دخولتسجيل الدخول

المحاضرة 8 - الكلام وشرطه وصور تأليفه +الإعراب+ و أنواعه علامات الأصول و الفروع في الإعراب

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، ومحجة للسالكين، وممهداً لقواعد الفقه في الدين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. حياكم الله أيها الأحبة في هذا المجلس الجديد في شرح كتاب قطر الندى وبل الصدى للإمام ابن هشام الأنصاري رحمة الله تعالى عليه.

كنا أيها الأحبة في المجلس الماضي قد انتهينا من الكلام عن المحور الأول من محاور هذا الكتاب، وهو محور الكلمة. ابن هشام رحمة الله عليه بدأ كتابه بالكلمة العربية فبين تعريفها، فقال: الكلمة قول مفرد، ثم انتقل إلى بيان أقسام الكلمة العربية فجعلها ثلاثة بالاستقراء، وقلنا أيضاً هناك الدليل العقلي والدليل النقدي. ما أقسام الكلمة العربية؟ اسم، وفعل، وحرف.

فبدأ بالاسم فعرفنا تعريفه، ثم ذكر ابن هشام علامته وحكمه، والأصل فيه أنه معرب، والبناء فرع فيه. ثم انتقلنا إلى الأفعال، عرفنا تعريف الفعل لغة واصطلاحاً، ثم بينا أن الفعل تحته ثلاثة أنواع: ماضٍ، وأمر وهو الأصل في الأفعال، ومضارع جاء معرباً، ثم تكلمنا عن الماضي عن حكمه وعن علامته، وعن الأمر عن حكمه وعن علامته، وعن المضارع. ثم انتقل إلى الحرف فعرفنا أن الحرف هو النوع الثالث أو القسم الثالث من أقسام الكلمة العربية وأنه مبني، والحروف كلها مبنية.

إذن أيها الأحبة هذا التقسيم وهذا التفصيل مهم ابتداء. إذا كان طالب العلم لا يضبط هذا الكلام، لا يعرف أن الكلمة تنقسم إلى اسم وإلى فعل وإلى حرف، ولا يعرف ما هو الأصل في الأسماء وما هو الأصل في الأفعال وما هو الأصل في الحروف سيضيع، وسيأتيه في شعاب علم النحو؛ لذلك لا يصلح لطالب علم أن يدخل في علم النحو ويتعمق فيه من دون أن يضبط هذه المقدمة، فهي المنطلق وهي الأساس، قاعدة مهمة جداً الانطلاق من فهم الكلمة العربية بأنواعها.

ننتقل اليوم إلى المحور الثاني وهو المحور المقصود أصالة في النحو، لأن علم النحو هل يدرس الكلمة العربية مفردة؟ لا، قلنا علم النحو يدرس الكلمة العربية في داخل جملة في ضمن سياق؛ لأن متى يظهر عليها الإعراب؟ الاسم متى يظهر عليه الإعراب أو البناء؟ الفعل متى يظهر عليه الإعراب أو البناء؟ أو الحرف متى يظهر عليه البناء؟ في داخل الجملة في داخل السياق. أما هو هكذا زيد، إلى، ضرب، لا نتكلم عن قضية معرب ومبني؛ قضية المعرب والمبني في النهاية كتوظيف، إنما تتوظف عندما تكون الكلمة العربية في داخل الجملة في داخل الكلام.

لذلك سننتقل الآن إلى الكلام، وهذا هو المصطلح الثاني. نحن عرفنا الكلام ابتداء عندما رسمنا التخطيطية أن اللفظ ينقسم إلى مستعمل وإلى مهمل، وبين أن اللفظ المستعمل الذي يسمى قولاً ينقسم إلى مفرد ومركب. وعرفنا أن القول المفرد هو الكلمة، وعرفنا أن القول المركب ينقسم إلى قسمين: مركب من كلمتين فقط، ومركب من ثلاث كلمات فصاعداً.

المركب من كلمتين إما أن يفيد فائدة يحسن السكوت عليها فيسمى كلاماً، وإذا لم يفد فائدة يحسن السكوت عليها فيبقى مركباً، والذي ركب من ثلاث كلمات فصاعداً إما أن يفيد فائدة يحسن السكوت عليها فيسمى كلاماً أيضاً، وأما ألا يفيد فائدة يحسن السكوت عليها فيسمى كلماً فقط. هذه الرسمة سريعاً أعدناها أيها الأحبة. بناءً على هذه الرسمة البيانية لو قلت لك عرف الكلام؟ الكلام إما أن تأتي بالجنس البعيد ابتداءً فتقول: هو اللفظ المستعمل المركب المفيد.

أربعة قيود؛ هذا لمن أراد أن يستوفي التعريف بكل ضوابطه، أي أن ينص على كل الضوابط: لفظ مستعمل مركب مفيد. هل يمكن أن يختصر هذا؟ ممكن أحد يقول: لماذا أنا أقول اللفظ المستعمل؟ مباشرة آتي بالقول؛ إذا أراد أن يختصر على نفسه يقول: قول مركب مفيد، أصبح ثلاثة، بدل أن تقول لفظ مستعمل تجمعها في قول فيصبح قولاً مركباً مفيداً.

هل يمكن أن يختصر أكثر وأكثر؟ نعم، يمكن أن تقول: قول مفيد، وتسقط كلمة مركب. لماذا؟ قالوا: لأن الإفادة تستلزم التركيب، فإذا قلت قول مفيد -مفيد طبعاً فائدة يحسن السكوت عليها- الفائدة التي يحسن السكوت عليها تستلزم التركيب قطعاً، لا يمكن أن يكون هناك فائدة يحسن السكوت عليها من دون تركيب. لذلك تجدونهم يختصرون، فيقولون مثلاً: الكلمة قول مفيد.

ابن هشام رحمة الله عليه ماذا قال؟ نأتي إليه، قال رحمة الله عليه في المتن: والكلام لفظ مفيد. انظر ماذا قال ابن هشام؟ قال: والكلام لفظ مفيد. نحن قلنا الكلام قول مفيد وفهمناها، لكن ابن هشام لم يختر القول جنساً في التعريف، وإنما اختار اللفظ جنساً في التعريف، فأخذ الجنس البعيد، أليس كذلك؟ قال: والكلام لفظ مفيد. جميل. قال: لما أنهيت القول في الكلمة وأقسامها الثلاثة، شرعت في تفسير الكلام فذكرت أنه عبارة عن اللفظ المفيد.

أيها الأحبة طبعاً هذا تعريف الكلام، سأعود بعد ذلك إلى تعريف الكلام لغة، لكن دعونا الآن مع تعريف الكلام اصطلاحاً. إذن ابن هشام لم يقل الكلام قول مفيد، لم يأخذ الجنس القريب كالعادة، وإنما أخذ الجنس البعيد. طيب أليس هو في مطلع كتابه قال إن الإتيان بالأجناس البعيدة بدل الأجناس القريبة معيب عند أهل النظر؟ صحيح. طيب وهي كانت من هنا أتيت الجنس البعيد أخذت اللفظ جنساً في تعريف الكلام ولم تأخذ القول؟ ما رأيكم أيها الأحبة؟

في الحقيقة لن نناقش، سنناقش فقط مناقشة: الآن الإتيان بالجنس البعيد بدل الجنس القريب ما سلبيته؟ يعني هكذا كنقاش ذهني، الإتيان بالجنس البعيد بدل الجنس القريب أصالة ما سلبيته ولماذا ينتقد؟ لأنك إذا أتيت بالجنس البعيد ستحتاج إلى ذكر أكثر، فيطول التعريف على السامع، لكن لو أتيت بالجنس القريب ستقل المحترزات التي تتكلم بها.

فلو قلنا مثلاً تعريف الكلمة: الكلمة عرفها ابن هشام بقول مفرد، لو أخذنا البعيد ماذا سيضطر أن يقول لو أخذ اللفظ جنساً في تعليم الكلمة؟ سيقول: الكلمة لفظ مستعمل مفرد. أطلت التعريف أنت. فقال: لماذا لا أختصر؟ فأقول الكلمة قول مفرد، أليس الاختصار هو المطلوب؟ فالإتيان بالأجناس البعيدة معيب أيها الأحبة؛ لأن فيه نوع بُعد وتحتاج إلى ذكر محترزات أكثر حتى يكون التعريف جامعاً مانعاً. بينما إذا أتيت بالجنس القريب قول مفرد لا تحتاج إلى ذكر قيود كثيرة.

الآن في تعريف ابن هشام للكلام قال: الكلام لفظ مفيد. طيب لو أخذ الجنس القريب الذي هو القول، ماذا سيقول؟ الكلام قول مفيد. لاحظ أن إتيانه بالجنس البعيد أو الجنس القريب لم يؤثر على طول التعريف؛ لم يحتج إلى الإتيان بمحترزات. يعني باختصار لما ذهب إلى الجنس البعيد لم يحتج إلى الإتيان بمحترزات، لم يحتج إلى الإتيان بمحترزات لنقول والله لماذا أدخلت الجنس البعيد مع أنه كان بإمكانك أن تأتي بالجنس القريب وتختصر؟ وسيقول لك ابن هشام في هذا المثال تعريف الكلام سواء أتيت بالبعيد أو القريب التعريف يبقى على نفس الطول، سواء قلت الكلام لفظ مفيد أو قول مفيد، بقي طوله واحداً، صحيح ولا لا؟ ما في والله كلمة زيادة لما أتيت بالجنس البعيد اضطررت أن آتي بها.

طيب لماذا أيها الأحبة لماذا بقي التعريف على نفس الطول؟ دعونا نحلل، قال: الكلام لفظ مفيد. ما هو اللفظ؟ اللفظ هو الصوت المشتمل على بعض الأحرف الهجائية من الألف إلى الياء. طبعاً وسنلاحظ هنا في الشرح، في هذا المقام هو الآن عرف اللفظ لما تكلم عن الكلمة، وعرف اللفظ الآن مرة أخرى لما تكلم عن الكلام، لكن هنا زاد في تعريف اللفظ شيئاً جديداً لم يذكره في ذاك الموضع لأنه سيحتاج إليه هنا، حين قال: ونعني باللفظ الصوت المشتمل على بعض الحروف أو ما هو في قوة ذلك.

يعني ما هو في قوة الصوت؟ حتى يدخل الضمائر غير المتلفظ بها، الضمائر المستترة غير المتلفظ بها تسمى لفظاً وإن لم تكن متلفظاً بها لكن على سبيل التجوز. المهم ابن هشام إذاً قال الكلام لفظ مفيد، ونحن قلنا كان بإمكانه أن يقول الكلام قول مفيد. فيقول ابن هشام: إتيان الجنس البعيد أو الجنس القريب هنا لن يؤثر كثيراً، ولن يطول التعريف بسبب الإتيان بالجنس البعيد، لماذا؟ قال لأن قولي "مفيد" سينهي الموضوع، لأن ما معنى مفيد؟ يعني مفيد فائدة يحسن السكوت عليها، والمفيد الذي يحسن السكوت عليها يستلزم عقلاً أن يكون مركباً، وأن يكون مستعملاً، ولو كان مهملاً.

فقول "مفيد" يستلزم التركيب ويستلزم أن يكون مستعملاً، فإذا قلت لفظاً مفيداً كلمة "مفيد" شملت الاستعمال والإفادة والتركيب، ولو قلت الكلام قول مفيد خلاص كلمة "قول" هي اللفظ المستعمل، و"مفيد" أغنتني عن قيد واحد الذي هو التركيب، صحيح؟ إذا قلنا الكلام لفظ مفيد كلمة مفيد استلزمت قيدين أو استلزمت أمرين، ما هما؟ الاستعمال والتركيب. إذا قلت الكلام قول مفيد، خلاص نقول "قول" هو اللفظ المستعمل، والمستعمل هنا أصبحت تدل عليه كلمة "قول"، وكلمة "مفيد" أصبحت تستلزم التركيب وحدها.

ففي النهاية يقول ابن هشام سواء قلت لفظاً مفيداً أو قولاً مفيداً لن يؤثر كثيراً، فلا يعاب علي أني أتيت في هذا المثال بالجنس البعيد؛ لأني حتى لو أتيت بالجنس القريب الذي هو القول سيبقى قيد الإفادة هو القيد المهم، ولن يطول التعريف ولن يكون هناك زيادة. فلذلك هكذا عن ابن هشام أنه حتى لو أتى بالجنس القريب هنا سيبقى التعريف على نفس الطول. جميل، ولن يحتاج إلى ذكر محترزات أكثر في حالة إتيانه بالجنس البعيد.

الآن نبدأ نحلل، خلص عرفنا قال ابن هشام الكلام لفظ مفيد. عرفنا ما معنى الجزء الأول من التعريف؟ ما هو؟ اللفظ، هو نفسه قال ونعني باللفظ الصوت المشتمل على بعض الحروف الهجائية -أنا زدت من الألف إلى الياء- أو ما هو في قوة ذلك. يعني أو ما هو في قوة الصوت المشتمل؛ يقصد هناك كلمات أيها الأحبة وأصوات نحن لا نتلفظ بها، لا تخرج على ألسنتنا، لكننا نقدرها في سياق الجملة ونقدرها في أنفسنا. هذه الكلمات المقدرة المستترة التي نقدرها في سياق الجملة وفي أنفسنا هذه تعتبر من قبيل اللفظ، وإن لم يكن متلفظاً بها حقيقة، فهي نقدرها موجودة بها وإن لم تكن في حقيقة الأمر متلفظاً بها.

فمثال ذلك إذا قلت لك مثلاً الآن: استقم، هل هو كلام؟ يحسن السكوت عليه؟ نعم، يحسن السكوت عليه، فيقول لك يا شيخ كيف استقم جعلتموها كلاماً مع أنها من كلمة واحدة والكلام أنتم تقولون يشترط فيه التركيب، وهذه "استقم" كلمة واحدة؟ ماذا تقول؟ تقول لا، استقم هذه الجملة في الحقيقة من لفظين: لفظ نطق به صراحة وهو "استقم"، ولفظ مقدر مستتر وهو الفاعل ضمير مستتر تقديره أنت، فأصل الجملة "استقم أنت"، فهي في الحقيقة مركبة من مقطعين؛ لكن مقطع صوتي نطق به صراحة ومقطع لم ينطق به صراحة لكنه في قوة المنطوق به، في قوة المنطوق لماذا؟ لأنه مقدر في النهاية.

فهذا معنى قول ابن هشام: اللفظ هو الصوت المشتمل على بعض الحروف أو ما هو في قوة ذلك، قال: نحو رجل وفرس، فالأول يعني الصوت المتلفظ به حقيقة وصراحة مثل كلمة رجل كلمة فرس، الثاني ما هو في قوة المتلفظ به، قال: كالضمير المستتر في نحو: اضرب واذهب، المقدر بقولك "أنت"، اضرب أنت واذهب أنت. فهذا إذاً كلاهما يسمى لفظاً، لكن هناك لفظ حقيقي إذا كان الصوت حقيقياً مسموعاً، وهناك لفظ مجازي وهو ما قدر على أنه موجود في سياق الجملة وإن لم يسمع له أثر.

هذا كلام عن اللفظ أو المقطع الأول من التعريف: الكلام لفظ. ثم قال: مفيد. ما معنى مفيد؟ المفيد كررناها كثيراً ما يفيد فائدة يحسن السكوت عليها، بحيث لا ينتظر السامع من القائل شيئاً، يقول: جزاك الله خيراً فهمت كلامك، هذا معنى مفيد. ابن هشام ماذا قال في معنى المفيد هنا؟ قال: ونعني بالمفيد ما يصح الاكتفاء به، وهذا لا يخرج عما ذكرناه؛ فنحن قلنا قام زيد كلام، لأنه لفظ يصح الاكتفاء به إذا هو كلام. وإذا قلت زيد قائم لاحظوا قال: وأما إذا قلت زيد قائم مثلاً قال فليس بكلام. لماذا؟ ليس.

الكلام عند النحويين. لماذا لو كتبت كتابة زيد قائم ليس بكلام عند النحويين؟ لأن الكلام إيش تعريفه عند النحويين؟ لفظ، والكتابة ليست لفظاً فليست في النهاية كلاماً نحوياً وإن كانت كلاماً لغوياً كما سيأتي معنا. وكذلك إذا أشرت إلى أحد بالقيام أو القعود فليس بكلام؛ لأنه إيش؟ ليس لفظاً. لو قلت للشيخ المصور أمامي هكذا، ماذا سيفهم منها؟ قم، صحيح؟ وقم كلام؛ لأنها مركبة من قم والضمير المستتر أنت وتفيد في ذهن السامع السكوت عليها. لكن هل أنا تلفظت بكلمة قم؟ أم هي فقط إشارة؟ صحيح هي إشارة مفهمة فُهم منها هو هذا المعنى، لكن في النهاية لا يوجد لفظ، والكلام من شرطه، الكلام النحوي من شرطه أن يكون إيش؟ لفظاً.

الآن انتهينا من تعريف الكلام، الكلام لفظ مفيد، هكذا قال ابن هشام في قطر الندى. في شذور الذهب إيش قال ابن هشام في تعريف الكلام؟ قال قول مفيد، لكن زاد قيداً ثالثاً، قال قول مفيد مقصود. لاحظوا أنه في شذور الذهب أخذ الجنس القريب، ولعلني أقول، لعلي، لعلي، انتبه أني في القطر أتيت بالجنس البعيد، وكان بالأفضل أن آتي بالجنس القريب، وإن لم يكن هناك تأثير في النهاية على طول التعريف، لكن في الحقيقة عند أهل المنطق ينبغي الإتيان بالجنس القريب حتى ولو كان الجنس البعيد الإتيان به لا يؤثر على طول التعريف. فقد كأنه انتبه على هذا، لذلك أيها الأحبة أنا ألاحظ كثير من الأمور التي ننتقدها الآن هنا في هذا الكتاب تجدها معدلة في الشذور، تجدها في شذور الذهب، فقد يكون وهذا كله في النهاية نقاش احتمال، قد يكون شذور الذهب صنفه متأخراً عن هذا الكتاب فتدارك فيه كثيراً من الأمور، مثل قضية أن الأمر مبني على الفتح لما يتصل بنون التوكيد، مثل قضية هؤلاء أن فيها لغة عند العرب، مثل هذه القضية هنا أتى بالجنس القريب فعلاً، قال قول مفيد، بخلاف القطر إذ قال لفظ مفيد، وهذا في النهاية الإنسان، هذا يدل عليه أيها الأحبة الإنسان بطبيعته ينضج، لا يلوم الإنسان في بداية طلبه للعلم أن المعلومة ستبقى نفسها، فقد روي: إذا كتبت غداً ثم إذا رويته ففتش.

يعني الإنسان ابتداءً يجمع ويحاول أن يرتب المعلومات، ثم مع مرور الوقت والنضوج وكثرة القراءة تجد أن المعلومات التي جمعتها منها ما هو قابل للنقاش ومنها ما هو مردود وهكذا، سمعنا من مشايخنا كثير من المسائل منها ما أصبحنا نناقشه ونعرف أنه خطأ، أو وقع فيه سهو من كلامه، وهذا واقع على كل البشر إلا المعصوم صلى الله عليه وسلم، الكل يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب هذا القبر، صلوات ربي وسلامه عليه، فهذا أيها الأحبة يدل على إنسان يناقش. المهم في الشذور قال قول مفيد، لكنه زاد قيداً ثالثاً قال إيش؟ مقصود. لماذا زاد هذا القيد؟ هذا القيد زاده بعضهم أيها الأحبة لأن بعضهم يشترط في اللفظ المفيد حتى يسمى كلاماً أن يكون المتكلم قد تقصد النطق به، ولا يكون خرج منه اللفظ المفيد على سبيل السهو، كأن كان نائماً فقال زيد قائم، أو كان ساهياً أو سكراناً فقال زيد قائم، يقولون النائم والذاهل حتى لو تكلم بلفظ مفيد لا يسمى كلاماً، حتى لو خرج منه اللفظ المفيد لا يسمى ماذا؟ كلاماً، لأنه شرط الكلام إيش؟ أن يكون الذي تكلم به قاصداً له.

هذا زاده بعضهم، لكن في الحقيقة عليه انتقاد كثير، يعني لو قال النائم، إنسان نائم قال زيد قائم، في الحقيقة تسمية الشيء كلاماً وعدم تسميته بكلام أنا أرى يعني كذكر أكثر النحويين له علاقة باللفظ نفسه، بغض النظر عن طبيعة المتكلم به، كان مستيقظاً، كان نائماً، كان سكراناً، كان ذهلان، كان لا يهمني، أنا يهمني الجملة، هل أفادت فائدة يحسن السكوت عليها أو لم تفد؟ أفادت فائدة يحسن السكوت عليها، إذاً هي كلام، وكونه كان مقصوداً للمتكلم أو لم يكن مقصوداً لا يهمني. فزيادة قيد القصد، قول مفيد مقصود، القصد هذا كما ذكرنا ذهب إلى زيادته بعض النحاة، لكن أبو حيان الأندلسي رحمة الله عليه وابن هشام في قطر الندى وفي أوضح المسالك لم يشترطوه، وأما في شذور الذهب فاشترطه، هذا يدل على أن القضية محتملة وليست قضية محسومة عندهم، هل من شرط الكلام باختصار أن يكون مقصوداً؟ يعني أن يكون من نطق به قاصداً لإخراجه مستيقظاً بكل قواه العقلية، ولا حتى لو كان نائماً وقال زيد قائم نسمي زيد قائم كلاماً؟ هذا موطن الخلاف، لذلك مثلاً في الآجرومية إيش قال ابن آجروم في تعريف الكلام؟ قال: اللفظ المركب المفيد بالوضع. بعضهم بالوضع يقصد القصد، هذا تعريف الوضع في كلام ابن آجروم يقصد بالوضع أن يكون قاصداً له بأن لا يكون نائماً أو ساهياً، والبعض قال بالوضع يعني بالوضع العربي، وأنا أرى لأنه لا يقصد الوضع العربي، أنا أقصد أنه يقصد بالوضع أن يكون قاصداً لوضع هذه الألفاظ، أما الوضع العربي يعني ابن آجروم يدري إحنا نتكلم في اللغة العربية، نتكلم بأي لغة بالإنجليزية؟ القول أنه مراد بالوضع الوضع العربي أرى أنه نوع من التكلف في فهم خالد بن آجروم. المهم انتهينا من تعريف الكلام اصطلاحاً.

نعود إلى تعريف الكلام لغة، الكلام لغة ما هو أيها الأحبة؟ باختصار حتى لا أطيل عليكم، الكلام لغة هو القول، إذاً الكلام لغة إيش هو؟ إيش يعني القول؟ يعني الكلام لغة هو اللفظ المستعمل، سواء أفاد فائدة يحسن السكوت عليها أو لم يفد فائدة يحسن السكوت عليها، ففي اللغة الكلام مرادف لمصطلح القول، يساوي مصطلح القول، اللفظ المستعمل، أفاد أو لم يفد لا إشكال في ذلك، جميل، لذلك يقول الكلام هو القول، أفاد أو لم يفد، هذا تعريفه في اللغة حقيقة، إذاً فالكلام في اللغة على وجه الحقيقة ما هو؟ مرادف لمصطلح القول، أفاد أو لم يفد، ومجازاً يطلق على الكتابة، ويطلق الكلام على الإشارة، ويطلق الكلام على النصب وعلى العقد بالأصابع، ويطلق الكلام على ما قام بالنفس، وهذا كله على سبيل المجاز. فنقول الكلام في اللغة حقيقة في ماذا أيها الأحبة؟ هذه قضية مهمة، حقيقة في القول، في اللفظ المستعمل، حقيقة فيه، حقيقة في اللفظ المستعمل أفاد فائدة السكوت عليها أو لم يفد، مجاز في ماذا؟ في كل ما يفيد شيئاً مطلقاً، سواء كان إشارة باليد أو كتابة على سبورة أو لوح أو دفتر، أو عقداً بالأصابع، أو المعنى القائم بالنفس، وليس الكلام حقيقة في كل هذه الأمور كما زعم بعضهم، الكلام في اللغة ليس حقيقة في كل هذه الأمور، حقيقة في القول ومجاز في الإشارة. فإذا مثلاً كتبت أنت زيد قائم، هذه الكتابة تسمى كلاماً تكون على سبيل ماذا؟ تسمى كلاماً مجازاً في اللغة وليس حقيقة في اللغة، لو أشرت إلى المصور قم، نعم تسمى كلاماً في اللغة على سبيل التجوز لأنها أفهمت فقاسوها على اللفظ المفهم، طيب قالوا مثلاً لو أشرت بيدك هكذا ماذا نفهم نحن ثمانية، صحيح؟

إذاً في فائدة، فهذه الإشارة تسمى كلاماً لغة على سبيل المجاز، ما يقوم في النفس من المعاني يسمى كلاماً لكن على سبيل المجاز، وكل ما هو مجاز يحتاج إلى قرينة، فالكلام لغة لا يطلق على الإشارة أو على الكتابة أو على عقد الأصابع أو على المعنى القائم في النفس إلا على سبيل التجوز، فيحتاج إلى قرينة، إن لم نجد قرينة فيحمل الكلام على ماذا؟ على المعنى الحقيقي أنه لفظ اللسان، وهذه مسألة مهمة تأصيلها في علم العقائد، قوله سبحانه وتعالى على لسان السماء والأرض: ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: 11]، القول هنا أجعله مرادفاً للكلام، صحيح إحنا قلنا نقول لغة أو القول بالمعنى الاصطلاحي هو أو أنا معنى الكلام لغة فبينهم علاقة، ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ الآن هل هو قول حقيقي من السماء والأرض أم قول مجازي؟ ابن هشام في شذور الذهب يقول ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ ليس هو قول حقيقي من السماء، وإنما قال دلالة الحال، ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا﴾ ليس قولاً حقيقياً وإنما هو قرينة الحال، أنهما أطاعا أمر الله فكأنهما قالا أتينا طائعين، انقيادهما دلالة الحال القائمة بهما من انقياد لأمر الله عبر عنها بأنها قول، فالقول هنا ليس حقيقياً، هكذا يقول ابن هشام، أنه قول من السماء ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ وإنما هي دلالة الحال، كانها انقادت لامر الله وما طلب منها فهذه قرينة الحال عبر عنها بأنها قول، فأدركت أن الطرف، فقد قال مرحباً وأهلاً وسهلاً بالحبيب نسيت البيت أيها الأحبة استشهد به ابن هشام أيضاً في شذور الذهب، المهم يقول فيه: فأيقنت أن الطرف قد قال مرحباً، هل الطرف للعين تقول شيئاً؟ لا، فهنا عندي قرينة على أن القول هنا ليس لسانياً وإنما هو بدلالة الحال، بدلالة الحال: فأيقنت أن الطرف قد قال وأهلاً وسهلاً بالحبيب المتيم. الله أكبر، وأهلاً وسهلاً بالحبيب المتيم.

فإذاً أيها الأحبة المهم يعني قال خلص ولملم أشعة الكلام، لو قلت الكلام في اللغة حقيقة في ماذا؟ في القول، أفاد ولم يفد، ومجاز في ماذا؟ في الإشارة والكتابة ودلالة الحال وعقد الأصابع والمعنى القائم في النفس. الكلام في الاصطلاح ما هو؟ اللفظ المفيد. وهذا التعريف هو تعريف ابن مالك في الألفية، إيش قال ابن مالك؟ كلامنا لفظ مفيد كاستقم، فهو مشارك لابن هشام في هذا المعلم، وإن كان طبعاً هو المتقدم، ابن مالك متقدم على ابن هشام. جيد، وعرفنا ما معنى اللفظ هنا، نقول الكلام لفظ مفيد، اللفظ هو الصوت المشتمل على بعض الأحرف الهجائية أو ما فيه قوة الصوت، ونقصد هنا إدخال الضمائر المستترة وأردنا مع ضابط الفائدة.

ننتقل أيها الأحبة الآن إلى مبحث جديد، قال ابن هشام: وأقل ائتلافه من اسمين كزيد قائم، أو فعل واسم كقام زيد. الآن ابن هشام رحمة الله عليه يريد أن ينتقل بنا إلى مسألة فرعية وهي مسألة صور تأليف الكلام، حتى تؤلف كلاماً، فائدة على الهامش، ما هي العلاقة بين التأليف والتركيب؟ نحن كنا نقول التركيب صح، اللفظ المستعمل مركب، طيب هل قلت مستعمل مؤلف، هل هناك علاقة بين التركيب والتأليف؟ هل هما مترادفان أو هناك ما هو أخص؟ باختصار التأليف أخص من التركيب، التأليف وضع الشيء على الشيء أو جمع الشيء مع الشيء على وجه المناسبة، وأما التركيب فهو جمع مع شيء مطلقاً سواء كانت بينهما مناسبة أو لا، يمكن أن تضع شيئاً على شيء وتجمع شيئاً مع شيء لكن لا يوجد بينهما أي مناسبة، يسمى تركيباً لكن لا يسمى تأليفاً، أما إذا جمعت الشيء إلى الشيء على وجه المناسبة فهذا يسمى تأليفاً وتركيباً، فالتأليف أخص من التركيب. المهم يقول ابن هشام: وأقل ائتلافه من اسمين كزيد قائم أو فعل واسم كقام زيد. الآن أيها الأحبة ما هو أقل تأليف أو أقل تركيب إذا كان تأليفه فهو تركيب ما عندنا مشكلة، ما هو أقل تأليف يمكن أن ينتج لي كلاماً؟ ما هو أقل تأليف من الكلمات العربية؟ إذا ألفت أنت كلاماً، أعيد ما هو أقل ترتيب؟ ما هو الحد الأدنى من التراكيب؟ إذا ألفتها أنتج كلاماً، الحد الأدنى من التركيب هو ما قلنا من كلمتين، وهاتان الكلمتان بهذا القياس وليس أي كلمتين، لأن الوقوف من كلمتين، أقول لك يا شيخ طيب ممكن الكلمتين يعني ممكن من حرفين، ما الحرف قال لي يعني إلى ومن، خلص إلى ومن، ركبت كلمتين، لأ، كلمتين بما سيحدده، فقال أقل تأليف يمكن للكلام العربي أن يكون من كلمتين، ما هما هاتان الكلمتان؟

قال: إما من اسمين أو من فعل واسم، فعل وفعل ممكن؟ لا، حرف وفعل ممكن؟ لا، لا بد من كلمتين، وثم نحدد، إما من اسمين أو من فعل واسم، هذا أقل ما يمكن أن يؤلف منه الكلام، أقل حد، مش ممكن تأتي بكلام يعني ما يصدق عليه أنه كلام أقل من ذلك، لا يمكن أن تأتي بما يصدق عليه أنه كلام وهو أقل من ذلك. وهناك إذا من حضر معنا نبذ الورقات ناقشنا يعني بعض الآراء العربية هناك من يرى أنه يمكن أن تركب كلاماً من حرف واسم، بعض النحاة قال يمكن، كيف؟ قال: يا زيد، ناديت على شخص يا زيد، قالوا هذا كلام، لكن ماشي أقول لك كلام صحيح، لكنه في الحقيقة من إيش مركب؟ قالوا مركب من فعل وفاعل ومفعول به، لأن يا قامت مقام أدعو زيداً، فتقديري يا زيد أدعو زيداً، فإذاً أنه هذا ليس فقط من فعل واسم، من فعل واسمين، لذلك ستجدون بعض الآراء التي خالفت، لكن كما قلنا الجمهور على أن أقل ما يمكن أن يتألف منه كلام أو يصدق عليه أنه كلام أقل شيء بحيث يكون مفيد فائدة يحسن السكوت عليها، أن يكون مركباً من اسمين أو من فعل واسم. طيب، طب الآن هل يمكن أيها الأحبة أن يوجد عندي، هل يمكن أن يوجد اسمان أو يوجد فعل واسم ولا يكون هناك كلام؟ لسه ما أفاد الفائدة التي يحسن السكوت عليها، يمكن ذلك.

ليس المراد أنك كلما رأيت اسمين وجد الكلام، أو كلما رأيت فعلاً واسماً وجد الكلام؛ فربما يوجد فعل واسم ولا يوجد كلام. بل يمكن أن أعطيك مثلاً، إن جاء زيد وسكتُّ، ماذا وجد هنا؟ وجد فعل واسم وحرف أيضاً، ولم يوجد كلام. فعليك أن تنتبه أننا نتكلم الآن عن أقل صور الائتلاف، عن أقل الصور الممكنة لتأليف الكلام من اسمين أو من فعل واسم. لكن هل كل اسمين، أو فعل واسم، ينتج كلاماً؟ لا، يمكن أن أحتاج إلى أكثر من ذلك. لذلك ابن هشام في هذا الفصل سيحصر لنا الصور التي يتألف فيها الكلام في اللغة العربية من أقل احتمال إلى أعلى احتمال.

ما أقل احتمال لتأليف الكلام؟ أقل احتمال من اسمين أو من فعل واسم. وما أكثر احتمال؟ أكثر احتمال من جملتين. وبينها ست صور. قال ابن هشام: صور تأليف الكلام ست. هناك حد أدنى وهناك حد أعلى، لأنه يتألف من اسمين، أو من فعل واسم، أو من جملتين، أو من فعل واسمين، أو من فعل وثلاثة أسماء، أو من فعل وأربعة أسماء. هذه هي صور تأليف الكلام في لسان العرب بالاستقراء، استقرؤوا كلام العرب فوجدوا أن صور تأليف الكلام لا تخرج عن هذه الصور الست.

الصورة الأولى: قال أما ائتلافه من اسمين. وهذه من أدنى الصور. إذا ائتلف من اسمين فما الاحتمالات؟ عندنا أربع صور تدخل ضمن تأليف الكلام من اسمين: مبتدأ وخبر، مبتدأ وفاعل سد مسد الخبر، مبتدأ ونائب فاعل سد مسد الخبر، واسم فعل وفاعل. مثال ذلك مبتدأ وخبر: زيد شجاع. لاحظوا، هل ينطبق عليها تعريف الكلام؟ لفظ مفيد فائدة يحسن السكوت عليها، وتألف من اسمين: زيد وشجاع.

أما مبتدأ وفاعل سد مسد الخبر، مثل: أقائم الزيدان؟ الزيدان فاعل سد مسد الخبر. يمكن لشخص أن ينتقد هذا على ابن هشام، فهذه من ثلاث كلمات؛ هناك أداة الاستفهام «أ»، وهناك قائم، وهناك الزيدان، فهذا ليس من اسمين، هذا من حرف واسمين. لماذا اضطر أن يأتي بهمزة الاستفهام؟ لأن شرط هذه الصورة عند جمهور النحاة أن يكون مسبوقاً بنفي أو استفهام. لكن عند الكوفيين وطائفة يجوز: قائم الزيدان، على أن قائم مبتدأ والزيدان فاعل سد مسد الخبر، فلا تحتاج إلى همزة.

نفس الشيء مبتدأ ونائب فاعل سد مسد الخبر، المثال الذي أتى به ابن هشام: أمضروب الزيدان؟ تبقى مضروب الزيدان فيها نفس المشكلة أنها تألفت من ثلاث كلمات، همزة الاستفهام ومضروب والزيدان نائب فاعل. فكأن ابن هشام لم يلتفت إلى همزة الاستفهام وأهملها، لكن في التحرير العلمي لا أستطيع أن أهملها؛ فهي كلمة عربية مستقلة، وأرى أن هذا المثال قد يدخله شيء من النقاش. لو قلنا على طريقة الكوفيين: مضروب الزيدان، مضروب مبتدأ والزيدان نائب فاعل سد مسد الخبر، من دون الحاجة لهمزة الاستفهام، نمشيها على هذا النمط.

أما الصورة الرابعة من اسم فعل وفاعل، سنأخذ عندما نتكلم عن أسماء الأفعال أنها تعمل عمل الأفعال التي تدل عليها. فصَهْ: معناها اسكت، وتعمل عمل اسكت، فيكون الفاعل فيها مستتراً وجوباً. بينما هيهات اسم فعل ماض، معناها بَعُد، فتأخذ فاعلاً ظاهراً، فنقول: هيهات العقيق. هيهات اسم عملت عمل الفعل الماضي، والعقيق فاعل. إذاً هذه هي الصورة الأولى، أن يتألف من اسمين، وصور تأليفه ذكر لها ابن هشام أربعاً: مبتدأ وخبر، مبتدأ وفاعل سد مسد الخبر، مبتدأ ونائب فاعل سد مسد الخبر، واسم فعل وفاعل.

الصورة الثانية من صور تأليف الكلام: أن يتألف من فعل زائد اسم. وهذه الصورة مع التي قبلها هي أقل صور تأليف الكلام. الفعل والاسم له صورتان: فعل زائد فاعل مثل قام زيد، وفعل زائد نائب فاعل مثل ضُرِبَ عمرو. أتت صورتان واضحتان.

الصورة الرابعة: أن يتألف الكلام من فعل واسمين. مثالها سهل، مثل كان وأخواتها: كان محمد قائماً. هنا حتى أؤلف كلاماً احتجت إلى فعل وهو كان، وإلى اسمين محمد وقائماً. لو قلت كان محمد وسكتُّ، إذا كانت كان الناقصة، ليست صحيحة، ولا تسمى كلاماً لأنك تقول كان محمد، وما زال السامع ينتظر.

الصورة الخامسة: فعل زائد ثلاثة أسماء. احتجنا إلى فعل وثلاثة أسماء حتى نؤلف كلاماً. المثال: علمتُ زيداً قائماً. علمت: فعل، الضمير التاء اسم أول، زيداً الاسم الثاني، قائماً الاسم الثالث. لو قلت علمت زيداً وسكتُّ، هل تسمى كلاماً؟ لا، لأنه السامع ما زال ينتظر: علمت زيداً بخيلاً، شجاعاً، جواداً، نائماً، كسولاً؟ فلاحظوا هنا احتجنا إلى فعل وثلاثة أسماء حتى نأتي بما يصدق عليه أنه كلام.

الصورة السادسة: فعل زائد أربعة أسماء. تقول فيها: أعلمتُ زيداً عمراً قائماً. أعلمت: فعل، الضمير التاء اسم أول، زيداً اسم ثانٍ، عمراً اسم ثالث، قائماً اسم رابع. هنا احتجت إلى فعل وأربعة أسماء حتى أستطيع أن آتي بكلام، ولو أنقصت اسماً لا تكون الجملة كاملة ولا يصدق عليها أنها كلام.

الصورة الأخيرة: أن تحتاج إلى جملتين حتى تكون كلاماً. أحياناً قد تأتي بجملة ولا تكون كلاماً، وتحتاج إلى أن تضيف جملة أخرى حتى يصدق على هذا اللفظ أنه كلام. وهذا في صورتين بالاستقراء: جملة الشرط زائد جملة الجواب، وجملة القسم زائد جملة جواب القسم. لو قلت لك: إن جاء زيد، هذه جملة الشرط، لكن هل تسمى كلاماً؟ لا، تحتاج إلى جملة أخرى تضيفها: إن جاء زيد فسأعطيك جائزتك. ومثال جملة القسم: أقسم بالله، جملة، لكن هل يحسن السكوت عليها؟ تحتاج إلى جملة أخرى: أقسم بالله لأطلبنَّ العلم. هذه الجملة الثانية هي التي جعلت هذا السياق كله يسمى كلاماً.

أيها الأحبة، كيف أن تأليف الكلام أقله من اسمين أو من فعل واسم، لكن يمكن أن يأتي اسمين أو فعل واسم وما زال لا يسمى كلاماً، إلا أن هناك ما يحدث فيه لبس. نأتي إلى ابن هشام، سيبين أن هذه المعلومة وقع في إيصالها لبس عند بعض النحاة، فأوصلوها بشكل خاطئ إلى بعض المتعلمين، هذا الذي يقوله ابن هشام.

يقول ابن هشام بعد أن عدد الصور الست: فهذه صور التأليف. يعني بعد أن عدد صور الاستثقال: وهذه صور التأليف. وأقل الائتلاف -يعني أقل صور التأليف- من اسمين أو من فعل واسم كما ذكرت، وما صرحت به من أن ذلك هو أقل ما يتألف به الكلام -يعني ما صرح به من أن أقل ما يتألف منه الكلام من اسمين أو من فعل واسم- هو مراد النحويين، وعبارة بعضهم توهم أنه لا يكون -يعني أن الكلام لا يكون- إلا من اسمين أو من فعل واسم. يعني بعض النحاة أخطأ في إيصال هذه المعلومة، فأوهمت عبارته ماذا؟ أنه أي كلام فقط هو إما من اسمين أو من فعل واسم، لا تحتاج إلى أكثر من ذلك، وما زاد على ذلك هو من الفضلات. يعني من زيادة الإيضاحات. هكذا أفهمت عبارة بعض النحاة، وهذا خطأ.

أنا أريد منكم أن تفهموا ما الذي يريد أن يسري به ابن هشام، ابن هشام يريد أن يقول لكم: أقل ما يتألف منه الكلام من اسمين أو من فعل واسم. هذا أقل حد، لكن يمكن أن يوجد اسمان ولا يوجد كلام، يمكن. يمكن أن يوجد فعل واسم ولا يوجد كلام، يمكن، «كان زيد». المثال الذي مثل به قبل قليل؛ وجد فعل وهو كان، واسم، ولم يوجد كلام، ما زلنا نحتاج إلى الخبر: «كان زيد قائماً».

إذاً باختصار: ليس كلما وجد فعل واسم وجد كلام، لكن يمكن أن يوجد فعل واسم ويوجد كلام، ها ليس دائماً. نأتي على طريقة المناطقة: ليس دائماً إذا كان هناك فعل هناك كلام، يمكن يوجد فعل واسم ولا يوجد كلام. يمكن يوجد اسمان ولا يوجد كلام، يمكن. فهو يريد أن يقول لك إني أتكلم عن الحد الأدنى، ولا أقول أن الكلام لا يكون إلا من اسمين واسم. لاحظنا أنه يمكن أن آتي بجملة ولا يوجد كلام، وأحتاج إلى جملة أخرى، انظروا تأتي بجملة وتحتاج إلى جملة أخرى حتى توجد كلاماً. فإذاً عليك أن تفهم ما الذي يريدونه بأن أقل ما يؤلف منه الكلام من اسمين، يعني الحد الأدنى الذي يجب أن يأتي به، الحد الأدنى الذي يمكن أن نتصور أن يتركب منه الكلام، من اسمين، وهذان الاسمان على صور محددة أيضاً، هذا هو خبر مبتدأ، وفاعل سد مسد الخبر، ومبتدأ ونائب فاعل، أو من اسم فاعل وفاعل، يعني هذه الصور المتصورة.

وإذا كان من فعل فالصور المتصورة عندنا: فعل وفاعل، فعل ونائب فاعل. ثم بعد ذلك حدد كذلك السقف الأعلى. لكن هل يوجد هناك سقف أعلى أكثر من جملتين؟ يعني أن توجد جملتان ولا يوجد كلام؟ لا، مش ممكن. السقف الأعلى من جملتين، فهو بين لك السقف الأدنى وبين لك السقف الأعلى. السقف الأعلى من جملتين، يعني لا يوجد في لسان العرب أن تحتاج إلى ثلاث جمل حتى تأتي بكلام، لا، أعلى حد عبارة عن جملتين. ما في أنه والله واحد أتى بجملتين ولسه ما جاء بكلام، ما عندنا مثال على ذلك. أول ما أحتاج إلى فعل وخمسة أسماء مثلاً، لا فعل أربعة أسماء، أما فعل وخمسة أسماء حتى تسمى كلاماً لا يوجد عندنا في لسان العرب. هذه محلها الاستقراء، المهم هذه معلومة حصرية، هي معلومة نظرية، ومن الناحية التطبيقية نوعاً ما ستكون محدودة، لكن أنا حاولت أن أوصلها بقدر الإمكان.

ثم رحمه الله عليه فصل أنواع الإعراب. الآن ابن هشام سيبدأ سيعود إلى الإعراب مرة أخرى، سيبين أنواع الإعراب في الاسم، وهكذا على السريع. قال المعرب هو ما يتغير آخره بسبب العوامل، وقلنا نحن منحى الكوفيين، ثم قال والمبني بخلافه، ثم ذكر أنواع البناء، ذكر البناء على الكسر ومثل لها بهؤلاء، بعد ما اختلف فيه البناء على الضم، البناء على الفتح، البناء على السكون. هنا سيعود ابن هشام الآن خلاص، يريد أن يعود إلى مفهوم الإعراب، يؤصله ويبين علامات الإعراب الأصول والفروع.

إلى ماذا سنفعل؟ سنعود إلى الإعراب، نبين أنواعه ونبين ما هي العلامات الأصول لهذه الأنواع، وما هي العلامات الفروع. أقول أيها الأحبة: فصل أنواع الإعراب أربعة، وهذي ذكرناها، إيش أنواع الإعراب مقابل أنواع البناء؟ أنواع الإعراب أربعة. طيب سريعاً مراجعة، ما تعريف الإعراب؟ التعريف المختار تعريف البصريين: أثر ظاهر أو مقدر يجلبه العامل في أواخر الأسماء المتمكنة أو الفعل المضارع، وهذا الأثر إما أن يكون حركة أو سكوناً أو حرفاً أو حذفاً، أربعة. هذا تأليف الإعراب عند البصريين وهو التأليف المختار.

والإعراب أربعة أنواع: رفع، ونصب، وجر، وجزم. هذه أنواع الإعراب التي يجلبها العامل، يعني العوامل تأتي لنا بهذه الأنواع الأربعة، إما عامل رفع يجلب لنا الرفع، أو عامل يجلب لنا نصباً، أو عامل يجلب لنا جراً، أو عامل يجلب لنا جزماً، ما عندنا شيء آخر، فهذه أنواعه. قال: أنواع الإعراب أربعة: رفع ونصب في اسم وفعل، نحو «زيد يقوم»، و«إن زيداً لن يقوم»، وجر في اسم، نحوه «بزيد»، وجزم في فعل، نحو «لم يقم». فيرفع بضمة، وينصب بفتحة، ويجر بكسرة، ويجزم بحذف حركة أي بسكون. الآن في هذا المقطع من المتن ابن هشام بين ماذا؟ أنواع الإعراب، وبين هذه الأنواع أين توجد في الكلمات العربية، ثم بين ما هي علامات الأصول باختصار الأفكار الموجودة في هذه الفقرة.

بدأ في الشرح، انظروا الآن ابن هشام في شرحه ماذا سيعرف الإعراب؟ لما كنا في الأسماء الإعراب أو المعرب، طبعاً هو عرفه كما قلنا بطريقة تقترب إلى مذهب الكوفيين، لكن هناك قلت لكم إنه سيعود مرة أخرى في عرف الإعراب طريقة البصريين. انظروا إيش قال في الإعراب؟ قال: الإعراب أثر، لاحظتم إيش قال؟ الإعراب أثر، فعادوا إلى تعريف البصريين، أثر ظاهر -يعني يظهر باللفظ- أو مقدر، وعرفنا ما معنى الظاهر والمقدر، يجلبه العامل في آخر الكلمة. الآن في آخر الكلمة هذه عبارة فيها نوع عموم، نحن خصصنا مش في أي كلمة، لا، في آخر الأسماء المتمكنة والفعل المضارع، نحن عبارتنا كانت أدق حتى للطالب، قال فالظاهر الآن أراد أن يبين لك أنواع الإعراب، الآن نعود إلى السبورة.

هناك معلومة ينبغي على طالب العلم أن يتقنها ابتداءً وهي أن أنواع الإعراب ثلاثة، أنواع الإعراب أيها الأحبة ثلاثة، وبديش أسميها أنواع الإعراب، بلاش تختلط عليك أنه أنواع رفع، نصب، خفض، جزم، نسمي إيش نسميها مثلاً؟ طرق الإعراب نسميها مثلاً أو أوجه الإعراب مثلاً حتى ما تختلط على الطالب، نقول أوجه الإعراب أو طرق الإعراب، طيب ما هي مشكلة عندي سميها طرق أوجه، أنا عندي ثلاثة: النوع الأول الظاهر، النوع الثاني المقدر، النوع الثالث المحلي، جميل.

هذه طرق الإعراب، لأنك أنت إما تعرب تقول: مرفوع وعلامة رفعه ضمة ظاهرة، إما أن تقول: مرفوع وعلامة رفعه مثلاً ضمة مقدرة، وإما أن تقول: مبني في محل. ما في عنا شيء رابع، هكذا الإعراب، إما علامة ظاهرة أو مقدرة أو مبني في محل، جميل؟ فالآن إذاً أوجه الإعراب ثلاثة، الظاهر، الآن هو إيش قال في تعريف الإعراب؟ أثر ظاهر، ظاهر ليس للعين، لا، ظاهر باللفظ، ظاهر باللفظ. مثال ذلك: جاء محمدٌ، جاء محمدٌ. الآن محمد أعرب محمد، إيش تقول؟ والفاعل مرفوع وعلامة رفعه إيش؟ ضمة. ضمة إيش؟ ظاهرة، أين ظهرت؟ الطالب الآن نبتدئ نحن نسهل عليه نقول هي الضمة الظاهرة، لكن في الحقيقة هذه ليست هي الضمة الظاهرة، المراد بالظهور الظهور اللفظي. محمد، هاتان الضمتان ما هما؟ تنوين، هذا إيش؟ تنوين، صحيح، ولكن أين الضمة؟ ها أنت أين نطقت الضمة؟ جاء لا تنظر إلى اللفظ لا تنظر إليه عياناً، انظر يعني اسمع صوتك. جاء محمدٌ، ها، جاء محمدٌ، فالدال مضمومة، عندك ضمة، ثم نطقت بالتنوين. هذه الضمة التي تلفظت بها على الدال هذا الذي يقصدون أنها ضمة ظاهرة، ظاهرة على اللفظ حتى لو كانت الرسم مثلاً عندي تنوين، ما ظهر الضمة إذا ظهر تنوين هي ظاهرة، لأن العبرة بالظهور، الظهور إيش؟

ثاني العبرة بالظهور الظهور اللساني وليس الظهور العيني. ممكن يجتمع الظهور اللساني والعيني، جاء الرجل، آه جاء الرجل، ما عندي تنوين، التنوين راح لأنه دخلت ال، فالرجل فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة ظاهرة. الظاهرة كما قلت المراد الظهور اللفظي وإن كانت في هذا المثال أيضاً ظاهرة للعيان. أريدك أن تنتبه على هذه الفائدة، عندما يقول إعراب ظاهر ليس المراد الظاهر للعيان أنك ترى الحركة، أنك تتلفظ بالحركة، فقط هذه المعلومة. طيب جاء محمدٌ هذا واضح.

المقدر سيأتي في آخر الباب، سيبين رحمة الله عليه أسباب التقدير، أو أهم أسباب التقدير. أحياناً أيها الأحبة الإعراب لا تظهر، ويمنع من ظهورها سبب من الأسباب فنقدر وجودها، ونبين ما هو المانع الذي منع من ظهورها. ما هي أشهر الموانع سريعاً؟ أشهر الموانع التي تؤدي إلى تقدير الحركة وعدم ظهورها على اللفظ إما التعذر، وهذا إذا كان آخر اللفظ ألفاً، لأن الألف يتعذر تحريكها، تقول: جاء الفتى، الفتى إيش إعرابها؟ فاعل مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدرة، ما تلفظ بها، ضمة مقدرة على الألف منع من ظهورها إيش؟ التعذر.

مثلاً العامل الثقل، الثقل يكون على أين؟ على الواو أو الياء، في أي حالة؟ في حالة الرفع أو الجر فقط، الواو أو الياء ثقيلتان، يصعب أنه تظهر عليهما الضمة أو الكسرة، فإذا كانت كلمة في آخرها واو أو في آخرها ياء، وجاءت في مكان نصب، لا، مكان يجر، فإن الضمة والكسرة تكون مقدرة منع من ظهورها الثقل. أما إن جاء في موضع نصب فالفتحة خفيفة فتظهر على الواو أو الياء. إذا قلت: جاء القاضي، إيش إعراب القاضي؟ فاعل مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدرة، منع من ظهورها على الياء إيش؟ الثقل. مررت بالقاضي، اسم مجرور وعلامة جره كسرة مقدرة منع من ظهورها الثقل. لو معقول رأيت القاضي؟ لا، أنا أتلفظ لأن الفتحة خفيفة، رأيت القاضيَ. كذلك لو كانت كلمة مختومة بالواو، مثل هذا نأتي بفعل مضارع، لأنه لا يوجد عندي كلمة اسم مختومة بواو قبلها مضموم لا يوجد، أنا حتى أريكم، لكن نذهب إلى الفعل وقلت: يدعو محمدٌ، يدعو فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه إيش؟ ضمة مقدرة منع من ظهورها الثقل، صحيح؟ وعلى ذلك.

إذاً رسالة التقدير إيش هي أيها الأحبة؟ المناسبة، اشتغال المحل بحركة المناسبة. والمراد بالمناسبة هنا بحد ذاتها اشتغال المحل بحركة مناسبة ياء المتكلم. وإن كانت المناسبة في الحقيقة أوسع من مناسبة ياء المتكلم فقط، لكن هذا هو المشهور عند الطلبة وفي كتب النحو فنقتصر عليه في هذا المقام، أن المناسبة المراد اشتغال المحل بحركة مناسبة ياء المتكلم. ياء المتكلم دائماً تطلب قبلها إيش أيها الأحبة؟ كسرة، تطلب قبلها إتيان الكسرة، فكل اسم اتصل بياء المتكلم يعني أضيف إلى ياء المتكلم، فهذا الاسم دائماً سيكون إعرابه إيش؟ مقدر منع من ظهوره اشتغال المحل بحركة مناسبة ياء المتكلم. جاء غلامي، ومررت في غلامي. إيش إعراب جاء غلامي؟ غلام إيش إعرابها؟ فاعل مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الميم، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة مناسبة ياء المتكلم.

طيب مررت بغلامي، هاي قد تشكل على الطالب، مررت بغلامي، باء حرف جر، غلامي، آه خلص غلام اسم مجرور يا شيخ، هاي الكسرة ظاهرة. أقول لا، هذه الكسرة لم يجلبها العامل، والإعراب أثر يجلبه إيش؟ العامل، وهذه الكسرة لم يجلبها العامل وإنما هي كسرة لمناسبة ياء المتكلم، فتقول غلامي اسم مجرور وعلامة جره كسرة مقدرة منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة مناسبة ياء المتكلم. فهذه لا تختلط عليه، إذاً هذه أهم أسباب التقدير التعذر على الألف مطلقاً في جميع الأحوال، والثقل، والمناسبة، انتهينا منها.

بقي علينا النوع الثالث، وهذا النوع الثالث يعني ثبت لنا باستقراء طرق النحاة والتعريف لا يشير إليه صراحة ويمكن يعني أن يستنبط استنباطاً، لكن التعريف لا يشير له صراحة وهو الإعراب المحلي. الإعراب المحلي سأختصره لكم أيها الأحبة واضبطوا هذه المعلومات، هذه المعلومات متى ضبطت بطريقة مهندسة رائقة هكذا تصبح طريقة الإعراب عندك منضبطة، متى ما كانت مشتتة لا تعرف شو الإعراب المحلي والظاهر والمقدر ولا تعرف المصطلحات. يا شيخ متى أعني بإعراب محلي؟ يقول لك متى مهم تضبط هذه المصطلحات في بداية علم النحو. فالإعراب المحلي أنا أحصر لك مواضعه، الإعراب المحلي هو في الأسماء المبنية إلا أسماء الأفعال، كل اسم له محل من الإعراب، مباشرة إذا بنيته لا بد تذكر محله من الإعراب، رفع أو نصب أو جر، ما في لا مفر من ذلك. أي اسم مبني، لماذا؟ لأن الأصل في الأسماء الإعراب، وإذا بنيت فبناؤها طارئ فيبقى لها حتى لو بنيت أثر في الإعراب، الأسماء لأن الأصل فيها الإعراب حتى لو بنيت يبقى لها محل.

من الإعراب؛ لأن هذا هو الأصل في الأسماء. فكل اسم مبني له محل؛ الضمائر، أسماء الشرط، أسماء الاستفهام، الأسماء الموصولة، كل الأسماء المبنية سواء قسمناها نحن لأسماء محفوظة وأسماء متفرقة متبعثرة، كلاهما له محل من الإعراب إلا نوعاً واحداً؛ ما هو؟ أسماء الأفعال كـ «صه» و«مه» و«شتان»، الصحيح من كلام النحاة أنه لا محل لها من الإعراب.

النوع الثاني من الإعراب المحلي الفعل المضارع المبني، الفعل المضارع المبني أيها الأحبة له محل من الإعراب. لماذا؟ لأن الفعل المضارع معرب، وإذا بني فلأمر طارئ؛ إما نون نسوة أو نون توكيد، إذا بني نعيده إلى محل؛ نقول مبني في محل رفع، أو في محل نصب، أو في محل جزم.

النوع الثالث ذكرناه في درس البارحة: المصادر المؤولة. ما هي المصادر المؤولة باختصار؟ كل حرف مصدري جاء مع فعل، فإنهما يدمجان في التقدير وينتج عندنا مصدر مؤول، كل حرف مصدري زائد فعل قد يكون ماضياً وقد يكون مضارعاً لا مشكلة، فإنهما يدمجان وينتجان مصدراً مؤولاً. ما هي الحروف المصدرية؟ أن، ولو، وما، وأن، وكي. هذه الخمسة متى ما كانت مصدرية -لأنه لها أحوال أحياناً تأتي ليست مصدرية- متى ما كانت مصدرية بشروطها المصدرية وجاء بعدها فعل، فإنها تنتج لي مصدراً مؤولاً. ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾ [البقرة: 177]، التقدير: ليس البر توليتكم، المصدر المؤول في محل رفع خبر ليس. وهذا دائماً أيها الأحبة يعجبني أنك أتيت اليوم، ما المصدر المؤول هنا؟ المصدر المؤول ليس دائماً عبارة عن حرف مصدري مع فعل؛ لا، هنا ربما ذهبت سهواً، المصدر المؤول في «أن» مثلاً من أخوات «إن»، المصدر المؤول سينتج من سبك «أن» مع اسمها مع خبرها، فيعجبني أنك أتيت اليوم، ما تقدير المصدر المؤول؟ يعجبني إتيانك اليوم، فتقول المصدر المؤول الذي دلت عليه «أنك أتيت اليوم» في محل رفع فاعل يعجبني.

وهكذا ديدن المصادر المؤولة؛ يسر المرء ما ذهبت الليالي، يسر المرء ذهاب الليالي، ودوا ما عاندتم، ودوا عنتكم، المصدر المؤول في محل نصب مفعول به لـ «ودوا»، وعلى ذلك.

القسم الرابع: الجمل السبعة. الجمل السبعة التي لها محل من الإعراب، وهذا ضبطه مهم جداً في بداية تعلمك للإعراب، لأن كثيراً من الطلبة تختلط عليهم الأمور، لا يعلم أي جملة يعطيها محلاً من الإعراب أو أي جملة لا يعطيها، يقول لك: يا شيخ، والله ما أنا عارف ما الضابط؟ احفظ، هي سبع جمل لها محل من الإعراب، ويقابلها سبع جمل أخرى لا محل لها من الإعراب، احفظ التي لها محل من الإعراب وخلص، كل ما سوى ذلك ليس له محل من الإعراب.

ما هي الجمل السبعة التي لها محل من الإعراب؟ أولاً جملة الخبر، مثال: محمد يدرس العلم، جملة يدرس العلم في محل رفع خبر، هكذا الجملة في محل رفع خبر. ثانياً جملة الحال، زرت محمداً وهو يدرس، وهو يدرس الجملة في محل نصب حال. ثالثاً جملة النعت، زرت رجلاً ابنه بخيل، ابنه بخيل هذه الجملة مبتدأ وخبر في محل نصب نعت لرجل، وسنعرف إن شاء الله مع الوقت أنه متى تكون الجملة نعتاً لا بد أن يكون المنعوت نكرة. رابعاً جملة المفعول به، وعادة تكون بعد الفعل «قال» وتصرفاته، إذا جاء المفعول به جملة يكون في محل نصب، وأكثر إتيان المفعول به جملة بعد الفعل «قال» وتصرفاته، فجملة مقول القول دائماً في محل نصب مفعول به، قال محمد: العلم جميل، هذه الجملة في محل نصب مفعول به لأنها مفعول به لـ «قال».

خامساً جملة المضاف إليه، تذكرون أيها الأحبة أننا أخذنا أن بعض الظروف دائماً بعدها تأتي جملة مضاف إليه، مثل «إذا»، و«حيث»، و«لما» عند أبي علي الفارسي، وابن هشام ألزم أنه دائماً عندكم ما بعدها مضاف إليه. فجملة «إذا جاء محمد فسأكرمه»، ما إعراب جاء محمد؟ تقول في محل جر مضاف إليه للظرف «إذا»، و«إذ جئت أكرمتك»، جئتك في محل جر مضاف إليه؛ لأن «إذ» ألزموا إضافتها إلى الجمل، وكذلك «حيث»، درست العلم حيث وجدت منابعه، وجدت منابعه في محل جر مضاف إليه لـ «حيث».

سادساً جملة جواب الشرط، بشرطين: أولاً أن تقترن بالفاء، وأن تكون أداة الشرط جازمة، لأن أدوات الشرط أيها الأحبة هناك أدوات شرط جازمة وهي الأدوات الإحدى عشر، وهناك أدوات شرط تسمى أدوات شرط غير جازمة مثل «لو»، و«لولا»، و«إذا»، فهذه تستخدم أسلوب الشرط لكن لا تجزم، فلا بد أن تكون أداة الشرط جازمة، وأن تكون جملة الجواب مقترنة بالفاء. في هذه الحالة مباشرة جملة الجواب لها محل من الإعراب. مثال: إن طلبت العلم فاعلم أنك مميز، أداة شرط جازمة وجملة الجواب اقترنت بالفاء، إذاً جملة الجواب في محل جزم جواب الشرط.

الجملة السابعة والأخيرة هي الجملة المعطوفة على جملة لها محل من الإعراب، فالجملة المعطوفة على جملة الخبر سيكون لها محل من الإعراب، نأتي نطبق على أمثلتنا السابقة، محمد يدرس العلم ويأكل التفاح، فهذه «يأكل التفاح» لها محل من الإعراب لأنها معطوفة على جملة «يدرس العلم» في محل رفع. زرت محمداً وهو يدرس ويجلس، الجملة «ويجلس» معطوفة على جملة الحال «وهو يدرس» فيكون لها محل من الإعراب. وهكذا في جملة النعت وجملة المفعول به والمضاف إليه وجواب الشرط.

خلاصة الكلام أيها الأحبة أن أقسام أنواع الإعراب: رفع، نصب، جر، جزم. وأما طرق الإعراب فهي ثلاثة: طرق الإعراب إما ظاهر، وإما مقدر، وإما محلي. الإعراب المحلي ما موضعه؟ الأسماء المبنية -إلا أسماء الأفعال-، الفعل المضارع المبني، المصادر المؤولة، والجمل السبعة التي لها محل من الإعراب.

أعود الآن إلى ابن هشام فقال: الإعراب أثر ظاهر أو مقدر يجلبه العامل في آخر الكلمة. فالظاهر كالذي في آخر زيد في قولك: جاء زيد، ورأيت زيداً، ومررت بزيد؛ هنا أنت تتلفظ بالحركات فهو إعراب ظاهر. والمقدر كالذي في آخر الفتى في قولك: جاء الفتى، ورأيت الفتى، ومررت بالفتى، فإنها تقدر الضمة في الأول والفتحة في الثاني والكسرة في الثالث؛ لماذا؟ للتعذر، تعذر الحركة على الألف.

ثم قال: وهذه الأنواع الأربعة تنقسم إلى ثلاثة أقسام؛ قسم يشترك فيه الأسماء والأفعال وهو الرفع والنصب، تقول: زيد يقوم، وإن زيداً لن يقوم. وقسم يختص به الأسماء وهو الجر، مررت بزيد. وقسم يختص به الأفعال وهو الجزم، تقول: لم يقم. ثم بين ما هي العلامات الأصول لكل نوع من هذه الأنواع؟ قال: العلامات الأصول أربعة؛ الرفع علامته الأصلية الضمة، النصب علامته الأصلية الفتحة، الجر علامته الأصلية الكسرة، الجزم علامته الأصلية السكون.

في الحركة سمِّها السكون أفضل، حتى لا تختلط عليه. إذاً، هناك أيها الأحبة للرفع وللنصب وللجر وللجزم علامات، ثم هناك علامات فروع تنوب عن هذه العلامات الأصول. لذلك ابن آجروم اهتم في بداية الآجرومية بضبط هذه القضية. بالضبط: ما هي العلامة الأصلية للرفع؟ وما هي العلامة الفرعية للرفع؟ ما هي العلامة الأصلية للنصب؟ وما هي العلامة الفرعية للنصب؟ ما هي العلامة الأصلية للجر وما هي العلامات الفرعية؟ وما هي العلامات الأصلية للجزم؟ وما هي العلامات الفرعية؟ لذلك قال ابن هشام بعد ذلك: وأما العلامات.

بعد أن عرضنا العلامات الأصلية للرفع هناك علامات فرعية. فمثلاً الضمة قد ينوب عنها أيها الأحبة الألف، وينوب عنها الواو في حالة جمع المذكر السالم، وفي حالة أيضاً الأسماء الخمسة. مثلاً الفتحة في النصب ينوب عنها الكسرة في جمع المؤنث السالم، والياء في المثنى وجمع المذكر السالم، والألف في الأسماء الخمسة، وعلى ذلك هناك علامات أصلية وفروع. الآن عادة النحاة بعد أن يبينوا العلامات الأصلية يذهبون إلى بيان العلامات الفروع، وبالتفصيل أين توجد العلامات الفروع في الأسماء وفي الأفعال. أين توجد العلامات الفروع في الأسماء؟ ما هي الأسماء التي إعرابها بعلامات فروع؟ ما هي الأفعال التي تعرب بعلامات فروع؟

فقال ابن هشام: والعلامات الفروع منحصرة في سبعة أبواب؛ خمسة في الأسماء واثنان في الأفعال. إذاً العلامات الفروع محصورة بالاستقراء في سبعة أنواع؛ خمسة من هذه الأنواع أسماء، واثنان منها أفعال. ما هي الأقسام الخمسة أو الأنواع الخمسة من الأسماء؟ الأسماء الستة المعتلة المضافة، المثنى، جمع المذكر السالم، جمع المؤنث السالم، والممنوع من الصرف. هذه ليست بالعلامات الأصول بل بالعلامات الفروع في الجملة، طبعاً لأن مثلاً جمع المؤنث السالم في أحيان وأحيان متقلب، كذلك الممنوع من الصرف في حالة الجر، أما الرفع والنصب ما في مشكلة. لكن نحن نتكلم كأبواب: المثنى، وجمع المذكر السالم، والمؤنث السالم، والأسماء الستة المعتلة المضافة، والممنوع من الصرف، هذه فيها العلامات الفروع، وهذه الخمسة في الأسماء.

وأين توجد العلامات الفروع في الأفعال؟ في الأفعال الخمسة، والفعل المضارع المعتل الآخر؛ يعني الفعل المضارع من الأفعال الخمسة والفعل المضارع المعتل الآخر، فهذه تدخل عليها العلامات الفروع. ممتاز؟ وأما ما سوى ذلك فإنه يكون على الأصل؛ يرفع بالضمة، وينصب بالفتحة، ويجر بالكسرة، ويجزم بالسكون. يعني ما سوى هذه الأقسام على الأصل. فجمع التكسير مثلاً هل ذكرناه؟ لا، جمع التكسير إذا لم يكن ممنوعاً من الصرف، إذا كان ممنوعاً من الصرف يدخل في الممنوع من الصرف منتهى الجموع، لكن جمع التكسير غير الممنوع من الصرف مثلاً على الأصل. الفعل المضارع الذي ليس معتل الآخر ولا من الأفعال الخمسة على الأصل. الاسم المفرد الذي ليس مثنى ولا جمع مذكر إذا لم يكن ممنوعاً من الصرف فإنه على الأصل. فما سوى هذه الأقسام المحصورة فإنها تكون على الأصول.

نكتفي إن شاء الله اليوم بالساعة وخمس وثلاثين دقيقة، ومن بداية الدرس القادم إن شاء الله نبدأ الكلام عن الأسماء التي تعرب بالعلامات الفروع نفصلها واحداً واحداً، ثم ننتقل إلى الأفعال التي تعرب بالفروع فنبينها، ونبين ما هي العلامات الفروع. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.