حياكم الله أيها الأحبة في مجلس جديد نعقده في شرح كتاب قطر الندى وبل الصدى للإمام ابن هشام الأنصاري رحمة الله عليه. وقد انتهى بنا المطاف إلى باب جديد من أبواب هذا الكتاب المبارك، وهو باب التعجب.
أيها الأحبة في أصل فهمه اللغوي هو إظهار الاندهاش من الشيء، إظهار الدهشة من الشيء، إما أن يكون لفرح وسرور به، وإما أن يكون لقبح وخسة فيه. ليس التعجب دائماً يكون دلالة الشيء العظيم في الخير والبركة، قد يكون اندهاش بسبب شدة خسة أو دناءة أو سوء خلق، الدهشة والتعجب قد يكون في الخير وقد يكون في الشر. هذا من حيث الاستعمال اللغوي أصالة. وأما بالنسبة لعلم النحو فالنحاة يقسمون حديثهم عن التعجب إلى بابين، يقولون هناك تعجب سماعي، وهناك تعجب قياسي. التعجب السماعي هي عبارة عن ألفاظ في الأصل أنها ليست للتعجب، وأساليب في الأصل أنها ليست للتعجب.
لكن وجد النحاة استقراء كلام العرب أنهم استخدموا أحياناً هذه الأساليب التي لم توضع للتعجب، استخدموها أحياناً للتعجب العرب في بعض الأبيات وفي بعض الفقرات المنثورة. النوع الثاني لا، القياسي، والقياسي عبارة عن صيغ معينة وضعتها العرب لاستعمالها في التعجب، صيغ معينة استعملتها ووضعتها العرب للتعجب. إذن التعجب عند النحاة على نوعين، هناك تعجب سماعي، ما معنى سماعي؟ تقول هكذا، ألفاظ وجمل لم تضعها العرب ابتداء للتعجب، لكن استخدمتها في التعجب في بعض الفقرات وفي بعض الشعر العربي وما ذلك، فنقول هذا سماعي ليس قياسي. النوع الثاني التعجب القياسي، التعجب القياسي عبارة عن صيغ معين محددة وضعتها العرب باستخدامها في التعجب، وهي موضع الدرس في هذا اليوم بإذن الله، الصيغ القياسية.
لذلك ابن هشام رحمة الله تعالى عليه عندما بدأ كلامه عن التعجب بين أولاً أن هناك أساليب سماعية للتعجب ثم بعد ذلك عرج إلى الأساليب القياسية لأنها هي التي تهمنا الآن، فقال رحمة الله تعالى عليه باب التعجب. التعجب له إذن هنا في المتن تكلم عن الصيغ القياسية مباشرة، لكن في الشرح سيبدأ يمهد بالصيغ السماعية ثم بعد ذلك يدخل في المقصود، وهو الصيغ القياسية. قال باب التعجب: له صيغتان: ما أفعل زيداً، وأعرابه مبتدأ بمعنى شيء، وبمعنى شيء عظيم، وأفعل فعل ماض فاعله ضُمِّر، وزيد مفعول به، والجملة خبر ما، وأفعل به، هذه الصيغة الثانية وهو بمعنى ما أفعله وأصله أفعل به يساراً فهكذا، كأغد البعير أي صار ذا مدة فغير اللفظ وسيلة البهو في الفاعل لإصلاح اللفظ فمن ثم لزم بخلافها في فاعل كفى.
وإنما يبنى فعلا التعجب فعلاه وإنما فعلاء التعجب، قسم التفضيل أيضاً من ايش؟ قال من فعل ثلاثي مثبت متفاوت تام مبني للفاعل اسم فاعله على أفعل. الآن أيها الأحبة بدأ ابن هشام في شرحه فقال التعجب تفاعل من العجب. ما معنى تفاعل؟ إنه يريد أن يبين لك الميزان الصرفي لكلمة تعجب لو سألتك تعجب ضعها في الميزان الصرفي على ايش وزنها؟ تفاعل. يقول التعجب تفعل من مش معقولة هذه الكلمة ايش أصلها أصلها؟ قال من العجب، فهذا جذرها، هذا هو الجذر الذي أخذت منه، العجب، هذا هو المصدر والمصدر هو أصل المشتقات. أليس كذلك أيها الأحبة؟ المصدر هو أصل المشتقات جميعاً. فالتعجب لو تدبر يعني التعجب تعجب هذا الفعل الماضي صح؟ تعجب على وزن ايش؟ تفعل، تعجب على وزن تفاعل هذا من هذا من الخماسي المزيد صح؟ هذا عبارة عن خماسي، في عين خماسي، والافعال الخماسية حتى تعود إلى أصول أولاً ترجعوا إلى ثلاثي من عجب ثم بعد ذلك تذهب إلى المصدر، وهو العجب.
يعني هكذا هي الطريقة تعجب تعجباً، إذاً تعجب هذا مصدر للفعل تعجب. ممتاز؟ الطالب يقول لك كيف خماسي يا شيخ؟ ت ع ج ج ب، حرفين جيم مشددة، إذن خمسة أحرف. تعجب أو مصدرها ايش مصدرها؟ تعجب. فتعجب تفعل هذا مصدر للفعل ايش؟ تعجب. الفعل تعجب مأخوذ من فعله يعني هو مزيد، إذاً أكيد له فعل ثلاثي، الفعل الذي زدناه بحرفين فأصبح على تعجب. لكن مش صرف، ثم هذا الفعل الثلاثي ايش مصدره؟ ايش أصله عجب عجب عجباً. فالفعل الثلاثي هو ايش؟ عجباً. ممتاز؟ والمصدر لو هذا الفعل عجب عجب عجباً مثل فرحاً. فاذا هو عندما قرأ التعجب تفعل من العجب أعاد العجب هو مصدر الفعل الثلاثي عجب، وتعجب هو مصدر الفعل الخماسي تعجب. فهمتم أنتم الآن الصورة تعجب للكلمة الأساسية باب التعجب، تعجب هو مصدر الفعل ايش؟ تعجب، والعجب هو مصدر الفعل الثلاثي عجب.
ممتاز فهو كأنه يريد أن يقول لك إن التعجب هو مصدر للفعل الخماسي، والفعل الخماسي مأخوذ من الفعل الثلاثي عجب بزيادة حرفين، والفعل الثلاثي عجب مصدره عجب. فكان التعجب اللي هو مصدر الفعل الخماسي أصله من مصدر الفعل الثلاثي عجب. جميل، فهذه يعني قضايا اشتقاقية صرفية لذلك قال التعجب تفعل، هذا هو ميزانه الصرفي، من العجب فخذ من العجب يعني هذا الأصل الأصل، الأصل القديم. تمام؟ والعجب هو مصدر الفعل الثلاثي عجب. المهم، قال وله ألفاظ كثيرة غير مبوب لها في النحو. لماذا؟ هذه الألفاظ الكثيرة الغير مبوب لها في النحو اللي هي السماعية، اكتبوا فوقها الألفاظ السماعية للتعجب، وهي عبارة عن ألفاظ في الأصل أنها ليست للتعجب، لكنها استخدمت كطريقة وأسلوب للتعجب في بعض الأحايين. تمام؟
قال كقوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ﴾ [البقرة: 28]. الآن الاستفهام هل أصلاً وضع للتعجب ولا للسؤال عن الشيء؟ لكن أحياناً الاستفهام يخرج عن الأصلي وهو الاستفهام والاستخبار عن الشيء ويستخدم كأسلوب تعجبي لا يطلب منه الجواب. الله سبحانه حين قال: ﴿كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم﴾ هل يطلب من الكفار الجواب؟ ويتعجب يعني شيء عجيب! كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم؟ فهذا الأسلوب للتعجب، فنقول هنا الاستفهام خرج عن وضعه الأصلي لطلب الاستخبار عن الشيء واستخدم كطريقة وأسلوب من أساليب التعجب، فهذا يكون تعجب سماعي. تعجب سماعي يعني ليس له قاعدة.
وكقوله صلى الله عليه وسلم: «سبحان الله إن المؤمن لا ينجس حياً ولا ميتاً». الآن كثير أنت ما تتعجب في حياتك تشوف الأمر يعجبك إيش تقول؟ سبحان الله سبحان الله لو وضعت أصالة للتعجب يبقي في التسبيح وقعدت تنزيه الله سبحانه وتعالى لتسبيحه. لكن العرب تستخدمه أحياناً لإظهار الدهشة والتعجب من شيء، فهذا أيضاً سماعي يعني لم توضع ابتداء للتعجب هي، استخدمت للتعجب نعم لكنها لم توضع ابتداء له، أيضاً هذا تعجب سماعي. وكقولهم لله دره، لله دره فارساً. ترى رجل لله دره كاتباً، لله دره طالب علم، لله دره فارساً من أساليب التعجب السماعي. وكقول الشاعر: يا سيّداً ما أنت من سيد، موطأة الأكناف رحب. لا الموطأ الأكناف بالذراع هذه نعت لسيد المنادى التي هي الأولى. لكن ما بينهما وهي ما أنت من سيد، هذا أيضاً أسلوب تعجب ما أنت من سيد باستخدام النفي، ما أنت من سيد ولكن يعني كأنه يريد أن يقول لك يعني أنت عظيم لكن يقول ايش؟ ما أنت من سيد، ايش هذه السيادة التي لك؟
وعفواً يعني قول وقول الشاعر يا سيداً ما أنت من سيد هنا الشيخ محمد محي الدين ما استفهامية، وانت خبر مبتدأ وهذا أسئلة الأعالي لمثل هذه العبارة. هنا جعلها ليست نافية وإنما جعلها الشيخ محمد محي الدين استفهامية فكأنه أسلوب استفهامي ونفس الفكرة استفهام استخدم في ماذا؟ في أرجو بيانه كأنه قال يا سيداً ما أنت من سيد والاصل كأنه يريد أن يستفهم، ما أنت من سيد، ايش أنت من سيد؟ لكن واضح ولا يريد جواباً (يعني)، هو يريد أن يمدحه، أنه ايش هذه السيادة العظيمة التي لك، هل هو يوجه له السؤال؟ ايش هذه السيادة العظيمة التي لك؟ هو لا يريد منهم جواباً، هو يريد أن يقول ايش هذه السيادة العظيمة؟ يا الله ما أعظمها! ما أجمل كعدد الشعراء في مدح السادة والملوك. فيقول يا سيداً ما أنت من سيد هذا أسلوب استفهام مثل كيف تكفرون بالله لكنه وضع موضع التعجب.
الآن هذا النوع الأول وهو تعجب السماع، سينتقل بنا ابن هشام رحمة الله عليه إلى النوع الثاني وهو موضع البحث وهو التعجب القياسي. ما صيغ التعجب القياسي أيها الأحبة؟ اكتبها على السبورة لن أطيل الكتاب اليوم، سأعتمد على القراءة أكثر لأن الأقلام لا تساعدنا كثيراً. طيب، صيغ التعجب القياسي أيها الأحبة نوعان أو صيغتان: ما أفعله، وأفعل به. صيغ التعجب القياسي أيها الأحبة نوعان أو صيغتان: ما أفعله وأفعل به. ممتاز؟
الآن ابن هشام سيبدأ يحلل الصيغة الأولى تحليلاً دقيقاً، كيف نعربها؟ ايش أصل الكلمات التي فيها؟ ثم سينتقل إلى الصيغة يحللها أيضاً تحليلاً عميقاً ثم بعد ذلك يختم باب التعجب بذكر شروط الأفعال التي تصاغ منها أفعال، ألا وهو أفعل به ما هي شروط الأفعال التي نصوغ منها أفعال التعجب أفعله وأفعل به. طيب، في كتابه قد يكون التعليق على كتابه أسهل علينا الآن. إذاً نبدأ الآن أيها الأحبة بالصيغة الأولى من صيغ التعجب وهي صيغة ما أفعله، ما أجمل السماء، ما أحسن زيداً، ما أبهى عمراً إلى آخره. فالآن ما أصل هذه الصيغة؟ وكيف تعرب؟
بدأ ابن هشام في هذا التحليل فقال فاما الصيغة الأولى وهي ما أفعله، قال فما نبدأ بما، ايش هذه ما؟ قال اسم مبتدأ. إذاً ايش أعرابها؟ اسم مبتدأ. فقل مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، اسم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. بدنا نحفظ، مبني على السكون في محل رفع مبتدأ. طيب ايش معناها يا شيخ؟ أنت الآن أعطيتني إعراباً لكن ايش معناها؟ قال ابن هشام اختلف في معناها على مذهبين.
أحدهما نبدأ المذهب الأول القول الأول يرى أنها نكرة تامة بمعنى شيء. الآن أيها الأحبة برضه ما هذا مصطلح جديد على أكثركم، وهو أن ما لها في اللغة العربية استخدامات عديدة وكثيرة، كما لاحظتم في قطر الندى، فما إما أن تكون حرفاً وإما أن تكون اسماً. إذا جاءت ما اسماً أيها الأحبة فإما أن تكون اسم استفهام، إما أن تكون اسم موصول -هلأ بنستخدم هذا الاستخدام- أما أن تكون اسم شرط، فمرت معنا اسم شرط. ومن أنواعها الجديدة عليكم أن تكون نكرة تامة بمعنى شيء، أن تكون لها لغة هكذا تكون نكرة تامة بمعنى شيء معناها معناها شيء. هذا نوع من أنواع ما يكون نكرة تامة، ايش يعني نكرة تامة؟ أنه سيأتي معنا هناك نكرة ناقصة وتأتي عليها ما وهناك نكرة تامة ممكن تأتي نكرة ناقصة بمعنى شيء، أما أن تأتي نكرة تامة بمعنى شيء.
إذا كانت ما نكرة تامة بمعنى شيء لماذا سميت تامة؟ قالوا لأنها لا تحتاج إلى وصف بعدها، لا توصف. وأما إذا كانت نكرة ناقصة فهذه لا هذه بمعنى شيء أيضاً لكنها تحتاج إلى صفة بعدها، لكنها تحتاج إلى صفة بعدها. فاكتبوا عند قضيتك هكذا: أنت في ختام الكتاب تقول ما في اللغة العربية إما أن تكون حرفاً وإما أن تكون اسماً، إذا جاءت اسماً فقد تكون اسم استفهام صحيح: ما أنت فاعل اليوم؟ قد تكون اسم موصول -بمعنى اسم موصول مشترك طبعا ليس هو معنى باسم موصول مشترك- قد تكون ما اسم شرط مرّ معنا. وقد تكون أيضاً نكرة تامة. لو واحد سألك ما معنى نكرة تامة تقول من أنواع ما سميت أن تكون بمعنى شيء، تكون بمعنى شيء وتستخدم في السياقات بمعنى شيء. إذا كانت تامة معناها لا تحتاج إلى وصف بعدها. وهناك نوع خامس أن تكون نكرة ناقصة، وهي أيضاً بمعنى شيء لكنها تحتاج إلى صفة بعدها، لذلك البعض حمل على النكرة الناقصة قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة: 26] فقالوا ما هذا خلاف تفسيرها؟ إنما هذه نكرة ناقصة وقال يعني بعضهم عفواً تامة وبعضهم قال أنها نكرة تامة أيضاً، إن الله لا يستحي يضرب مثلاً ما. ثم قال بعوضة فما فوقها. فقيل بعوضة بدل مثلاً عرفت بعوضة بدل من مثلاً قد تكون هنا نكرة تامة كأنه قال إن الله لا يستحي يضرب مثلاً ما انتهى الوقف هنا وقف بعوضة فما فوقها فكأن بعوضة هي بدل من مثلاً، وهناك أقوال أخرى في تفسيرها.
المهم أيها الأحبة، إذا ما هنا في التعجب حتى نعود إلى الأصل، طبعا هناك إذا ما هذه الاسمية. طيب ما الحرفية؟ ايش أمثلة على ما تكون حرف؟ إنما الحرفية زائدة، يعني ما تكون زائدة، إنما حرفية مصدرية، صح؟ مش تأتي حرف مصدر، ما حرفية نافية. فإذاً ما لاحظوا استخداماتها في العربية، ما زائدة وكثيراً ما تزاد بعد إذا، يا طالبا خذ فائدة: ما بعد إذا زائدة هذه من الأبيات، إذا ما جاء محمد سأضربه، أنت تقصد إذا جاء، فتكون هذه ما زائدة. ومنها في كتاب الله سبحانه وتعالى: ﴿حَتَّىٰ إِذَا مَا جَاءُوهَا﴾ [فصلت: 20].
﴿فَجَاؤُوهَا شُهَدَاءَ عَلَىٰ مَا فَعَلُوا﴾. الآية تفسيرها: حتى إذا جاؤوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم. لكن البعض هنا يتساءل: لماذا هناك دماء زائدة وكثيرا ما تزداد؟ ما قد تكون حرفية مصدرية زائدة نافية، وقد تكون اسمية، أو استفهام، أو اسم موصول، أو اسم شرط، أو نكرة تامة، أو نكرة ناقصة.
هنا ما نوعها؟ هل نعود إلى بحثنا؟ ما نوع "ما" أيها الأحبة؟ "ما" هنا نكرة تامة على القول الأول، بمعنى شيء، ولا تحتاج إلى وصف. يذكر أربعة لأنها نكرة تامة.
قال: وعلى هذا القول بناء على أن "ما" نكرة تامة، وذكر لكم هو أول ما قال لك قبل أن يدخل في الخلاف مدلولها؛ قال: إعرابها "ما" مبتدأ. ثم ذكر الخلاف في مدلولها فقال: القول الأول إنها نكرة تامة بمعنى شيء. وبناء على هذا القول أنها ذكرت بمعنى شيء، وما بعدها هو الخبر. فتقول: ما أجمل السماء! ما أحسن زيداً! "أجمل السماء" أو "أحسن زيداً" جملة فعلية، والجملة الفعلية الواقعة بعد "ما" النكرة التامة في محل رفع خبر. فإذاً الصيغة الأولى مبناها على المبتدأ والخبر، وهذا كلام صحيح؛ المبتدأ "ما" والخبر الجملة الفعلية.
قال: سيُرد سؤال بعد أن عرفنا أن "ما" مبتدأ وهي نكرة تامة على القول الأول، والجملة التي بعدها في محل رفع خبر. السؤال هو: أنت تقول "ما" نكرة تامة، فهل يجوز الابتداء بالنكرة من دون موصوف؟ ليس من القواعد الأساسية في المبتدأ أنه إذا كان المبتدأ نكرة ينبغي وجود مسوغ من مسوغات الابتداء بالنكرة، إما أن يكون في سياق تعميم، أو في سياق تخصيص، أو ما شابه ذلك. فما هو المسوغ الذي سمح بالابتداء بها؟
قال: وجاز الابتداء بها. ولكي تفهم لماذا طرح هذا السؤال وما هي الإشكالية، اكتب جنبها هنا: "هذا إجابة سؤال"، وهو كيف جاز الابتداء بـ "ما" مع أن الأصل أنه لا يجوز الابتداء بالنكرة إلا بمسوغ؟ فما هو المسوغ للابتداء بها؟ هذا سيجيب عنه ابن هشام، قال: «وجاز الابتداء بها لما فيها من معنى التعجب». فكان هذا قائداً من مسوغات الابتداء بالنكرة؛ أن تكون النكرة تدل على معنى التعجب.
وذكر الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد في تعليقه على البيت: عجب لتلك قضية وإقامة ... فيكم على تلك القضية أعجبُ موطن الشاهد هو "عجب لتلك قضية"، الآن في "عجب" مبتدأ وهي نكرة، ولتلك الجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر للمبتدأ "عجب"، وقضية هي المضاف إليه. كيف سُوغ الابتداء بها مع أنها نكرة؟ لأن "عجب" تدل على معنى التعجب.
يقول الشيخ محمد محيي الدين في الحاشية: "ذكر المؤلف هذا الشاهد ليستدل به على أن النكرة إذا دلت على معنى التعجب جاز الابتداء بها، وذلك لأنها حينئذ في معنى الفعل، إذ تدل على ما يدل عليه الفعل (أعجب)، والفعل يجوز أن يكون في الصدارة، بل هذا الأصل فيه أنه يكون في صدارة الجملة". فبالتالي يقول الشيخ محيي الدين: إنه إذا كان المبتدأ النكرة يدل على معنى التعجب، فهو فيه معنى الفعل "أعجب". والأفعال لها حق الصدارة في الجمل، فالعادة تكون في مطلع الجملة. فهذا هو معنى قول ابن هشام: إن الذي سوغ الابتداء بـ "ما" أنها للتعجب.
الطالب يقول: ماذا يعني للتعجب؟ يعني أنها بمعنى الفعل "أتعجب"، وإذا كانت بمعنى الفعل "أتعجب" نقول الفعل موطنه في الجملة يكون في ابتداء الجملة، مثل: "تعجب عمرو من زيد". فبالتالي بما أن هذه قائمة مقام الفعل "تعجبوا"، فلهذا لها أن يُبتدأ بها. هكذا تُفهم فلسفة هذه الفكرة.
هذا الاحتمال الأول؛ المسوغ للابتداء بها لأن فيها معنى التعجب. الآن ابن هشام أعطاك مساراً آخر قد يكون هو الذي جوّز الابتداء بها مع أنها نكرة، قال: «وأنها في قوة الموصوفة». مر معنا من مسوغات الابتداء بالنكرة في باب المبتدأ والخبر أن النكرة إذا عممت أو خصصت جاز الابتداء بها. هنا ابن هشام يقول احتمالاً آخر أو مسوغاً آخر للابتداء بـ "ما" مع أنها نكرة، قد يكون مسوغ الابتداء بها أنها في قوة الموصوفة، أي في قوة النكرة الموصوفة.
هي الآن في واقعها ليست موصوفة لأنها نكرة تامة، لكنه كأنها نُزلت منزلة النكرة الموصوفة. قلنا له كيف ذلك؟ قال: «وإما لأنها في قوة موصوفة»، إذ المعنى في التحقيق والتدقيق عندما تقول: "ما أجمل السماء" أو "ما أحسن زيداً" -وقلنا إن معناها شيء- لو تعمقنا قليلاً هي في قوة قولك: "شيء عظيم حسن"، فكأن كلمة "شيء" هنا موصوفة بكلمة "عظيم". فبما أنها في قوة الموصوفة، والنكرة إذا وُصفت خُصصت، سُوغ الابتداء بها.
قالوا: «أما لأنها في قوة موصوفة»، إذ "شيء عظيم" كلمة "عظيم" هي المسوغ، فالنكرة هنا كلمة "شيء" وُصفت بـ "عظيم". كما قالوا في: «شرٌّ أغرُّ ذِنابُ»؛ هذا مثال مشهور عندهم في الابتداء بالنكرة ومسوغه، وقد نجلس معه جلسة طويلة في علم البلاغة إن شاء الله. ابن هشام، لأنه عالم كبير يعرف قيمة هذا المثال عند البلاغة، شبّه صيغة التعجب "ما أفعل" بهذه الجملة. "شر" نكرة، فما الذي سوغ الابتداء بها؟ قالوا: إنه في قوة قولك "شر عظيم" أو "كبير". "أغر ذناب" يقصد به الكلب، ومعنى "أغر ذناب" أي جعل الكلب يعوي إذا ناب، والكلب "أغر" أي صاح ونبح، فيكون شراً، أي هناك شر جعل هذا الكلب يصيح ويعوي. فما الذي سوغ الابتداء بها؟ أنها في تقدير "شر عظيم".
عظيم أو كبير، أي صير، وجعل الكلب ينبح. فقال هي نفس الفكرة، أنه شر صوغ الابتداء بقوة قولك: شيء عظيم، وهنا ما صوغ الابتداء بها في قوة قولك شيء عظيم أيضًا.
فهمنا التقسيم؟ هذا طبعًا كل هذا بناء على أنها نكرة تامة. ما هو القول الآخر؟ المذهب الأول قال إنها نكرة تامة لا غير، أما المذهب الثاني فقال إنها تحتمل ثلاثة أوجه. المذهب الثاني يقول إنها محتملة، فالمذهب الأول على الجزم اختار أنها نكرة تامة قولًا واحدًا، أما المذهب الثاني فهو على التردد، يقول والله محتملة لكذا ولكذا، فالمذهب الثاني على التردد أنها تحتمل ثلاثة أوجه.
أحدها أن تكون نكرة تامة كما قال سيبويه. المذهب الثاني يقول أنا لا أجزم، بل محتملة أن تكون نكرة تامة مثل القول الأول، كما قال سيبويه. وكلمة "كما قال سيبويه" هنا تعطينا فائدة، أن الذي يرى أنها كذا هو سيبويه؛ كيف تأتي في ثنايا الكلام؟ المهم المذهب الثاني مذهب المترددين الذين يقولون إنه محتمل أن تكون نكرة تامة كما يقول سيبويه على المذهب الأول.
ويحتمل أن تكون نكرة موصوفة، وهي النكرة الناقصة التي قلت عنها فكرة ناقصة؛ طبعًا هم لا يسمونها نكرة ناقصة لكن أنا عبرت بناقصة حتى تفرق بينها وبين التامة. النكرة الناقصة هي النكرة الموصوفة، وهذه التسمية العلمية "نكرة موصوفة" لأنها بمعنى "شيء"، أي نكرة موصوفة بمعنى شيء لكنها تحتاج إلى وصف بعدها، تحتاج إلى وصل بعدها، فلا يصير بعدها نكرة موصوفة أو نكرة ناقصة لا يوجد بعدها وصف، حينها صارت تامة.
إذاً الاحتمال الثاني أن تكون نكرة موصوفة، يعني تكون بمعنى شيء لكنها تحتاج إلى صفة بعدها. برأيكم ماذا ستكون الصفة في "ما أحسن زيدًا"؟ إذا قلنا "ما أحسن زيدًا" أو "ما أجمل زيدا"، هل هذه "ما" النكرة التامة؟ لا، هذه نكرة موصوفة تحتاج إلى صفة، فأين الصفة المذكورة بعدها؟ "ما" بمعنى شيء وتحتاج إلى صفة بعدها، هل هناك صفة بعدها في الجملة؟ الذين يقولون إنها نكرة موصوفة يجعلون جملة "أحسن زيدًا" هي الصفة، ولا يعاملونها خبرًا. من قال إنها نكرة موصوفة يقول "أحسن زيدًا" أو "أجمل عمرًا" هنا الجملة في محل رفع نعت، وليست في محل رفع خبر كما إذا قلنا إنها نكرة تامة.
إذا كانت "ما" نكرة تامة لا تحتاج إلى صفة، فبالتالي الجملة بعدها خبر. أما إذا جعلناها نكرة موصوفة فمعناها تحتاج إلى نعت، وما هو النعت الذي بين أيدينا في الجملة؟ "أحسن زيدًا" و"أجمل عمرًا"، الجملة الفعلية "أحسن زيدًا" و"أجمل عمرًا" في محل رفع نعت لـ "ما" النكرة الموصوفة.
أو الاحتمال الثالث أن تكون "ما" معرفة موصولة، أي اسم موصول. الاحتمال الثالث أن تكون "ما" اسم موصول بالجملة التي بعدها. وإذا كانت اسمًا موصولًا فهي تحتاج إلى صلة، وهي الجملة الواقعة بعدها.
على هذين الوجهين أيها الأحبة، الوجه الثاني أن تكون نكرة موصوفة، أو الوجه الثالث أنها اسم موصول، لاحظوا أننا لم نصل بعد إلى الخبر، أليس كذلك؟ في جميع الأقوال "ما" مبتدأ، ولما كانت نكرة تامة فالخبر موجود، الأمر سهل. لكن لما أصبحت على القول الثاني نكرة موصوفة أو اسم موصول (الجملة التي بعدها صلة)، أصبحنا نحتاج إلى البحث عن الخبر. أين الخبر إذا كانت "ما" نكرة موصوفة أو كانت اسم موصول؟ قالوا نحتاج إلى أن نقدر الخبر، نحتاج إلى أن نقدم خبرًا محذوفًا.
يقول ابن هشام: "وعلى هذين الوجهين، الوجه الثاني والثالث، فالخبر محذوف". والمعنى حينئذ، إذا قلنا إنها نكرة موصوفة سيكون المعنى هكذا: شيء ما، نفسرها بمعنى شيء كما قلت لك دائمًا، سواء تامة أو ناقصة، "ما" بمعنى شيء، فيكون المعنى: شيء صفته "أحسن زيدًا"، فـ "أحسن زيدًا" هي الصفة لـ "شيء"، والخبر المحذوف تقديره كلمة "عظيم". فهكذا: "شيء" مبتدأ، "أحسن زيدًا" الجملة نعت لـ "شيء"، و"عظيم" هو الخبر المحذوف الذي نقدره.
أو إذا قلنا إنها اسم موصول، فما يكون التقدير؟ "الذي" التي تفسر "ما"، "الذي حسن زيدًا"، فـ "ما" موصول، ولا وجه لها من الإعراب إلا أنها "الذي حسن زيدًا"، وأيش الخبر المحذوف؟ "شيء عظيم". فأقول: أقدم كلمة "شيء عظيم"، "شيء" هي الخبر و"عظيم" النعت لهذا الخبر، فهنا يكون الخبر قد حُذف مع نعته. قال: "وهذا قول الأخفش".
الذي يظهر لي -وهذا قول الأخفش- أن القول الثاني والثالث (أن تكون نكرة موصوفة أو اسم موصول) هو رأي الأخفش، بينما الرأي الأول أن تكون نكرة تامة هو القوي.
الآن انتهينا من تحليل "ما". خلاصة الكلام فيها أن "ما" دائمًا مبتدأ، لا نقاش في ذلك، وهي مبنية على السكون في محل رفع مبتدأ، وهناك مذهبان في فهمها: المذهب الأول مذهب سيبويه يجزم أنها نكرة تامة، بالتالي الجملة الواقعة بعدها خبر؛ "ما أحسن زيدًا" ما: مبتدأ، و"أحسن زيدًا" الجملة في محل رفع خبر. والطريقة الثانية طريقة الاحتمال والتردد، تقول تحتمل "ما" ثلاثة أوجه: إما أن تكون نكرة تامة على طريقة سيبويه، وإما أن تكون نكرة موصوفة أو اسم موصول، وإذا كانت نكرة موصوفة أو اسم موصول هنا أصبحنا نحتاج إلى أن نقدر خبرًا محذوفًا؛ فإذا كانت نكرة موصوفة فالجملة الواقعة بعدها "أحسن زيدًا" هي صفاتها، وإذا كانت اسم موصول فالجملة الواقعة بعدها صلة الموصول، ثم نحتاج إلى تقدير خبر. هكذا حللنا "ما" تمامًا.
ننتقل الآن إلى المقطع الثاني في الجملة: "ما أجمل زيدًا أجمل أفعاله". "أجمل أفعاله" هذه، أصلها إيش؟ نذهب مع ابن هشام في هذه الرحلة، قال: "وأما أفعل فزعم الكوفيون أنها اسم". الكوفيون يرون أن "أفعل" هنا اسم يشبه أفعال التفضيل. كيف يكون أفعل التفضيل اسمًا؟ تقول: "محمد أجمل من زيد"، "محمد أبهى من سعد". قالوا "أفعل" هنا على غرار أفعل التفضيل، مثلها مثل أفعال التفضيل، هي ليست أفعل التفضيل ولكن نقول مثل أفعال التفضيل، أي على وزنها.
واسم مثلها أيضًا. قال: قلنا لهم ما الدليل أيها الكوفيون على أنها اسم؟ قالوا: بدليل أنه يصغر، فتقول: ما أحسنَ سيناكو ما أحيسنه، تقول: ما أحسنَ زيدًا ما أجملَ زيدًا. والتصغير يدخل على الأسماء وليس على الأفعال. الآن في التعجب يقولون يجوز -كما سمع عن العرب- ما أحيسن زيدًا، «أحسن» تصغر، فبما أنها قبلت التصغير معناها اسم، دليل منطقي بالكوفية على هذه القضية. قال: وتقول ما أميلحه أيضًا، هذا تصغير.
الآن المذهب الثاني، قال: وزعم البصريون -لا قالوا- «أفعل» هذه ليست اسمًا، قالوا: فعل ماضٍ مثل «أسعد»، هذه ما هي؟ «أفعل» فعل ماضٍ مبدوء بهمزة، مش الثلاثي إذا زدناه بحرف، «أفعل» أو على صيغة «أفعل» وهذا أخذناه في علم الصرف؛ الثلاثي المزيد بحرف مثل «أكثر»، «أكرم»، الآن الفعل الثلاثي زدت عليه همزة فأصبح «أكرم»، و«أفعل» نفس القضية، قالوا: «دنيا» فعل ماضٍ على وزن «أفعل».
قال هشام: ما هو الصحيح إذاً؟ مذهب البصريين، أنها فعل ماضٍ، وهذا هو الصحيح الذي نسير به في العراق بإذن الله، أنها فعل ماضٍ. لماذا؟ قال: لأنه مبني على الفتح، هذا أول شبه بينها وبين الأفعال الماضية؛ الأفعال الماضية مبنية على الفتح، و«أفعل» ما أجمل زيدًا وما أحسن زيدًا مبنية أيضًا على الفتح. قال: ولو كان اسمًا لارتفع على أنه خبر، منطقي.
الآن يقول ابن هشام: لو كانت «أفعل» اسمًا كما يزعم الكوفيون لكان مرفوعًا على أنه خبر. الآن يقولوا إنهم اعتمدوا أنه «ما» نكرة تامة على رأي سيبويه، وين الخبر؟ إذا قلنا «ما» نكرة تامة فإن الخبر الجملة الفعلية كلها. على رأي الكوفيين أنه إذا كانت «أفعل» هي الاسم، إذًا ما في حاجة أني أقول الخبر للجملة الفعلية، خلص إذا كانت «أفعل» هي اسم الخبر هو «أفعل». كيف لو قلت: محمد أفضل الطموح، زيدًا محمد مبتدأ وأفضل خبر ومن زيد جار ومجرور. كذلك لو قلت إنه «أفعل» اسم أيها الكوفيون، خلص ما أجمل زيدًا؛ الأصل تكون مرفوعة: ما أجملُ زيدًا، «ما» مبتدأ و«أجمل» هي الخبر، هذا هو الخبر وانتهى الأمر، لكنها جاءت مفتوحة «ما أجملَ»، فهذا رد ابن هشام على الكوفيين يقول: لو كانت أسماء كما تزعمون لارتفع «ما أجملَ» لكيل، لقيل هكذا لارتفع على أنه الخبر، فهذا يدعم مذهب البصريين، لأنها ما جاءت مرفوعة، جاءت مفتوحة «ما أجمله»، فهذه كلها على أنها فعل وليست اسمًا، فعل ماضٍ.
قال: ولأن الدليل الثاني لابن هشام وأيد به مذهب البصريين، قال: والدليل على أنها فعل ماضٍ أيضًا أنه يلزمه مع ياء المتكلم نون الوقاية. من القواعد ربما أشرنا سريعة في الدورة أنه الأفعال أيها الأحبة لما توصلون حينما نصل بها -أي فعل- لما نصل به ياء المتكلم فإننا نضع بين الفعل وبين ياء المتكلم نونًا تسمى نون الوقاية. هذه ما فائدتها؟ قال: تقي الفعل من الكسر؛ لأنه ياء المتكلم تطلب كسرة قبلها تناسبها.
الآن أدخلوا ياء المتكلم على الأسماء؛ جاء غلامي، دائمًا مش كنا نقول حركة مقدرة مانعة من ظهورها اشتغال المحل بحركة مناسبة ياء المتكلم، ياء المتكلم تطلب كسرة قبلها. طيب، الفعل لا يكسر إذا أدخلت ياء المتكلم على الفعل، قال العرب: بدنا نجد حلاً، كيف ندخل ياء المتكلم على الفعل من دون أن يكسر الفعل؟ فكان الحل المقترح أن نضيف نونًا تسمى نون الوقاية، لماذا سميت نون وقاية؟ لأنها تقي الفعل الكسر.
ابن هشام يستدل على أنه «أفعل» هنا فعل وليست اسمًا، يقول: لو كانت «أفعل» هنا اسمًا لقبلت ياء المتكلم من دون الحاجة إلى نون الوقاية، لأن الأسماء تقبل ياء المتكلم من دون الحاجة إلى نون وقاية، الأسماء تكتسب ما عندها مشكلة. لكن لما كانت «أفعل» التعجب هذه لا يدخل عليها ياء المتكلم إلا مع نون الوقاية، فهذا دليل على أنها فعل وليست اسمًا. قال: ولأنه يلزمه مع ياء المتكلم نون الوقاية، يقال: «ما أفقرني إلى عفو الله»، تعجب، ما أفقرني إلى عفو الله؟ سنتعجب من حاله ويتعجب من شدة فاقته وحاجته إلى ربه، فعلاً والإنسان دائمًا يحتاجه إلى الله عز وجل في كل لحظة وفي كل حين، مفتقر إلى الله سبحانه وتعالى في تقلباته وأحواله وسكناته، فيقول: «ما أفقرني»، فوجود نون الوقاية دليل على أنه «أفقر» فعلي، لو كان اسمًا لما احتجنا إلى الوقاية، كان مثل «غلامي».
الآن ابن هشام أجاب لنا عن شبهة الكوفيين، الكوفيون عندهم شبهة منطقية أنه اسم لأنها تصغر، فقال ابن هشام: وأما التصغير فشاذ، يعني على خلاف الأصل شذوذ، وكل ما في القاعدة لنا شواهد، قالوا: أما التصغير فشاذ ووجهه -يعني لماذا؟- جاء الذي أذن بهذا الشذوذ وسهله، قالوا: رجح أنه أشبه الأسماء عمومًا. وبقوله إنه «أفعل» أنا أقول إن الذي سمح بهذا الشذوذ هو أن فيها نوع شبه من الأسماء، أنا أقر بهذا، يعني ابن هشام يقول للكوفيين أنا أقر أنه فيها نوع شبه من الأسماء، لكنها ليست اسمًا، وهذا النوع من الشبه بينها وبين الأسماء هو الذي سوّغ أن تصغر شذوذًا.
طيب، ما هو وجه الشبه؟ يفسر لنا إياه ابن هشام، قال: ووجهه أشبه الأسماء عمومًا، وسينتقل إلى شبهها بـ «أفعل» التفضيل خصوصًا، قال: ووجهه أنه أشبه عمومًا، يعني يشبه جميع الأسماء عمومًا في ماذا؟ قال: بجموده وأنه لا مصدر له. قال يشبه الأسماء من حيث إنه فعل جامد، والأصل في الأفعال أنها متصرفة، والأسماء هي التي يكون أو يظهر فيها الجمود، الأسماء هي الأغلب فيها الجمود، وأما الأفعال فوجود الجمود فيها هذا على خلاف الأصل والقاعدة.
فقال إذًا هو أشبه الأسماء من حيث إنه جامد، وهذه فائدة الآن أن «أفعل» التعجب «ما أجمل» هذا الفعل الذي يصاغ للتعجب فعل جامد، ما يصير تأتي منه بصيغة مضارع، ولا يجوز أن تأتي منه بصيغة أمر ولا اسم فاعل ولا شيء، يجب دائمًا على مذهب البصريين الذين يقولون إنها فعل أن تكون دائمًا بصيغة الماضي، ما يصير تأتي تقول: ما أجملُ زيدًا؟ ما يجملُ زيدًا؟ لا، ما يصير، يجب أن يكون أيضًا بصيغة الماضي، لذلك يقولون هو فعل جامد، البصريون وابن هشام معهم يقولون «أفعل» هي فعل ماضٍ جامد، لا يجوز أن يأتي في صيغة.
لا بالمضارع ولا بالأرض ولا نوع غيره من المشتقات. وهذا يجعلها شبيهة بماذا؟ بالأسماء؛ إن الأسماء هي التي يغلب فيها الجمود وليست أفعل. قال: «وإنه لا مصدر له»، وكرر: «وإنه لا مصدر له». هذه قاعدة عامة، فبشكل عام يقولون الأفعال الجامدة لا مصدر لها.
مثل الفعل «ليس»، هل له مصدر؟ «ليس» فعل ماضٍ جامد، أخذناه مع أخوات كان، وليس له مصدر. وكذلك الفعل «عسى»، يقولون أيضًا ليس له مصدر. تقول يا شيخ: ما أجمل الفعل، جملة ليس لها مصدر؟ «ما أحسن حسنة ليس لها»، لا تفهم الأمور هكذا؛ حينما تصوغ هذه الأفعال على صيغة «أفعل» للتعجب، حينما تصبح صيغة تعجب نقول إن «أفعل» لا مصدر له، وليس أصل الفعل وجذره قبل أن يصاغ على «أفعل». انتبهوا على هذه القضية؛ حينما يقول إنه لا مصدر له، لا يقصد أنه في جذره قبل أن يصاغ على «أفعل» لا مصدر له، لأنه من جوهره جملة لها مصدر، أنت بوجوه أفعال التعجب أن تكون فعلاً ثلاثياً بشروطه ومنه فعل تعجب. كيف لا مصدر لها؟ هكذا يستفهم الطالب.
هو يريد أن يقول: بعد أن يصاغ على «أفعل» للتعجب ويصبح فعلاً جامداً، حينئذ يصبح لا مصدر له، ولا نعتبر أن أصله «حسنة» أو «جمال». هم لا ينظرون إلى الأصل، يقولون بما أنه الآن أصبح جامداً، أصبح مثله مثل «ليس» ومثله مثل «عسى» فلا مصدر له. وقال أيضًا بكونه مشبهاً للأسماء، لا نبحث له عن مصدر؛ وجه الشبه أنه أشبه الأسماء عموماً بجموده، وأنه لا مصدر له.
قال: «ما أفعل» التفضيل خصوصاً، وهناك شبه خاص بين «أفعل» التعجب و«أفعل» التفضيل. هناك شبه خاص بين هذين الاسمين بالتحديد، وأشباه «أفعل» التفضيل خصوصاً، لا يقل: أشبه الأسماء عموماً، بل أشبه «أفعل» التفضيل بالتحديد. وبالتخصيص في ماذا؟ قال: بكونه على وزنه، أي على نفس الوزن «أفعل» و«أفعل». وقال: وبدلالته على الزيادة.
«أفعل» التعجب تدل على زيادة موصوفها، لكن «أفعل» التفضيل تدل على الزيادة وعلى الاشتراط؛ فـ«أفعل» التعجب تدل على الزيادة لكن لا تدل على الاشتراك. لذلك قال ابن هشام: «بأفعل التفضيل في الدلالة على الزيادة». أنا إذا قلت: «ما أحسن زيداً»، فمعناها أن زيداً في الحسن زائد عن غيره، هو الذي جعلني أتعجب؛ لأنك عندما يكون الحسن بين زيد وغيره متساوياً، هل تتعجب؟ ما الذي يقودك للاندهاش؟ عندما يكون هناك شيء زائد عن غيره.
لكن صيغة الفرق هي أن «أفعل» التفضيل تدل على المشاركة والزيادة، بينما صيغة «أفعل» التعجب تدل على الزيادة والتفوق لكن لا تدل على قضية المشاركة التي تدل عليها أفعال التفضيل. «ما أحسن زيداً»، «ما أجمل السماء»، تدل على تفوق في هذا الشيء وزيادة، لكن هل هي تدل على المشاركة كما تدل أفعال التفضيل؟ لا. فالاشتراك بينهما في الدلالة على الزيادة، لذلك قال: «أشبه أفعال التفضيل خصوصاً بكونه على وزنه، أفعل وأفعل، وبدلالته على الزيادة». والشبه الثالث: «وبكونهما لا يبنيان إلا استكملوا شروطاً يأتي ذكرها».
وهذا قلت لكم سابقاً عندما درسنا أفعال التفضيل، إن الشروط التي يصاغ منها «أفعل» التفضيل هي نفس الشروط التي يصاغ منها «أفعل» التعجب، وستأتي في نهاية البحث معنا بإذن الله. فإذن ابن هشام، هذا كله يسمى التعليل النحوي. لاحظوا كيف استصعب الطالب هذا المبحث قليلاً، لكنه يعطيك فكرة أن هذا الكتاب فيه مؤشرات لعملية التعليل النحوي، وعندما تبدأ تنظر في عمق علم النحو وتذهب إلى الكتب الأصيلة ستجد كثيراً من هذه التعاليل النحوية؛ لماذا تصغر؟ ابن هشام أعطى تعليلاً، قال إنه أشبه الأسماء عموماً وأشباه أفعال التفضيل وخصوصاً، ولماذا؟ لا مصدر له. هذا كله من التعليل النحوي، حتى لو استصعبته قليلاً، فهو إشارة ومؤشر إن شاء الله مستقبلاً قد تتضح لك الأمور أكثر وأكثر.
انتهى الكلام هنا، انتهت مقارنة ابن هشام بين مذهب الكوفيين ورجح مذهب البصريين أنه «أفعل» فعل ماضٍ، وهذا الذي سنعتمده. إذا قلنا «أفعل» فعل ماضٍ، فإنه يحتاج إلى فاعل، فأين الفاعل في «ما أحسن زيداً»؟ الفاعل دائماً مستتر وجوباً في صيغة التعجب، تقديره «هو». الفاعل مستتر وجوباً، وأظن أن هذا ذكرناه من مواضع استتار الفاعل وجوباً عندما عددنا في باب الفاعل متى يكون الفاعل ضميراً مستتراً وجوباً؛ عددت لكم ثمانية مواضع على السبورة، وأظن أن هذا الموضع هو «أفعل» التعجب.
فقال: «وفي أحسن»، يعني لو قلنا «ما أحسن زيداً» و«ما أجمل»، بعدها هناك ضمير مستتر بالاتفاق مرفوع على الفاعلية، وهو تعبير اتفاق بين الكوفيين وبين البصريين. وحتى على رأي الكوفيين في الضمير، فبما أن «أفعل» مثل «أفعل» التفضيل، ونحن قلنا إن الأسماء المشتقة يوجد بعدها ضمائر مستترة. الأسماء المشتقة، عندما قلنا مثلاً: «محمد أفضل من زيد»، قلت لكم في ذاك الموضع إن «أفعل» التفضيل لا ترفع فاعلاً ظاهراً إلا في مسألة «كُلّ»، وترفع إذا كان ضميراً مستتراً. فدائماً «أفعل» التفضيل، إذا لم تكن من مسألة «كل»، فلا فاعل ظاهر لها، بل مباشرة هناك ضمير مستتر بعدها؛ لأن المشتقات مثل الأفعال تحتاج إلى فاعل، فإذا لم يكن الفاعل ظاهراً يكون ضميراً مستتراً.
فـ«محمد أجمل أو أبهج من زيد»، «أجمل» فعل تفضيل، بعدها ضمير مستتر، وهو فاعل، ليس لدينا مشكلة أن أفعال التفضيل مشتقة والمشتقات تحتاج بعدها إلى فاعل. وحتى على رأي الكوفيين، لو قالوا إن «أفعل» اسم، فهي على غرار أفعال التفضيل، فيكون بعدها ضمير مستتر فاعل لأنها مشتقة. لكن الكوفيين ربما يكون أسهل لهم أن يقولوا: «أفعل» هذا فعل ماضٍ، وهناك فاعل مستتر وجوباً. وهذا يعود على ماذا؟ لا يعود على الفعل، فـ«ما أجمل زيداً»، إذا قلنا إن «ما» مبتدأ والجملة الفعلية خبر، فالمبتدأ يحتاج إلى رابط يربطه بالخبر، والرابط هو الضمير المستتر. فـ«ما» مبتدأ، و«أجمل» فعل ماضٍ مبني على الفتح، والفاعل ضمير مستتر وجوباً تقديره «هو» يعود على «ما». انظر ماذا قال ابن هشام.
وفي أحسن ضمير مستتر بالاتفاق مرفوع بالفاعلية، راجع إلى ما قال، وهو الذي دلنا على اسميتها؛ أن الضمير لا يعود إلا على الأسماء. ابن هشام ما زال يعطينا فوائد غزيرة، يقول أعطيك فائدة هنا: هذا الضمير المستتر أنتم قلتم يعود على "ما" صح؟ قال هذا دليل على أنه "ما" هنا اسم قطعاً، بغض النظر وصفتوها نكرة تامة أو نكرة موصوفة أو اسم موصول، المهم أنها اسم. وأنه "ما" التي في بداية الصيغة مستحيل تكون حرفاً.
ما الدليل على أنه مستحيل تكون حرفاً؟ والله زائد أو حرف نفي أو حرف من الحروف المصدرية؟ أنه تكون أي حرف من الحروف لها اسم قطعاً. قال لأن الضمير الذي بعد الفعل يعود عليها، والضمير لا يعود إلا على الأسماء، فهذا على أن "ما" اسم وليست حرفاً. هذا كله نقاش من ابن هشام.
زيد الآن بقي الكلمة الأخيرة بهذه الصيغة: ما أجمل! مفعول به منصوب على القول بأن "أفعل" فعل ماضٍ. طب إذا قلنا "أفعل" مش فعل ماضٍ على طريقة الكوفيين الذين قالوا "أفعل" مثلها مثل أفعال التفضيل اسم؛ إذا الكوفيون ما عندهم مبتدأ، انتهينا، "أفعل" عندهم الأصل تكون هي الخبر، هناك ضمير مستتر "أفعل" التي هي اسم، وزيد عندهم إيش يعربونها؟ مشبه بالمفعول به، مشبه بالمفعول به؛ لأن "أفعل" لا تنصب مفعولاً به، لذلك قال: «ومشبه بالمفعول به» عن القول بأنه اسم على طريقة الكوفيين، أن "أفعل" لا تنصب مفعولاً به.
لذلك حينما تكلمنا في أفعال التفضيل قلنا، عودوا إلى أفعال التفضيل أيها الأحبة سريعاً، نقرأ عبارة ابن هشام في "أفعل" بالتحديد. قال ابن هشام: «واجمعوا على أن أفعل التفضيل لا ينصب المفعول به مطلقاً». انظروا هذه العبارة: «واجمعوا على أنه لا ينصب المفعول به مطلقاً».
أو "أفعل" التعجب عند الكوفيين هي اسم تشبه أفعال التفضيل، على وزنها وصورتها ونفس شروط الاشتقاق، فهي مثلها لا تنصب مفعولاً به. طب هذه إذاً إيش بيكون نصبها عند الكوفيين؟ قالوا: مشبه بالمفعول به. وهذا إعراب "مشبه بالمفعول به" مر معنا في مكان، بتذكروا وين؟ في الصفة المشبهة، مر معنا، أعود إلى الصفة المشبهة قبل أفعال التفضيل مباشرة. قال: «فإن كان نكرة فنصبه على وجهين: أن يكون على التمييز، الثاني أن يكون منصوباً على التشبيه بالمفعول به»، لأنه قلنا الصفة المشبهة تؤخذ من فعل لازم، ولا تؤخذ من فعل متعدٍ أصلاً، الصفة المشبهة تصاغ من أفعال لازمة، والأفعال اللازمة هل لها مفعول به؟ ما لها. فلما يأتي بعدها معمولها منصوباً، مثل: «محمد حسن وجهه»، ما يصير نخليها مفعولاً به حقيقياً للصفة المشبهة، لأن الصفة المشبهة من فعل لازم لا ينصب مفعولاً به، فقالوا نعربها مشبه بالمفعول به.
فأريدكم دائماً أن تجمعوا بين المسائل؛ أن هذا الإعراب «التشبيه بالمفعول به» في الصفة المشبهة، وهذا موضع آخر تأخذون به هذا الإعراب: الكلمة تعرب مشبه بالمفعول به، أي في التعجب على طريقة الكوفيين إذا جعلنا "أفعل" اسماً، هذا مذهبهم على طريقة الكوفيين في جعل "أفعل" اسماً. لكن طب يا شيخ أنا الآن ضعت، بدي أختار مذهباً من المذاهب؟ قولوا خلاص اختار طريقة البصريين. خلص، تكلمنا عن هذه الصيغة كاملة على طريقة البصريين: "ما" اسم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ، "أفعل" فعل ماضٍ جامد مبني على الفتح، والفاعل ضمير مستتر وجوباً تقديره هو، وزيد أو عمرو أو بكر إيش تكون يا بابا؟ مفعول به منصوب. وأما طريقة الكوفيين فلها وجه آخر.
انتهينا من الصيغة الأولى، نذهب الآن إلى الصيغة الثانية، صيغة "أفعل به". قال ابن هشام: «وأما الصيغة الثانية وهي صيغة أفعل به»، من يأتي بمثال عليها من القرآن الكريم؟ بسم الله، ﴿أَبْصِرْ بِهِمْ وَأَسْمِعْ يَوْمَ يُنَادَوْنَ * إِنَّ الظَّالِمِينَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾.
فأما الصيغة الثانية فـ "أفعل" فعل باتفاق، الحمد لله مريح هذا، "أفعل به" الكل متفق على أن "أفعل" فعل باتفاق. لكن بس نوعه غريب هذا الفعل؛ يقولون "أفعل" أيها الأحبة فعل صورته صورة الأمر، ومعناه الفعل الماضي، فهو يعني جايب منزلتين؛ من حيث اللفظ والصورة صورة فعل أمر، لكن من حيث المعنى والمدلول فعل ماضٍ. طب يا شيخ بدنا نعرب باعتبار الصورة ولا باعتبار المعنى؟ هذا محل خلاف حقيقة بين النحاة، ولكن الأسهل والظاهر أنه يعتمد في هذه الحالة فيُعرب بصورة أو بطريقة إعراب فعل الأمر.
قال ابن هشام: «وأما الصيغة الثانية فأفعل فعل باتفاق، لفظه لفظ الأمر ومعناه التعجب». تكتب: لفظه لفظ الأمر وهو من حيث المعنى فعل ماضٍ. وقد ذكر الشيخ محمد محيي الدين في "الحاشية" رقم اثنين: إذا قلت "أحسن" فإن "أحسن" من حيث المعنى فعل ماضٍ، لكن من حيث الصورة هي فعل الأمر. قال: «وأما الصيغة الثانية فأفعل فعل باتفاق»، فعل باتفاق أهل الكوفيين والبصريين، ونعتمد اللفظ في النهاية ومعناه التعجب.
وهو خالٍ من الضمير، إيش نوع "خالٍ من الضمير"؟ يعني هو لا يرفع ضميراً مستتراً، لا يرفع ضميراً مستتراً هنا، ولا وين الفاعل يا شيخ؟ إذا قلت "أفعل" فعل أمر، وفعل الأمر للواحد المفرد المذكر إيش يكون؟ أنا قلت لك اكتب، ادرس، العب، اطلب؛ فعل الأمر للواحد المذكر دائماً يكون فاعله ضميراً مستتراً وجوباً تقديره "أنت"، وهذا درسناه من مواضع أيضاً يكون فيها الضمير مستتراً وجوباً، وهي فعل الأمر للواحد المذكر. ادرس، العب؛ هل تظهر الفاعل؟ هل يمكن أن تظهر الفاعل هنا؟ تقدر تحكي ادرس زيدٌ؟ خطأ، ادرس زيدٌ يكون هذا منادى حذفت النداء منه، تقول كأن التقدير: ادرس يا زيد. أما ادرس فلا تأخذ فاعلاً ظاهراً، دائماً فعل الأمر للواحد المذكر فاعله ضمير مستتر وجوباً تقديره أنت. فلذلك نبهني بنيشان، قال: «هو خالٍ من الضمير»، لأنه الآن أنت ممكن تقول إنه "أفعل" بما أن شروط صورة الأمر معناته بده يكون...
الفاعل، ما صورتها؟ صورة "أكرمَ محمداً"، مش هذا فعل أقول لواحد مذكر؟ "أكرمْ محمداً"، أكرمَ والفاعل ضمير مستتر وتقديره "أنت"، ومحمداً مفعول به؛ لأنه فعل أمر لواحد مذكر. صح؟ فالآن افعل مثلها وعلى سياقها.
الأصل إذاً، الطالب سيتبادر إلى ذهنه أنه الفاعل ضمير مستتر، وجواب ابن هشام تدارك الأمر ابتداءً؛ قال: لا، ما فيها ضمير. طيب إذاً أين الفاعل يا ابن هشام؟ أين الفاعل؟ هذا فعل أمر لواحد مذكر.
قال: وأصل قولك الآن قبل ما يعطيك الفاعل، بده يعطيك تمهيداً حتى يوصلك للفاعل؛ قال: "أفعل" أصلها -يعني مثلاً- "أحسنَ بزيدٍ"، والآن هي صيغة "أفعلْ به"، صح؟ "أحسنْ بزيدٍ"، "أكرمْ بعمرو"، "اسمعْ بهم وأبصرْ يوم يأتوننا". تمام؟ الآن هذه الصيغة ما أصلها؟ بدي أعطيك أصولها كيف تنقلت حتى أصبحت صيغة تعجب.
قال: "أحسنْ بزيدٍ" -أخذ هذا المثال- قال: أصلها "أحسنَ زيدٌ". إذا هيك فهمنا ليش "أحسن" بمعنى الماضي، الأصل "أحسنَ زيدٌ" في الماضي. زيدٌ كان فاعلاً للفعل الماضي "أحسنَ". طيب الآن ما معنى "أحسنَ زيدٌ"؟ هنا تذكرون حينما درسنا معاني صيغة "أفعل" في نظم المقصود، لها معاني كثيرة، ومن معاني صيغة "أفعل" الصيرورة. تقول: "زيدٌ أنصارٌ"، وكما قالوا مثلاً: "أورق الشجر"، أي صار ذا ورق. "أزهر البستان" أي صار ذا زهرة. "أثرى فلان" أي صار ذا فريضة. "أطرب زيدٌ" أي صار ذا فقر؛ لأنه ترك من بعد الفقر.
وفي القرآن الكريم: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: 14-16]، هذه في سورة البلد، "مسكيناً ذا متربة" أي ذا فقر وحاجة في المتربة؛ لأنهم يقولون كان الإنسان إذا خلص جلس على الحديدة، يعني قعد على الإطار ما عنده شيء، فلذلك يكلمون بهذا عن الفقر، و"أطرب زيدٌ" من هذا المراد. و"أغد البعير" أي صار ذا غدة، والغدة قالوا هي تهاليل ومرض يظهر في عنق البعير حينما مثلاً بسبب جرب أو ما شابه ذلك؛ فإذا قال "أغد البعير" أي صار ذا غدة، يعني بدأت تظهر عليه هذه الغدد التي هي نتيجة مرض أو طاعون أو ما شابه ذلك. بمعنى صار ذا ثروة، و"ذا متربة" أي فقر مفاقة، و"ذا مدة".
قال: الآن انتهى الكلام. إذا عرفنا أن "أحسنَ" أصلها "أحسنَ زيدٌ"، و"أحسنَ زيدٌ" تفيد الصيرورة، هنا "أفعل" للصيرورة. قال: "أحسنْ بزيدٍ" قد ضُمِّن معنى التعجب، فحولت صيغته إلى صيغة التفعيل. لما ضممنا "أحسنَ زيدٌ" معنى التعجب حولناها من "أحسنَ" إلى "أفعلْ". ماذا يقولون؟ كان أصله "أحسنَ" بالماضي، لما ضممنا معنى التعجب حولناها إلى "أفعلْ" على صورة الأمر، فصارت بكسر العين "أفعلْ".
أصبح الترتيب المنطقي: أصبحت "أحسنْ زيدٌ"؛ والغريبة هذه "أحسنْ زيدٌ" ما فرض ذلك، أنه لا يأتي فاعل لفعل أمر للواحد المذكر ظاهر، فتبقى "أحسنْ زيدٌ" وأنا ما ينفع، فقال: "أحسنْ بزيدٍ". قال: فاستُقبح اللفظ بالاسم المرفوع، يعني على الفاعلية بعد صيغة فعل الأمر. الآن ليش استُقبح؟ لماذا ذكرتم لكم أنه فعل الأمر للواحد المذكر لا يأتي فاعله اسماً ظاهراً، بل حتى لا يأتي ضميراً، دائماً ضمير مستتر؟ فكيف تكون "أحسنْ زيدٌ" وزيدٌ فاعل لـ "أحسنْ"؟ فيه استقباح.
قال: حتى نصلح اللفظ، قالوا: فزيدت الباء. زيدت الباء الجارة على زيد؛ فزيدت الباء لإصلاح اللفظ فصار "أحسنْ بزيدٍ" على صيغة "أمررْ بزيدٍ". لو قلت لك "أمررْ بزيدٍ" فقل "أمررْ بزيدٍ"، بس الفرق بين هذه وهذه طبعاً واضح؛ أنه بـ "بزيد" فيه فاعل، "أمرْ أنتَ بزيدٍ"، فزيد هو المفعول به. لكن "أحسنْ بزيدٍ" لا، هون زيد هو الفاعل، فهو فقط أراد التشبيه في أصل الفكرة لكن هناك فرق واضح بين "أمرْ بزيدٍ" و"أحسنْ بزيدٍ".
"أمرْ بزيدٍ": أمرْ بفعل ما، والفاعل مستتر وتقديره "أنت"، والباء حرف جر أصلي، وزيد اسم مجرور. لكن "أحسنْ بزيدٍ" إعرابها الآن بعد إدخال الباء الجارة الزائدة: "أحسنْ" نقول فعل أمر مبني على السكون، عادي يعرب مثل أي فعل أمر. الباء هكذا حرف جر زائد، وزيد فاعل، فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة المقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. جيد؟ إذاً الفاعل مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدرة منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد.
إذاً الفرق بين "أحسنْ بزيدٍ" و"أمرْ بزيدٍ": "بزيد" مجرور والفاعل ضمير مستتر، لكن "أحسنْ بزيدٍ" لا، هذا زيد هو الفاعل، لكنه جُرَّ بحرف جر زائد مزيد من أجل إصلاح اللفظ. ابن هشام قال: فهذه الباء الزائدة في "أحسنْ بزيدٍ" تشبه الباء الزائدة في قولك: "كفى بالله شهيداً". هذا أسلوب يهمني أنكم تفهموه؛ جملة "كفى بالله شهيداً"، "كفى بالله وكيلاً"، "كفى بالله حسيباً"، هذه كثيرة متكررة في القرآن بكثرة، فمهم أن الطالب يعرف إعرابها. "كفى بالله شهيداً"، الباء فيها مثل "أحسنْ بزيدٍ" وتشبه الباء في "بالله"، أن هذا الأسلوب "كفى" فعل ماضٍ أيضاً، و"بالله" هذه باء زائدة، ولفظ الجلالة هو الفاعل المرفوع، و"شهيداً" هنا حال.
لكن هناك فرق سيذكره بين "كفى بالله" وبين "أفعلْ به"، قال: "أقسمْ بزيدٍ"، "أعظمْ بزيدٍ"، قال: فهذه الباء تشبه الباء في "كفى بالله شهيداً" في أنها زيدت في الفاعل، إذاً "كفى" ما يكون فاعلها مجروراً بباء زائدة، وفي القرآن هكذا تأتي. قال: ولكنها تخالفها من جهة أنها لازمة وتلك جائزة الحذف. أي شيء الذي فيه جائز الحذف؟ الباء التي في فاعل "كفى"، فاعل "كفى" كثيراً ما تدخل عليه الباء، لكن يجوز حذف الباء وأن يكون الفاعل مباشرة من دون ذكر الباء قبله، تقول في غير القرآن: "كفى اللهُ شهيداً". لكن في "أفعلْ" التعجب، لا، الباء لازمة في الفاعل، لا يجوز أن تُحذف أبداً. فأعطاك أن الباء في "أحسنْ بزيدٍ" تشبه الباء في "كفى بالله"، وجه الشبه أن الباء زائدة دخلت على فاعل، لكن هناك فرق بينهما؛ أن الباء في "أحسنْ بزيدٍ" لازمة مستحيل تنحذف، لكن الباء في "كفى بالله" وما كان على شبهها جائزة الحذف. نعطيك مثالاً على جواز الحذف: "كفى الشيبُ والاسلامُ".
كفى الشيب. جاء الفاعل ظاهراً. العادة أن يقال كفى بالشيب والإسلام، لكن هنا جاء مرفوعاً من دون باء زائدة: «الشيبُ والإسلامُ للمرء ناهيا». ويريد أن يقول المعنى: اترك مواصلة الغواني، يعني النساء والتودد إليهن، إذا كنت قد عزمت أن تقطع ما بينك وبين شواغل الدنيا، ثم بين أن الإسلام والشيخوخة يردعان من لا يرتدع عن الضلالة.
«عميرة» ينادي شخصاً؟ لا، هي ليست مناداة؛ لأنه لو كانت «عميرة» منادى أو مفعولاً به مقدماً للفعل «ودع» لكان هذا هو الصحيح. هو يخاطب شخصين يقول: لو ودع هذه الفتاة اسمها عميرة، ويقول «ودع هذه الفتاة»، قدم اسم الفتاة؛ يعني «ودع عميرة». أقول لك كلمة «إياك نعبد» في سورة الفاتحة، هنا قدم المفعول به. «عميرة» لو كانت منادى كانت منصوبة، لكن هذه ليست منادى، بل هي مفعول به مقدم للفعل «ودع»، فالمعنى: «ودع عميرة». ثم قال: «إن تجهزت»، ثم قال: «كفى»، خلص؛ «كفى الشيبُ والإسلامُ للمرء ناهيا عن هذا التصابي».
هكذا نكون انتهينا أيها الأحبة من الصيغة الثانية. «أفعل بزيْد أحسن»، «اسمع بهم وأبصر». لو قلت لك «اسمع بهم»، ماذا تعرفها؟ «اسمع» اسم فعل أمر، مثل هذا، وفعل الأمر مبني على السكون، و«بهم» الباء حرف جر زائد، و«هم» فاعل مجرور بحرف الجر الزائد، في محل رفع فاعل. ليس عندي مشكلة في هذا الإعراب.
«اسمع بهم وأبصر»، أين فاعلها؟ هذه مما ذكر معنا في أربع سور، ذكر ابن هشام فيها أنه يجوز حذف الفاعل فيها اضطراداً. قال بعد صيغة «أفعل به» التعجب: إذا سبقت بصيغة «أفعل به» التعجب، فذكر أربع مواطن في اللغة العربية ينطبق فيها الحذف. قال: بعد صيغة «أفعل به» يجوز حذف الفاعل إذا كانت مسبوقة بصيغة «أفعل به» سابقاً، والفاعل مشترك. إذن «اسمع» الأصل يقول: «وأبصر بهم»، صح؟ لكن لما كان الفاعل مشتركاً وتقدمت صيغة «أفعل به» سابقة، اكتفى عن ذكر الفاعل الثاني بذكر الفاعل الأول. وهذه من مواطن الأربع التي ذكر فيها ابن هشام أن الحذف ينطبق فيها.
الآن بعد أن أنهى الكلام عن الصيغتين، قال: «ولا يبنى فعل التعجب»، وأعطاك فائدة زيادة، ولا اسم التفضيل أيضاً؛ لأنه سبق أنه أثقال اسم التفضيل وفعل التعجب يثنيان من نفس الأفعال. لذلك فعل التعجب، ما الفرق؟ أنه عند الان نحن على مذهب المصريين، فعندنا التعجب فعلي على الصورتين. أما عند الكوفيين، هل التعجب فعلاً على الصورتين؟ لا، على أي صيغة عندهم التعجب فعل؟ هذه الصيغة الثانية «أفعل به»، أما على الصيغة الأولى فتعجب عندهم اسم، صيغة «أفعل». فنحن الآن نسير على مذهب المصريين أنه على كلا الصيغتين، فعل التعجب هنا على كلا الصيغتين، لذلك قالوا: «ولا يبنى فعل التعجب»، وأما اسم التفضيل فهو قبيل الأسماء، ما عندنا مشكلة.
قال: «ولا ينافي للتعجب واسم التفضيل إلا مما استكمل خمسة شروط». نحن نريد أن نتعلم هذه الشروط سريعاً. أولاً: أن يكون فعلاً. فالتعجب واسم التفضيل كلاهما يجب أن يؤخذا من أفعال، لا يؤخذان من أسماء ولا من حروف. فقال: «أن يكون فعلاً»، ولهذا من بناه من «الجلف» و«الحمار» نحن الآن الفواكه، لماذا نقول فلان ماء أحمر؟ كثير من الناس هذا خطأ؛ لأن «أحمر» ما أصله؟ هل هو فعل؟ هل هناك فعل يؤخذ منه؟ لا، أنتم أخذتموه من الحمار، اسم جنس. الناس العوام من اسم الجنس «حمار» ما شاء الله يسوقون صياغات يقولون «ماء أحمر»، ونحن عندنا أشياء ثانية مثل «أكيس» و«أحضر»، فتقول «تعالى أحمر» وأخذت من الحمار، والحمار ليس فعلاً، هذا اسم جنس. و«أكيس» من «التيس»، والتيس ليس فعلاً، هذا اسم، وهذا خطأ.
وكذلك اسم التفضيل غالباً يؤخذ من الأفعال، وكذلك من الجنس، نقول «ما أجلفه!»، «ما أجلف فلان»، هذا أيضاً خطأ لأنه أخذها من «الجلف»، وهذا ليس فعلاً وإنما هو اسم. قال: «وشذ سمع عن العرب ما أرسه»، وهو «الأص» من شرار شذاذ، هذا قالوا حرامي محترف عند العرب، فإذا أرادوا أن يقولوا فلان ما شاء الله عليه في السرقة والحربنة يقولون: «والله هو الأص من شذاذ». «الأص» هنا اسم تفضيل، و«ما أرسه» صيغة تعجب، فما أوصله هذا التعجب؟ «الأص» نافع للتعجب بينما هو «الأص من شذاذ»، فصياغة التعجب منها «ما أرسه» هي شاذة لا يقاس عليها؛ لأنها مأخوذة من «النصية»، ولا يوجد فعل اسمه «لصه» حتى أصوغ منه «أفعل تعجب» أو باسم تفضيل، وهذه ليست فعلاً. فصياغة التعجب منها «ما أرسه من فلان» هذا شاذ، لا يقاس عليه.
إذن الشرط الأول لصياغة أفعل التعجب أن تؤخذ من أفعال، ولا نأخذ من أسماء الأجناس. الثاني قال: «أن يكون الفعل ثلاثياً». صيغة التعجب تؤخذ من الأفعال الثلاثية فقط، لا تؤخذ من الرباعي ولا من الخماسي ولا من السداسي. قال: «فلا يصاغان من...»، مثل «دحرج» رباعي، ولا «انطلق» خماسي، ولا «استخرج» سداسي. وعن أبي الحسن جواز بنائه من الثلاثي المزيد فيه بشرط حذف زوائده. يعني أبو الحسن يقول: إذا كان عندك فعل ثلاثي مزيد بحرف فأصبح رباعياً، أو مزيد بحرفين فأصبح خماسياً، أو مزيد بحرفين فأصبح سداسياً، يصير فيه شيء، مثلاً هذا الفعل «استخرجه» تصوغ منه تعجباً، لكن ماذا تفعل؟ قال: «بشيل الزوائد أول شيء وبترجع لي إياه ثلاثة». فنحن نقول لا، أن تأتي بسداسي وترجعه لثلاثي وتصيغ التعجب هنا فعلياً، التعجب أنا آخذه من الثلاثي، لا أقول والله صيغة «ما»، مثلاً «خرج» أقول «ما أخرجه»، «أخرجه» هذه مأخوذة من «خرج»، لا أقول إنها مأخوذة من الفعل «استخرج».
استخرج بعد حذف السوائد: لا نقبل ذلك. خلص نقول هي بالفعل خرج، ما في داعي نقول إنها مأخوذة من الفعل استخرج بعد حذف الزوائد إلى الثلاثي، فهذا الكلام لا حاجة له. وعن جواز بنائه من أفعال صفة، واستثنى صيغة واحدة من الرباعي، جوز أن نأخذ فعل التعجب منها؛ قال: الفعل الرباعي "أفعل"، مثل أكرم وأحسن وأعطى، هذه التي قال: الفعل الثلاثي إذا زدنا عليه حرفاً فصار على وزن أفعل، فيجوز أن تؤخذ منه أيضاً صيغة التعجب واسم التفضيل. استثنى هذه الصيغة الوحيدة فقط من فوق الثلاثي.
وأبو الحسن عنده منهج عام، كما قلت لك، أنه يقول لك: الثلاثي المزيد بحرف أو حرفين أو ثلاثة الزوائد، فإذا جاء شيء في الزوائد خلص أصوغه من الفعل الثلاثي مباشرة من دون الذهاب إلى الأفعال الخماسية أو السداسية. إذاً هذا هو الصحيح الذي نسير عليه، أنه أفعال التعجب تصاغ من الأفعال الثلاثية فقط.
الثالث: أن يكون الفعل الذي سأصوغ منه التعجب مما يقبل التفاوت، صح؟ لأننا قلنا ما المشترك بين التعجب وأفعل التفضيل؟ أنه يدل على زيادة، أن هذا الشيء الذي تتعجب منه أو الشيء الذي تفضله فيه زيادة عن غيره. فلما قلنا: «ما أجمل زيداً»، أنا ما أتعجب منه إلا لما يكون في شيء زيادة عن أقرانه، وكذلك في التفضيل: «محمد أجمل من زيد»، بده يكون هناك زيادة. فإذا كان الفعل بنفسه لا يقبل التفاوت، مثل الموت، تقول: «ما أموته»، ما ينفعش، ما فيش واحد ميت زيادة عن غيره، الموت حقيقة واحدة يشترك فيها الجميع. فإذا كان الفعل نفسه لا يقبل التفاضل والتزايد، لا يُتعجب منه ولا يُفضل. أن يكون مما يقبل التفاوت؛ فلا يبنيان من نحو: مات وفني، لأن حقيقتهما واحدة لا تقبل التفاوت. وإنما يتعجب مما زاد، لاحظ هذه الكلمة: «ومما زاد». يعني أنا أتعجب من شخص فاق غيره، فهذا التفاوت وهذه الزيادة له على غيره، وهذا التفوق يقتضي أن الفعل فيه نوع من التفاوت أو يقبل التفاوت.
الشرط الرابع: لا يكون مبنياً للمفعول. الفعل الثلاثي لازم يكون فعلاً ثلاثياً ويقبل التفاوت، ولا يجوز أن يكون مبنياً للمفعول. فما يصير أقول مثلاً: «ضرب زيد زيتون»، والله بدي أصوغ منها تعجب، أقول: «ما أضرب زيداً». لماذا لا يجوز هذا؟ قالوا لأنه سيشتبه علينا، «ما أضرب زيداً» سيشتبه عليه: زيد فاعل ولا مفعول به؟ لأن «ما ظلم» مثلاً حينما نقول: «ضُرب زيد»، زيد إعرابها نائب فاعل، وأصلها قبل ما تكون نائب فاعل مفعول به، مش هيك أصلها؟ فإذاً الحقيقة هو الذي وقع عليه فعل الفاعل وليس هو الذي فعل الضرب.
الآن أحياناً قد يكون الرسم والحركة، لو قلنا: «ضَرَبَ زيدٌ» هذا مبني للمعلوم، و«ضُرِبَ زيدٌ» هذا مبني للمجهول. الآن زيد هنا نائب فاعل، وقبلها مفعول به، و«ضَرَبَ زيدٌ زيتوناً» هنا زيد هو الفاعل. الآن لو قلت من المبني للمجهول ونصف للتعجب إيش ستقول؟ ستقول: «ما ضُرب زيدٌ». طيب، «زيدون» هذا التعجب ستكون نفس الطريقة: «ما أضرب زيداً». بالتالي قالوا هنا فيشتبه علينا التعجب: هل هو تعجب من زيد باعتباره لو قلت: «ما أضرب زيداً»؟ لو جوزنا التعجب من المبني للمجهول، ستصبح «ما أضرب زيداً» فيها نوع استفهام، و«ما أضرب زيداً» هو يتعجب من زيد على أنه ضارب، واللي يتعجب من زيد على أنه مضروب.
لو جوزنا صياغة أفعال التعجب من المبني للمجهول، ستصبح صيغة «ما أضرب زيداً» مشتركة؛ أنه ممكن يكون يتعجب من زيد على أنه فاعل للضرب، وممكن يتعجب منه على أنه مفعول به. فبالتالي بما أنه سيحدث لبس، أغلق الباب. قال النحاة: فنقول لا نجوز صياغة أفعل التعجب بشكل عام إلا من الفعل المبني للمعلوم. فبالتالي «ما أضرب زيداً» أنا أتعجب من زيد على أنه الفاعل. إذاً إذا كان المجهول ما يصير أصوغ منه فعل التعجب، لماذا؟ لهذه الفكرة، أنا إذا صغت فعل التعجب من المبني للمجهول ستصبح صيغة «ما أضرب زيداً» مبهمة على السامع؛ هو زيد «ما أضرب زيداً»؟ هو أصل الجملة كانت «ضُرب زيد»، فهو تعجب من شدة ضربه فقال: «ما أضرب»، واللي أصل الجملة «ضَرَبَ زيدٌ زيدوناً»، هو تعجب من كثرة ما وقع عليه من الضرب فقال: «ما أضرب زيداً»، فالجملة بالنهاية مشتركة ستصبح فيها إجمال. فقالوا: الأخص لا نجوز صياغة أفعال التعجب من المبني للمجهول حتى تبقى أفعال التعجب التي تبذل المعنى بهذا المنهج.
الشرط الخامس والأخير هنا، الذي ذُكر هنا، هناك شروط أخرى سأضيفها. الشرط الخامس قال: ألا يكون اسم فاعله على وزن أفعل؛ فلا يبنيان من نحو: أعمى وأعرج وشبههما من أفعال العيوب الظاهرة، ولا من نحو: سود وحمر ونعيم من أفعال الألوان، ولا من نحو: لامع وداجع ونحوهما من أفعال الحلى التي الوصف منها على وزن أفعل؛ لأنهم قالوا من ذلك: أعمى، أعرج، أسود، أحمر، ألمع، أدعج.
الآن أيها الأحبة، طبعاً لا حتى تفهموا دائماً لماذا أنا قدمت شرح كتاب لفظ المقصود على قطر الندى؛ لأنه أيها الأحبة، يبنى على بعضه، وهناك مسائل في قطر الندى وفي الألفية لا يمكن للطالب أن يفهمها نحواً حتى يكون له إلمام ببعض قواعد علم الصرف. تذكرون عندما شرحنا في لفظ المقصود قلنا: فعل اللازم، الصفة المشبهة منه تصاغ على أي أوزان؟ قلنا فعل اللازم الصفة المشبهة منه تصاغ إما على وزن أفعل، أو على وزن فَعِل، أو على وزن فَعْلان، وفاعله اللازم مثل قاعدة كفاعل فاعل، إذا من ذي ثلاثة يكون كغرم، وهو قريب في فعلته، الغرام، وعد، قياسه فعل وأفعل وأفعال وفعلان، نحو شيء لي ونحن صبيانا ونحو الأزهري.
فالآن فعل اللازم أيها الأحبة، فعل اللازم، الصفة المشبهة منه أنها تصاغ على ثلاثة أوزان: إما فَعِل، فرح، إيش الصفة المشبهة منها؟ فهو فَرِح، فاعل لازم، فَرِح على وزن فَعِل. وإذا كانت الفاعلة أيضاً لازم يمكن أن تصاغ الصفة المشبهة على وزن أفعل، مثل عمي؛ الأفعال: عمي وأعرج وسود وحمر ونعيم ودعج، لاحظوا كلياتها فاعلة لازم، وكلها جائزة اسم الفاعل منها أو الصفة المشبهة منها على وزن أفعل، أسود.
أعمى، أعرج، أحمر الماء. ويجوز أيضًا للفعل اللازم أن يكون اسم الفاعل منه على وزن فِعْل مثل صبيان، فصبي هو صبيان.
شيخ، أنت تقول الصفة المشبهة، وابن هشام ماذا يكون هنا؟ ألا يكون اسم الفاعل يسميه اسم فاعل؟ هو في الحقيقة ابن هشام هنا سماه اسمًا، لكن في الواقع هو ليس اسم فاعل بل صفة مشبهة. فاكتبوا فوق اسم الله، يعني هو ليس خطأ لكنه كما قلت في بعض المباحث الصرفية أن نحاول، الكتاب يتجاوزون في استعمال مثلاً أحيانًا كلمة اسم فاعل لمكاسب أو مشبهة، وهذا كثير. لا أريد أن أفهمك في هذا الجواب، لكن هو نوع من التجاوز في التعبير.
وفي الحقيقة هذه الصيغ صيغة فعل، والفعل الثلاثي اللازم اسم الصفة المشبهة منه تكون على وزن فَعَل أو أَفْعَل أو فَعْلان. ولماذا يكون الفعل اللازم لا نشتق منه في العادة اسم فاعل على وزن فاعل؟ فَرِحَ، تقول فَرِحَ، لا، نحن نقول فلان مَفْرَح وفَرِح. ورجل مثلاً، هل تقول فلان عامٍ اسم الفاعل؟ تقول لا، أعمى؛ لأنه هذه الفائدة في اللازم، ذلك الفعل يأخذ صفات مشبهة لأنها كلها تدل على إحداث ثابتة.
تذكر فرقنا بين اسم الفاعل والصفة المشبهة؛ اسم الفاعل يدل على حدوث حدث، والصفة المشبهة تدل على ثبوت حدث. فإذا كان اللازم دائمًا، وطبعًا الأفعال التي تدل عليه هي أفعال أحداث ثابتة، ليس فيها عنصر الحدوث، الحدث فيها ثابت ملازم للشيء، ليس فيها عنصر التكرر؛ كـ «قام قائم» و«نام نائم»، هذه أفعال ثابتة. فمثلاً العمى صفة ثابتة، والعرج صفة مناسبة، أما «جلس» فيصير جالسًا ثم يجلس مرة أخرى، هذه تتكرر. أما مثل عمي، وأعرج، وسود، فلان أسود، أو أحمر، هذه صفات ملازمة أو لبية أو داعجة، صفات العيون والأوجه وما شابه ذلك، هذه صفات ملازمة للشيء، فكلها عبارة عن أحداث ثابتة، فكلها صفات مشبهة.
فلذلك الفعل اللازم دائمًا يؤخذ منه صفات مشبهة، ولا يؤخذ منه اسم فاعل. فلذلك عندما نقول أفعل وفاعل وفعلان، هذه كلها صفات مشبهة في الحقيقة وليست أسماء فاعل، لأنها كلها مأخوذة من الفعل اللازم، والفعل اللازم إنما نؤخذ منه صفات مشبهة ولا يؤخذ منه أسماء فاعل، هذا في الأصل ودعونا من الاستثناءات.
لذلك قال: ألا يكون اسم فاعله على وزن أفعل. اكتب عندك باختصار، هذا الشرط ما معناه أن لا يكون الفعل الثلاثي الذي سأصوغ منه التعجب هو الفعل اللازم الذي اسمه الفاعل -أو بين قوسين الصفة المشبهة به- على وزن أفعل. طبعًا هذا لماذا أيها الأحبة؟ قيل هذا بالاستقراء، يعني ما في عندي طريقة إلا استخراج كلام العرب؛ فعل اللازم الذي اسم الفاعل منه -أو الصفة المشبهة منه- على وزن أفعل بالتحديد، لا يجوز صياغة أفعل التعجب منه، أو صيغ التفضيل أيضًا.
قال: ألا يكون اسم فاعله -بين قوسين الصفة المشبهة- على وزن أفعل، وهذا في الفعل اللازم. فالعلم يعلم، نحو عَمِيَ وعَرِجَ، من أفعال العيوب الظاهرة، سماها وشبهها من أفعال العيوب، نقولها عيوب ظاهرة كذلك. وسود وحمر ونقي، ما من أفعال الحُلل، لأنها من أفعال الحُلل؛ الحُلل عكس العيوب، والحُلل هي الزينة، هذه علامة وهذه كذا، هذه من أوصاف النساء التي تطلق فيهن، التي الوصف منها على وزن أفعل. ففي الجميع العيوب الظاهرة، أو أفعال الألوان، أو أفعال الحُلل، التي كلها على وزن فَعِلَ، بشرط أن تكون الصفة المشبهة منها على وزن أفعل، ليس فاعل ولا فَعْلان، بل على وزن أفعل بالتحديد. إن الفعل اللازم ممكن الصفة المشبهة منه تكون على فَعِلَ، لكنه يتكلم عن الصفة المشبهة التي يكون وزنها أفعل. انتهى من ذكرها.
في الحقيقة هناك شرط أيضًا ضيفوه عندكم لم يذكره ابن هشام هنا، وهو أن يكون الفعل الذي يُصاغ منه التعجب والتفضيل تامًا، فلا يصاغ التعجب ولا صيغ التفضيل من الأفعال الناقصة مثل أخوات كان وعسى وأخواته إذا جعلناه من هذا القبيل، فلا يصاغ من أخوات كان. هذا الشرط هو السادس.
الشرط السابع: ألا يكون منفيًا. فإذا كان عندي فعل منفي، جملة «ما ضرب زيد»، قالوا لا يجوز صياغة أفعل التعجب من الفعل المنفي، وإنما يصاغ من الفعل المثبت. فإذاً كم شرطًا عندنا؟ صاروا سبعة.
الآن أيها الأحبة، هناك طريقة التفافية. الآن قلنا إذا لم توجد هذه الشروط السبعة لا يجوز أن أصوغ أفعل التعجب، لكن هناك طريقة التفافية، يقولون إذا كان الفعل الذي أريد أن أتعجب منه غير مستوفٍ للشروط، أو اختلف فيه شرط من هذه الشروط، أو غير مستوفٍ لشروط الاشتقاق منه، أستطيع أن آتي به من خلال وصلة تذكر قبله. ما هي هذه الوصلة؟ أن آتي بفعل يصلح أن يُتعجب منه، ثم آتي بمصدر الفعل الحقيقي الذي يريد أن أتعجب منه منصوبًا بعده.
كيف يعني؟ الآن الفعل «دحرج»، هل يجوز أن أصوغ منه صيغة تعجب على وزن أفعل؟ لا، ما يصير، ليش؟ ما هو الشرط الذي اختلف فيه؟ الفعل «دحرج» ليس ثلاثيًا، الشرط الثاني أن يكون من ثلاثة أحرف، وهذا الفعل من أربعة أحرف، إذاً ما يصير أصوغ منه تعجب. طيب بدي أصوغ تعجب منه، تلاقوا لي حلاً يا مشايخ؟ قالوا إننا سنعطيك حلًا: قم بالائتيان بفعل يصلح أن نصوغ منه أشد أو أكثر أو ما شابهها من الأفعال التي تدل على زيادة وقوة، تأتي بفعل على صورة أشد أو أكثر أو شبيه من هذه الأفعال التي تدل على الشدة والقوة، فتقول مثلاً تريد أن تتعجب من الفعل دحرج: ما أشد دحرجة!
زيد ما أشد إيش؟ دحرج، أنت الآن كان الفعل بدك تصوغ منه دحرج. الفعل دحرج ما بنفع أصوغ منه إلا أقول ما أشد دحرجة زيد، ما بصير تقول ما أشد دحرج زيداً على وزن أفعل؛ لأنه هذا أصلاً فعل رباعي لا يصاغ منه أفعل التعجب.
فماذا أفعل؟ آتي بفعل يصلح أن أصوغ منه التعجب، مثل فعل شدّ. هم بشكل عام في تواطؤ واتفاق بين النحاة أنه الفعل الذي سنأتي به مع الأفعال التي لا يجوز التعجب منها حتى نجعل صلة لها، هو الفعل "أشد" أو "أكثر" أو ما يحوم حول هذه المعاني. الفعل "شدّ" يصير أصوغ منه تعجب، يصير يستوفي كل الشروط؛ فعلاً تام، يقبل التفاوت، إلى آخره. فبصير أقول ما أشد، ثم آتي بمصدر؛ لاحظوا ماذا أقول، ثم آتي بمصدر الفعل الذي لم يستوفِ شروط الاشتقاق، آتي به منصوباً بعد أشد. فماذا أقول؟ ما أشد دحرجة زيد؛ دحرج يدحرج دحرجة، صح مش هذا هو المصدر؟ فبصير أقول ما أشد دحرجة زيد. ما أشد زلزلة يزلزل زلزلة، ما أشد زلزلة تسونامي أو ما شابه ذلك. فتقول إذاً تأتي بهذه الوصلة، توصلت بها إلى التفضيل بالفعل "دحرج" لكن ليس مباشرة، بطريقة التفافية.
وهذا الأسلوب تستطيع أن تستعمله مع كل فعل اختل فيه شرط من هذه الشروط، إلا شرطين لا يمكن أن تأتي معه بهذه الحيلة. قالوا إذا كان الفعل لا يقبل التفاوت، فهذا أصلاً لا يجوز أن تستخدم معه هذه الواسطة أبداً. بصير تحكي ما أشد موت زيد؟ لا. والله بدي أعطي بالمصدر، لا؛ لأنه الفعل أصلاً لا يقبل التفاوت، فإدخال باب التعجب كله ممنوع تماماً. فإذا كان الشرط الذي اختل بالفعل أنه لا يقبل التفاوت، فهذا لا يمكن الإتيان معه بهذه الحيلة.
الشرط الثاني إذا كان الفعل جامداً. نحن قلنا، قال ابن هشام، لابد يكون هذا القضية ذكرها وصفهم ثلاثة؛ هناك شرط أيها الأحبة، أنا ذكرته لكم ولا ما ذكرته؟ في شرط لابد نذكره يا مشايخ أضيفوه عندكم، أنا تجاوبت عليه. إذا ابن مالك ايش قال فيه: وَمَا يُصَاغُ مِنْ ذِي ثَلَاثَةٍ صُرِفَا ... وَبَلِيَ فَضَلَّ تَمَّ غَيْرَ ذِي انْتِفَاعِ وَغَيْرَ ذِي وَصْفٍ يُضَاهِي أَفْعَالَهَا ... غَيْرَ سَالِكٍ سَبِيلاً
هناك شرط لم نذكره، اكتبوه عندكم، وهو أن يكون الفعل الذي يصاغ منه التعجب أو اسم التفضيل فعلاً متصرفاً وليس جامداً. فأفعل التعجب لا يصاغ من الأفعال الجامدة مثل "ليس"، لا أستطيع أن أصوغ منها فعل تعجب لأنها ناقصة ولأنها جامدة. كذلك "عسى" و"نعم" و"بئس" مثلاً؛ نعم وبئس مش مرض، معنى أفعال المدح هذه، نعم وبئس أيضاً أفعال جامدة. فأي فعل جامد في اللغة العربية لا يجوز أن أصوغ منه أيضاً أفعال التعجب، فهذا الشرط أضيفوه عندكم أيضاً.
طيب، هل يمكن مع الأفعال الجامدة أني أرتكب هذه الحيلة؟ مثلاً بئس، والله حابب أتعجب بهما، ولا أستطيع أن أتعجب بهما لاختلال شرط التصرف. جامدان، لا يجوز أن أصوغ أفعال التعجب عليهما، فماذا أفعل؟ هل أستطيع أن أستخدم معهما هذه الحيلة؟ قالوا أيضاً إذا كان الفعل جامداً لا أستطيع أن أتعجب به مباشرة لاختلال شرط التصرف، ولا أستطيع أن أستخدم معه هذه الحيلة أيضاً. لماذا لا أستطيع أن أستخدم مع هذه الحيلة؟ قالوا لأن الفعل الجامد شرط استخدام هذه الحيلة ما هو؟ مش قلنا أن نأتي بفعل أشد أو أكثر فنجعله هو فعل التعجب، ثم نأتي بعد ذلك بمصدر الفعل الذي لم يستوفِ الشروط منصوباً بعده؟ الآن البيع من جانب، لا نستطيع أخذ له مصدر، ما له مصدر؛ الفعل الجامد مثل نعم مثل بئس، لا أستطيع أن آتي بمصدر له منصوب بعد أشد أو أكثر أو ما شابهها، فبالتالي ما أستطيع أن أرتكب معه هذه الحيلة.
أما باقي الشروط، يعني إذا كان الفعل مثلاً مش ثلاثياً رباعياً، والله بستطيع أني أستخدم هذه الحيلة للتعجب به. مثلاً إذا الفعل "عمي"، الصفة المشبهة منه على وزن أفعل، بستطيع أستخدم معه هذه الحيلة: ما أشد عَمَى زيد، مصدر. ما بنصير نقول ما أعمى لأنه أعمى؛ مأخوذة من الفعل ايش؟ فعل وعَمِيَ، وهذه الفاعلة اللازمة التي الصفة المشبهة منها على وزن أفعل، ما بصير أقول ما أعمى زيداً، خطأ. بدي أقول بآجي بأشد أو أكثر ثم آتي بمصدر الفعل عمي منصوباً، آتي بمصدر الفعل عَمَى منصوباً بعد أشد، فأقول: ما أشد عَمَى زيد. ما أشد عرج بكر؛ عَرَج هذا مصدر للفعل عَرَجَ، وعَمَى هذا مصدر للفعل عَمِيَ. طب ليش ما بصير أتعجب من الفعل عَمِيَ مباشرة أو الفعل عَرَجَ مباشرة؟ تقول لأنه هذا فعل ثلاثي على وزن فَعِلَ والصفة المشبهة منه على وزن أفعل، فلا يجوز أن أصوغ منه فعل تعجب، فأستطيع أن آتي بالتعجب منه باستخدام هذه الحيلة.
طيب يا شيخ، إذا كان مبنياً للمجهول بصير أتعجب؟ بصير تتعجب منه باستخدام هذه، بس هنا طبعاً بعرفش فائدة أعطيها الآن وهي ليست وقتها. الفعل المبني للمجهول، الحيلة هنا فيها تقول: ما أشد ما ضُرِبَ زيد. يقولون: أنا مش قلت لك إنك بدك تأتي للفعل الذي لم يستوفِ الشروط تأخذ مصدره وتنصبه بعد أشد أو أخواتها؟ الآن طب ضرب زيد، يلا كيف بدك تعمل لي فيها هذه الحيلة يا شيخ؟ فقالوا هكذا يا أخواتي فيها استثناء. قال تقول: ما أشد، راح آتي بمصدر، لكن قالوا تأتي بمصدر مؤول ولا تأتي بمصدر صريح. هنا مع المبني للمجهول ما بستطيع آتي بمصدر صريح، آتي بمصدر مؤول، فإيش أقول؟ أقول: ما أشد ما ضُرِبَ زيد. إذا أنا أصل الجملة "ضُرِبَ زيد"، أعترض حتى آتي به باستخدام هذه الحيلة في أسلوب التعجب، أقول: ما أشد ما ضُرِبَ زيد؛ "ما" حرف مصدري و"ضُرِبَ" فعل ماضٍ، والمصدر المؤول هو الذي وقع بعد أشد، مش مصدر صريح. فهنا عندما ظهرت "ما" و"ضُرِبَ" فعل ماضٍ، وعندي مصدر مؤول، لكنه مصدر مؤول مش مصدر صريح زي ما أقول: ما أشد دحرجة زيد، وما أشد عَمَى بكر، هنا أتيت بمصدر صريح. لكن في تعجب هذه، فوائد، اكتبوها عندكم، أنه إذا أردت أن أتعجب من مبني للمجهول آتي بأشد أو أكثر ونحو من الأفعال الملائمة، ثم آتي بعد ذلك بمصدر مؤول بعد أشد أو أخواتها.
طيب الشيخ، الفعل المنفي، إيش قلت برضه؟ إذا كان الفعل منفي لا يجوز أني...
أصوغه أفعل تفضيل ولا اسم تفضيل ولا أفعل تعجب؟ طيب، اعملي لنا الحيلة هذه معه. كيف نقول؟ يعني هذه فوائد أحياناً على هامش الطالب يستفيدها. حينما نقول مثلاً: "ما ضرب زيدٌ"، مبني للمعلوم لكنه منفي؛ "ما ضرب زيدٌ". قال إنه لا يجوز أن يشتق أفعل التعجب من الفعل المنفي "ما ضرب زيد". بدي أتعجب منها، كيف آتي؟ قالوا تقول هكذا: "ما أشد عدم ضرب زيد". بتحول "ما" إلى كلمة إيش؟ "عدم". وبتذكرها بعد "أشد". تقول: "ما أشد عدم ضرب زيد". أتيت بمصدر "الضرب"، لكن أتيت به بعد كلمة "عدم". فإذا كان الفعل منفيًّا، صياغة التعجب منه فاستخدم الحيلة، استخدم الحين بسطتيه، استخدم الحيلة لكن أتِ بكلمة "العدم" قبل المصدر. فاقول: "ما أشد عدم ضرب زيد".
تمام يا شيخ؟ إذاً لاحظوا أنه هذه الحيلة لا أستطيع أن أرتكبها فقط مع الفعل الجامد والفعل الذي لا يقبل التفاوت؛ هذه الحيلة غير ممكنة. لكن إذا اخترنا أي شرط من الشروط الأخرى، كان مثلاً كما قلنا فعلاً رباعياً، أو كان فعلاً لازماً الذي يُصاغ منه على أفعل، أو كان مثلاً مثل ما قلنا فعلاً منفيًّا، أو كان فعلاً مبنيًّا للمجهول، فكلها استطعنا أن نصوغ أفعل التعجب بواسطة هذه الحيلة: الإتيان بفعل يصلح للتعجب منه، ثم الإتيان إما بمصدر صريح أو مصدر مؤول للفعل الذي لا يصح أن نأتي بأفعال التعجب منه.
طبعاً هذه الحيلة كما تُستخدم هنا في صيغة "ما أفعله" تُستخدم في صيغة "أفعل به". فهي تُستخدم في صيغة "أفعل به". أقول يا شيخ مثلاً "دحرج"، صغنّها على "أفعل به" ما بصير صح؟ فبدي أجي بالحيلة فأقول: "أجدر بدحرجة زيد"؛ فكانت تصبح هي الفاعل، يصبح المصدر هو الفاعل. "أجدر بدحرجة زيد" مثل فعل "أكرم": "أشد بكرم زيد"، المصدر نفسه لكن في حالة "أفعل" آتي بالمصدر. لما إذا كان الفعل صحيحاً فمش مشكلة أستطيع أن أشتق منه التعجب، تقول: "ما أجمل زيداً" و"أجمل بزيد". إذا كان لا يصلح للتعجب أتِ بهذه الحيلة: "أجدّ" أو "أشد" أو "أكثر"، وأتِ بعد ذلك بمصدر الفعل الذي لا يصلح للتعجب، آتي به بصيغة "ما أفعله" هو المقصود، ونفس الأعراض تستمر على حالها. واضحة الفكرة؟
تمام، هكذا نقول انتهينا من صيغة التعجب بأبوابها. اليوم لعلي أشرع في شيء من الوقف، اللي هو تعليقات سريعة، باب الوقف والباب الأخير الذي معنا في كتابنا، وهناك فصل ختامي هو همزة الوصل، أشرح في بعض التعليقات عليه لعل وعسى الدرس القادم يكون قصيراً لا إطالة فيه.
يقول هشام رحمه الله في هذا الباب الأخير: «باب الوقف والوصل». عنون له باباً، قال: «فصل». إذاً هذا الباب الأخير وفي ضمنه فصل في همزة الوصل. قال: «باب الوقف». هذا الباب أيها الأحبة في الحقيقة ليس من علم النحو، وإنما هو علم الصرف. هذا هو الواقع، هذا يُدرس حقيقة في علم الصرف؛ أحكام الوقف، كيف أقف على نهاية الكلمة العربية. كيف أقف على نهاية الكلمة العربية؟ هذا ليس إعراباً وليس له علاقة، لأن العلم يدرس أواخر الكلمات العربية من حيث الإعراب والبناء. أن أدرس آخر الكلمة العربية بالعين كيف أقف عليها، هذا شغل الصرفي، أما شغل النحوي فهو الإعراب. لكن هناك بعض المباحث بقيت مشتركة بين النحو والصرف، وأحياناً مثل ما نقول بعض المباحث تؤدي إلى بعض ولها نوع ارتباط ببعض، ولذلك الانفكاك التام الكامل بين النحو والصرف هذا صعب، لكن بشكل عام نستطيع أن نوصف خطوطاً عريضة في التفريق بين هذه العلوم.
إذاً هذا باب في الصرف، وهو باب يتعلق كيف أقف على نهاية الكلمة العربية. وكأن ابن هشام لما أنهى الكلام عن الإعراب والبناء بجميع أنواعه في هذا الكتاب، في هذه الرحلة الطويلة الشيقة معه، أراد أن يعطينا حكماً نهائياً: كيف أقف على آخر الكلمة العربية؟ إطار قواعد عامة تساعدنا في هذا الباب.
قال: «باب الوقف في الأفصح على نحو الهاء، وعلى نحو الميمات بالتاء». إذاً أول قاعدة من قواعد الوقف سنتعلمها تتعلق بالوقف على التاء، على تاء التأنيث المتحركة، كيف نقف على تاء التأنيث المتحركة التي توجد في آخر الأسماء؟ يقول ابن هشام: «إذا وقف على ما فيه تاء التأنيث، فإن كانت ساكنة لم تتغير». الساكنة وين تدخل أصلاً؟ مش الأفعال بس، على الفعل الماضي هي علامة الفعل الماضي، فأعطاك فائدة الآن في الشرح؛ يقول لك الآن "جاءت" إذا كانت في الأفعال، أو إذا كانت تاء التأنيث الساكنة التي هي تدخل في الفعل الماضي هذه لا تسقط لا وسطاً ولا وقفاً. تظل إذا وقفت على مثل "قامت هند" تقف على "قامت"، تبقيها على حالها. فقال: «إذا وقف على ما فيه تاء التأنيث فإن كانت ساكنة وهي التي تدخل على الفعل الماضي هكذا تكتب لم تتغير، نحو: قامت وقعدت».
«وإن كانت متحركة»؛ متحركة هي التي تدخل على نهاية الأسماء. طبعاً تاء التأنيث المتحركة تدخل على بداية الفعل المضارع، لكن في هذه المباراة ما بتهمني هون، يعني كيف بدي أوقف على أول حرف، بهمني تاء التأنيث المتحركة وهي بالتالي لا توجد إلا في آخر الأسماء، كيف أقف عليها؟ قال: «وإن كانت متحركة، فإما أن تكون الكلمة جمعاً بالألف والتاء»، اللي هو جمع المؤنث السالم؛ "زينبات وفاطمات وحمامات واسطبلات" إلى آخره، هذه كلها تاء تأنيث. قال: «فإما أن تكون الكلمة جمعاً بالألف والتاء أولى».
ممتاز، «فإن لم تكن كذلك»، يعني إذا كانت الكلمة الاسم المختوم بتاء التأنيث المتحركة ليس جمع مؤنث سالم، فإن لم يكن جمع مؤنث سالم فالأفصح وقفوا بإبدالها هاءً. بعض القواعد هي معلومة لديكم سابقاً لكن هي فقط صياغتها. إن قال مثلاً كلمة فيها تاء مربوطة، تاء متحركة في آخر اسم، تنظر مباشرة: هل هو جمع مؤنث سالم؟ لا، إذاً الأفصح إبدالها بالتاء المربوطة هاءً حين الوقف. صح؟ أنت كلمة الآن "رحمة"، "إن رحمة الله قريب"، يعني كلمة "رحمة"، كيف تقف عليها؟ تقف، أقلب هذا هو الأصح، أن تقلب التاء المربوطة هاءً، نحن بنسميه التاء المربوطة، نقلب التاء المربوطة هاءً، هذا هو الأفصح فيها، تقول: "رحمه".
بتأشر على فتاة تقول: «هذه رحمة»، قلبت التاء إلى هاء: «رحمة». مش بقول إخوانا وعلماء التجويد كلها رحمة، خلها تظهر الهاء، لأنه التاء إذا تحولت إلى هاء ممكن تختفي مع النطق السريع. هذه رحمة، وهذه شجرة، شجرة أصلاً التاء مربوطة، قف عليها: «هذه شجرة».
قال: هذه اللغة إيش؟ الأفصح. قال: أفصح، هناك لغة جائزة في العربية وهي أن تقف على التاء المربوطة بالتاء، وجاءت عليها كثير من الكلمات في القرآن الكريم على قراءة حفص عن عاصم. ولذلك، هذه الكلمات التي يوقف عليها بالتاء في علم التجويد يقولون هي الكلمات التي في القرآن الكريم تُكتب مفتوحة، الكلمات التي رسمت في القرآن الكريم بتاء مفتوحة مش مربوطة، هذه كلمات يوقف عليها بالتاء.
هذه كلمات يخفى عليها بالتاء، مثل «قرة عين» و«شجرة» في بعض المواضع. سبحان الله، درستها سابقاً وهذه بعض الكلمات والآن نسيتها: «قال هذه رحمة وهذه شجرة». وبعضهم يقف بالتاء وقد وقف، وبعضهم يقف بالهاء. هذه مقابل اللغة، هناك لغة صحيحة عربية ما فيها مشكلة لكنها ليست الأفصح؛ أن يوقف على التاء المربوطة بالتاء وليس بالهاء.
وفي القرآن الكريم تكتب عناية مفتوحة، في القرآن ترسم تاء مفتوحة. فبصير أقول: «هذه رحمة»، بصير؟ نحن لا نستخدمها، لكن يجوز أن أقول «رحمة» و«شجرة»، لكن الأفصح: «هذه رحمة، هذه شجرة». وأما القرآن فهو على المتبع في التلاوة، لا نخطئه؛ قواعدنا أقصى نصحة، لكن في القرآن ليس على كيفنا، القرآن سنة متبعة كما ذكر ابن هشام، فنتبع مواطن الوقف، كيف نقف على هذه وهذه ليس باختيارك، وإنما بحسب الرسم المرسوم، فتتبع التلاوة.
قال: وقد وصف بعض السبعة في قوله: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ و﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ﴾ بالتاء. بعض قراء السبعة يقفون «إن رحمة»، يعني وترسم عنده بتاء مفتوحة: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ﴾. هناك من يقول يقرأها في الوقف «إن رحمة»، وهناك من يقف على «رحمة». فإذا كان هناك اختلاف بين القراء في الوقف بناءً على أن هذا جائز وهذا جائز، إذاً تختلف القراءات وليس فيها مشكلة. كذلك «إن شجرة الزقوم»، هناك من يقف «إن شجرة» وهناك من يقف «إنها شجرة». إذاً هذه القراءة المتبعة.
قال: وسمع بعضهم يقول -وهذا مثل جميل- يقول بعضهم كقصة جميلة: قال وسمع بعضهم يقول: «يا أهل سورة البقرة»، سمع الواحد وقف فقال: «يا أهل سورة البقرة»، فقال بعض من سمعه: «والله ما أحفظ منها آية»، يعني لا تنادي طالما لا تحفظ شيئاً، يقول: «والله ما أعظم منها آية»، هي أصلاً والله ما أحفظ منها آية، لكن الصح وقف على اللغة الأخرى.
وقال الشاعر: والله أنجاك بكفي مسلمة ... من بعد ما ماتت نفوس القوم عند الغسلمة وكادت الحرة أن تدعى امت
فقال: «والله أنجاك بكفي» إيش؟ «مسلمة»، المشهور «مسلمة»، لكن هذا الشاعر استخدم الوقف بالتاء بدل الهاء على اللغة الأقل فصاحة. من بعد ما ماتت... قالوا هذه أصلاً «أماتا»، ومن بعد ماء... لكن كما قال شيخ محي الدين: أما قوله «من فاصلها ماء» فقلب الألف هاء، ثم عندما وقف وقف بتاء التأنيث، كان أصلها «ماء» ثم حوّل الألف إلى هاء ثم حوّل الهاء إلى تاء. ثم قال: «كانت نفوس القوم عند الغسلمة»، أصلاً «الغسلمة»، ثم قال «الغسلمة» لم يقف عليها بالتاء المربوطة (الهاء) بل وقف عليها بالتاء: «الغسلمة». وكادت الحرة أن تدعى «امت»، أصلها «أمة»، التاء توقف أمامك لكن اختار اللغة الأقل فصاحة. إذاً هذا شاهد على هذه اللغة الأقل فصاحة.
ممتاز، الآن هذا كله في حالة تاء التأنيث في غير جمع المؤنث السالم. تاء التأنيث التي في جمع المؤنث السالم، أصلاً تاء التأنيث في الجمع السالم كيف ترسم؟ هل ترسم كالمعتاد؟ تاء التأنيث في آخر الأسماء عادة مربوطة، إلا في جمع المؤنث السالم، فإن تاء التأنيث تكون مفتوحة، وتتشابه بالمفردات كلمتين مشهورتين، تكون تاء التأنيث مفتوحة. لا، بنت الأخت، هذا في المفرد، أما جمع المؤنث السالم فتاء التأنيث فيه مفتوحة، لذلك يقف عليها بالتاء، وحكمها حكم جمع المؤنث السالم.
أنت كيف تقف على «بنت»؟ تقف عليها بالتاء، لأنها تشبه المؤنث السالم، المؤنث السالم تاءه مفتوحة، لذلك قال: «وإن كان جمعاً»، أي جمعاً سالماً بالألف والتاء فالأصح أن نقف بالتاء: «المؤمنات»، «المسلمات»، «القانتات»، «الصادقات»، «الصابرات». يقول لك: «يا شيخ طلع الهمس على التاء»، يوقف عليها بالتاء؛ «المسلمات»، «المؤمنات».
قال: «وإن كان جمعاً بالألف والتاء فالأصح الوقف بالتاء»، يجوز الوقف بالهاء في «المسلمات» طبعاً في غير القراءة، لكن الأصح الأول؛ لذلك قال: «وبعضهم يقف بالهاء في جمع المؤنث السالم لكنه ليس فصيحاً بتلك القوة». قال: وسمع من كلامهم: «كيف الأخوة والأخوات؟» هي أصلاً «الأخوة والأخوات»، وقالوا: «دفن البنات من المكرمات»، طبعاً هذه والعياذ بالله على الرحمانين، الجاهليين، كانوا في الجاهلية من المكرمات على طريقتهم القبيحة في دفن البنات، فسمعت هذه الجملة بهذا اللفظ: «دفن البنات» بالهاء.
أيها الأحبة، هذه القاعدة، هذه قاعدة الوقوف على تاء التأنيث المتحركة، تقول: تاء التأنيث المتحركة في غير جمع المؤنث السالم تكون في العادة مربوطة، وهذه يوقف عليها بقلبها هاءً، هذا الأقصى، ويجوز أن تبقى تاءً، وهناك مواضع في القرآن بحسب القراءة المتبعة. وأما العكس، جمع المؤنث السالم، فالأصح أن تقف على التاء المفتوحة، وبعضهم يجوز أن تقف عليها بالهاء.
انتهينا من أحكام الوقف على تاء التأنيث المتحركة في آخر الأسماء، ننتقل إلى أحكام الوقف على الاسم المنقوص.
إيش الاسم المنقوص؟ الاسم الذي آخره ياء مكسور ما قبلها مثل قاضي وهادي وواقي وداعي. الاسم الذي آخره ألف مقصورة ما قبلها، الأسم كيف يوقف عليها؟
قال: وعلى نحو قاض رفعاً وجرا، رفعاً وجرا أعطاك تحديد، مش نصباً، رفعاً وجرا بالحذف، وهو القاضي، أما إذا عرفت، فدخلت عليه قال للتعريف، أسمعت القاضي؟ قال: فيهما أي في حالة الرفع والنصب، عفواً في الرفع والجر بالإثبات. يقول: إذا وقفت على المنقوص وهو الاسم الذي آخره ياء لازمة مكسور ما قبلها، وإن أضفت لازمة حتى تفهم ذلك.
قال: فإاما أن يكون منوناً أو لا. الآن الاسم المنقوص يا مشايخ إما أن يكون منوناً، وهذا متى يكون؟ إذا ما دخلت عليه أل التعريف. وإما أن يكون خالي من التنوين في آخره. وعلى متى؟ إذا دخلت عليه أل التعريف. قال: أل التعريف لا تجتمع مع التنوين. هذه مش من القواعد العامة التي تؤخذها دائماً، تمام. فإذاً كانت قاضياً متى يدخل التنوين؟ أنه ما فيش أل التعريف في البداية. لو دخلت أل التعريف القاضي، ما بصير أجيِّب التنوين، ما بتشتغل علامتين على الكلمة الواحدة بهذا النوع. تمام.
إذاً فإما أن يكون منوناً أو لا. الآن سنبدأ بالحالة الأولى، أنه الاسم المنقوص منون إذا ما في أل التعريف منون. فقال: فإن كان منوناً فالأفصح، إذاً هو يتكلم الآن عن أفصح، ما بتكلم قاعدة لازمة، نتكلم عن أفصح، فالأفصح الوقف عليه رفعاً وجراً في هاتين الحالتين بماذا؟ بالحذف، تحذف الياء التي في الآخر، فتقول: هذا قاضٍ. وفعل ماضٍ، الفعل الماضي الذي نحكي به في النحو نقول: هذا فعل ماضٍ.
طبعا نحن الآن نتجوز، نقول والله هذا فعل ماضي، بصير أوقف على يقول أنا فعل الماضي، يجوز لكنه ليس الصح، لكن الطالب يقول هذا فعل ماضي، على خلاف الأفصح، لكنه جائز. لكن المشهور أنك والأفصح أن تقول: هذا فعل ماضٍ، أنه ماضٍ ماضي اسم منقوص، خالي من التعريف، لأنه هو منون. فعندما نقف على التنوين، أحذف التنوين وأقول ماضٍ، مثل أي تنوين، عفواً، أي كلمة، حتى مش اسم منقوص، أي كلمة في آخرها تنوين، ضرب، أو تنوين كسر، كيف تقف؟ بحذف، بترمي، صح؟
مررت بزيدٍ، زيدٍ كيف تقف؟ كيف تقف؟ مررت بزيدٍ، صار نفس الإشي هنا، لكن الاسم المنقوص كما تعلمنا سابقاً في حالة الرفع وفي حالة الجر دائماً التنوين هو تنوين كسر، أنه هذا التنوين أصلاً هو تنوين التمكين، التقى مع الياء الساكنة قاضي، وتنوين تمكين، هي أصلاً قاضيين، قاضيين، ياء منقوص ساكن، والتنوين وهو نون ساكنة زائد التنوين، التقى ساكنان، والأول حرف علة، حذفنا حرف الياء، وجعلنا التنوين، سواء كان في حالة الرفع أو في تنوين كسر، حتى ينبه على أن المحذوف للتنبيه على الأصل المحذوف أنه يائي فقط.
أما الإعراب فكما تعلمون أنه دائماً يكون بحركات مقدرة على الياء المحذوفة، حركات مقدرة على الياء المحذوفة تخلصاً من التقاء الساكنين. فاعتبروا مثلاً أي تنوين كسر، تنوين كسر على أي اسم إعرابي، مررت بزيدٍ، بعمروٍ، ببكرٍ، لما أوقف عليه بدي أحذف ايش؟ التنوين، صح ولا لا؟ مررت بزيدٍ، مررت بعامرٍ، مررت بمحمدٍ، أحذف التنوين. كذلك جاء قاضٍ، مررت بقاضٍ، نفس القضية.
ويجوز أن تقف بالياء هنا قليلاً، ولذلك وعلى هذا جاءت قراءة ابن كثير المكي. وقف ابن كثير المكي على قوله: هاد ووال وواق في القرآن الكريم، كيف وقف ابن كثير المكي؟ هذا كان يقف: ولكل قوم هادي، وما لهم من دونه من وائل، وما لهم من الله من واقي. هكذا يقف. نحن كيف نقف؟ وما لهم من الله من واقٍ؟ ولكل قوم هادٍ، مش هيك، فتحنا؟ بحذف الياء. والأفصح الوقف عليه بحذف الياء، لكنه منون، ولكن ابن كثير المكي اختار طريقة أخرى.
طيب، إذا كان غير منون، يعني إذا دخلت، غير منون معناها دخل عليه أل للتعريف، لأن أل للتعريف هي التي تمنع التنوين. طبعا هناك إشي آخر يمنع التنوين، إذا كان ايش؟ مضاف فقط بالنسبة للمنقوص، جاء مضافاً إلى كلمة بعدها، جاء قاضي المحكمة. أيضاً الإضافة تمنع التنوين، وترد الياء، وترد الياء التي كانت محذوفة تخلصاً من التقاء الساكنين، فالإضافة أيضاً تمنع التنوين. لكن أنا بتهمني الآن، لأنه إذا لو قلت: جاء قاضي المحكمة، بعدين واخبرت، أوْقف على المضاف، فقلت: جاء قاضٍ، نفس الإشي أقول جاء قاضٍ، مع أنه فيش تنوين في حالة الوصل، يعني جاء قاضي المحكمة، لكن بدي أوقف على المضاف، وإن كان هذا قبيح، لكنه وقف على المضاف في النصف.
أقول ايش؟ نفس القضية، لأنه هنا ذهاب التنوين كان بسبب الإضافة، فلما قطعته عن الإضافة، كان التنوين وكأني وقفت بحذف التنوين. لكن المشكلة لما تكون أل في البداية، هنا المشكلة أنه أل مش راح تنحذف، راح تضلها موجودة دائماً، فتقول: جاء قاضي، جاء القاضي، حينما أوقف في هذه الحالة، قال: إن كان غير منون، فالأفصح الوقف عليه رفعاً وجراً إثبات، كقولك: هذا القاضي، ومررت بالقاضي. لاحظوا بيجي بمثال مرفوع ومثال ايش؟ لمجرور. هذا القاضي، القاضي خبر، وعملت بالقاضي، القاضي اسم مجرور. في كلا الحالين الأفصح أنك تقف بايش؟ باثبات الياء بالعكس، الحالة الماضية إذا كان منوناً فالأفصح أنك تقف، وإذا أثبت جائز لكنه على خلاف الأفصح. هنا بالعكس، إذا كان غير منون بسبب دخوله أل للتعريف عليه، في حال الرفع والجر الأفصح أن تقف بالياء.
ولكن هل يجوز حذف الياء؟ في هاي الحالة في حالة غير التنوين يجوز، نقول: جاء القاض، ومررت بالقاِض، قال: ويجوز الوقف عليه بالحذف، وبذلك وقف الجمهور على المتعال والتلاق في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ [الرعد: 9]. أصلاً المتعالي لماذا وقفنا المتعال؟ لاحظوا فوائد هذه المسائل في الوقف القرآني، يعني أصلاً متعالي وقفنا عليها بحذف الياء، وهذا جائز، ﴿وَلَيُنذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ﴾ [غافر: 15]. كثير من الطلاب كل شيء يعني يوم التناقش، أصل التلاقي، أصل الكلمة التلاقي، تتلاقى الناس، ويتقي المؤمن بربه يوم التلاق، لكن وقف عليه بماذا؟ بحذف الياء، التلاق.
واللغة المشهورة إثبات الياء في غير القرآن، لو تريد أن تقول: ما هو الأنسب في غير القرآن؟ ترى القرآن سنة متبعة، قد يكون له أمور خاصة به تتعلق بنغمة أو فواصل الآيات أو ما شابه ذلك، يعني له مقاصد، يعني القرآن لا يتبع غير الأفصح هكذا اعتباطاً، في كتب عليه، يكون هناك قواعد بلاغية تتعلق إما مراعاة الفواصل أو ما شابه ذلك، مثلاً نهاية الفواصل كلها قاف، قاف، قاف، قاف، فحتى يأتي على مراعاة الفواصل تكون قاف، ويهدف مثلاً، زي يوم التلاقي على ظهره، فإذاً هناك أمور بلاغية هي التي تقتضي ذلك، لكن الأصل في غير القرآن تقول يوم التلاقي، هذا هو الأفصح، إذا قلت التلاق جائز، لكنه خلاف الأفصح.
ثم قال: وقد يعكس فيهن. الضمير راجع إلى كل المسائل السابقة، إلى تاء رحمة، واثباتاً مسلمة، وحذفها قاضٍ، واثبات ياء القاضي، أي وقد يوقف على رحمة بالهاء، وعلى مسلمات بالتاء، وعلى القاضي بالحذف. هذه في الحقيقة هو مش فائدة جديدة، هو نفس الكلام السابق، لكن هو يعني يمشي مع المتن لأجلنا، فاضطر أن يعطيك هو ايش؟ لو عدت للمسجد ابتداء، فقط دعونا نقرأ المتن، ما بدي أقرأ الشرح، نقرأ من بداية الوقف.
قال الوقف في الأفصح على نحو رحمة بالهاء، وعلى نحو مسلمات بالتاء، وعلى نحو قاضٍ رفعاً وجرا بالحذف، وهو القاضي فيهما بالإثبات. عندي ونحو القاضي فيه... أه ونحوه صحيح، نسختنا نحن العصرية هذه، وهو، وهذا خطأ، لأنه أنا شايف فيها نفس الكلمة: ونحو القاضي، أيوة أحسنت، هنا ونحو، اكتبوا عندكم عدلوا أصحاب النسخة العصرية من كان عنده وهو اكتبه ونحوه. ونحو القاضي فيهما أي في الرفع والجر بالإثبات.
المتن بعدين وقد يعكس فيهن، الضمير فيهن يعود على المسائل السابقة، لأن لما أعطاك مربوطة أعطاك أنه فيها لغة أقل فصاحة أن يقف عليها بالهاء، ولما أعطاك التاء المفتوحة أعطاك لغة أقل فصاحة ليوقف عليها بالهاء، ولما أعطاك قاضي بالتنوين أعطاك اللغة الفصحى. في المتن بعدين قال: وفي لك لغة أقل فصاحة أن يوقف عليها بالياء، والعكس بالعكس، أنه القاضي أعطاك اللغة الفصيحة، واللغة غير الفصحى أو غير فصاحة، عفواً، اللغة غير الفصيحة أن يوقف عليها بحذف الياء، فهذه لها علاقة بترتيب المتن وليست فائدة جديدة، تمام؟ كم ذهب الوقت؟
الفائدة الأخيرة أختم بها، قال: وليس في نصب قاضٍ والقاضي إلا الياء. قال: إذا كان المنقوص يعني الآن قبل قليل كان يتكلم عن المنقوص المنون وغير المنون في حالة الرفع والجر فقط، طيب في حالة النصب ايش نفعل في الاسم المنقوص؟ رأيت قاضياً، ورأيت... رأيت القاضي، رأيت قاضياً ورأيت القاضي، هذا أنتم بتعرفوا خبرته، الاسم المنقوص في حالة النصب تظهر الفتحة عليه، سواء كان في تنوين ولا كان في أل التعريف، دائماً تظهر الفتحة عليه، رأيت... رأيت القاضي.
ففي حالة الوقف على اسم منقوص المنصوب، سواء كان منوناً أو في أل للتعريف، فإنني بماذا؟ باثبات الياء، ما بحكي فخلاص قولا واحداً، منون ولا في ألف، ما عندي تفريق. قال: إذا كان المنقوص منصوباً، وجب بالوقف إثبات الياء، فإن كان منوناً (رأيت قاضياً) أبدل من تنوينه ألفاً، كقولك: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً﴾ [آل عمران: 193]. الآن منادياً كيف ستوقف عليها؟ مثل ما تقف على أي اسم منون في تنوين النصب.
صح؟ في علم التجويد مش معقولة أن نقرأ بالتنوين الفتح، غفوراً رحيماً، أقول: غفوراً رحيماً، نفس الإشي، بقول لك الاسم المنقوص المنون تقلب التنوين ألفاً مثل أي تنوين نصب، ربنا إننا سمعنا منادياً. وأما إن كان غير منون فقد تقف على الياء ساكنة، فتقول: ﴿كَلاَّ إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ﴾ [القيامة: 26]. لاحظوا الآن بلغت هي يعني الروح، التراقي ايش إعرابها؟ مفعول به بدليل أنك لو كملت ايش تقول؟ قال: ﴿كَلاَّ إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ * وَقِيلَ مَنْ...﴾ [القيامة: 26-27] التراقي، لأنه مفعول به منصوب، إذا وقفت أقول: التراقي.
ما شاء الله أيها الأحبة، في محاضرتي القادمة يكون مثل الختام مع بعض المسائل أيضاً تتعلق بالوقف والختام همزة الوصل، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل