دخولتسجيل الدخول

المحاضرة 7 - الحرف و علامته وحكمه

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، وممهداً لقواعد الفقه في الدين، نبينا وحبيبنا وقرة عيننا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. حياكم الله أيها الأحبة في هذا المجلس الجديد الذي نعقده في شرح كتاب قطر الندى وبل الصدى للإمام ابن هشام الأنصاري رحمة الله تعالى عليه.

كنا في المجلس الماضي أنهينا الحديث عن النوع الثاني من أنواع الكلمة العربية، وهو الفعل. عرفنا أن الفعل ماضٍ وأمر ومضارع، وعرفنا أحكام الفعل الماضي وأحكام فعل الأمر وأحكام الفعل المضارع. وهذه القواعد المهمة هي انطلاق علم النحو؛ أن تبدأ بالكلمة العربية بأقسامها الثلاثة، وتعرف كل قسم ما حكمه من حيث الإعراب والبناء، ثم بعد ذلك تنتقل لمعرفة كيفية الإعراب، وما هي حركات الإعراب في الرفع والنصب والجر أو الجزم إلى آخر ذلك.

أهم شيء أنك تعرف المفردات؛ فالكلمة العربية الاسم ما حكمه من حيث الإعراب والبناء؟ والفعل بأنواعه ما أحكامه من حيث الإعراب والبناء؟ والحرف. اليوم بإذن الله نختم بالقسم الثالث من أقسام الكلمة العربية، وهو الحرف. فنقول مستعينين بالله سبحانه وتعالى: الحرف في اللغة أيها الأحبة هو الطرف، والطرف يسمى حرفاً، قال سبحانه وتعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ﴾ [الحج: 11]، أي على طرف. إذاً فهذا أصل معنى كلمة الحرف ابتداء هو الطرف.

أما في اصطلاح النحاة، فالحرف أيها الأحبة كلمة تدل على معنى في غيرها. لاحظتم أيها الأحبة في الاسم كنا نقول: الاسم في اصطلاح النحاة كلمة تدل على معنى في نفسها ولا تقترن بزمن. والفعل كلمة تدل على معنى في نفسها واقترنت بزمن. وأما الحرف لا؛ الحرف كلمة تدل على معنى في غيرها، أما في ذاتها لا تدل على معنى. فمثلاً كلمة "إلى"، عندما تسمع هذه الكلمة وحدها "إلى" هل تستفيد شيئاً؟ لا نستفيد شيئاً.

لكن متى نستفيد من "إلى"؟ إذا وردت مع غيرها من الكلام العربي؛ "ذهبت من البيت إلى المسجد". هنا "إلى" استفدنا منها، فهذا دل أيها الأحبة على أن "إلى" إفادتها ليس في نفسها بل مع غيرها عندما تقترن مع غيرها من الكلام العربي. انظر مثلاً في "هل"، لو قلت "هل" وسكتَّ لا يوجد معنى، لكن متى تستفيد المعنى إذا ارتبطت "هل" بغيرها؟ "هل محمد يدرس؟"، هنا استفدنا من "هل". فإذاً الاستفادة من الحروف تكون عندما تأتي مع غيرها، لذلك قالوا الحرف لا يدل على معنى في نفسه؛ إذا ورد وحده لا نستفيد منه شيئاً، وإنما نستفيد منه إذا ورد مع غيره خلاف الأسماء والأفعال.

فأنت عندما تقول في الأسماء "شمس" استفدت معنى الشمس الجرم السماوي، وفهمت "قمر" و"سيارة" و"مشط" وإلى ذلك، وكذلك الأفعال "ضرب" و"أكل" و"درس" و"لعب"، أنت تستفيد منها معاني في نفسها. أما الحروف فالمعاني لا تظهر إلا عندما تقترن مع غيرها. إذا عرفنا الحرف لغة واصطلاحاً.

ما علامة الحرف؟ نقرأ ونرى ابن هشام رحمة الله عليه ماذا قال؟ يقول ابن هشام رحمة الله عليه في المتن: "وأما الحرف فيعرف بألا يقبل شيئاً من علامات الاسم والفعل نحو: هل، وبل". ثم ذكر خلافاً رحمة الله عليه في بعض الكلمات اختلف فيها هل هي من قبيل الأسماء أو من قبيل الحروف، قال: "وليس منه" أي ليس من الحرف "مهما، وإذما، بل ما المصدرية، ولما الرابطة في الأصح، فليس من الحروف مهما وإذما بل من الحروف ما المصدرية ولما الرابطة على الأصح". وهذا سنحلله إن شاء الله بالتفصيل.

إذاً أيها الأحبة ابن هشام رحمة الله عليه يقول علامة الحرف باختصار ما هي؟ إذا عندنا كلمة اشتبهت علينا هل هي حرف أو اسم أو فعل؛ إذا كانت حرفاً فما هي العلامة؟ علامتها ألا تقبل هذه الكلمة أي علامة من علامات الأسماء أو علامة من علامات الأفعال. هذا هو معنى كلامه، فقال في الشرح: "لما فرغت من القول في الاسم والفعل شرعت في ذكر الحرف، فذكرت أنه يعرف بألا يقبل شيئاً من علامات الاسم ولا علامات الفعل".

لذلك البعض يقول: "والحرف ما ليست له علامة، فقس على قوله تكن علامة". خلاص انتهى، الحرف علامته ألا يقبل العلامة، يعني ألا يقبل علامة من علامات الأسماء أو من علامات الأفعال. إذاً تذكرت أنه يعرف بألا يقبل من علامات الاسم ولا علامات الفعل، ثم مثل بـ "هل" و"بل"؛ فإنهما لا تقبلان شيئاً من علامات الأسماء. يعني "هل" لو أدخلت عليها ما شئت من علامات الأسماء، هل مثلاً تقبل التنوين؟ لا تصلح. هل يدخل عليها "أل"؟ لا يصلح. أن تُجر بحرف الجر؟ لا يصلح. كذلك حاول أن تدخل عليه علامات الأفعال، تاء التأنيث الساكن؟ لا يصلح. علامة الأمر؟ علامة الفعل المضارع "لم"؟ لا تصلح.

فـ "هل" و"بل" لا تقبلا شيئاً من علامات الاسم ولا شيئاً من علامات الأفعال، فانتفى أن يكونا اسمين وأن يكونا فعلين، وتعيّن أن يكونا حرفين؛ إذ ليس لنا إلا ثلاثة أقسام. نحن ابتداء بيّنا أن أقسام الكلمة ثلاثية بالاستقراء والدليل العقلي والدليل النقلي، فإذا كانت الكلمة ليست من القسمين الأولين ليست اسماً ولا فعلاً، ماذا ستكون؟ القسم الثالث. إذ ليس لنا إلا ثلاثة أقسام، وقد انتفى اثنان فتعيّن الثالث، انتفى الاسمية والفعلية فتعيّن القسم الثالث.

قال: "ولما كان من الحروف ما اختلف فيه"، كان هناك خلاف في بعض الكلمات؛ ففي الأسماء لم يذكر في كلمات الأسماء وأفعال لما كان يبحث في مبحث الاسم، وإنما ذكر الخلاف في إعراب بعض الأسماء التي هي "فَعَالِ" و"أمس". أما في الأفعال، نعم في الفعل الماضي ذكر خلافاً في بعض الكلمات التي هي من قبيل الأفعال أصلاً وهي "نِعْمَ" و"بِئْسَ" و"عَسَى" و"لَيْسَ"، هذه الأربعة. وفي فعل الأمر ذكر خلافاً في "هلمَّ" و"هاتي" و"تعالَ". في الفعل المضارع لم يذكر خلافاً. الآن في الحرف عاد فذكر بعض الخلافات حتى تتضح لك الأمور في بعض الكلمات التي فيها أخذ وجذب بين علماء هذا الفن، فقال: "ولما كان من الحروف ما اختلف فيه"، هل هو حرف أو اسم؟ إذاً بعض الكلمات وهي قليلة جداً فعلاً يقع فيها تجاذب في النظر، البعض يذهب إلى أنها اسم والبعض يذهب إلى أنها حرف لعدم الوضوح بالضبط فيها.

إذاً نصصت عليه كما فعلت في الفعل الماضي وكما فعلت في فعل الأمر. لأن هناك في الفعل الماضي ذكر خلافاً أيضاً في بعض الكلمات، أما في الأسماء وفي الفعل المضارع لم يذكر خلافاً في بعض الكلمات. ثم بيّن ما هي الكلمات التي سيبحثها الآن في مبحث الحروف، قال: "وهو أربعة: إذما، مهما، ما المصدرية، لما الرابطة".

الآن أيها الأحبة سنذهب إلى التحليل النحوي. أقول ابتداءً قبل أن أشرع في التحليل النحوي، نحن سنشرح كلام ابن هشام رحمة الله عليه ونحاول أن نناقش الأدلة التي أتى بها. من فهم فهم، ومن لم يفهم لا إشكال؛ لأنه في النهاية التحليل الذي أتى به ابن هشام وترجيح رأي هذه الطائفة على هذه الطائفة وما شابه ذلك من ناحية أن تعرف الأدلة والحجاج فيها؛ هذه مرحلة ربما تكون متقدمة قليلاً على كثير من الطلبة الذين يتابعوننا. لكن نحن نشرح نحاول أن نوصل الفكرة بقدر الإمكان، ومن لم يفهم لا تثريب عليه، لن يؤثر ذلك عليه من الناحية العلمية في النهاية، الناحية التطبيقية لن تؤثر عليه، فقط أنت اعتمد رأياً معيناً وسر عليه من الناحية الإعرابية.

لكن والله ما الدليل على أن هذه الأداة حرف؟ طبعاً لابد الطالب أن يعمل ذهنه ويحاول أن يفكر ويشتغل في فهم كلام الأقدمين، لكن أنا أقصد بعض الطلبة الذين لا يجدون عندهم قدرة ذهنية على فهم هذه التعليلات لا يصيبهم يأس؛ لأن المسألة فيها نوع من الجهد الذهني والتركيز تحتاج إلى شيء من التركيز، ونحن سنشرح وعلى الله التكلان.

بدأ رحمه الله تعالى بأول كلمة من الكلمات التي وقع فيها الخلاف وهي: "إذما". قال: "فأما إذما فاختلف فيه". سيبويه رحمه الله -سيبويه أيها الأحبة هو عمرو بن عثمان، توفاه الله عز وجل عام ثمانين ومئة للهجرة- دائماً نتعود كلما كرّر الإنسان المعلومة ترسخ. سيبويه ماذا رأى؟ "إذما" أيها الأحبة هي ابتداءً من أدوات الشرط الجازمة، عندما نذكر أدوات الشرط الجازمة التي تجزم فعلين؛ فعل الشرط وفعل الجواب. "إذما" بشكل عام هي أداة من أدوات الشرط. سيبويه رحمه الله يرى أنها حرف، فقال سيبويه إنها حرف بمنزلة "إن" الشرطية، هي مثلها مثل "إن" الشرطية؛ "إن" الشرطية حرف لا خلاف، فـ "إذما" سيبويه يرى أنها مثل "إن".

قال: فإذا قلت "إذ ما تقم أقم"، فمعنى هذه الجملة عند سيبويه: "إن تقم أقم". إذا كانت حرفاً أيها الأحبة معناها أنها لا محل لها من الإعراب. يعني تقول: طيب عرفت أنها حرف، ماذا ينبني على ذلك؟ لا ينبني على ذلك شيء مهم، ينبني على ذلك أنك حين الإعراب إذا أعربت جملة "إذ ما تقم أقم"، حينما تعرب "إذما" ماذا تقول؟ "إذما" حرف شرط مبني على السكون لا محل له من الإعراب. لكن إذا اخترت الرأي الآخر على أنها اسم، لا ستحتاج أن تقول مبني على السكون وتذكر المحل الإعرابي؛ محل رفع مبتدأ، محل ظرفية، ما شابه ذلك بناءً على الآراء التي ستأتي معنا. فالمسألة مهمة ينبني عليها أثر، ولكن حتى يستريح الطالب اجعلها حرفاً لا محل لها من الإعراب، أمام من الأئمة الكبار سيبويه رحمه الله، فلا تثريب عليك في اتباعه. فإذا قلت "إذ ما تقم أقم"، فمعناه "إن تقم أقم".

الرأي الثاني أيها الأحبة، قال المبرد وابن السراج. المبرد أيها الأحبة من هو؟ المبرد هو الإمام محمد بن يزيد رحمه الله، توفاه الله عز وجل عام ستة وثمانين ومئتين للهجرة. والمبرد إمام كبير من أئمة اللغة، وهو من أئمة مدارس البصرة، من أئمة البصريين، لكنه متأخر من الطبقات المتأخرة من البصريين، وهو مقابل للإمام ثعلب في مدرسة الكوفيين. فالمبرد رحمه الله إمام من أئمة اللغة، وهو صاحب كتاب "الكامل"، كتاب في الأدب واللغة العربية أيها الأحبة.

وابن السراج؛ ابن السراج ربما أيها الأحبة مر معنا في مجلس سابق ونسينا أن نعلق عليه، ابن السراج رحمه الله توفاه الله عز وجل عام ستة عشر وثلاثمئة للهجرة. وكانوا يقولون: "كان النحو مجنوناً حتى عقله ابن السراج في قواعده"، كان النحو مجنوناً مش منضبط، جاء ابن السراج فعقله أي جعله شخصاً عاقلاً، يعني هكذا دلالة إتقان هذا الرجل وهو شيخ.

الرجل الثالث قال المبرد وابن السراج والفارسي، الفارسي مر معنا أيها الأحبة وهو تلميذ ابن السراج، أبو علي الفارسي، ابن السراج توفاه الله عز وجل عام سبعة وسبعين وثلاثمئة للهجرة. هؤلاء الأئمة الثلاثة المبرد وابن السراج والفارسي ذهبوا إلى أن "إذما" ظرف زمان، ذهبوا إلى أنها ظرف زمان، هذا إذاً القول الثاني في "إذما". وأن المعنى في المثال السابق "إذ ما تقم أقم" أي المعنى: متى تقم أقم، يعني الوقت -ظرف زمان- الوقت الذي تقوم فيه أنت أقوم فيه أنا، هكذا معناها عند المبرد وابن السراج؛ لأن معناها ظرف الزمان، إذاً معنى "إذ ما تقم أقم" على رأيهم: الوقت الذي تقوم فيه أقوم فيه أنا. هذا المعنى على رأيهم.

الآن سنبدأ بالحجج، ما هي حجته؟ ما هي حجة المبرد وابن السراج والفارسي؟ لم يذكر حجة، نذكر الآن حجة القول الثاني. قال: واحتجوا بأنها قبل دخول "ما" كانت ظرفاً، والأصل عدم التغيير. الآن أيها الأحبة، اذهب إلى السبورة، الكلمة هي "إذ ما"، ما هي؟ الآن المبرد وابن السراج والفارسي ماذا يقولون؟ يقولون الآن "إذ ما"، هكذا يقولون، يحللونها مركبة من ماذا؟ من "إذ" زائد "ما"، قال مركبة من "إذ" زائد "ما". لما ركبت "إذ" مع "ما" أصبحت أداة من أدوات الشرط. لما ركبت "إذ" معناها أصبح أداة من أدوات الشرط، لكن قبل أن تدخل "ما" ماذا كانت "إذ"؟ هكذا يقولون لنا، أنتم أيها المخالفون، قبل أن تدخل "ما" على "إذ" ماذا كانت "إذ"؟ نتفق جميعاً أنها كانت ظرف زمان. لذلك تعرب "إذ جاء محمد" دائماً ظرف لما مضى من الزمان. أو البعض يعبر ظرف للزمان الماضي بخلاف "إذا"، "إذا" ظرف لما يستقبل من الزمان، و"إذ" ظرف لما مضى من الزمان، وقلنا "إذ" دائماً يأتي بعدها جملة مضاف إليه، والزموا إضافة إلى الجمل حيث وإذ وإن ينون يحتمل أفراد إذ وما كأذ معنى كإذ إلى آخر ما قاله ابن مالك في الألفية.

فـ"إذ" في الأصل هي ظرف لما مضى من الزمان، ظرف مبني على السكون في محل نصب، هذا وضعها الطبيعي قبل أن تصبح أداة من أدوات الشرط. الآن لما دخلت "ما" على "إذ" فأصبحت "إذ ما"، ابن السراج والمبرد والفارسي يقولون الأصل عدم التغيير، والأصل أن تبقى "إذ" حتى بعد دخول "ما" أن تبقى ظرف زمان، هذه حجتهم، واضح الحجة؟ هم يقولون قبل دخول "ما" كانت ظرف زمان ونحن وإياكم نتفق على ذلك، إذاً بعد دخول "ما" وأصبحت "إذ ما" الأصل عدم التغيير وأن تبقى ظرف زمان.

فالآن أنصار سيبويه بماذا أجابوا أيها الأحبة؟ نعود نقرأ ماذا قال أنصار سيبويه رداً على هذا الكلام: أنصار سيبويه، أنصار الحرفية لـ"إذ ما" يقولون: "وأجيب من قبل أنصار سيبويه بأن التغيير قد تحقق قطعاً". أنصار سيبويه يقولون لا، لماذا تقولون إن الأصل بقاؤها وألا تتغير عن ظرفية الزمان بعد التركيب؟ لا، بعد تركيب "ما" مع "إذ" تغيرت "إذ"، لم تعد كما كانت قبل إدخال "ما". طب كيف تغيرت؟ انظروا ما وجه التغير؟ أجيب بأن التغيير قد تحقق قطعاً أي تحقق في "إذ ما" بدليل أنها كانت قبل إدخال "ما" للماضي، لأنك قبل إدخال "ما" قلنا ماذا كانت؟ ظرف لما مضى من الزمان، بدليل أنها كانت للماضي أي قبل إدخال "ما"، فبعد أن أدخلنا "ما" صارت لماذا؟ للمستقبل، لأنك عندما تقول "إذ ما تقم أقم" أنت تتكلم عن شيء مستقبلي، يعني متى إن تقم في المستقبل أقم أنا، فقطعاً نحن نتفق أنه "إذ ما" كأداة من أدوات الشرط تدل على المستقبل، وهذا أصلاً دأب أدوات الشرط الجازمة أنها تدل على مستقبل.

فأنصار سيبويه يقولون هي كانت قبل إدخال "ما" تدل على الماضي، وبعد إدخال "ما" وصيرورتها أداة من أدوات الشرط أصبحت تدل على المستقبل، فإذاً قطعاً حدث فيها اختلاف، لذلك قالوا بدليل أنها كانت للماضي فصارت للمستقبل، دل هذا الأمر على أنها نزع منها ذلك المعنى البتة، يعني المعنى القديم الذي تستندون إليه غير موجه للمبرد وابن السراج، فالمعنى القديم الذي تستندون إليه في سميتها ذهب، وأصبح لها معنى جديد الآن، فدل على أنها نزع منها ذلك المعنى الذي هو الظرفية البتة.

الآن ابن هشام رحمة الله عليه هو يقف مع سيبويه، يرى أن "إذ ما" حرف، لكن لم يعجبه هذا الجواب من أنصار سيبويه، لذلك ماذا قال؟ وفي هذا الجواب نظر. وفي هذا الجواب نظر. أنا ظننته مع ابن مالك رحمة الله عليه وطائفة بأنها حرف، لكن كلامه هنا قال "وليس منه مهما وإذ ما"، نعم هو الآن يناصر ابن السراج والمبرد والفارسي في أنها اسم ليست حرفاً، وهذا هو سبب استشكار القلب، "وفي هذا الجواب نظر". أنا ظننته مع ابن مالك رحمة الله عليه وطائفة بأنها حرف، لكن كلامه هنا قال: وليس منه أي ليس من الحرف مهما وإذ ما، إذاً هو مع المبرد وابن السراج في أنها اسم، وبسبب وقوفهم مع ابن المبرد والسراج والفارسي، سيكون أنه لم يعجبه جواب أنصار سيبويه.

الآن لماذا لم يعجب ابن هشام هذا الجواب من قبل أنصار سيبويه؟ قال وفي هذا الجواب نظر، لا يحتمله هذا المختصر، لكن لو نظرتم للحاشية كلام الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد الحاشية رقم واحد يبين باختصار سبب عدم قوة هذا الجواب من قبل أنصار سيبويه، ماذا يقول الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد؟ حاصل هذا النظر أنه لم يرتضِ الجواب الذي أجاب به أنصار سيبويه، وذلك لأن خروج الكلمة من دلالتها على زمان إلى دلالتها على زمان آخر لا يلزم منه خروجه عن النوع من كونها اسماً أو فعلاً.

ماذا يريد أن يقول الشيخ محمد محيي الدين وكذلك ابن هشام قبله؟ يريد أن يقول نعم، أنتم يا أنصار سيبويه تقولون الكلمة قبل إدخال "ما" كانت تدل على الزمان الماضي وبعد إدخال "ما" أصبحت ليست ظرف زمان لكن أصبحت تدل على المستقبل، ابن هشام والشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد ماذا يريد أن يقولا؟ كون الكلمة اختلفت دلالتها كانت تدل الماضي وأصبحت تدل على المستقبل لا يستلزم هذا ولا يعني هذا أنها خرجت من باب الاسمية تماماً، يعني أنتم يا أنصار سيبويه تقولون الكلمة كانت تدل على الماضي أصبحت تدل على المستقبل، طيب أصبحت تدل على المستقبل، وهل يستلزم هذا أنها أصبحت تدل على المستقبل أنها خرجت من باب الاسمية ومن باب الظرفية تماماً وتحولت إلى نوع وإلى قسم آخر من أقسام الكلمة العربية كالحرف؟ لا يستلزم هذا، إن هذا الجواب ليس متيناً.

بدليل أحياناً الفعل الماضي أيها الأحبة أو الفعل المضارع، الفعل المضارع الأصل أنه يدل على ماذا؟ على الحال أو الاستقبال، أدخل على الفعل المضارع "لم"، "لم يقم محمد"، أصبح الفعل المضارع يدل على ماذا؟ على الماضي، فاختلفت دلالة الفعل المضارع كان يدل على الحال أو الاستقبال، أدخل "لم" أصبح يدل على الماضي، هل دلالته على الماضي عند إدخال "لم" عليه جعلته يخرج من باب الفعلية المضارعية؟ لا، بقي فعلاً مضارعاً حتى وإن اختلفت دلالته من حال إلى الماضي، كذلك الفعل الماضي يدل على الماضي، الزمن الذي فات، أدخل على الفعل الماضي أداة شرط، "وإن عدتم عدنا"، أدخل عليها أداة الشرط، الفعل الماضي يصبح يدل على المستقبل لأن أدوات الشرط تجعله يدل على المستقبل، هل دلالة الفعل الماضي على المستقبل حين إدخال أدوات الشرط عليه أخرجته عن الفعل الماضي؟ أصبح يسمى مثلاً الفعل الماضي أصبح اسماً أو أصبح حرفاً؟ لا، بقيت فعلاً ماضياً لكن اختلفت الدلالة، فهذا هو سبب استشكال هذا الجواب، أن اختلاف دلالة "إذ ما" قبل إدخال "ما" إلى ما بعد إدخال "ما" لا يعني هذا أن تخرج من نوع من أنواع الكلمة العربية إلى نوع آخر من أنواع الكلمة العربية، هذا حاصل النظر الذي نظره ابن هشام على جواب أنصار سيبويه.

لكن في الحقيقة كما قلت لك أنا أنحى منحى سيبويه وابن مالك رحمة الله عليهم أنها حرف، والسبب في ذلك أيها الأحبة أن القول بأن "إذ ما" هي أصلاً مركبة من "إذ" ثم دخلت عليها "ما" هذا بحد ذاته يفتقر إلى دليل، لأن القاعدة تقول الأصل عدم التركيب حتى يأتي دليل عليه، ما الدليل على أن "إذ ما" هي في الأصل كانت "إذ" ثم أدخلت عليها "ما"؟ لماذا لا تكون "إذ ما" هي كلمة عربية استخدمتها العرب أداة من أدوات الشرط، كلمة جديدة، هي كلمة مستقلة بذاتها ليست مركبة من "إذ" و"ما"؟ يعني كل تحليل المبرد وابن السراج والفارسي ينبني على ماذا؟ على أن هذه الكلمة مركبة من "إذ" و"ما" دخلت عليهما، لكن السؤال: ما الدليل على التركيب مع أن القاعدة تقول الأصل عدم التركيب حتى يأتي دليل عليه أن هذه هنا تركيب؟ فهم يحتاجون أصالة إلى دليل يدل على أن هذه الكلمة مركبة وأنها كانت "إذ" ثم دخلت عليها "ما".

وفي النهاية هذه مسألة أيها الأحبة لا إنكار فيها، يعني بمعنى لا يثرب أحد على أحد، وفقط نقاش علمي، من أخذ بهذا الرأي على خير ومن أخذ بهذا الرأي على خير، لا بنية إثم، الحمد لله من المسائل التي فيها سعة على هذه الأمة، انتهينا من الكلمة الأولى، ننتقل إلى خلاف الكلمة الثانية.

إذاً "إذ ما" أيها الأحبة، ابن هشام رحمة الله عليه يناصر أنها اسم مع ابن السراج والفارسي، هذا للتوضيح وللتنبيه. الكلمة الثانية أيها الأحبة قال: "وأما مهما فزعم الجمهور أنها اسم"، صحيح "زعم" ايش بتفهمني معنى "زعم" الآن؟ هل هو طب ابن هشام يعني هو عندما يقول "زعم الجمهور أنها اسم"، طب هو ايش يراها؟ نعود إلى المتن وهو يراها أنها اسم، فاستخدام "زعم" أيها الأحبة صحيح عادة ما تستخدم في العرف في حالة التضعيف والتكذيب للطرف المقابل، لكن أحياناً تستخدم بمعنى "قال" لا تدل على تضعيف أو تكذيب من طرف المقابل، ومنها هذا الكلام، فقول ابن هشام: "وأما مهما فزعم الجمهور أنها اسم"، هنا بمعنى قال الجمهور، وهو لا يريد أن يضعف، هو معهم، يرى أنها اسم، فهو لا يريد أن يضعفهم، وأن يكذب التكذيب طبعاً معناه التخطئة، لا يريد أن يخطئهم هو معهم، فقوله "زعم" هنا بمعنى "قال"، وهذا من استعماله في اللغة العربية وإن كان قليلاً.

وأما "مهما" فزعم الجمهور أنها اسم، طيب ما الدليل على أنها اسم؟ قال: بدليل قوله تعالى: ﴿مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: 132]. طب ايش الدليل في هذه الآية؟ الآن "مهما" أيها الأحبة أيضاً نؤصل، نقول هي أداة من أدوات الشرط الجازمة مثل "إذ ما"، أداة من أدوات الشرط الجازمة تجزم فعلين، لكن اختلف فيها أيضاً هل هي اسم أو فعل، عفواً هل هي اسم أو حرف؟ الآن سنناقش هل هي اسم أو حرف والأدلة على ذلك، الجمهور يرون أنها اسم، والدليل على ذلك قالوا قول: ﴿مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا﴾.

طيب ما الدليل في هذه الآية على اسمية "مهما"؟ انظروا ايش قال ابن هشام، الهاء من "به"، قال تعالى: "مهما تأتنا به"، الهاء في "به" الضمير هذا يعود على ماذا؟ الضمير الهاء في "به" يعود في رأي ابن هشام ورأي الجمهور يعود على "مهما"، والآن سيذكر ابن هشام علامة جديدة من علامات الاسمية لم يذكرها الآن، ابن هشام لما ذكر علامات الاسم كم علامة ذكر؟ ثلاثة صحيح، التنوين و"أل" والجر، لكن في ضمن شرحه ذكر علامات جديدة للاسم على طالب العلم أن يضبطها، إن ابن هشام لما اتكلم في "ما" هي بنعم الولد أعطاك علامة جديدة من علامات الأسماء، ايش هي؟ يعني دندن حولها أن الباء حرف جر وحروف الجر لا تدخل إلا على الأسماء، فهذه علامة أشار إليها.

الآن سيعطيك أيضاً علامة جديدة من علامات الأسماء، من علامات كون الكلمة اسماً أن يعود على الكلمة ضمير، أي ضمير يعود على كلمة فهذا يعني أن هذه الكلمة اسم، هذه قاعدة احفظها، أي ضمير في الجملة يعود هذا الضمير على كلمة فهذا يعني أن هذه الكلمة اسم، فمن علامات اسمية الكلمة أن يصلح إعادة الضمير عليها، وهذه هي التي سيبني عليها ابن هشام دليله على اسمية "مهما"، قال: "مهما تأتنا به من آية"، فالهاء من "به" عائدة عليها أي على كلمة "مهما"، والضمير وهذه بتكتب قاعدة، والضمير لا يعود إلا على الأسماء، إذاً ابن هشام أعطاك الدليل بوضوح، قال عندنا نص قرآني من أفصح الكلام: ﴿مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ﴾، عندنا في هذه الجملة ضمير يعود على "مهما"، والضمير لا يعود إلا على الأسماء، فدل هذا على أن "مهما" اسم.

الآن من الذي خالف في هذه الكلمة؟ قال: زعم السهيلي، السهيلي أيها الأحبة هو أبو القاسم السهيلي الأندلسي من مدينة مالقة الأندلسية، توفاه الله سبحانه وتعالى عام إحدى وثمانين وخمسمائة، ودائماً أيها الأحبة علماء الأندلس في النحو تكون وفاتهم متأخرة، لاحظوا متى توفاه الله، عام إحدى وثمانين وخمسمائة، زمن متأخر عن علماء البصرة والكوفة لأن المدرسة الأندلسية بطبيعة الحال خرجت متأخرة عن المدرسة البصرية والكوفية والبغدادية، فأبو القاسم السهيلي رحمة الله تعالى عليه من مدينة مالقة، وهذا أيها الأحبة يشعرنا بالتاريخ القديم ويجعلنا نتنفس هذا التاريخ، علماء من مالقة من إسبانيا في الأندلس خرجوا ودونوا كتباً في النحو واللغة وفي لسان العرب وحققوا، هذه المدن الآن ما نعرفه عنها أسماء أندية أجنبية تلعب كرة القدم وما شابه ذلك، هذا الذي نعرفه عنها، وقد كانت فخراً للحضارة وأخرجت لنا عدداً من العلماء في شتى علوم الشريعة واللغة العربية.

أبو القاسم السهيلي وابن يسع. ابن يسع أيضاً متأخر أيها الأحبة، ابن يسع هو يوسف المري، توفاه الله سبحانه وتعالى عام أربعين وخمسمئة للهجرة. فهؤلاء الأئمة من المتأخرين ماذا قالوا؟ قالوا مهما حرف ليست اسم، وزعم وحتى مع السهيلي وابن يسع استخدم كلمة زعم، فهذا يدل على أنه قطعاً هو مع أحد الأطراف، قال وزعم السهيلي وابن يسع أنها حرف.

أيوه، ما الدليل عند هؤلاء الأئمة على أنها حرف؟ استدلوا على ذلك بقول زهير، زهير بن أبي سلمى وهو من أصحاب المعلقات، قال في معلقته الشهيرة: ﴿وَمَهْمَا تَكُنْ عِنْدَ امْرِئٍ مِنْ خَلِيقَةٍ * وَإِنْ خَالَهَا تَخْفَى عَلَى النَّاسِ تُعْلَمِ﴾ الآن أيها الأحبة ما الدليل في هذا البيت الشعري الفصيح على أن مهما اسم؟ قال وتقرير الدليل: أنهما أعربا خليقة اسماً لتكن، ومن زائدة، فتعين خلو الفعل من الضمير، وكون مهما لا موضع لها من الإعراب إذ لا يليق بها هاهنا لو كان لها محل إلا أن تكون مبتدأ، والابتداء هنا متعذر لعدم رابط يربط الجملة الواقعة خبراً له. وإذا ثبت أن لا موضع لها من الإعراب تعين كونها حرفاً.

الآن أيها الأحبة سأمهد بقاعدة، طبعاً من درس معنا كما قلنا الآجرومية سيفهم الكلام بسهولة، لكن المشكلة يا طالب اذهب إلى العمق قبل أن تتأصل دائماً، هذه مشكلة متكررة، وكثير من الطلبة يأبى أن يسير على المنهج الصحيح. الآن عندما درسنا الآجرومية أيها الأحبة فأخذنا قاعدة، وهي ماذا؟ أن المبتدأ إذا كان خبره جملة يجب أن يكون في هذه الجملة عائد رابط يربط جملة الخبر بالمبتدأ، هذا الرابط قد يكون ضميراً، قد يكون اسم إشارة، قد يكون تكرار المبتدأ في الخبر، الروابط كثيرة وسندرسها إن شاء الله في القطر. لكن عليك أن تتذكر هذه القاعدة، المبتدأ إذا كان خبره جملة يجب أن يكون في جملة الخبر عائد يعود على المبتدأ، جميل هذه القاعدة منها سننطلق في فهم هذا الكلام.

بناءً على هذا الكلام أيها الأحبة قول زهير بن أبي سلمى "مهما تكن عند امرئ من خليقة"، لا أحتاج إلى الشطر الثاني من البيت، "مهما تكن عند امرئ من خليقة". الآن ابن يسع والسهيلي كيف أعربوا هذا البيت؟ ابن يسع إيش يقول: تكن مضارع كان، جميل أين اسمها؟ تكن تحتاج إلى اسم تكن وخبر تكن. ابن يسع والسهيلي قالوا الاسم هو كلمة خليقة، طب تقول خليقة ما هي مجرورة بمن، كيف تكون خليقة اسم تكن؟ اسم تكن ما إعرابه عادة في اللغة العربية؟ اسم كان مرفوع. طب كيف خليقة وأنت تقول "من خليقة" مكسورة؟ قالوا: عليك أن تفهم، قالوا من حرف جر زائد، بالتالي حرف الجر الزائد أيها الأحبة كيف يعرب الاسم الواقع بعده؟ طبعاً هذه مهارات على الطريق وفي أبوابها تدرس.

كيف نعرب الاسم الواقع بعده؟ نقول خليقة اسم تكن مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدرة منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. هكذا دائماً تعرب الكلمة المجرورة بحرف جر زائد، تنظر إلى موضعها في الجملة من دون حرف الجر، تضع يدك على حرف الجر كأنه غير موجود، تنظر إلى موضع هذا الاسم في الجملة، أعربه بحسب موضعه في الجملة، ثم بعد ذلك تنظر إلى حرف الجر. فتقول خليقة أصلاً كأنها "تكن عند امرئ خليقة"، فما كان فيها من لما دخلت من وهي حرف جر زائد على كلام السهيلي أصبحت خليقة، فنقول خليقة هي اسم تكن مؤخر مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدرة. لماذا لم تظهر؟ لأن المحل اشتغل بحركة حرف الجر الزائد من حرف جر في النهاية، صحيح هو زائد لكنه يطلب، لابد تسير الكلمة بعدي ما أقبل، فاشتغل المحل بالكسرة اشتغالاً بحركة حرف الجر الزائد. إذاً تكن خليقة هي الاسم، طب أين خبر تكن؟ عند امرئ، متعلق بمحذوف تقديره كائن، هذا المتعلق هو خبر تكن، فعند امرئ هي الخبر وخليقة هي الاسم، ممتاز.

بناءً على هذا الكلام نعود إلى مهما، عرفنا الآن إيش إعرابها عند ابن يسع، خليقة هي اسم تكن وعند امرئ خبرها. فقالوا مهما الآن أنتم ونحن، كأنه يخاطبنا، أنتم الذين تقولون أنها اسم، نحن وأنتم نتفق على أنها إذا كانت اسماً فلو اسم ولها محل، ماذا سيكون محلها في الجملة؟ مبتدأ، لا تصلح إلا أن تكون مبتدأ. طبعاً في هذه الجملة سيأتي معنا أيها الأحبة إن شاء الله عندما ندرس أسماء الشرط كيف نعرب أسماء الشرط؟ ليس دائماً مهما تكون مبتدأ، أحياناً قد تكون مفعولاً به، لكن في هذه الجملة لا تصلح إلا أن تكون مبتدأ. إذاً السهيلي يخاطبنا الآن يقول لنا أنتم يا من يزعم أنها اسم لو كانت اسماً ماذا ستكون؟ ستكون مبتدأ، ممتاز. لو نقول أنها مبتدأ أين خبر هذا المبتدأ؟ الجملة الواقعة بعده تكن عند امرئ من خليقة، فهذا مبتدأ مهما والجملة بعده خبر، ممتاز. إذا كانت هذه الجملة خبراً لمهما لابد أن يوجد في هذه الجملة ضمير أو عائد يعود على المبتدأ، لأن القاعدة تقول إذا كان الخبر جملة لابد أن يوجد في هذه الجملة ضمير أو رابط يعود على المبتدأ.

هل يوجد في حالتنا هذه ضمير أو رابط يعود على المبتدأ مهما؟ على كلام السهيلي وابن يسع لن يكون، صحيح، لأنه تكن ما في ضمير أصلاً عندي، تكن اسمها خليقة وخبرها عند امرئ ما في في هذه الجملة أي ضمير يصلح أن نعيده على مهما، بالتالي لا تصلح هذه الجملة أن تكون خبراً لمهما. طب إذاً مهما إيش سيكون وضعها؟ ما في حل آخر، مهما هنا لا تصلح إلا مبتدأ إذا جعلناها اسماً ولا يمكن أن نجعلها مبتدأ لعدم وجود رابط في الجملة يعود عليها، إذاً ثبت أن مهما لا محل لها من الإعراب هنا، إذا هي حرف ليست اسماً. عرفتم كيف انتقلوا في الدليل؟ واضح أيها الأحبة؟ قالوا إذا جعلناها مبتدأ لابد أن يكون هناك رابط ضمير في الجملة يعود على مهما، ولا يوجد ضمير، إذاً بالتالي مهما لن تكون مبتدأ، وهي لا تصلح إلا مبتدأ، إذاً انقطع لا محل لها من الإعراب فهي أصالة حرف من الحروف وليست اسماً من الأسماء، لأنه لا موضع لها من الإعراب.

الآن ابن هشام كيف سيرد على هؤلاء؟ سيقول لهم أنتم لماذا جعلتم خبر اسم تكن هي كلمة خليقة؟ ولماذا قلتم أن من حرف جر زائد؟ الصحيح هذا رأي الجمهور، الصحيح ليس ما زعم السهيلي وابن يسع، الآن سنحذف رأي السهيلي رحمة الله عليه. كيف أعرب الجمهور أيها الأحبة "مهما تكن عند امرئ من خليقة"؟ قالوا اسم تكن ليس كما زعم السهيلي وابن يسع أنه كلمة خليقة، اسم تكن ضمير مستتر تقديره هي يعود على مهما، قالوا اسم تكن فالتقدير مهما تكن هي، طب والذي يفسر هذا الضمير يفسر ما معنى هي؟ كلمة من خليقة، فمن هنا للتبيين ليست حرف جر زائد بل من حرف جر ومن معاني من أنها تأتي للبيان، من التبيينية المبينة كما يقول، من معانيها البيان، فمن حرف جر على حاله ليس زائداً، وخليقة مجرور، ومن خليقة تفسر الضمير هي الواقع اسم لتكن، يعني مهما تكن هي، إيش معنى هي؟ أقصد بهي من خليقة هي، كأنه معنى الجملة، وأين خبر؟ وعند امرئ هي الخبر، لا ننازع في ذلك نحن وهم متفقون على ذلك، لكن الخلاف ما هو اسم تكن، الجمهور يرون أن الاسم ضمير هو ضمير تقديره هي يعود على مهما، ومن خليقة مفسرة لمعنى هذا الضمير، وبالتالي يوجد في جملة "تكن عند امرئ من خليقة" ضمير يعود على مهما، فثبت أن مهما لها محل من الإعراب وأنها مبتدأ، ولا إشكال على القواعد.

إذاً أيها الأحبة قال وتقرير الدليل، يعني فقط نعيد نعلق سريعاً بابن هشام، وتقرير الدليل أي دليل السهيلي وابن يسع أنهما أعربا خليقة اسماً لتكن عرفنا قبل قليل كيف أعربنا اسم تكن بالتفصيل، ومن زائدة يعني حرف جر زائد، فتعين خلو الفعل من الضمير، ما قلت لكم تعين أن جملة مش فعل بس تعين أن جملة "تكن عند امرئ من خليقة" الجملة بأسرها تخلو من ضمير يصلح أن يعود على مهما، لكن ابن يسع يستخدم عبارات نوعاً ما فخمة التعبير، قال فتعين خلو الفعل من الضمير.

طيب وكون مهما، يعني تعين شيئان هكذا نقول تعين خلو الفعل من الضمير، واثنين تعين أيضاً وتعين كون مهما لا موضع لها من الإعراب. طيب لماذا تعين كون مهما لا موضع لها من الإعراب؟ قال إذ لا يليق بها هاهنا لو كان لها محل إلا أن تكون مبتدأ، وأنتم توافقون على ذلك، قلنا نعم، والابتداء هنا متعذر مستحيل لا تصلح أن تكون مبتدأ لماذا؟ لعدم رابط يربط الجملة الواقعة خبراً له لعدم وجود رابط يربط الجملة الواقعة خبراً بماذا بالمبتدأ، ما في رابط يربط هذه الجملة بالخبر أو يربط هذه الجملة الخبرية بالمبتدأ، وإذا ثبت أن لا موضع لها أي لمهما، إذا ثبت أنه لا موضع لها من الإعراب ما لها إعراب في هذا المقام، تعين كونها حرفاً.

طيب فكيف رد ابن هشام؟ قال والتحقيق أن اسم تكن مستتر، يعني ضمير مستتر، اسم تكن ليس خليقة كما زعمتم، التحقيق أن اسم تكن مستتر أي ضمير مستتر، ومن خليقة هي عبارة عن تفسير لمهما، إذاً من خليقة هي تفسير للضمير هي، وبالتالي هي تفصيل لمهما، إذا كان تفسير الضمير والضمير يعود على مهما، إذاً هي قطعاً تفسير لمهما، إذاً من خليقة من بيانية تفسيرية اللي هي العائدة على مهما، فهي تفسير في النهاية لمهما، والآن أراد أن يبين لك أن من مع الاسم المجرور لها شواهد كثيرة تأتي فيها في اللغة العربية تفسيرية تبيينية، قال كما أن من آية تفسير لما الشرطية يعني في قوله تعالى ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ [البقرة: 106]، فمن آية في قول ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها، ومثلها من آية الجار والمجرور هنا يفسر يبين معنى اسم، فإذاً هذا مطرد في اللغة العربية أن تأتي من مع الاسم المجرور بعدها لتفسير كلمة مبهمة سابقة لها، ثم قال ومهما، لأن عاد إلى الجملة السابقة "مهما تكن عند امرئ من خليقة"، قال ومهما مبتدأ، والجملة تكن عند امرئ من خليقة خبر، انتهينا من القسم الثاني أو المثال الثاني الذي وقع فيه الإشكال وهو ماذا؟ مهما، إذاً ابن هشام يرى أن أذم ومهما من قبيل الأسماء.

وننتقل إلى الكلمتين الأخريين وهي ما المصدرية ولما، ابن هشام يرى أنهما من قبيل الحروف، ما النقاش الواقع فيها؟ قال وأما ما المصدرية فهي التي تسبق مع ما بعدها بمصدر، الآن أيها الأحبة هناك ما يسمى في اللغة العربية حروف المصدر، حروف المصدر هي عبارة عن مجموعة من الحروف عندما يأتي بعدها فعل يدمج هذا الحرف مع الفعل ويقدر في موضعهما مصدر، وهذا ذكرناه أيضاً في شرح الآجرومية أن هناك ما يسمى حروف المصدر، وكذلك تسمى الموصول الحرفي، الموصولات الحرفية عبارة عن حروف، الآن سنذكر ما هي هذه الحروف، هذه الحروف يأتي بعدها أفعال تدمج الفعل مع الحرف وتنتج لي مصدراً في موضع الفعل مع الحرف، نقدر مصدراً في موضع الفعل مع الحرف، يسمى هذا المصدر المصدر المؤول، ما هي حروف المصدر أو ما تسمى الموصولات الحرفية؟ يجمعها بيت شعري دائماً نكرره: موصول الحرفي أن لو وما وأن وكي ثم الذي يا من سمع طبعاً الذي لا، الصحيح أنها ليست من الموصولات الحرفية بل هي من الأسماء الموصولة، لكن هذا الناظم هو على.

موصولنا الحرفي أي حروف الموصولية، وتسمى حروف المصدر، وهي: أن، ولو، وما، وأن، وكي. ثم الذي يا من سمع، فهذه الخمسة، إنَّ من أخوات ماذا أيها الأحبة؟ إنَّ صح؟ إنَّ وأخواتها، فإنَّ من أخوات إنَّ بفتح الهمزة حتى لا تختلط عليك، ليست أنَّ. أنَّ دائماً ماذا يأتي بعدها؟ يأتي بعدها اسم وخبر، ودائماً نقدر أنَّ مع اسمها وخبرها في محل مصدر مؤول، نقدرها بمصدر مؤول في محل رفع أو نصب أو جر، سنعرف أنَّ المصادر المؤولة دائماً إعرابها محلي، لها محل من الإعراب.

كذلك من وصولنا الحرفي: لو. لو كذلك أيها الأحبة طبعاً تأتي في اللغة العربية باستخدامات كثيرة، من استخداماتها أن تكون حرفاً مصدرياً، سيأتي معنا أنها أحياناً تأتي أداة شرط، نحو: لو جاء محمد لقمت أو لأكرمت، لكن المهم لها استخدامات كثيرة، من معاني لو أن تأتي حرفاً مصدرياً. ما، كذلك في اللغة العربية لها وجوه كثيرة، تأتي نافية وتأتي اسماً موصولاً، وكذلك تأتي ما زائدة، وتأتي أيضاً من استخدامات ما في اللغة العربية أنها تأتي حرفاً مصدرياً فتقدر مع ما بعدها بأنها مصدر مؤول. أنَّ، لو، وما، وأنْ، وهي ماذا؟ أنْ التي تنصب الفعل المضارع، من نواصب الفعل المضارع سيأتي معنا، كذلك حرف مصدري. كذلك كي، هذا الحرف الأخير سيأتي معنا أيضاً، أحياناً تكون حرف جر وأحياناً تكون حرف نصب، هي بذاتها أداة نصب، فإذا كانت أداة نصب فهي ماذا أيها الأحبة؟ تكون حرفاً من حروف المصدر.

الآن أيها الأحبة هذه الأحرف الخمسة تسمى أحرف المصدر، ما معنى أحرف المصدر؟ يعني تشبك مع ما بعدها من الأفعال أو مثلاً زي أنَّ مع اسمها وخبرها وينتج عندي مصدر مؤول، مثل قول الله تعالى: ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ [البقرة: 177]، البر خبر ليس مقدم، أنَّ تولوا، أنْ حرف من حروف المصدر بعدها فعل مضارع، نقول المصدر المؤول من أنْ مع الفعل أدمجهم وأنتج لي مصدراً، ايش المصدر الناتج؟ ليس البر توليكم، المصدر المؤول في محل رفع اسم ليس مؤخر، فهذا مثال سريع، والأمثلة كثيرة أيها الأحبة لكن فقط الآن إشارة حتى ننطلق في الفهم، إذاً هذه حروف المصدر.

الآن نأتي إلى ما، هناك أيها الأحبة خلاف في ما المصدرية، قلنا حروف المصدر: أن، لو، وما، وأن، وكي. إذاً ما من حروف المصدر، لكن هناك من نازع، هناك من يرى أنَّ ما لا تكون حرفاً من حروف المصدر، ليست من قبيل الحروف، ما المصدرية ليست من قبيل الحروف بل مهما أتت هي اسم موصول في المواضع التي يرى فيها الطرف الآخر أنها حرف مصدري، هناك من يرى يقول لا، هي في النهاية اسم من الأسماء الموصولة ولا تكون حرفاً أبداً، لذلك قال: وأما ما المصدرية فهي التي تسبق مع ما بعدها بمصدر، حتى يبين لك ما، وكل حروف المصادر هي كل حرف يشبك مع ما بعده وينتج مصدر، وهي الأحرف الخمسة التي قلنا بشروطها.

قال نحو قوله سبحانه: ﴿وَوَدُّوا مَا عَنِتُّمْ﴾ [آل عمران: 118]، أيش التقدير؟ التقدير هنا ما مصدرية وبعدها فعل، ادمج ما مع الفعل وأتِ بمصدر، ايش المصدر المناسب؟ العنت، ودوا عنتكم، المصدر المؤول من ما مع الفعل في محل نصب مفعول به. وقول الشاعر: يسر المرء ما ذهب الليالي، وكان ذهابهن له ذهاباً. بيت فيه حكمة أيها الأحبة، المرء يسر وينبسط أن الليالي بتمشي، يقول خلي الليالي تمشي ولكنه لا يغفل أن ذهاب الليالي ذهاب له، هذا حال الإنسان، يريد أن يكبر ابنه صحيح يقول متى يكبر هالولد، لكن إذا كبر الولد فهذه أعمار من حياته وهو يقترب من الموت، وكذلك يريد الإنسان أن يقطع والله يا شيخ وليد ينهي الجامعة، أنهيت الجامعة، هذه أعمار تذهب وأنت تقترب من الموت.

يُسر المرء ما ذهب الليالي، الآن الشاهد يُسر، المرء إعرابها مفعول به مقدم، طب أين فاعل يُسر؟ ما الذي فعل السرور؟ ما الشيء الذي أدخل السرور على المرء؟ ذهاب الليالي، فإذاً ما مع ذهب نسبكهما ندمجهما فينتج عندي مصدر مؤول التقدير ذهاب، يسر المرء ذهاب الليالي، المصدر المؤول من ما مع ذهب في محل رفع فاعل مؤخر، جميل، فذكر إذاً آية قرآنية وذكر بيت شعري.

قال بعد ذلك ابن هشام: وقد اختلف فيها، فذهب سيبويه إلى أن ما المصدرية حرف بمنزلة المصدر، يعني مثلها مثل أن المصدرية وباقي حروف المصدر أن، لو، ما، أن، كي، حروف المصدر كلها حروف. وذهب الأخفش، الأخفش قلنا إذا أُطلق في كتب النحو من هو إذا أطلق ولم يحدد؟ فهو الأوسط وهو تلميذ سيبويه رحمة الله عليه، وأيضاً درس في مدرسة الكسائي، هو بصري لكن الكسائي جذبه واستفاد منه فأصبح يميل للكسائي في بعض الآراء، توفاه الله عز وجل عام مائتين وواحد وعشرين للهجرة. فذهب الأخفش وابن السراج، ابن السراج مر معنا توفاه الله عز وجل عام ثلاثمائة وستة عشر، ذهب هذان العالمان إلى أنها اسم بمنزلة الذي، لا قالوا ما المصدرية ليست حرف، ما المصدرية اسم بمعنى الذي، كأنها اسم من الأسماء الموصولة، لكن الفرق بينها وبين الذي أن الذي عادة ممكن نقول لا نذهب إلى الذي نتكلم عنها لأن هي العلاقة بين من ومن؟ من وما هي التي فيها فرق، المهم قال إنها اسم بمنزلة الذي تستخدم لما لا يعقل، تستخدم لما لا يعقل.

نأتي إلى الأسماء الموصولة، نعرف إن شاء الله أن الأسماء الموصولة أقسام، هناك ما هو مختص بالذكور وما هو مختص بالإناث، هناك ما هو مختص بالمثنى بالجمع، هناك ما هو مختص باستخدامه فقط للعقلاء، وهناك من الأسماء الموصولة ما تستخدم لغير العقلاء، لا يجوز استخدامها في العقلاء، فما أيها الأحبة يقولون أنها تستخدم لغير العقلاء للجمادات للأحجار للبهائم، أما العقلاء لا تستخدم لهم ما، تستخدم لهم من الموصولية، المهم يعني هو استطراد أن ذهبوا إلى أنها باختصار اسم موصول بمعنى الذي ولكنها تستخدم لغير العقلاء، قال وهو واقع على ما لا يعقل، وأنا حتى تفهم ايش يعني واقع على ما لا يعقل؟ يعني أنها تستخدم لغير جنس العقلاء، للجمادات وللأحجار ولا تستخدمها للعقلاء إلا على سبيل التجوز، فقال تقع على ما لا يعقل وهو الحدث، لأن الحدث الذي نفهمه العنت، الضرب، الشرب، الأكل، هذه تسمى أحداث، والمصدر أيها الأحبة بشكل عام مصدر دلالته ماذا؟ الحدث.

أليس كذلك؟ فالحدث كذلك هو من الأشياء التي لا تعقل، هل الحدث شيء يعقل؟ له عقل وتخاطبه ولا شيء معنوي؟ هو شيء معنوي فهو لا يعقل، فما اسم موصول بمعنى الذي تستخدم لما لا يعقل، وبالتحديد تستخدم وتطلق على هذا الحدث، الأكل، الشرب، النوم، الضرب، القيام، القعود، نستخدم لها هذه ما المصدرية للتعبير عنها، لكن ما المصدرية ستكون اسم موصول في هذه الحالة. تقع على ما لا يعقل وهو الحدث، ثم بسط الكلام. والمعنى، طب ايش المعنى؟ نأتي طبقوا لنا على الآية، الآن نخاطب الأخفش وابن السراج، كيف تفهمون الآية السابقة: ﴿وَوَدُّوا مَا عَنِتُّمْ﴾؟ يلا طبقوا، أنتم لا تريدون ما حرف، تريدونها اسم موصول بمعنى الذي، طبقوا على الآية، قالوا والمعنى ودوا ما عنتم أي ودوا الذي عنتموه، جميل.

ثم قلنا ما تقع على ماذا؟ على ما لا يعقل وهو بالتخصيص تقع على الحدث، تطلق ويراد بها الحدث في هذا السياق، فأيش الحدث في ود الذي عنتموه؟ يعني ودوا ما عنتموه معناه ودوا الذي عنتموه، فما في قوله ودوا ما عنتم أي ودوا العنت الذي عنتموه، نذهب إلى بيت الشعر: يسر المرء ما ذهب الليالي، على رأي الأخفش وابن السراج ايش معنى ما هنا؟ ما اسم موصول بمعنى الذي تقع على ما لا يعقل وهو الحدث، طيب إذاً ماذا سيكون؟ ما هو الحدث الذي ستدل عليه ما؟ والحدث هو ما وقع بعده، أنت من أين ستأتي بالحدث؟ ليس من بنات أفكارك يعني تأتي بحدث، أنت الحدث هو باختصار المصدر الذي يدل عليه الفعل الواقع بعد ما، حتى أريحك، الحدث الذي تدل عليه ما ما هو؟ هو المصدر المأخوذ من الفعل الواقع بعد ما. فمثلاً ودوا ما عنتم، المصدر لعنت ما هو؟ العنت، فما تدل عليه ما هو هذا المصدر، العنت.

يسر المرء ما ذهب الليالي، المصدر الذي نستفيده من ذهب هو الذهاب، هذا هو المصدر، فهي ما معناها هنا على رأي ابن السراج: يسر المرء الذي ذهبته الليالي، وما بمعنى الذي وتختص بما لا يعقل وهو الحدث، فالتفسير أوضح وأوضح يسر المرء الذهاب الذي ذهبته الليالي، طيب لاحظوا طبعاً فيه تكلف واضح، قالوا ويسر المرء الذي ذهبته الليالي أي الذهاب الذي ذهبته الليالي. طيب الآن كيف النقاش سيكون مع هؤلاء؟ وضعهم فيه صعوبة صحيح؟ يعني أنت قد تنظر بشيء من المعقولية لكلامهم في بعض الأحيان.

نقول أيها الأحبة، هناك أيضاً قواعد من درس الآجرومية يتذكرها الآن، أيها الأحبة من قواعد أن أي اسم موصول يحتاج بعده إلى شيئين، يحتاج إلى جملة صلة الموصول، ونحتاج إلى عائد وهو ضمير في جملة صلة الموصول يعود على الاسم الموصول. نذهب إلى السبورة، عاد ما في إلا السبورة، إن شاء الله تكون الآن مستقرة، هذه السبورة متقلبة الأحوال. الآن أيها الأحبة، هناك قاعدة الاسم الموصول في المدرسة الأجرومية هذه واضحة كما قلنا، يحتاج إلى جملة صلة وإلى عائد في جملة الصلة يعود على ماذا على الاسم الموصول.

أيها الأحبة، حقيقة مثل هذه التحليلات الإنسان الأصل يجد فيها متعة، تشعر أنك تفكر، تشعر أنك تحلل، هناك عملية رد وأخذ وجذب وعطاء، وأن تثبت قواعد وأحاول أن أستخدمها وأوظفها، هي عملية ممتعة لكن لمن كان يعقل القواعد، أما القواعد عنده ضائعة، عملية متعبة وليست ممتعة. الاسم الموصول قلنا يحتاج إلى جملة صلة ويحتاج إلى عائد في جملة الصلة، الآن سأقول لك قاعدة طبقها ستستريح، إذا جاءت عندك ما وشككت فيها الآن، سيحدث شك أنه في كثير من المواضع، إذا جاءت عندك ما وشككت ما عرفت هي اسم موصول ولا -الآن سأتكلم على من يرى أنها مصدرية، الآن لن نتكلم مع ابن السراج- إذا جاءت عندك ما وشككت هل هي اسم موصول أو حرف مصدري؟ يعني هل هي الآن هنا اسم موصول ولا حرف مصدري؟ لأنه المشكلة أن ما الموصولية الآن أيضاً ما أيها الأحبة سيأتي معنا هي تستخدم اسماً موصولاً نحن لا ننازع، لكن ايش نقول؟ ليست دائماً اسماً موصولاً بل هناك منها نوع يسمى ما المصدرية وهو من قبيل الحروف، هذا على الطالب أن يفهمه.

ما من أنواعها أن تكون اسماً موصولاً وهذا لا ننازع فيه، لكن هناك نوع آخر منها وهو حرف مصدري، وليس التي هي حرف مصدري أيضاً اسماً موصولاً، هنا النقاش، هل يوجد هناك نوع آخر لما مصدري حرف مصدري؟ ولا حتى ما التي ندعي أنها حرف نصب هي أيضاً من قبيل الأسماء الموصولة؟ هنا النقاش. نحن أو الجمهور أيها الأحبة يثبتون فرقاً يقولون هناك ما اسم موصول وهناك ما المصدرية، طيب كيف نفرق مع أنهما في الحقيقة متشابهان؟ أنه ما المصدرية بعدها يأتي جملة فعلية، وكذلك ما اسم الموصول يأتي بعدها جملة فعلية، يقول الطالب كيف سأفرق بينهما؟ فماذا نقول؟ نقول ما إذا رأيته ورأيت بعدها فعلاً، إذا كانت هذه الجملة الفعلية الواقعة بعد ما تصلح أن تكون صلة موصول بسبب وجود عائد في هذه الجملة يعود على ما، فهذه ما مباشرة أحكم أنها اسم موصول.

نعيد الكلام، إذا جاءت عندك ما وكان بعدها جملة وكانت هذه الجملة تصلح أن تكون صلة موصول لوجود عائد فيها يعود على ما، مباشرة إذاً الأصل تكون ما اسم موصول. مثال ذلك: أضعت ما أعطاني سليمان، الآن ايش التقدير؟ الآن ما هنا حرف مصدري ولا اسم موصول؟ ايش تعمل؟ مباشرة اذهب إلى الجملة الواقعة بعد ما، أعطاني سليمان، حتى أوضح أكثر بدي أذكر الضمير، خليه يظهر هو يجوز حذفه لكن أريد أن أذكره، أضعت ما أعطانيه سليمان. دعونا مما أعطاني سليمان، أعطى فعل ماضي، الياء أعطاني مفعول به أول، الهاء مفعول به ثان، سليمان الفاعل مؤخر، لأن أعطى تنصب مفعولين، الآن هل أعطانيه سليمان هذه الجملة تصلح أن تكون صلة موصول لما؟ نعم الجملة بحد ذاتها صالحة، ويوجد فيها ضمير يعود على ما وهو الهاء، الهاء تعود على ماذا؟ تعود على ما، إذاً أضعت كأني أقول ماذا؟ أضعت الشيء.

الذي أعطانيه سليمان؛ إذا أردت التفسير والتوضيح. فإذاً هذه الجملة تصلح أن تكون صلة موصول. إذاً «ما» هنا ماذا؟ اسم موصول، ليست حرفاً مصدرياً. إذا وقعت «ما» ووقع بعدها جملة، وهذه الجملة لا يصلح أن تكون صلة موصول لعدم وجود ضمير فيها يعود على «ما»، هنا ستكون ماذا؟ حرفاً مصدرياً، وهذا هو البيت والشعر والآية القرآنية التي أتى بها ابن هشام: ﴿وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ﴾ [آل عمران: 118].

انظروا في الجملة الواقعة بعد «ما»: ﴿عَنِتُّمْ﴾. «عنتم»: ما إعرابها؟ فعل ماضٍ مبني على السكون لاتصاله بضمير الرفع المتحرك «تم»، صحيح هي التاء مدغمة في التاء التي تليها لكن التاء أصلية؛ يعني التاء وتاء «تم» لإسناد الضمير. ممتاز. إذاً «عنتم» فعل وفاعل. هل يوجد في هذه الجملة ضمير يصلح أن يعود على «ما»؟ في هذه الجملة أيها الأحبة «عنتم» لا يوجد ضمير يعود على «ما» حتى محذوف لا يصلح تقديره.

لماذا؟ أحياناً سيأتي معنا، أحياناً يكون هناك في جملة صلة الموصول ضمير محذوف يعود على «ما». فمثلاً الجملة السابقة «أضعتُ ما أعطانيه سليمان»، يجوز أن أقول: «أضعتُ ما أعطاني سليمان» وأحذف الهاء، لكن تُقدّر؛ لأنه «أعطاني» بطبيعتها تنصب مفعولين، إذاً قطعاً هناك ضمير محذوف هو المفعول الثاني. لكن «عنتَ» هل تأخذ مفعولاً به؟ ولا هي فعل لازم؟ فعل لازم. فعل لازم لا تأخذ مفعولاً به. إذاً هنا في هذه الجملة لا يمكن أن أقدر وأقول: هناك ضمير محذوف مفعول به؛ لأنه «عنتَ» أصلاً فعل لازم لا تأخذ مفعولاً به. إذاً هذه الجملة «عنتم» لا يوجد فيها ضمير يصلح أن يعود على «ما»، لا مذكور ولا محذوف. إذاً هذه جملة ليست صلة موصول. إذاً «ما» ماذا ستكون؟ لن تكون اسماً موصولاً وستكون حرفاً موصولاً؛ لأن أصولها حروف موصولة. يكون حرفاً موصولاً طبعاً؛ الحرف الموصول هو الحرف المصدري، هكذا دائماً احفظ هذه القاعدة وطبق عليها ستستريح.

طيب، نأخذ بيت الشعر: «يسرّ المرء ما ذهب الليالي». نطبق نفس الشيء، «ما ذهب الليالي»: «ذهب» فعل ماضٍ صحيح، وأين الفاعل؟ الليالي. «ذهب الليالي»، هل يوجد في هذه الجملة «ما ذهب الليالي» ضمير يصلح أن يعود على «ما»؟ لا يوجد ضمير مذكور، لا يوجد. طيب هل يوجد هناك ممكن ضمير محذوف؟ ليس ممكناً؛ لأن «ذهب» فعل لازم لا تأخذ مفعولاً به. إذاً ماذا حتى ضمير محذوف؟ فجملة «ذهب الليالي» لا تصلح أن تكون صلة لموصول، فبالتالي «ما» هنا ليست اسماً موصولاً لعدم وجود عوامل أو أركان جملة صلة الموصول، بل هي حرف موصول.

جميل، الآن من خلال هذا سنعود إلى ابن هشام وننظر كيف سيرد ابن هشام -رحمه الله عليه- على ابن المبرد والسراج. فماذا قال ابن هشام؟ قال ابن هشام يردّ على هذا القول، يردّ على من قال إن «ما» اسم موصول دائماً حتى المصدرية، يرد على هذا القول أنه لم يُسمع «أعجبني ما قمته وما قعدته». لأنه يريد أن ينتقدهم، هل سُمع «أعجبني ما قمته وما قعدته»؟ نعم؟ أي هل الآن «قام» -أيها الأحبة- باختصار و«قعد» أفعال لازمة ولا متعدية؟ أفعال لازمة. ممتاز. إذاً لم يُسمع في كلام العرب «أعجبني ما قمته».

يعني هو الآن شو الذي أراده؟ ليس ابن يسوع؛ ابن المبرد والسراج عفواً، الأخفش وابن السراج، الأخفش وابن السراج اللذان ذهبا إلى أن «ما عنتم» أنه «ما» اسم موصول بمعنى «الذي»، وفي «يسر المرء ما ذهب الليالي» قالوا «ما ذهب» «ما» هنا موصول بمعنى «الذي». نقول لهم: تعالوا نطبق قواعد اسم الموصول، هكذا سنتدرج معهم. الآن ﴿وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ﴾ يا الأخفش -رحمه الله عليه- وابن السراج، جملة «عنتم» كيف جعلتموها صلة للموصول «ما»؟ أنتم جعلتم «ما» اسماً موصولاً وجعلتم «عنتم» صلة، أين الضمير فيها؟ قالوا: الضمير محذوف تقديره «أود ما عنتموه». طب كيف الضمير محذوف وهذا فعل لازم؟ من أين أتى الضمير؟ هذا فعل لازم كيف قدرتموه؟

كذلك في البيت الثاني «يسر المرء ما ذهب»، أنتم ايش قلتم؟ قلتم «ما» اسم موصول، وأن التقدير لما قدّر، وعلى رأيهم «يسر المرء» ايش قدّروا؟ «الذي ذهبه الليالي». انظروا، وابن هشام ماذا قال؟ على تقدير كلام ابن السراج والأخفش: «يسر المرء الذي ذهبه الليالي»، فذكر الضمير الهاء «ما ذهبه»؟ طب «ذهب» هي تأخذ ضميراً؟ «ذهب» فعل لازم ليس متعدياً، فكيف أنتم تذكرونها هكذا وتضيفونها؟ يعني هم باختصار الأخفش وابن السراج قدّروا هاء محذوفة في جملة «عنتم» وفي جملة «ذهب». هذه الهاء المحذوفة فهي ماذا؟ هي العائد على «ما» لأنه حتى تصلح معه و«ما» تكون اسماً موصولاً. فنحن قلنا لهم: كيف تقدّرون هذه الهاء؟ وهذه أفعال لازمة فلا تأخذ هاء، وهل لذلك قال ابن هشام: وهل سُمع عن العرب؟ لم يُسمع عن العرب أنها قالت، ذكر أمثلة أخرى، قالت العرب: «أعجبني ما قمته»؟ قمتُ فعل لازم، العرب لا تقول: «أعجبني ما قمته»، أعجبني ايش؟ «ما قمتُ» أو «ما قمتَ» أو «ما قمتِ»، والتقدير تكون «ما» هنا حرفاً مصدرياً، يعني أعجبني القيام.

أما لو كانت اسماً موصولاً كما يقول ابن السراج لكانت العرب -يعني- ألا نجد مثالاً واحداً حيث العرب صرّحت فيه: «أعجبني ما قمته»، أو نجد على الأقل مثالاً واحداً العرب قالت فيه: «أعجبني ما قعدته»، يعني باختصار يعني أفعال لازمة ذُكرت فيها ضمائر وأعطيت ضمائر نصب من أجل أن تعود هذه الضمائر على ماذا؟ على الاسم الموصول. مع أن هذا في الحقيقة كله تجوّز؛ لأنه هي أصلاً أفعال لازمة لا تأخذ ضمائر، لكن لو صح -يعني- يقول له يا ابن، لو صح ما قلتموه يا ابن السراج والأخفش لماذا لا نجد ولا مثال في اللغة العربية من كلام العرب؟ أما في هذه الأفعال اللازمة من أجل الاسم الموصول يعني استثناء من القاعدة من أجل الاسم الموصول يذكرون ضميره. فيقول: «قمته»، «أعجبني ما قمته» أو «وقعدته»، «أعجبني ما قعدته». قال: هذا ما وجدناه في أي مثال.

والأصل -يقولون- والأصل في العائد -أيها الأحبة- العائد الذي يعود على الاسم الموصول، الأصل فيه أن يكون مذكوراً ولا يُحذف إلا على سبيل الاستثناء. الأصل في العائد أن يكون مذكوراً في الجملة ولا يُحذف إلا على سبيل الاستثناء. ونحن -أيها الأحبة- في هذه الأفعال اللازمة لم نجد العرب في أي حال من الأحوال صرّحت بالضمير العائد، يعني هنا مثال واحد صرّحت فيه العرب في أفعال لازمة بضمائر تعود على هذه حتى نقول والله لكم مستند، يعني جاء عن العرب: «أعجبني ما قمته»، فقولكم «يسر المرء ما ذهب الليالي» نقيس على هذا المثال، صحيح.

يعني الكوفيون مثلاً لما جئنا عليهم وبئس، أتوا بأمثال عربية صحيحة: «والله ما يبي نعم الولد»، عرفنا أن نناقشهم، نقول والله لكم مستند، فاحتجنا أن نأوّله، صح؟ لما قالوا «نعم السير على بئس العيرته» بمستند من كلام العرب، احتجناها نحن أن نأوّله. لكن ابن المبرد والأخفش ما أتونا بمستند من كلام العرب يؤيد قولهم، ما أتونا بمستند من كلام العرب. لذلك قال ابن هشام: لم يُسمع أن العرب قالت «أعجبني ما قمته» أو «ما قعدته»، التصريح بالضمير العائد، والأصل في الضمير العائد أن يكون مذكوراً على الأقل في مثال، مثالين، أمثلة العرب. أما دائماً محذوف مع الفعل اللازم هذا مش ممكن يكون محذوفاً، إذاً هو ليس مقدراً أصلاً عند العرب، مش هو محذوف كما تفهمون يا ابن السراج.

طيب، قال: ولو صح ما ذكر لجاز ذلك. يعني لو صح ما ذكرتموه أن التقدير «ودوا الذي عنتموه» وأن التقدير في بيت الشعر «يسر المرء ما ذهبه الليالي»، لو صح التقدير الذي قلتموه لجاز ذلك، لجاز أن تقول العرب في المطرد «أعجبني ما قمته» و«أعجبني ما قعدته». فهمت ما معنى «ولو صح ما ذكر لجاز ذلك»؟ يعني لو صح التقدير الذي قدّرتموه في الآية وفي بيت الشعر، هم ايش قدّروا الآية؟ «ودوا الذي عنتموه»، أثبتوا ضميراً. وفي الشعر ايش قدّروا؟ «يسر المرء الذي ذهبه الليالي»، قدّروا ضميراً. لو صح ذلك -أي ما قدّرتموه في الآية وفي بيت الشعر- لجاز ذلك، لجاز أن تقول العرب «أعجبني ما قمتُ وما قعدتُ». لكن لم نسمع هذا عن العرب في أي مثال صحيح وارد عنها، فدلّ على أن ما قدّرتموه في الآية وفي الشعر لا يصح. هكذا يريد أن يناقشهم.

ثم قال: والأصل، لأن الأصل أن العائد يكون ايش؟ مذكوراً لا محذوفاً. فمعنى هو يريد أن تقول لهم: الأصل في العائد الضمير الذي يعود على الاسم الموصول أن يكون مذكوراً لا محذوفاً. فأن يكون محذوفاً في جميع الأمثلة، نجده مذكوراً في هذه الأمثلة التي أنتم أتيتم على منوالها، هذا دليل على أنه «ما» في هذه الأمثلة ليست اسماً موصولاً، بل هي حرف موصول. والشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد -رحمه الله عليه- رتّب كلام ابن هشام في وجهين، أنصح -يعني- حتى يزداد وضوحاً أن يعود إليهما بعد الدرس، يتضح له الكلام الذي ذكرته أكثر وأكثر. خلاصة الكلام أن «ما عنتم» و«يسر المرء ما ذهب الليالي»، هذه الجمل «عنتم» و«ذهب الليالي» لا تصلح أن تكون اسم -عفواً- صلة موصول؛ لأنها تخلو من ضمير يعود على «ما»، وبالتالي «ما» هنا لا تكون اسماً موصولاً، بل تكون حرفاً موصولاً، والحرف الموصول يسبق مع ما بعده ينتج مصدراً مؤولاً.

ابن السراج والأخفش الذين قالوا «ما» هنا حتى في هذه الأمثلة اسم موصول ولا يوجد عندنا «ما» ولا حرفية مصدرية، كيف أوّلوا هذه الأمثلة؟ قدّروا أن هناك ضميراً محذوفاً في «عنتم» وفي «ذهب» يعود على «ما». ونحن قلنا لهم لا يصلح أن تقدّروا ضميراً محذوفاً؛ لأن «عنتَ» و«ذهبَ» أفعال لازمة لا تأخذ ضميراً، فكيف قدّرتم ضميراً؟ من أين أتيتم به؟ ولو كان -يعني- وقت، ثم لو كان فعلاً كلامكم له أصل في كلام العرب أنه يصح تقدير ضمائر محذوفة، لوجدنا العرب ولو بمثال أو بمثالين بأفعال لازمة وقعت بعد «ما»، وهذه الأفعال اللازمة صرّح معها بالضمير، حتى نجد مثالاً أو مثالين؛ لأنه الأصل في العائد أن يكون مذكوراً لا محذوفاً. الأصل في العائد أن يكون مذكوراً لا محذوفاً، فلما لم نجد ولا مثال من أمثلة العرب صرّح فيه بفعل لازم بعد «ما» ومع هذا الفعل ضمير مذكور، عرفنا أنه تقدير ضمير محذوف في «عنتم» وفي «ذهب»، هذا أمر تخيّلتموه أنتم ولا وجود له. يعني حاولنا أن نقرب الصورة قدر الإمكان، بقي علينا الكلمة الأخيرة حتى نستغل الوقت، وهي «لمّا».

إذاً «ما» في الحقيقة نعم «ما» حرف مصدري، لكن كما قلنا عليك ألا تخلط بينها وبين «ما» اسم موصول. والضابط في ذلك اجعله ماذا؟ أن تنظر في الجملة الواقعة بعد «ما»، إن كانت هذه الجملة تصلح أن تكون صلة موصول لوجود العائد أو لإمكان تقديره بلا محذور، فـ«ما» موصولية، إن لم يمكن ذلك فـ«ما» هنا مصدرية. واضح أيها الأحبة الكلام؟ طيب. بقي علينا الكلمة الأخيرة وهي لماذا قال ابن هشام؟ قال: و«أما لمّا فإنها في العربية على ثلاثة أقسام». كلمة «لمّا» أيها الأحبة تأتي في اللغة العربية على قسمين تكون فيهما حرفية بالاتفاق، نوعان تكون فيهما «لمّا» حرفاً باتفاق الجميع، ايش هما؟ قال: «لَمَّا» فإنها في العربية على ثلاثة أقسام، الأول نافية بمنزلة «لَمْ»: ﴿لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾ [عبس: 23]. سنأخذ إن شاء الله في أدوات الجزم التي تجزم فعلاً واحداً أنها «لَمْ» و«لمّا» و«لا الناهية» و«لام الطلب»، وهذه ذكرناها في الأجرومية. فمن أدوات الجزم التي تجزم الفعل المضارع «لمّا». وهذه بمنزلة «لَمْ» تقلب الفعل المضارع من دلالته على الحال لدلالته على المضي، لكن هناك فوارق دقيقة بين «لمّا» و«لَمْ» سنذكرها إن شاء الله في موضعها، فباختصار «لمّا» التي تجزم الفعل المضارع بمنزلة «لَمْ» هذه حرف بالاتفاق.

النوع الثاني أيها الأحبة، النوع الثاني أيها الأحبة هي «لمّا» إذاً الأولى تُسمى «لمّا» النافية، وهي «لمّا» التي تعمل «لَمْ». النوع الثاني عكسه، الأولى كانت «لمّا» النافية، الثانية «لمّا» الإيجابية، «لمّا» المثبتة. و«لمّا» الإيجابية هي التي تثبت ما بعدها، تثبت ما بعدها وتكون بهذا السياق إيجابية بمنزلة «إلّا»، نحو قولهم: «عزمتُ عليك لمّا فعلتَ كذا». ايش يعني «لمّا فعلتَ كذا»؟ إلّا فعلتَ كذا. فـ«لمّا» الإيجابية أولاً هي بمعنى ايش؟ إلّا، ولماذا سُميت إيجابية؟ لأن الفعل بعدها يكون مثبتاً، المراد إثباته. هو أراد أن يقابل بينها وبين «لمّا» النافية؛ أن هناك «لمّا» نافية تنفي الفعل، وهناك «لمّا» إيجابية يُثبت الفعل بعدها. «لمّا» الإيجابية التي يُثبت الفعل بعدها هي «لمّا» التي بمعنى «إلّا»، كما في القرآن الكريم: ﴿وَإِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ [الطارق: 4]. ايش يعني؟ وإن كل نفس إلّا عليها حافظ. فعليها حافظ مثبتة، صحيح ليست منفية، يعني كل نفس عليها حافظ. فهذه «لمّا» الإيجابية التي بمعنى «إلّا» ويكون ما بعدها مثبتاً. و«لمّا» بمعنى «إلّا» هذه أيضاً حرف بالاتفاق. طب أين وقع الخلاف الذي يتكلم عنه ابن هشام؟ في النوع الثالث والأخير من أنواع «لمّا» وهي «لمّا» الرابطة.

«لمّا» ايش هي «لمّا» الرابطة؟ قالوا: والثالث أن تكون رابطة لوجود شيء بوجود غيره، هذه تُسمى أداة ربط، «لمّا» في هذه الحالة الثالثة هي أداة ربط، وسيذكر هو في الصفحة التي تليها على أن.

إنها حرف وجود لوجود، تربط وجود شيء بوجود غيره؛ مثال ذلك حين أقول: لما جاء محمد أكرمته، ربطت إكرام محمد بمجيئه. فهذه تسمى لما الرابطة، ربطت وجود شيء وهو الإكرام بوجود شيء آخر وهو المجيء. قال: «لما جاءني أكرمته»، فانها ربطت وجود الإكرام بوجود المجيء، ووجود الإكرام مرتبط بوجود المجيء، لذلك تسمى لما الرابطة.

أما لما الرابطة المختلف فيها، فهي التي وقع فيها الخلاف؛ فقال سيبويه إنها حرف وجود لوجود، أي حرف وجود الجواب لوجود الشرط، والجملة الثانية بسبب وجود الشرط في الجملة الأولى. لما جاء زيد أكرمته، وجد الإكرام لوجود المجيء، لذلك تسمى حرف وجود لوجود عند سيبويه. وإذا كانت حرفاً معناها لا محل لها من الإعراب. أما الفارسي ومن تبعه فقالوا: لا، هي ظرف بمعنى حين، ظرف زمان، كانك قلت: حين جاء محمد أكرمته.

كيف رد ابن هشام على قول الفارسي؟ رد من خلال آية معينة، الله عز وجل يقول في كتابه: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ﴾ [سبأ: 14]، ثم بعدها أيضاً: ﴿فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ﴾ [سبأ: 14]. هذه الآية فيها لما الرابطة في موضعين. قال ابن هشام: الفارسي، أنت تقول إن لما ظرف زمان، إذاً لا محل لها من الإعراب، وأي إعراب في اللغة العربية يحتاج إلى عامل.

أنت أيها الفارسي قلت إن لما ظرف زمان، مبنية في محل نصب ظرف زمان؛ إذاً أنت تعربها بأنها ظرف زمان لها محل من الإعراب، إذاً لا بد أن تذكر العامل. أين العامل في هذه الجملة؟ قال ابن هشام: لو كانت لما ظرفاً لاحتاجت إلى عامل يعمل في محلها النصب على الظرفية. حصرنا الأشياء التي يمكن أن تكون عاملاً: إما الفعل قضينا، أو الفعل دلهم.

أما كون العامل قضينا فهو مردود، لأنك أيها الفارسي تعرب الجملة الواقعة بعد لما في محل جر مضاف إليه، ونحن نتفق معك أن المضاف إليه لا يمكن أن يكون عاملاً للمضاف. وأما كون العامل دلهم، فمردود أيضاً بأن ما النافية لا يعمل ما بعدها فيما قبلها، ودلهم وقعت بعد ما النافية. وإذا بطل أن يكون لها عامل، تعين أن لا موضع لها من الإعراب، وإذا لا موضع لها، تعين أنها ليست من قبيل الأسماء؛ فبقي أنها حرف.

وجميع الحروف مبنية، لا يوجد عندنا حرف معرب. فإذا حفظت هذه القاعدة، فالحروف كلها مبنية ولا محل لها من الإعراب. وإذا انتهينا من الحروف، فاعلم أنها على أقسام: حروف مشتركة تدخل على الأسماء والأفعال، مثل ما النافية؛ وحروف مختصة بالأسماء مثل حروف الجر؛ وحروف مختصة بالأفعال مثل لم.

القاعدة أن الحرف المشترك الأصلي لا يعمل، والحرف المختص بالأسماء يعمل الجر، والحرف المختص بالأفعال يعمل الجزم. وهذه القاعدة أغلبية، أي هناك ما خرج عنها؛ فمن الحروف المشتركة ما يعمل، ومن الحروف المختصة ما لا يعمل، ولكل قاعدة شواذ.

أصل عمل الجر والحرف المختص بالأفعال الأصل أن يعمل الجزم، هذه قاعدة أصلية لها استثناءات كثيرة، وأي استثناء لا بد له من تعليل. أي استثناء لا بد أن تعلل ما سبب الاستثناء، لكن هذا التعليل هذا علم طويل في اللغة العربية.

وهكذا نكون أيها الأحبة فرغنا من الكلام عن الكلمة وبأقسامها، وأشبعنا الكلام حول ذلك. وأنا في الحقيقة نعم أسهبنا الشرح حتى يرسخ هذا الباب، هذا هو الدرس السادس في قطر الندى، وما زلنا أنهينا فيها الكلام عن الكلمة بأقسامها.

فالطالب عليه ألا يسأم؛ لأنك إذا رسخت هذا الباب في ذهنك ما بعده ميسر إن شاء الله، نستطيع أن نسير فيه سريعاً، وإذا أضعت هذا الباب فكل ما سأذكره بعد ذلك لن تفهم منه شيئاً، لأن الأصل غير موجود. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.