ياء أو نا، فهذه كلياتها فقط قرينة لطبيعة الشخص، هل هو متكلم أو مخاطب أو غائب؟ لكن تسهيلاً على الطالب، لو اعتبر لكل ضمير ما عندي مشكلة، لكن التحقيق أنه الضمير هو فقط «إيا»، وما بعد «إيا» هو فقط إشارات.
كما أن تلك الأولى التي هي (أنت وأنا) لا تقع إلا في محل رفع؛ تقول: أنا مؤمن، أنا محل رفع لأنها مبتدأ صح؟ ومبتدأ حكمه الرفع. وما (إياك أكرمت)، إيش إعراب إياك أكرمت؟ زي «إياك نعبد»، إيش إعراب إياك؟ مفعول به مقدم وضع في محل نصب مفعول به مقدم، والمفعول حكمه النصب ولا يجوز أن يعكس ذلك. فلا تقولوا: «إياي مؤمن». يعني هل في «إياي مؤمن»؟ المثال الأول بدل «أنا مؤمن»، اجعل «إياي» ضمير رفع، لا، لأنه «إياي» ضمير نصب لا يصلح مبتدأ. وكذلك في «إياك أكرمت»، لا يصلح أن أقول بدل إياك اجعل ضمير رفع، أنت أكرمته. لا يصلح لأنه أنت هنا ركز شوي، أنت أكرمت، أقول «إياي أكرمت» ما أقول «إياي» مبتدأ، لكن لو قلت «أنت أكرمته» هنا أكرمت أخذ مفعولها. فإنتم نعم تصلحوا على أنها مبتدأ.
بسم الله، قال بعد ذلك: «فقس الباقي». قال: «وليس في الضمائر المنفصلة وهو مقصود الموضع بخلاف المتصلة». طيب الآن سيعطي قاعدة. القاعدة تقول عند النحاة فيما يتعلق بالضمير المتصل والمنفصل: إذا أمكن الإتيان بالضمير المتصل في جملة، لا يجوز العدول إلى الضمير المنفصل، وفي الاختيار لا يجيء المنفصل إذا أمكن أن يجيء المتصل. هذه قاعدة ذكرها ابن هشام وذكرها النحاة. لا يجوز استخدام الضمير المنفصل مع إمكان الإتيان بالضمير المتصل.
قال قاعدة: «ولما ذكرت أن الضمير ينقسم إلى متصل ومنفصل، أشرت بعد ذلك إلى أنه مهما أمكن أن يؤتى بالمتصل، أي بالضمير المتصل، فلا يجوز العدول عنه إلى المنفصل». هذه قاعدة تضع تحتها خط. لا تقول: «قام أنا»، ليه؟ بصير أحكي «قمتُ»، صح؟ إذاً ما بصير أعدل من الضمير المتصل (التاء) إلى الضمير المنفصل (أنا)، مع أنه إياها ضمير رفع، لكن بستطيع أستخدم المتصل، لا أأتي بالمنفصل، فأقول «قمتُ»، ولا تقول العرب «قام أنا»، لا تقولها العرب، حتى أنت نفسك «قام أنا» يعني مش زابطة.
طيب، وأنا أكرمت إياك، ما بصير أحكي «أكرمت إياك» لأني أستطيع أن أقول «أكرمتك». لماذا تعدل من اللي هي الضمير المتصل إلى الضمير المنفصل «إياك»؟ «أكرمت إياك» لتمكنك من أن تقول في الأولى «قمتُ» وفي المثال الثاني «أكرمتك». بخلاف قولك: «ما قام إلا أنا»، هون الحصر، وجود أسلوب الحصر أمن إمكانية الإتيان بالمتصل؛ ليه؟ لأنه الضمير المتصل فلسفته أنه يحتاج إلى شيء يتصل به، وهنا أداة الحصر «إلا» وقعت بين الفعل وبين فاعله.
وقعت بين الفعل وبين فاعله، فالفاعل ضمير، وعندي فعل قبله وأداة الحصر وقعت بينهما. فحانت أداة الحصر عن الإتيان بالضمير المتصل؛ لأنه بماذا سيتصل الضمير المتصل الآن وقد أبعدت الضمير عن فعله؟ فبماذا سيتصل؟ هل يجوز أن أقول: «ما قام إلا»؟ لا، لا أستطيع إلا أن آتي بضمير متصل، ولكن التاء لازم عامل قبلها يتصل بها، فاضطر هنا أن أقول: «ما قام إلا أنا»، فأنا فاعل.
لماذا لا نقول: «ما قام إلا ته»؟ لأنه هنا لا يستطيع الضمير المتصل أن يستقل بنفسه، لا يستطيع أن يكون هكذا لحاله في الهواء موجود، لا بد له من كلمة يتصل بها. فإذا تعذر الإتيان بالضمير المتصل تعين الإتيان بالضمير المنفصل، مثل أسلوب الحصر: «وما أكرمت إلا إياك». الجملة كانت: «أكرمتك»، فلما أصبح في عنده أسلوب حصر: «ما أكرمته إلا إياك»، لا أستطيع أن أقول: «ما أكرمته إلا كه»، فهنا أنا مضطر أن أحول الضمير المتصل إلى ضمير منفصل يستطيع أن يستقل بنفسه، فأقول: «ما أكرمت إلا إياك»، فإن الاتصال هنا متعذر لأن أداة الحصر منعت منه، فلذلك جيء بالمنفصل.
إذا فهمنا القاعدة: متى ما أمكن الإتيان بالمتصل لا يجوز العدول إلى المنفصل، ومتى تعذر الإتيان بالمتصل يجب العدول إلى المنفصل. أعطيكم مثالاً آخر، إذا أردت أن تأتي بضمير مبتدأ، فهل يلزمني أن آتي بضمير متصل؟ هل يمكن أن آتي بضمير متصل مبتدأ؟ لا، لا يمكن. لو قلت: «ته قائم»، ضمير متكلم، لا نستطيع، لأن الضمير المتصل لا توجد كلمة يتصل بها، فأنا مضطر أن آتي بضمير منفصل فأقول: «أنا قائم»؛ لأن الابتداء لا يكون بالضمير المتصل، لا يجوز ولا يمكن الابتداء بالضمير المتصل، فحينئذ أضطر أن أعدل إلى الضمير المنفصل.
لكن هذه القاعدة لها استثناء، وهو أنه يجوز العدول عن المتصل إلى المنفصل. قال: «ثم استثنيت من هذه القاعدة سورتين، يجوز فيهما الفصل مع التمكن من الوصل». ما هما هذان الاستثناءان؟
ضابط الاستثناء الأول: ذكر ابن هشام فائدة، وهي أن الضمائر لها تقسيم آخر. الضمير هو أعرف المعارف، والضمائر في داخلها تقسيم من حيث المعرفية أيضاً. الضمير المتكلم ثم ضمير المخاطب ثم ضمير الغائب؛ فالضمير هو بنفسه أعرف المعارف بعد لفظ الجلالة، وفي داخله تقسيم أيضاً من حيث القوة.
أما ضابط الاستثناء الأول فهو: يجوز العدول إلى المنفصل مع إمكان المتصل؛ بشرط أن يكون الضمير الثاني من ضميرين، أولهما أعرف من الثاني وليس مرفوعاً. نحو: «سلميه» و«خلتك»، يجوز أن تقول: «سلني إياه» و«خلتك إياه».
عنا أفعال تنصب مفعولين، منها أفعال القلوب، وهي: «علم» التي بمعنى تيقن، و«رأى» التي بمعنى تيقن، و«حسب»، و«خال» إلى آخرها، وتسمى أفعال القلوب، وبعضهم يقسمها إلى أفعال جزم وأفعال رجحان. وعنا أفعال الصيرورة مثل: «صار» و«جعل» التي بمعنى صار واتخذ، وأفعال المنح والعطاء مثل: «وهب» و«كسى» و«أعطى».
هذه الأفعال عندما تنصب مفعولين، يمكن أن يكون كلاهما ضميراً؛ المفعول به الأول ضمير والمفعول به الثاني ضمير. إذا نصبت هذه الأفعال مفعولين، وكان الأول أعرف من الثاني، كأن يكون الأول متكلماً والثاني مخاطباً، أو الأول متكلماً والثاني غائباً. في هذه الحالة، إذا كان المفعول به الأول أعرف من الثاني، يجوز أن يتصل الضمير الثاني بالفعل، ويجوز أن ينفصل.
مثال ذلك من أفعال الرجحان: «خلتك»، ولو قلت «خلتك إياه»؛ الكاف مفعول به أول والهاء مفعول به ثاني. الكاف للمخاطب والهاء للغائب، فالأول أعرف من الثاني. في هذا المثال يجوز أن تصل الثاني بالفعل فتقول: «خلتك»، ويجوز أن تفصل فتقول: «خلتك إياه»، فقد عدلت عن الضمير المتصل إلى المنفصل مع إمكانية استخدام المتصل لأنه سُمع عن العرب هكذا.
مثال آخر من أفعال المنح والعطاء: «أعطيتكه»، يجوز أن نقول: «أعطيتك إياه». وإذا أردت استخدام ياء المتكلم: «أعطيتني إياه»، الياء مفعول به أول والهاء مفعول به ثاني. وإذا كان الأول متكلماً والثاني مخاطباً، مثل: «أعطيتني إياك»، يجوز أن تقول: «أعطيتني» و«أعطيتني إياك»، لأن الأول متكلم والثاني مخاطب.
والأغرب من الثاني، فإذا قال ابن هشام -ونعود إلى ابن هشام حتى نفسر-: «ضابط الأولى أن يكون...». دخل مباشرة في العمق. أنتِ تريدين التفصيل، وتحتاجين أن تقولي: هناك أفعال تنصب مفعولين، فإذا كان الفعل ينصب مفعولين، والضمير الثاني؛ أن يكون الضمير الثاني؛ يعني هذا الفعل ينصب المفعولين كأن يكونا ضميرين، الأول ضمير والثاني ضمير، وثاني الضميرين هو المفعول به الثاني.
يتكلم الآن عن الضمير الذي يجوز وصله وفصله، لذلك حدد الكلام فيه مباشرة: أن يكون الضمير الذي أريد أن أفصله مع إمكانية وصله، يكون ثاني ضميرين، هو الثاني؛ كما قلت لكم، المفعول به الثاني. ثاني ضميرين، أولهما أعرف من الثاني. هو خلص بهذه الصيغة: «الضمير الذي يجوز أن تفصله مع جواز وصله يكون ثاني ضميرين، أولهما أعرف من الثاني».
أعرف منه، كما مثلت لكم على السبورة، ثاني ضميرين أولهما أعرف من الثاني. وليس اكتبوا: «وليس الضمير الأول مرفوعًا»، لأن الطالب يقول: «وليس مرفوعًا»، بل ليس الأول مرفوعًا ولا الثاني. ليس الضمير الأول مرفوعًا؛ لأنه أيها الأحبة، لو كان عندي فعل مثل «أكرمتك»، كم ضميرًا فيه؟ في «أكرمتك» ضميران، لكن الضمير الأول ليس ضمير رفع. ففي «أكرمتك» لازم الوصل، لا يصير أن أقول «أكرمت إياك». تقول: يا شيخ، ضميران، وأولهما أعرف من الثاني (أول متكلم والثاني مخاطب)، أقول: بقي القيد الأخير، ليس لازمًا أن يكون الضميران منصوبين.
الضميران منصوبان، فالأول هنا جاء مرفوعًا في «أكرمتُك»، صح؟ فيه ضميران لكن الأول رفع والثاني نصب، فما ينفع، لازم الوصل. ضابط القاعدة: الضميران كلاهما في حالة نصب، لذلك قال: «وليس الأول مرفوعًا»، أي ليس الأول مرفوعًا. هكذا اكتملت عندنا الضوابط: الضمير الذي نريد وصله وفصله يكون ثاني ضميرين، أولهما أعرف من الثاني، أي الذي قبله أعرف منه، وليس الأول مرفوعًا.
نحو «سلنيه» و«خلتكه»، يجوز أن تقول فيهما: «تسلني إياه» و«خلتكه إياه». وإنما قلنا الضمير الأول في ذلك أعرف من الثاني، لأن ضمير المتكلم أعرف من ضمير المخاطب، وضمير المخاطب أعرف من ضمير الغائب، لأنه لم يكن موطئًا لهذه المعلومة، ذكرها الآن تبعًا؛ لكي تعرف هذه المعلومة، يريد أن يقول لك إن الضمائر أيضًا في تعريفها، على قوتها، على درجات: المتكلم، ثم المخاطب، ثم الغائب.
إذًا هذه هي ضابط المسألة الأولى: الأفعال التي تنصب مفعولين وكان المفعولان ضميرين، وكلاهما ضمير، والثاني عفواً، بل الأول أعرف من الثاني وليس الأول مرفوعًا، يعني الأول منصوب، واضح أيها الأحبة؟ فهنا يجوز في الثاني، أي الضمير الذي يجوز وصله وفصله هو الثاني فقط، وليس الأول؛ الضمير الأول مفعول به أول يبقى متصلًا، والمفعول به الثاني هو الذي يجوز وصله وفصله، مثل «خلتكه إياه».
طيب، ضابط الحالة الثانية التي يجوز فيها الوصل والفصل، قال: «أن يكون الضمير خبرًا لكان أو إحدى أخواتها»، أن يكون الضمير خبرًا لكان أو إحدى أخواتها، سواء كان مسبوقًا بضمير أم لا. فالحالة الثانية أيها الأحبة، في «كان» وأخواتها، إذا كان خبر «كان» ضميرًا، سواء كان اسم «كان» ضميرًا أو كان الاسم ظاهرًا، المهم أن خبر «كان» جاءه ضمير، بغض النظر هل كان اسم «كان» ضميرًا أم لا.
في هذه الحالة الثانية لا نشترط وجود ضميرين متتاليين، فقط أن يكون خبر «كان» أو إحدى أخواتها ضميرًا. فإذا كانت هذه الحالة أيها الأحبة، يجوز أن أفصل خبر «كان»، هذا الضمير، وأحوله من ضمير متصل إلى منفصل، ويجوز أن أصله وهو الأصل. فنقول مثلاً -وما هو المثال الذي أتى به؟- «الصديق كنته»، ليس مبارح استشكلت عليكم «كنته»، هو جاب لكم إياه: «الصديق كنته». «كنتُ» هنا، أين اسمها؟ التاء، صح؟ وأين خبرها؟ الهاء. هذه الهاء يجوز أن أقول فيها على الوصل «كنته»، ويجوز أن أفصلها فأقول: «الصديق كنتُ إياه»، أحولها من متصل إلى منفصل، وهو رئيس «كان»، ضمير أيضًا.
نأتي لحالة اسم «كان» فيها لا اسم ظاهر: «الصديق كأنه زيد»، زيد هنا اسم «كان» مؤخر، والهاء المتصلة بـ«كأن» خبر «كأن» مقدم. في هذه الحالة يجوز أن أقول: «الصديق كأنه زيد»، فأفصل الهاء بـ«كأن» مباشرة ويكون خبرًا مقدمًا، ويجوز أن أقول: «الصديق كان زيدًا إياه»، وأحول الهاء إلى ضمير منفصل. لاحظوا إمكانية الاتصال واجب وموجودة، لكن العرب سمعنا عنها هذا وهذا؛ فيجوز أن تقول: «الصديق كأنه زيد»، ويجوز أن تقول في «الصديق كنته»: «الصديق كنتُ إياه»، و«الصديق كان إياه زيد». يعني يجوز أن تقول «كان إياه زيد» ويجوز أن تقول «كان زيدًا إياه»، ما في مشكلة بغض النظر أين وضعت الضمير المنفصل، لكن يجوز أن تحول الضمير المتصل إلى منفصل. إذًا الحالة الثانية في «كان» وأخواتها: إذا كان الخبر ضميرًا باختصار، يجوز وصله وفصله.
طيب، ما الأرجح؟ سيتكلم في قضايا الرجحان، قال: «واتفقوا على أن الوصل أرجح في الصورة الأولى». في الحالة الأولى، الضابط الأول الذي هو الفعل الذي ينصب مفعولين، وثانيًا أو الأول أعرف من الثاني، في الحالة الأولى اتفقوا على أن الأرجح هو الوصل، ولكن وضع شرطًا، ما هو؟ بسم الله.
الآن أنا قسمت لكم الأفعال التي تنصب مفعولين إلى أقسام، صح؟ قلت لكم هناك أفعال القلوب التي تدل على «أعتقد من قلبي» أو «ظن قلبي» أو «علم» التي بمعنى تيقن، و«رأى» التي بمعنى تيقن، ودرسناها في الآجرومية: «حسب»، و«خال»، و«ظن»، هذه أفعال القلوب. اتفقوا على أن الوصل أرجح في الصورة الأولى إذا لم يكن الفعل قلبيًا، أما إذا كان الفعل قلبيًا فاختلفوا. والطالب يستعجل في القراءة بقوله: «اتفقوا إذا كان الفعل قلبيًا»، لا، بل يقول: «اتفقوا إذا لم يكن الفعل قلبيًا».
فإذا لم يكن الفعل قلبيًا، ماذا يكون؟ إما من أفعال المنح والعطاء، وإما من أفعال السيرورة. أفعال المنح والعطاء مثل: «كسوتك»، «وهبتك»، «أعطيتك». أفعال السيرورة مثل: «سيرته»، «جعلته»، «اتخذته». أفعال السيرورة وأفعال المنح والعطاء التي تنصب مفعولين اتفقوا فيها على أن الأرجح هو الوصل، ولذلك لم يأتِ في التنزيل إلا به؛ يعني في القرآن الكريم ما جاءت إلا متصلة مفعولاتها الاثنين، قوله تعالى:
﴿أَن يَسْأَلُوكُمُوهَا فَسَيَكْفِيكُمُ اللَّهُ﴾. لاحظوا «يسألكُموها»، الضمير فاشبعت ضمة الميم فتحولت إلى واو، فصارت «يسألكموها». أين جاءت الواو؟ جاءت من إشباع ضمة الميم. بعد ذلك جاء الضمير المفعول به الثاني: «يسألكموها».
«فسيكفيكُم الله»، الكاف الثانية هي الضمير، وهي المفعول به الثاني. ونلزمكموها، نفس الشيء: «نلزمكموها». ولاحظوا وجود الضابط الأول، إذا كان الأول أعرف من الثاني، واختلفوا إذا كان الفعل قلبياً؛ إذا كان الفعل قلبياً مثل «خلتُك» و«ظننتُك»، فما الوضع أيها الأحبة؟
اختلفوا هنا إذا كان الفعل قلبياً، واختلفوا أيضاً في المسألة الثانية إذا كان هو إحدى أخواته، فهذه محل خلاف. الجمهور على أن الفصل أرجح. ماذا يقول ابن مالك؟ «وصل أو افصلها أسْلِه وما أشبهه في كنت هل خلف تمة قالت اشغل بعد ذلك كذاك خلتنيه»، واتصال اختار غير الانفصال.
الجمهور ماذا قال ابن هشام؟ الجمهور اختار الفصل، فالفصل في أفعال الرجحان وفي «كان» هو الأرجح. وأما ابن مالك في كل مصنفاته فاختار الوصل في «كان»، قدّر الوصل الأرجح في «كان»، واختلف رأيه في أفعال القلوب؛ فمرة وافق الجمهور في إحدى مصنفاته، وفي مصنفات أخرى خالف الجمهور.
في النهاية، حقيقة أنت كطالب علم في هذه المرحلة لا يهمك تحقيق أي الأوجه أرجح وأي الأوجه ليس بأرجح، يهمك أن تعرف أن الأوجه جائزة في الضابط الأول والضابط الثاني. يهمك تعرف الحاجة التي اتفقوا فيها على أن الوصل أرجح، وهي أفعال المنح والعطاء وأفعال السيرورة.
أما الخلاف الواقع بينهم في أفعال القلوب وفي «كان» هذا خلاف بما أنه إذا بكينا الوجهان جائز، ما عندي مشكلة، اختر هذا أو اختر هذا. كذا نكون قد انتهينا من هذا الوقت، ويكفي إن شاء الله في هذا المقام.
هكذا يكون الكلام عن الضمير. عرفنا الضمائر بتقسيماتها التي من المهم أن يضبطها طالب العلم. عرفنا القاعدة الأخيرة أنه لا يجوز العدول إلى المنفصل مع إمكان المتصل إلا في مثالين؛ الضابط الأول: الأفعال التي تنصب مفعولين وكان الأول أعرف من الثاني، والحالة الثانية: في «كان» وأخواتها إذا كان الخبر ضميراً.
ندرس إن شاء الله في الدرس القادم العلم واسم الإشارة، ونبدأ تباعاً في نحاول ننهيها في أقرب وقت، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل