بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين ومحجة للسالكين، وممهد قواعد الفقه في الدين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم.
انتهى بنا المطاف أيها الأحبة في شرح كتاب قطر الندى وبلع الصدى للإمام ابن هشام الأنصاري رحمه الله، إلى الحديث عن نواصب الفعل المضارع. وكنا في بداية هذا الباب بينا أن نواصب الفعل المضارع أربعة، وهي «أن»، وبدأنا بها لأنها تنصب من دون شروط، وكي ثنينا بها لأن لها شرطاً واحداً حتى تكون ناصبة، ما هو شرطها؟ أن تكون مسبوقة بأن لفظاً أو تقديراً.
وبينا أن إذا تكن ناصبة بشروط ثلاث، أن تكون مصدرة في بداية الجملة، وأن يكون الفعل بعدها للاستقبال، وألا يفصل بين «أن» وبين الفعل المضارع فاصل إلا ما تسمح فيه من القسم. وقد بدأنا بما بدأنا به، وقلنا إنه من أول الباب، وإنما أخرنا الحديث عنها لكثرة تفاصيلها.
عرفنا أن «أن» أنواع؛ هناك «أن» التفسيرية، وهناك «أن» الزائدة، وهناك «أن» الناصبة أو المصدرية. وبدأنا نقول إن هناك «أن» التفسيرية والزائدة والمصدرية. وعرفنا أن المصدرية لها نوعان: إما أن تكون «أن» المصدرية هي المخففة من «أن» أصالة، وإما أن تكون «أن» المصدرية هي الناصبة مباشرة للفعل المضارع، ليست مخففة، بل هي ابتداء على هذه الصورة تنصب المضارع، وهي المراد في هذا الباب، الناصب للمضارع.
عرفنا متى تكون «أن» المصدرية إذا كانت يمكن أن تكون «أن» المخففة من «أن» ويمكن أن تكون «أن» الناصبة؟ هذا فصل في الدروس السابقة لا أريد أن أكرره مرة أخرى، كيف نفرق بين «أن» المخففة و«أن» الناصبة للفعل المضارع؟ وندخل مباشرة في هذا الناصب للفعل المضارع.
عرفنا أن الناصب للفعل المضارع له ثلاثة أحوال: إما أن تكون ظاهرة وجوباً، وإما أن تكون مضمرة جوازاً، وإما أن تكون مضمرة وجوباً. وعرفنا أن الناصب للفعل المضارع تكون ظاهرة وجوباً إذا وقعت بين لام التعليل الجارة وبين «لا» النافية، وهو موضع واحد فقط تكون فيه ظاهرة وجوباً.
ثم انتقلنا إلى المواضع التي تضمر فيها جوازاً، فعرفنا أنها تضمر جوازاً في موضعين. الموضع الأول: إذا وقع عندنا فعل مضارع معطوف بالواو، أو الفاء، أو ثم، أو أو، على اسم خالص. وقلنا الاسم الخالص هو المصدر أو اسم الجنس، فإذا جاء فعل مضارع معطوف على اسم خالص فإن الفعل المضارع في هذه الحالة يكون منصوباً بأن مضمرة جوازاً، أي يجوز أن تظهر في بعض السياقات.
الحالة الثانية مما تضمر فيه «أن» جوازاً: إذا دخلت لام الجر على الفعل المضارع، بشرط ألا تسبق هذه اللام بما كان أو لم يكن؛ لأنها إذا سبقت لام الجر بما كان أو لم يكن لا تضمر جوازاً. فانتقلنا إلى أول صورة من صور الإضمار الوجوبي، فإذا دخلت لام الجر على الفعل المضارع ولم تسبق بما كان أو لم يكن، في هذه الحالة نقول تكون لام الجارة ويكون الفعل المضارع منصوباً بأن مضمرة جوازاً، والمصدر المؤول من «أن» والفعل المضارع مجرور بلام الجر، وهذه اللام قد تفيد العاقبة وقد تكون زائدة، فهذه معانيها، أما هي لام الجر. إذاً هذان موضعان تضمر فيهما «أن» جوازاً.
المرحلة الثالثة: أن تضمر وجوباً. وقلنا متى تضمر وجوباً؟ في الحقيقة ابن هشام بدأ كتعداد عدّ خمس صور، وأضفت أنا صورة سادسة فهمت من كلام ابن هشام في «كي». ما هي الصور الخمس التي عد ابن هشام لأن «أن» تضمر وجوباً؟
الصورة الأولى: لام الجحود، وهي لام الجر التي دخلت على الفعل المضارع وكانت هذه اللام الجارة مسبوقة بما كان أو لم يكن، أو كما عبر ابن هشام مسبوقة بكون ماض منفي، وهو ما كان أو لم يكن. في هذه الحالة يكون الفعل المضارع منصوباً بأن مضمرة وجوباً، و«أن» مع الفعل المضارع في محل جر بلام الجر التي نسميها هنا لام الجحود لأنها وقعت بعد نفي.
الحالة الثانية التي تضمر فيها «أن» وجوباً التي ذكرها ابن هشام هي بعد «حتى» الجارة؛ فحتى الجارة يأتي بعدها فعل مضارع منصوب بأن مضمرة وجوباً. طبعاً عرفنا أن «حتى» أحياناً يكون الفعل المضارع بعدها منصوباً، وأحياناً يكون مرفوعاً بحسب الشروط والتفصيل الذي أسبغناه في الدرس الماضي، ولا نحتاج إلى التكرار لنستغل الوقت.
اليوم سننتقل إلى الصورة الثالثة التي تضمر فيها «أن» وجوباً. إذا ذكرنا صورتين بعد لام الجحود وبعد حتى الجارة بشرطها، اليوم ننتقل إلى الصورة الثالثة. ولكن هنا طبقاً للمسألة الثانية، لكنها الصورة الثالثة من حيث الحساب؛ لأنه ذكر لام الجحود وذكر حتى ثم ذكر «أو»، فهي فعلياً الثالثة. لأنك إذا عدت إلى السياق وفي الشرح قال ولما ذكرت أنها تضمر وجوباً بعد لام الجحود استطردت في ذكر بقية المسائل وهي أربع، فإذاً مع لام الجحود هي الخامسة، فذكر إحدى بعدها حتى، اليوم ندخل في المسألة الثانية.
قال: «بعد أو». ونذهب إلى ابن هشام قال في الشرح المسألة الثانية: «بعد أو» التي بمعنى «إلى» أو «إلا». الآن أيها الأحبة، إذا وقع فعل مضارع بعد «أو»، علينا ابتداءً أن ننظر في معنى «أو»، أهي حرف عطف؟ لاحظ الآن نتكلم عن حرف عطف، في المعاني السابقة كان عندنا «حتى» حرف جر، ولام الجحود كانت حرف جر، أليس كذلك؟ الآن «أو» ثم في المسألة التي ستأتي بعدها؛ فالفاء السببية، والأخيرة واو المعية، هذه الأحرف الثلاثة الأخيرة: «أو»، وفاء السببية، وواو المعية، كلها حروف عطف.
جميل؟ كلها حروف عطف، لذلك ابن هشام رتب هذا الترتيب؛ بدأ بحروف الجر: لام الجحود وحتى الجارة، ثم ختم بحروف العطف: «أو»، وفاء السببية، وواو المعية. فبدأ رحمه الله، «أو» عندما تكون حرف عطف أيها الأحبة لها معانٍ كثيرة، كما قال ابن مالك في الألفية: «خيرُ أبْهَمِي وأشكِك وأضربِ».
أيضاً "أو" لها معاني كثيرة في اللغة العربية. من معانيها التي تأتي عليها أن تكون بمعنى "إلى" أو بمعنى "إلا"، هذان معنيان يحتمل أن تأتي عليهما، أو قد تأتي للإباحة، قد تأتي للتخيير، قد تأتي للتقسيم؛ تأتي لمعانٍ كثيرة كما قال ابن مالك.
من المعاني التي تأتي لها أن تكون بمعنى "إلى" أو بمعنى "إلا" كأداة استثناء، إلا إذا جاءت بمعنى "إلى" أو بمعنى "إلا" وجاء بعدها فعل مضارع، فهذا الفعل المضارع يكون منصوباً بـ "أن" مضمرة وجوباً؛ هذه هي القاعدة.
سأل أحدهم: يا شيخ، كيف أميز بين "أو" التي تفيد معنى الإباحة أو التقسيم، أو معنى "إلا" أو "إلى"؟ قلت: ما في حل ثالث، لا يوجد عندنا حل ثاني، السياق هو الذي سيحدد عليك، أن تفهم معنى الجملة، بعد أن تفهم معنى الجملة تستطيع أن تحدد معنى "أو".
ذكروا أمثلة، رحمهم الله، بعد "أو" التي بمعنى "إلى" -أي بمعنى حرف الجر "إلى"- أو تأتي بمعنى "إلا". فالأول، أي مثال "أو" التي بمعنى "إلى"، كقولك: «لألزمَنَّكَ أو تقضيني حقي». ماذا تفهم من هذه الجملة؟ «لألزمَنَّكَ أو تقضيني حقي»، ما المعنى الذي استفدته من "أو" هنا؟ "لألزمَنَّكَ" يعني سأظل وراءك إلى أن تقضيني حقي. هذا أصل الجملة، "لألزمَنَّكَ" وأبقى ملازماً لك، وسأطاردك في المسجد وفي السوق وفي كل مكان تذهب إليه، أو تقضي، يعني إلى أن تقضيني حقي؛ هذه هي انتهاء الغاية.
لكن لم يقل "إلا"، هو استخدم "أو" العاطفة: «أو تقضيني». لاحظوا "تقضيني" فعل مضارع منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة؛ لأن الفتحة تظهر على الياء لخفتها. إذا قال لك شخص: منصوب بماذا؟ تقول له: منصوب بـ "أن" مضمرة وجوباً. والنون هي تسمى نون الوقاية، أحسنت، نون الوقاية التي تقي الفعل المضارع. أي فعل أيها الأحبة اتصلت به ياء المتكلم، لا يجوز أن تتصل بياء المتكلم مباشرة إلا ما استثني طبعاً، لكن الأصل أنه لا يجوز أن تتصل به ياء المتكلم مباشرة، فيفصلون بين ياء المتكلم والفعل بنون تسمى نون الوقاية، وهي حرف لا محل له من الإعراب، أُتي به للوقاية ليقي الفعل.
الآن، تذكر ياء المتكلم عندما قلنا إن الأسماء التي تتصل بها ياء المتكلم تُعرف بإعراب مقدر، لماذا هو مقدر؟ منع من ظهوره اشتغال المحل بحركة مناسبة لياء المتكلم. ياء المتكلم بطبيعتها تطلب كسرة قبلها، تقول: أنا لا أدخل حتى يُكسر ما قبلي. إذا أردنا أن ندخل ياء المتكلم على الأفعال، سواء كان فعلاً ماضياً أو مضارعاً، فالأفعال بطبيعتها لا تُكسر، لذلك لا تُجر، فلا تُكسر.
فكيف ندخل ياء المتكلم على الفعل مع أن الفعل لا يُكسر، والياء تقول: أنا لا أدخل حتى يُكسر ما قبلي؟ فقالوا: نأتي بحل وسط بين الفعل وبين ياء المتكلم، أتينا بوسيط وهو النون، زادته العرب بين الفعل وبين ياء المتكلم، وهذه النون تسمى نون الوقاية، وهذه النون هي التي ستُكسر. قالوا: نكسر هذه النون الزائدة؛ هكذا نتخلص من مشكلة كسر الفعل، ونُجبر خاطر الياء بأن نأتي قبلها بكسرة.
فهذه النون يخطئ بعض الطلاب بكثرة النونات التي دخلت فيقول: فكرنا نون النسوة، فبعض الطلاب قد يظن أن هذه النون نون أخرى، لكن هذه ليست أفعالاً خمسة، ولا هي نون النسوة، لاحظوا هذه نون تسمى نون الوقاية.
فكيف نعرب؟ "تقضيني": "تقضي" فعل مضارع منصوب بـ "أن" مضمرة وجوباً، والفاعل ضمير مستتر وجوباً تقديره "أنت" -وسنأتي إن شاء الله متى يُضمر الفاعل وجوباً إلى غير ذلك-. النون نون الوقاية لا محل لها من الإعراب، والياء ضمير متصل مبني على السكون في محل نصب مفعول به. ياء المتكلم إذا دخلت على الأفعال إعرابها مفعول به، انتبهوا لهذه القضية، بخلاف ياء المخاطبة التي إذا دخلت على الأفعال المضارعة تكون فاعلاً. أحياناً تتعدد الأنواع، لكن الطالب يضيع دائماً مع ياء المتكلم، فإعرابها دائماً مفعول به لما تدخل على الأفعال.
يقول الشاعر في البيت المشهور: «لأستسهلنَّ الصعب أو أدرك المنى ... فما انقادت الآمال إلا لصابرِ»
ماذا نفهم من معنى البيت؟ حاول تستشعر المعنى؛ "لأستسهلنَّ الصعب" و"أو" هنا بمعنى "إلى أن أدرك المنى"، سأبقى أستسهل الصعب إلى أن أدرك المنى. وهذا حال طالب العلم مع العلم أيها الأحبة، يحاول أن يستسهل العلم ويشعر نفسه بأن هذا العلم سهل، لكن عليه بالممارسة والجد في الطلب والمثابرة واستغلال الأوقات وساعات العمر، وإلا سيضيع ساعاته في غير النافع والجلوس أمام وسائل التواصل. يبقى الطالب يستسهل ويستمر في هذا ولا يشعر أن هناك صعوبة إلى أن ييسر الله عز وجل له بلوغ الغايات، وأن يصبح طالب علم أو عالماً ينفع هذه الأمة.
أريد أن أقول لكم إعراب قضية الآن أيها الأحبة؛ نحن نقول في "لأستسهلنَّ الصعب أو أدرك المنى" وكذلك قولنا "لألزمَنَّكَ أو تقضيني حقي" إن هناك "أن" مضمرة وجوباً نصبت الفعل المضارع، وهذه "أن" بالفعل المضارع بعدها سيسبكان معاً وينتجان مصدراً مؤولاً. هذا المصدر المؤول على ماذا يكون معطوفاً؟ لأنه في النهاية حرف عطف، فإذا كان عندنا معطوف ومعطوف عليه، فالمعطوف هو المصدر المؤول من "أن" المضمرة وجوباً مع الفعل المضارع.
يقولون إن المصدر المؤول بعد فاء السببية أو واو المعية يكون معطوفاً على المصدر المفهوم من الفعل السابق، فالذي يظهر لي أن "أو" بنفس المنهج.
أو بنفس المنهج في هذه الحالة، هذه فائدة. حتى الشيخ محمد محيي الدين، أنا أحاول أن أنظر في الإعرابات وما وجدته يذكر الإعراب، ثم يعطيني المصدر المؤول، لكنه لم يذكر إعراب المصدر المؤول، وفي النهاية يوجد مصدر مؤول.
فعندما أقول: «لألازمنك أو تقضيني حقي»، الآن «تقضيني» منصوب بـ «أن» مضمرة وجوبًا، صح؟ عندنا مصدر مؤول من «أن» المضمرة وجوبًا مع الفعل المضارع. «أو تقضيني» أي: «إلى قضائك»، القضاء نؤول «أن» مع الفعل المضارع بمصدر القضاء؛ أي: «إلى قضائك حقي». هذا المصدر المؤول الذي هو «القضاء» الناتج من سبك «أن» مع الفعل المضارع معطوف على ماذا؟ يقول: معطوف على المصدر المفهوم فهمًا من الفعل السابق لأول.
الآن ما هو الفعل السابق لأول؟ «لألازمنك». الآن «ألزم» هذا فعل، صح؟ فعل مضارع. والأكيد أن الأفعال بشكل عام -ماضي أو مضارع- لا تدل على ماذا؟ لا تدل على مصدر وعلى ماذا؟ تدل على زمن. فالآن «لألازمنك»، هناك مصدر مفهوم من «لألازمنك» وهو «اللزوم». أي فعل أيها الأحبة -ماضٍ أو مضارع أو أمر- يدل على ماذا؟ يدل على حدث، الذي هو المصدر، ويدل على زمن. في الفعل الماضي، يدل على الحدث وعلى زمن، مثل «ضرب»؛ تدل على الحدث وهو الضرب، وعلى زمن هو الزمن الماضي. وفي الفعل المضارع «يضرب»، يدل على حدث وهو الضرب وعلى زمن وهو زمن الحال، وهذا أخذناه عندما تكلمنا في ندوة المقصود في علم الصرف. بارك الله فيكم، فتدل الأفعال على مصادر وعلى أزمنة؛ دلالة المصدر الذي هو الحدث مع الزمن.
ففي مثل هذه الحالة، عندما نقول: «لألازمنك أو تقضيني»، يصعب تقويل المصدر المؤول مصدرًا معطوفًا على الفعل مباشرة، فيقولون: لا، المصدر المؤول معطوف على المصدر المفهوم من الفعل السابق أولًا. فكان المصدر المؤول هو «القضاء»، معطوفًا على «اللزوم». والآن كلمة «لزوم» موجودة؟ لا، لكنها هي المصدر لفعل «لألازمنك»، المصدر المفهوم من فعل «لألازمنك». فهكذا تقول: المصدر المؤول معطوف على المصدر المفهوم من الفعل السابق أولًا.
نفس الشيء في: «لاستسهلن الصعب أو أدرك المنى». هناك مصدر مؤول وهو «الإدراك»، ناتج من دمج «أن» مع «أدرك»، أنتجنا مصدرًا وهو «الإدراك». إذاً «الإدراك» هو المصدر المؤول الناتج من سبك «أن» مع الفعل «أدرك». هذا المصدر المؤول الذي هو «الإدراك» معطوف على المصدر المفهوم من الفعل «لاستسهلن»، الذي هو «السهولة».
فبهذا المنهج، نعرب المصدر المؤول الواقع بعد «أو»؛ لهذا المنهج نعرب المصدر المؤول الواقع بعد «أو» أنه يكون معطوفًا على الفعل الواقع قبلها، فإذا كان الفعل مرفوعًا قبل «أو»، سيكون المصدر في محل رفع؛ لأن المصادر المؤولة لها محل من الإعراب. فالآن «لألازمنك»، الفعل المضارع ليس منصوبًا ولا مجزومًا، والمصدر المؤول يقول: معطوف على المصدر المفهوم من الفعل السابق في محل رفع، لأن المصدر المؤول دائمًا كما قلنا ليس له محل من الإعراب، فهو في محل رفع. وعلى ذلك في «لاستسهلن الصعب أو أدرك المنى»، هناك مصدر مؤول، والفعل المضارع مبني على الفتح في محل رفع كذلك. «لألازمنك»، الفعل «ألزم» تقول يا شيخ هذا منصوب، لا، هذا مبني لاتصاله بنون التوكيد في محل رفع، فإذاً هو مرفوع، والمصدر المؤول الواقع بعد «أو» سيعطف على ذاك المحل، أي على الرفع. جميل؟ فبهذه الطريقة نعرب المصدر المؤول الناتج من «أن» المضمرة وجوبًا مع الفعل المضارع.
قال: والثاني مثال: «أو» بمعنى «إلا»، كقوله: «لأقتلن الكافر أو يسلم». ماذا تفهم من «لأقتلن الكافر أو يسلم»؟ هل تفهمون معنى «إلا»؟ «لأقتلن الكافر إلى أن يسلم». لا يصلح معنى «إلى» هنا، كما في «لأستسهلن الصعب»، أي: سأبقى أستسهل الصعب إلى أن أصل إلى الغاية. «لألازمنك أو تقضيني حقك»، أي: سأبقى ألزم حتى تقضيني. لكن «لأقتلن الكافر أو يسلم» لا ينفع؛ فالمعنى «سأبقى أقتل الكافر إلى أن يسلم»، وقد قتلته مرة واحدة، أي انتهى الأمر، مستحيل أن أستمر في قتله إلى أن يسلم.
إلى هنا، فالمعنى الأنسب لـ «أو» هنا هو «إلا»، كقوله: «لأقتلن الكافر إلا أن يسلم»، وهذا واضح. فـ «يسلم» فعل مضارع منصوب بـ «أن» مضمرة وجوبًا، والمصدر المؤول من «أن» والفعل المضارع معطوف على المصدر المفهوم من فعل «لأقتلن» في محل رفع.
جميل، وبنفس الطريقة، وقول الشاعر: «وكنت إذا غمستُ قناة قومٍ ... كسرتُ كعوبها أو تستقيمَ». هذا البيت طبعًا فيه كناية. «قناة» القوم هي الرمح، و«كعوبها» هو الطرف المدبب في رأس الرمح، الطرف المدبب الذي يتم به القتل. فيقول: «وكنت إذا غمست قناة قوم»، أي إذا أمسكت رمح قوم، «كسرت كعوبها»، أي كسرت المقدمة، «أو تستقيم». طبعًا هذا البيت كناية، ماذا يريد أن يقول؟ يريد أن يقول: أنا إذا هجوت قومًا، فإما أن يعتدلوا معي ولا يسببوا مشاكل فيستقيموا، وإما أن أكسرهم بهجائي. هذا كناية، لكنه يذكر الرمح. هو يريد أن يقول: أنا إذا هجوت قومًا فسأبقى أهجوهم، ومعهم حالتان: إما أن أستمر في هجائهم حتى أكسرهم، أو يستقيموا فلا يغلبوني ويمشوا معي دغري فأتركهم.
فكنا عن هذا المعنى بهذه القضية: أنا إذا غمست قناة قوم، أي رمحهم، كسرت كعوبها، أي كسرت المقدمة، «أو تستقيم». الآن «أو» هنا بمعنى ماذا؟ ما المعنى المناسب هنا؟ «وكنت إذا غمست قناة قوم كسرت كعوبها... إلا أن تستقيم». لأنه لا يصلح أن تقول: أبقى أكسرها إلى أن تستقيم، وهذا أصلاً عكس بعض؛ فلا يمكن أن تكون «أو» هنا بمعنى «إلى»، لا ينفع أن يقول: كسرت كعوبها إلى أن تستقيم، فكيف ستستقيم وقد كُسر الكعب؟ فإذا كسرته انتهى الأمر، فكيف سيستقيم؟ فلا يمكن أن يكون بمعنى «إلى»، فهو يريد أن يقول: كسرت الكعب إلا أن يستقيم فلا أكسره. هذا معنى البيت؛ لا ينفع «كسرت الكعب إلى أن يستقيم» لأن ذلك تناقض، فمن كسر الكعب لن يستقيم. فهو يريد أن يقول: أكثرهم إلا أن يستقيموا فلا أكثرهم حينئذٍ. جميل، فـ «أو» بمعنى «إلا»، وبالتالي الفعل المضارع بعد...
أو هنا سيكون منصوبًا بأن مضمرة وجوبًا، والمصدر المؤول من "أن" وتستقيم معطوف على المصدر المفهوم من الفعل السابق. لذلك قال: "ألا إن تستقم فلا أكسر الكعوب"، وشاعر قال: "ألا إن تستقم فلا أكسر كعوبها".
ولا يصح أن تكون هنا بمعنى "إلا"، هنا لا يمكن أن تكون بمعنى "إلا"؛ لماذا؟ لأن الاستقامة لا تنتج من الكسر، بالعكس هي ناتجة عن عدم الكسر، لأن الاستقامة لا تكون غاية للكسر كما قلت لكم. أنت اعكس جملة ابن هشام؛ الكسر لا يؤدي إلى الاستقامة، فالاستقامة ليست غاية الكسر بل هي مناقضة للكسر أصلاً.
انتهينا من أول مسألة، لا نريد أن نطيل أكثر من ذلك فيها. إذا قلنا: الفعل المضارع متى ينصب بأن مضمرة وجوبًا؟ إذا كانت "ألا" بمعنى "إلى" أو "إلا" وعرفنا طريقة الإعراب.
المسألة الثالثة: مما ينصب فيه الفعل المضارع بأن مضمرة وجوبًا؟ قال: بعد فاء السببية. وفاء السببية أيضًا أيها الأحبة هي حرف عطف. إذا المسألة الثالثة: قال بعد فاء السببية، ولكن وضع شرطًا؛ ليس بعد أي فاء سببية، بل قال: بعد فاء السببية بشرط أن تكون مسبوقة بنفي محض أو طلب بالفعل. وهذه فيها قضية فاء السببية تحتاج إلى طالب يضبط ويكتب حتى يفهم الموضوع بأكمله إن شاء الله.
الآن أيها الأحبة، هناك العطف، وقد يفهم منها معنى السببية أيضًا، وقد لا يفهم منها معنى السببية فتدل فقط على عطف ما بعدها على ما قبلها.
طبعًا الفاء لها أنواع، وأنا لا أريد أن أدخل في كل أنواع الفاء، سأذكر نوعين فقط في هذا الباب، نوعين يمكن أن يختلطا على الطالب: هناك عاطفة، وهناك فاء استئنافية. الاستئنافية هي التي تبدأ بعدها بجملة جديدة ليس لها علاقة بالجملة السابقة فلا تفيد معنى العطف. الفاء الاستئنافية تفيد أن ما بعدها جملة جديدة ليست معطوفة على الجملة السابقة، لذلك إذا رأيت استئنافًا فكأني الآن في جملة جديدة.
مثال مثلاً: فاء استئنافية: "ألم تسأل الربع القواء فينطق؟". هذا مقطع في بيت شعر. ألم تسأل الربع القواء فينطق؟ الربع هو الأرض التي قد يكون فيها ماء وما شابه ذلك، لكنه قال القواء.
الآن "فينطق"، هذه الفاء لا يمكن أن تكون فاء عاطفة؛ ليه؟ لأن لو كانت عاطفة -وسنادرِس إن شاء الله أن المعطوف يأخذ حكم المعطوف عليه- لو كانت فاء عاطفة الآن "ينطق" ستكون معطوفة على ماذا؟ ستكون معطوفة على الفعل السابق وهو "تسأل".
"ألم تسأل فينطق؟"، لو كانت معطوفة ستكون "ينطق" معطوفة على "تسأل"، و"تسأل" إعرابها فعل مضارع مجزوم، إذًا لو كانت هذه الفاء فاء عطف، يجب أن يكون الفعل "ينطق" مجزومًا لأن المعطوف يأخذ حكم المعطوف عليه؛ إذا كان المعطوف عليه مجزومًا يكون المعطوف مجزومًا، وإذا كان منصوبًا يكون المعطوف منصوبًا، وإذا كان مرفوعًا يكون المعطوف مرفوعًا؛ أليست هذه قاعدة العطف بشكل عام؟ ما بعد حرف العطف يشارك ما قبله في الإعراب لأنه من التوابع.
لاحظنا أن "فينطق" مرفوعة، مع أن "تسأل" مجزومة، فمباشرة عرفنا أن هذه ليست فاء العطف. الشاعر باختصار لم يرد العطف، أراد الاستئناف ليبدأ جملة جديدة: "ألم تسأل الربع القواء فينطق هذا الربع؟". أراد جملة جديدة ولم يرد أن يعطف "ينطق" على "تسأل"؛ لأنه لو عطف لكان المعنى: "ألم تسأل الربع القواء فلم ينطق؟"، وهذا يختلف مع معنى الشاعر تمامًا، فهو أراد أن يقول "ألم تسأل الربع القواء فينطق؟" أي يريد إثبات النطق لا نفيه، فلو قلت "فلم ينطق" لاختلف المعنى. لذلك أتى بالاستئناف، ولذلك لا يصح هنا الجزم، لأنه إذا وضع الجزم سيكون معطوفًا على "تسأل" فيكون النفي الذي دخل على "تسأل" داخلًا حكمًا على "ينطق".
المهم، هناك فاء تسمى الفاء العاطفة، وهي على نوعين: فاء عاطفة تفيد معنى السبب أيضًا، وهناك فاء عاطفة لا تفيد معنى السبب وتفيد فقط العطف. محض العطف تعطف ما بعدها على ما قبلها من دون أن تدل على أن ما بعدها نتيجة عما قبلها، أما الفاء العاطفة التي تفيد معنى السببية فهي تفيد أن ما بعدها نتيجة وثمرة عما قبلها.
إذًا الفاء العاطفة على نوعين: هناك فاء عاطفة يستفاد منها أيضًا معنى السببية، واضبط أنه ما بعد الفاء ثمرة ونتيجة عما قبل الفاء، وهناك فاء عاطفة لا تفيد معنى السببية وتفيد فقط مشاركة ما بعد الفاء لما قبل الفاء في الحكم من دون دلالة على أن ما بعدها ناتج عما قبلها.
نحن الآن نتكلم عن أي نوع في هذا الباب في باب نواصب الفعل المضارع؟ نتكلم عن الفاء العاطفة التي تفيد معنى السببية، ودعني أتكلم عن الاستئنافية ولا أتكلم عن الفاء العاطفة المحضة. طبعًا أيها الأحبة إدراك هذا الفرق بين هذه الأحرف مهم، لأن المعنى سيختلف تمامًا، وستلاحظون ذلك عندما تتعمقون وتفكرون في المعنى.
أعطيكم مثالًا على فاء عاطفة لا تفيد معنى السببية، قال الله عز وجل في سورة المرسلات: ﴿وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: 43]. هذه الفاء أيها الأحبة للعطف فقط في هذا السياق؛ ليه؟ لو كانت فاء السببية لكان الفعل المضارع بعدها منصوبًا، لأن هنا فاء السببية وجد شرط نصب الفعل المضارع بعدها وهو أنها مسبوقة بنفي.
صح، مش هو بقل لك إيش قال؟ فالسببية إذا كانت مسبوقة بنفي، لا يؤذن لهم فيعتذرون. ليش ما نصب الفعل المضارع بعدها؟ لأن الآية لم ترد من الفاء معنى السببية، فهذه الفاء ليست سببية في هذا السياق، وإنما هي فاء فقط لمجرد العطف.
فهنا أن تلاحظوا كيف سيختلف المعنى؛ "لا يؤذن لهم فيعتذرون" الآية لا تريد منك أن تفهم أن العذر ناتج ومسبب عن الإذن، لا تريد هذا المعنى، ولو نصبت لأفهمت هذا المعنى. لو كان سياق الآية خارج القرآن، لو كان سياق الآية: "لا يؤذن لهم فيعتذروا" بالنصب، إيش بتفهم من هذا؟
حرف السببية إذا كانت منصوبة فهي فاء سببية، فسيصبح المعنى وسنفهمه أن العذر هو ناتج، أن متى يعتذرون؟ أن اعتذارهم يوم القيامة عن أفعالهم الإجرامية هو ناتج عن إذن الله لهم، ناتج وثمرة ومسبب عن إذن الله لهم. فالآية نفت الإذن، فلما نفت الإذن نفت ما سيتسبب عن الإذن من الاعتذار. هذا لو كانت فاء سببية؛ نفت الآية الإذن "لا يؤذن لهم"، إذن فلن ينتج اعتذار، لأنه ربنا أصلاً ما أذن لهم بالاعتذار، فكيف يعتذرون؟
لكن الآية لا تريد منك أن تفهم أن الاعتذار ناتج ومسبب عن الإذن، تريد الآية منك أن تفهم شغلتين: أنه لا يؤذن لهم، وأنهم لا يعتذرون. هذه الفاء عاطفة، عطفت "يعتذرون" على "يؤذن"، بالتالي النفي المسلط على "يؤذن" مسلط أيضاً على "يعتذرون". فالآية تريد منك أن تفهم أنه هؤلاء لا يؤذن لهم فلا يعتذرون، فقط نفي الإذن ونفي وجود العذر، من دون حاجة إلى إرادة معنى أن العذر مسبب عن الإذن. الآية تريد أن تفهم نفي الإذن ونفي الاعتذار، ما يؤذن لهم وأنهم لا يعتذرون يوم القيامة، ولا تريد منك أن تفهم أن العذر ناتج عن الإذن.
لذلك ابن هشام في "أوضح المسالك" يناقش ويقول: هل يجوز لو كانت هذه الآية بالنصب؟ هو هكذا يقول: لو قال قائل هل يجوز أن تأتي هذه الآية بالنصب "لا يؤذن لهم فيعتذروا"؟ يقول: كناحية عقلية ومعنوية ما عندنا مشكلة، ما في مشكلة أن نجعل العذر هو نتيجة عن الإذن، ما في شيء يمنع ذلك؛ أنه ربنا يأذن لهم فإذا أذن لهم يعتذرون، ما أذن لهم لن ينتج اعتذار. أنت ترى أن هذا المعنى مستقيم، ما في مشكلة، هكذا يدور في ذهنك الآن.
فابن هشام يقول: لا مانع من النصب، لكن القرآن لم يأتِ بالنصب، والقراءة سنة متبعة. يعني ما في أني أقعد أجتهد أنا وأقول بما أنه محتمل معنى السببية ليش ما أقرأها بالنصب؟ لا، هو ليس على خاطرك الموضوع، الموضوع أن الآية جاءت بالرفع "لا يؤذن لهم فيعتذرون". لو خارج سياق القرآن أقول لك نعم يجوز أن أنصب وأن تجعل الفاء سببية، بأنك تريد أنه لا يوجد إذن لهم وبالتالي لن يوجد اعتذار مرتب على الإذن، يجوز، لكن خارج السياق القرآني، أما القرآن لم يرد هذا، وإنما أراد فقط مجرد العطف؛ أن تفهم أنه لن يوجد عذر لهم، وأنهم لن يعتذروا يوم القيامة، عفواً أنه لن يؤذن لهم يوم القيامة ولن يعتذروا يوم القيامة عن شيء، فقط تريدك أن تفهم مجرد العطف، لذلك جاء الفعل المضارع مرفوعاً، لاحظ الأفعال الخمسة ثابتة ما حذفت، بالتالي هو مرفوع.
إذن لاحظوا أن التدقيق في المعاني، أو في معاني الفاء وغيرها، يؤثر في فهم المعنى. معنى الفاء والإعراب أثر في الفهم. يقول لي واحد: "يا شيخ شو فائدة الإعراب؟ ليش تتععبوا؟ من دون إعراب ومن دون معرفتك كل هذه الأمور ليس لك علاقة بفهم الكتاب العزيز". ليس لك علاقة، إياك أن تقتحم هذه الأبواب وتبدأ تفسر من عندك. أعطني كيف يمكن أن تفسر وتفهم؟ ما المعنى الذي تريد للآية بالتحقيق وأنت لا خبرة لك بمعنى الفاء ولا خبرة بأن هذا في محل رفع، ومعنى الرفع يختلف لو كانت في محل نصب؟ مستحيل تعرف تفهم الآية فهماً صحيحاً.
المهم، الفاء التي نتكلم عنها الآن التي ينصب الفعل المضارع بعدها بأن نضمر وجوباً هي الفاء العاطفة التي تفيد معنى السببية، لكن ابن هشام اشترط شرطاً حتى ينصب الفعل المضارع بعد فاء السببية، قال: يجب أن تسبق بأحد شيئين: أولاً نفي محض. ماذا يقصد بالنفي المحض؟ يقصد بالنفي الذي لم يبطله شيء.
إذا أردنا أن نمثل الآن كيف يمكن أن يبطل النفي؟ نأخذ أمثلة: "ما زال محمد قائماً". الآن "ما" هي حرف نفي، و"زال" لحالها، إيش معناها في اللغة العربية؟ ذهب وراح، زال الشيء من مكانه، فهي تفيد أيضاً معنى النفي. ونفي النفي إثبات؛ "ما" نافية ثم أتيت بعدها بفعل يفيد معنى النفي أيضاً وهو الفعل "زال"، والقاعدة تقول نفي النفي إثبات، إذا أنا نفيت النفي فقد أثبت. فماذا تفهم من جملة "ما زال محمد قائماً"؟ أنه محمد موجود، لأنك نفيت النفي، فما زال محمد قائماً المراد منها إثبات أن محمداً قائم، كيف أثبتنا مع أنها مصدرة بنفي تبعه نفي؟ فهنا لاحظ أن عندنا نفياً تم إبطاله، فهذا يسمى نفياً غير محض لأنه تم إبطال النفي.
نأخذ مثالاً آخر، وهذه في جميع أخواتها: "ما زال"، "ما فتئ"، "ما برح"، "ما انفك"، هذه الأربعة مسبوقة بـ "ما" النافية أو بغيرها من أدوات النفي، وكلها عبارة عن نفي من نفي فتدل كلها على الإثبات. فهذا قصد ابن هشام، أنه لا بد أن تكون فاء السببية مسبوقة إما بنفي محض، والنفي المحض هو النفي الذي لم يبطله شيء.
نأخذ مثالاً آخر، إيش اللي ذكره ابن هشام؟ قال مثلاً: ﴿مَا تَأْتِينَا إِلَّا لِتَفْتِنَنَا﴾، الآن ما نستفيد منها؟ "ما" تأتينا نافية.
جميل، ما تأتينا هي هنا فعل مضارع، وبعدها عندنا فعل مضارع بعد "إلا"، والفعل المضارع دخلت عليه الفاء، وهذه الفاء في الحقيقة هي فاء سببية.
يا شيخة، هي عاطفة سببية وبعدها فعل مضارع، وهناك نفي في بداية الجملة؛ لماذا لم ينصب الفعل المضارع؟ فتقول: "ما تأتينا فتحدثنا" بالضم، ضممت الفعل المضارع، يعني رفعته. لماذا لم تنصبه؟ أقول لك: صحيح أنا عندي فاء سببية، وصحيح أن الجملة في مطلعها نفي، لكن هذا النفي تم إبطاله، ليس نفياً محضاً. ما الذي يبطل النفي؟ "إلا"، إلا أبطلت النفي.
صح، في نفي في بداية الجملة، ما، لكن هذا النفي تم إبطاله بـ "إلا". فأنت عندما تفهم "ما تأتينا إلا فتحدثنا"، ما معنى الجملة؟ أنت هل نفيت الإتيان ولا أثبت الإتيان؟ "ما تأتينا إلا فتحدثنا" ماذا تفهم أنت من الجملة؟ أنك بتيجي وما بتيجي إلا وتحدثنا. فأنت في الحقيقة لا تريد نفي شيء؛ ابتداءً نفيت، لكنك أبطلت هذا النفي بـ "إلا"، وحولت النفي إلى إثبات. فلو قلت لك: "ما تأتينا إلا فتحدثنا"، أنا لم أنفِ الإتيان، أما استخدمت أسلوباً يسمى أسلوب الحصر في اللغة العربية: أداة نفي في البداية مع "إلا" في الوسط.
فهذا لا يدل على النفي في الحقيقة في النهاية؛ لأنه النفي تم إبطاله بعد ذلك بـ "إلا". فأنت عندما تقول: "ما تأتينا إلا فتحدثنا"، معنى الجملة لا ينفي الإتيان. معنى الجملة أنك راح بتيجينا، ما بتيجي إلا وتحدث فينا، كأنك تقول بالعامية: ما بتيجي إلا بتبلش تسولف، ما تأتي إلا تبدأ تقص القصص، فأنت لم تنفِ حقيقة شيء، أنت حصرت أنه لا يأتي إلا فيبدأ بالتحديث. هذا الذي تريد أن تقوله، فالنفي هنا أيضاً تم إبطاله بـ "إلا". فلذلك بما أن النفي تم إبطاله، هنا الفعل المضارع المتصل بفاء السببية لم تسبقه لا نفي محض ولا طلب، فبالتالي لا يجوز أن ينصب الفعل المضارع بعد فاء السببية في هذه الحالة، بل يرفع.
إذاً، فهمنا ما معنى النفي المحض الذي يريده ابن هشام. النفي المحض ألا يبطل النفي شيء؟ ما الذي يبطل النفي؟ احفظ هذين المثالين: أن يأتي بعده نفي آخر، نفي يتبعه نفي يبطل النفي ويتحول كل الجملة إلى إثبات، ويبطل النفي إذا جاءت "إلا" بعد النفي، هذه تبطل مفهوم النفي. فإذاً لابد أن يكون النفي محضاً.
مثال ذلك: لو قلت "ما تأتينا فتحدثنا"، لو أزلت "إلا" من الجملة السابقة، فمباشرة ينتصب "فتحدثنا"؛ يعني هنا عندي نفي، وعندي فاء السببية، وعندي بعدها فعل مضارع منصوب بأن مضمرة وجوباً.
﴿لَا يُقْضَىٰ عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾ [الأعراف: 147]. الآية ماذا تريد أن تفهم؟ "لا" النافية طبعاً ليس لها علاقة بجزم ولا بنصب ولا بشيء. "يقضى" فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الألف منع من ظهورها التعذر. "عليهم فيموتوا"، يموت من الأفعال الخمسة، ما الذي حذف النون في النهاية؟ أنه الفعل منصوب، فما الذي نصبه؟ أن مضمرة وجوباً لأنه لدينا فاء سببية مسبوقة بنفي، فبالتالي الفعل المضارع بعدها ينصب.
الآن ماذا تفهم من آية ﴿لَا يُقْضَىٰ عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾؟ تفهم أن الموت هو نتيجة عن القضاء عليهم. ومعنى السببية أن الموت الواقع بعد فاء السببية هو نتيجة عن ماذا؟ عن القضاء. والله سبحانه وتعالى نفى القضاء، بالتالي سينتفي ما هو مسبب عن القضاء وهو الموت. الموت مسبب عند القضاء، هكذا أرادت الآية أن تفهم؛ أرادت أن تفهم أن الموت مسبب عن القضاء، والله نفى القضاء، إذاً ماذا سينتفي؟ الموت، والمنجي هنا هو القضاء.
أريد أن أدخل بعض المعاني، أحب أن يتوسع الطالب في مداركه قليلاً. نأتي للمثال الأول: "ما تأتينا فتحدثنا"، ما المعنى الذي يمكن فهمه من الجملة؟ هل يمكن أن تُفهم هذه الجملة على وجهين كلاهما جائز؟
الوجه الأول: نفي الإتيان بالكلية، وبالتالي سينتفي ما هو ناتج عن الإتيان وهو التحديث. هذا هو المعنى الأول، فإذا أنا نفيت الإتيان أصلاً، سينتفي ما هو ناتج عن الإتيان وهو التحديث، وهذا مثل قضية ﴿لَا يُقْضَىٰ عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾؛ الموت مسبب عن القضاء، فإذا نفيت القضاء عليهم سينتفي ما هو مسبب عنه وهو الموت.
لكن في هذه الجملة يمكن أن نفهم معنى آخر، وهو نفي إتيان يعقبه تحديث، وإثبات إتيان لا يعقبه تحديث. هذا المعنى يجب أن تركز فيه قليلاً؛ ألا يمكن أن نفهم هذه الجملة بطريقة أخرى؟ يمكن أن أفهم أنه لم يرد نفي الإتيان بالكلية، وإنما أراد نفي إتيان يعقبه وينتج عنه تحديث، وأراد أن يثبت إتياناً لا ينتج عنه تحديث.
ما الفرق بين المعنى الأول والمعنى الثاني؟ في المعنى الأول هو نفى الإتيان بالكلية، وإذا نفى الإتيان بالكلية سينتفي قطعاً ما ينتج عنه وهو التحديث. وفي المعنى الثاني هو لا يريد نفي الإتيان بالكلية، هو يريد أن ينفي الإتيان الذي ينتج عنه التحديث فقط، ويثبت إتياناً لكنه من نوع آخر، إتيان لا ينتج تحديثاً. فهذا المعنى محتمل وهذا المعنى محتمل. المعنى الأول يقولون فيه إن النفي موجه إلى المعطوف عليه وهو الإتيان؛ لأنك نفيت الإتيان بالكلية. أما المعنى الثاني، فأنت لم تنفِ الإتيان بالكلية، بل نفيت إتياناً يعقبه تحديث، فيقولون إن النفي في المعنى الثاني مسلط في الحقيقة على التحديث، فأنت تريد أن تنفي الإتيان الذي يعقبه التحديث، ولا تريد أن تنفي مطلق الإتيان.
هل هذان المعنيان يردان في كل جملة فيها فاء سببية مسبوقة بنفي؟ لا، عليك أن تركز؛ بعض الجمل تحتمل المعنيين، ويمكن بعض الجمل لا تحتمل إلا معنى واحداً. جملة ﴿لَا يُقْضَىٰ عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾، نأتي إليها؛ نفس فاء السببية مسبوقة بالنفي، ونحن قلنا إن المراد نفي القضاء عليهم بالكلية، بالتالي لن يحدث موت. هل يمكن أن نفهم المعنى الثاني؟ أنه ينفي قضاءً يتبعه موت، ويثبت الآية قضاءً عليهم لا يتبعه موت؟
مش ممكن هذا المعنى الثاني لا يمكن أن يأتي في الآية؛ إنه كيف يقضي عليهم ما يكون موت؟ يعني شوي مش منطقية زي ما تقول. ففي الآية لا، فقط المعنى الأول هو يريد أن نفي القضاء بالكلية، وبالتالي سينتفي ما ينبني على القضاء والموت. أما المعنى الثاني، التي قضاء يعقبه موت وإثبات قضاء لا يعقبه موت، لا يأتي.
فبالتالي عليك أن تفهم هذا المعنى؛ إنه الجمل في اللغة العربية واسعة، وفي تفسير القرآن ستحتاج إلى مثل هذه القضايا، كذلك في الاستنباط الفقهي والاستنباط الأصولي عليك أن تفهم أنه قد يكون النفي ليس مسلطًا على الإتيان بالكلية، بل مسلط على الإتيان المخصوص بالتحديث عقبه، ولكن هناك وقوع من دون تحديث. فإدراك الفرق بين هذه المعاني مهم للطالب.
إذًا هذه القضية الثانية التي تكلمنا عنها، عرفنا إيش معنى النفي المحض؟ عرفنا أنه الفاء السببية المسبوقة بنفي محض يمكن أن تحتمل الجملة معنيين، ويمكن أن تحتمل معنى واحد بحسب السياق، وعلى الطالب وعلى المستنبط وعلى المجتهد أن يركز في التفسير في معنى الحديث وفي معنى الجملة.
قبل أن أقول واخي هندي خلاص، انتقل للشيء الثاني. قال فائز الصبي كم ذاب من الوقت؟ فقط خمسة وخمسون دقيقة، ما شاء الله اليوم فيه بركة في الوقت، الحمد لله. إذًا أن تكون فاء سببية مسبوقة بنفي محض، الحالة الثانية أن تسبق فاء سببية بماذا؟ قال بطلب بالفعل.
أن تكون فاء سببية مسبوقة بطلب، وكلمة الطلب هذه أيها الأحبة قصة؛ لأن الطلب عند النحويين كلمة ما، قال أمر، قال طلب. الطلب يشمل عندهم ثمانية أمور يجمعها قول الشاعر، الآن سأذكر بيت شعر يجمع الطلب:
مُرْ وَادْعُ وَانْهَ وَسَلْ وَصِلْ وَأَعْرِضْ ... أَتَمَنَّى وَأَرْجُو كَذَلِكَ النَّفْيُ
هذا البيت ذكره ابن النحاس -رحمة الله عليه- يجمع ما يسبق فاء السببية. فاء السببية كما قلنا إما أن تسبق بنفي محض أو طلب بالفعل. إيش هو الطلب بالفعل؟ ذكره هنا ابن النحاس وختم بذكر النفي اللي هو النفي المحض.
أنواع الطلب، الطلب أيها الأحبة يقصدون به النحويين؛ أما الأمر وهذا واضح، الأمر طلب، صح ولا لا؟ لكننا سنناقش ما معنى قوله الطلب بالفعل؛ يعني بالفعل وليس بشيء آخر غير الأفعال، لأن الطلب قد نفهمه من غير الفعل، قد نفهم طلب من غير فعل، من اسم فعل مثلاً كما «يتساءل»، صح؟ تفهم مع مطلب، بس هذا مش طلب بالفعل، طلب باسم الفعل. فقيد ابن هشام أنه الطلب يكون بالفعل وليس بغيره، وسنأتي إلى نقاشه إن شاء الله.
لكن أريد أن أبين ابتداءً ما هي أنواع الطلب؟ الأمر: ممتاز، أقول لك: «تكلم»، فتتعلم. يعني مثلاً «تكلم» الآن هذا أمر، «فتتعلم». «ادرس» فتنجح، صح؟ ادرس فتنجح. الآن هذه فاء سببية، صح؟ لأني أردت أن النجاح هو نتيجة عن إيش؟ ثمرة عن الدراسة. وهذه الفاء السببية مسبوقة بإيش؟ إذاً هذه سهلة، فاء سببية مسبوقة بفعل أمر، هنا ينصب الفعل المضارع بعدها بأن مضمرة وجوبًا.
«مُرْ وَادْعُ»؛ الدعاء يا حبايبنا في الحقيقة هو أمر، لكن البعض يفصل بين الأمر والدعاء من ناحية أدبية؛ يقولون الأمر يصدر من العالي إلى من هو دونه، والدعاء يكون من الدون إلى العالي. فأنت عندما تقول: «اغفر لي يا رب فادخل الجنة»، «اغفر لي» من الناحية اللغوية هي فعل أمر، لكن من الناحية الأدبية يسمونها دعاء، لأنها من العبد الفقير إلى الرب الكريم. دخول الجنة هو ثمرة عن مغفرة ربنا سبحانه وتعالى ورحمته، فأنت قلت «اغفر فادخل»، فاء سببية مسبوقة بدعاء.
«وَانْهَ»؛ إذا الطلب إما يكون أمرًا أو دعاء أو نهي. إيش النهي؟ واضح، النهي: «لا تتكلم فأعاقبك»، صيغة شديدة؛ «لا تتكلم» نهي، «فأعاقبك» العقاب هو نتيجة عن تحدثك في المجلس، فأنا أنهاك «لا تتكلم فأعاقبك»، «أعاقب» منصوبة؛ لأن عندي فاء ومسبوقة بنهي.
«وَسَلْ»؛ «سل» يريد بها ماذا؟ الاستفهام. فالاستفهام من أنواع الطلب؛ قلت لك: «هل تأتي اليوم فندرس؟»، فنطلب العلم. الآن الدراسة ناتجة عن إيش؟ عن إتيانك، وأنا سألتك «هل تأتي اليوم فندرس؟»، فعندي فاء سببية مسبوقة بأداة استفهام، إذًا ينصب الفعل المضارع، فالاستفهام أيضًا من أنواع الطلب.
خامسًا أسلوب العرض: «ألا تزورني؟»، طبعًا العرض له أدواته، أحيانًا تستخدم أداة للعرض وأحيانًا تستخدم لون العرض. «أعرض عليك شيء»، أقول لك: «ألا تزورني فأكرمك؟»، الإكرام هو ناتج عن الزيارة، فاء سببية مسبوقة بأسلوب العرض، وأداة العرض «ألا» هي أشهر أداة من أدوات العرض.
سادسًا الحض؛ الحض أيها الأحبة هو عرض مع تشديد فيه. إيش الفرق بين العرض والحض؟ الحض هو عرض لكن مع مبالغة وتأكيد وتجديد، لذلك أداته بتكون أشد؛ مثل «هلا تزورني فأكرمك؟». كذلك من أدواته مثلاً «لولا» و«لو ما»، كما بعضهم يقولون: «لولا تأتيني فأكرمك» أو «لو ما تأتي فأكرمك».
وطبعًا لها معاني أخرى؛ هذه الأدوات في بعض الأدوات أيها الأحبة تستخدم في عدة أمور، مثل «لو» و«لولا»، تأتي للعرض والتمني والحض عند بعض أهل الفن كما قال السلطان في الكوكب، فله لها معاني؛ تأتي للشرط، تأتي للتمني، تأتي أسلوب شرط، لها معاني كثيرة من معانيها العرض. كذلك هنا «لولا» و«لو ما» تأتيان للعرض والحض، وكذلك «هلا» و«ألّا». أنا قلت لك: «هل تزورني فأكرمك؟»، بتقول لي هذا أسلوب إيش؟ حض مش عرض، لأن الأداة المستخدمة أداة حض وليست أداة عرض، وهذا تذهب فيه أنت إلى دراسة ما هي الأدوات في كل باب من هذه الأبواب.
سابعًا أن تكون الفاء السببية مسبوقة بتمني؛ مثال ذلك: «ألا ليت الشباب يعود يومًا فأخبره بما صنع المشيب»، الإخبار هو ناتج عن عودة الشباب، وأنا أتمنى فقط عودة الشباب، فاستخدمت أداة التمني، فإذا كانت فاء سببية مسبوقة بأسلوب تمني بـ «ليت» أو إحدى أدوات التمني الأخرى، فتكون يكون الفعل المضارع بعدها منصوبًا أيضًا. أخيرًا الرجاء.
أسلوب الرجاء، ما هي أداة الرجاء؟ هي "لعل". وما الفرق بين التمني والرجاء؟ التمني يكون للشيء المستحيل أو بعيد الوقوع، أما الرجاء فيكون للشيء المتوقع الحصول.
من يأتيني بمثال في القرآن الكريم لـ "لعل" بعدها فاء السببية مع فعل مضارع؟ هناك مثالان في القرآن. المثال الأشهر في سورة غافر: ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطْلَعَ إِلَىٰ إِلَٰهِ مُوسَىٰ﴾ [غافر: 71-72]. "فأطلع"؛ لماذا نصبت؟ لأن فاء السببية سبقت بأداة الترجي "لعل".
هناك مثال آخر في سورة عبس: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّىٰ * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَىٰ﴾ [عبس: 24-25]. لأن بعض الأئمة يقرأ بقوله: "فتنفعه". لماذا "فتنفعه" منصوبة؟ لأن قبلها "لعل"، "لعله يزكى أو يذكر" فينتج عن التزكية أو التذكر ما هو؟ "فتنفعه الذكرى". هي في الحقيقة "الذكرى" ناتجة عن التذكر، ويمكن أن ينفعه بالتزكية، إذاً: "لعله يزكى أو يذكر فتنفعه".
إذا سأل أحد: يا شيخ، لماذا "فتنفعه" منصوبة؟ تقول له: لأن قبلها أداة ترجٍ وهي "لعل". وهذه الأنواع الثمانية هي "الطلب". فقد جمع ابن النحاس في بيته ما يسبب نصب فاء السببية؛ إما النفي المحض، وإما الطلب. والطلب ثمانية أنواع: أمر، ونهي، ودعاء، واستفهام، وعرض، وحض، وتمنٍ، ورجاء.
لكن ابن النحام قيده بقوله "الطلب بالفعل". دعوني أرجع لأقرأ؛ لأن هناك خلافاً في بعض القضايا. قال ابن هشام بعد فاء السببية: "إذا كانت مسبوقة بنفي محض أو طلب بالفعل". بدأ بالنفي، كقوله تعالى: ﴿لَا يُقْضَىٰ عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾ [الأعراف: 57]، هذا بينا معناه. وكقولك: "ما تأتينا فتحدثنا".
واشترط كونه نفياً محضاً؛ احترازاً من نحو: "ما تزال تأتينا فتحدثنا". لاحظ كيف رفع الفعل هنا؟ لأن "ما زال" تفيد معنى الإثبات، ونفي النفي إثبات. فإذا دخلت "ما" على "زال" أصبحت مثبتة، وعندما يكون هناك نفي دخل عليه نفي آخر، فقد أبطل النفيُ الثاني النفيَ الأول. أما الثاني وهو "ما تأتينا إلا فتحدثنا"، فالنفي بـ "إلا" نقض النفي وأبطلته.
انتهى من قضية النفي، ثم قال: "وأما الطلب فإنه يشمل...". بدأ يذكر أنواع الطلب؛ قال إنه يشمل الأمر، كقوله تعالى: ﴿يَا نَاقَةُ سِيرِي عَنَقًا فَسَنَرْتَاحُ﴾ [الدخان: 29]. الراحة مسببة وناتجة عن سير الناقة. القاعدة العامة هنا أن الفعل المضارع المنصوب بعد فاء السببية منصوب وجوباً؛ لأن الفعل المضارع مع "أن" المضمرة وجوباً ينتجان مصدراً مؤولاً.
هذا المصدر المؤول يكون معطوفاً؛ لأن فاء السببية في النهاية حرف عطف. في مثال الناقة: "فسنرتتاح" في مصدر مؤول ناتج من "أن" والفعل، وهذا المصدر معطوف على المصدر المفهوم من الفعل السابق للفاء، وهو السير المفهوم من "سيري".
ثانياً: النهي، وهو من أنواع الطلب، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾ [طه: 81]. "فيحلَّ" منصوبة بفاء السببية المسبوقة بنهي "لا تطغوا". والمصدر المؤول من "أن" والفعل معطوف على المصدر المفهوم من فعل "تطغوا".
ثالثاً: التحضيض، نحو قولك: "لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق". "فأصدق" منصوبة بفاء السببية المسبوقة بأداة التحضيض "لولا".
رابعاً: التمني، مثل: "يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزاً عظيماً". "فأفوز" منصوبة لأن قبل الفاء أسلوب تمنٍ بـ "ليت".
خامساً: الترجي، كقوله: ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطْلَعَ﴾ [غافر: 71-72]. في قراءة بعض السبعة هناك قراءة بالرفع، فمن قرأ بالرفع فالفاء هنا عاطفة وليست سببية، لأن قضية الترجي مسألة خلافية في دخولها في الطلب.
سادساً: الدعاء، كقولك: "ربي وفقني فلا أعدل". "وفقني" فعل أمر لكنه في مقام الدعاء، و"فلا أعدل" منصوبة لأنها مسبوقة بدعاء.
سابعاً: الاستفهام، كقولك: "هل تعرفون لَباناتي فأرجو أن تُقضى فيرتد بعض الروح للجسد؟". "اللبانة" هي الحاجة التي يطلبها الإنسان صاحب الهمة العالية، كما ذكر الشيخ محيي الدين. هنا "فأرجو" متصلة بفاء السببية وسبقت باستفهام، والفعل والمصدر المؤول معطوف على المصدر المفهوم من "تعرفون".
ثامناً: العرض، كقوله: "يا ابن الكرام ألا تدنو فتبصر". "فتبصر" منصوبة بفاء السببية المسبوقة بأسلوب عرض.
انتهى رحمه الله من تعداد أنواع الطلب، ويمكنك حفظها من خلال هذا البيت: مُرْ وَادْعُ وَانْهَ وَسَلْ وَاعْرِضْ لِحَدِّهِمُ ... تَمَنَّ وَارْجُوهُ.
اكتملت الأمور التي تسبق فاء السببية. وقد اشترط في الطلب أن يكون بالفعل؛ احترازاً من نحو قولك: "نزلف نكرمك فنتحدث"، وهذا خلاف قول الكسائي بجواز ذلك مطلقاً.
١٨٩ هجري أبو جعفر الكسائي، أحد أئمة مدرسة الكوفة وأحد القراء السبعة رحمة الله عليه، خلافاً للكسائي في إجازة ذلك مطلقاً. وابن جني، ابن جني أيها الأحبة هو الإمام عثمان بن جني رحمة الله عليه، تلميذ أبي علي الفارسي، توفاه الله عز وجل عام ٣٩٢ للهجرة. وهو من فحول اللغويين العرب، صاحب كتاب الخصائص، وصاحب فلسفات ونظريات عميقة جداً تدرس إلى الآن، فهذا إمام عظيم ابن جني رحمة الله عليه.
وابن عصفور الإشبيلي؛ ابن عصفور الإشبيلي هذا تلميذ الشلوبين الذي مر معنا سابقاً، الشلوبين كان يسمى إمام النحاة بالأندلس. ابن عصفور الإشبيلي تلميذه توفاه الله عز وجل عام ٦٦٩ للهجرة.
طبعاً لاحظوا الفرق، أنت تحكي ابن جني ٣٩٢ وابن عصفور متأخر. طبعاً ابن جني إذا كان تلميذ الفارسي فهو في مدرسة بين مدرستي البصرة والكوفة، كأنك تستطيع أن تقول إنه مستقل لا ينتسب إلى مدرسة انتساباً كاملاً. لكن ابن عصفور من مدرسة الأندلس أصلاً إشبيلي من الأندلس، وهو متأخر من مدارس متأخرة. فهذان العالمان الجليلان ابن جني وابن عصفور في بعد نزال ودراك ونحوهما مما فيه لفظ الفعل دون صه، وما هو نحوهما مما فيه معنى الفعل دون حروفه، وقد صرحت بهذه المسألة في المقدمة في باب اسم الفعل.
أنا مضطر أني أشرح هذه المسألة سريعاً أيها الأحبة حتى نفهم إيش الذي يتكلم فيه، وإلا الطالب سيمر على هذا الكلام يشعر كأنه نوع من الطلاسم. يقول لك ابن هشام: لماذا أنا قيدت الطلب بأنه طلب بالفعل؟ قال: احترازاً من الطلب الذي يكون بماذا؟ باسم الفعل. احترازاً من الطلب الذي يكون باسم الفعل. هناك أيضاً طلب يكون بالجملة الخبرية، أحياناً بعض الجمل الخبرية هي أيضاً تفيد الطلب، وهذه كذلك مثل اسم الفعل؛ لا ينصب الفعل المضارع بعد فاء السببية إذا كانت فاء السببية مسبوقة بطلب من خلال جملة خبرية وليس من خلال فعل.
لكن أريد أن أفهم كلام ابن هشام، قال: واشترطت في الطلب أن يكون بالفعل احترازاً من قولك: نزالِ فنكرمك، لا يجوز النصب هنا. وصه فنحدثك، الآن هنا فاء السببية صحيح. إيش معنى نزال؟ الآن نزال اسم فعل أمر بمعنى انزل، فهي تفيد معنى الأمر. نحن قلنا أسماء الأفعال تفيد معنى الأفعال لكنها أسماء، فنزال معناها انزل فهي تفيد منك طلب النزول، ففيها مفهوم الطلب، لكنه طلب بماذا؟ ليس بالفعل، لا، طلب باسم الفعل.
كذلك صه، إيش معنى صه؟ لاحظوا السكون، صه، هل هذه معرفة ولا نكرة؟ معرفة لأنها مش منونة تنوين التنكير، أحسنتم. صه أيها الأحبة إيش معناها؟ اسكت، اسكت فنحدثك. إذاً صه معناها اسكت، ففيها معنى الطلب، لكن لو كانت اسكت مباشرة لكانت سنحدثك، لكن لما جاء الطلب بصيغة اسم الفعل قالوا: لا، لا يجوز أن ينصب الفعل المضارع بعد فاء السببية إذا كانت فاء السببية مسبوقة بطلب أتى باسم الفعل وليس بالفعل مباشرة.
الآن هل هذا اتفاق بين النحويين أنه لا يجوز؟ الإمام الكسائي من مدرسة الكوفة قال: يجوز أن ينصب الفعل المضارع بعد فاء السببية إذا كانت فاء السببية مسبوقة باسم الفعل ما في عندنا مشكلة، يجوز أن ينصب الفعل المضارع بعد فاء السببية إذا كانت فاء السببية مسبوقة باسم الفعل. فالكسائي يقول: ما عندي فرق، كان الطلب بالفعل أو باسم الفعل ما عندي مشكلة. إذن هذا رأي الكسائي.
ابن جني وابن عصفور أخذا منهجاً وسطاً بين المانعين وبين المجيزين، قالوا: أسماء الأفعال على نوعين، وهذا نحن نتفق معهم. طبعاً هذه معلومة شوي متقدمة عن وقتها لكن أنا مضطر أشرحها لأنها ذكرت في هذا المقام، وإلا الأصل أنه نشرحها في أسماء الأفعال. أسماء الأفعال أيها الأحبة على نوعين: هناك أسماء أفعال قياسية، يعني ما معنى قياسية؟ يعني أنت يمكنك أن تنتجها من أي فعل. انظر إيش قال الشيخ محمد محيي الدين: وهي أن تصوغ من مصدر كل فعل ثلاثي اسماً على زنة فعالي.
كل فعل ثلاثي تستطيع أن تصوغ منه اسم فعل أمر على وزن فعالي، هذا ما يسمى اسم فعل قياسي. ضرب، يلا صغ منه فعل أمر على وزن فعالي: ضرابي صح؟ نزل: نزالي، جلس: جلاسي، هي هكذا أنت صحيح غريبة لكن هذه القاعدة، أنه يجوز أن تصوغ من كل فعل ثلاثي اسم فعل أمر على وزن فعالي. طبعاً هناك أشياء مستخدمة مثل نزالي بمعنى انزل، ودراكي وما شابه ذلك، وهناك أشياء قليلة الاستخدام في الحقيقة، لكن هم يقولون يجوز أن تصوغ اسم فعل أمر من كل فعل ثلاثي على وزن فعالي.
هذا النوع القياسي اللي هو أن تأتي على فعل ثلاثي فتصوغ منه اسم فعل أمر على وزن فعالي، يقولون هذا اسم الفعل يوجد فيه حروف الفعل، صح ولا لا؟ يوجد فيه حروف الفعل الأصلي. فضرابي فيه حروف ضرب، أليس كذلك الضاد والراء والباء؟ نزالي يوجد فيه حروف نزل، النون والزاي واللام. فلنلاحظ أن هذا النوع من أسماء الأفعال توجد فيه حروف الفعل الأصلي.
هناك نوع آخر من أسماء الأفعال تسمى سماعية، ما معنى السماعية؟ أنها سمعت عن العرب ولا يجوز القياس عليها أو أن تأتي منها بشيء جديد، نقف إلى ما وصلنا من كلام العرب، وهي صه ومه وأف وإلى آخره. لكن إحنا نتكلم الآن عن أسماء أفعال الأمر، مثلاً آمين اللي بنقرأها في الصلاة إيش معناها؟ استجب، اسم فعل أمر، صه بمعنى اسكت، مه بمعنى اكفف، وعلى ذلك فقس، فهذه تسمى سماعية.
لاحظوا أن أسماء الأفعال السماعية زي صه بمعنى اسكت، هل أحرف كلمة اسكت موجودة في صه؟ مش موجودة. هل مثلاً مه بمعنى اكفف؟ هل أحرف كلمة اكفف موجودة في مه؟ مش موجودة. فنلاحظ أن أسماء الأفعال السماعية لا توجد فيها حروف الفعل الأصلي الذي تدل عليه. فلذلك يقولون هي أسماء أفعال تدل على معنى فعل الأمر ولا تدل على حروفه، بينما القياسية تدل على المعنى وفيها الحروف؛ تدل على معنى الأمر وفيها حروف الفعل الذي أخذت منه.
طيب إيش سنستفيد من هذا التقسيم الآن؟ ابن جني وابن عصفور رحمة الله عليهما إيش قالوا؟ قالوا فاء السببية إذا كانت مسبوقة باسم فعل أمر قياسي، اللي هو ما ذكره ابن هشام، اسم فعل أمر فيه حروف الفعل، فهذه يجوز أن تنصب الفعل المضارع بعدها بأن مضمرة وجوباً. إذا كانت فاء السببية مسبوقة باسم فعل أمر سماعي، اللي هو زي صه ومه، اللي هو اسم فعل الذي لا يوجد فيه إلا معنى الأمر ولا يوجد فيه حروف الأمر الذي يدل عليه، فهذا لا يجوز أن تنصب الفعل المضارع بعد فاء السببية بأن مضمرة. ليش؟ قالوا اسم فعل الأمر القياسي لأنه فيه حروف الفعل فيه نوع من القوة، وفيه نوع من المشابهة للفعل أكثر من اسم فعل الأمر السماعي. اسم فعل الأمر السماعي لأنه ما فيه حروف الفعل ابتعد عن الفعل أكثر وأكثر، بينما اسم فعل الأمر القياسي لأنه فيه حروف الفعل، نزالي فيها حروف نزل، ودراكي فيها حروف درك، وضرابي فيها حروف ضرب، فلها قوة تستطيع بها أن تؤثر في فاء السببية فتجعلها تنصب الفعل المضارع بعدها بأن مضمرة وجوباً. يعني هذه وجهة نظر ابن جني وابن عصفور وهي منطقية يعني ممكن تقول منطق الكلام. لكن الجمهور على أنه لا، لا اسم فعل أمر سماعي ولا اسم فعل أمر قياسي، لابد يكون الطلب بالفعل كما قال ابن هشام، لكن أنا احتجت لهذا التفصيل حتى تفهم معنى هذا الكلام.
نعود نقرأ هذا الكلام مرة أخرى، إيش قال ابن هشام رحمة الله عليه؟ قال: واشترطت في الطلب أن يكون بالفعل احترازاً من نحو قولك نزالِ فنكرمك، وصه فنحدثك، خلافاً للكسائي في إجازة ذلك مطلقاً. إيش يعني مطلقاً؟ يعني سواء، الكسائي لا يفرق، سواء كان اسم فعل الأمر سماعياً ولا قياسياً كلاهما يجوز أن ينصب الفعل المضارع فيهما بعد فاء السببية، لذلك قال مطلقاً. واما ابن جني وابن عصفور أجازوه في نزالِ ودراكي ونحوهما مما فيه لفظ الفعل، هو يقصد بما فيه حروف الفعل، فدراكي فيها حروف درك، ونزالي فيها حروف نزل، دون صه ونحوهما مما فيه معنى الفعل دون حروفه، فصه فيها معنى اسكت بس ما فيها حروف اسكت، وما فيها حروف اكفف، ثم قالوا قد صرحت بهذه المسألة في المقدمة في باب اسم الفعل، يعني سيكرر هذه المسألة في باب أسماء الأفعال.
المسألة الرابعة والأخيرة مما ينصب الفعل المضارع بعدها بأن مضمرة وجوباً، وهذه لا تحتاج إلى تفصيل لأنها ستنبني على فاء السببية: الفعل المضارع الواقع بعد واو المعية. طبعاً واو المعية هي أيضاً واو العطف، جميل، والواو العاطفة أيها الأحبة في أصل معناها واو العطف تدل على مطلق الجمع كما يقولون، عندما تقول جاء محمد وزيد، هنا الأصل في الواو أنها تفيد مطلق العطف، شو يعني مطلق العطف؟ أنها لا تدل على أن ما بعدها وقع بعد ما قبلها، ولا قبله، ولا معه، فقط تدل على حدوث مجيء من محمد وزيد، من الذي سبق؟ الله أعلم، هل أتوا معاً؟ الله أعلم.
فإذا قلت جاء محمد وزيد هكذا من دون أي قرينة نقول: جاء محمد وزيد هذه الجملة تحتمل ثلاثة معاني، تحتمل أن محمداً جاء قبل زيد، وتحتمل أن زيداً جاء قبل محمد، وتحتمل أنهما جاءا معاً. فتحديد أحد هذه المعاني يحتاج إلى قرينة خارجية، لذلك يقولون الواو فقط للجمع، تجمع ما بعدها إلى ما قبلها ويتسلط عليهما عامل واحد وهو جاء في هذه الجملة مثلاً. لكن هل تدل على أن ما بعدها حصل فعلاً بعد ما قبلها؟ ما تدل على ذلك، يعني يمكن أقول جاء محمد وزيد ويكون زيد في الواقع بعد الواو جاء قبل محمد ممكن، فنحتاج إلى قرينة تحدد.
الآن إذا كانت الواو العاطفة في سياق وفهمنا منها من السياق معنى المعية، فهمنا من حرز السياق يجزم بأن مرادنا معنى المعية، إذا كانت الواو العاطفة تفيد معنى المعية من خلال القرائن، ووقع بعد هذه الواو فعل مضارع، وكانت هذه الواو مسبوقة بنفي محض أو طلب بالفعل، فإن الفعل المضارع بعد واو المعية ينصب بأن مضمرة وجوباً، مثل بالضبط ما مر معنا في فاء السببية، لا فرق أبداً، الفرق فقط أنه هذه واو المعية مش فاء السببية، أما الشروط نفسها لا بد تسبق واو المعية بطلب بالفعل أو نفي محض، والفعل المضارع بعد واو المعية منصوب بأن مضمرة وجوباً، والمصدر المؤول من أن مضمرة وجوباً والفعل المضارع معطوف على المصدر المفهوم من الفعل السابق، نفس الطريقة.
لكن هي القضية أنه هذه واو المعية، ليش قيدناها واو المعية؟ لأنه كما قلنا الواو الأصل واو العطف، الأصل فيها أنها لا تحدد معية ولا غير معية، هي فقط تفيد أن ضم ما بعدها لما قبلها، تفيد الضم والجمع بس، لكن أحياناً تأتي قرائن تجعلنا نفهم أنها أريد بها هنا المعية، لكنها ليست دائماً للمعية.
قال ابن هشام: المسألة الرابعة واو المعية، وذكر نفس الشرط إذا كانت مسبوقة بما قدمنا ذكره وهو النفي المحض أو الطلب بالفعل. مثال ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٢].
أنت شوف إذا شفت الفعل المضارع، انتهى الوقت صح؟ مش مشكلة، بنخلص هذا الباب بإذن الله ما باقي شيء. إذا كان الفعل المضارع أيها الأحبة بعد الواو منصوباً ولم تجد سبباً في نصبه إلا أن الواو للمعية، يعني واو قبله وقبل الواو هذه نفي محض أو طلب بالفعل، أنت مباشرة عليك أن تحلل أنه هذه الواو واو المعية. أعيد، إذا وجدت بعد الواو فعل مضارع منصوب، ممتاز، إذا وجدت بعد الواو مباشرة فعل مضارع منصوب ما شفتش بعد الواو لا لن ولا إذا ولا كي ولا غيره، شفت وبعديها فعل مضارع منصوب، وهذه الواو قبلها فيه نفي محض أو أسلوب من أساليب الطلب الثمانية، أنت.
مباشرة عليك أن تفهم أنه هذه الواو واو ماذا؟ واو المعية؛ فوجود الفعل المضارع منصوباً بعد الواو، وكانت هذه الواو مسبوقة بنفي محض أو طلب بالفعل، دليل على أن هذه الواو واو المعية. لكن بدك تتأنى شوي، ليش؟ لأنه يمكن أن يكون الفعل المضارع المنصوب بعد الواو ما سبب نصبه؟
ممكن يكون معطوفاً، معطوفاً منصوباً. يعني ممكن يكون مثلاً هذا الحادث صح أنه يكون معطوفاً على منصوب، في حالة ثانية مضت معنا. أحسنتم، ممكن يكون معطوفاً على منصوب سابق للواو ليس للمعية، وإنما فعل مضارع مثلاً: «لن أكرم محمداً وأساعده»، لماذا أساعده؟ لأنها معطوفة على «أكرم» المنصوب.
فإما أن نكون عطف فعلاً، وإما أن يكون -أيها الأحبة- كما مر معنا في حالة إضمار «أن» جوازاً؛ إذا كان الفعل المضارع مسبوقاً بالواو أو الفاء أو ثم أو أو، وكان الفعل المضارع معطوفاً على اسم خالص، مصدر أو اسم جنس، ففي هذه الحالة أيضاً ينصب الفعل المضارع بعد الواو بأن مضمرة جوازاً. فمش دائماً، لا تأخذ كلامي قاعدة مطلقة، مش دائماً إذا وجدت الفعل المضارع منصوباً بعد الواو تكون للمعية.
كما ذكرتم، ممكن تكون الفعل المضارع معطوفاً على فعل مضارع قبله منصوب، وممكن يكون هذا الفعل المضارع معطوفاً على اسم خالص، لذلك ينصب بأن مضمرة جوازاً. ما وجدت هذين الاحتمالين، يعني هذا أسلوب الحصر. أسلوب الحصر أنك تحصر الاحتمالات، ما أنت هيك بدك تعمل حتى تفكر صح. تقول: أي واو بعدها فعل مضارع منصوب، ما في عندي أداة نصب أمامي؛ إما أن هذا الفعل معطوف على فعل منصوب سابق، وإما أن يكون معطوفاً على اسم خالص أو مصدر فتكون بأن مضمرة جوازاً، وإما أنه قبل هذه الواو لابد يكون عندي طلب محض أو نفي محض أو طلب بالفعل، وفي هذه الحالة ستكون واو المعية.
هذا أسلوب الحصر هو الذي يساعد الطالب على الإعراب الصحيح. أما الطالب الذي لا يحفظ المسائل، يقول لك: «إيش فيها لتحفظ الألفية؟»، فإنك تحفظ الألفية أنك تحصر. والمسائل كثيرة، أنتم رأيتم من أول الكتاب إلى هنا مسائل كثيرة أيها الأحباء، والتفاصيل من دون حفظ وضبط ومراجعة تذهب وتضيع الأمور عند الطالب. فالمهم، هذا فقط كتدريب للطالب على حصر المعلومة.
بدأ بذكر أمثلة فقط، هو لن يذكر أمثلة على كل الحالات، يذكر أمثلة سريعة. المثال الأول: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [محمد: 4]. «يعلم»، ما في قبلها فعل منصوب حتى تعطف عليها، وما عندنا اسم خالص نعطف عليه. طيب، إيش الذي نصب «يعلم الصابرين»؟ نقول هذه الواو للمعية، سبقت بماذا؟ بأداة نفي وهي «لما»، إن «لم» و«لما» كلتاهما أداتا نفي. «لما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين»، فالواو هنا بمعنى «مع»، يعني يعلمهم مجاهدين وفي نفس الوقت يعلم الصابرين.
طبعاً العلم هنا بمعنى الظهور، وليس أن الله عز وجل -والعياذ بالله- كان جاهلاً فجاءه العلم، الله عز وجل يعلم في الأزل هو الذي خلقهم، لكن المراد بعلمه هنا أن يظهر في الدنيا؛ لأن الله عز وجل لا يحاسب الناس على علمه السابق، وإنما يحاسبهم بما يظهر من أعمالهم في الدنيا، فالمراد بعلم الله هنا الظهور، أثر علم الله وظهور هذا الأمر في الدنيا.
وقوله تعالى: ﴿يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا﴾ [السجدة: 12] بقراءة حفص وحمزة وابن عامر: «يا ليتنا نرد ولا نكذب»، لماذا نصبت «نكذب»؟ هي ليت نافية طبعاً، ليس لنا علاقة بها، «ولا نكذب» عندنا واو معية مسبوقة بأسلوب تمنٍ، يعني طلب: «ليت». «يا ليتنا نرد ولا نكذب»، يعني يردون -لا يريدون أي رد إلى هذه الحياة الدنيا- يريدون رداً مصحوباً بعدم التكذيب؛ لأنهم لو ردوا وكذبوا مرة أخرى فسيُعذبون، فلماذا أتت واو المعية هنا؟ لأن الكفار تمنوا رداً مقارناً معه في معيته عدم التكذيب. أما أنه معقول يتمنوا الرد مع التكذيب ويرجعوا يكذبوا؟ ما بدهم، هم يريدون رداً مصحوباً بعدم التكذيب حتى ينجوا من عذاب الله، ولكن «وَلَكِنَّ الْبُغَاةَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ» و«وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ»، أنت يوم القيامة عندما ترى النار انتهى الأمر، نسأل الله السلامة والعافية، «ولا نكذب» انتهى الأمر.
وقال الشاعر: ألم أكُ جاركم ويكونَ بيني وبينكم المودة والإخاء؟ «ويكون» لماذا نصبت «يكون» بعد الواو؟ الواو ماذا سبقت؟ مسبوقة باستفهام. ممكن تكون مسبوقة بنفي لكن في الحقيقة لا، النفي هنا ليس نفياً، هذا يسمونه استفهاماً إنكارياً يريد منه الإقرار، في الحقيقة هو لا يريد النفي على حقيقته، هو بده يقول لك: مش كنت أنا جارك؟ هو يريد الإقرار مع الإنكار، أن تقر أني كنت جارك، بس بده يوبخك أنه ليش ما أحسنت إليه؟ «ألم أكُ جاركم؟»، ففي الحقيقة الاعتماد هنا على الاستفهام وليس على النفي، لأن النفي ليس مراداً على حقيقته، بل هو في الحقيقة يريد إثبات أنه كان الجار، فالنفي ليس على حقيقته وإنما هو استفهام إنكاري والمراد منه الإقرار والاعتماد على الاستفهام.
وقال آخر ينسب إلى أبي الأسود: لا تنهَ عن خلقٍ وتأتيَ مثله .. عارٌ عليك إذا فعلت عظيمُ «وتأتي» ما تنهى الناس عن خلق أو صفة ومعها في نفس الوقت تأتي هذه الخصلة، هذا هو المنافق، أو صفة من صفات المنافقين، ينهى الناس عن خلق أو صفة سيئة وهو في نفس الوقت وفي المعية يمارس هذه الصفة ويباشرها، عار عليك إذا فعلت عظيم.
وتقول المثال المشهور الذي ذكرناه كثيراً: «لا تأكل السمكة وتشرب اللبن». إذا قلت «لا تأكل السمكة وتشرب» ونصبت «تشرب»، إيش المعنى المفهوم؟ يعني لا تأكل السمكة مقارنة مع شرب اللبن، فالنهي هنا عن الجمع بينهما، يعني لا تأكل السمكة في حالة كونه مقارناً لشرب اللبن، في وجبة واحدة جنبك لبن وسمك، لا تجمع بينهما؛ لذلك تنصب «تشرب» إن قصدت النهي عن الجمع بينهما، ولذلك قلنا الفعل المضارع يأتي بأحوال.
لذلك اقتضى أن يكون معربًا. لاحظوا لو ما نصبنا الفعل المضارع، لو اخترت الجزم؛ قلت: لا تأكل السمكة وتشرب اللبن. وتشرب اللبن يا شيخ؟ الجزم بالكسرة: لا تأكلي السمكة وتشربي اللبن، الجزم بالكسرة. ليش مكسور؟ لا تأكلي السمكة وتشربي اللبن، كُسرتا تخلصًا من التقاء الساكنين. لا تأكلي السمكة، اللام في السمكة لام التعريف ساكنة، فلو أني جزمت اللام في تأكل فأسكنتها أيضًا لالتقت اللام الساكنة في آخر تأكل مع لام التعريف التي هي الساكنة، فتخلصًا من التقاء الساكنين كسروا لام الفعل: لا تأكلي السمكة.
فلو جزمت تشرب: لا تأكل السمكة وتشربي اللبن، إيش صار المعنى؟ أنا هنا ما الواو ليست للمعية، لو كانت المعية لقلت: وتشربها. فإذا قلت: لا تأكل السمك وتشرب اللبن، هنا واو العطف، عطفت تشرب على تأكل. فالمراد إيش؟ إذا كان مجرد عطف، إذاً العامل سيتسلط عليهما واحد، فالمعنى لا تأكل السمك ولا تشرب اللبن، نهي عن كل واحد منهما على حدة، نهي عن كل واحد عن انفراده. قال: وتجزم إذا قصدت النهي عن كل واحد منهما كما قلت لكم، أي لا تأكل السمكة ولا تشرب اللبن.
طيب إذا رفعت فقلت: لا تأكل السمكة وتشربُ اللبن بضم الباء لتشرب، هنا الواو إيش صارت؟ أصبحت للاستئناف، ما عادت واو عطف. فهنا أنت لا تريد المعية ولا تريد أن تجعل ما بعد الواو مشاركًا لما قبل الواو في الحكم، بل تريد أن تجعل لما بعد الواو حكمًا مستقلًا جديدًا يختلف عن الحكم لما قبل الواو، فحينئذ ستكون الواو للاستئناف، وتكون "وتشرب اللبن" المراد منها أنه عادي اللبن اشربه ما في مشكلة، اللبن يُشرب ما فيه أي إشكال. لذلك قال: وتُرفع إن نهيت عن الأول وأبحت الثاني، أجُزت شرب اللبن، أي لا تأكل السمكة وهناك شرب اللبن.
إذًا أيها الأحبة، هذه في هذه الصور الخمسة تُضمر "أن" إضمارًا وجوبيًّا. إيش هي الصور الخمسة سريعًا؟ بعد لام الجحود، بعد حتى الجارة بشرطها، بعد "أو" إذا كانت بمعنى "إلى" أو "إلا"، بعد فاء السببية بشرطها، بعد واو المعية بشرطها. بقيت صورة سادسة لسه فهمناها من ضمن كلام ابن هشام، الصورة السادسة دونوها حتى لا تختلط عليكم: بعد "كي". كي إذا لم تسبق بلام الجر ظاهرة أو مقدرة ستكون حرف جر، ويكون الفعل المضارع بعدها منصوبًا بأن مضمرة إضمارًا لازمًا كما ذكر ابن هشام رحمه الله. وكما ذكر ابن هشام في ختام كلامه عن "كي"، ذكر أن "أن" كذلك نصّ عليها مغني اللبيب أيضًا، أن "أن" تُضمر بعد "كي" الجارة إضمارًا لازمًا.
فتكون الصور ستة، ولا تظهر بعد "كي" الجارة إلا للضرورة، وهذا كما قلنا مذهب البصريين. أما الكوفيون فيجوزون إظهار "أن" بعد "كي" الجارة، وأبو حيان ذكر مذهبًا مفصلًا، لكن ما أدري ذكرته سابقًا أو لم أذكره، أظنه ذكرته سابقًا، وسترجعون إليه إن شاء الله في الدرس القادم بإذن الله.
هكذا نكون أيها الأحبة أنهينا الكلام عن نواصب الفعل المضارع، وابتداءً من الدرس القادم نبدأ بجوازم الفعل المضارع. جوازم الفعل المضارع منها ما يجزم فعلًا واحدًا، ومنها ما يجزم فعلين. بعد الانتهاء من جوازم الفعل المضارع نعود مرة أخرى إلى الأسماء، فنجلس معها؛ في أغلب الكتاب نتكلم عن النكرة والمعرفة، ثم مرفوعات الأسماء، ومنصوبات الأسماء، ومجرورات الأسماء، ثم بعد ذلك العوامل التي تعمل في الفعل من اسم الفاعل واسم المفعول، ثم أبواب ختم بها ابن هشام كلامه في هذا الكتاب. نسأل الله أن يعيننا على أن ننهي وأن نستفيد وأن نتعلم، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل