دخولتسجيل الدخول

المحاضرة 17 - جوازم الفعل المضارع

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، ومحجة للسالكين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.

حياكم الله أيها الأحبة في مجلس جديد نعقده في شرح كتاب قطر الندى وبل الصدى للإمام ابن هشام الأنصاري رحمه الله عليه. وقد انتهينا بحمد الله في المجلس الماضي من الحديث عن نواصب الفعل المضارع. إذاً ابن هشام الآن يحيى معنا ويأخذنا في رحلة مع الفعل المضارع.

عرفنا أن الفعل المضارع الأصل فيه أنه مرفوع، ورفعه بعامل معنوي هو التجرد من الناصب والجازم على ما اختاره ابن هشام وقول الفراء وطائفة، فالحالة الأصلية للفعل المضارع أنه مرفوع حتى يدخل عليه ناصب أو جازم؛ لأنه هو الذي يرفع الفعل المضارع: تجرده من الناصب والجازم. إذاً إذا دخل عليه عامل نصب أو عامل جزم لن يكون مرفوعاً، لذلك بعد أن أعطاك حالة الرفع للفعل المضارع انتقل مباشرة بعدها إلى ذكر عوامل النصب التي تدخل في الفعل المضارع، ثم سيختم بذكر عوامل الجزم التي تدخل على الفعل المضارع.

انتقلنا إذاً إلى نصب الفعل المضارع، وعرفنا أن الفعل المضارع له نواصب أربعة في الحقيقة، هي: «لن» وتعمل بدون شرط، و«كي» وتعمل بشرط أن تسبق بلام التعليل ظاهرة أو مقدرة، وتعمل بثلاثة شروط: أن تكون مصدرية، والفعل بعدها للمستقبل، وألا يفصل بينها وبين الفعل فاصل سوى القسم. ثم انتقلنا إلى أم الباب، وعرفنا أن «أن» هناك: «أن» التفسيرية، و«أن» الزائدة، و«أن» المصدرية. وعرفنا أن «أن» المصدرية تنقسم إلى قسمين: هناك «أن» المصدرية المخففة، وهي «أنْ» وهذه تلحق بباب «إنَّ» وأخواتها كما سيأتي معنا إن شاء الله، وهناك «أن» المصدرية الناصبة للفعل المضارع، وهذه هي المقصودة هنا. متى تكون «أن` هي المخففة ومتى تكون «أن» هي الناصبة؟ على التفصيل لا أريد أن أطيل الآن، فدخل مباشرة في «أن» الناصبة.

عرفنا أن «أن» الناصبة للمضارع أيها الأحبة لها ثلاثة أحوال: إما أن تظهر وجوباً، وإما أن تضمر جوازاً، وإما أن تضمر وجوباً. متى تظهر وجوباً؟ إذا وقعت بين لام الجر و«لا» بعدها، سواء كانت «لا» نافية أو زائدة، إذا وقعت الآن بينهما؛ وهو باختصار «لئلا». متى تضمر جوازاً؟ في صورتين: إذا عطفنا الفعل المضارع على اسم خالص، وعرفنا معنى الاسم الخالص: المصدر أو المشتق، إذا عطفنا فعلاً مضارعاً على اسم خالص بالواو أو الفاء أو ثم أو أو، في هذه الحالة ينصب الفعل المضارع بـ«أن» مضمرة جوازاً. الحالة الثانية لإضمار «أن» جوازاً: إذا اتصلت «لا» بجَر الفعل المضارع مباشرة ولم تسبق بكون منفي. فهنا هذه اللام الجارة في الحقيقة لم تدخل حقيقة على هذا الفعل المضارع؛ لأن اللام لا تدخل على الأفعال، وإنما نقول: الفعل المضارع منصوب بـ«أن» مضمرة جوازاً والمصدر المؤول مجرور بلام الجر. هذا هو المحل الثاني لإضمار الجوازاً.

بعد ذلك انتقلنا إلى محلات إضمار «أن» وجوباً، فذكر ابن هشام خمس حالات بالنص وذكر سادسة تبعاً. الخمس حالات التي يُضمر فيها «أن» وجوباً هي: ما سبق بكون الماضي منفي، ثم «حتى» بالشرط الذي ذكره، ثم «إلى» إذا كانت بمعنى «حتى»، ثم «إلى» إذا كانت بمعنى «إلا»، ثم بعد فاء السببية بشرطها، وبعد واو المعية بشرطها. الحالة السادسة التي ذكرها في ثنايا الكلام «كي» الجارة، وهي التي لم توجد بعدها لام الجر، لا ظاهرة ولا مقدرة؛ «كي» الجارة أيها الأحبة، يبقى الفعل المضارع بعدها منصوباً لكنه يكون منصوباً بها مضمراً وجوباً أيضاً، فهذه حالة سادسة عليكم أن تضعوها. وهذا طبعاً في هذه الحالة السادسة ابن هشام تبع مدرسة البصريين، أنه هذه المسألة فيها خلاف بين البصريين والكوفيين كما أشرت إلى ذلك.

انتهينا إذاً من نواصب الفعل المضارع، واليوم ننتقل أيها الأحبة إلى جوازم الفعل المضارع حتى نغلق باب الفعل المضارع. وننتقل إلى ماذا؟ إلى باب أسماء نعيش معه الرحلة الأطول في هذا الكتاب. فقال ابن هشام رحمه الله في مطلع كلامه عن جوازم الفعل المضارع، وبنى كلامه في بداية الجوازم على ما انتهى به في بداية النواصب؛ ستتضح لكم معنى هذه الجملة. بنى كلامه في أول الجوازم على ما انتهى به الكلام في نهاية النواصب؛ لأن أول جازم سيذكره ابن هشام له علاقة بآخر ناصبين ذكرهما. ما آخر ناصبين ذكرناهما أيها الأحبة؟ الفاء السببية وواو المعية المسبوقة بطلب بالفعل أو نفي محض حتى قيدناه. الآن سينتقل للجوازم، ستشعر أن كلامه هنا في أول الجوازم له علاقة بآخر النواصب.

انظروا ماذا قال في المتن، قال أول كلمة في الجوازم: «فإن سقطت الفاء...». أنت قد تستغرب وتقول: أتحدث هذا باب الجوازم؟ أليس الأصل أن نبدأ بأن الجوازم على قسمين: جازم لفعل واحد؟ هيك تتوقع أنت أن تدخل في الجوازم، لكن لا، ابن هشام رحمه الله في المتن ما دخل بهذه الطريقة، لكن في الشرح لا، الحمد لله أنه أعطى مقدمة بعدين دخل. فماذا قال في المتن؟ قال: «فإن سقطت الفاء بعد الطلب وقصد الجزاء جزم، نحو قوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾، وشرط الجزم بعد النهي صحة حلول ألا محله، نحو: لا تدنُ من الأسد تسلم، بخلاف يأكلك. ويلزم أيضاً بلا، نحو: لم يلد ولم يولد. ولما، نحو: لما يقضي. وباللام، ولام الطلب، نحو: لينفق، ليقضي، لا تشرك، لا تؤاخذنا. ويجزم فعلين: إن، وإذ ما، وإن، وإذا، ومتى، ومهما، ومن، وحيثما، نحو: ﴿أَيًّا مَا يُوَافِكُمْ مِنْ سُوءٍ فَإِنَّ مِنْكُمْ قَوْمًا يَرُدُّونَ عَلَى أَيْدِيهِمْ﴾، ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾، ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾. ويسمى الأول شرطاً والثاني جواباً وجزاءً. وإذا لم يصلح لمباشرة الأداء قرن بالفاء، نحو: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾، أو بإذن الفجائية، نحو: ﴿وَإِنْ تَصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾».

طبعاً الطالب الآن لما يقرأ المتن بهذه اللغة يقول: هذا ما يعني صعب الأمور يا شيخ، لكن في الحقيقة الأمور سهلة جداً جداً، لكن عليك فقط إعادة ترتيب المعلومات وتسمع لشرح على هذا الكتاب تتضح كل هذه الأمور. لذلك أنا أقول: متن قطر الندى لا يصلح للطالب أن يدرس المتن فقط.

وجهة نظري أنه عقد دورة في المتن فقط يكون أثرها ضعيفًا، ففائدة هذا الكتاب في الشرح هو الذي هندسه ابن هشام هندسة واضحة، وبوب وقسم وفصل، فالاعتماد على شرح ابن هشام أكثر من المتن. أما المتن فمختصر جدًا، وابن هشام اعتمد فيه على إشارات يصعب على الطالب أن يتقن الكتاب من خلال قراءة المتن، لذلك أنا أقول للطالب حتى أثناء دراستك للقطر، لو مباشرة كنت تقرأ الشرح من دون الذهاب إلى المتن قد يكون جيدًا، لكن الأكمل أنك ترجع للمتن.

أحيانًا في الشرح يقول: «وكما ذكرت وكما أشرت»، يقصد في المتن، فبعض الكلمات في الشرح يحيلك فيها ابن هشام على المتن، لكن القيمة الحقيقية للكتاب في الشرح. لذلك ابن هشام الآن شف ماذا قال في الشرح، مهد وأعطى توقيعًا، قال في الشرح: «لما انقضى الكلام على ما ينصب الفعل المضارع، شرعت في الكلام على ما يجزم». واضح.

قال: «والجازم ضربان». الآن أيها الأحبة، جوازم الفعل المضارع كل كتب النحو تقسمها إلى قسمين: ما يجزم فعلًا مضارعًا واحدًا، يعني أدوات تجزم فعلًا مضارعًا واحدًا، وأدوات تجزم فعلين مضارعين. وهذه الأدوات التي تجزم فعلين مضارعين نسميها في علم النحو أدوات الشرط. فإذاً جوازم الفعل المضارع منها ما يدخل على فعل مضارع واحد وسندرسها أولًا، ومنها ما يدخل على فعلين مضارعين وهذه آخرًا إن شاء الله. جميل، فهذا التقسيم ينبغي أن يكون مستحضرًا عند طالب العلم؛ الجوازم على قسمين: ما يجزم فعلًا واحدًا وما يجزم فعلين.

نبدأ بالقسم الأول، قال: «فالجازم بفعل واحد خمسة أمور». الآن سيبدأ ابن هشام -رحمة الله عليه- بذكر العوامل الخمسة التي تدخل على الفعل المضارع على فعل مضارع واحد فتجزمه. ما هي هذه العوامل؟ الآن أنتم درستوا في الآجرومية بعض هذه العوامل أو أكثرها تجزم فعلًا واحدًا، ماذا درستوا؟ درستوا: لم، ولما، ولا الناهية، ولان الطلبية، وسنعيدها إن شاء الله. أربعة، وابن هشام -رحمة الله عليه- زاد خامسًا وهو: الطلب، وهو الذي بدأ به.

فما فلسفة الطلب؟ قال ابن هشام: «فالجازم لفعل واحد خمسة أمور، أولها الطلب». ما معنى الطلب يا ابن هشام؟ ما هو الطلب الذي يلزمه الفعل المضارع؟ قال ابن هشام: «وذلك أنه إذا تقدم لنا لفظ دال على أمر أو نهي أو استفهام أو غير ذاك من أنواع الطلب التي سبق ذكرها». لذلك قلت لكم بداية كتاب الجوازم يتعلق بنهاية ما تحدثنا عنه في النواصب. يقول لك: إذا تقدم لنا لفظ دال -يعني عنا في بداية الجملة- إحدى الألفاظ التالية.

باختصار، نحن قلنا في فاء السببية تسبق بماذا حتى تنصب الفعل المضارع؟ شرط نصب الفعل المضارع بعد فاء السببية أن تسبق إما بنفي أو بطلب طلبا بالفعل. الآن الطلب، دعونا من النفي، ماذا كان الطلب؟ الأمر، الدعاء، النهي، العرض، الحض، الاستفهام، التمني، الرجاء؛ هذه ثمانية جمعناها ببيت واحد: «مر وادعُ وانهَ وسل واعرض حبهم وتمنوا وارجوا»، ثم قال: «كذلك النفي قد كمل».

فإذا كان عندنا في بداية الجملة واحد من هذه الثمانية: أمر أو دعاء أو نهي أو استفهام أو عرض أو حض إلى آخره أو تمني أو رجاء، جاء بعده في الجملة فعل مضارع، هذا الفعل المضارع الآن ليس مقترنًا بفاء السببية، لكنه في هذا الفعل المضارع هو مسبب وناتج عن الطلب. الأصل لو كان هناك فاء ستكون للسببية، لكن أسقطنا فاء السببية، وبقي الفعل المضارع في النهاية مسببًا ونتيجة عن الطلب السابق بغض النظر أيًا كان الطلب.

فهذه شروط مهمة: عندنا أحد أنواع الطلب في بداية الجملة جاء بعده في الجملة فعل مضارع، هذا الفعل المضارع هو مسبب وناتج عن الطلب الذي في بداية الجملة، لكنه في هذه الحالة لم يقترن بالفاء. لو اقترن بالفاء كان انْتصب، الفاء السببية المسبوقة بإحدى أنواع الطلب فالفعل المضارع ينصب، لكن في هذه الصورة الفاء السببية ليست موجودة، معدومة. فماذا يحدث في الفعل المضارع؟

قال: «وذلك أنه إذا تقدم لنا لفظ دال على أمر أو نهي أو استفهام أو غير ذلك من أنواع الطلب الثمانية التي مر ذكرها، وجاء بعده» -أي بعد هذا الطلب، ليس المراد مباشرة، بل في سياق الجملة- «وجاء بعده فعل مضارع مجرد من الفاء»، هذا الشرط الثاني. أنت تحاول تقسيمها لشروط: شرط الطلب حتى يجزم الفعل المضارع أنه يكون هناك طلب في البداية، ثانيًا بعده فعل مضارع مجرد من الفاء، ثالثًا وقصد به الجزاء، يعني الفعل المضارع هذا المجرد من الفاء هو مسبب هو نتيجة هو جزاء -سمّه كما تشاء- عن الطلب الذي في بداية الجملة.

قال: «فإنه يكون مجزوماً حينئذ». إذا استكملنا هذه الشروط الثلاثة، فإن الضمير في «إنه» يعود على الفعل المضارع، فإن هذا الفعل المضارع يكون مجزوماً. وما الذي جزمه؟ سيركزون فيها: ما الذي جزمه؟ ما هو عامل الجزم؟ قال: «بذلك الطلب لما فيه من معنى الشرط». فابن هشام في كتاب قطر الندى اختار أن عامل الجزم هو نفس الطلب؛ لأن الطلب عنده في اختياره هنا عامل، لأنه تضمن معنى الشرط.

ثم اذهب إلى السبورة، قال: «ونعني بقصد الجزاء». الآن يريد أن يفسر الشرط الثالث، أنه لازم في هذا المضارع يكون نتيجة جزاء عن الطلب. ما معنى الجزاء؟ قال: «ونعني بقصد الجزاء أنك تقدره»، أي تقدر الفعل المضارع مسببًا، يعني ناتجًا مسببًا عن ذلك المتقدم، أي الطلب المتقدم. هذا معنى الجزاء، أن تقدره مسببًا عن ذلك المتقدم. التقدير المسبب هو مربط الفرس في جزمه؛ لأنه إذا لم نقدر الفعل المضارع سببًا عن الطلب المتقدم يرفع، انتهى الأمر، لا يجوز جزمه. فتقديره مسببًا مهم جدًا.

قال: «كما أن جزاء الشرط في الجملة الشرطية يكون مسببًا عن جملة الشرط، كما أن جزاء الشرط مسبب عن فعل الشرط». يعني افهم هذه، يريد أن يقول وهو يشبه جملة جواب الشرط المسببة عن جملة الشرط أو عن فعل الشرط، فهو ينظر.

هذه بهذي كما نقول، ممثل بالمثال الأول، وذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ﴾ [الأنعام: 21].

أيها الأحبة، بعض الطلاب يناسبهم أن يكونوا تابعين للسبورة أكثر، أنا في المسائل الجديدة في قطر الندى أسعى في أن لا تأصيل والتوسع في الحديث عنها، وهذه مسألة طالب لم تمر عليه في الآجرومية، فاحتاج أني أتوسع في الحديث. أما مثل "لم" و"لما" ولام الطلب ولا النهاية، فهذه مرة تم الحديث عنها، فالكلام عنها يكون سريعًا بإذن الله.

الجازم الأول للفعل المضارع هو الطلب. ما معنى الطلب؟ أو قيدناه بثلاثة شروط، ما هي؟ الشرط الأول أن يكون في مطلع الجملة، أحد أنواع الطلب الثمانية. الآن سأزيد فوائد انتبهوا عليها، أنواع الطلب الثمانية هي: الأمر، الدعاء، النهي، الاستفهام، العرض، الحض، التمني، والرجاء؛ أما النفي فليس معتبرًا. إذا كان في بداية الجملة نفي، فلا ينفع عندنا أن يجزم الفعل المضارع بعد النفي، وسنبين ذلك.

لماذا لا ينفع أن نجزم الفعل المضارع بعد النفي في فاء السببية؟ فاء السببية إما أن تسبق بنفي أو بطلب من أحد أنواع الطلب الثمانية. في حالة إسباق فاء السببية، الفعل المضارع يجزم بشرط أن يسبق بطلب فقط، أما إذا سبق بنفي فلا يجزم الفعل المضارع، وسيتضح لكم لماذا لا يجزم الفعل المضارع في حالة النفي.

إذاً، لا بد أن يكون في المطلع أحد أنواع الطلب الثماني: الأمر، الدعاء، النهي، الاستفهام، العرض، الحض، التمني، أو الرجاء. الآن في فاء السببية، ماذا قال ابن هشام؟ قال شرط فاء السببية حتى تنصب الفعل المضارع أن يكون الطلب بماذا؟ قال ابن هشام: فاء السببية إما أن تسبق بنفي محقق أو طلب بالفعل، فقيد الطلب أنه يجب أن يكون بالفعل.

ماذا أخرجنا بهذا القيد؟ تذكروا في الدرس الماضي، قلنا لماذا قيد الطلب بأن يكون بالفعل؟ أراد أن يحترز من الطلب الذي يكون باسم الفعل. هو الآن عندما يتكلم عن الطلب باسم الفعل، يتكلم فقط عن واحد من أنواع الطلب وهو الأمر والدعاء؛ أما الاستفهام والعرض والحض والنهي والرجاء فليس لها دخل في هذا التقسيم كله.

لذلك ابن هشام وابن مالك في الألفية عندما تكلموا قالوا: «والأمر إن كان بغير فعل فلا تنصب جوابه وجزمه أقْبَلَ». أي أن الأمر إن كان بغير فعل، باختصار، لا تنصب جوابه لكن جزمه أقبل، وهذه القضية أريد أن أنبهكم عليها الآن. ابن هشام عندما تكلم في باب فاء السببية ونصب الفعل المضارع، اشترط في الطلب أن يكون طلبًا بالفعل، وقضية اشتراط الفعل هذه تؤثر كما قلت في باب الأمر والدعاء، أما غيرها من الأنواع فليس لها دخل بعناية تقسيم فعل واسم فعل.

فقال: "طلب بالفعل"، وقلنا احترز بها عن الطلب الذي يكون باسم الفعل، أو الطلب الذي يكون حتى بالجملة الخبرية. قد يكون هناك أمر بجملة خبرية مثل: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ [البقرة: 235]، هذه جملة خبرية لكن معناها الأمر، أي المطلقات يتربصن بأنفسهن. فبشكل عام، الفعل المضارع ينصب بعد فاء السببية إذا كانت مسبوقة بطلب بشرط أن يكون هذا الطلب بالفعل وليس باسم الفعل. وعرفنا أن الكسائي وخلافه عند الجني وابن عصفور على التفصيل في باب الجزم؛ لا يشترط أن يكون الطلب بالفعل، فيجوز أن تكون صيغة الأمر أو الدعاء اسم فعل، ما عندنا مشكلة، ويجوز أن يكون الأمر أو الدعاء بالجملة الخبرية كذلك، وهي الجملة الخبرية التي تفهم الأمر.

فإذاً هذا أول فرق بين باب الجزم وباب النصب في هذه المسألة؛ لأنه في النصب كنا نقول طلب بالفعل، أما في باب الجزم فلا نشترط أن يكون الطلب بالفعل، لا نشترط أن يكون الأمر والدعاء بصيغة "افعل"، بل يجوز أن يكون بصيغة اسم الفعل مثل: «صه»، و«مه»، و«نزالة»، و«دراكة» على ما بيناه، ويجوز أن يكون الأمر أيضًا بالجملة الخبرية، فكل هذا جائز عندنا، فالباب هنا أوسع. وضح لنا هذه القضية، انتبهوا عليها، أنه هنا لا يشترط أن يكون الطلب بالفعل بل يجوز حتى ولو جاء باسم الفعل.

الشرط الثاني: أن يكون في مطلع الجملة أحد أنواع الطلب الثمانية، ثم يأتي الفعل المضارع بعده مجردًا من الفاء. الشرط الثالث: أن يكون الفعل المضارع مسببًا -سمه كما تشاء- عن الطلب المقدم. كيف أعرف ذلك؟ السياق هو الذي سيحدد، أنا كسامع للجملة ماذا أفهم من المتكلم؟ هل قصد أن يجعل الفعل المضارع ناتجًا ومسببًا عن الطلب أم لا؟ السياق هو الذي يحدد بقرائنه.

إذا اجتمعت هذه الأمور الثلاثة أيها الأحبة، كان عندي في مطلع الجملة طلب، وكان عندي فعل مضارع بعده مجرد من الفاء، وكان هذا الفعل المضارع هو نتيجة ومسبب عن هذا الطلب، هنا يجزم الفعل المضارع. ما هو العامل الذي اختاره ابن هشام في قطر الندى؟ عامل الجزم هو نفس الطلب.

نبدأ بالأمثلة؛ انتهينا من هذه الشروط. الآن أيها الأحبة نأخذ مثالًا: "زرني أكرمْك". لاحظوا ماذا عندي في بداية الجملة؟ طلب، وأي نوع من أنواع الطلب؟ الأمر، وهو من الطلب الثمانية، "زرني" ممتاز. عندي فعل مضارع، وانتبهوا هل هذا الفعل المضارع فيه فاء؟ لا، ما في فاء. طيب، بقي علينا أن نتأكد من الشرط الثالث، هل فهمت من الجملة أن الإكرام ناتج عن الزيارة أم لا؟ واضح من السياق أن الإكرام هو ناتج عن الزيارة. إذا اجتمعت العناصر الثلاثة، فالفعل المضارع مجزوم. "أكرمْك" ما هو عامل الجزم؟ نفس الطلب المتقدم هو الذي جزم الفعل المضارع.

تكون فلسفة العامل وتحديد العامل أمرًا مهمًا جدًا في جميع أبواب الإعراب؛ لأن الإعراب هو أثر ظاهر أو مقدر يجلبه العامل، فلا بد أن نعرف العامل، وهناك خلاف كثير عند النحويين في هذه الأبواب. فالعامل عند ابن هشام هو الطلب المتقدم الذي هو "زرني". لماذا العامل عنده هو الطلب؟ قال في التعليل: لأن الطلب هنا متضمن معنى الشرط. ماذا يعني هذا الكلام؟ "زرني أكرمْك" معناها عند النحاة بهذه الصورة، وهذا التقدير افهموه في كل هذه الجمل التي معنا على هذا السياق: تقدير هذه الجملة "زرني إنْ...".

«زرني أكرمك» في الحقيقة تتضمن جملة شرطية؛ جملة «زرني أكرمك» هذه هي في الحقيقة ضمنها جملة شرطية. فعند النحاة، ما هو تقدير «زرني أكرمك»؟ تحليلها: تقديرها «زرني أنت؛ زرني أكرمك». لذلك هو بعد أن قال لك: لاحظوا ابن هشام ذكي، لما قال لك: «والعامل هو الطلب لأنه متضمن معنى الشرط»، بعديها مباشرة فسر لك الجزاء؛ قال: «ومعنى الجزاء أن يكون الفعل المضارع مسبباً عن المتقدم الذي هو الطلب».

كما أن جواب الشرط يكون مسبباً وناجحاً عن جملة الشرط؛ كأنه يريد أن يشير إلى أن هذه الجملة هي في الحقيقة تتضمن جملة شرط، يعني فلسفتها هي فلسفة جملة الشرط. طبعاً هو ما وضح هذا الكلام بهذه الطريقة، أنا محتاج أن أوضح لك إياها وأوضحها من خلال الأمثلة، أن جملة «زرني أكرمك» وكل ما سيأتي معنا إن شاء الله من أمثلة يجب أن تحللها بهذه الطريقة: بعد الطلب تأتي أداة شرط. فتقول: «زرني أكرمك» هي بتقدير «زرني أنت زرني أكرمك».

الآن ابن هشام ما وجهة نظره؟ ابن هشام يقول: هذه الجملة المحذوفة «أنت زرني» متضمنة، أو متضمنة باسم المفعول، متضمنة داخل كلمة «زرني». هي محذوفة، صح؟ مش موجودة، لكنها متضمنة كأنها محشوة داخل كلمة «زرني». هذا رأي ابن هشام هنا، وأركز على رأي ابن هشام هنا؛ ليش؟ لأن هناك رأياً آخر في المسألة أيها الأحبة، اختار ابن هشام في «شذور الذهب» وفي «مغني اللبيب» -وهو كأنها يا عالم قد يظهر له في بعض الكتب ترجيح ثم يعود إلى ترجيح آخر، أنا أنبه أحياناً على اختلاف ابن هشام في بعض المصنفات حتى إذا قرأ الطالب في مصنف آخر لا يشعر بالتناقض، فابن هشام كثير ما تختلف أقواله بسبب اختلاف الفترة الزمنية- وهكذا الإنسان كلما تقدم في العمر تظهر له أشياء.

هنا، إذا في «قطر الندى» اختار أن العامل هو نفس الطلب، ورأى أن الطلب متضمن بمعنى الشرط. أما في «مغني اللبيب» وفي «شذور الذهب» فقال: جازم الفعل المضارع هنا هو أداة شرط محذوفة، يعني «أن»؛ قال: جازم الفعل المضارع ليس الطلب. في «مغني اللبيب» وفي «شذور الذهب» لم يختر هذا الرأي، قال: لا، مش الجازم هو الطلب، الجازم للفعل المضارع في جملة «زرني أكرمك» أداة شرط محذوفة.

الآن التقدير سيظل نفسه: «زرني أنت زرني أكرمك»، لكن في «المغني» وفي «الشذور» اعتبرها جملة محذوفة مقدرة في السياق هي التي جزمت الفعل «أكرمك»، الأداة المحذوفة هي التي جزمت الفعل «أكرمك»، فتحولت إذا الحقيقة هذه الجملة إلى جملة شرطية تماماً. وننتقل هنا إلى باب ما يلزم، فعليه أنا حاصل على جملة شرط بحتة. لكن في هذا الكتاب، في «قطر الندى»، لم يقل إن هناك أداة شرط محذوفة هي التي جزمت المضارع، لا؛ جعل أداة الشرط المحذوفة مع فعلها متضمنة ومحشوة في داخل الطلب الذي في بداية الجملة، فجعل الطلب هو الجازم للفعل المضارع.

طبعاً أنت في النهاية تقول له: يا شيخ، هل كان جازم الطلب أم الجازم أداة شرط؟ معذور، المهم أن الفعل المضارع مجزوم، صح؟ يقول لك في هذا المستوى وأقول لك صح، لكن الإنسان لا يرضى بالقشور، المعلومة يحاول أن يدخل إلى عمق كلام النحاة حتى يفهم فلسفة الإعراب عندهم. فإذاً أيها الأحبة، هذان الرأيان هما اللذان أشرحهما؛ ذكر الشيخ محيي الدين في الحاشية رأياً ثالثاً لا يهمني الآن، احفظوا هذين الرأيين: هل الجازم هو نفس الطلب لأنه متضمن لمعنى الشرط؟ أم الجازم هي أداة شرط محذوفة؟ تقول في «قطر الندى» اختار ابن هشام أن الجازم هو الطلب لأنه تضمن معنى الشرط، وفي «مغني اللبيب» وفي «شذور الذهب» اختار أن الجازم هي أداة الشرط المحذوفة.

جميل؟ يعني هذا تنظير أولي على هذه الأفكار، فكرة الفعل المضارع المجزوم بعد الطلب، وعرفنا ما معنى أن الطلب هو الجازم واختيار ابن هشام في هذا. الآن أيها الأحبة، برضه هناك فائدة، بناءً على المثال الأول الذي قالوا تعالوا اتلوا؛ الآن قلت لكم مثل هذه الجملة، جملة الطلب التي بعدها فيها مضارع مجزوم، تريد أن تحللها على أنها جملة شرط بتقدير «زرني أنت زرني أكرمك». كيف تحللها؟ تأتي بالطلب ثم تأتي بجملة الشرط أو جملة فعل الشرط المحذوفة؛ تضع أداة شرط في البداية «أن» ثم تأتي بفعل الشرط المحذوف، ثم تذكر بعد ذلك الفعل المضارع المجزوم.

الآن فعل الشرط الذي قدرناه محذوفاً، تأخذه من أين؟ تأخذه من الطلب الموجود في بداية الجملة، من نفس حروف الطلب الموجود في بداية الجملة. يعني هنا «زرني أكرمك»، ما هو الشرط الذي قدرته؟ «زرني أنت زرني»، هذه كلمة «أنت تزرني» التي بعد «أن» من أين جئت بها؟ «تزرني» أخذتها من «زرني» التي هي في بداية الجملة. لكن هذا لا يتأتى معك دائماً.

ففي المثال الأول الذي ذكره، قال الله تعالى: ﴿قُلْ اتْلُوا مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ [الأعراف: 157]. الآن نتكلم في إعراب القرآن، لاحظوا أثر الإعراب في فهم الآية. تعالوا واتلوا الناس؛ لما تقرأها عوام المسلمين ماذا يقولون؟ خلص هو ليس منتبهاً إلى أن هناك موضوع طلب وجزاء، هو متخيل «تعالوا واتلوا ما حرم ربكم عليكم» وانتهت الآية، لا يريد أن يتدبر. الذي يعرف الإعراب يفهم معنى الآية.

«تعالوا واتلوا»، ما الذي جزم الفعل المضارع؟ دعونا نحلل. الآن هل عندي في بداية الجملة فعل؟ نعم، الفعل «تعالوا». «تعالوا» فعل أمر، صح؟ وبه هذا الأمر نكمّل الخلاف الذي فيه، ذكرنا الخلاف الذي فيه لما ذكرنا «تعالوا». طيب «تعالوا» ما إعرابها؟ ذكرنا سابقاً: «تعالوا» فعل أمر مبني على حذف النون. إذاً عندي طلب، ممتاز، وعندي بعد هذا الطلب فعل مضارع، وليس عندي فعل مضارع مجرد من الفاء. الآن الله عز وجل ماذا قال؟ «تعالوا اتلوا»، عندما جزم الفعل «اتلوا» عرفنا أن مراد الإله سبحانه وتعالى أن يجعل التلاوة نتيجة لِقدومهم. فما هو تقدير الجملة؟ تعالوا، حللوا لي إياها على طريقة ما حللنا «زرني أكرمك». هل أستطيع أن أقدر الفعل بعد «أن»؟

الفعل الذي في مطلع الجملة من فعل الأمر؛ لأنه فعل جامد، ما في منه مضارع وماضي، فما أقدر أن أقول: تعالوا أنت تعالوا، أو أكرمك اتلُ، مش رح أقدر. فآتي بفعل من معنى "تعالوا"، ما هو الفعل القريب لمعنى "تعالوا"؟ أي أقرب فعل لمعنى "تعالوا"؟ الإتيان؛ تعالوا إن تأتوا، اتلوا.

فلاحظوا في هذه الحالة أيها الأحبة، ما استطعت أن أقدر الفعل المحذوف من حروف الفعل المذكور، بل من معنى الفعل المذكور. فنقول إذاً -وهذه فائدة تضعها على الهامش- الفعل المحذوف الذي يقدر له حالتان: إما أن يكون من حروف الفعل المذكور في بداية الجملة، وهذا مثل المثال السابق: "زرني أكرمك"، التقدير: زرني أنت زرني أكرمك، فالفعل المحذوف هو من حروف الفعل المذكورة، وهذه هي الأكثر في اللغة العربية في الحقيقة.

هناك حالة ثانية، أن يكون الفعل المحذوف من معنى الفعل المذكور وليس من حروفه، وهذا متى يكون أيها الأحبة؟ إذا كان الفعل المذكور جامدًا غير متصرف، ما أستطيع أن أصرفه، فبالتالي لن أستطيع أن آتي بفعل مضارع منه بعد أداة الشرط المحذوفة، ومثالها: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: 123]. تعالوا اتلوا، تقدير الجملة: تعالوا إن تأتوا اتلوا. ولاحظوا أن الآية فيها نتيجة وسبب، أن التلاوة أراد الله عز وجل أن يجعلها سببًا عن الإتيان، وهذا يؤثر في تفسير الآية، ممكن إخوانا البلاغيين لما نأتي لعلم البلاغة يلاحظون هذا المعنى في هذه القضية، أنه جعل التلاوة هي نتيجة عن إتيانهم.

طيب، إذا ما أتوا، إذاً هم لن يتلى عليهم، وسيعاملون على أنهم معرضون، والإعراض له أحكام في الشريعة الإسلامية. باختصار أنا أعطيك أفقًا في فهم الآية، أنه جعل: تعالوا إن تأتوا، فإذا ما أتاه، "وأعرضتم" انتهى الأمر، قد أعذر من أنذر، هذه لها علاقة في التفسير وهي مهمة جدًا. بخلاف "قل تعالوا نتلو ما حُرم"، لو كانت الآية ذهبت لهذا، طبعًا إعرابها: فعل مضارع مجزوم، ما علامة جزمه؟ حذف حرف العلة. ممتاز. لو كانت "تعالوا اتلوا ما حُرم" بالواو، لو كانت التلاوة مش مسببة عن الإتيان، ما كانت الآية أرادت جعل الإتيان مسببًا، التلاوة مبنية على الإتيان.

إذن هذه هي الفائدة؛ الفعل المحذوف الذي يقدر إما أن يكون من لفظ الفعل المذكور وإما أن يكون من معناه. طبعًا قضية العامل، أن ابن هشام له اختياران كما ظهر لكم في "قطر الندى"، اختار أن العامل هو الطلب، وفي "شذى العرف" يختار أن العامل هو الأداة المحذوفة. أنا ذكرت هنا نقاشات ساقها ابن هشام في هذه القضية، لماذا في "مغني اللبيب" تراجع عن هذا الرأي ورجح أن العامل الجزم هنا في أداة الشرط المحذوفة؟ تراجع وجاء العامل مش الطلب، بل أداة الشرط المحذوفة. ذكر ذلك، لكن في الحقيقة لا أريد أن أشغل الطالب بها في هذا المستوى، فقط نقرأ ماذا قال ابن هشام. ذكر المثال وقال: وذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾، تقدم طلبه "تعالوا"، وتأخر المضارع المجرد من الفاء وهو "أتلو" وقصد به الجزاء.

الحمد لله استكملنا الشروط الثلاثة. إذاً المعنى: تعالوا فإن تأتوا اتلوا عليكم، هذا هو التحليل. ولاحظ "تأتوا" ما قال "تتعالوا" لأنه لا يصلح تقديرها، "تعالوا" فعل جامد. قال فالتلاوة عليهم مسببة عن ماذا؟ عن مجيئهم، فلذلك جُزم وعلامة جزمه حذف آخره وهو الواو.

الآن ندرس الأمثلة الأخرى، وأنا جالس، أنتم عرفتم الطريقة والباقي نسير عليه ونحن جالسون. قال امرؤ القيس في بداية معلقته المشهورة: كيف نبكي من ذكرى حبيب ومنزلٍ ... بسقط اللوى بين الدخول فحوملِ

"كيف نبكي؟" هذا هو الشاهد، "نبكي" فعل مضارع مجزوم، ما علامة جزمه؟ حذف حرف العلة. طيب، ما الذي جزمه؟ تقول في بداية الجملة فعل أمر: "قِفَا"، بغض النظر عن الخلاف هل هو يخاطب اثنين أم هذه نون التوكيد الخفيفة قلبت ألفًا لأنه قدروا أن الشاعر وقف فقال "قِفَا" ثم أكمل فقال "نبكي من ذكرى حبيبي"؛ هذه تقديرات ندرسها إن شاء الله إذا درسنا المعلقات، لكن المهم "كيف نبكي؟" قفا فعل أمر، ممتاز، ونبكي فعل مضارع مجزوم بعد فعل أمر وما في فاء، لماذا جزم؟ نقول لأن الشاعر أراد أن يجعل البكاء مسببًا وناتجًا عن الوقوف، لذلك جزم، لو لم يرد هذا المعنى لما جزم. إذاً ما تقدير هذه الجملة؟ كيف أنت قفا نبكي؟ هنا نستطيع أن نقدر الفعل المحذوف من ألفاظ الفعل المذكور وما عندنا مشكلة: قفا أنت قفا نبكي.

وتقول: "أتني أكرمك"، التقدير: أتني إن تأتني أكرمك، الإكرام ناتج عن الإتيان. شف الآن، حوّل من الأمر إلى الاستفهام حتى يبين لك أن جميع أنواع الطلب بنفس المنهج: "هل تأتيني أحدثك؟" يعني هل تأتيني فإن تأتيني أحدثك، نفس القضية، رجع للتحديد ناتج عن الإتيان. طيب، "لا تكفر تدخل الجنة"، ما التقدير؟ لا تكفر إن لا تكفر تدخل الجنة، هذا يعمل جملة بنفس التحليل.

الآن من أراد أن يبين أن هذا مشروط بأن يتقدم الفعل المضارع الطلب فقط، فأراد أن يبين: إذا كان المتقدم على الفعل المضارع النفي، هل يجزم الفعل المضارع؟ لأن المتبادر الآن هو أن الطالب سيربط فاء السببية مع هذا الباب لأن علاقتها واضحة وقوية، فممكن الطالب يقول: إذا الطلب والنفي بنقول "لا تكفر فتـ..."، الطلب والنفي هذا فاء السببية مع نصب الفعل المضارع، أما هنا فقط قُدر الطلب. وهنا كذلك الطلب كما قلنا بإطلاقه، طلب بالفعل أو بغير الفعل حتى لو كان "صه"، "نحدثك" يجوز، "مهما أكرمك" يجوز، ما عندنا مشكلة.

قال: ولو كان المتقدم نفيًا أو خبرًا مثبتًا لم يجزم الفعل بعده. طبعًا نقيد "خبرًا مثبتًا لا يدل على الطلب"، لهذا القيد، لو كان المتقدم نفيًا أو خبرًا مثبتًا، هذا الخبر المثبت لا نفهم منه الطلب، إذا فهمنا منه الطلب صار مثله مثل الطلب. فالأول مثال النفي، نحو قولك: "ما تأتينا تحدثنا" برفع "تحدثنا" وجوبًا ولا يجوز لك جزمه، وقد غلط في ذلك صاحب الجمل. من هو صاحب الجمل؟

مر معنا، وأنا أعطيتكم كتاب الجمل الكبرى له، اسم كتاب الجمل الكبرى للزجاج، مر معنا الإمام الزجاجي رحمه الله، توفي سنة ثلاثمئة وسبعة وثلاثين هجرية، وهو تلميذ الزجاج. وذكرت لكم كتابه من مشهور الجمل الكبرى، لكن الزجاج أخطأ في الجمل الكبرى؛ فزعم أن النفي إذا جاء بعد فعل مضارع ألزَم الفعل المضارع الجزم.

السبب الواضح للخطأ أيها الأحبة، لاحظوا أننا نحلل هذه الجمل إلى جمل شرطية، هكذا أسلوبنا، مثل: «زرني أكرمك»، أنت تقديرها: «زرني أنت أكرمك». دعونا نحلل لو كان عندنا نفي، المثال الذي ذكره: «ما تأتينا تحدثنا»، حللوها على جملة شرطية؛ «ما تأتينا» أن ما تأتينا، لاحظوا الجملة معناها لا تصلح في الجزاء أبداً، تخيلوا هذه الجملة: «ما تأتينا تحدثنا».

لماذا لا يصلح الجزم هنا؟ تذكروا ما هو شرط الجزم الثالث؟ كما قلنا عندنا طلب وفعل مضاف، هذا مجرد من الفاء، وما هو الشرط الثالث؟ أن يكون الفعل المضارع نتيجة مسببة عن الطلب، الفعل يكون ناتجاً عن الطلب. دعونا نحلل: «ما تأتينا»، لو أردنا تحليلها كما حللنا سابقاً، «ما تأتينا» نضعها في جملة شرطية، هل يمكن أن تكون «تحدثنا» ناتجة عن عدم الإتيان؟ المعنى بالعكس؛ فأنت إذا جئت فستحدثنا، وإذا لم تأتِ فلن تحدثنا.

فإذن هذه الجملة لا يصلح فيها جزم الفعل المضارع أبداً؛ لأنك لو جزمت «تحدثنا» في «ما تأتينا تحدثنا»، جعلت التحديث ناتجاً عن عدم الإتيان، والمعنى خطأ تماماً، فالتحديث ناتج عن الإتيان. في حالة النفي، لا يمكن أن يجعل الفعل المضارع بعده ناتجاً عنه، لا تستطيع أن تجعل الفعل المضارع مسبباً وناتجاً عن النفي، لا يصلح لأن المعنى يكون بالعكس، هل هذا واضح؟

الزجاج رحمه الله في الجمل الكبرى اعتبر أنه يمكن الجزم، لكن ابن هشام بيّن أنه لا يمكن الجزم من خلال هذا المثال. وهذا واضح أنه إذا قلت: «ما تأتينا تحدثنا»، لو حللت الجملة، سيكون معنا خطأ، فليس فيها معنى السببية. ولكن هل يمكن في أمثلة أخرى أن يصلح معنى الجملة؟ وفي هذه الأمثلة الأخرى التي صلح فيها معنى الجملة، لماذا لم يعتبروها؟ لأنه سيأتي معنا "لا الناهية"، ولها شرط معين سيأتي معنا، وهو أنه حتى يجزم الفعل المضارع بعدها بـ "لا الناهية"، يشترط أن يكون المعنى موافقاً للنهي كما سيأتي. فهذه القضية تحتاج لمراجعة، هل هذا مضطرب في جميع الأمثلة أم ليس مطرداً؟

قال: «ولو كان المتقدم نفياً أو خبراً مثبتاً لم يجزم الفعل بعده، فالأول نحو: ما تأتينا تحدثنا برفع تحدثنا وجوباً، وقد غلط في ذلك صاحب الجمل». ثم قال: «والثاني»، ويقصد الثاني أي مثال على الخبر المثبت، نحو: «أنت تأتينا تحدثنا»، قال برفع «تحدثنا» وجوباً باتفاق النحويين. «أنت تأتينا تحدثنا»، نعم هذه باتفاق نحو: «لم يسمع في مثل هذا المثال إلا الرفع»، لماذا؟ لأن ما قبل الفعل المضارع ليس طلباً، وإنما هي جملة خبرية، والجملة الخبرية لا تتضمن معنى الطلب أيضاً. لو كانت تتضمن معنى الطلب لصلح، فالجملة الخبرية التي لا تتضمن معنى الطلب لا يوجد فيها قوة على جزم الفعل المضارع الواقع بعدها، ولم يسمع هذا عن العرب أبداً في هذا السياق.

ثم قال: «وأما قول العرب...»، لاحظوا أن هذه الأمثلة، قال: «أتقى الله امرؤ فخيراً يثب عليه»، «أتقى الله» فعل ماضٍ، «فخيراً» فعل ماضٍ، «يثب» مجزومة. الآن هو يريد أن ينظر؛ أنا في المثال السابق قلت إن الجملة الخبرية لا تستطيع أن تجزم الفعل المضارع بعدها، فـ «أنت تأتينا تحدثنا» لا يصلح، بل «تحدثنا» فعل مضارع مرفوع مستأنف. ثم قال: «فيه اعتراض أنه بعض العرب يجزم في جملة خبرية وبعدها فعل مضارع مجزوم، مثال ذلك: أتقى الله امرؤ فخيراً يثب عليه».

طيب هنا بماذا ستكون إجابتك؟ ستقول إن هذه الجملة الخبرية تضمنت معنى الطلب؛ لأننا قلنا إن الجملة الخبرية إذا تضمنت معنى الطلب يصلح أن تجزم الفعل المضارع بعدها، وهذه الجملة «أتقى الله امرؤ فخيراً يثب عليه» تتضمن معنى الطلب؛ لأن تقديرها كما قال ابن هشام: «فوجهه أن نتقى الله ونفعل خيراً، وإن كانا فعلين ماضيين ظاهرهما الخبر إلا أن المراد بهما الطلب»، والمعنى: «يتقي الله امرؤ وليفعل خيراً»، فتكون النتيجة «يثب عليه»، هذا هو المعنى الباطن.

ثم ذكر مثالاً آخر قوياً، آية قرآنية الكل نقرأها على قراءة حفص عن عاصم، قوله سبحانه وتعالى: ﴿أَتُحِبُّونَ أَن تُخْفُوا۟le مَوَدَّتَكُمْ ۖ...﴾ لا، ليس هذا، قوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ تِجَٰرَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَتُجَٰهِدُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوَٰلِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [الصف: 10-12].

الآن «يغفر»، ما الذي جزمها؟ لا يوجد قبلها "لم" ولا "لما" ولا "لا الناهية" ولا مطالبة، لا توجد أداة أسلوب شرط. ما الذي جزم «يغفر»؟ الطالب يتحير؛ «يغفر لكم»، قال: لأنها جواب لقوله، يعني جواب أي جزاء؟ لقوله تعالى: ﴿تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَتُجَٰهِدُونَ﴾. قد تقول يا شيخ أين الطلب في الجملة؟ ﴿تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَتُجَٰهِدُونَ﴾ هذه جملة خبرية ما فيها طلب، فنقول هي جملة خبرية لكنها في معنى الطلب؛ تقديرها: «آمنوا بالله ورسوله وجاهدوا في سبيل الله يغفر لكم»، فالمغفرة هي نتيجة وثمرة عن ماذا؟ عن الإيمان بالله وعن الجهاد في سبيل الله، هكذا أرادت الآية أن تبني السياق لذلك جزمت.

لاحظوا كيف القرآن من دون إعراب لا يمكن تفهمه، لذلك يقول الجرجاني رحمه الله في «دلائل الإعجاز» جملة جميلة يقول: «الألفاظ مغلقة على معانيها حتى يفتحها الإعراب»، شبهها بباب مغلق والإعراب هو الذي يفتح هذا الباب فينجلي لك المعنى. كما هي كعادة الجرجاني في فخامته. فإذاً ﴿يَغْفِرْ﴾ هي مبنية على طلب مقدر في الجملة السابقة.

قد يأتي طالب يقول: يا شيخ، أليس من الممكن أن نقول إن هناك طلباً موجوداً؟ نقول له: ما هو؟ فيقول: لدينا استفهام في أول الآية: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ تِجَٰرَةٍ﴾، لماذا لم نعتبر هذا طلباً؟ أليس الاستفهام نوعاً من أنواع الطلب؟ فأقول له: جميل، أحسنت، الاستفهام نوع من أنواع الطلب، حق لك الاعتراف.

هل المغفرة ناتجة عن الدلالة على التجارة؟ أم أن المغفرة مسببة ونتيجة عن الإيمان بالله ورسوله والجهاد؟ وأنت تريد أن تفهم، الفعل المضارع المجزوم لا بد أن يكون نتيجة عن الطلب.

المغفرة هي نتيجة عن الاستفهام الذي هو "هل أدلكم أغفر لكم؟"؛ أي هل معنى الجملة هل أدلكم أغفر لكم ذنوبكم؟ لا، المغفرة ليست ناتجة عن الدلالة، بل هي ناتجة عن اتباع الدلالة، وهو أن تمارسوا: ﴿آمِنُوا وَجَاهِدُوا يُغْفَرْ لَكُمْ﴾ [الأنفال: 72]. فلا يصلح قولك إنه في عندنا الطلب، لأن هذا الطلب ليس الفعل المجزوم مبنياً عليه ومسبباً عنه.

لذلك ذكر ابن هشام هذه القضية، قال: "يغفر" فجزم "يغفر" لأنه جواب لقوله تعالى: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ﴾ [الأنفال: 72]؛ لكونه في معنى "آمنوا وجاهدوا" وليس جواباً للاستفهام. ليس جواباً للاستفهام الذي هو "هل أدلكم"، لماذا؟ قال: لأن غفران الذنوب لا يتسبب به الدلالة؛ يعني ليس هو نتيجة عن قوله "أدلكم"، "أدلكم" فيها معنى الدلالة صح، فمغفرة الذنوب ليست نتيجة عن دلالتنا على التجارة، بل مغفرة الذنوب هي نتيجة عن إيماننا وجهادنا، قال: "بل عن الإيمان والجهاد".

جميل، لذلك الآن لا أحد كلياته الآن مقدمات عم يجلي فيها هذا الباب أكثر وأكثر للطالب، ثم قال: "ولو لم يقصد بالفعل الواقع بعد الطلب امتنع الجزاء امتنع الجزم". في الفقرتين السابقتين كان يتكلم عن الشرط الأول، أنه لا بد حتى نجزم الفعل المضارع أن يكون مسبوقاً بطلب، لا يجوز أن يكون مسبوقاً بنفي ولا بجملة خبرية لا تتضمن معنى الطلب، وبين أن الجملة الخبرية إذا تضمنت معنى الطلب تُجعل من قبيلة الطلب. فانتهى عن الكلام عن الشرط الأول، الذي هو يجب أن تكون في مطلع جملة طلب، ليس نفياً وليس جملة خبرية لا تتضمن معنى الطلب.

الآن سيتكلم عن الشرط الثالث، وهو قضية أن الفعل المضارع حتى يُجزم لا بد أن يكون نتيجة ومسبباً عن الطلب، بالتالي إذا لم يكن نتيجة ومسبباً عن الطلب يجب رفعه. قال: "ولو لم يقصد بالفعل الواقع بعد طلب الجزاء أن يكون جزاءً عن الطلب امتنع جزمه". انظر هذا المثال كقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾ [التوبة: 103].

"تطهرهم" الآن كيف جاءت في القرآن الكريم؟ جاءت مرفوعة: "تطهرهم". لاحظوا أن المعنى سيختلف في حالة رفعك لـ "تطهرهم" وفي حالة جزمك لـ "تطهرهم". حتى تعرف أن الفعل المضارع فعلاً يتقلب في الجملة العربية تقلب الأسماء التي تحتاج إلى الإعراب حتى يفهم معنى القاعدة التي قررناها ابتداءً.

ماذا تفهم من قوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾؟ "تطهرهم" مرفوعة وليست مجزومة. لو كانت مجزومة -خارج سياق القرآن طبعاً- "خذ من أموالهم صدقة تطهرْهم"، لو جُزم كان ما هو المعنى الذي سنستفيده من الآية أيها الأحبة؟ ما هو المعنى الذي سنستفيده؟ أنه التطهير مسبب وناتج عن الأخذ، "خذ فيتطهروا". لو جزمنا سيكون المعنى الذي أرادت الآية أن توصله للقارئ هو أن التطهير ناتج ومسبب عن الأخذ، هذا بسبب الجزم.

لكن الآية لم تجزم لأنها لا تريد هذا المعنى، الآية جاءت بالفعل المضارع مرفوعاً لأن الفعل المضارع هنا هو نعت للصدقة، هو فقط نعت للصدقة وليس ناتجاً، ولم يُرَد به أن يجعله جزاءً عن الآخر. قال ابن هشام: "فتطهرهم مرفوع باتفاق القراء وإن كان مسبوقاً بطلب". يعني أنت لا تريد أن تستعجل، تريد أن تفهم الجملة. قال: "وهو خذ لكونه ليس مقصوداً به معنى"، يعني هذه الآية ليس المقصود بها معنى أن تأخذ صدقة تطهرهم، الآية ليست تحليلها: خذ لتطهرهم، حللوها: خذ لكي تطهرهم، مثل "زرني أكرمك"، "زرني" أنت "زرني أكرمك". هل الآية أرادت: خذ لتطهرهم؟ لم ترد هذا.

ماذا أرادت؟ قال: "وإنما أريد خذ من أموالهم صدقة مطهرة". ارجع الآن وحاول أن تستشعر معنى الآية: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾، "تطهرهم" هذا وصف للصدقة، يعني خذ صدقة ووصف هذه الصدقة أنها مطهرة، فهذا معنى الآية؛ خذ من أموالهم صدقة نعتها وصفتها أنها مطهرة، هذا هو الذي أرادت أن تصفه الآية، ولم ترد أن تأخذ لتطهر، بل خذ من أموالهم صدقة صفتها -وإن أعطوها- أنها مطهرة، فـ "تطهرهم" صفة للصدقة.

الآن ابن هشام سيفرض شيئاً جدلياً، قال: "لو قرئ بالجزم على معنى الجزاء في مشكلة" خارج سياق القرآن، لكن خارج القرآن لأن القرآن ما قرأ به، فقال: "ولو قرئ بالجزم على معنى الجزاء لم يمتنع في القياس، لكن ما قرئ". قال كما قرأ قوله تعالى -الآن سيأتي بآية قرئت على وجهين عند القراء-: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي﴾ [مريم: 5-6].

"يرثني" قرئت بالجزم: "ليرثني"، وقرئت بالرفع. من قرأ بالرفع ماذا أراد؟ "فهب لي من لدنك ولياً يرثني"؛ من قرأ بالرفع لم يرد أن الوراثة ناتجة عن الهبة ومسببة عنها، بل أراد أن يصف هذا الولي الذي يطلبه من الله، ينعته، يعني: يا رب هب لي شخصاً ولياً، صفة هذا الشخص أنه يرثني، هذا الذي أراده بالرفع.

أما على قراءة الجزم "هب لي من لدنك ولياً ليرثني"، فالمعنى يختلف؛ "يرثني" هنا يعني: هب لي يا رب ولياً لكي يرثني، "هبني ولياً يرثني"، هنا قصد معنى آخر في الجملة. لاحظوا كيف اختلف المعنى باختلاف الرفع والجزم. قال: "كما يقول تعالى: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي﴾ بالرفع على جعله يرثني صفة لولي، وبالجزم على جعله جزاءً للأمر".

وهذا بخلاف قولك: "ائتني برجل يحب الله ورسوله". الآن هذه الآية خارج سياق القرآن تحتمل الوجهين، تحتمل أن تجعلها جزاءً وإلا تجعلها صفة، وتصلح. وآية ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي﴾ تصلح أن تجعلها جزاءً وإلا تجعلها صفة. وأما قولك "برجل يحب الله ورسوله"، لا، هذه الجملة أيها الأحبة لا يصلح فيها معنى الجزاء أبداً، لماذا؟ لاحظوا فيها: "ائتني برجل يحب الله ورسوله"، هنا "يحب" مرفوعة على أنها نعت لرجل، يعني ائتني برجل نأته وهو يحب الله ورسوله. هل يصلح الجزم؟ معنى الجزم: "ائتني برجل لكي يحب الله ورسوله"، ما هي العلاقة؟ ما هي المناسبة أبداً؟ ففي هذه الجمل لا يمكن أن تأتي بالجزم.

فلاحظوا إذاً، في الجمل العربية هناك جمل تحتمل وجهين، وهناك جمل لا تحتمل إلا وجهاً واحداً. قال: "فإنه لا يجوز فيه الجزم لأنك لا تريد أن محبة الرجل لله ورسوله مسببة عن الإتيان به"، كما تريد في قولك "ائتني أكرمك" بالجزم، لأن الإكرام نعم يصلح أن يكون مسبباً عن الإتيان، لكن المحبة لا.

الله ورسوله لا يصلح أن تكون مسببة عن الإتيان، وإن مرض ابني برجل موصوف بهذه الصفة، موصوف بأنه يحب الله ورسوله.

الانتقال إلى الكلام عن نوع محدد من أنواع الطلب وهو النهي. نحن قلنا أنواع الطلب ثمانية: أمر، دعاء، نهي، تمني، استفهام، رجاء، إلى آخرها. النهي له شرط رابع حتى يصلح أن يجزم الفعل المضارع بعده. هذا النوع من أنواع الطلب بحد ذاته، الذي هو النهي، له شرط رابع نزيده حتى يصلح جزم الفعل المضارع بعده. ما هو هذا الشرط؟ قال ابن هشام: «واعلم أنه لا يجوز الجزم في جواب النهي إلا بشرط». إذاً هنا شرط خاص بقضية النهي، ما هو؟ هو أن يصح تقدير شرط في موضعه مقرون بـ «لا» النافية مع صحة المعنى.

شرط النهي حتى يصلح جازماً للفعل المضارع بعده، أن يصلح -أيها الأحبة- أن نزيل النهي من الجملة ونأتي مكانه بنفي، بحيث يتحول النهي إلى نفي، وعندما نحول النهي إلى نفي يبقى معنى الجملة صحيحاً ولا يخالف الذوق والطبع السليم، هذا هو الشرط.

مثال ذلك الآن قولك: «لا تكفر تدخل الجنة»؛ «لا تكفر» هذا نهي. هل يصلح جزم «تدخل» بلا «تكفر» أم لا يصلح؟ نحتاج إلى تطبيق هذا الشرط. نقول: أزل النهي وأتِ مكانه بنفي وانظر هل معنى الجملة صحيح؟ على أن «لا تكفر» حولها إلى نفي، هل تصلح؟ يجب أن ترفع النهي وتأتي مكان النهي بأداة شرط، أو أداة من أدوات الشرط بعدها أسلوب النفي، لا تأتِ بنفي مكان النهي مباشرة، بل ترفع النهي مثلاً وتأتي بنفي، وقبل النفي تضع أداة شرط، ثم تنظر هل صح معنى الجملة أم لا.

مثال ذلك: «لا تكفر تدخل الجنة»، الآن أزل النهي وأتِ مكانه بنفيه وضع قبل النفي أداة الشرط؛ «إن لا تكفر تدخل الجنة». المعنى صحيح، إذاً في جملة «لا تكفر تدخل الجنة» يجوز الجزم، بل يجب الجزم هنا. أنا أقول يجب الجزم، فتقول: «لا تكفر تدخل الجنة»، إلا إذا قطعت «لا تكفر»، ثم قلت «تدخل الجنة»، فهذا سياق آخر. أما إذا أردت أن تجعل «تدخل» مبنية ومناتجة عن عدم الكفر، فيجب الجزم في هذه الحالة لوجود الضابط.

مثال ثاني: «لا تدنُ من الأسد تسلم». أقول لشخص أمامي: «لا تدنُ من الأسد تسلم»، هل يجوز الجزم بـ «تسلم»؟ نقول: طبق الشرط، أزل النهي وأتِ بنفي مسبوق بشرط، نقول: «إن لا تدنُ من الأسد تسلم»، المعنى صحيح؟ صح. فإنه لو قيل في موضعهما: «ألا تكفر تدخل الجنة» و«ألا تدنُ من الأسد لتسلم» لصح ذلك.

بخلاف «لا تدخل النار»؛ بصير تحكي «لا تكفر تدخل النار»، تجعل دخول النار ناتجاً عن عدم الكفر، لا يصلح، لأنك لو أزلت النهي -أي جعلت النهي يذهب- ووضعت مكانه نفياً مسبوقاً بشرط، سيصبح: «إن لا تكفر تدخل النار»، مصيبة! نسأل الله السلامة والعافية، نريد أن نفر من النار، فالمعنى هنا خطأ. إذاً في هذه الجملة لا يصح الجزم. هذا المثال واضح، أنه لا يمكن أن تجعل دخولي النار ناتجاً عن عدم الكفر قطعاً، لذا يجب أن يرفع الفعل المضارع، فتقول: «لا تكفر، تدخل النار»؛ هنا أراد الاستئناف، أي: «لا تكفر، تدخل النار إذا كفرت»، فتكون «تدخل» جملة مستأنفة.

طيب، «لا تدنُ من الأسد يأكلك»، هنا قد ينعجك الطالب، لأن الأمثلة بدأت تغمق قليلاً. «لا تدنُ من الأسد يأكلك»، هل يجوز الجزم؟ هل الأكل ناتج عن عدم الدنو؟ الأسد متى يأكلك؟ إذا دنيت، أما إذا ما دنيت فلا يأكلك، فكيف يكون الأكل ناتجاً عن عدم الدنو؟ المعنى غلط. قد يقول الشيخ: يا شيخ والله مش فاهم كيف الأكل ناتج عن عدم الدنو؟ أقول لك: طبق الضابط الذي ذكره؛ ارفع النهي وأتِ بنفي مسبوق بأداة شرط، «إن لا تدنُ من الأسد يأكلك»، المعنى الآن واضح أنه خطأ. إذاً هنا قطعاً لا يجوز الجزم، بل تكون «يأكلك» استئنافية أريد بها تعليل معنى الجملة السابقة.

قال: «ولهذا أجمعت السبعة على رفع الفعل في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ﴾». لاحظ هنا المثال أصبح أغمق. في الآية هي بالرفع: ﴿وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ﴾. نحن إذا قلنا «تستكثر» بالجزم، فنحن لا نجزم، بل نقف، والعرب لا تقف على متحرك بل تقف على ساكن. قال: لماذا؟ قال لأنه لا يصح. ابن هشام طبق الضابط، قال لك: ارفع لي النهي وأتني بنفي بشرط؛ هل يسمح أن أقول: «ألا تمنن تستكثر»؟ الواحد متى يستكثر ويطلب الزيادة؟ إذا كان هو يمنّ على الناس. إذا أنت مننت تطلب الزيادة، أما إذا ما مننت فمعناها أنك لا تطلب من الناس الزيادة وأنهم يكافئوك على المعروف، بل أنت تفعله مقابله.

وأنا عارف أنكم لا تفهمون معنى المن؛ المن هنا هو أن تطلب من الناس المكافأة على المعروف، كأن تقول: «يا فلان، مش أنا عملت لك كذا وتذكر يوم عملت لك كذا؟». هذا هو المن، أن تقعد تمنن على الناس، فماذا تطلب؟ تطلب من الناس المكافأة. أنت لماذا تمنن؟ تطلب من الناس أن يكافئوك، فكأنك بمنك تستكثر وتطلب من الناس هدايا وعطايا ومقابل وجوائز، فهذا هو الاستكثار؛ فأنت تمنن حتى تحصل على الاستكثار. الآن، هل الاستكثار ناتج عن عدم المن أم عن المن؟ الاستكثار ناتج عن المن، إذاً لا يصلح في هذا المقام أن تقول «تستكثر» بالجزم؛ لأن السياق سياق نهي: ﴿وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ﴾.

تستكثر لو جزمت، صار المعنى أنه الاستكثار ناتج عن المن، وهذا معنى خطأ؛ لأن الاستكثار ناتج عن المن. فلما أنت أزلت النهي وأتيت بنفي، شوف هذا ضابط النفي، يعني ابن هشام أتى به حتى يسهل على الطالب. قال لك يا عمي اشكل عليك المعنى، ائت بنفيًا مسبوقًا بشرط أن لا تمنن تستكثر؛ إذا ما مننت تستكثر، خطأ، الجملة هذه إذا منيت مش إذا ما منيت تستكثر. لذلك إيش قال؟ قال لا يصح أن يقال إلا كون تستكثر، وليس هذا بجواب.

بناء على هذا الكلام، في هذه الحالة أيها الأحبة تكون في موضع الحال. قال: وإنما هو في موضع نصب على الحال من الضمير في تمنن، فكأنه قيل: الآية إيش هيك طريقتها؟ لا تمنن مستكثراً، يعني لا تمنن حالة كونك مستكثراً وطالباً للعطاء، فكأنها لا تنهى عن المن إذا لم يكن فيه استكثار، أليس كذلك؟ وأنت إذا قلت هنا "إذا تستكثر" حال الحال تقيد معنى الجملة، فأصبحت الجملة: لا تمنن حالة كونك مستكثراً.

فهل يصح هنا مفهوم المخالفة؟ طبعاً مفهوم المخالفة مش مباشرة تذهب إليه، بدك تتأمل. هل المراد إذاً أنه يجوز المن في حال كونك لست مستكثراً وطالباً من الناس العطاء؟ في بعض الأحوال أيها الأحبة، قد يضطر الإنسان أن يذكر معروفه على شخص لئيم حتى يتذكر هذا اللئيم الخير. يعني أنت ما بتحب تذكر معروفك على الناس، الحمد لله أنك إنسان تفعل الخير لله، لكن أحياناً فعلاً يجيك شخص فعلت له أنت خيراً كثيراً وبفعل معك تصرفات لئيمة جداً، فأنت عندما تذكر بمعروفك -وأنت لا تريد منه الاستكثار، تريد أن تقول له يا فلان خف علينا، مش إحنا كان لنا عليك من المعروف قدمناه لك يوم من الأيام- فمثل هذا النوع أيها الأحبة ليس منهياً عنه، الإنسان حقيقة إذا كان مثل هذه الصورة، الإنسان متسلط عليك، وبالتالي لعلك تذكره بمعروفك بلا عنك. فالنهي منصب: لا تمنن حالة كونك مستكثراً وطالباً من الناس المكافأة والعطاء.

لذلك إيش قال؟ قالوا: إنما هي في موضع نصب على الحال من الضمير في تمنن، فكأنه قيل: لا تمنن حالة كونك مستكثراً. ومعنى الآية أن الله تعالى -ابن هشام أعطاك معنى الآية النهائي- أن الله نهى نبيه ﷺ أن يهب الناس شيئاً وهو أطمعوا أن يتعوض من الموهوب له أكثر من الموهوب، يعني أنه أنا ما أعطي الناس شيئاً وأنت في نفسك تريد أن الذي أعطيته يكافئك بشيء كثير جداً مقابله، أكثر من مقدار الشيء الذي وهبته إياه. في ناس بتعطي هبات ونيتها وطمعانة بهذه الهبة أن الناس تعطيها أشياء أكثر بكثير من المعروف الذي قدمته. أو الهبة التي قدمها الله عز وجل نبيه أن يتصف بهذه الخصلة، هذا معنى الآية، ولم يرد أنه معنى الجزاء. هذا باختصار.

لكن ابن هشام هنا ينقل قراءة عن الحسن البصري فيها استشكال. قال: فإن قلت فما تصنع بقراءة الحسن البصري؟ تستكثر بالجزم. الحسن البصري قرأ هذه الآية بالجزم: «لا تستكثر»، بالجزم مش في حالة الوقف وسطاً ووقفاً. فما هو حل المشكلة؟ قال ابن هشام: قراءة الحسن البصري تحتمل ثلاثة أوجه. الوجه الأول أن يكون بدلاً، يعني أن يكون الفعل "تستكثر" بدلاً من "تمنن". والزيادة معنا إن شاء الله في باب البدل أيها الأحبة، يجوز أن يبدل فعل من فعل، فالفعل المبدل يعرب تبعاً للمبدل منه؛ لأن البدل من التوابع.

فهنا الوجه الأول أن يجعل "تستكثر" على قراءة الحسن البصري جزماً بدلاً من "تمنن"، فكأنك إذا كان عندك بدل يصلح أن ترفع المبدل منه وتضع مكانه البدل؛ إذا قلت: جاء محمد أبو بكر، أبو بكر بدل من محمد، تستطيع أن ترفع المبدل منه وتضع البدل مكانه. مثلاً: نفعني أكل الرغيف ثلثه، الآن بقدر أشيل الرغيف -الذي هو المبدل منه- وأضع البدل مباشرة: أكلت ثلث الرغيف، صح؟ هذه قاعدة البدل.

فإذن، كأن الآية بناء على هذه القاعدة: لا تمنن تستكثر، كأن الآية تقول لك ارفع "تمنن" على هذا الوجه وضع مكانه "لا تستكثر". إذا قلنا إنها بدل، إذاً الآية في الحقيقة مركزة على قضية الاستكثار. التركيز على أين؟ على الاستكثار. لا تمنن تستكثر؛ التركيز ليس على المن بحد ذاته ابتداءً أو على أنك تعطي الناس، بل التركيز على أنك تريد الاستكثار.

هذا النهي منصب على ماذا؟ على الاستكثار بحد ذاته، لأن ابن هشام هنا ملاحظ أنه فسر المن بمعنى العطاء وليس بمعنى المن كما قلت لكم، إن المن هو أن تحمل للشخص مفهوماً عربياً، هنا فسر المن بمعنى العطاء. فكأنه قال: لا تعطي حالة كونك مستكثراً، أي تطلب بعطيتك الاستكثار من المقابل. فالآية لو قلنا إن المن هنا بمعنى العطاء، أي لا تعطي حالة كونك مستكثراً، فإذا انقطع عن المراد من النهي ليس هو مطلق المن أو المنان بحد ذاته، بل المراد الاستكثار الناتج عن المن، فيصلح فعلاً أن نقول إن المنهي عنه هو الاستكثار، فنقول إذاً لا تمنن تستكثر، كأن الآية تقول: لا تستكثر مباشرة. فتستكثر هي بدل من "تمنن" وهي المقصودة من النهي أصالة، كأنها قيل في الآية: لا تستكثر، أي لا ترى ما تعطيه كثيراً.

طيب طبعاً هذا هنا في جذور الذهب، يعني حتى في جذور الذهب ابن هشام ضاعف هذا الوجه وقال: هذا الوجه لا يصح. ولما ذهب فيما يظهر لي أن جذور الذهب ألف في مرحلة متأخرة عن قطر الندى. لما ذهب في جذور الذهب، طبعاً سأطلب قراءته من الطلبة بعد قراءة شخصية منهم أنه على منوال هذا الكتاب، لكن هناك فوائد كثيرة سيسجلها الطالب ويستفيدها من الكتاب.

في كتاب شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك، نقد هذه الفكرة، حيث قال لا يصلح البدل، وأنه بذاته نقد هذه الفكرة. قال: لماذا لا يصلح البدل؟ يقول لا يصلح البدل هنا؛ لأن من شرط البدل أن يكون البدل معناه هو معنى المبدل منه، وهذا الشرط حتى يصلح البدل سواء كان بدل أسماء أو بدل أفعال، أن يكون البدل معناه هو معنى المبدل منه.

فعندما تقول: «جاء محمد أبو بكر»، فأبو بكر هو محمد، صح؟ جاء مثلاً: «أخذت زيداً أبا سعد»، فأبا سعد هو نفسه زيد، ممتاز. لكن هل هذا الكلام صحيح؟ هل يجب أن يكون البدل دائماً بمعنى المبدل منه؟ ابن هشام هكذا يقول في شرح ابن عقيل؛ يجب أن يكون البدل بمعنى المبدل منه.

لكن هذا الكلام في الحقيقة أيها الأحبة هو شرط إذا كان البدل بدل مطابقة، وأنتم درستم في قطر الندى أنواع البدل؛ فهناك بدل مطابقة، وهناك بدل بعض من كل، وهناك بدل اشتمال. الآن في بدل المطابقة أوافقك أنه يجب أن يكون البدل بمعنى المبدل منه، مثل: «جاء أبو بكر محمد» أو «جاء محمد أبو بكر». لكن في بدل الاشتمال أقول: «نفعني زيد علمه»، فالعلم ليس هو ذات زيد، بل هو معنى، وزيد معنى آخر. «أعجبني هذا البناء هيئته وزينته»، فالهيئة والزينة معنا، والبناء معنى آخر، وهي موجودة ضمن البناء، والعلم موجود ضمن زيد، لكن العلم مفهوم وزيد مفهوم آخر.

فقولك بأن هذا ما يجب أن يكون بمعنى المبدل منه، هذا شرط في بدل المطابقة كما ذكر محمد محيي الدين في الحاشية عندكم، وأما في بدل الاشتمال فيصح أن يكون البدل ليس بمعنى المبدل منه، ومثاله: «نفعني زيد علمه». وبالتالي أستطيع أن أقول: «لا تمنن تستكثر»، ويكون هذا من قبيل بدل الاشتمال؛ لأنني لم أقل إن «تستكثر» بدل مطابقة من «تمنن»، بل أقول إنها بدل اشتمال من «تمنن»، وليس عندي مشكلة.

أعطيكم مثالاً آخر أوضح في القرآن، في قوله سبحانه وتعالى في سورة الفرقان: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ﴾ [الفرقان: 68-69]. الآن: «من يفعل ذلك يلق أثاماً»، ما الذي جزم «يضاعف»؟ «يضاعف» بدل من «يلقى»، فكأن الآية: «من يفعل ذلك يضاعف له العذاب». فهل «يضاعف» بدل من «يلقى»؟ ومعنى «يضاعف» ليس هو معنى «يلقى»، ومع ذلك أبدلت في القرآن؛ لأن البدل هنا نعتبره من قبيل بدل الاشتمال، فالمضاعفة هي بدل اشتمال من «يلقى» وليست بدل مطابقة، فاستحال القضية.

محمد محيي الدين في الهامش ذكر: «ذهب جماعة إلى أن البدل في هذه الآية لا يجوز»، ولم يذكر من هؤلاء الجماعة، ومع ذلك نفسه ابن هشام في شرح ابن عقيل ذهب إلى أن البدل لا يجوز. وهنا رد محيي الدين بشكل جيد في الحقيقة على شبهة ابن هشام رحمه الله.

الآن، هل هناك حل آخر في الآية غير قضية البدل؟ هناك حلول حقيقة، قليلة الورود ونادرة، لكن يذكرها بعض النحاة أحياناً عندما نفلس من الحلول، فنذهب لبعض الحلول الشكلية. قال: والحل الثاني أن يكون قدّر الوقف عليه لكونه رأس آية، فسكنه لأجل الوقف، ثم وصله بنية الوقف. ما معنى هذا الكلام؟ معنى هذا الكلام أن قراءة الحسن البصري تعتبر القراءة الشاذة.

«لا تمنن تستكثر»؛ الحسن البصري لم يقل هذا من عنده، هو أكيد قرأها على شخص، لكن لم تتوفر فيها شروط القراءات السبع، لذلك عندما نقول إن الحسن البصري قرأها، فإنه أخذها من شخص وأكيد وصلت عنده، ولو ثبتت هذه القراءة عن الحسن البصري بقطع ما أتى به من كيسه لاتباعناها، لكننا لا نتبعها لإسنادها.

الوجه الثاني المحتمل، أن يكون قدر الوقف عليه لكونه رأس آية؛ فالعرب إذا وقفت على متحرك تسكنه، فكأن الحسن البصري قال: «لا تمنن تستكثر»، فوقف فسكن لأجل الوقف، ثم عندما وصل هذه الآية بالتي بعدها استصحب حركة الوقف في حالة الوصل. وما هي حركة الوقف؟ السكون. طبعاً هذا وجه قليل وضعيف جداً؛ أن الإنسان يقف على حرف بالسكون، ثم يستصحب حركة السكون معه في حالة الوصل. لا، لماذا تستصحب حركة السكون في حالة الوصل؟ في حالة الوصل لازم تُعرب الكلمة وتظهر حركتها الحقيقية.

السكون هنا ليس علامة إعراب، بناءً على هذا هو فقط سكون للوقف، فالكلمة بناءً على هذا الرأي الثاني ليست مجزومة، بل الكلمة مرفوعة، ولكن مرفوعة بالسكون؟ لا يوجد رفع بالسكون. نقول: هو سكن سكوناً ابتدائياً من أجل الوقف، ثم استصحب حركة السكون معه في حالة الوصل. إذاً يكون الفعل المضارع مرفوعاً بضم مقدر منع من ظهورها هذا الاستصحاب. يعني أنت تقول لا توجد ضمة، بل يوجد سكون في حالة الوصل، فنقول: نعم، ضمة قُدِّرت منعاً من ظهورها استصحاب السكون في حالة الوصل، وهذا وجه ليس بالقوي.

التقدير الثالث، قال: إن يكون سكنه لتناسب رؤوس الآيات؛ إن سورة المدثر من بدايتها لهذا المقطع ساكنة: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر: 2-5]. الصيغ كلها أمر، فكلها ساكنة عن الإعراب، وأول فعل مضارع جاء هو «لا تمنن تستكثر»، فقال بذلك حتى يبقى هناك توافق بين رؤوس الآيات، فالمقاطع كلها سكون، فسكن.

نقول: في حالة الوقف ليس عندنا مشكلة، لو سكن في حالة الوقف ليكون متوافقاً مع رؤوس الآيات، لكن مشكلتنا هي أنك تستصحب السكون حتى في حالة الوصل. إشكالنا في قراءة الحسن البصري أنه يجعل السكون ثابتاً وصلاً ووقفاً. فالمشكلة في الرأي الثالث الذي يقول إنه سكن لتناسب رؤوس الآية، نقول: التناسب...

يكون واضحًا في حالة الوقوف على رؤوس الآية، فلا داعي لاستصحاب السكون أيضًا في حالة الوصل، لا داعي لاستصحاب السكون في حالة الوصل، فهذا الرأي كذلك فيه نوع من الضعف. لذلك في الحقيقة وجه البدل هو أقرب الأوجه التي يمكن أن نفسر عليها الآية، وجه البدل هو أقوى الأوجه التي يمكن أن تُفسر عليها الآية.

انتهينا الحمد لله من الطلب، واضحة قضايا الطلب؟ جميل. خلونا ننهي الجازم الذي يجزم فعلًا مضارعًا واحدًا، لأنه هنا خلص إن شاء الله سأمشي سريعًا. هذه القضايا شرحناها في الآجرومية وفي ملحق الإعراب للحريري، وهذا هو المتن الثالث الذي ندرسه نحن في النحو، فمن حضر الحريري ومن نحى الآجرومي فالأصل هذه المسائل القادمة سهلة لديه. المهم حتى نستغل الوقت.

الجازم الثاني مما يجزم فعلًا واحدًا قال: «ومما يجزم فعلًا واحدًا: لمْ واللام»، واضحة لديكم أيها الأحبة؟ لمْ الآن سيذكر معانيها. تذكر لما كنا ندرس معاني «لن»، أنها للنفي وللاستقبال، والمعاني المحققة الآن نفس الشيء، في كل حرف معنى يجب أن تحلل معانيه.

«لمْ» ماذا نستفيد منها في اللغة العربية؟ «لمْ» حرف جزم، ولذلك لما ذكر ابن هشام علامة الفعل المضارع قال: «وعلامته لمْ»، فلم لا تدخل إلا على الفعل المضارع، لذلك هي علامة على الفعل المضارع. قال ابن هشام: «ما هو حرف؟» حرف صح؟ لكن المعنى الآخر له، أو معناها الجزم هذا عمله، لكن معناها النفي. قال: «وهو ينفي المضارع ويقلبه ماضيًا»، فله عملان: النفي، وهناك عمل آخر يقلب زمن الفعل المضارع إلى الماضي، فيفيد؛ لذلك يقول: «لمْ حرف نفي وجزم وقلب».

كقولك: «لم يقم»، أنت كسامع ماذا فهمت؟ «لم يقم» في الماضي، مع أنه صيغة مضارع لكن «لم» قلبت من المضارع إلى الماضي، فهي قرينة لتحويل المضارع إلى الماضي. كقوله تعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص: 3]. أي يا شيخ «لم يلد ولم يولد» يعني هو لم يلد ولم يولد في الماضي؟ طب والحال والمستقبل؟ هذه آية في صلب التوحيد والعقيدة؛ «لم يلد ولم يولد»، أنت تقول إنه لم يقلب زمن المضارع إلى الماضي، إذًا هو لم يرد في الماضي، ولم يولد في الماضي.

طب يعني حاشاه، أفي شيء في المستقبل؟ لماذا؟ لأنه سيأتي معنا لما يتكلم عن الفوارق بين «لم» و«لما». صحيح أن «لم» تنفي الماضي لكن قد يستمر النفي إلى الحال وإلى الاستقبال، بخلاف «لما» التي سيأتي معنا الفرق بينها وبينها. «لم» ليست تنفي الماضي فقط وتنقطع، أحيانًا تنفي الماضي وينقطع، فأقول: «لم يدرس محمد» ثم درس، هنا انقطع الماضي، لكن يمكن أن تنفي الماضي ويكون نفيها مستمرًا للحال وللمستقبل وإلى أبد الآبدين، مثل: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾، نعم هي نفي للماضي ولكنه نفي مستمر مستدام إلى قيام الساعة، فلا تفهم أن نفي «لم» معناه النفي وانتهى الأمر، لا، تنفي ثم تنظر هل انتفى هذا النفي أم لم ينتفِ؟ نحتاج أن ننظر هل هناك قرينة تدل على انتفاء معنى النفي وأنه صار هناك ثبوت بعده؟ أم لا توجد قرينة على حدوث الثبوت بعد النفي؟ فلا يستعجل الإنسان في الحكم على معنى الجملة.

إذًا مما يجزم فعلًا واحدًا: «لمْ» حرف النفي في المضارع ويقلبه ماضيًا، كقولك: «لم يقم» و«لم يقعد»، وكقوله تعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾. قال: «والثالث لما»، وهي أخوات «لم»، وهذه مر معنا أن «لما» أيها الأحبة كم معنى لها في اللغة العربية؟ ثلاثة: المعنى الأول: «لما» النافية، المعنى الثاني: «لما» الإيجابية التي بمعنى «إلا»، والمعنى الثالث: «لما» الرابطة. هنا أتكلم عن «لما» النافية، كلمنا عن «لم»، هنا نتكلم عن «لما» النافية وأخواتها، كقولك: «لما يقضِ أمرُه»، وقوله: ﴿بَل لَّا يَذُوقُونَ﴾، لاحظ «لما يقضِ»، إعراب «يقضِ» يعني خلص، الحركات الإعرابية سهلة، الأصل فعل مضارع مجزوم بحذف حرف العلة. «لما يذوقوا» عذاب، «يذوق» مجزوم علامة جزمه النون لأنه من الأفعال الخمسة.

الآن أراد أن يقوم بمقارنة بين «لم» و«لما» في معانيهما، فقال: «لم ولما تشتركان في أربعة معاني». تشتركان في أربعة أمور، وهي: أولًا الحرفية، «لم» حرف و«لما» حرف، ما هما اسم ولا أفعال. المعنى الثاني: الاختصاص بالمضارع، فـ«لما» النافية تدخل على الفعل المضارع، فلو قلت من علامات الفعل المضارع «لما» أيضًا، صح كلامك، لأن «لما» النافية و«لم» كلاهما يخصان بالفعل المضارع. طيب الجزم، كلاهما أداة جزم. قال: «وقلب زمانه إلى الماضي»، كلاهما يقلبان زمن المضارع إلى الماضي، فكذلك «لما» حرف نفي وجزم وقلب. لاحظوا في المعنى ما ذكروا، نزيده النفي، كلاهما يأتي بالنفي، صح؟ وأوضحنا معناها، يعني هما حرفية، واختصاص بالمضارع، وجزم، وقلب زمن. طب في معنى خامس واضح فيهما، ما هو؟ النفي. هذه «لم» وهذه «لما» تنفي، فإذاً تشتركان في خمسة معاني.

طيب الآن أوجه الفرق بين «لم» و«لما» في استخدامات العرب، قال: «وتفارقه وتفارقها»، أي «لما» تفارق «لم» في أربعة أمور، تحتاج تركيزًا قليلًا: واحد، المنفي بها مستمر انتفاؤه إلى زمن الحال، بخلاف المنفي بـ«لم» فإنه قد يكون مستمرًا مثل «لم يلد»، وقد يكون منقطعًا. إيش معنى هذا الكلام؟ الآن «لما» إذا جزمت الفعل المضارع فالمعنى الذي نستفيده أنها تنفي وقوع الفعل المضارع في الماضي والنفي مستمر إلى لحظة التكلم، هذا معناها، ليس لها إلا هذا المعنى، لا يجوز أن تخالف هذا المعنى فيه.

إذًا إذا نفيت بـ«لما» أيها المتكلم، إيش المعنى الذي سنستفيده؟ معنى واحد أنك تنفي وقوع الفعل في الماضي وأن نفي وقوعه مستمر إلى اللحظة الحالية، فلا يجوز في «لما» أن يراد بها نفي الماضي ويكون الماضي قد انقطع والآن ثبت؛ ما يصير أقول: «لما يقم محمد» ثم قام، ما يصير لأنه لازم لما تقول «لما يقم محمد» للحظة التكلم هذه النفي موجود، فلا يجوز بعدها إثبات في اللغة العربية، فإذا قال طالب: «لما يقم محمد» ثم قام، نقول له لحنت وأخطأت وأتيت بما لم تتكلم به العرب. أما «لم» فلها حالان، يمكن أن تنفي الماضي وينقطع، والآن يكون مثبتًا، مثل: «لم يكن محمد» ثم قام، ينقطع فيها، يقول يمكن أن ينقطع نفيها في الماضي.

وكذلك يمكن أنه يستمر نفيها ليس فقط للحال، بل يستمر نفياً للمستقبل وإلى أبد الآباد. فلو وسعنا قليلاً، يمكن أن تنفي بها الماضي وينقطع، كأن تقول: لم يكن محمد ثم قام. ويمكن أن يستمر نفيها إلى المستقبل وإلى أبد الآباد. أما "لما" فتنفي الماضي ويستمر نفيها إلى الحال، وتقف؛ لا تنفي المستقبل، هي تنفي إلى الحال. فهذا الفرق الأول بين "لم" و"لما".

فلاحظوا: ﴿لَمْ يَلِدْ﴾، هنا "لم" نفت الماضي والنفي مستمر إلى المستقبل، أليس كذلك؟ وفي قوله سبحانه وتعالى: ﴿هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا﴾ [الإنسان: 1]، هنا انقطع النفي؛ لأنه لم يكن شيئاً مذكوراً ثم أصبح مذكوراً، هذا هو معنى الآية. فإنه لم يكن في الماضي شيئاً، ثم هو الآن يسير على الأرض. فانتبه وتذكر أيها الإنسان أنك كنت في الماضي شيئاً عدماً؛ لأن المعنى أنه لم يكن شيئاً، ثم كان بعد ذلك شيئاً مذكوراً.

فمعنى الآية: هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً ثم أصبح بعدها شيئاً مذكوراً؟ هذه التكملة ليست موجودة في الآية، لكنها مفهومة من السياق، هكذا يقول ابن هشام. فالنفي منقطع: لم يكن شيئاً مذكوراً ثم أصبح شيئاً مذكوراً، مثل: لم يقم ثم قام. ومن ثم امتنع أن تقول: لما يقم محمد ثم قام؛ لأنه لازم حين تحكي هذه الجملة أن هناك نفياً إلى الآن. قال: لما فيه من التناقض؛ والتناقض أنه لما تنفي وقوع الفعل إلى الحال، ثم تقول: لما يقوم محمد ثم قام، فكيف تنفي وقوعه في الحال ثم تثبت أنه قام؟ هذا هو التناقض. وقال: وجاز "لم يقم ثم قام"؛ لأنه هنا يمكن أن يكون نفيها منقطعاً.

الفرق الثاني أن "لما" تؤذن كثيراً، وطبعاً "كثيراً" ضابط يعني ليس دائماً أبداً، لكن كثيراً. لما تؤذن كثيراً بتوقع ثبوت ما بعدها. الآن ذوقك يشهد أيها الأحبة أن قوله تعالى: ﴿بَل لَّا يَذُوقُونَ الْعَذَابَ﴾ [الدخان: 56]، ماذا تفهم منها؟ وهي صح نفت أنهم ذاقوا العذاب، لكن فيها لغة التهديد؛ أي لم يذوقوا العذاب لكن انتظروا قليلاً فالعذاب سيأتي. أنت بالذوق تشعر بهذا المعنى؛ "لما يذوقوا العذاب" هي تهديد أكثر من مجرد نفي. لذلك "لما" تؤذن، أي تعلم كثيراً، ونستفيد منها كثيراً توقع ثبوت ما بعدها؛ أي إلى الآن لم يحدث، لكن صيرورته في المستقبل محتملة بشكل كبير، بل قد يكون مجزوم بها في بعض الأحيان.

قال: أي إلى الآن لم يذوقوا، لكن الجملة وسوف يذوقونه هي التهديد. أما "لم" فلا نستفيد منها ذلك؛ "لم" تنفي، لكن لا تؤذن، لا نشعر بأن الشيء المنفي سيحدث في المستقبل، لا نشعر بهذا المعنى فيها، قال: "لم" لا تقتضي ذلك. ذكر هذا المعنى الزمخشري رحمه الله، وما معنى الزمخشري؟ الإمام جار الله الزمخشري؛ قال: "والاستعمال والذوق يشهدان به"، يعني الاستعمال الذي سمعناه عن العرب والذوق السليم لما يعرف الفرق بينهما وبين "لم" في هذه القضية.

الفرق الثالث أن الفعل يحذف بعدها، يقال: هل دخلت البلد؟ فتقول: قاربتها ولما تُرِدْ، ولما أدخلْها. ولا يجوز: قاربتها ولم، ويُقدر بعدها الفعل المضارع المحذوف. وهذا واضح أنه يجوز حذف الفعل المضارع المجزوم بعدها ويقدر في السياق، لكن "لم" لم يُسمع عن العرب -ولا أريد هناك أمثلة شاذة- لكن الأصل أنه لم يُسمع عن العرب أن يحذف الفعل المضارع المجزوم بعدها.

الرابع أنها لا تقترن بحرف شرط بخلاف "لما"؛ فلا يجوز أن يقع بعدها أداة من أدوات الشرط، فلا تقول: إن لما يأتي محمد أكرمه، "إن لما يأتي محمد يعاقبه" لا تصلح، بينما "لم" يأتي قبلها أدوات الشرط، فتقول: إن لم يأتِ محمد اليوم... هي تقول: إن ما أتى محمد اليوم، لكن إن لم يأتِ محمد سيحرم الجائزة مثلاً. لو أصلحنا هذا، فهذا يجوز في اللغة العربية ولا إشكال فيه ولكن نحتاج إلى شيء من التأول، مثل: إن لم تقم قمت، ولا يجوز أن تقول: إن لما تقم قمت.

انتهينا من "لم" و"لما". الجازم الرابع: لام الطلب، وهي اللام التي تدل على الطلب، وهذه ليست حرف جر، بل هي لام الطلب، حرف مبني على الكسر لا محل له من الإعراب، وليس حرف جر. ماذا تعمل؟ تعمل الجزم وتدل على الطلب. وإذا سميت لام الطلب دل ذلك على الطلب. فتقول: "لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ"، ماذا فهمت؟ "لينفق" تفهم منها الطلب، ينفق فعل مضارع مجزوم بلام الطلب.

قال: وهي الدالة على الأمر أو الدعاء. طبعاً أنا قلت لكم التفريق بين الأمر والدعاء هو تفريق أدبي، أما هو في النهاية فكلاهما طلب. لو قلت: ليقضِ، أو لينفق، كلاهما طلب. لكن: ﴿لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: 77]، هؤلاء أهل جهنم وهم أهل الدون، أعوذ بالله من حالهم، لمالك خازن النار؛ فاعتبروها دعاءً لأن هذا الأمر جاء ممن هو أسفل لمن هو أعلى، فلا نسميه أمراً بل نسميه دعاءً من باب الأدب.

الجازم الخامس: "لا" الطلبية، التي نسميها "لا الناهية"، لأنها طبعاً للطلب كما درسنا في كل الفقه؛ هناك طلب فعل، وهناك طلب ترك، فتستخدم له "لا الناهية". فتقول: وهي الدالة على النهي، مثل: «لا تشرك بالله». والنهي إذا كان من أعلى لأسفل كما قالوا، وإذا كان من أسفل لأعلى تسميه دعاءً، مثل: «لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا».

فهذه خلاصة القول في الجوازم. صلى الله على سيدنا محمد وعلى صحبه أجمعين، إن شاء الله في الدرس القادم ننتهي من الجوازم بإذن الله ونشرع في الأسماء.