دخولتسجيل الدخول

الدرس 43 - مسالك العلّة(٢) - أنواع القياس

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، ومحجة التاركين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.

حياكم الله أيها الأحبة في مجلس جديد نعقده في شرح كتاب قواعد الأصول ومعاقد الفصول للإمام عبد المؤمن البغدادي رحمة الله تعالى عليه، وقد انتهى بنا المطاف أيها الأحبة إلى مسالك التعليم، وكنا في المحاضرة السابقة شرعنا في بيان هذه المسالك. وعرفنا أن مسالك التعليل تنقسم في الجملة إلى ثلاثة مسالك: النص، الإجماع، الاستنباط، هكذا يتم تحديد العلة، إما أن تكون منصوصة، أو تكون مجمعاً عليها، أو يستنبطها المجتهد.

ثم شرعنا فقلنا: إذا كانت منصوصة فعلى طريقة عبد المؤمن البغدادي، هذا الذي يهمنا، قسم العلة المنصوصة إلى ثلاثة أنواع، النوع الأول أن يصرح بالتعليل، ما معنى التصريح؟ التصريح عند عبد المؤمن أن يأتي حكم شرعي ويقول الشارع وعلته كذا، يصلي كلمة علة هذا التصريح المصطلح في كلمة علة، يقول هذا الحكم وعلته كذا، إذا صرح بكلمة علة هذا يكون صريحاً. وإذا النص إما أن يكون صريحاً في التعليل بأن يقول العلة كذا، أو يقوم باستخدام أدوات التعليل، وذكر من أدوات التعليل عبد المؤمن الباء الجارة، واللام الجارة، وكي الجارة، وحتى الجارة، ومن أجل، ذكرها كلها من قبيل أدوات التعليل، ثم انتقل بعد ذلك إلى الطريقة الثالثة من طرق دلالة النص وهي طريقة الإيماء والتنبيه، فذكر تحتها سبع صور.

ثم بعد ذلك انتقل بعد أن عدد النص مسالكه الثلاث التفصيلية، انتقل للكلام عن الإجماع، وعرفنا الإجماع سهل الأمور، هو اتفاق المجتهدين على أن هذا الحكم علته كذا، فإذا اتفق المجتهدون على أن حكم معين علته كذا، انتهى الأمر حُجرت العلة والحمد لله.

المسلك الثالث كان الاستنباط، والاستنباط تحته مسالك تفصيلية، بدأنا في المسلك الأول وهو المناسبة، وقلنا وفهمنا ما معنى المناسبة بشكل عام؟ مناسبة ما هي؟ أن يكون في ترتيب الحكم على الوصف تنتج مصلحة تحافظ على مقصود الشارع، عندما نقول إن هذه العلة مناسبة، قلنا ما معنى المناسبة؟ أنه في ترتيب الحكم عليها تنتج مصلحة، توجد مصلحة تحافظ على مقصود الشارع، هذا معنى أن هذا الوصف مناسب. فقلنا إذاً المسلك الأول في مسألة الاستنباط هو المناسبة، ومعنى المناسبة أن يأتي حكم شرعي لم ينص على علته ولم يُجمع على علته، فيأتي المجتهد ليستنبط هذه العلة، فينظر في هذا الحكم فيلاحظ أن فيه وصفاً هذا الوصف مناسب لجعله علة، هكذا ينظر في الحكم أي في أوصاف، يأخذ وصفاً يلاحظه يجد هذا الوصف مناسباً لجعله علة. ما معنى مناسب لجعله علة؟ هذه الكلمة أنه يلاحظ المجتهد في ترتيب الحكم على هذا النص بعينه تنتج مصلحة تحافظ على مقصود الشارع، فالآن إذا نجح وأقنع باقي المجتهدين تمام الحمد لله، يمكن يأتي مجتهد آخر يعترض عليه، يقول والله هذا الوصف الذي رتبت الحكم عليه رأيته مناسباً، أنا لا أراه مناسباً، وتبدأ المناقشات، المستدل يثبت مناسبته، والخصم يمنع مناسبته، وتحدث المناقشات.

فهذه الطريقة الأولى من طرق الاستنباط، ما هي؟ أن تعبر عنها بهذا الأسلوب، أن المجتهد ينظر في الحكم في الأوصاف المرتبطة به، يأخذ وصفاً يراه مناسباً، ولا يؤخذ وصف على مزاج من يقوله لعلة، لا، يأخذ وصفاً يراه مناسباً، ما معنى يراه مناسباً؟ أن المجتهد باجتهاده لاحظ أن في ترتيب الحكم على هذا الوصف تنتج عندنا مصلحة، فهكذا يقول إذاً علة هذا الحكم كذا، الله عز وجل حرم الخمر، نظر المجتهد في الخمر، لماذا حرم الخمر الله سبحانه وتعالى؟ وجد أن وصف الإسكار هو الوصف المناسب لتعليق تحريم الخمر عليه، لأنه ينتج من ترتيب الحكم وهو تحريم الخمر على هذا الوصف، تنتج مصلحة تحافظ على مقصود الشارع، تمام فهذا هو المسلك الأول طريق الاستنباط أو من خلال المناسبة، ملاحظة المجتهد للوصف المناسب.

وهذه القضية قضية مشكلة الوصف المناسب قادتنا للحديث عن أقسام الأوصاف المناسبة، فقسمنا بشكل عام الوصف المناسب، الوصف الملائم قسمناه إلى مؤثر وملائم وغريب. وقلنا المؤثر ما هو؟ هو الوصف الذي ظهر تأثيره في الحكم خلال النص أو بالإجماع، وهذا ليس له علاقة بمسلك المناسبة الذي معنا، لأنه مسلك المناسبة من مسالك الاستنباط، والوصف إذا ظهر تأثيره في الحكم بنص أو إجماع يسمى حينئذ وصفاً مؤثراً، لكن هو في النهاية التعليل به كيف ثبت إذاً؟ من خلال النص أو الإجماع ليس باستنباط المجتهد، فهذا خارج دائرة هذا المسلك، مسلك المناسبة.

انتقلنا للنوع الثاني الملائم، الملائم هو وصف ظهر تأثير جنسه في جنس الحكم، تذكروا الأمثلة التي ذكرناها البارحة، وصف ظهر تأثير جنسه في جنس الحكم، وقلنا نعم هذه يدخل ضمن مسلك المناسبة، هذا يدخل ضمن مسلك المناسبة، أنه مجتهد عنده مسألة شرعية لم ينص الشارع على حكمها، فيأتي هو من خلال المناسبة يحاول أن يستنبط الوصف الذي يناسب تعليق الحكم عليه، الآن نأتي لهذا الوصف الذي استنبطه المجتهد، ننظر هل اعتبر الشارع جنس هذا الوصف مجتهد في جنس أحكام أخرى؟ إذا كان هذا الوصف الذي أخذه المجتهد وجعله علة لهذا الحكم، لاحظنا أن الشارع التفت إلى جنسه في جنس أحكام أخرى، بنقول أن هذا الوصف الذي استنبطه المجتهد ما اسمه؟ وصف ملائم.

أما إذا لاحظنا أن الوصف الذي استنبطه المجتهد وبنى عليه الحكم وصف لم يعتبر الشارع جنسه في جنس أحكام أخرى، ماذا نسمي هذا الوصف الذي استنبطه المجتهد؟ وصف غريب، لم يشهد له الشارع لا باعتبار ولا بإلغاء، وقلنا الصحيح عند المذاهب الأربعة أنهم يقبلون الوصف الملائم ويقبلون الوصف الغريب، وإن كان طبعاً الوصف الملائم أقوى من الغريب، لكنهم يقبلون هذا ويقبلون هذا، وقلت الوصف الغريب على التحقيق هو المصلحة المرسلة، أو صورة من صور المصالح المرسلة، وبالتالي صدق كلام القرافي في أن كل المذاهب بشكل عام تقبل المصلحة المرسلة بوجه من الوجوه.

هذه كانت الأفكار، فأنا لماذا قسمت هذا التقسيم الثلاثي؟ لأن مسلك المناسبة أول مسلك من مسالك استنباط العلل، يعتمد على الملائمة أو الغريب، لأن الوصف المؤثر الذي تأثير الوصف في الحكم ليس من خلال استنباطات اجتهادية، الوصف ذا وتأثيره في الحكم أو الإجماع فهو من ضمن المسلك النصي ومسلك الإجماع، وليس داخلاً معنا في مسلك المناسبة، لأنه المجتهد ليس له فيه عمل، لم يستنبط شيئاً، جاء نص فيه حكم وفيه وصف يخبرنا الشارع بأنه علة هذا الحكم، أو أجمع العلماء على أنه علة هذا الحكم، فعرفتم هذه التفرقة المهمة أن تفرقوا بين المؤثر وبين الملائم والغريب، الاستنباط يكون في الملائم والغريب، أما المؤثر ما فيه استنباط، جاهز، الوصف مباشرة وصل إلى المجتهد جاهز أنه علة الحكم صح؟

اليوم أيها الأحبة نشرع في مسلك آخر من مسالك الاستنباط هو مسلك السبر والتقسيم، ما هو مسلك السبر والتقسيم؟ أولاً، ما معنى كلمة سبر؟ السبر أيها الأحبة هو الاختبار، والتقسيم المراد به هنا الحصر، إذاً ما معنى السبر؟ الاختبار، وما معنى التقسيم؟ المراد به هنا الحصر، تمام.

هذا المسلك الجديد مسلك السبر والتقسيم أيها الأحبة، لاحظوا اسمه مركب، تركيب الاسم يدل على أن هذا المسلك في استنباط العلة سنقوم فيه بعمليتين، فنقول مسلك السبر والتقسيم يقوم على ركنين، الركن الأول هو التقسيم، يا شيخ أنت تقول مسلك السبر والتقسيم وتقول هذا المسلك يقوم على ركنين، الركن الأول العملية الأولى هي التقسيم، لماذا ما سموه مسلك التقسيم والسبر؟ لماذا قالوا السبر والتقسيم مع أن العملية الأولى فيه عملية التقسيم وليست عملية السبر؟ نقول هكذا اصطلح الأصوليون، إذا لم يكن هناك سبب ظاهر في هذا التقديم، وقد يقول البعض لماذا السبر على التقسيم في الاسم؟ لأن السبر هي العملية الأهم في هذا المسلك، لذلك قدمت في الذكر، مع أن من حيث الواقع العملي هي العملية الثانية، الإجراء الثاني من حيث العمل، لكن من حيث الأهمية هي الأهم فقدمت في الذكر، واضح؟

إذاً مسلك السبر والتقسيم أيها الأحبة يقوم على ركنين أو على عمليتين قل كما تشاء، الركن الأول أو العملية الأولى عملية التقسيم، ما معنى التقسيم؟ كما قلنا قبل قليل التقسيم هنا بمعنى الحصر، فيقول الأصوليون التقسيم هو أن يحصر المجتهد الأوصاف التي يحتمل أن تكون علة لهذا الحكم، عندنا حكم ولم ينص الشارع على علته ولم يجمع على علته، المجتهد قلنا له كيف ستستنبط علته؟ هل ستسلك مسلك المناسبة؟ قال لا، أنا لا أريد سلوك مسلك المناسبة، قلنا له ماذا ستسلك؟ قال أريد أن أسلك مسلك السبر والتقسيم، قلنا له تمام، ما هي الإجراءات التي تتبع في هذا المسلك؟ قال الخطوة الأولى أو العملية الأولى في هذا المسلك أن أقوم بجمع وحصر الأوصاف الموجودة في الحكم وتحتمل أن تكون علة، تقوم بحصر الأوصاف الموجودة التي تحتف في هذا الحكم بشكل عام، وتحتمل أن تكون علة.

بعد أن يقوم المجتهد بعملية حصر وجمع الأوصاف التي تحتمل أن تكون علة، يبدأ بالعملية الثانية وهي عملية السبر بين قوسين الاختبار، فيقوم باختبار هذه الأوصاف وصفاً وصفاً، يبدأ ينظر فيها ويتأمل، ما هو الوصف الذي يصلح منها للتعليل لتعليق الحكم عليه؟ فيقول والله هذا الوصف الأول لا تظهر لي مناسبته في ترتيب الحكم عليه.

إذاً مسلك السبر والتقسيم يقوم على عمليتين كما قلنا على عمليتين، العملية الأولى هي عملية التقسيم، وهي حصر الأوصاف الموجودة في الحكم وتحتمل أن تكون علة، الخطوة الثانية العملية الثانية عملية السبر، ما معنى السبر؟ الاختبار، سبرت هذا الشيء يعني اختبرته، عملية اختبار للأوصاف التي قاموا بجمعها لينظر أي هذه الأوصاف يصلح لتعليق الحكم عليه، تمام هذه عملية التقسيم بعدها تأتي عملية اختبار هذه الأوصاف، فالمجتهد يقوم أولاً بحصر الأوصاف الموجودة المحتملة، بعد ذلك يقوم باختبار الأوصاف وصفاً وصفاً.

الآن عملية الاختبار تقوم على ماذا أيها الأحبة؟ كيف يقبل عملية الاختبار؟ كما قلنا يأتي لهذه الأوصاف الموجودة، الآن ينظر في هذا الوصف الأول، مسك الوصف الأول، فقال هذا الوصف يصلح لترتيب الحكم عليه، يعني تظهر مناسبة في ترتيب الحكم عليه، آه إذاً هكذا يا شيخ نحن رجعنا لمسلك المناسبة، اللي هو الطريقة الأولى، صح ولا لا؟ أنه أنت تحكي، في المسلك الأول مسلك المناسبة المجتهد لم يكن يحصر ويجمع الأوصاف بعد ذلك يختبرها، لا، في مسلك المناسبة حتى تفرقوا بين المسلكين، في مسلك المناسبة المجتهد مباشرة ينظر في الحكم يأخذ الوصف يلمح فيه المناسبة يربط الحكم عليه، فمسلك المناسبة لا يقوم على عملية السبر، لا يقوم على عملية الحصر، مسلك المناسبة هكذا مباشرة مشتهد في الحكم يأخذ هذا الوصف ينظر فيه يقول هذا الوصف هو المناسب، ويبدأ يعلل لماذا هو المناسب ويوضح لنا.

في مسلك السبر والتقسيم لا، المجتهد يقوم أولاً بعملية حصر الأوصاف المحتملة للتعليل، هذه العملية الأولى لا يقوم فيها مسلك المناسبة، صاحب مسلك المناسبة لا يقوم بهذه العملية، الذي يقوم بها صاحب مسلك السبر والتقسيم عملية حصر الأوصاف المحتملة للتعليل، ثم بعد ذلك يقوم بعملية الاختبار، عملية الاختبار الآن لا تستعجلوا، عملية الاختبار كما قلنا يأتي المجتهد بهذه الأوصاف التي جمعها وحصرها عنده، فيكون أولاً هذا الحكم لا توجد ولا يمكن أن تكون علته خارجة عن هذه الأوصاف، هكذا أولاً يحكي، المجتهد يقول: أنا قمت بجمع كل الأوصاف للتعليل فلا يمكن أن تكون علة هذا الحكم خارجة عن هذه الأوصاف، تمام إذاً حصرك وتقسيمك جاء ممتاز تمام مئة بالمئة.

ننتقل إلى الاختبار الآن لسا ما حددنا العلة، هذه الأوصاف التي جمعتها تقوم بعملية اختبارها وصفاً كما قلنا، كيف تتم عملية الاختبار؟ هناك طريقة وهي الأشهر أن ينظر في مناسبة كل وصف، أو ينظر هل في ترتيب الحكم على كل وصف من هذه الأوصاف تنتج مناسبة ولا لا تنتج؟ أو تظل مناسبة ولا تظهر؟ فيبدأ المجتهد بالوصف الأول يقول والله ترتيب الحكم على هذا الوصف لا تظهر فيه مناسبة، يعني ما معنى تظهر فيه مناسبة؟ يعني ترتيب الحكم على هذا الوصف، لا أرى أنه ينتج مصلحة تحافظ على مقصود الشارع، إذاً هذا الوصف، الحين نذهب إلى الوصف الثاني ولا تظهر فيه المناسبة في ترتيب الحكم عليه، أو ترتيب الحكم على هذا الوصف تظهر المناسبة تمام؟ بس ما بدي استعجل بدي أروح على الأوصاف الأخرى، يبدأ بالأوصاف يمر على كل الأوصاف، ينطق الوصف الذي ظهر أنه أكثر مناسبة من غيره.

في ترتيب الحكم عليه، تكون المناسبة واضحة بارزة جداً أكثر من غيره؛ فنجعل هذا الوصف هو العلة، ونطلق قضية السبب. كيف يتم الاختبار؟ فمثلاً لما الله سبحانه وتعالى أيها الأحبة، هل هي هادي؟ لكنه قائم بشكل عام على المناسبة في هذه الجزئية، ولكن أحياناً لا يغمى على المناسبة وسابقين ذلك، لكن توفر شروط العلة الأخرى لابد.

أكيد إذا كان الوصف غير منضبط وغير ظاهر سيلغيه تماماً. وهذا قد يكون أصالةً مأخوذ من التقسيم، أنه سيأخذ الأوصاف المحتملة للتعليل، ولما يكون وصف أصلاً غير محتمل للتعليل أبداً، لن يدخلوه معه في القسمة، فيمكنه أن يلغي هذه الأوصاف غير الظاهرة أو غير المنضبطة خلال التقسيم ابتداءً؛ لأن هذا مستحيل، فأنا أريد حصر الأوصاف المحتملة.

طبعاً كيف يبين احتمالها؟ من خلال مراسلتها وعدم مناسبتها، فإذا كانت أصالة هي غير ظاهرة وغير منضبطة فلا يدخلها أبداً في حصره. طيب نأخذ مثالاً: الآن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «التمر بالتمر»، فبالتالي عندي حكم يحرم التفاضل في بيع التمر بالتمر، ممتاز، يحرم التفاضل في بيع التمر بالتمر. الآن المجتهد قال: سأسلك مسلك السبر والتقسيم في بيان علة هذا الحكم، هذا الحكم لم ينص على علته ولم يُجمع على علته، إذاً لابد من استنباط، سأسلك مسلك السبر والتقسيم في بيان علة هذا الحكم.

ماذا سأفعل؟ قال: أنظر في هذا الحكم، أقول: ما الأوصاف الموجودة في التمر التي تحتمل أو تصلح بشكل عام ابتداءً أن تكون علة لتحريم التفاضل فيه؟ ما هي الأوصاف الموجودة في التمر التي تصلح بشكل عام أن يُعلّق تحريم التفاضل عليها؟ فجاء المجتهد وقال: الأوصاف التي حصلتها أنه التمر مطعوم، هذا وصف ممكن يكون عُلّق تحريم التفاضل عليه بسبب هذه العلة أنه طعام. ويقول: علة أخرى، طب ممكن تكون العلة أنه مكيل وليس لأنه مطعوم؟ ما هو الآن لسه يقوم بعملية الحصر؛ هي الإجراء الأول، فعملية التقسيم هي عملية حصر الأوصاف التي تحتمل أن تكون علة.

ممكن يقول لك: لا، أنه قوت ومدخر. نظر، تأمل، تأمل، قال: لا، ما ظهر لي أنه أبداً ما في غير هذه الأوصاف المحتملة للتعليل، ما في شيء آخر في التمر، فهو يقول: أنا اجتهدت وبحثت ونظرت لم أجد إلا هذه الأوصاف الثلاثة المحتملة للتعليل. فالآن الخصم إذا وافقه قال: فعلاً لا يوجد غير هذه الأوصاف، أحياناً ما قلت لعلم الجدل، ما في غير هذه الأوصاف، ممتاز، بنتقل للمجتهد للخطوة التالية.

قال: إذاً الخطوة الأولى عملية السبر انتهت، عفواً عملية التقسيم انتهت، الخطوة الأولى انتهت، قام بحصر الأوصاف، حصر الأوصاف التي تصلح وتحتمل أن تكون هي العلة، ثم بعد ذلك يبدأ بعملية ثانية عملية السبر، الاختبار لهذه الأوصاف وصفاً وصفاً. ينظر يقول: هل المطعوم مناسب لتعليق هذا الحكم عليه؟ وهو حرمة التفاضل، هل يناسب تعليق حرمة التفاضل على الطعم؟ يبدأ ينظر في المناسبة، أو الحنبلي ظهر له أنه لا، ما في مناسبة في تعليق حرمة التفاضل في التمر على الطعمية وقال: كونه مطعوماً إنسان، نظر الحنبلي في القوت والادخار قال: هل تحدث مناسبة وتنتج مناسبة بترتيب حرمة التفاضل على القوت والادخار؟ قال: والله ما ظهرت لي مناسبة. طبعاً هنا بدها قرائح قوية ومتينة هي التي تدرك طرق الشارع بالتعليل، متشبّعة من علوم الشريعة، عملية هنا عملية إلغاء الأوصاف التي لا تصلح ترى ليست سهلة، ممتاز؟ فيأتي إلى المكيل فيقول: والله المكيل أنا شايفه هو العلة التي تناسب ترتيب هذا الحكم عليها، أو يناسب ترتيب هذا الحكم عليها، فماذا يقول الحنبلي؟ يقول: إذاً تحريم التفاضل في التمر بالتمر علته أنه مكيل، فهو قام بعملية السبر للأوصاف، فظهر عنده أن المكيل هو الوصف المناسب لترتيب الحكم عليه بالتطبيق، نعم تمام.

الآن أيها الأحبة قد يقول قائل: إذاً يا شيخ عملية السبر، في النهاية السبر والتقسيم يؤول إلى مناسبة، أنه أنت ستأتي لوصف عليك أن تظهر مناسبته في ترتيب الحكم عليه، صح ولا لا؟ بنقول وأنت قبل درسين أو نسيت قلت: إن اشتراط المناسبة في العلة هذا ليس بمسلّم، أو لا يشترط أن يكون في مسلك السبر والتقسيم أو الدوران أو غيره، وإنما هو شرط في العلة. لما كان عبد المؤمن البغدادي تذكره بيتكلم عن شروط العلة، لما ذكر شروط العلة قال: الوجود، الظهور، الانضباط، وذكر منها المناسبة.

ذكر من شروط العلة المناسبة، وقلنا لا بدنا نتوقف: هل فعلاً يُشترط في علل الحكم أن تكون دائماً مناسبة؟ ولا يمكن أن تُعلل الأحكام بغير مناسبة؟ فقلنا الصحيح وبدأنا نقسم: إنه إذا كانت العلة منصوصة ومجمعاً عليها لا يشترط إدراك مناسبتها. وقلنا: أما إذا كانت العلة مستنبطة فهناك كثير من مسالك الاستنباط أيضاً لا يشترط فيها، يعني حتى لو أردت أن تأخذ العلة أو تستنبط العلة استنباطاً، هل يشترط في العلة المستنبطة أن تظهر مناسبتها؟ قلنا ظهور المناسبة هذا شرط إذا سلك مسلك المناسبة، نعم يُشترط في العلة المستنبطة وجود شرط المناسبة فيها، موفق يا عبد المؤمن، لكن إذا كانت العلة مستنبطة بمسلك آخر، بمسلك الدوران، بمسلك السبر والتقسيم، قلنا: لا يُشترط عند المحققين من الأصوليين ظهور المناسبة في الوصف المستنبط. هسأنا الطالب رح يخدم أموره: إنه أنتم هناك يا شيخ قلت لا يشترط، إذاً في السبر والتقسيم ظهور المناسبة في ايش؟ لا يشترط، أنا أقول: لا يشترط في السبر والتقسيم ظهور المناسبة في الوصف الذي سنحدده، عندك أنك هون في هذه الطريقة أنت عندما قمت باختبار هذه الأوصاف كيف اختبرتها وكيف حددت العلة؟ من خلال إبداء المناسبة. فإذاً أنت في النهاية تشترط، حتى ليس فقط مسلك المناسبة هو الذي يُشترط فيه أن تكون العلة المأخوذة علة ظهرت مناسبتها، بل حتى السبر والتقسيم لا بد أن تكون بناءً على كلامك الآن الذي قلته، لا بد أن تكون العلة المستنبطة من خلال هذا المسلك ظهرت مناسبتها.

أقول في الصحيح إنه لا يشترط ذلك، والغزالي نص على ذلك في المستصفى، قال في مسلك السبر والتقسيم: لا داعي، ما سأقول يكفي أن تبطل الأوصاف التي لا تناسب التعليل، وتبقي الوصف الأخير هو علة للحكم حتى ولو لم تظهر لك مناسبته. غريبة هذه القضية، أعيد الكلام، الغزالي يقول: الآن أنا ذكرت لكم قبل قليل، قلت إنه المجتهد يأتي للمطعوم لا يلاحظ عدم مناسبته، تأتيه القوت والادخار لا أظهر مناسبته، يأتي للمكيل، ممتاز؟ الآن انظر ماذا سأقول: هل إذا أبطل المجتهد صلاحية المطعوم للتعليل، وأبطل صلاحية القوت والادخار للتعليل، هل يُشترط في مسلك السبر والتقسيم؟ الآن كم عندنا بقيت عنده؟ إلا واحدة، هل يشترط أن ينزل المجتهد أن يبين مناسبة هذه العلة الأخيرة للتعليل؟ ولا يكتفي بإبطال العلة الأخرى فبالتالي تكون أو الوصف يكون الوصف الأخير هو الوصف المعلل به، تظهر مناسبته؟ يقول الغزالي: يكفي ذلك، يكفي أن يُبطل المجتهد صلاحية الأوصاف الأخرى للتعليل، فيبقى الوصف هو علة الحكم حتى ولو لم تظهر مناسبته.

الآن إذا المجتهد أبدى مناسبته أنعم به وأكرم، إذا المجتهد لم يبدِ مناسبته هل نقول والله مسلكك خطأ؟ لا، في السبر والتقسيم لا نستطيع أن نقول له أخطأت، يكفي منك أنك أبطلت جميع الأخرى التي لا تصلح، فإذا لم يبقَ إلا هذا الوصف فهذا الوصف هو علة هذا الحكم، سواء بينت مناسبته أو أدركتها أو لم تدركها، ولذلك صح كلامي السابق إنه مسلك السبر والتقسيم لا يُشترط فيه أن تكون العلة المأخوذة منه علة ظهرت مناسبتها. فلا يشترط فيه المناسبة، الآن البعض قد يخالف الغزالي حقيقةً، لا البعض لا يقبل هذه الطريقة، لا يوافق الغزالي هو ومن ذهب إلى مذهبه، يقول لا: حتى لو أبطلت المطعوم والقوت وبقيت الكيل لا بد أن تظهر مناسبتها للتعليل، إذا ما ظهرت مناسبتها لا يصلح. البعض يقول هذا فعلاً ستجدونه إذا كنتم الأصوليين، لكن أنا أقول على الغزالي ومن ذهب إلى مدرسته، الغزالي يقول: إذاً يكفي أن يُبطل المجتهد الأوصاف التي لا تصلح للتعليل فيبقى الوصف الأخير فيُعلّق الحكم عليه حتى ولو لم تظهر مناسبته، عرفتم أن هناك مدرستان أيها الأحبة بشكل عام، هناك من يشترط في السبر والتقسيم إدراك مناسبة العلة للحكم، وهناك من لا يشترط الوصول إلى المناسبة ولا يشترط إدراك مناسبة الوصف للحكم، بل يكفي أن تبطل الأوصاف الأخرى فيبقى الوصف الأخير هو علة لهذا الحكم، أدركنا مناسبته ولم ندركها.

طبعاً هذا بناءً على ايش؟ الغزالي دقيق، لأنه الغزالي بقول أنت أولاً قمت بعملية الحصر، فأنت تزعم أنه ما في أوصاف تصلح لتعليل هذا الحكم إلا هذه الأوصاف، إذا كان حصرك صحيح مئة بالمئة تمام، ثم قمت بعملية الاختبار، فأبطلت جميع الأوصاف التي لا تصلح للتعليل وبقي وصف واحد، إذ منطقياً بده يكون هذا الوصف هو العلة، لأنه إذا لم يكن هو العلة ماذا سيحدث؟ معناه حصرك ابتداءً فيه خطأ، لأنه إذا كانت هذه العلة لسه، أين العلة راحت؟ أنت أبطلت جميع الأوصاف وما بقي إلا وصف واحد، معناه إذاً ابتداءً هو الخطأ، جميل. فلذلك كما قلت لكم الصحيح طريقة الغزالي وطائفة كبيرة من الأصوليين إنه لا يُشترط في مسلك السبر والتقسيم أن تكون العلة المستنبطة منه ظهرت مناسبتها، إذا أظهر المجتهد المناسبة أنعم به وأكرم، لكن إذا لم يظهر المجتهد المناسبة واكتفى بإبطال الأوصاف الأخرى ثم علق الحكم على الأخير نقول: أيضاً هذا الصحيح ويكون هذا الوصف الأخير هو العلة، وضحت القضية؟ وما معنى أنه لا يشترط إدراك المناسبة في العلة المأخوذة بهذا المسلك؟

بينما المسلك السابق مسلك المناسبة لا لازم ندرك المناسبة، ليه؟ لأنه مسلك المناسبة ما فيه حصر، مسلك المناسبة، المسلك السابق الذي أخذناه في المحاضرة السابقة ما فيه عملية حصر، بالتالي الطريقة المنطقية التي يفكر فيها الغزالي مش ممكن تصير هناك، إنه في مسلك المناسبة المجتهد يأتي للحكم مباشرة يقول: هذا الوصف هو العلة، من دون أن يقوم بعملية حصر واختبارات، لا لا، مباشرة للحكم يقول: هذا الوصف هو العلة، فمباشرة بدنا نسأله: لماذا هو العلة؟ بده يذكر المناسبة، أما في السبر والتقسيم لا، المجتهد ابتداءً قام بعملية حصر للأوصاف التي تصلح للتعليل، ثم أخذ هذه الأوصاف اختبرها وصفاً وصفاً، ألغى الأوصاف التي لا تصلح للتعليل، فبقي وصف واحد، نقول هذا الوصف الواحد وعلق الحكم عليه، أنت سواء أدركنا مناسبته أو لم ندرك مناسبته، فإبطالنا للأوصاف الأخرى وإظهار عدم مناسبتها كافٍ في تعليق الحكم على الوصف الأخير ظهرت مناسبته أو لم تظهر، تمام.

الآن هناك سؤال مهم: هل هناك فرق يا شيخ بين السبر والتقسيم وبين تنقيح المناط الذي أخذناه سابقاً حينما تكلمنا أن العلة يبحث فيها من عدة وجوه، يبحث فيها من أجل تحقيق المناط، يبحث فيها من حيث تخريج المناط، يبحث فيها من حيث تنقيح المناط؟ وعرف لنا عبد المؤمن البغدادي ما معنى تنقيح المناط، ايش قال عبد المؤمن في تعريفه لتنقيح المناط؟ قال عبد المؤمن: تنقيح المناط هو أن يُذكر حكم عقب أوصاف، صح؟ أن يكون عندي نص شرعي ذكر في هذا النص مجموعة من الأوصاف ثم ذكر الحكم بعده، فيأتي المجتهد فيبيّن أي وصف من هذه الأوصاف المذكورة في النص هي التي تصلح لتعليق الحكم عليه، ومثلنا لها بقصة الذي وطأ امرأته في نهار رمضان، وما جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله هلكت، قال: وما أهلكك؟ قال: وقعت على امرأتي في رمضان، قال: اعتق رقبة، هذا الحكم عتق رقبة جاء بعد نص طويل فيه مجموعة من الأوصاف أنه جاء أعرابي، قلنا ممكن يكون والله هذا الحكم للكفارة أنه أعرابي، هذا وصف موجود نحطه في الحصر تبعنا أنه أعرابي، ثم قال: طيب وقعت على امرأة في رمضان، أنه هل العلة أنه جامع فقط لأنه جامع في النهار؟

أو أنه جامع في نهار رمضان؟ تذكروا تنقيح المناط ولا الزنا؟ كما عرف عبد المؤمن، ارجع إلى التعريف الذي ذكره وقبل يعني سبع صفحات تقريباً، إنه تنقيح المناط أن يذكر حكم عقب أوصاف، فيأتي المجتهد عندي نص شرعي، هذا النص وأنا يهمني تعرفوا الآن الفرق بين السبر والتقسيم وتنقيح المناط، نص شرعي ذكر فيه أوصاف وذكر حكم، يأتي المجتهد إلى هذه الأوصاف الموجودة في النص الشرعي يختبرها أيضاً وصفاً وصفاً، ينظر أي هذه الأوصاف يصلح لتعليق الحكم عليه، فيلغي الأوصاف التي لا يصلح تعليق الحكم عليها ويبقي الوصف الذي يصلح تعليق الحكم عليه، فالأعرابي مثلاً قصة الذي وقع في رمضان، الحكم هو حكم الكفارة، هل لأنه أعرابي؟ هذا وصف ذكر في النص، هل لأنه جامع؟

هل هذا هو العلة؟ ولا لأنه جامع في رمضان سواء نهار أو ليل؟ أو جامع في نهار رمضان؟ أو جامع وهو صائم؟ لا، خلص، وهو صائم؛ جاء معه وهو صائم. أنه كل هذه الأمور التي نصدر عليها هذه الأوصاف من أين أخذت أنا؟ من النص؛ أنه أعرابي، وأنه جامع، وجامع في إيش؟ وهو صائم، في رمضان في النهار. بس بالضبط، ليست بالضبط هي العلة في هذه الأوصاف كلها. هل الحكم أو الكفارة الشريعة تعلقها على أنه أعرابي؟ لا، هذا الوصف ليس مناسباً؛ الشريعة ما عندها لغة حكم على أنه فلان أعرابي ولا حضري ولا مدني ولا إذا انقطع عن هذا الوصف، ليس مناسباً.

هل لأنه جامع وهو صائم؟ بغض النظر أنه كان في رمضان أو في غير رمضان، هذه ممكن البعض يكون فيها، ممكن إذا ظهرت له مناسبتها. طب هو ممكن البعض يقول لا، مش لأنه صائم، لأنه جامع في رمضان حرمة شهر رمضان. بس جامع في رمضان، طب شيخ لو واحد جامع الليل في رمضان ما هي ليس فيها مشكلة. فإنه بس في رمضان بغض النظر نهاراً أو ليلاً، برضه هذا ليس مناسباً. اه، ونعتبر هذا ليس مناسباً، لأنه جامع في نهار رمضان. اه والله، القصة كأنها تشير إلى هذا، هذا الوصف هو الذي يصلح لتعليق حكم الكفارة عليه؛ الجماع في نهار رمضان.

الآن المالكية لسا ما اقتنعوا بهذا، قالوا ليس أنه جامع في نهار رمضان، الإفطار عمداً في نهار رمضان، أنه إذا جامع في نهار رمضان إذا هو أفطر فيهم من النص، إذا هو أفطر عمداً في نهار رمضان. فقالوا لا، النص أعطيني وصفاً آخر، أنه هذا الحكم إعتاق رقبة ولا إطعام، حكم الكفارة ليس لأنه جامع في نهار رمضان، الجماع بحد ذاته، لا؛ لأنه أفطر عمداً في نهار رمضان، بالتالي يستفادوا من هذا أنه أي إفطار عمداً في نهار رمضان فيه كفارة. الحنابل والجمهور قالوا لا، علة هذا الحكم ليس لأنه أفطر عمداً، بل لأنه جامع في نهار. وتبدأ هنا نقاشات معمقة بين المذاهب. المالكية لن يثبت وجهة نظرهم أنه هذا هو الوصف، الإفطار عمداً. الجمهور لا، الوصف هو جامع، الجماع بحد ذاته، أنه الجماع مغلظ ليس مثل باقي المفطرات، ونقاشات مطولة.

لاحظوا هنا نفس عملية السبر والتقسيم، أنه المجتهد جاء إلى النص، ظهر في الأوصاف التي يعطيها له النص، جمعها، تقسيم، ثم بدأ يختبر هذه الأوصاف وصفاً وصفاً. ما الذي يصلح وما الذي لا يصلح؟ ألغى كل الأوصاف التي لا تصلح، ثم وصفاً واحداً هو الذي علق عليه الحكم.

إذاً يا شيخ خلص إذا نفهم من كلامك أن السبر والتقسيم وتنقيح المناط شيء واحد. في الحقيقة أيها الأحبة هناك خلاف بين الأصوليين في توجيهه. مثلاً الجويني رحمه الله عليه يقول لا فرق بين تنقيح المناط والسبر والتقسيم. لكن اعتماداً على كلام عبد المؤمن البغدادي أقول لكم أيها الأحبة: السبر والتقسيم أعم من تنقيح المناط. فتنقيح المناط هو نوع من أنواع السبر والتقسيم. كيف يا شيخ أقنعنا بوجهة نظرك لماذا تنقيح المناط هو نوع من أنواع السبر والتقسيم وليس مترادفين؟ من هكذا واحد نبيه ينتبه؛ لماذا؟ أنا جعلت تنقيح المناط من خلال شرحي للسبر والتقسيم وتنقيح المناط، لماذا تنقيح المناط هو نوع من أنواع السبر والتقسيم وليس بالضبط هو السبر والتقسيم؟

ليس كل سبر وتقسيم تنقيح مناط، بينما كل تنقيح مناط سبر وتقسيم، مش هكذا علاقة العموم والخصوص المطلق؟ صح، إحنا أخذناها بالمنطق. فإذاً أنا أقول تنقيح المناط هو نوع من أنواع السبر والتقسيم، لكن هناك سبر وتقسيم ليس تنقيح مناط. بناءً على مدرسة عبد المؤمن في تعريفه لتنقيح المناط، وبناءً على ما فهمته بشرحي للسبر والتقسيم، الآن أيها الأحبة في تنقيح المناط يكون الحكم مذكوراً عقب أوصاف، الأوصاف مذكورة في النص، لكن المجتهد يقوم بحصرها وتلميمها، ثم بعد ذلك اختبارها، وبيان ما يصلح منها وما لا يصلح. السبر والتقسيم لا يشترط فيه كمسلك عام أن تكون الأوصاف مذكورة في النص، يمكن النص فقط بين لي حكماً ولم يكن هذا الحكم مقترناً بأوصاف.

الآن عبد المؤمن إيش عرف تنقيح المناط؟ مش قال أن يذكر حكم عقب أوصاف؟ إذاً عبد المؤمن يفهم أن تنقيح المناط يكون عندي النص يشتمل على أو مجموعة أوصاف زائدة على الحكم، يقوم المجتهد بحصر هذه الأوصاف التي دل عليها النص، ويقوم بتنقيحها، بيان ما يصلح منها لأن يكون علة للحكم وما لا يصلح. وهذا نوع من السبر والتقسيم، لكن السبر والتقسيم أيها الأحبة كمسلك عام لا يشترط فيه أن تكون مذكورة في النص. إذا كانت الأوصاف مذكورة في النص والمجتهد قام بجمعها فهذا يسمى تنقيح مناط ويسمى سبرًا وتقسيمًا. إذا كان النص فقط ذكر الحكم والمجتهد باستنباطه العقلي هو الذي قام بحصر الأوصاف وجمعها ثم اختبارها، فهذا يسمى سبرًا وتقسيمًا ولا يسمى تنقيح مناط، فهمتم؟

إذاً أيها الأحبة بناءً على كلام عبد المؤمن البغدادي، فإن تنقيح المناط هو صورة من صور السبر والتقسيم. لماذا يا مشايخ نقول السبر والتقسيم لا يشترط فيه أن تكون الأوصاف مذكورة في النص؟ لا يشترط فيه. فمثلاً قبل قليل مش قلنا حرمة التفاضل في التمر بالتمر؟ الآن هل النص ذكر قضية كيل أو قوت وادخار أو طعمة ولا أنه المجتهد هو الذي يقوم بعملية استخراج هذه الأوصاف وحصرها ثم اختبارها؟ مجتهد هو الذي قام بتأملاته باستخراج هذه الأوصاف وحصرها ثم اختبرها، فهذا سبر وتقسيم وليس تنقيح مناط.

في مسألة الأعرابي لا، الأوصاف مذكورة في جملة، ربما المجتهد يعني بعض العمل البسيط في استخلاصها لكنها مذكورة في النص ومذكور الحكم، فقام المجتهد بأخذ هذه الأوصاف من النص وتلميمها، ثم قام باختبارها وسبرها لبيان ما يصلح منها وما لا يصلح. وهذه سبر وتقسيم أيضاً، أن عملية حصر أخذت الأوصاف من النص ثم اختبارها، سبر وتقسيم. فبالتالي تنقيح المناط هو سبر وتقسيم، لكن ليس كل سبر وتقسيم تنقيح مناط، ومتى يختلف السبر والتقسيم عن تنقيح المناط؟ هكذا تقول: إذا كانت الأوصاف غير مذكورة في النص وإنما قام المجتهد بنفسه.

واضحة القضية يا مشايخ؟ عرفنا العلاقة، أنا يهمني أن الطالب يفهم الارتباط بين المصطلحات، أنه أنت استقرأت تنقيح المناط ثم يبدأ الطالب ولا يقرأ السبر والتقسيم فيقول: يا شيخ بين لي ما الفرق بين السبر والتقسيم وبين تنقيح المناط؟ فالآن عرفتك العلاقة؛ أنه تنقيح المناط هو نوع من أنواع السبر والتقسيم. الآن المشايخ هناك مثل الجويني كأنه والله أعلم يرى أن تنقيح المناط، لاحظوا ماذا سأقول الآن، رأي آخر تماماً. قد يكون الجويني يرى أن تنقيح المناط كمصطلح لا يشترط فيه أن تكون الأوصاف مذكورة في النص مع الحكم، بالتالي صدق كلامه أنه تنقيح المناط هو نفس السبر والتقسيم صح؟ عبد المؤمن لأنه اشترط في تنقيح المناط أن يذكر حكم عقب أوصاف قال هذا تنقيح مناط. اه، إذا بنقول له تنقيح المناط عندك هو نوع من أنواع السبر.

من قال تنقيح المناط لا يشترط أن تكون الأوصاف مذكورة في النص، إذاً هو جعل تنقيح المناط والسبر والتقسيم شيئاً واحداً، لذلك الطالب يعمل عقله، يفهم أنه فلان لماذا قال بالترادف؟ فلان لماذا قال بالعموم والخصوص المطلق؟ بيفهم هذا مصطلح إيش دلالته عند فلان، وإيش دلالته عند فلان. تمام، أعود أيها الأحبة إلى مسلكنا فنقول إذاً الطريقة الثانية من طرق استنباط العلل هي طريقة السبر والتقسيم. قال عبد المؤمن، أكمل كلام عبد المؤمن: بحصر العلل وإبطال ما عدا المدعى علة.

إيش قال عبد المؤمن البغدادي في السبر والتقسيم؟ أعطاك الخطوات، الخطوة الأولى قال بحصر العلل ثم تبطل ما عدا المدعى علة، الأوصاف بعد أن قمت بحصر الأوصاف التي تحتمل التعليل، أبطأت الأوصاف التي لا تصلح لتعليق الحكم عليها، وأبقيت الوصف الأخير فعلقت الحكم عليه، سواء ظهرت مناسبته للتعليل أو لم تظهر على الصحيح. تمام، نكون انتهينا من النوع الثاني أو الطريقة الثانية من طرق استنباط العلة، مسلك السبر والتقسيم. ننتقل الآن إلى الطريق الثالث، هل نحن مستعدون أيها الأحبة؟ الطريق الثالث من طرق استنباط العلة، لاحظوا نحن الآن نتكلم عن استنباط العلة استنباطاً. قال الثالث قال أو بقياس الشبه.

في الحقيقة هنا عبد المؤمن البغدادي استخدم مصطلحاً ما كان ينبغي أن يستخدم في هذا المقام، لماذا؟ لأن قياس الشبه، كلمة قياس الشبه هذه ليس مسلكاً من مسالك التعليل، قياس الشبه هذا نوع من أنواع الأقيسة، أن قياس علة، قياس دلالة، قياس شبه، سيأتي إن شاء الله. وإنما اسم هذا المسلك أيها الأحبة اكتبوا فوقها: اسمه مسلك التشبيه، مسلك الشبه، الولد اسمه ليس قياس الشبه، اسم هذا المسلك إيش الجديد؟ مسلك الشبه.

هناك فرق بين أن تقول مسلك الشبه وبين قياس الشبه، قياس الشبه هذا نوع من أنواع الأقيسة، سنكون إن شاء الله في ختام باب القياس، أما هنا نحن نتكلم عن مسالك التعليل، اسم المسلك عند جمهور الأصوليين اسمه مسلك الشبه. اه، هو ليش قال قياس الشبه؟ لأنه قياس الشبه يستخدم العلة، يعني الجمع فيه بين الأصل والفرع يكون بواسطة العلة المأخوذة بمسلك الشبه، فهمتم؟ هناك ارتباط لكن أنا بحب الدقة، المسلك هنا إيش اسمه؟ مسلك الشبه. قياس الشبه الذي سنتعلمه إن شاء الله، الجمع فيه بين الأصل والفرع يكون بواسطة جامع مأخوذ بواسطة مسلك الشبه، فإذا فهمتم الارتباط بينهم، وإيش الذي جعل عبد المؤمن يقول إنه اسمه قياس شبه؟ وفي الحقيقة ما اسمه قياس شبه هذا المسلك، إيش اسمه؟ مسلك الشبه. لكن لأنه قياس، هو جمع بين الأصل والفرع بواسطة علة مأخوذة بمسلك الشبه، قال خلاص بسميه هذا قياس الشبه، لكنه هذه التسمية ليست دقيقة، والتسمية الدقيقة هو مسلك الشبه.

طيب ما هو مسلك الشبه؟ اكتبوا عندكم أيها الأحبة، مسلك الشبه هو تعليل الحكم بوصف بين المناسب والطرد، فهو من حيث كونه غير مناسب، يعني لم تظهر مناسبته في تعليق الحكم عليه، تذكروا عبد المؤمن يا مشايخ، المصطلح، بدي مصطلح عبد المؤمن، لما قال الوصف إذا لم تظهر مناسبته إيش بنسميه عند الأصوليين وصف إيش؟ لا، إذا لم تظهر مناسبته، المفصل هذاك الذي لم يشهده الشارع باعتبارنا بلغاء، الوصف الذي لم ترَ مناسبته، يلا نرجع مع بعض، ارجعوا إلى شروط العلة عند عبد المؤمن إلى شرط المناسبة، وعندما قال أن الوصف الذي لم تظهر مناسبته هو وصف طردي، وقلت لكم يهمني كلمة طردي، عودوا إلى شروط العلة إذا كان الشرط الرابع كان المناسبة، إيش قال؟ قال حصول المناسبة هذا من شروط العلة عند عبد المؤمن وناقشناه طبعاً، فقال الوصف إذا لم تظهر مناسبته يسمى عند الأصوليين وصف طردي، والوصف الطردي لا بد تحفظ هذه المصطلحات، والمصطلحات مهمة في القياس، وأحياناً تتداخل.

فنعود الآن، أنا إيش قلت لكم في مسلك الشبه؟ في مسلك الشبه أيها الأحبة المجتهد يعلل الحكم بوصف، هذا الوصف الذي سيعلل المجتهد الحكم به، سيستنبط المجتهد ويعلل الحكم به، وصف هو بين المناسب وبين الطرد، فهو من حيث كونه غير مناسب، يعني لم تظهر مناسبته في التعليل، أي لم يظهر للمجتهد في ترتيب عليه وجود مصلحة من حيث هذه النظرة هو طردي، ولكن من حيث التفات الشارع إليه في الجملة كالمناسب، فلذلك هذا وصف حير، بسموه، يعني هو وصف جارٍ بين كما يقولوا بالنص، لا هو مناسب ولا طردي، مرتب بالمنتصف.

صورة هذا المسلك أيها الأحبة أن يأتي المجتهد على حكم، دائماً ها، يأتي المجتهد على حكم، هذا الحكم غير المنصوص على علته، غير مجمع على علته، سيستنبط علته استنباطاً، قلنا للمجتهد أي مسلك ستسلك استنباط العلة لهذا الحكم؟ قال والله يا جماعة إن مسلك المناسبة صعب، لأني أنا نظرت الحكم ما وجدت وصفاً مناسباً أعلق الحكم عليه، فبالتالي لا أستطيع أن أسلك مسلك المناسبة وأقنعكم، تمام؟ قلنا له طب السبر والتقسيم؟ قال ما وجدت في نفسي قدرة على أني أحصر الأوصاف التي تحتمل أن تكون علة، يعني مش قادر أحصر الأوصاف، خلص، أغلق عليه، الحكم أحياناً يكون غير ظاهر كثير أموره، فخشي المجتهد أن يكون حصره قاصر، قال لا أستطيع أن أحصر الأوصاف التي تصلح للتعليل وأختبرها، فقلنا له طيب بنفسك ستسلك في الاستنباط؟ قال خلاص أذهب إلى مسلك الشبه، مسلك الشبه مسلك ضعيف بشكل عام، البعض لا يقبله أصلاً، لأنه أنت ستأتي إلى وصف تجعله علة مع أن هذا الوصف لا ظهرت مناسبته لك كمسلك المناسبة، ولا وصلت إلى علة أنت من خلال السبر والتقسيم، وإنما نظر فيه المجتهد قال والله هذا الوصف لو تظهر مناسبة المناسبة إذا هو طردي، قال لكن هو يعني أنا وجدت الشارع التفت إليه في الجملة، يعني هناك التفات إليه في الجملة، فهو لا يصل إلى أن يكون طردياً بالتمام، من حيث التفات الشارع إليه في الجملة.

أجده مقبولاً، كيف أحكي؟ أسهل هكذا الحال وبهذا المفهوم فيعلق الحكم عليه، فيقول: خلاص هذا الحكم علته كذا وكذا. نقول: إذاً هذه العلة أخذت بمسلك الشبه. لماذا اسمه شبه؟ قالوا: لأنه يشبه أن يكون هو العلة. صح، أنت غير مقتنع تماماً مئة بالمئة، لكنه يشبه ويحتمل أن يكون علة فتعلل به، لأنك لم تستطع أن تستخدم مسلك المناسبة أو السبر والتقسيم، فسمي شبهاً بشبه العلة بشبهها، وإن لم يكن منطقياً جداً.

أيها الأحبة، المجتهد يأخذ حكماً فيعلله بوصف بين المناسب والطرد، هو من حيث لم تظهر مناسبته هو طردي، لكن من حيث التفات الشارع إليه في الجملة هو من ناحية يقترب من المناسب. يعللون بأمثلة على ذلك؛ من أمثلة ذلك الحنابلة يقولون بقياس مسح الرأس على مسح الخف في عدم تكرار المسح بجامع ماذا؟

الإنسان إذا مسح على الخفين في الوضوء يمسحهما مرة واحدة، ثم الحنابلة يقولون: مسح الرأس فرع نقيسه على أصل وهو مسح الخف في الحكم، ما هو الحكم؟ عدم تكرار المسح. يعني كما أن مسح الخف لا يكرر، كذلك مسح الرأس في الوضوء لا يكرر، قسنا مسح الرأس على مسح الخف في عدم تكرار المسح. قلنا لهم: ما هي العلة الجامعة بينهما؟ قالوا: أن كليهما مسح. لاحظوا العلة الآن بناءً على هذا، كأن الحنابلة يقولون: ما هو الأصل عندنا في هذه المسألة؟ مسح الخف. كأن الحنابلة يقولون: مسح الخف لا يكرر ثلاثاً بل مرة واحدة، عللوا ما هي؟

هم لم يستطيعوا أن يأتوا بعلة مناسبة، وما استطاعوا أن يأتوا بالسبر والتقسيم، فقالوا العلة: لأنه مسح. الآن هذا التعريف الحقيقي يقولون: هذه العلة هي علة شبهية، لأنها ليست مناسبة لترتيب الحكم عليها، وإنما هي وصف بين المناسب والطرد. ففي الحقيقة كون المسح لا يكرر لم تظهر له مناسبة واضحة ظاهرة في تعليق هذا الحكم وعدم التكرار على هذا الوصف بحد ذاته. فقالوا: إذاً اعتبروه وصفاً شبهياً، أي وصفاً بين المناسب والطرد، وأن الشريعة بشكل عام اعتبرت المسح في كثير من المسائل، وهذه مناسبة عامة جداً؛ أن الشريعة اعتبرت المسح في مواضع وبنت عليه أحكاماً، كمثل مسح الخف لمدة ثلاثة أيام للمسافر ويوم وليلة للمقيم.

ففي أحكام بشكل عام ترتبط بالمسح، فالشريعة التفتت إلى المسح فيصلح لأن يكون علة وإن لم يكن بتلك العلة القوية، أي لم تظهر مناسبته، لكنه يصلح لأن يكون علة على طريقة الشبه، لأن الشريعة بشكل عام رتبت أحكاماً كثيرة على مسائل المسح؛ كمسح الخفين ومسح الجبيرة ومسح الرأس وهناك توقيتات للمسح. إذاً قضية المسح بشكل عام مرتب عليها أحكام، وإن لم تظهر مناسبة هذا الوصف في هذا الحكم بالتحديد.

لماذا لا تعتبرونه من الوصف الملائم؟ لا، برضه لم يظهر تأثير جنس هذا الوصف في جنس الأحكام، هل الشارع اعتبر جنس الوصف ليجوز حكم؟ لا. هل الشارع علل به في مناطق أخرى؟ لا، لم تظهر تعلية الشارع به، ولكن كما قلنا هناك التفات جملي من الشارع له، فمثل هذا الوصف يسمى وصفاً شبهياً، أي وصفاً مأخوذ بمسلك الشبه. التعليل بمثل هذه الأوصاف يسمى تعليلاً بأوصاف مأخوذة من مسلك الشبه. كذلك يقولون تعليل الأحكام بالذكورة والأنوثة بشكل عام، أو تعليق الحكم على الطهارة أو ما شابه ذلك من الأوصاف التي يكون تعليق الحكم عليها في العادة غير ظاهر في تصرفات الشارع، تسمى هذه الأوصاف حينئذ أوصافاً شبهية.

وهذا النوع عليكم أن تنتبهوا له جيداً لأنه منتشر في المذاهب الأربعة، لأنه كثير من الأحكام ليس من السهل على المجتهد أن يجد دائماً المناسبات في كل مسألة شرعية. بالله عليكم، كم عدد المسائل الشرعية في أقل متن؟ مثلاً في زاد المستقنع عندنا كم مسألة شرعية؟ أنت تتكلم عن أربعة آلاف مسألة بالراحة، غير المفهوم وغير المدل عليه بالإشارة. فلما يكون المجتهد عنده سبعة أو ثمانية آلاف مسألة يصعب عليه دائماً أن يسلك طريقة المناسبة أو السبر والتقسيم في استنباط علل هذه الأحكام، فيجد في مسلك الشبه متنفساً له حتى ينجز، خاصة إذا كانت مسائل كثيرة وتحتاج أحياناً إلى أحكام ونوازل مستعجلة.

يجد في مسلك الشبه متنفساً له حتى يكون هناك إنجاز ووصول إلى عدد كبير من الأحكام الفقهية، أما كل مسألة يريد أن يقف عليها بالمناسبة والسبر والتقسيم في استنباط علة لها سيكون الأمر فيه نوع من الصعوبة، أليس كذلك؟ فلذلك كثيرة هي الأقيسة التي تعتمد على الوصف الشبهي في تعدية الحكم من الأصل إلى الفرع.

هنا ذكرت على الهامش أن تاج الدين السبكي يقول، ولأنني أنبهكم على هذه القضية، تحديد ما معنى الوصف الشبهي؟ أعطيتكم تعريفاً ذكره تاج الدين السبكي في جمع الجوامع، أنه الوصف المأخوذ بمسلك الشبه هو وصف بين المناسب والطرد، وقد تكاثر التشاجر في تعريف هذه المنزلة ولم أجد لأحد تعريفاً صحيحاً. يعني أنتم إن شاء الله في رحلتكم في كتب الأصول، تحديد ما هو الوصف الشبهي بالضبط؟ ستجدون كل أصولي له طريقة في التعريف، وكل أصولي له وجهة نظر، فلذلك قلت إن تاج الدين السبكي يريحكم، ويقول هذا المسلك كثر التشاجر في تعريفه، ولا أكاد أجد تعريفاً صحيحاً له، فالطالب يعتمد تعريفاً واحداً يبني عليه علماً.

ان شاء الله عندما تطلعون في كتب الأصول وتجدون تعريفاً يناسبكم أكثر ووجدتموه منطقياً أكثر اعتمدوه، لكن هل ستصلون إلى اتفاق عام بين الأصوليين على تعريف الوصف الشبهي؟ لن تصلوا، وأعطاكم إياها هذه النتيجة تاج الدين السبكي مباشرة. طب هذا المسلك الثالث، مسلك الشبه، نذهب إلى المسلك الرابع، قال: الطريق الرابعة، قال: أو بنفي الفارق بين الأصل والفرع إلا لما لا أثر له، وهو مثبت للعلة لدلالتها على الاشتراك فيها على الإجمال.

هنا عبد المؤمن البغدادي يريد أن يدخلنا على مسلك رابع اسمه مسلك نفي الفارق بين الأصل والفرع. هذه الجملة أين مرت معكم؟ متى مرت معنا نفي الفارق بين الأصل والفرع؟ أينما تمر، صح؟ مرت معنا لما أصلنا في ابتداء باب القياس، قلنا بشكل عام إلحاق المسائل المسكوت عنها في الشريعة بالمسائل المنطوق بها، إلحاق المسكوت بالمنطوق، قال عبد المؤمن البغدادي له طريقان: طريق نفي الفارق بين الأصل والفرع وذلك في حال التقارب الشديد، والطريقة الثانية طريقة ذكر الجامع وهي القياس الأصولي، تذكرون ماذا؟ هذه فائدة المراجعة.

عبد المؤمن البغدادي لما ذكر إلحاق المسكوت بالمنطوق، له طريقة نفي الفارق وله طريقة ذكر الجامع، قلنا طريقة ذكر الجامع قال عنها وهي القياس، أي أنه إلحاق المسكوت بالمنطوق عن طريق ذكر جامع، وهذا هو القياس الأصولي. أما إلحاق المسكوت بالمنطوق عن طريق نفي الفارق قلنا هذا ماذا سماه؟ مفهوم موافقة، وقلنا في خلاف، البعض يسميه موافقة والبعض يعد هذا النوع من طرق القياس. وأنا قلت لكم في الحقيقة من خلال القراءة في كتب الأصوليين، نفي الفارق بين الأصل والفرع أعم من مفهوم الموافقة، مفهوم الموافقة يكون الحكم منصوصاً عليه في الكتاب أو في السنة منطوقاً، ويكون اللفظ يدل على حكم آخر بدلالة الالتزام، فمفهوم الموافقة أن هناك حكماً يدل عليه اللفظ بدلالة الالتزام موافق للحكم الذي يدل عليه اللفظ بدلالة المطابقة.

دائماً استحضروا المثال؛ ﴿فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: 23]، اللفظ يدل بدلالة الالتزام على تحريم الضرب، وهذا الحكم موافق للحكم الذي دل عليه اللفظ بدلالة المطابقة وهو تحريم التأفيف، أليس كذلك؟ ولكن كنت ذكرت لكم في الحقيقة أن مفهوم الموافقة يتعلق إذا كما قلنا هناك نص يدل على حكمه بدلالة المطابقة ويدل على الحكم بدلالة الالتزام، والحكم الذي بالالتزام موافق للحكم الذي بدلالة المطابقة، هذه فكرة مفهوم الموافقة. نفي الفارق بين المنطوق أعم من ذلك من صور مفهوم الموافقة، وهناك قد لا تكون المسألة أصلاً بشكل عام منصوصاً عليها، بل يكون هناك إلحاق أو نفي فارق بين فرع وأصل أو بين مسكوت ومنطوق من دون أن يسمى مفهوم موافقة.

المهم عبد المؤمن البغدادي الآن ما هي المشكلة التي وضعنا فيها؟ المشكلة التي وضعنا فيها أنه يجعل نفي الفارق بين الفرع والأصل صورة من صور استنباط العلة. طب كيف جعلها من صور استنباط العلة مع أنه هو أصلاً نفي الفارق بجهة وذكر الجامع بجهة أخرى؟ أليس كذلك؟ يعني نحن الآن نتكلم عن مسالك استنباط العلة، مسالك استنباط الجامع، فكيف تكون مسالك استنباط للعلل مسلك نفي الفارق بين الأصل والفرع؟ يعني الطالب يستغرب، كيف جعلت من مسالك الاستنباط؟ هو ماذا يريد أن يقول في هذا التفسير؟

يريد أن يقول إنه ما دام أنه لا يوجد فرق بين الأصل والفرع، فستكون علة واحدة هي نفس علة الأصل. نعم، ما هي علة الأصل؟ طيب أنت أعطني إياها، نحن الآن نستنبط العلة، ما هي علة الأصل؟ أنت تستنبط العلة من خلال إلغاء الفارق، كيف استنبطت علة؟ يعني أنا لما أنفي الفرق بين مثلاً ضرب الوالدين وبين التأفيف، العلة هي وجود معنى فيهما، هو هذا المنفَى هو العلة، وهل أحتاج إلى ذكره؟ قالوا: لا، لا تحتاج إلى ذكر الجامع بين ضرب الوالدين وبين التأفيف. فالآن لما قسنا اعتبروه قياساً، يا سيدي التأفيف وضرب الوالدين عند من يرى أنه قياس، كيف قسنا؟ هل من خلال ذكر العلة في التأفيف وجدت في ضرب الوالدين؟ ولا اكتفينا بنفي الفارق؟ لا فارق بين التأفيف وضرب الوالدين.

جميل، نفي الفارق بين التأفيف وضرب الوالدين هو دليل على وجود علة مشتركة بين التأفيف وضرب الوالدين، وإن لم ننص عليها. لذلك عبد المؤمن كان دقيقاً ترا هنا في هذا الموضع، ماذا قال سيدنا عبد المؤمن رحمه الله تعالى؟ قال: نفي الفارق بين الأصل والفرع إلا بما لا أثر له، طبعاً هناك فوارق بين الأصل والفرع، لكن هناك فوارق غير مؤثرة، هسا ضرب الوالدين والتأفيف في فوارق بينهما لكنها غير مؤثرة، فأنا أنفي الفارق المؤثر. إذا قمت بنفي الفارق المؤثر بين الأصل والفرع، ماذا قال عبد المؤمن؟ قال: وهو مثبت للعلة. كيف يا عبد المؤمن؟ قال: إن نفي الفارق فيه دلالة على ماذا؟ على الاشتراك فيها على الإجمال.

نفي الفارق لما أقول لا فرق بين التأفيف والضرب، إذاً هناك علة هو قطعاً يشتركان فيها، وإن لم أنص عليها، فمن خلال نفيي للفارق بينت وجود علة مشتركة بينهما، ولكن في هذا المسلك أنت لا تنص على العلة، لا، هذا الفرق بين هذا المسلك وبين المسالك السابقة. في مسلك المناسبة، في مسلك السبر والتقسيم، في مسلك الشبه، أنت ماذا كنت تفعل؟ كنت تقوم لتعطيني وصفاً تعلق عليه الحكم، كنت تعطيني وصفاً تعلق عليه حكم، تقول: الوصف الكيل، الوزن، السفر، المرض، ذاك علة واضحة تذكرها. في مسلك نفي الفارق بين الأصل والفرع يقولون هنا المجتهد لا ينص على العلة.

لا ينص على علة بل يكتفي بنفي الفارق بين الأصل والفرع. يقول عبد المؤمن: نفي الفارق المؤثر بين الأصل والفرع هو بحد ذاته مثبت لوجود علة مشتركة بين الأصل والفرع هي التي جعلت حكمهما واحداً، وإن لم تكن هذه العلة معلومة بالتحديد. فهمت ماذا يريد أن يقول؟ لذلك قال: وهو مثبت للعلة لدلالته على الاشتراك فيها على الإجمال.

فأنت كما قلت قبل قليل إنه هناك معنى وهو الأذى، لاحظوا معنى وهو الأذى موجود في التأفيف وموجود في ضرب الوالدين، صح؟ هذا المعنى هو الذي في الحقيقة بدنا نحقق النظر بمجهر هو الذي جعلني ألحق الضرب بالوالدين بالتأفيف. لكن هل عندما ألحقت ضرب الوالد احتجت لذكر هذه العلة ولا اكتفيت بنفي الفارق المؤثر؟ اكتفيت بنفي الفارق المؤثر، ونفي الفارق المؤثر للعلة لدلالة نفي الفارق المؤثر على وجود اشتراك بين الأصل والفرع في الإجمال، واشتراك في الحقيقة ليس ضعيفاً بل اشتراك قوي جداً هو الذي جعلني أكتفي بنفي الفارق عن ذكر الجامع، وإلا لو أردت أن أذكر الجامع أستطيع أن أذكره، لو أردت أن أذكر الجامع أستطيع أن أذكره.

فيقولون إذاً، هذه كتبتها هنا، نفي الفارق يدل على وجود ما يقتضي إلحاق الفرع بالأصل. اكتبوا هذه العبارة عندكم هنا، بعض العبارات قد تكون فهم الطالب بها: يقولون نفي الفارق المؤثر بين الأصل والفرع يدل على وجود ما يقتضي، أو اكتب علة، نفي الفارق المؤثر بين الأصل والفرع يدل على وجود علة تقتضي إلحاق الفرع بالأصل من دون تعيين لهذه العلة بالضبط، واكتفيت أنا بالتالي بنفي الفارق المؤثر لأنه خلاص إذا نفيت الفارق المؤثر بالتالي قطعاً هناك علة قوية كذلك هي التي ألحقت الفرع بالأصل.

لكن هو الآن كمسلك من مسالك استنباط العلة لا يعتبر قوياً، ها لاحظوا الكلام، كمسلك من مسالك الاستنباط لا يعتبر قوياً. لماذا؟ لأنك أنت لم تذكر لي العلة بالضبط، أنت اكتفيت بنفي الفارق المؤثر، فعدم ذكرك للعلة يجعل هذا المسلك في استنباط العلة ليس من المسالك القوية لأنك لم تذكر العلة وإنما اكتفيت بالإشارة إلى وجودها. إنه نفي الفارق المؤثر عقلاً ومنطقياً هو دليل على وجود علة بين هذا الأصل والفرع بل وجود تلاحم قوي بينهما، لكن طيب إيش هي اللي أنت ما ذكرتها؟ لأنك لم تذكرها ولم تحددها هذا المسلك شوي ضعيف. من أي جزئية ضعف؟ من حيث الاستنباط، من حيث الدلالة على العلة بالضبط.

طب نأخذ مثالاً على هذا المسلك؛ يقولون الأمة تقاس على العبد في السرايا. ما هي السرايا؟ الآن في الأحكام التي في الحديث الصحيح في البخاري ومسلم وغيرها من كتب السنة، أن العبد إذا كان مشتركاً بين مجموعة من الأسياد يملكون عبداً واحداً، فقام أحدهم بعتق نصيبه من هذا العبد، فإن هذا العبد يعتق جميعه على سيده، وهذا خلاف بين الفقهاء في تفصيل هذا الحكم. عندنا عبد يملكه أكثر من شخص، ثلاثة، إذا قام أحد هؤلاء الثلاثة بعتق ثلثه، قالوا شرعاً يلزم هذا الشخص أن يكمل عتقه كاملاً ولا يجوز أن يكتفي بالثلث كما جاء في الحديث: «ليس لله شريك». أنت الآن لما أعتق ثلثه، أعتق اليمين لله، فقال في الحديث: «ليس لله شريك»، إنه الآن هؤلاء الاثنين الباقين أصبحوا شركاء لله في العبد، فلا يصح، عليك أن تعتقه كاملاً فتسري الحرية في العبد، هذا يسمى سرايا، كأن الحرية ستسري في العبد بأكمله.

هذا الحكم الشرعي على خلاف بين المذاهب، إذا كان الرجل لا يملك مالاً، لأنهم الاثنين لا يريدون أن يعتقوا، يعني هم ملزمون يعتقوا معي؟ لا، طب إيش بده يعمل؟ كيف بده يعتقه؟ بده يدفع لهم مال مقابل أنها تكتمل السرايا، طب هم ما بدهم يعتقوا، إذا قام أحدهم بإعتاق نصيبه فالنبي صلى الله عليه وسلم أمر: «من أعتق شركاً له في عبد وكان له مال يبلغ ثمن العبد قوم عليه قيمة عدل فأعطى شركاؤه حصصهم وعتق عليه العبد». فإذا كان هذا الرجل أعتق الثلث ومعه ماله، الحمد لله، السرايا تكتمل عليه، وعليه أن يدفع لشريكيه حصصهما من العبد ويصبح العبد حراً كاملاً، يلزم شرعاً لأنه ليس لله شريك.

طب إذا كان هذا الرجل يعتق ثوبه وما عنده مال؟ قالوا تأتي خلافات فقهية أنه هل يستسعى العبد أو لا يستسعى، أو نعطي للعبد فرصة أنه يشتغل لحتى يدفع للاثنين ويعتق، تأتي أحكام فقهية. لكن أنا حق أصل الفكرة هي مسألة أن العبد إذا أعتقه أحد أسياده فتسري الحرية فيه ويكتمل، كانت تسمى سرايا، فهمتوها؟ طب لو كان المعتق أمة؟ الحديث ورد في العبد، هذا هو الأصل، جاء الفقهاء، أما لو كان مشتركاً فيها ثلاث أسياد أو أربعة، هل نفس الشيء إذا أعتق أحد الأسياد نصيبه من هذه الأمة تجري السرايا فيها فيجب أن تعتق كاملاً ويدفع هذا لشركائه المال مقابل أنها تعتق هذه الأمة كاملة؟

قالوا والله في الحقيقة الأصل تكون نفس الشيء، الحديث نص على العبد ونقيس الأمة على العبد، قالوا حتى لا داعي للقياس، قالوا إلحاق المسكوت بالمنطوق هنا من خلال نفي الفارق، ما في فارق مؤثر. قالوا لا فرق بين الأمة وبين العبد في هذا الحكم، إيش الفرق بينهم؟ فلا نحتاج أن نقول والله العلة كذا وهذه العلة موجودة في الأمة فنقيس الأمة على العبد في إجراء السرايا في كليهما، بل نكتفي بنفي الفارق المؤثر، فنقول الأمة تجري فيها السرايا كما تجري في العبد لعدم وجود فارق مؤثر.

الآن هل أنت ذكرت علة؟ لا، أنت كنت نفيت الفارق المؤثر. الآن إذا في فارق مؤثر، أنه هذا ذكر وهذه أنثى، بنقول لا، هذا ليس مؤثراً في هذا الحكم بحد ذاته، قضية أنه هذا ذكر وهذه أنثى، هذه غير مؤثرة، فأنا نفيت الفارق المؤثر لأنه لا يوجد فرق بينهم، العبد ذكر وهذه أنثى، لكن هل هذا فرق مؤثر؟ العلماء يقولون هذا فرق غير مؤثر. فنقوم فقط بنفي المؤثر، أما الأوصاف غير المؤثرة لا يحتاج إلى نفيها. نفيت الفارق المؤثر بين الأمة والعبد في هذا الحكم فألحقت الأمة بالعبد من خلال نفي الفارق المؤثر مع أني لم أنص على العلة.

عبد المؤمن يقول لهم الأكثر أن نفي الفارق المؤثر هو بحد ذاته مسلك من مسالك العلة، لأنك أنت في الحقيقة تثبت علة ألحقت بها الفرع بالأصل على الجملة، وإلا لم تعلم ما هي العلة بالضبط. بس هو من حيث قوة المسلك ضعيف، لأنه أنت في النهاية ما حددت ما هي العلة، أنت اكتفيت بنفي الفارق المؤثر، فالحكم صحيح إنتاجياً وصحيح وجيد وقوي، لكن من حيث التعريف هل أنت حددت العلة بالضبط؟ أنت اكتفيت بنفي الفارق المؤثر والعلة تكون ضمنياً موجودة وإن لم تنص عليها.

إذاً هذا هو المسلك الرابع من مسالك استنباط العلة. كم مسلك ذكرنا من مسالك الاستنباط؟ مناسبة، سبر وتقسيم، شبه، ونفي الفارق المؤثر. انتقل الآن عبد المؤمن البغدادي أيها الأحبة لبيان مجموعة من المسالك الفاسدة التي لا يجوز للمجتهد أن يتبعها في الوصول إلى العلة، بعبارة أخرى، طرق لا يجوز للمجتهد أن ينتهجها ليحدد من خلالها علية وصف معين، لا يجوز له أن يتبعها. نحن سابقاً أخذنا فيما سبق أخذنا المسالك التي يجوز للمجتهد أن يتبعها في تحديد العلة، أخذنا مسلك المناسبة، أخذنا السبر والتقسيم، أخذنا مسلك الشبه.

الآن سيأخذنا عبد المؤمن البغدادي في جولة قصيرة في مجموعة من المسالك، يخبرنا أن هذه المسالك وهذه الطرق لا يجوز لك أيها المجتهد أن تتبعها في تحديد العلة. ما هي هذه الطرق؟ هو في هذا الموضع اتبع الغزالي رحمة الله تعالى عليه، فقال عبد المؤمن البغدادي: وقد استدل على إثبات العلة بمسالك فاسدة، البعض يستخدم مسالك فاسدة في إثبات العلة، فنحن نقول لا يجوز لك أن تستخدم هذه المسالك. ما هي؟ قال أولاً: كقولهم سلامة وصفي من مناقض له دليل عليته.

هذا هو المسلك الأول الفاسد، وهو أن يثبت المجتهد صلاحية وصف معين للتعليل بمجرد سلامته من وصف معارض منافس له في هذه المسألة. أعيد، أن يثبت المجتهد صلاحية وصف للتعليل، يقول هذا الوصف هو علة هذا الحكم، كيف؟ بمجرد سلامة هذا الوصف من وصف آخر معارض له منافسه. فمثلاً أيها الأحبة، نأتي إلى مسألة مثلاً بيع التمر بالتمر، قلنا بيع التمر بالتمر يحرم فيه التفاضل، فيأتي المجتهد يقول: علة حرمة التفاضل في بيع التمر بالتمر هي أنه مكيال، هذه هي العلة أنه مكيال. فنقول له كيف أثبت؟ ما هو المسلك الذي انتهجته في إثبات أن هذا الوصف هو علة تحريم التفاضل؟ فقال: أثبت أن هذا الوصف، وهو الكيل، هو علة تحريم التفاضل بمجرد أنه لا يوجد وصف آخر معارض لهذا الوصف ينافسه.

قلنا له: أنت عندما أثبت أن الكيل هو علة لتحريم التفاضل، هل ثبت لك مناسبة هذا الوصف لهذا الحكم؟ قال: لا. هل قمت بسبر وتقسيم؟ قال: لا. ألا يوجد فيه شبه؟ لم تسلك مسلك الشبه؟ قال: لا. هنا فقط أثبت أن الكيل هو علة التفاضل في بيع التمر بالتمر فقط لأنه لا يوجد معارض لهذا الوصف في الحكم بسبب أن الخصم كان ضعيفاً فرضاً، فلم يستطع أن يعترض عليك بوصف آخر، فيقول لك لا، أنا أرى أن تحريم التفاضل في بيع التمر بالتمر والله لأن التمر بالتمر طعام، الطعومية هي العلة. سلمت من هذه المعارضة، فبمجرد أن سلمت من هذه قلت إن هذا الوصف هو علة هذا الحكم.

فعبد المؤمن البغدادي يقول هذا المسلك في إثبات علية وصف مسلك فاسد. لماذا؟ انظروا ماذا قال، قال: غاية هذا المسلك غايته ماذا؟ الآن عبد المؤمن بدأ الجواب على هذا المسلك ليضعفه، قال: غايته سلامته من المعارضة، وهي إحدى المفسدات. الآن عبد المؤمن لهذا المجتهد الذي يسلك هذا المسلك بإثبات علية الأوصاف، ماذا يقول له؟ يقول: إن استدللت على أن هذا الوصف علة فقط بمجرد أنه سلم من معارضة وصف آخر له، تمام، وصفك الذي تدعي أيها المجتهد سلم من المعارضة، والمعارضة هي إحدى مفسدات العلة ونحن نقر بذلك، بالتالي وصفك سلم من مفسد من مفسداته وهو وجود معارض، ولكنه لم يسلم من باقي المفسدات الأخرى. فهناك مجموعة من المفسدات قد تفسد علتك، أنت سلمت من مفسد واحد وهو المعارضة ولكنك لم تسلم من باقي المفسدات، أثبت لنا أنك سلمت من باقي المفسدات تمام.

فمثلاً عبد المؤمن البغدادي يشترط مثلاً في العلة المناسبة، يشترط في العلة الظهور والانضباط، فمثلما أن علتك سلمت من مفسدة عدم الظهور، أثبت لنا أن علتك سلمت من مفسدة عدم الانضباط، أثبت لنا أن علتك سلمت من مفسدة عدم المناسبة. أنت عندما تقول إن هذا الوصف هو علة فقط لأنه سلم من معارضة وصف آخر، أنت تقول أنا أثبت علية هذا الوصف بسبب أنه سلم من مفسد واحد، فنقول لك بقي باقي المفسدات، أنت لم تثبت سلامة وصفك من باقي المفسدات، هذا الرد الأول.

ثم انتقل فقال: ولو سلم من كلها لم يثبت. يقول عبد المؤمن: ولو أنك أيها المجتهد أثبت أن وصفك الذي تريد أن يكون علة سلم من جميع المفسدات انتهجت هذا المنهج في إثبات علية الوصف، أنك تريد أن تثبت أن العلة من خلال بيان سلامتها من كل المفسدات، حتى لو أثبت أن وصفك سلم من كل المفسدات لم تثبت عليته. فقال لماذا لو أثبتت أنه وصفي سليم من كل المفسدات لم تثبت عليته؟ قال: لأن العلة هي مثلها مثل الحكم الشرعي، الحكم الشرعي إثبات وجوده يحتاج إلى ماذا؟ إلى دليل شرعي يثبته، ولا يكفي بإثبات حكم شرعي أن أقول لا يوجد ما يمنع هذا الحكم الشرعي.

هل يمكن أن تثبت حكماً شرعياً في مسألة بمجرد قولك والله لا يوجد ما يفسد جعل هذا مباحاً أو لا يوجد ما يفسد مثلاً أنها واجبة؟ فتقول لماذا قلت أنها واجبة؟ هل هناك دليل شرعي على الوجوب؟ هل عندك دليل شرعي خطاب من الله يقول بالوجوب؟ قال: لا. قلنا له كيف أثبت أنها واجبة؟ قال لأنه لا يوجد معارض يمنع وجوبها أو معارض يقتضي تحريمها أو معارض يقتضي أنها.. فلسلامتها من المفسد أو من المعارض قلت أنها واجبة. هل يصلح هذا المنهج لإثبات أحكام شرعية؟ قطعاً لا. فإنت حينما تثبت حكماً شرعياً يجب أن تأتي بدليل إثباته، ولا تثبت أنت حكماً شرعياً بمجرد أنه سلم من معارض. فكذلك العلة، العلة مثلها مثل الحكم الشرعي، كما أن الحكم الشرعي يحتاج لدليل حتى يثبت، كذلك العلة الشرعية تحتاج لدليل حتى تثبت، بعد أن تثبتها بالدليل تنفي عنها المفسدات، صحيح، أما أن تثبت عليتها بمجرد نفي المفسدات يقول والله هذا وصف علة والدليل على عليته أنه لا يوجد مفسد.

نقول هذا خطأ؛ أنت تثبت علية الوصف بدليل يدلنا على أنه علة، ثم بعد ذلك تقوم بنفي المفسدات وطرحها إن وجد معترض عليك. فإذاً هذا منهج، وهو منهج صحيح أيها الأحبة، وهو الذي يقصده عبد المؤمن في قوله: ولو سلم من كل المفسدات، لماذا؟ لا تثبت علية الوصف بمجرد سلامته من كل المفسدات؛ لأن العلة مثل الحكم الشرعي. فكما أن الحكم الشرعي لا يثبت بمجرد عدم وجود معارض أو مفسد له، بل يحتاج إلى خطاب من الشارع، فكذلك العلة الشرعية لا تثبت بمجرد سلامتها من المفسدات، بل ينبغي أن يأتي دليل يثبت وجودها، ثم بعد ذلك نبحث في سلامتها من المفسدات. فإذاً هذا المسلك الأول مسلك فاسد.

فالمجتهد أخونا الذي قال إن الله حرم التفاضل في بيع التمر بالتمر بسبب أن التمر مكيل، قلنا له: كيف عرفت أن هذه هي العلة؟ قال: لعدم وجود معارض لها. ماذا نقول له؟ نقول: عدم وجود معارض لها لا يدل على أن هذا الوصف هو العلة، عليك أن تأتي بدليل يظهر لنا أن الكيل هو علة تحريم التفاضل، دليل حقيقي؛ إما من خلال مناسبة الكيل لتحريم التفاضل، أو من خلال سبر وتقسيم، أو من خلال أقل ما فيها شبه، أو إذا كنت أفضل وأفضل تستطيع أن تجد نصاً يدل على علية هذا الوصف، أو إجماعاً سابقاً يدل على علية هذا الوصف. هذه هي الأدلة التي تثبت علية الوصف. أما أن تقول والله هذا الوصف علة فقط لأنه سلم من معارض، لا يوجد وصف آخر ينافسه يأتي به الخصم بالتالي علتي صحيحة؛ تكتفي بهذا لا يصلح.

فأنت تستدل على علية وصف بمجرد السلامة من مفسده، بل حتى لو استدللت على صحته بمجرد السلامة من كل المفسدات لا يثبت؛ عليك أن تأتي بدليل وجودي حقيقي هو الذي يثبت علية الوصف، ثم بعد ذلك تنفي المفسدات كما شئت.

ننتقل الآن إلى المسلك الثاني. المسلك الأول عرضنا سبب فساده أنه اعتمد على نفي المفسد لإثبات العلة، ونفي المفسد لا يثبت العلة باختصار. قال: ومنها -أي من الطرق الفاسدة أيضاً- الطرد. قال: ومنها الطرد. لاحظوا أيها الأحبة عندنا هذه كلمة الطرد تدخل ضمن سياقات معينة وكثيرة مرت معنا. عندنا الوصف الطردي، قلنا ما هو؟ هو الذي يقابل الوصف المناسب، الوصف الطردي هو الوصف الذي لم تظهر مناسبته للحكم الشرعي، بعبارة أخرى: لم يظهر في ترتيب الحكم الشرعي عليه مصلحة، لم يظهر من ترتيب الحكم الشرعي عليه مصلحة تحافظ على مقصود الشارع؛ فنسمي هذا الوصف وصفاً طردياً. ومر معنا حينما تكلمنا عن شرط العلة عند عبد المؤمن البغدادي المناسبة، عندما ذكر عبد المؤمن شروط العلة إذا كانت وصفاً قال: من شروطها أن تكون مناسبة، فإن لم تكن مناسبة فهو الوصف الطردي. فعندنا كلمة الوصف الطردي بالياء، تمام، وعندنا من شروط العلة ماذا؟ الاطراد.

على الطالب أن يفرق بين هذه المصطلحات، عندنا مصطلح الوصف الطردي، عندنا مصطلح الاطراد، عندنا مصطلح مسلك الطرد. ما هو الوصف الطردي كما قلنا؟ هو الوصف الذي لم تظهر مناسبته؛ أي لم يظهر في ترتيب الحكم على هذا الوصف مصلحة تحافظ على مقصود الشارع. الاطراد هذا شرط من شروط العلة، وعرض الخلاف فيه؛ منهم من يرى أن الاطراد شرط دائماً في كل العلل، ولا يجوز بالتالي إذا تخلف الاطراد في أي صورة من الصور -ما معنى الاطراد؟ كما قلنا: هو كلما ثبتت العلة ثبت الحكم، فإذا ثبتت العلة وتخلف عنها الحكم نقول: هذه العلة غير مطردة وقع فيها ما يسمى بالنقد- فسدت.

هناك من يعد الاطراد شرطاً دائماً، وهناك من يرى لا، أن الاطراد ليس شرطاً من شروط العلة، بل يجوز أن تخصص العلل بمواردها، وهناك من يرى أن الاطراد شرط إذا كان تخلف الحكم عن العلة بسبب استثناء شرعي أو معارضة علة أقوى منها أو وجود مانع أو تخلف شرط، وهذا له تفصيله لا نكرره الآن. هذا الذي يهمنا، مسلك الطرد، مسلك الطرد يعتبره عبد المؤمن البغدادي مسلكاً من المسالك الفاسدة في إثبات علية الوصف. ما طبيعة هذا المسلك؟ هذا المسلك أيها الأحبة هو أن يستدل المجتهد على علية وصف بمجرد -وهذه كلمة بمجرد محورية- بمجرد أنه كلما ثبت الوصف ثبت معه الحكم. وهذا في الحقيقة يدل على وجود تقارب بين فكرة الطرد والاطراد؛ يدل على وجود تقارب بين شرط الاطراد في العلة وبين الطرد باعتباره مسلكاً من المسالك، الفكرة نوعاً ما متقاربة.

ما مسلك الطرد؟ مسلك الطرد أن يستدل مجتهد على علية وصف؛ يثبت عندنا مجتهد يريد أن يثبت أن هذا الوصف هو العلة للحكم. قلنا له: كيف ستستدل على ذلك؟ قال: أستدل على أن هذا الوصف علة لهذا الحكم بمجرد أنه كلما ثبت الوصف ثبت الحكم؛ فيدل هذا على أن هذا الوصف هو علة الحكم. نأخذ مثالاً على ذلك حتى نعرف كيف يمكن أن يكون استخدام هذا المسلك، أو أن هذا المسلك إذا استخدمناه يمكن أن يوصلنا لنتائج خاطئة. الآن عندنا حكم شرعي هو تحريم الخمر، هناك وصف أيها الأحبة لتحريم الخمر، أو ملازم للخمر المحرمة، وهو الشدة المطربة. الآن أيها الأحبة لو أن مجتهداً قال: تحريم الخمر علته ليست الإسكار، بل الشدة المطربة، قلنا له: كيف تثبت لنا أن الوصف وهو الشدة المطربة هو علة تحريم الخمر؟ ما هو المسلك الذي اتبعته؟ هل استخدمت مسلك المناسبة؟ الذي قال تحريم الخمر علته الإسكار هو استخدم مسلك المناسبة، فأثبت لنا أن الإسكار وصف مناسب يصلح أن يرتب الحكم الشرعي عليه لأنه يحقق مصلحة تحافظ على مقصود الشارع. أنت أيها المجتهد عندما قلت إن الشدة المطربة هي علة تحريم الخمر، ما هو المسلك الذي انتهجته؟ قال: انتهجت منهج الطرد. قلنا له: ما منهج الطرد؟ قال: رأيت أنه كلما وجد تحريم الخمر كانت الشدة المطربة موجودة، وإذا ذهبت الشدة المطربة ذهب تحريم الخمر معها؛ فإذاً لاحظوا، يقول: الشدة المطربة كلما وجدت وجد معها الحكم، كلما وجدت وجد معها الحكم؛ فقال: إذاً هذا دليل على أن الشدة المطربة هي علة تحريم الخمر. فقلنا له: أنت استدللت وأثبت علية هذا الوصف وهو الشدة المطربة بمجرد أنه كلما ثبت الوصف ثبت معه الحكم؟ قال: نعم. فقلنا له: هذا في الحقيقة مسلك فاسد.

لماذا سبب فساد هذا المسلك يشبه سبب فساد المسلك السابق وهو مسلك إثبات علية الوصف بمجرد سلامته من المعارضة؟ سبب فساد هذا المسلك أيها الأحبة هو أنه في الحقيقة استدلال بسلامة الوصف من النقد على صحة التعليل به. هل هذا واضح؟ جيد. ما سبب فساد مسلك الطرد؟ سبب فساد مسلك الطرد أنه لا يجوز استخدامه؛ لأنه في الحقيقة استدلال بسلامة الوصف من النقد -وهو مفسد من مفسدات العلة- على صحة التعليل به. لماذا أيها الأحبة؟ هذا الشخص الذي يقول والله تحريم الخمر علته الشدة المطربة، والدليل على ذلك أنه هذه الصفة كلما وجدت وجد معها الحكم، هو بعبارة أخرى ماذا يريد أن يقول؟ يريد أن يقول: إنه هذا الوصف لم أجد ولو حالة واحدة وجد فيها وتخلف عنها الحكم. وهكذا يريد أن يقول بعبارة أخرى: هذا الوصف -وهو الشدة المطربة- لم أجد أي صورة يوجد فيها هذا الوصف ويتخلف عنه الحكم، بالتالي هذا الوصف سلم من أي مفسد من المفسدات، سلم من مفسدة النقد. النقد مر معنا سابقاً، وقد ذكرته قبل قليل، النقد أيها الأحبة ما هو؟ أن توجد العلة ويتخلف عنها الحكم، وهل هو قادح أم ليس قادحاً؟ هناك ثلاثة أقوال في المسألة ذكرناها حينما ذكرنا شرط الاطراد، عودوا إليها.

فالذي يثبت العلة باستخدام مسلك الطرد يقول: إنني أثبت علية وصف بأنه كلما وجد هذا الوصف وجد معه الحكم. إذاً أنت بعبارة أخرى تريد أن تستدل على علية الوصف بماذا؟ بسلامته من النقد. فإذاً أنت تثبت علية وصف بسلامته من مفسد من المفسدات وهو النقد. وذكرنا في المسلك السابق أنه لا يصح إثبات علية وصف بمجرد سلامته من مفسد من المفسدات، لأنه لم يسلم من المفسدات الأخرى، أو لم يثبت لنا أنه سلم من المفسدات الأخرى. ولو ثبت لنا أنه سلم من المفسدات الأخرى، فالوصف لا نستطيع أن نجعله علة بمجرد السلامة من المفسد؛ بل لا بد من دليل هو الذي يثبت أن هذا الوصف هو العلة، أما نص أو مناسبة أو سبر وتقسيم، أو في أقل الأحوال شبه. لا بد من دليل يثبت أن هذا الوصف علة، ثم بعد ذلك نبدأ ندفح المفسدات، أما أن أجعل سلامته من مفسد أو من كل المفسدات دليلاً على أنه العلة، فهذا لا يصلح عند أكثر الأصوليين.

فإذاً أيها الأحبة مسلك الطرد عرفناه، أن يستدل المجتهد على علية وصف بمجرد أنه كلما ثبت الوصف ثبت معه الحكم. ومثال ذلك أن يقول المجتهد تحريم الخمر علته الشدة المطربة. قلنا له: وكيف ذلك؟ قال: كلما وجد هذا الوصف الشدة المطربة وجد تحريم الخمر. ولا بد أن أقول لكم أن ننتبه أننا هنا نتكلم عن الطرد فقط، نتكلم عن الطرد فقط، لأنه مسلك من مسالك، الدوران راح يكون فيه طرد وعكس، فنتكلم عن الطرد فقط؛ فيستدل كلما وجد الوصف وجد الحكم، ولا توجد صورة واحدة عندي وجد فيها الوصف ولم يوجد فيها الحكم، بالتالي هذا الوصف هو علة حكمي. فنقول له طريقك خاطئ، لأنك بعبارة مختصرة ماذا تريد أن تكون؟ أو بماذا تريد أن تستدل؟ تريد أن تستدل على أن هذا الوصف علة من خلال سلامته من قادح من القوادح وهو النقد. تقول بعبارة أخرى: أنت بما أنه هذا الوصف لم ينقد -أي لا توجد صورة واحدة ولو واحدة وجد فيها ولم يوجد معه الحكم- إذاً هذا الوصف هو العلة، فنقول هذا غير صحيح.

بل حتى لو نظرنا في الواقع أيها الأحبة، لاحظوا أن تحريم الخمر عندما تكون محرمة هناك كثير من الأوصاف تكون ملازمة لها وموجودة معها، وعندما يذهب تحريمها فعلاً يزول معها كثير من الأوصاف، لكن بالتأكيد ليس كل وصف ملازم لها أثناء التحريم هو علة تحريمها. ليس كل وصف ملازم لها أثناء التحريم هو علة التحريم؛ لا بد أن يكون وصف قام دليل صحيح من مناسبة، من نص شرعي، من شبه، من سبر وتقسيم على أنه هو العلة. أما أن نقول هذا الوصف لأنه لم ينقد بالتالي هو العلة، فهذا لا يصلح. فالاستدلال على العلل لا يكون من خلال مجرد سلامتها من المفسدات، لا بد من دليل شرعي وجودي هو الذي يثبت عليتها، فهذا سبب فساد مسلك الطرد.

هنا أستدرك جزئية، أن الطرد ننتبه هو إثبات أن الوصف علة لثبوت الحكم عند ثبوت الوصف، فالنظر فقط إلى جهة الثبوت، لا ننظر إلى جهة العدم. أنا ربما قلت قبل قليل العدم، لا ننظر في مسلك الطرد إلى العدم، نستدل بأن وصف هو علة حكم لثبوت الحكم، لأنه كلما ثبت الوصف ثبت الحكم. لماذا أركز على أن الطرد أساسه يكون على جانب الثبوت فقط ولا علاقة له بجانب العدم؟ لأن المسلك الثالث سنبدأ فيه الآن هو الذي يقوم على مسلك الثبوت والعدم، وهو مسلك الدوران. فننتقل إلى المسلك الثالث الضعيف أيضاً أيها الأحبة، وإن كان في الحقيقة هذا المسلك الثالث هناك قول ومقال كبير فيه في جعله ضعيفاً.

المسلك الثالث مسلك الدوران، والدوران أيها الأحبة هو في الحقيقة الاستدلال بالطرد والعكس على علية وصفه، فالدوران له علاقة بالمسلك السابق وهو الطرد، لكنه أقوى منه، لماذا؟ لأني أستدل على أن الوصف علة من خلال ليس فقط الطرد، لا، بل من خلال الطرد والعكس. فهو استدلال بالطرد والعكس على أن هذا الوصف علة. الآن ما هو الطرد أيها الأحبة؟ كما قلنا: كلما ثبت الوصف ثبت الحكم؛ فإذا ثبت الوصف ولم يوجد الحكم اختل الطرد، معناها لا طرد. وماذا هو العكس؟ ترى العكس هو ينبني على فهمنا السابق للانعكاس، تذكروا لما ذكرنا خلافاً هل من شروط العلة أن تكون منعكسة؟ وقال عبد المؤمن البغدادي أكثر المحققين وسماهم، في الحقيقة هم أكثر الأشاعرة ومن نهج نهجهم، وإن كان ليس بلازم طبعاً، لكن أكثرهم هم الذين يقولون إن العكس أو الانعكاس ليس شرطاً من شروط العلة، وعبد المؤمن له تفصيل. تذكر قول عبد المؤمن في هل يشترط الانعكاس في العلة ولا لا يشترط؟ عبد المؤمن قال: إذا كان الحكم الواحد له مجموعة من العلل، فإذا وجد الحكم مع تخلف علة فهذا لا يقدح في هذه العلية؛ لأنه...

أن يكون ثبوت هذا الحكم بسبب علة أخرى. وأما إذا كان الحكم له علة واحدة فقط، فإذا ثبت الحكم وتخلفت هذه العلة الوحيدة له فهذا يعني أن هذه العلة خاطئة؛ فكيف يثبت الحكم من دون عليته؟ فعبد المؤمن يفصل بين الحكم الذي له عدة علل، فإذا وجد هذا الحكم مع تخلف علة لا يدل هذا على فساد هذه العلة؛ لأنه قد يكون وجد بسبب علة أخرى، واذكروا نواقض الوضوء. أما إذا كان للحكم الواحد علة واحدة فإذا وجد الحكم وتخلفت هذه العلة الواحدة له والتي لا يوجد غيرها فهذا دليل على أن هذه ليست علة، ومن جعلها علة فقد أخطأ.

عبد المؤمن البغدادي ذاك رأيه ورأي أكثر المتكلمين، وعرفنا سبب الخلاف وأنه أصلاً يعود في أكثره إلى أن العلل عند الأشاعرة والمتكلمين هي أمارات على الأحكام وليست مؤثرة، والأمارة يمكن أن تذهب ويبقى الحكم موجوداً بلا إشكال.

طول الوقت في هذه المسائل لأني ذكرتها سابقاً، المهم باختصار ما هو العكس؟ العكس كلما ثبت الحكم ثبت الوصف، فإذا وجد الحكم وانتفى الوصف فالآن على طريقة أكثر المتكلمين فهذا يبطل أو يعمل خللاً. العكس إذا اضطرد أيها الأحبة كلما ثبت الوصف ثبت الحكم مر معنا، فإذا ثبت الوصف ولم يوجد معناه اختل الطرد وأصبح عندنا ما يسمى بالنقد. والآن العكس كلما ثبت الحكم بالعكس، حتى قسماً كل الموضوع اسمه عكس؛ كلما ثبت الحكم ثبت الوصف، والمراد بأن العكس هذه الصورة، يعني متى يختل العكس؟ بوجود الحكم مع انتفاء الوصف. متى يختل الطرد بثبوت الوصف مع انعدام الحكم؟ ترى هذه الجزئية فرقوا يا إخوان، اضبطوا الآن الفرق بين الطرد والعكس لأنكم في كتب الأصوليين المتقدمة ربما تتيهون في الفرق بينهما.

الطرد فكرته أو يتجلى وضوحاً في بيان مفسده أنه متى يفسد الطرد؟ إذا ثبت الوصف ولم يوجد الحكم فهنا يختل الطرد ويسمى هذا نقضاً. وأما العكس فصورة اختلاله بالعكس؛ يوجد الحكم، والحكم هو الموجود الآن، والمنتفي هو الصفة، فإذا وجد الحكم وانتفت الصفة اختل العكس. الآن قلنا على طريقة المتقدمين كالبغدادي، الآن على طريقة عبد المؤمن مر معنا أن عبد المؤمن فعلاً يشترط الطرد في العلة؛ لأنه يشترط الاطراد، وبمفهوم الاضطراب، لكن خلص اصطلح على أنه الطرد اسم مسلك من مسالك التعليل، وأن الاضطراب شرط من شروط العلة.

هذا الفرق أنه الطرد اسم مسلك من مسالك التعليل، وأما الاضطراب هذا شرط من شروط العلة. فعبد المؤمن البغدادي في العلة الاضطرار، بينما هل شرط في العلة العكس الذي هو الانعكاس؟ قال له رأي تفصيلي وأكثر المحققين لا يشترطون الانعكاس. طيب الآن نعود إلى ما نحن فيه؛ المسلك الفاسد المسلك الثالث الفاسد من المسالك هو مسلك الدوران، أن استدل على أن الوصف علة لحكم بمجرد أنه ثبت لي أنه مطرد منعكس، أي كلما ثبت الوصف ثبت الحكم ولا توجد صورة ثبت فيها الوصف ولم يوجد فيها الحكم، وثبت أيضاً أن هذا الوصف فيه عكس، يعني منعكس كلما ثبت الحكم ثبت الوصف، ولا توجد صورة ثبت فيها الحكم مع تخلف الوصف؛ فبالتالي هذا الوصف قوي مطرد منعكس، فاستدل بمجرد أنه مطرد منعكس على أنه علة، مع أنني لم تظهر لي مناسبة لهذا الوصف للتعليل، لم أستخدم سبر وتقسيم، لم أستخدم الشبه، لا توجد تنصيص أو إجماع على علية هذا الوصف، فقط أثبت أنه هذا الوصف علة بمجرد أنه يدور مع الحكم طرداً وعكساً.

تمام؟ الآن هل هذا يصلح ولا لا يصلح؟ عبد المؤمن البغدادي تبعا للغزالي جعله من المسالك الفاسدة لا يصلح. تمام، لكن ابن قدامة رحمة الله تعالى عليه، ابن قدامة الذي عبر وأخذ من الغزالي يقول هذا المسلك مسلك الدوران، لماذا لا يصلح؟ وفي الحقيقة ليس فقط ابن قدامة هو الذي جعل مسلك الدوران من المسالك التي تصلح للتعليل، فالكثير من الأصوليين يعتبرون الدوران مسلكاً صالحاً للتعليل بشكل عام. دعوني أعود إلى عبد المؤمن البغدادي وننظر ماذا قال في هذه المسألة، قال عبد المؤمن البغدادي في المسلك الثالث الفاسد عندما قالوا منها الدوران، وهو وجود الحكم معها أي مع الوصف الذي نريد أن نجعله علة، وعدمه بعدمها. فوجود الحكم مع الوصف هو الطرد، وعدم الحكم مع انعدام الوصف هو العكس. وإن كنت أنا عبرت بتعبيرات أخرى قد تكون أوضح للطالب في هذا المقام، أنني أريد أن أربط الطالب بين كلمة طرد وبين كلمة الاطراد التي ذكرناها في شروط العلة، وبين كلمة عكس وبين كلمة انعكاس التي ذكرناها في شروط العلة، أريد أن يربط بينهما. لو أنت قلت الدوران هو الاستدلال على وصف بطرده وعكسه انتهى الأمر.

وقلنا ما معنى الطرد؟ أنه كلما وجد الوصف وجد الحكم، فإذا ثبت الوصف في صورة ولم يثبت معها الحكم فهذا فيه اختلال في الطرد. والعكس هو ماذا؟ أن يثبت الحكم مع ثبوت وصفه، وتكملته أصلاً أن ينعدم الحكم مع انعدام وصفه. صح ولا تكملة العكس أو الانعكاس عندما ذكرناه سابقاً، الانعكاس ثبوت الحكم مع ثبوت وصفه وتخلف الحكم مع تخلف وصفه، فإذا وجد الحكم مع تخلف وصفه هذه مشكلة. لكن هذه المشكلة عند بعض الأصوليين، لكن عند أصوليين آخرين ليس مشكلة بالعكس، أن يثبت الحكم مع تخلف علته ليس مشكلة عند كثير من الأصوليين. عند عبد المؤمن مشكلة في صورة دون صورة. المهم هل هذا المسلك يصلح للتعليل ولا لا يصلح؟ ايش قال عبد المؤمن؟ قيل أن هذا المسلك صحيح لأنه مؤشر، هذا هو قول ترى كثير من الأصوليين، وكما قلنا رأي ابن قدامة ورأي كثير من الأصوليين أن هذا المسلك يصلح للتعليل. لماذا؟ قال لأنه مؤشر؛ إذا وجد وصف أيها الأحبة يطرد وينعكس دائماً مع حكمه، في الحقيقة هذا يعطيني مؤشراً أمارة كما قال عبد المؤمن البغدادي، يعطيه نظراً قوياً أنه هذا الوصف قد يكون هو علة هذا الحكم أو هو الأقرب إلى أن يكون علة هذا الحكم. طبعاً أنت متى تستخدم هذا؟ إذا كان لم تظهر لك مناسبة في وصف معين في جعله علة لحكمه، فتقوم أنت بالاستدلال على أن هذا الوصف هو علة الحكم اكتفاء باطراده وانعكاسه. يعني مشتاق قال يا جماعة الخير إن هذا الحكم لم أجد دليلاً قوياً لإثبات علتي، فساستخدم دليلاً ليس بذاك الدليل القوي لكن أفضل من أن نجعل الحكم من دون علة. فقلنا له ماذا ستستخدم؟ قال سأستخدم مسلك الدوران، أن هناك وصفاً يدور مع هذا الحكم وجوداً وعدماً، فإذا وجد الوصف وجد الحكم، وإذا تخلف الوصف تخلف الحكم، فلماذا لا أقول أن هذا الوصف هو العلة؟ هذا يعطيني غلبة الظن.

فنقول له هذا المسلك قبله بعض ونفاه بعض ولم يقبله الآخر، فمن قبله مثل ابن قدامة، وهنا في الحقيقة جيد أن أنقل كلام ابن قدامة في هذا الموضع لأنه قد يساعد الطالب في فهم الفكرة. يقول ابن قدامة، وهو يرجح أنه يجوز استخدام الدوران كمسلك من مسالك التعليل يعني إثبات أن الوصف علة، يقول ابن قدامة لأنه يغلب على الظن ثبوت الحكم مستنداً إلى ذلك الوصف. كيف ذلك؟ قال فإننا لو رأينا رجلاً جالساً ممتاز، فدخل رجل من الباب، فقام هذا الرجل الجالس عند دخول هذا الرجل من الباب، ثم عندما خرج هذا الرجل عاد هذا الرجل إلى مجلسه، إذاً عندنا رجلان، جالس في محلي اعتبروني أنا جالس في محلي، دخل رجل من الباب فقمت من محلي وتركته، ثم عندما رجع هذا الرجل خرج من الباب إلى محلي وجلست فيه، ممتاز؟ الآن لو تكرر هذا الأمر أكثر من مرة، كلما دخل هذا الرجل من الباب أنا قمت بالمجلس، وكلما خرج هذا الرجل من الباب أنا عدت إلى مجلسي، ماذا يغلب على ظنك؟ يغلب على ظنك أن سبب قيامي من مجلسي ثم عودتي إليه بعد ذلك هو دخول هذا الرجل وخروجه، غلب الظن أن الأمر له علاقة بهذا الرجل. صحيح الآن، يعني أنت تعلم قيامي من مجلسي ثم رجوعي إليه مع دخول هذا وخروجه، مع أنه هل يمكن أن تكون هناك علة أخرى لقيامي من مجلسي ثم عودتي إليه؟

ممكن، يمكن أن تكون هناك علة أخرى لقيامي من مجلسي ثم عودتي إليه، وإن كان هذا الرجل دخل لكن يقول ابن قدامة الغالب على الظن عندما تلاحظ أن رجلاً يقوم من مجلسه كلما دخل رجل، فإذا خرج هذا الرجل عاد هذا القائم إلى مجلسه ويتكرر هذا الأمر مرات كثيرة، ماذا يغلب على ظنك؟ أنه هذا الرجل يقوم بسبب دخول هذا الرجل الآخر، سواء ظهرت لنا مناسبة قيام هذا الرجل أو لم تظهر هذا أمر آخر، لكن ما يغلب على الظن أن قيام هذا الرجل ثم عودته عند خروج ذاك الرجل له ارتباط له علاقة. قال فكذلك الأحكام الشرعية، إذا وجد حكم شرعي مع وصف، فكان كلما وجد هذا الوصف وجد الحكم، وكلما انتفى هذا الوصف انتفى الحكم، هذا يعطيك غلبة الظن وإن لم تكن قطعاً على أن هذا الوصف له علاقة بتعليل هذا الحكم. أليس كذلك؟ هذه وجهة نظر قوية لابن قدامة وفي الحقيقة كثير من الأصوليين عليها، وقد نقول أننا فعلاً نتبعها حينما لا نستطيع أن نثبت أن وصفاً علة لحكم بسبب مناسبة، ومن خلال سبر وتقسيم ومن خلال شبه، فقدنا كل تلك المسالك القوية، قد نضطر أحياناً إلى استخدام مثل هذه المسالك التي تعطينا مؤشراً قوياً، تعطينا ظناً غالباً على أن هذا الوصف هو علة الحكم لأن الحكم يدور معه وجوداً وعدماً.

شوفوا الطرد أضعف من هذا المسلك، لأن الطرد فقط يهتم بجهة واحدة، بزاوية الثبوت، أنه ثبت الوصف ثبت الحكم ولا يهتم بالصورة المقابلة أنه ينتفي الحكم أيضاً دائماً كلما انتفى الوصف، لا يهتم بهذه الزاوية الأخرى. أما الدوران يهتم بهذه الزاوية، فالدوران يهتم بالطرد ويهتم بالعكس، هو انتفاء الحكم مع انتفاء الوصف، فعلى مسلك الدوران إذا ثبت الحكم مع انتفاء الوصف، خلاص يقول على مسلك الدوران أن هذا الوصف لا يصلح للعلية، إن شرط صلاحيته للعلية بمسلك الدوران ايش هو؟ أن يدور الحكم معه وجوداً وعدماً.

المذهب الثاني وهو الظاهر عند عبد المؤمن البغدادي رحمة الله عليه أن دوران مسلك فاسد، وهو في هذا تبع للغزالي، وهو في هذا تبع لمن؟ تبع للغزالي. طيب ما سبب فساده؟ قال وقيل فاسد تبعاً للغزالي، قال لأن الدوران طرد وعكس لا يؤثر لعدم اشتراطه. ما معنى هذا الكلام؟ من يرى أن هذا المسلك فاسد يقول هذا المسلك مبني على طرد وعلى عكس، طيب قبل قليل أثبتم لنا أن الطرد فاسد، أليس كذلك؟ وقلتم لأنه لا يجوز استخدام الطرد في إثبات العلة؛ لأنك تستدل على إثبات العلة من خلال انتفاء مفسد من المفسدات لها، لا يجوز الاستدلال على العلة بانتفاء مفسد من المفسدات له، تمام. فيقول إذن من يرى أن العكس فاسد يقول هو طرد وعكس، والطرد ثبت لنا في المسلك السابق فساده، وعرفنا لماذا هو فاسد، لأن العلة من انتفاء مفسد لها وهذا لا يصلح. وأما الآن الانعكاس، فالانعكاس أصالة لا يؤثر، ليس له تأثير في إثبات أن الوصف علة، لماذا؟ لأنه ليس شرطاً من شروط العلة ابتداءً عند أكثر المحققين، ألم تقل يا عبد المؤمن البغدادي أن انعكاس العلة من الشروط عند قول أكثر المحققين؟ بالتالي الانعكاس لا يؤثر في إثبات علية الوصف؛ لأن الانعكاس ليس شرطاً من شروط العلة عند أكثر المحققين. بالتالي يمكن أن يثبت الحكم وتتخلف عنه عليته، ما عندنا مشكلة أصلاً في ذلك، ويبقى هذا الوصف هو العلة، يعني عند أكثر المحققين ألا يجوز أن يثبت الحكم وتتخلف عنه علته؟ يجوز عنده.

عبد المؤمن هو الذي يفصل بين الحكم الذي له عدة علل وبين الحكم الذي ليس له إلا علة واحدة، فلا يجوز عنده أن يثبت الحكم مع تخلف العلة إذا كان الحكم لا توجد له إلا علة واحدة. أما عند أكثر العلماء المحققين، الأصوليين، يرون أنه يجوز أن يثبت الحكم مع تخلف العلة عنه سواء كان هذا الحكم له علل أو علة واحدة، فبالتالي عند أكثر الأصوليين جواز ثبوت الحكم مع تخلف علته الحقيقية، فبالتالي لا يجوز أن أستدل على أن هذا الوصف علة أو على علية وصف بمجرد أن الحكم ينعدم كلما انعدم الوصف؛ لأن انعدام الحكم عند انعدام الوصف ليس شرطاً في التعليل بهذا الوصف، فلذلك صدق قوله إن وقيل فاسد لأنه طرد وعكس، والعكس لا يؤثر لأنه ليس شرطاً أصالة من شروط العلة، ليس شرطاً أصالة من شروط العلة، يعني حاولنا أن نقرب الصورة بقدر الإمكان في هذه المسالك الفاسدة.

الآن بقيت مسائل سريعة نتكلم عنها هنا، قال عبد المؤمن، هذا مبحث يعني مسألة فريدة هكذا ندرسها مفردة وحدها، قال وجود مفسدة في الوصف مساوية أو راجحة كافٍ ليخرم مناسبته، وقيل لا، هذه فائدة على الهامش، يعني اعتبرها مسألة هامشية أنه أيها...

إذا كان عندنا وصف ظهرت فيه نوع من المناسبة في تعليق الحكم عليه، ولكن ظهرت فيه مفسدة، هذا الوصف فيه مفسدة. ما معنى أن الوصف تظهر مناسبته؟ قالوا إنه في ترتيب الحكم على هذا الوصف تنتج مصلحة، هذا معنى أن الوصف صارت مناسبته، أي في ترتيب الحكم على الوصف تنتج مصلحة تحافظ على مقصود الشارع.

إذا كان عندي وصف ظهرت مناسبته، أي ظهر أنه في ترتيب الحكم عليه تتحقق مصلحة، لكن في المقابل ظهرت عدم مناسبته في زاوية أخرى في الحكم نفسه، أي ظهر في ترتيب الحكم عليه مفسدة من زاوية أخرى. هذه المفسدة الناتجة من ترتيب الحكم على الوصف مساوية للمصلحة الناتجة من ترتيب الحكم على الوصف، أو تكون المفسدة أزيد. عندي حكم، هذا الحكم لو رتبته على هذا الوصف ستنتج مصلحة، ولكن لو رتبت الحكم على هذا الوصف ستنتج أيضاً مفسدة؛ هذه المفسدة مساوية لهذه المصلحة التي ستنتج، أو أزيد من المصلحة. في هذه الحالة، في اتفاق عام على أنه لا يجوز التعليل بهذا الوصف، لأن هذا الوصف وإن ظهر في ترتيب الحكم عليه مصلحة في زاوية، لكن ظهر أنه في ترتيب الحكم عليه أيضاً مفسدة مساوية للمصلحة التي سيتم تحصيلها أو أزيد منها.

الآن يا مشايخ، لو كانت المفسدة التي ستحصل من ترتيب الحكم على الوصف أضعف من المصلحة التي سنحصلها من ترتيب الحكم على الوصف، اعتمد الوصف واعتمده؛ لأن هنا المصلحة أزيد من المفسدة، فأقوم بأخذ المصلحة لأن المصلحة راجحة على المفسدة المرجوحة. لكن أين المشكلة؟ لما يكون في ترتيب حكم على وصف وكان هذا الوصف ينتج مصلحة وينتج مفسدة في نفس الوقت، والمفسدة مساوية للمصلحة أو أزيد منها؛ فالقاعدة العامة درء المفاسد أولى من جلب المصالح، فلا يعلل بهذا الوصف.

لكن ما هي المسألة التي نبحث عنها؟ المسألة التي نبحث عنها أظنها مسألة قضية أكثر منها مسألة تطبيقية، أنه إذا وجدنا مفسدة في الوصف، وهذه المفسدة مساوية أو راجحة على المصلحة، مشكلته أنه يختصر العبارات كثيراً لعبد المؤمن. فلو كتبتم ما ذكرته لكم الآن، أنه إذا وجد عندي وصف إذا رتبت الحكم عليه تنتج عندي مصلحة، ولكن في نفس الوقت تنتج عندي مفسدة مساوية للمصلحة أو أزيد منها، فالآن ما هو السؤال؟ قال الذي يريد أن يسأله هو من حيث أن هذا الوصف سيلغى، لكن ما هي المسألة التي يبحث فيها عبد المؤمن الآن؟ أننا نبحث هل وجود المفسدة المساوية أو الأزيد من المصلحة يخرم المناسبة التي فيه، يلغي المصلحة التي ينتجها ولا لا يخرمها؟ المسألة شكلية، يعني لفظية، هو يريد أن يقول إن وجود مفسدة مساوية للمصلحة وأزيد منها سيلغي هذا الوصف، ولن نحصل هذه المصلحة، لأنه هناك مفسدة مساوية لها أو أرجح ستحدث، صحيح؟

الآن السؤال الشكلي أنه هل إذا نحن ألغينا هذا الوصف بناءً على وجود المفسدة، هل نحن نقول إنه لا توجد فيه مصلحة، ولا نقول إن المصلحة باقية ولكن المفسدة هي التي طغت؟ لا، فيه مصلحة. هي مسألة شكلية، من رأى أن المفسدة بما أنها هي التي حكمت في النهاية وألغت المصلحة، هناك من يقول خلاص المصلحة إذا انخرمت ولا توجد مصلحة، وهناك من يقول لا، هي المصلحة ما انخرمت، هي باقية لكن المفسدة هي التي أثبتت وجودها هنا وأثرت في إلغاء الوصف. ففي النهاية هل أنت تجد أن هناك سيترتب شيء عملي على هذه القضية؟ في الحقيقة لم يظهر لي أن هناك تطبيقاً عملياً يترتب، سواء قلنا المفسدة ألغت وذهبت بسبب طغيان المفسدة، أو قلنا المصلحة باقية لكن المفسدة هي التي حكمت في النهاية وتم تجميد المصالح. لذلك قال وجود مفسدة في الوصف مساوية أو راجحة، طبعاً لاحظوا كيف الاختصار، أي في الوصف الذي ظهر فيه مصلحة، ظهر فيه مناسبة، ليس أي وصف. هذه هي المسألة التي يبحثها الأصوليون، لكن هو عبد المؤمن كما قلنا يختصر، يعتبر كأنه على الشراح أن يشرحوا كلامه. وجود مفسدة في الوصف مساوية أو راجحة، قيل تخرم مناسبته، أي تلغي المصلحة التي ينتجها، وقيل لا تخرم مناسبته، لا تلغي المصلحة، ولكن تبقى المفسدة هي الطاغية هي المؤثرة، والخلاف قلنا لفظ شكلي.

الآن مسألة جديدة، أن النظام قال: يجب الإلحاق بالعلة المنصوص عليها بالعموم اللفظي لا بالقياس. إذاً فرق لغة بين «حرمت الخمر لشدتها» وبين «حرمت كل مشتد». سيرد عبد المؤمن وهو خطأ لعدم تناول «حرمت الخمر لشدتها» كل مشتد غيرها، ولولا القياس لاقتصرنا عليه، فتكون فائدة التعليل دوران التحريم مع الشدة. أما النظام أيها الأحبة ما موقفه من القياس؟ عندما كنا في باب القياس كنا ما موقفنا من القياس؟ ألم تقل إن النظام يمنع القياس عقلاً؟ النظام وأمثاله من المعتزلة يمنعون القياس عقلاً، تذكروا لما تكلمنا عن القياس من حيث العقل ومن حيث الشرع، قلنا هناك من يقول القياس ممنوع عقلاً، وهناك من يقول القياس واجب عقلاً، وهناك من يقول إنه جائز عقلاً. النظام كان مع أشد المتطرفين في منع القياس، إبراهيم النظام يرى أن القياس في الشريعة ممتنع عقلاً، وعرفنا الأدلة سريعاً. برأيي لكن أن النظام له وجهة نظر غريبة، ماذا يقول؟ يقول يجب الإلحاق بالعلة المنصوص عليها من خلال استخدام العموم اللفظي، تذكروا البحث العام الذي أخذناه في دلالات الألفاظ، قال من خلال العموم اللفظي لا بالقياس.

لاحظوا كيف أن النظام لما سكر باب القياس اضطر أن يفتح على نفسه باباً لإلحاق الأحكام، قال إن النظام يقول القياس ممنوع عندي تماماً، لكن أنا أعطي المتنفس، ما هو المتنفس الذي فتحه؟ قال أي حكم نص الشارع على علته، أي حكم علته منصوصة، نحن أخذنا العلة المنصوصة قبل قليل، أي حكم علته منصوصة يجوز أن نلحق به الفروع، المسائل المستجدة، ولكن ليس من خلال استخدام قياس وضم فرع بأصل بواسطة، بل من خلال عموم لفظي، أعمم. قلنا له كيف ذلك؟ قال انظر، قال لا فرق في اللغة بين أن يقول الله سبحانه وتعالى أو النبي صلى الله عليه وسلم «حرمت الخمر لشدتها»، الآن «حرمت الخمر لشدتها» هذا حكم نص على علته، صح؟ بواسطة لام التعليل، أدوات التعليل. الآن حرمت الخمر لشدتها، لأن الشارع نص على علة التحريم، يجوز أن نلحق بالخمر في التحريم كل ما هو مشتد، كل ما هو مشتد، ولا أسميه قياساً، بل ماذا تسميه؟ قالوا نسميها عموم لفظي.

كيف سميتم عموم لفظي؟ قال لأنه لا فرق لغة بين «حرمت الخمر لشدتها» وبين أن يقول الشارع «حرمت كل مشتد». لو قال الشارع حرمت كل مشتد، «كل» نسبة من ألفاظ العموم، فبالتالي أي شيء مشتد يذهب الذهن ويطرب سيدخل في هذا العموم، حتى لو لم يكن أيام النبي صلى الله عليه وسلم، بل في وقتنا الحاضر سيكون داخلاً في عموم اللفظ. أليس كذلك؟ لأنه اللفظ عام «حرمت كل مشتد»، فسواء كانت المشتدات هذه موجودة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم أو في وقتنا الحاضر ستكون محرمة، هل بالقياس؟ لا، ستكون محرمة لأنها داخلة ضمن العموم اللفظي، عموم كلمة «كل». فيقول النظام قول النبي صلى الله عليه وسلم «حرمت الخمر لشدتها» هو بمنزلة قوله حرمت كل مشتد، فبالتالي كل شراب مسكر أو مشتد في وقتنا الحاضر بالخمر من خلال العموم اللفظي الذي أخذناه من العلة وليس من خلال القياس، فهمتم وجهة نظره؟

طيب، الآن عبد المؤمن البغدادي قال: وهو خطأ. عبد المؤمن قال لك خطأ ليس صحيحاً، ليه؟ قال لعدم تناول «حرمت الخمر لشدتها» كل مشتد غيرها. الآن حرمت الخمر لشدتها كنص، كدلالة لغوية يريد أن يقودها هكذا، هل تتناول شيئاً غير الخمر؟ يقول عبد المؤمن لا، هو قال حرمت الخمر وبين لك أيش حرمها هي، لعدم تناول «حرمت الخمر لشدتها» كل مشتد يعني هو عبد المؤمن يريد أن ينسف الفكرة اللغوية التي بنى عليها النظام كلامه، كلامه خطأ لغة، من قال إنه «حرمت الخمر لشدتها» هي بمنزلة قوله حرمت كل مشتد؟ هذا أصلاً خطأ نسف كل المقدمة التي يريد أن يبني عليها النظام. لأنه «حرمت الخمر لشدتها» هذا لا يتناول إلا الخمر، وعلم لماذا حرم، أنها مشتدة. قال ولولا القياس الأصولي الذي تعبدنا الله به وأخبرنا بأدلة الكتاب والسنة متعبدون به، لاقتصرنا على تحريم الخمر فقط، ولم نعد التحريم لأي مشتد آخر. عرفت كيف يرد عليه؟ قال هذا لا يتناول كل مشتد، ولولا القياس الأصولي الذي تعبدنا الله به وعرفنا أننا متعبدون به لاقتصرنا على ماذا؟ لاقتصرنا على تحريم الخمر فقط.

فتكون فائدة التعليل دوران التحريم مع الشدة. ما رأيك تكون فائدة التعليل دوران التحريم مع الشدة؟ الآن عبد المؤمن توهم أنه أنت تحكي يا عبد المؤمن أن «حرمت لشدتها» هذه ليست عامة وليست في منزلة قولك «حرمت كل مشتد»، وتقول وإنما ألحقنا الفرع، وهي المسائل المعاصرة، النبيذ وغيرها بالخمر بواسطة القياس الأصولي الذي ربنا تعبدنا فيه، ولولا القياس الذي نحن متعبدون به لاقتصرنا على تحريم الخمر. فكأن هناك معترض يعترض على كلام عبد المؤمن، يعني إذا لم نتعبد بالقياس الأصولي فمعناته سنقتصر على تحريم الخمر، هكذا تريد صح؟ قال نعم. طيب قال إذاً ما رأيك في التعليل؟ إذا كنا سنقتصر على تحريم الخمر إذا لم نتعبد بالقياس، صح؟ انظروا كيف الآن النقاش، إذا كنا سنقف عند تحريم الخمر لو أن القياس الأصولي لم نتعبد به، ما فائدة التعليل؟ وضح السؤال؟ فعبد المؤمن كأنه توهم أن هناك من سيسأل هذا السؤال، فقال لا، ستظهر فائدة للتعليل حتى ولو اقتصرنا على موضع النص في التحريم، حتى ولو لم نتعبد بالقياس.

طيب أيش فائدة التعليل؟ قال فتكون فائدة التعليل حينئذ، لاحظ معي هذا، فتكون فائدة التعليل حينئذ لو أننا لم نتعبد واقتصرنا على تحريم الخمر، طب أيش فائدة التعليل حينئذ؟ قال فتكون فائدة التعليل حينئذ دوران تحريم الخمر بحد ذاتها مع وجود الشدة المطربة فيها. فتكون عندي الآن خمر، متى تكون محرمة؟ إذا كانت فيها شدة مطربة تزيل العقل، إذا تحولت إلى خل ما عادت محرمة لعدم وجود العلة فيها، إذا رجعت مشتدة مطربة فيها عادت محرمة وهكذا، فبالتالي تظهر فائدة من التعليل حتى ولو لم نقم بالقياس، أن تشير إلى دوران تحريم الخمر مع الشدة. فإذا وجدت الشدة في الخمر تكون محرمة، إذا ذهبت الشدة المطربة التي تزيل العقل بالتالي زال تحريم هذا الشراب، لأنه أصلاً لم يعد خمراً باختصار، فبالتالي تظهر فائدة للتعليل حتى ولو لم نقم بالقياس. فإياك أن تتوهم أن فائدة التعليل فقط هي استخدام الإذن في القياس.

لكن بنقول لعبد المؤمن هذا الكلام الذي قلته هنا نستطيع أن نحتج به عليك إذا ما اشترطت في العلل أن تكون منعكسة متعدية، ويشترط أنها تكون متعدية مقابل لا يعلل بها، لأن العلل المتعدية هي العلل التي يظهر أثرها في القياس. لكن عبد المؤمن رد علينا، يرد عبد المؤمن يرد علينا، قال أنا اشترطت التعدي في أي علة؟ في العلة المستنبطة، ولم أشترط التعدي في العلل القاصرة، في العلل المنصوصة والمجمع عليها، يجوز أن تكون قاصرة حتى عند عبد المؤمن البغدادي، وإنما اشترط التعدي في أي علل؟ في العلل المستنبطة، فبالتالي هو أبطل كلامنا، أنه قال أنا في العلل القاصرة، العلل المنصوصة أو المجمع عليها لم أشترط التعدي، أنا اشترطت التعدي في العلل المستنبطة.

فبالتالي العلل المنصوصة والمجمع عليها يجوز أن تكون قاصرة. طب أيش فائدتها إذا كانت قاصرة يا عبد المؤمن؟ هنا أعطانا فائدة، فإن العلة المنصوصة إذا كانت قاصرة ما هي؟ أن حكم الأصل يدور مع وجود هذه العلة فيه، فإذا وجدت العلة يوجد الحكم، انتفت العلة انتفى الحكم. فهمت؟ فعبد المؤمن البغدادي بالتالي أفقد رأي النظام، فيقول «تحريم الخمر لشدتها» ليس في منزلة قولنا «حرمت كل مشتد»، بالتالي لا يصح أن أقول والله كل الفروع المستجدة استطيع أن ألحقها بالخمر بواسطة العلة المنصوصة، لا يوجد عموم لفظي كما توهمت، ولولا أن الله تعبدنا بالقياس لاقتصرنا في تحريم الخمر على موطن النص فقط، ولم نقس. فإذا قلت لي طب إذا كنت لن تقيس لولا أن الله تعبدك، فما فائدة التنصيص على علة تحريم الخمر؟ أقول لك فائدة التنصيص على علة تحريم الخمر لو أننا لم نتعبد بالقياس هي دوران تحريم الخمر مع وجود هذا الوصف وجوداً وعدماً، استخدمها في القياس ما عندي مشكلة، هكذا رد على النظام وقال بفساد هذه الطريقة التي سلكها. تمام، هكذا أيها الأحبة بقي علينا المسلك الأخير أو...

النوع الأخير من مباحث هذا الباب هو أنواع القياس بناءً على أنواع العلل المستخدمة، فنقول: أنواع القياس أربعة. وهذا التقسيم للقياس باعتبار طبيعة الجامع، أو قل نوع العلة التي ستستخدم في القياس، وإن كنت أفضل كلمة طبيعة الجامع. سينقسم القياس إلى أنواع باعتبار ماذا؟ باعتبار طبيعة المستخدم في إلحاق الفرع بالأصل. عرفنا ما هو الآن؟ مناطق تقسيم القياس تنقسم إلى أربعة باعتبار طبيعة الجامع الذي سيستخدم في إلحاق الفرع بالأصل.

النوع الأول: قياس العلة، وهو أن تجمع بين الفرع والأصل بالعلة نفسها. مثال ذلك: إلحاق النبيذ بالخمر بجامع الإسكار في التحريم. وجد الأصل والفرع والعلة والحكم، فجمعت بين النبيذ والخمر بجامع، والجامع هنا كان هو العلة. وكما قلت لكم، كلمة الجامع أعم من العلة، فجمعت بين الفرع والأصل بجامع هو العلة؛ لأن الإسكار هو العلة في تحريم الخمر، فإذا ألحقت النبيذ بالخمر في التحريم بجامع الإسكار، فأنا هنا أكون جمعت بين الفرع والأصل بواسطة العلة. عندما نلحق الحبوب والنحاس بالذهب في تحريم التفاضل بجامع الوزن، فأنا هنا جمعت بين الفرع والأصل بالعلة نفسها؛ لأن الوزن هو علة تحريم التفاضل، فإلحاق النحاس والحديد بالذهب بجامع وجود العلة فيه، هذا يسمى قياس العلة، وهو أعلى أنواع الأقيسة أن يجمع بين الفرع والأصل بواسطة العلة نفسها مباشرة.

نذهب الآن إلى النوع الثاني وهو قياس الدلالة، ومر معنا قياس الدلالة، صح؟ ما هو قياس الدلالة؟ أن تجمع بين الفرع والأصل بدليل العلة، أو بأثر من آثارها، أو بحكم من أحكامها، ولو قلت إن الحكم هو نوع من الآثار فأنا ما عندي مشكلة. هذه التعاليم بعضها يكون فيه إطالة، ويمكن أن يختصر أكثر وأكثر، لكن أنا أستخدم التعابير التي في أكثر كتب الأصول. قياس الدلالة هو أن تجمع بين الفرع والأصل ليس بالعلة نفسها مباشرة، بل بواسطة دليل من أدلتها أو أثر من آثارها أو حكم من أحكامها.

على فكرة، قياس الدلالة من المصطلحات التي يختلف الأصوليون في تعريفها اختلافاً كثيراً، ولا يكاد ينطبق تعريف شخص على شخص آخر، لكن بشكل عام الفكرة العامة فيه أنه أكثر من نوع. فقياس الدلالة مثل استدلالنا بانتفاء الشيء عن انتفائه عن نظيره، هذا نوع من أنواع قياس الدلالة.

نأخذ أمثلة: حينما نقول النبيذ يلحق بالخمر في التحريم بجامع وجود الرائحة الكريهة والشدة المطربة، في هذا قياس يستخدمه كثير من الأصوليين. يقولون: النبيذ محرم قياساً على الخمر بجامع وجود الرائحة الكريهة والشدة المطربة في كليهما. في الحقيقة هل الرائحة الكريهة والشدة المطربة هي العلة في تحريم الخمر؟ علة تحريم الخمر هي الإسكار، لكن الرائحة الكريهة والشدة المطربة هي دليل على وجود العلة وإن لم تكن هي العلة بالضبط.

لماذا لا تستخدم العلة مباشرة؟ أحياناً بعض النوازل وبعض الفروع تكون ظهور العلة فيها ضعيفاً، لكن الأوضح ظهور دليل من أدلة العلة فيها. هنا الفقيه يستخدم إلحاق الفرع بالأصل بواسطة دليل العلة؛ لأنه يؤشر على العلة في الفرع وإن لم تكن ظاهرة فيه بقوة. اعتبروا عندنا شراباً وجود الإسكار فيه ما زال مختلفاً وغير ظاهر، من الأشربة الجديدة التي يأتي بها أصحاب الفجور، فيأتي الفقيه المعاصر يقول هذا الشراب محرم قياساً على الخمر بجامع وجود الرائحة الكريهة والشدة المطربة، والرائحة الكريهة والشدة المطربة هي دليل على وجود الإسكار. لابد أن يكون هذا الدليل ملازماً للعلة حتى يكون فعلاً دليلاً على وجودها. حينما يكون ظهور العلة في الفرع ضعيفاً، لكن هناك شيء ملازم للعلة متفق على وجوده في الفرع، فيكون المجتهد حتى يسكت الخصم يقول: أنت تتفق أن الرائحة الكريهة والشدة المطربة موجودة؟ فيقول الخصم: صحيح. فيقول: أنت تنازع في وجود الإسكار، لكن هذا توجد فيه الرائحة الكريهة والشدة المطربة على وجه لا تستطيع أن تنازع فيه، فبالتالي هو محرم.

أما جمعك بين الفرع والأصل بأثر العلة، مثل مسألة القتل: إذا قتل شخص شخصاً بآلة حادة، كل المذاهب تتفق على وجوب القصاص. لكن إذا قتل شخص شخصاً بآلة ليست حادة، بعصا أو بحجر، هذا يسمى القتل بالمثقل، وفيه خلاف بين الفقهاء. الحنفية يقولون لا قصاص، فيأتي الجمهور ويردون عليهم، فيقولون: القتل بالمثقل يجب فيه القصاص قياساً على القتل بالمحدد، بجامع الإثم في كليهما. الجمهور ما استطاعوا يقولوا بجامع القتل العمد العدوان؛ لأن الحنفية ينفون هذه الورقة، فأرادوا إلزامهم بجامع الإثم. والحنفية لا ينفون وجود الإثم هنا، لكن في الحقيقة هذا القياس ليس بقوي؛ لأن الإثم وإن كان أثراً من آثار العلة، إلا أن مجرد الاشتراك في الإثم لا يلزم منه الاشتراك في وجوب القصاص. لذا فقياس الدلالة أضعف مرتبة من قياس العلة؛ لأن إلزامه للخصم لا ينبني على اللزوم القوي جداً، وإنما على آثار وأحكام.

النوع الثالث من أنواع القياس هو قياس الشبه، وهذا النوع اختلف أيضاً في تفسيره. قال القاضي يعقوب: هو أن يتردد الفرع بين أصلين، فيلحق بأكثرهما شبهاً. ما هو قياس الشبه؟ عندي فرع لا توجد علة أو دليل علة نستطيع أن نلحقه بأصل معين، لكن عندي علة شبهية، وهي علة مأخوذة بمسلك الشبه. هي ليست علة بالمعنى الحقيقي، لكنها شبيهة بالعلة، وهي أفضل من العلة المأخوذة بالطرد والدوران. فإذا كان الفرع متردداً بين أصلين، وبين الفرع وكل أصل منهما جامع شبهي، أنظر ما هو وجه الشبه الأكثر بين الفرع وهذا الأصل، أو بينه وبين ذاك الأصل، فألحقه بأكثرهما شبهاً.

مثال: المذي، هل هو طاهر أم نجس؟ اختلفت الأقوال بسبب الشبه؛ فالمذي له شبه بالبول في جامع شبهي، وهو أن كلاً منهما خارج من الفرج.

لاحظ عندي هنا بول نجس، وعندك مني طاهر، والآن عندي هنا مذي. الآن المذي هل يلحق بالبول فأحكم عليه بالنجاسة؟ ولا يلحق بالمني فأحكم عليه بأنه طاهر؟

نقول: ما الذي أراد أن يلحق المذي بالبول؟ هناك من قال المذي نجس وهذا مذهبنا، أليس كذلك؟ ما العلة في هذا الإلحاق القياسي على البول؟ ما هي العلة التي جمعت فيها بين المذي والبول؟ قال: لأن كليهما خارج من الفرج. الآن معناها هذه علة الأصل صح؟ هل الأصل وهو يبول نجس لأنه خارج من الفرج لهذه العلة برأيك؟ لم ننص عليها، ولا هي تصلح بالمناسبة، ولا في سبب وتقسيم عملته، فكيف دعيتها علة؟ قال: والله يا شيخ أنا في الحقيقة أرى وصفًا مناسبًا يعلق حكم نجاسة البول عليه، فأتيت بوصف شرعي. يعني هو يشبه؛ فمثلاً الغائط حكم عليه بالنجاسة لأنه يخرج من المخارج المستقذرة، فقال هذا يصلح، يعني هذا الوصف أنه خارج من الفرج يشبه أن يكون هو علة فجعلته علة بهذا الوصف، تمام؟

الآن أيها الأحبة، من يرى أن المذي طاهر، ماذا قال؟ من قال إن المذي طاهر ألحقه بالمني، قلنا له: ما وجه الإلحاق بالمني؟ ما هو الجامع؟ قال: الجامع بينهما أن كليهما يخرج بسبب الشهوة. الجامع ايش قال؟ أن كليهما يخرج بسبب الشهوة، والمني متى يخرج الإنسان عادة؟ بشهوة، أليس كذلك في الجماع وما شابه ذلك؟ والمذي متى يخرج؟ عندما يفكر الإنسان بالشهوة، فقال: الجامع بينهما أنهما يخرجان بشهوة. فنقول له: انتظر، هل الأصل وهو المني حكم عليه بأنه طاهر شرعًا لأنه يخرج بسبب شهوة؟ هل هذا هو الوصف الباعث على الحكم بطهارته؟ قال: لا في الحقيقة، ولكن يشبه أن يكون هو، فالحقت المذي بالمني بهذا الوصف.

لاحظوا أن هنا يلحق الفرع بالأصول بأوصاف شبهية، أوصاف لم تظهر مناسبتها، لكنها أخذت بمسلك الشبه، فتجد فرعاً متردداً بين أصلين. طيب شيخ، ممكن يكون الفرع متردداً بين ثلاثة أصول؟ لازم فقط بين أصلين؟ أقول لك طبعاً ممكن، ممكن يكون الفرع متردداً بين خمسة أصول، لكن هذه عبارة الأصوليين يعني فرع متردد بين أصلين، والبعض يقول متردد بين أصلين فأكثر؛ اكتبوها ما عندي مشكلة. فرع متردد بين أصلين فأكثر يلحق هذا الفرع بالأكثر شبهاً.

فالحنابلة ماذا قالوا؟ الحنابلة قالوا: المذي هو أكثر شبهاً بالبول منه بالمني؛ لأنه المذي يشبه البول أولاً لأنه يخرج.. قضية أنه خارج من الفرج هي في الحقيقة ذكرها هنا كمثال لكنها غير مقنعة بالنسبة لي؛ لأن المني يخرج من الفرج أيضاً. لكن لو قلنا: المني منبعه من الظهر، أصله يخرج من بين الصلب والترائب، وأن المذي والبول منبعهما من الفرج، ممكن مثلاً، هذه مشكلة. ولكن هناك وجوه شبه أخرى أيضاً تظهر بين المذي والبول، أنه مثلاً المذي لا ينشأ منه ولد مثل البول، لكن المني ينشأ منه الولد، ممتاز؟ المذي لا يلزم منه الغسل مثل البول، لكن المني إذا نزل يلزم منه الغسل. فلاحظوا، مشتبه بين المذي والبول أن المذي منشأه كما نقول مثلاً من المثانة مثله مثل البول، المذي لا يوجب الغسل مثل البول، المذي لا ينشأ منه الولد مثل البول، فهناك أوجه شبه كثيرة بين المذي والبول، فقالوا: إذاً نلحق المذي بالبول بجامع هذه الأوصاف الشبهية، وهو أولى من إلحاقه بالمني؛ لأن وجه الشبه بين المذي والبول أكثر من وجه الشبه بين المذي والمني.

لا تضطر.. هذا المسلك يضطر الفقهاء كثيراً إلى سلوكه. لا تظن يا طالب العلم أن كل الأحكام ستسعفك بعين المناسبة، تستطيع أن تلحق بها الفروع بكل أريحية. لا، ستضطر أحياناً إلى سلوك مثل هذه المسالك، ليست كل الأحكام ظاهرة العلل، وبعض الفروع تحتاج أن تلحقها بالأصول بواسطة شبهها، ولكن الوصول للشبه يعطيه نظاماً، والاتباع للظن أولى من الوقوف أو التحيل أو عدم اعتماد منهج علمي في إعطاء الأحكام الشرعية، أليس كذلك؟ الشبه إذاً مقبول بشكل عام، لكن في حالة عدم القدرة على قياس العلة والدلالة؛ يعني ما تستخدم شبه وأنت تستطيع أن تصل إلى قياس العلة. إذا عرفت للأصل علة مناسبة له، وهذه العلة المناسبة في الأصل توجد في الفرع، خلاص قم بقياس العلة وانتهى. متى تذهب إلى قياس الشبه؟ كما قلنا إذا لم تستطع أن تأتي بقياس علة ولا بقياس دلالة؛ بحيث كان الأصل ما استنبطت له علة حقيقية، وإنما علة توجد عندي فرع أريد ألحقه بهذا الأصل بواسطة هذه العلة الشبهية.

نعم، إن الحكم بالنجاسة شيء، نعم، يفرق بالشريعة بالخبر، فممكن شخص يقول: أصلاً هذا كلامك يبطل قياس المذي على البول؛ لو أغلقنا باب التنجيس بالقياس تماماً ويبطل إلحاق المني بالبول، لأنه إذا قلنا النجاسة فعلاً لا تثبت إلا بالنص فقط، بالتالي يلحق بالمني بطهارته، ولا نقول بنجاسته لأن النجاسة لا تثبت إلا بنص. لكن هناك نوع من إطلاقية العبارة أقول فيها شهادة للفقهاء.

طيب، قال القاضي يعقوب: هو أن يتردد الفرع بين أصلين فأكثر، فقلنا في الصحيح ما في داعي نحصر حالنا بين حاضر ومبين، هو تردد فرع بين أصلين فأكثر فيلحق بأكثرهما شبهاً، هذا تعريف. هناك تعريف آخر قال: هو جمع بين الفرع والأصل بوصف يوهم اشتماله على العلة من غير وقوف عليها، أن تجمع ما في قضية أنه يتردد، قال ما في داعي لقضية التردد، إني يوجد عندي أصل ويوجد عندي فرع، أجمع بين الفرع والأصل لماذا؟ بوصف يوهم اشتماله على العلة من غير وقوف عليها. ما معنى هذا الوصف الذي يوهم اشتماله على العلة هو الوصف الشبهي؟ لأنه الآن عندما تأخذ وصفاً شبهياً وتقول هو علة حكم، كما قلنا في الحقيقة أنت لم تقف على العلة، لكن هذا الوصف يشبه أنه يشتمل على العلة وإن لم أكن متأكداً أنه العلة. ضعوا فوقها كلمة علة بدل كلمة مظنة، يعني الجمع بوصف يوهم اشتماله من غير وقوف عليها أي على العلة بالتحديد، وهذا هو الوصف الشبهي المأخوذ بواسطة مسلك المشابهة أو مسلك الشبه، لأنك أنت في مسلك الشبه عندما تعلل تعلل بوصف أنت تتوهم..

بل يسمونه كاذب وهم، يعني احتمال شبه أن يكون مشتملاً على العلة، صح؟ وإن لم تكن متحققة من وجود العلة فيه، بالضبط هل هو هذا العلة ولا لأ؟ مش متأكد. ففي الحقيقة هذا التعريف يؤول إلى التعريف السابق، لكن التعريف الثاني أكثر أنه ما في داعي أنه نشترط وجود فرع متردد بين أصلين؛ لأنه قياس الشبه لازم يكون الفرع متردداً بين أصلين أو أكثر؟ خلاص، بواسطة ماذا؟ وصف يوهم أنه علة، حتى لو لم يكن هذا الفرع متردداً بين أصول. أنت فاهم علي؟ لماذا اشترط أن يكون في قياس الشبه الفرع متردداً بين أصلين فأكثر؟ حتى لو لم يكن متردداً بين أصلين فأكثر والحق فرعاً بأصل بوصف يوهم أنه العلة وإن لم تكن العلة متحققة فيه أو لم أتحقق من وجود العلة فيه. الآن هل هذا يجوز استخدامه أصلاً؟ قياس الشبه قال: وهو صحيح في إحدى الروايتين في مذهبنا، وفي الحقيقة الحنابلة يستخدمونه بقوة، فهذا المعتمد عندنا أنه هو أحد قولي الشافعي.

النوع الرابع من الأنواع، قال: وقياس الطرد، رجعنا لكلمة الطرد يا مشايخ، قال: وقياس الطرد وهو ما جمع فيه بوصف غير مناسب أو ملغى بالشرع وهو باطل. ايش قياس الطرد؟ لا عنوان مر معنا كلمة طردي، مر معنا مسلك الطرد، مر معنا كلمة الطرد، وهذا المصطلح الرابع قياس الطرد. ترى كلمة طرد وطردي وقياس الطرد فيها نوع تقارب تؤدي لبعضها، تسلك لبعضها، أنا بينها ارتباط، بس حاول أنك تضبط كل مصطلح أين استخدم. مسلك الطرد هذا في مسالك العلة، الوصف الطردي هذا من شروط العلة، ذكرنا قياس الطرد ذكرناه في أنواع الأقيسة، حاول أنك تعرف وين استخدمنا كل مصطلح. ما هو قياس الطرد؟ قياس الطرد هو الذي استخدمناه في الوصف الطردي أو الوصف الذي ألغي اعتباره شرعاً. الآن انظروا يا مشايخ، عبد المؤمن في فكرته أنه يشترط في العلة أن تكون مناسبة، هو يشترط هذا، بالتالي على قواعد عبد المؤمن الكلام صحيح أنه إذا كان الوصف غير مناسب فاستخدامه في القياس باطل. لكن قلنا الصحيح فيه توصيفه أنه لا يشترط في العلل دائماً أن تظهر مناسبتها، لا يشترط في العلل دائماً أن تظهر مناسبتها، فإذا أنا أخذتها بمسلك السبر والتقسيم أو بمسلك الدوران، ممتاز؟ أو بمسلك حتى الشبه، هل العلل هنا يا مشايخ تظهر مناسبتها؟ يعني ممكن تظهر مناسبة بمسلك السبر والتقسيم ممكن لا، لا يشترط. مسلك الدوران لا يقوم على وجود مناسبة، مسلك الشبه أنت وصلت إلى شبه مناسبة وليس إلى مناسبة. فإطلاق القول بأنه قياس الطرد هو جمع بين الأصل والفرع بواسطة غير مناسب وهذا باطل بهذا الإطلاق، هذا على رأي عبد المؤمن صحيح، لكن هناك من ينازع فيه. إنه ايش قصدك بوصف غير مناسب؟ هل قصدك أنه أي علة يجب أن تكون أو تظهر مناسبتها؟

بالتالي إذا جمعت بوصف لم تظهر مناسبته القياس باطل، بنقول بناء على هذا العموم هذا ليس بصحيح، لأن كثير من الأقيسة تنبني على الجمع بين الفرع والأصل بأوصاف لم تظهر مناسبتها، وفي النهاية يقبل عند الأصوليين. فإطلاق القول بأنه قياس الطرد هو باطل دائماً وهو أن تجمع بين الفرع والأصل بوصف غير مناسب، هذا الإطلاق على طريقة عبد المؤمن مفهوم، لكن هناك من ينازع، ونحن ممن ينازع فيه؛ أنه ليس كل وصف غير مناسب لا يجوز استخدامه في القياس، بل قد يكون وصف غير مناسب وأنا أخذته بالسبر والتقسيم. ما معنى غير مناسب يا مشايخ؟ طبعاً تركزوا؛ غير مناسب يعني لم تظهر لي مناسبته، ممتاز لم تظهر لي مناسبته، أما أخذته بالسبر والتقسيم أو بالدوران أو حتى ممكن تكون العلة منصوصة ومجمعاً عليها، فإذا استخدمت أنا وصفاً غير مناسب ليس على إطلاقه نقول بإسقاطه، ممكن يكون قياس باطل إذا استخدمت وصفاً غير مناسب والمسلك الذي سلكته في استنباطه هو مسلك المناسبة؛ إذا أنت كنت ماخذ مسلك المناسبة من مسالك الاستنباط وأتيت بوصف غير مناسب وعلقت حكم الأصل عليه، فعلاً هنا سيكون القياس باطل إذا قست بواسطة هذا الوصف، لأنه مسلك المناسبة يشترط في الوصف المأخوذ من خلاله أن يكون مناسباً، بالتالي إذا أنت أتيت من خلاله بوصف غير مناسب عللت به الأصل وألحقت الفرع بالأصل بناء عليه فكل قياس باطل. لكن إذا أتيت بوصف لم تظهر مناسبته من خلال مسلك السبر والتقسيم أو من خلال مسلك الدوران أو إذا أنا قبلته بشكل عام أو القياس أو باستخدام مسلك الشبه ما في مشكلة، ولا القياس باطل. أما إذا كان بالنوع الثاني الجمع بوصف ملغى بالشرع، آه طبعاً هذا أوافقك عليه تماماً مئة بالمئة، ولا أظن قد يلازم هذه القضية أنه إذا كان ألحق الفرع بالأصل بواسطة وصف ألغاه الشارع، الشارع هو الذي ألغاه، قال لا تعللوا به، بالتالي قطعا القياس الذي استخدم فيه هذا الوصف الملغى شرعاً قياس باطل.

ثم قال: وأربعتها تجري في الإثبات. أربعة ايش هي؟ قياس العلة وقياس الدلالة وقياس الشبه وقياس الطرد، قد كلها تجري في الإثبات. بده يرجعني لقضية أن الحكم المعدى من الأصل إلى الفرع يمكن أن يكون وجودياً وممكن يكون عدمياً، وإذا كان الوصف المعدى للحكم المعدى من الأصل للفرع عدمياً قلنا في الحقيقة هناك حالتين، ممكن يكون عدم أصلي، ممكن يكون عدم طارئ. وقلنا ما الذي لا يحتاج إلى علة؟ تعدية الحكم من الأصل إلى الفرع متى لا تحتاج إلى علة؟ إذا كان الحكم هو البراءة الأصلية (العدم الأصلي)، أما إذا كان الحكم المعدى من الأصل للفرع هو حكم وجودي أو عدم طارئ فهذا له علة، صح؟ هذه مسائل نستحضرها الآن. أشياء قال: وأربعتها تجري في الإثبات. وأما النفي فالطارئ، أها إذا هو يقر أننا في طارئ، كبراءة الذمة من الدين، فيجري فيه الأولان؛ يجري فيه قياس العلة وقياس الدلالة. بل تجري فيه الجميع إذا كان النفي طارئاً، وأنا مثلت لكم بنسوا قضية براءة الذمة من الدين، يعني مثال أوضح من ذلك مثال أنا قلت لكم عدم صحة تصرف الصبي غير المميز، ايش العلة؟ لأنه غير جائز التصرف، لأنه غير جائز التصرف. لاحظوا عللتنا حكم عدمي لكنه عدم طارئ، لأن الأصل في تصرفات المكلفين الصحة، أو الأصل في تصرفات...

في تصرفات الناس، الأصل في المعاملات الصحة؛ فهي قاعدة عامة في البيوت. فالآن إذا جاء صبي مميز فباع، نقول البيع باطل، أي عدم صحة البيع. عدم صحة البيع هذا حكم، فتقول: ما علته؟ عدم جواز التصرف، هذه علة. هذا نفي طارئ، والأصل صحة المعاملات، فهذا النفي الطارئ له علة. بما أنه نفي طارئ له علة، إذن أستطيع استخدام قياس العلة فيه. لو نفذت مثلاً وقلت: العبد لا يصح بيعه قياساً على الصبي المميز بجامع العلة، وهي عدم جواز التصرف في كليهما، بصير. وهذا النوع الذي استخدمته هو قياس علة؛ لأن الأصل هو بيع الصبي المميز عدم صحته، وعللت بعلة أنه غير جائز التصرف، فألحقت العبد بالصبي المميز في عدم صحة بيعهما. إذاً هنا قياس علة، مع أن الحكم المعدى من الأصل إلى الفرع حكم منفي، لكن نفيه له علة. واضحة الفكرة؟ لذلك قال: النفي الطارئ يجري فيه النوعان، أي يجري فيه قياس العلة وقياس الدلالة، ما في مشكلة، مثل الإثبات إذا كان الحكم مثبتاً وجودياً وليس عدمياً.

والنوع الثاني للنفي قال: النفي الأصلي، وهو البقاء على ما كان قبل الشرع، أي البراءة الأصلية. الآن البراءة الأصلية يا مشايخ، هل تعلل بعلة؟ قلنا لا؛ البراءة الأصلية ليس لها علة، وإنما تفسر، فنقول: لماذا لا توجد صلاة سادسة؟ لماذا الوتر غير واجب؟ لعدم المقتضي، وليس لعله باعثة لعدم وجوب الوتر، هذا تفصيل لعدم وجوب الوتر وليس علة باعثة. قال: فليس بحكم شرعي؛ لأن البراءة الأصلية تسمى الإباحة العقلية، أن العقل دل على بقاء الحكم على ما هو عليه قبل مجيء الشرع، فالإباحة هنا مأخوذة من العقل، وتسمى إباحة عقلية. هل نعتبرها من قبيل الحكم الشرعي؟ الخلاف أن الحكم الشرعي هو خطاب الشارع، والإباحة العقلية ما فيها خطاب شارع، العقل يقول الأصل براءة الذمة حتى يأتي المكلف، فهذا حكم أخذته من خلال الدليل العقلي وليس من خلال الشارع؛ بالتالي ليست الإباحة العقلية من قبيل الحكم الشرعي.

والبعض يقول: الذي سمح لنا أن نعتمد على دليل العقل في إثبات براءة الذمة من التكاليف هو الشارع، فبالتالي الإباحة العقلية تدخل ضمن الأحكام الشرعية وإن لم تكن خطاباً من الشارع مباشرة. البعض يجعلها بهذا الأسلوب؛ يقول: من الذي جوز لنا أن نعتمد دليل العقل حتى يأتيكم بخطابه؟ الشرع هو الذي جوز لنا، وقال: ما لم آتكم بخطاب ابقوا على الدليل العقلي. فبالتالي الإباحة المأخوذة بدليل العقل يمكن أن نقول إنها نوع من أنواع الإباحة وإن لم تكن خطاباً مباشراً في إباحة هذا الفعل، فأنت ليس عندك خطاب مباشر في هذا الفعل المباح، لكنك استفدت إباحته من دليل العقل الذي أذن لنا الشارع باستخدامه، فالبعض يرى من هذه الزاوية. المهم عبد المؤمن يرى أن الإباحة العقلية ليست من قبيل الحكم الشرعي؛ لأنها ليست خطاباً من الشارع يتعلق بالواقعة، وإنما استخدمنا دليل العقل في إثبات أن هذا الأمر مباح. المهم قال: فليس بحكم شرعي، قال: النفي الأصلي ما كان على ما كان قبل الشرع فليس بحكم شرعي ليقتضي علة شرعية. وهذا الكلام أصلناه كثيراً، فبالتالي أي قياس يجري فيه؟ يجري فيه قياس الدلالة.

قال: النفي الطارئ يجري فيه قياس العلة وقياس الدلالة، ولم يقل يجري فيه قياس الشبه، وأما النوع الثاني وهو النفي الأصلي فسمح فيه بنوع واحد وهو قياس الدلالة. ختاماً أيها الأحبة، قال: والخطأ يتطرق للقياس من خمسة أوجه، وهذا تعداد لأوجه أو أسباب الخطأ في القياس بعد هذه الجملة الكبيرة في أركان القياس وشروط الأصل والفرع والحكم والعلة. الوجه الأول: أن يكون الحكم الأصلي تعبدياً، ومن شروط الأصل أن يكون حكمه ليس تعبدياً، فإذا كان حكم الأصل تعبدياً فلا يجوز أن أقيس، فإذا قست في حكم تعبدي يكون قياسي خطأ مباشرة.

الثاني: أن تخطئ في تحديد العلة، لم تحدد العلة بشكل صحيح؛ سواء أخطأت في استخدام مسلك المناسبة أو أخطأت في استخدام السبر والتقسيم أو الشبه، المهم أنك لم تحدد العلة لهذا الحكم بشكل صحيح، وبالتالي قياسك سيكون فاسداً. الثالث: أن يقصر في بعض الأوصاف، يعني تكون العلة في الحقيقة مركبة من عدة أجزاء، فأنت تجعل العلة في جزء وتكون هناك أوصاف أخرى ينبغي أن تركبها مع العلة لم تذكرها، قصرت في إضافتها. فمثلاً لو أن الشخص علل القصاص بالقتل فقط، نقول هذه علة خاطئة؛ لأنه قصر في ذكر بقية الأوصاف، كأن يقتل شخص قتل عمد، لكن قد يكون القتل بحق كقصاص الحاكم أو تنفيذ حكم شرعي، فلو علل القصاص بأنه قتل وسكت وقاس عليه، نقول هذا قياس خطأ؛ لأن العلة خطأ، والخطأ هو تقصير في ذكر بقية الأوصاف، فهذا يكون في العلل المركبة.

الرابع: أن يضم ما ليس من العلة إليها، يعني هذا بالعكس، أن تكون العلة مفردة هو يجعلها مركبة. مثلاً نفرض أن العلة عند الحنابلة في وجوب الزكاة في الحبوب والثمار هي الكيل والادخار، نفرض أن الحنابلة كانوا مخطئين وأن العلة مجرد الكيل، فيكون الخطأ أنهم أضافوا وصفاً إلى العلة مع أنه ليس منها وهو الادخار. الخامس والأخير: أن يظن وجودها في الفرع وليست موجودة فيه، أي أن العلة كانت صحيحة، لكن أنت ظننت أنها موجودة في الفرع واكتشفنا أنها ليست موجودة فيه، فلو قست فرعاً على أصل بناءً على توهمك أن العلة موجودة فيه، ماذا سيكون القياس؟ خاطئاً. فهذه إذاً أيها الأحبة خمسة أخطاء ترد على القياس. هناك في الحقيقة في القياس مبحث كامل لم يتطرق إليه عبد المؤمن البغدادي هنا وهو ما يسمى قوادح العلة، وهو مبحث عميق جداً يدرس في المطولات. نسأل الله أن ينفعنا بما سمعنا وأن يرزقنا همة لإتمام هذه المصنفات والغوص فيها، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.