بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.
حياكم الله أيها الأحبة في مجلس جديد نعقده في شرح كتاب قواعد الأصول ومعاقد الفصول للإمام عبد المؤمن البغدادي رحمه الله تعالى عليه، وقد انتهت بنا هذه الرحلة إلى مبحث جديد من مباحث العلة، والعلة هي من مباحث القياس. انتهت رحلتنا أيها الأحبة في العلل إلى الكلام عن مسالك العلة. ورحلتنا في العلة بدأت فهي الركن الرابع، الآن نحن نبحث في الركن الرابع والأخير من أركان القياس. تكلمنا عن الأصل وعن شروطه، وعن الفرع وعن شروطه، وعن الحكم وعن شروطه، ثم شرعنا في العلة، فتكلمنا عن أشكال العلة. أنا يهمني ترتيب الأفكار دائماً حتى لا يضيع الطالب، وربط الدروس الحاضرة بالدروس السابقة. تكلمنا عن أشكال العلة، ووصف وحكم، وإذا كان وصف ما هي الأشكال التي تأتي عليها؟ مفرد، مركب، لازم، عرض، إلى آخر التقسيمات. إذاً أشكال العلة، ثم تكلمنا عن أسماء العلة، وذكرنا سبعة أسماء للجامع.
ثم بعد ذلك انتقلنا للحديث عن أهم المسائل التي تبحث في العلة، فقلنا العلة يبحث فيها من جهة تخريج المناط، وهو البحث عن وجود العلة في الفروع بعد التحقق؛ وهذه تكون العملية بعد التحقق من أو بعد الوصول إلى العلة، بعد معرفة العلة أبحث، هل هذه العلة التي أدركتها مسبقاً ووصلت إليها توجد في هذا الفرع أو لا توجد؟ فهذا يسمى تحقيق المناط، وهو التحقق من وجود العلل في الفروع والمسائل النوازل، وهي عملية خطيرة ومهمة جداً، تحقيق المناط يعني تحقيق العلة. والمبحث الثاني تنقيح المناط، والمبحث الثالث تخريج المناط. وقلنا في نهاية المحاضرة السابقة: تخريج المناط هو موضوع محاضرة اليوم، مسالك العلة لتنقيح المناط وتخريج المناط، هو كيف أصل إلى العلة؟ كيف أحدد العلة؟
فـ تنقيح المناط، كما قال عبد المؤمن البغدادي: أن تأتي أو أن يأتي حكم عقب أوصاف، فتقوم بتنقية العلة، يعني بإظهار الوصف الذي يصلح للعلية من بين كل هذه الأوصاف، وإزالة الأوصاف الأخرى التي لا تصلح للتعليل بها. هذا كان يسميه تنقيحاً. وتخريج المناط هو كما قلنا لا يوجد عندي حكم عقب أوصاف، لا يوجد عندي حكم مطلق، حرم الشارع، أباح الشارع، أوجب الشارع، نهى الشارع، فأقوم أنا باستنباط ومحاولة الوصول إلى الوصف الذي كان سبباً في هذا الحكم، هذا يسمى تخريج المناط. فإذاً باختصار هي المباحث الثلاث: تنقيح المناط، وتخريج المناط، وتحقيق المناط، هذه المباحث التي يهتم بها الأصوليون في بحثهم عن العلل والمجتهدون أيضاً.
بعد ذلك انتقلنا للحديث عن شروط العلة، فقلنا العلة إذا كانت وصفاً، ما هي شروطها؟ ذكرت سبعة شروط عبد المؤمن البغدادي وناقشنا هذه الشروط شرطاً شرطاً، والشرط الثامن الذي هو الانعكاس، عرفنا رأي عبد المؤمن البغدادي والآراء المخالفة فيه، وانتقلنا لمسألة هل ينقض تعليل الحكم بعلتين؟ لا يجوز، وعرفنا الخلاف فيها. ثم بعد ذلك أيها الأحبة في هذا اليوم نشرع في مبحث جديد من مباحث العلل، وهو ليس جديداً بمعنى كلمة جديد، لأنه في الحقيقة هو تخريج المناط، فكأننا نعود إلى المبحث الذي تكلمنا فيه عن مباحث العلة، وكنا في العلة أن نبحث إما في تحقيق المناط أو تنقيح المناط أو تخريج المناط.
هذا المبحث الذي هو تخريج المناط وتنقيح المناط يمكن أن يطلق عليه في كتب الأصوليين هذا العنوان: مسالك العلل، بل هو العنوان الأشهر، العنوان الأشهر له إيش؟ مسالك العلل. لماذا هذا العنوان الأشهر؟ لأنه في الحقيقة عنوان مسالك العلل أعم من تخريج المناط وتنقيح المناط. بل حتى أكون محققاً أكثر وأكثر: تخريج المناط وتنقيح المناط هو نوع من أنواع مسالك العلل وليس هذان أو هذه الأسماء كلها على ترادف؛ حتى أكون محققاً ماذا نقول؟ تخريج المناط أو تنقيح المناط هذه التي تحدثنا عنها سابقاً هي مسلك من مسالك العلل، وليست هي كلمة مسالك العلة. جميل؟ فهذان النوعان تخريج المناط وتنقيح المناط هما من هذه المسالك، وأما المسالك فهي أعم منهما، فإذاً نبدأ أيها الأحبة في محاضرة اليوم نستعين بالله فنقول: مسالك العلة.
المسالك جمع إيش يا مشايخ؟ مسلك، أليس كذلك؟ والمسلك هو الطريق، فكأن هذا العنوان إلى ماذا يشير؟ عندما نقول مسالك العلل يعني إلى طرق العلل، ما معنى طرق العلل؟ يعني طرق الوصول إلى تحديد العلة. فإذا سمعت أو قرأت في أي كتاب أصول مسالك العلل، ماذا تفهم؟ ماذا يريد هذا الكاتب أن يكتب؟ يريد أن يتكلم عن الطرق التي من خلالها نتوصل إلى تحديد العلة، الطرق التي من خلالها نتوصل إلى معرفة العلة، فهذا معنى مسالك التعليل.
عبد المؤمن البغدادي بدأ هذا المبحث فقال: ولاثبات العلة طرق ثلاثة. ضعوا فوقه: الإثبات أي طرق ثلاثة، ضعوا عنوان العلل يعني طرق تحديد العلة، طرق الوصول إلى العلة. قال لاثبات العلة، يعني للوصول إلى العلة هناك طريق بشكل عام، قال: طرق ثلاثة لاثبات العلة طرق ثلاث. ما هي هذه الطرق الثلاثة التي سيسلكها عبد المؤمن؟ الآن أيها الأحبة هو لا يزال يقول النص ثم سيسرد سنداً طويلاً، أقوم الآن أنا بتغطية إجمالية، أقول مسالك العلل ثلاثة أساسية، وتحت كل واحد من هذه الثلاثة هناك تفاصيل، مسالك العلة إما عن طريق النص أصل إلى العلة، عن طريق النص يعني النص هو الذي أخبرني بالعلة، كيف وما هي أوجه إخبار النص بالعلة؟ هذا سيأتي، لكن أذهب إلى المسلك الثاني مباشرة: الإجماع، المسلك الثالث: الاستنباط، تمام؟ هذه تسمى إيش يا مشايخ؟ مسالك العلة الإجمالية، أي مسالك العلل الإجمالي، هي ثلاثة إجمالاً: إما عن طريق النص تصل إلى العلة، أو عن طريق إجماع عليها، أو عن طريق طريق استنباط، ما عندنا حل ثاني رابع، ما عندنا حل رابع، هذه المسالك الطرق الإجمالية، وتحت كل طريق هناك تفاصيل، هناك طرق تفصيلية.
فكما أن عندنا مسالك إجمالية، تحت كل مسلك من المسالك الإجمالية هناك مسالك تفصيلية. طبعاً الإجماع لن يكون فيه تفاصيل في الحقيقة، وإنما التفاصيل ستكون في النص وفي الاستنباط. جميل؟ إذاً على الطالب أن يضبط ابتداءً مسالك العلة إجمالاً: نص، إجماع، استنباط. من هذه الطرق الثلاث نصل إلى العلة، ما عندنا طريق رابع. الآن سنبدأ البحث في البحث عن أول مسلك من المسالك وهو النص. سنبدأ في البحث في النص، فماذا قال عبد المؤمن البغدادي؟ قال: أولاً النص. ما معنى النص؟ أو كيف النص يخبرني بالعلة؟ ما هي الطرق التي من خلالها أصل بالنص إلى العلة؟ كل هذه عبارات تحوم حول بعضها.
النص قال: بأن يدل عليها، قال النص إما أن يدل على العلة بالصريح. كيف بالصريح؟ كقوله مثلاً يأتي آية أو يأتي حديث عن النبي عليه الصلاة والسلام يعطي حكماً ثم يقول بالصريح: وعلة هذا الحكم كذا. طبعاً أحياناً أنت بدك تقول إنه أنا مو بصدد فرض فرضيات ذهنية، حتى كما نقول يحوي جميع المباحث، لكن هل هذا وقع؟ لم يقع أو لا يمنع الوقوف ويبحث عن الطرق جملة فيقول: النص إما أن يدل عليها بالصريح كقوله العلة كذا، العلة كذا، يعني هو يقولون أول طريق الصراحة حتكون واضح جداً النص بأن الحكم ويقول علة هذا الحكم كذا. يقول مثلاً: الخمر محرمة، حرمت عليكم الخمر والعلة استخدموا لفظ العلة، قل أو تعليلها الإسكار، جيد. الآن هل هذا وقع بهذا التصريح؟ في الحقيقة بكلمة العلة لم يقع استخدام هذه الصراحة لم يقع. طيب إذا قال: أما بأن يدل عليها بالصريح كقوله العلة كذا. قال أو بأدواتها.
الضمير في بأدواتها يعود على ماذا؟ هذا العلة، يعني بأدوات العلة، أو بعبارة قد تكون أوضح: بأدوات التعليل بهذا المفهوم. جميل؟ إذاً الطريقة الثانية النص قال: بأن يدل عليها بالصريح كقوله العلة كذا، أو بأدواتها. كلمة بأدوات يا مشايخ معطوفة على إيش؟ على بالصريح، هذا هو الظاهر، فعبد المؤمن يريد أن يقول أن النص إما أن يدل على العلة - يعني بأن يدل عليها أي على العلة - بالصريح أو بأدوات التعليل، فجعل أدوات التعليل قسماً مقابلاً لقسم الصريح، صح؟ كيف؟ يعني هل بأدواتها هي داخلة ضمن الصريح ولا هي قسم من الأقسام؟ النص إما أن يدل على العلة بالصريح أو بأدواتها، وهذا أول التقسيم أو بأدواتها، فكأنه يريد أن يقول: النص إما أن يدل على العلة بالصريح هذا قسم، أو يدل عليها أي العلة بأدوات التعليل، إذاً جعل أدوات التعليل مقابلة للصريح، أليس كذلك؟ هذه طريقته.
هذه طريقة عبد المؤمن، أنا لماذا أركز على هذه الفكرة؟ لأني عندما أقرأ في شروح المعاصرين يحاولون تطويع النص لتقسيمات تذكر في كتب أصولية أخرى. الآن طريقة تقسيم دلالة النص على العلة مختلف فيها بين الأصوليين، متفق عليها وفي النهاية هي طريقة اصطناعية شكلية، يعني عرفت؟ هناك من يقسم بتقسيم آخر أو بأسلوب آخر، ليس المسلك أو الطريق الذي سلكها عبد المؤمن البغدادي الآن، صحيح هناك تقسيمات مشهورة تجدها في جمع الجوامع وفي غيرها من الكتب المشهورة، وطريقة عبد المؤمن في التقسيم ربما عليها بعض الملاحظات، لكن لا أحاور، وهذه منهجية في التصنيف وفي القراءة وفي النقد العلمي البناء، لا تحاول حينما تقرأ لأحد المصنفين أن تطوع نصه على وجه التكلف لما يقوله مصنف آخر، يعني هو هناك تقسيم مشهور مثلاً لكيفية دلالة النص على العلة، لأن عبد المؤمن البغدادي لم يسلك هذا المسلك المشهور، نحاول أن نضغط على النص نتكلم في تأويله حتى ذاك المنهج المشهور، لا، هذه الطريقة، هذا التعسف في تطويع النص حتى يوافق التقسيم المشهور سيؤدي إلى عدم فهم الطالب للنص. كيف كيف عبد المؤمن؟ قال هكذا بهذه الطريقة؟ هذا مش صحيح، لأن الشارح الذي شرح المتن حاول أن يضغط على النص أن يلوي النص حتى يوافق الطريقة المشهورة فألغزه على الطالب، وهذه منهجية يسلكها البعض خاصة البعض المعاصرين وفي النهاية أظنها منهجية خاطئة، لأنها تجعل هناك نوعاً من التعمية على الطالب في المعنى.
فأنا سأسلك ما ذكره عبد المؤمن البغدادي ثم بعد ذلك أقارن بطريقة أو بالطريقة المشهورة في التقسيم. فأقول: عبد المؤمن البغدادي يقول النص يدل على العلة إما بالصريح، هذا واحد، أو بأدوات التعليل، هذا قسم مقابل، ولم يجعله من أقسام الصريح بظاهر العبارة، لأنه قال: أما أن يدل عليها أي على العلة بالصريح كقوله العلة كذا، أو أدوات التعليل هذا القسم الثاني.
الآن إيش أدوات التعليل؟ قال: الباء جارة. الباء اكتب بعدها الجر، كقوله تعالى: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا﴾ [الحشر: 2]. الآن أنت لما سمعت أنه لهذا العقاب الذي نزل بالكافرين، الله عز وجل يخبر أن هناك عقاباً حل بهم، ويحل بهم في الدار الآخرة، ثم الله سبحانه وتعالى هل قال هذا العقاب علته كذا بالصريح؟ لا. إيش قال؟ ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ﴾، الباء الجارة تأتي كثيراً لإفادة التعليل، بإفادة العلية، فأنت لما سمعت النص: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا﴾، بأنهم إيش استفدت؟ أنه العذاب الذي حل بهم وسيعود بهم بسبب كفرهم، فهذه هي العلة التي أوقعت العذاب عليهم: الكفر بآيات الله. كيف استفدت التعليل من خلال الباء وهي أداة من أدوات التعليل؟
طيب قال واللام، اللام الجارة وهذه مشهورة أيها الأحبة في استخدامها للتعليل، قال سبحانه وتعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾، لماذا يا رب؟ قال: ﴿لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: 143]، لاحظوا نعم، كيف عرفنا أنه لتكونوا شهداء على الناس هي علة جعل أمة وسطاً؟ من خلال اللام، فاللام هنا أداة من أدوات التعليل، دللنا على أن لتكونوا شهداء على الناس علة، ويكون الرسول عليكم شهيداً إلى آخر النص هو علة لجعلنا أمة وسطاً، فاللام من أدوات التعليل.
كي، كي التي أخذناها في قطر الندى، كي أيها الأحبة أداة من أدوات التعليل، قال سبحانه وتعالى: ﴿مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ﴾ [الحشر: 7]. لماذا أمر الله بتقسيم مال الفيء في هذه الأقسام؟ في مصالح المسلمين ولم يجعله لشخص معين، لماذا علم الله وأخبرنا قال: كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم؟ الله سبحانه وتعالى جعل مال الفيء لمصالح المسلمين، فلا يبقى المال في الدولة المسلمة محصوراً في يد طبقة معينة طبقة الأغنياء، وطبقة هناك أخرى يعني مقحلة تماماً وهي طبقة الفقراء، فالله سبحانه يريد أن المال يتوزع ولا يبقى دولة بين الأغنياء، بل يأخذ الفقراء حظاً منه فيرتفع مستواهم المعيشي، هكذا يريد الإسلام أن تحيا، وهذا التعليل من أين أخذته؟ وأنا لا أعلمه من عندي، الله سبحانه وتعالى أخبرني به: كي لا يكون دولة متداولة بين الأغنياء منكم، عليكم أن توزعوا مال الفيء كي لا يكون دولة متداولة فقط بين الأغنياء، من أين استفدت أنه هذا علة لتوزيع مال الفيء في مصالح المسلمين؟ من أين أخذت؟ من كي، كي أفادت التعليل فهي من أدوات التعليل.
حتى الأداة الرابعة، حتى التي بمعنى كي، نحن أخذنا في قطر الندى أنه حتى تأتي بمعنى إلى، وحتى تأتي بمعنى كي.
أو بمعنى التعليم بشكل عام، حتى التي تنصب الفعل المضارع، تذكروا معنى أيها الإخوة؛ الله سبحانه وتعالى قال: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: 193]. الله سبحانه وتعالى لماذا أمر بقتال المشركين والمحاربين؟ قال سبحانه: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 193]. لماذا نقاتلهم يا رب؟ حتى لا تكون فتنة. الفتنة هنا بمعنى الشرك؛ يعني حتى لا يبقى شرك. كيف فهمت أنا أن القتال علته القضاء على الشرك؟ من خلال "حتى"؛ حتى أفادتني التعليل، أن الله يعلل لنا ويبين لنا لماذا نقاتل: قاتلوهم حتى لا تكون فتنة، أي حتى لا يبقى فتنة أي شرك على هذه الأرض. إذاً استفدت التعليم من "حتى". هو هنا لا يتكلم عن أحكام فرعية؛ الأحكام بشكل عام جاءت أحكام ربما عقدية وعامة، لكن مؤشر أن هذه الحروف ستوجد في الأحاديث النبوية، فهو أعطاك مؤشرات عامة سهلة تفهم من خلالها بعد ذلك النصوص الفرعية في الكتاب والسنة.
الاداة الخامسة والأخيرة التي ذكرها كلمة "من أجل"، قال تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: 32]. الآن لما تفهم، أقول لك أنا فعلت هذا الشيء من أجل كذا، تفهم التعليم أليس كذلك؟ أنت تفهم سبب تحريم القتل والاعتداء على النفوس. وهذه عدها عبد المؤمن مع هذه الأدوات السابقة. فإذاً عبد المؤمن الآن قسم لنا النص في دلالته على العلة أما صريح، وقال صريح كقوله العلة كذا أو عللت لكم الحكم بكذا، العلة ومشتقاتها، أو بأدوات التعليم: الباء، اللام، كي، حتى، من أجل. استخدم هذه الأدوات الخمس، هل يوجد غيرها في الحقيقة؟ نعم، هو لم يرد الحصر، وإنما ذكر أبرز وأهم أدوات التعليم. لم يقصد الحصر؛ لأنه هناك مثلاً "أنَّ" التي تنصب الاسم وترفع الخبر أيضاً كثيراً ما تستخدم في التعليل.
ثم قال أو بالتنبيه والإيماء، الطريقة الثالثة من دلالة النص على العلة طريقة التنبيه والإيماء، وطريقة التنبيه والإيماء سيذكر فيه عبد المؤمن البغدادي رحمة الله تعالى عليه سبعة طرق تفصيلية. قبل أن أدخل في طرق التنبيه والإيماء، كيف قسم لنا عبد المؤمن البغدادي دلالة النص على العلة؟ بدأنا نحن الآن بالمسلك الأول وهو النص، كيف يدل النص على العلة عند عبد المؤمن البغدادي في طريقته؟ قال: أما بالصريح، أو أدوات التعليم، أو التنبيه والإيماء. هذه هي طريقتهم، وأي محاولة لتطويع طريقته إلى طريقة أخرى في الحقيقة ستجعل مصيرها الغموض، هذا هو الكلام، نخلص ونقولها لطريقة عبد المؤمن البغدادي: قسم النص في دلالته على العلة، إما الصريح: أن يقول النص العلة كذا -أعلى درجات الصراحة-، أو أدوات التعليم: ذكر منها باء الجر، لام الجارة، حتى إلى آخره، أو التنبيه والإيماء: وسيذكر فيه سبع طرق تفصيلية. الآن هل هذا التقسيم هو تقسيم الجمهور للنص في دلالته على العلة؟ لا أقول ذلك، هذه طريقة عبد المؤمن البغدادي ربما أخذها من غيره ما عندي مشكلة.
هناك طريقة أخرى مشهورة، نعم، هناك من يقول النص، ولا أمسك طريقة عبد المؤمن وأذكر مكانها طريقة الجمهور. هناك من يقسم إلى قسمين؛ يقول النص في دلالته على العلة إما صريح وإما تنبيه، التنبيه هو نفس ما ذكره عبد المؤمن البغدادي، التنبيه والإيماء، وأما الصريح فيقسمونه إلى نص وظاهر؛ طبعاً معروف النص والظاهر المعلوم لديكم مسبقاً. النص ما لا يحتمل إلا معنى واحداً؛ يعني ألفاظ لا تحتمل إلا الدلالة على التعليل. والظاهر لفظ هو راجح في دلالته على التعليل مع احتمال معنى مرجوح، فيقسمون النص في دلالته على العلة إلى صريح وتنبيه وإيماء، والصريح ينقسم إلى نص وظاهر. النص يقول مثل: العلة كذا، من أجل ذلك، يذكرون هذه الألفاظ التي لا تحتمل إلا الدلالة على التعليل. والظاهر يذكرون فيه حروف الجر: اللام، باء الجارة، حتى، إلى آخرها من الحروف والأدوات العربية التي تستخدم للتعليم. يقول هي ظاهرة في التعليل وإن كانت تأتي لمعاني أخرى غير التعليل، القرآن الباء كذلك، اللام ليست دائماً للتعليل، ويقول هي ظاهرة في التعليل ولكن مع احتمال المرجوح. فهذه طريقة أخرى، يقول النص ينقسم إلى صريح وإيماء وتنبيه، والصريح ينقسم إلى نص وإلى ظاهر. النص بمعنى ما لا يحتمل إلا معنى واحداً، لاحظوا كيف هنا الطالب يقول شيخ نص ونص؟ لا، النص المراد نصوص الكتاب والسنة. النص هنا بمعنى الأصولي ما لا يحتمل إلا معنى واحداً، لا تظن هذه معناها متشابه مع رأس القسمة، لا انتبه، تقسيم.
هناك أيها الأحبة من يخرج أصلاً كل التنبيه والإيماء من دائرة النص، يجعله مسلكاً مستقلاً. هناك من لا يجعل التنبيه والإيماء من طرق النص، ويقول هكذا تكون مسالك العلل: نص، إجماع، استنباط. ولما يذكر الاستنباط يجعل الإيماء والتنبيه من طرق الاستنباط؛ أنه سيأتي معنا الإيماء والتنبيه، النص لم يخبرني ولم يواجهني بالعلة، أنا فهمت العلية فيه بنوع من الجهد الذهني، ففيه شيء من الاستنباط، لكن فيه أيضاً زاوية أخرى من التصريح لأنه النص أيضاً كأنه يضع إصبعه، انظر هنا هذا هو العلة، لكن لم يكن صريحاً، أنا سلكت الطريق حتى وصلت، ففيه شيء من النص وفيه شيء من الاستنباط، فهناك من ألحقه وجعله من طرق الاستنباط هذا الإيماء والتنبيه، وهناك من ألحقه بماذا؟ بالنص. وهذه في النهاية طرق اصطلاحية في التقسيم لا تؤثر على المعنى النهائي. إذا عرفنا هذه الطريقة الأخرى هذا الذي يهمني. النص عند الأكثر ينقسم إلى صريح وإلى تنبيه وإيماء، والصريح ينقسم إلى نص وظاهر. هذا المسلك لم يسلكه عبد المؤمن البغدادي في بابه أو في كتابه، فلا أرى أن نطوع كلامه حتى يختم هذا التقسيم، لا أرى أن أطوع كلامه لأن هذا يؤدي للطالب إلى عدم فهم النص، وبما أن المسألة لا يتعلق بها عمل هذه التقاسيم، فلا، خليها على وضع عبد المؤمن على حاله، دعوها على حاله كما هو.
الآن كما قلنا سنذهب مع عبد المؤمن البغدادي في رحلة في الإيماء والتنبيه. لكن أيها الأحبة هذه كلمة الإيماء والتنبيه، سترجعني أنا وإياكم في كتاب قواعد الأصول فقط حتى أذكركم هذا المصطلح أين ورد، عودوا إلى باب المفاهيم في آخر دلالات الألفاظ. عودوا معي إلى باب المفاهيم، دائماً نحاول نربط الطالب بهذا الكتاب أو بمحتوياته، أو نحاول نربط محتويات هذا الكتاب بعضها مع بعض، حتى الطالب يتذكر حينما يقرأ شيئاً من هذا خلاص سابقاً أين قرأته؟ رائداً هذا المبحث له علاقة بذاك المبحث. انظروا إلى باب المفاهيم، لما تكلم عبد المؤمن البغدادي عن المفاهيم قال: والمفهوم أربعة؛ مش أخذنا النص له منطوق وله مفهوم؟ النص له منطوق وله مفهوم، المفهوم يعني معنى نأخذه من دلالة الالتزام للنص للفظ، وليس من دلالة المطابقة والتضمن له، هذه كانت المفاهيم بشكل عام. أخذنا المفهوم الأول كان دلالة الاقتضاء، ثم أخذنا دلالة الإشارة، انظروا للمفهوم الثالث قال: التنبيه، صح، المفهوم الرابع ايش أخذنا مصطلح مفهوم مخالفة، مثال التنبيه، والرابع اللي بمشي في الخط العريض عم بدور عالكلمة، الرابع دليل الخطاب. الآن أيها الأحبة، لاحظوا أنه هنا استخدم التنبيه، وهنا قال: أو بالتنبيه والإيماء.
الآن التنبيه هناك هو بمعنى مفهوم الموافقة، أنا أريد الطالب مصطلح نوعاً ما ما يدخل بعضه في بعض، المسلك الثالث من أنواع المفاهيم قال: التنبيه وهو مفهوم الموافقة، بأن يفهم الحكم في المسكوت من المنطوق بسياق الكلام، هذا عجب، ويطلق التنبيه على مسلك من مسالك العلل، يطلق هذا العنوان "التنبيه" على مسلك من مسالك العلل، وواجب مسلك التنبيه والإيماء. إذاً كلمة التنبيه مرت معنا اسماً من أسماء مفهوم الموافقة، وتمر الآن معنا اسماً من أسماء مسالك العلة؛ فهذا شيء وهذا شيء، لأنه المصطلح لما يستخدم في الكتاب في أكثر من موضع، الطالب ربما تتداخل عليه، أولى يا شيخ ما معنى التنبيه بالموافقة؟ هل التنبيه هنا بمعنى مفهوم الموافقة؟ لا، التنبيه هنا استخدم هذا الاسم مرة أخرى لكن أطلق على مسلك من مسالك العلة وليس على مفهوم الموافقة، واضحة القضية يا شيخ؟
الآن ما هي صور تنبيه النص وإيماءه على العلة؟ لاحظوا حتى العبارة هي مساعدة، النص أما أن يدل على العلة على طريقة عبد المؤمن البغدادي، أما بالصريح، أو بأدوات التعليل، أو بأيش؟ قال: بالتنبيه والإيماء، كأنه هناك في النص كلمات مفتاحية وتنبيهات هي العلة، النص لم يقل مباشرة أن هذه هي، لكن نبه، أعطاك تنبيه من خلال أسلوب معين، أو أعطاك إيماء وإشارة من بعيد أنه هنا انتظر هذا النص فيه العلة، بجهد ذهني بسيط قم بالاستنباط. إذاً سمي إيماءً، النص نفسه يعطي منبهات للمجتهد ويعطيه إيماءات وإشارات. ما هي طرق التنبيه والإيماء للعلل في النصوص في الكتاب أو في السنة؟ الآن للتلقين يا مشايخ، أولاً قال: أما بالفاء، هذه الطريقة الأولى، أن يستخدم النص القرآني الفاء. ما معنى أن يستخدم الفاء؟ الآن هناك طريقان لاستخدام الفاء، أما أن يأتي الحكم أولاً ثم تأتي بعد ذلك الفاء مرتبطة بالعلة؛ مثال ذلك النبي صلى الله عليه وسلم يقول في الحديث المشهور الرجل الذي كان في عرفة على راحلته فسقط عن راحلته فأوقصته -يعني انكسرت عنقه- فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تحنطوه ولا تخمروه، فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً». لا تحنطوه؛ لا تضعوا عليه حنوط الطيب، ولا تخمروه؛ يعني لا تغطوا رأسه، هذا هو الصحيح لأنه يجوز الوجه يكشف للمحرم، لكن هنا لا تخمروه أي لا تغطوا وجهه مع رأسه؛ فهذه الطريقة من طرق الفهم للنص. المهم: «لا تحنطوه ولا تخمروه، فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً»، جاء الحكم أولاً: لا تحنطوه ولا تخمروه، ثم جاءت الفاء داخلة على العلة في الحكم. صح، لماذا لا نخمر ولا نحنط؟ فإنه، فالسببية هنا، فالتعليل: «فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً»، هذا تعليل للحكم السابق. لماذا لا نحنط ولا نخمر؟ ما علة هذا الحكم؟ فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً، إذاً هذه الطريقة الأولى؛ يأتي حكم ابتداءً ثم تأتي الفاء داخلة على سبب هذا الحكم، على علة هذا الحكم.
طبعاً هل هنا النص أخبرني بالعلة صراحة؟ لا، هل أخبرني بأداة من أدوات التعليل على طريقة عبد المؤمن؟ لا، لكنه استخدم الفاء، وعلى طريقة عبد المؤمن أنا مضطر أن أقولها، لأنه في الحقيقة أكثر الأصوليين لا، الفاء ليست من طريق التنبيه والإيماء، بل هي ضمن أدوات التعليل، عشان تعرف كيف ستقرأ في كتاب آخر، أن الفاء أداة من أدوات التعليل، فهي مع باء الجر ولام الجر وحتى وغيرها من أدوات التعليل، وليست من قبيل التنبيه والإيماء، أنا أسلك طريقة عبد المؤمن فقط، وإن كنت في بعض الجزئيات قد لا أقتنع بطريقته، وأستر مسلك الجمهور، لكن لا أطوع نصه إلى ما أريد، أبقي النص على حاله، هناك من يرى أن الفاء هي أصلاً أداة من أدوات التعليل، فبالتالي ذكر هذا المسلك من مسالك التنبيه والإيماء ليس بصحيح، عبد المؤمن يراه مسلكاً من مسالك التنبيه والإيماء.
طيب نعود إلى أن نقول دلالة الفاء، أما أن تكون داخلة على السبب، يعني على العلة والحكم قبلها، وأما أن يكون الأمر بالعكس: أن تكون العلة مذكورة ابتداءً ثم تأتي الفاء داخلة على الحكم المعلل. بالعكس، أن يأتي السبب "العلة" ابتداءً ثم تأتي الفاء داخلة على الحكم، فتشير الفاء إلى أن ما قبلها هو علة ما بعدها. نأخذ أمثلة على ذلك، النبي صلى الله عليه وسلم يقول، أو جاء في الحديث مثلاً أن النبي صلى الله عليه وسلم سها فسجد، سها فسجد، لما تسمع هذه الجملة من الصحابة يقولها ابن حصين إن النبي صلى الله عليه وسلم سها فسجد، ماذا تفعل؟ تفهم أن السهو اللي قبل الفاء هو سبب وعلة السجود اللي بعد الفاء، فهنا الفاء دخلت على الحكم، بخلاف أنه يبعث يوم القيامة ملبياً فدخلت على الحديث السابق، على السبب، أليس كذلك؟ فإذاً "سها فسجد"، السهو الواقع قبل هو علة في السجود الواقعة بعد الفاء، فالفاء هنا دخلت على الحكم. "زنا فرجم"، الفاء دخلت على الحكم، وهذه الطريقة زنا فرجم كأنه تنبيه وإشارة أن الزنا هو سبب الرجم، أليس كذلك؟ ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: 38]. في النحو لما تكلمنا عن الإعراب، هل الفاء ايش وضعها واقطعوا ايش حكمها؟ وهل هي خبر للسارق والسارقة؟ ورأي سيبويه ورأي المبرد هذا بحثنا أما الآن في أصول الفقه نحن نبحث.
في هذه الآية من حيث دلالتها على العلية: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: 38]. لاحظ وجود فاء السببية داخلة على الحكم، وقبلها الوصف الذي يصلح للتعليل. لما قال النص: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾، هذه الفاء أعطتني تنبيهاً وإشارة إلى أن ما قبلها، وهو السارق والسارقة، اللي هو السرقة، علة للحكم الواقع بعدها وهو قطع اليد. صحيح؟ فالفاء أيها الأحبة هي أول طرق من طرق الإيماء والتنبيه.
وهي إما أن تدخل على السبب ويكون الحكم قبلها؛ وتذكروا حديث: «لا تحنطوه، لا تخمروه؛ فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً». وإما العكس، أن تدخل على الحكم ويكون السبب قبلها؛ «سها فسجد». إذا قال عبد المؤمن البغدادي بالتنبيه، والإيماء هو إما بالفاء وتدخل على السبب؛ يعني على العلة، كقوله تعالى: «فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً». لاحظوا عبد المؤمن جداً جداً يختصر الأحاديث، وعند الطالب أحياناً لا يُفهم التمثيل؛ أنت أعطه الحديث كاملاً: «لا تحنطوه ولا تخمروه فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً»، حتى يفهم أن الحكم وقع قبل الفاء، والسبب وقع بعد الفاء. ثم قال: وعلى الحكم، وتدخل على الحكم وبالتالي يكون السبب قبلها؛ كقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾، «سها فسجد»، «زنى فرجم». إذاً هذه أول طريقة من طرق التنبيه والإيماء؛ الفاء. الفاء على طريقة عبد المؤمن تنبهك على العلة، إما تكون الفاء على العلة، أو الفاء داخلة على الحكم ومسبوقة به، وانتهى الكلام.
المسلك الثاني من مسالك التنبيه والإيماء، الطريق الثاني من طرق التنبيه والإيماء: ترتيبه على واقعة سُئل عنها. ترتيبه أيش؟ الآن تعود على ماذا؟ على الحكم. أي ترتيب الحكم على واقعة سُئل عنها؛ كقوله صلى الله عليه وسلم: «أعتق رقبة» في جوابه عن الواقعة في نهار رمضان. الآن النبي عليه الصلاة والسلام الحديث مشهور؛ حديث الأعرابي. حديث الأعرابي مشايخ؛ فإنه أتى أعرابي فقال: يا رسول الله هلكت؟ قال: وما أهلكك؟ قال: وقعت على امرأتي في رمضان. فأيش قال النبي صلى الله عليه وسلم؟ «أعتق رقبة». أعتق إيش؟ رقبة. إذاً الحكم هنا وهو أعتق رقبة جاء مباشرة جواباً عن إيش؟ عن حادثة واقعة قبله. قال: ترتيب الحكم على واقعة سُئل عنها؛ يأتي صحابي للنبي صلى الله عليه وسلم وتحدث واقعة، ويأتي صحابي يخبر النبي صلى الله عليه وسلم بشيء، فالنبي عليه الصلاة والسلام يعطيه الحكم. الآن أيش بتفهم أنت؟ أنه هذا الحكم مسبب عن هذه الواقعة. الرجل قال: يا رسول الله وقعت على أهلي، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أعتق رقبة». أيش فهمت؟ أنه إعتاق الرقبة هو العلة التي أوجبت هذا الحكم للواقعة في نهار رمضان.
تمام، الآن فقط على الهامش، بعض العلل يمكن أن تؤخذ من أكثر من مسلك، جيد؟ أنه هذا الحديث إحنا ذكرناه سابقاً في مسلك آخر، أنه ممكن يذكر في مثل في تنقيح المناط أو من سيأتي معنا السبر والتقسيم، وأنتم الآن تستخدموه في طرق الإيماء والتنبيه. من النص هنا دل على العلة باستخدام الإيماء والتنبيه، أقول: للإشكال، العلة الواحدة يمكن أن تصل إلى تحديدها بأكثر من مسلك، لا يشترط أن يكون فقط مسلك واحد يدل عليه. يعني ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ صار هناك مسلك آخر في استنباط العلة غير مسلك استخدام الفاء، بل هناك أحياناً بعض العلل يمكن أن تستدل عليها بخمس أو ست مسالك، ما عندنا مشكلة. فلا يعني تقول: والله يا شيخ هذا الحديث ذكرتموه في تنقيح المناط الذي هو سيأتي معنا نوع من أنواع السبر والتقسيم فلماذا تذكرونه هنا؟ لا إشكال، هذا مسلك في استنباط العلة من هذا النص، وهناك مسالك أخرى. جيد، إذاً أعتق رقبة هذا جواب وحكم من النبي صلى الله عليه وسلم جاء عقب السؤال عن واقعة، فدل هذا على أن هذه الواقعة هي علة هذا الحكم. هذا الطريق الثاني من طرق الإيماء والتنبيه.
الطريق الثالث: لعدم فائدته إن لم يكن علة. لاحظوا العبارة المختصرة جداً من عبد المؤمن: لعدم فائدته، أي لعدم فائدة الوصف إن لم يكن هو العلة. هذه فقط تفسير للضمير، والآن أعود أفسر العبارة برمتها، أقول: معنى هذا الطريق الثالث: قالوا أن يُذكر مع الحكم وصف، لو لم يكن هذا الوصف هو العلة لما كان من ذكره فائدة. أعيد: أن يُذكر مع الحكم في النص من الكتاب أو السنة يأتي حكم، أن يُذكر مع هذا الحكم وصف يقترن ذكره بوصف، لولا لم يكن هذا الوصف هو العلة لما كان في ذكره فائدة، فهذا تنبيه على أن هذا الوصف هو العلة. لماذا؟ لماذا؟ لأنه لو لم يكن هو العلة لما كان من ذكره فائدة. النبي صلى الله عليه وسلم أيش قال؟ لأن أحياناً قد تكون بعض الأمثلة غير مؤمنة، نحاول أن نسلم عبد المؤمن. النبي صلى الله عليه وسلم عندما سُئل عن الهرة، هل هي نجسة يا رسول الله أو ليست بنجسة في حال حياتها؟ فقال: إنها ليست بنجس، هل قال النبي صلى الله عليه وسلم العلة كذا؟ لا. أيش قال؟ إنها من الطوافين عليكم والطوافات. ألا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم حكم الهرة ليست نجسة، وذكر ما بعد ذلك وصفاً، قال: إنها من الطوافين عليكم والطوافات. الآن هذا الوصف اللي هو التطواف باختصار الذي ذكر عقب طهارة الهرة، لو لم يكن هذا الوصف هو التطواف علة طهارة الهرة، لما كان من ذكره في النص معنى.
صح الآن النبي صلى الله عليه وسلم لما سُئل عن الهرة قال: هل هي نجسة؟ أيش قال؟ إنها ليست بنجس. طيب، ثم قال في نفس النص: إنها من الطوافين عليكم والطوافات. الآن هذا الوصف الطوافين والطوافات، كيف عرفت على رأي عبد المؤمن؟ الآن أنا أتقمص شخصيته. كيف عرفت أنه العلة؟ يقول عبد المؤمن: لو لم يكن هو العلة لما كان من ذكره فائدة عقب الحكم. لما تقول إنها ليست بنجس ثم تقول إنها من الطوافين عليكم والطوافات، أنا أيش بدي أفهم؟ ماذا سأفهم؟ أن لأنها من طبيعتها أنها تطوف، هي من الطوافين عليها، كانت دائماً حول الناس وبيوتهم من الحيوانات الأليفة، فلما قال إنها ليست بنجس، إنها من الطوافين عليكم، ذكر هذا الوصف مع الحكم يخبرني ويؤشر لي أنه هذا الوصف هو علة الحكم، لأنه لو لم يكن علة لما كان في ذكره فائدة. تصور أنه هذا الوصف ليس هو العلة، فأنت أيش ستقول؟ إذاً أيش الفائدة من ذكره في الحديث؟ أيش الفائدة من قرنه بالحكم؟ أليس كذلك؟ فهذه هي طريقته. طبعاً لكن هذا المثال في الحقيقة لا ينطبق عليه كثيراً قضية، يعني ممكن أستورد، يمكن أن نطبق عليه كلام عبد المؤمن، وإن كان أصالة كما قلت أن التي من الأدوات التي تنصب الاسم وترفع الخبر قبل قليل هي من أدوات التعليل، فالنص يدل على العلية أيضاً من خلال استخدام أداة من أدوات التعليل، وليس فقط من خلال مسلك الإيماء والتنبيه، لكن للقاعدة الهامشية التي ذكرتها قبل قليل سأقبل طريقة عبد المؤمن، أنه العلة يمكن أن تصل إلى تحديدها بأكثر من أسلوب. فنقول: والله من الطوافين عليكم والطوافات، النص يدل على العلية باستخدام «إنَّ» وهي أداة من أدوات التعليل، وأيضاً ممكن أن نقول إنه يدل على العلية من خلال مسلك التنبيه والإيماء، أنه ذُكر مع الحكم وصف لو لم يكن هذا الوصف هو علة لما كان من ذكره فائدة، ممكن.
الطريقة الرابعة من طرق الإيماء والتنبيه، قال: نفي الحكم بعد ثبوته لحدوث وصف. هذه طريقة أخرى، قال: كقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يرث القاتل». الآن بشكل عام الإنسان إذا كان ابناً للميت هل يرثه ولا لا؟ شخص هو ابن لميت، هل يرثه؟ نعم. الحالة الأصلية الطبيعية أنه يرث، فحكم التوريث ثابت له، هذه الحالة الأصلية. ممتاز، الآن إذا قام هذا الابن بقتل أبيه ليرث منه، هل يرث؟ لا، هذه حالة طارئة. الابن الأصل فيه أنه يرث، لكن إذا قام بقتل والده لا نعطيه الميراث معاملة له بنقيض قصده. ما العلة في منعه من الميراث؟ لماذا منعناه من الميراث؟ لأنه قتل، صح؟ العلة لأنه قتل. الآن أيش يريد يقول عبد المؤمن؟ عندما يأتي نفي للحكم في الكتاب أو في السنة بعد ثبوته لحدوث وصف، هذا النفي للحكم بعد أن كان ثابتاً، متى جاء هذا النفي للحكم؟ عندما حدث وصف. نفي حكم بعد ثبوته عند حدوث وصف معين، هذا إلى ماذا يشير؟ إلى أن هذا الوصف الحادث هو سبب انتفاء الحكم، ترى انتفاء الحكم هو حكم جديد، أليس كذلك؟
نفي الحكم بعد ثبوته، نفي الحكم هو حكم جديد، أليس كذلك؟ فحرمان هذا الابن من الميراث هذا حكم جديد طرأ على الحكم القديم، الحكم القديم أنه كان يرث، طرأ حكم جديد وهو حرمانه من الميراث. الآن متى طرأ هذا الحكم الجديد؟ متى طرأ؟ عندما حدث وصف وهو أنه قتل، فطروء هذا الحكم الجديد عند حدوث وصف معين فيه إيماء وتنبيه إلى أن هذا الوصف المعين هو علة هذا الحكم الجديد. فهمتم؟ لذلك قال: نفي الحكم بعد ثبوته، كقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يرث القاتل». هو دليل على ماذا؟ على أن هذا الحكم الجديد اللي هو الحكم المنفي الذي وقع عند حدوث الوصف، فيه دليل على أن هذا الحكم الجديد عليته ذلك الوصف الحادث، فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «لا يرث القاتل»، هذا حكم طارئ جديد، الأصل أنه يرث، لكن الآن يعطينا حكم جديد للنبي صلى الله عليه وسلم، «لا يرث القاتل» لماذا؟ للقتل.
في الحقيقة أمثلة عبد المؤمن البغدادي أحياناً لا، «لا يرث القاتل» يا مشايخ، ترى هذا أخذ العلة من النص، هناك طريق أوضح منه سيأتي معنا وهو تعليق الحكم على الوصف الذي هو المسلك السادس من مسالك التنبيه والإيماء، تعليقه أي تعليق الحكم على اسم مشتق يؤذن بعلية ما منه الاشتقاق. حينما أقول: «لا يرث القاتل»، أنت عرفت أن علة الحرمان من الميراث أو عدم ميراث القاتل هي القتل، صح؟ لكن أنا ما عرفتها بتلك القوة من هذا الطريق، من هذا الأسلوب، أنه ما وظف نفي الحكم بعد ثبوته لحدوث وصف، بل الأقوى في دلالة العلية هنا تعليق الحكم على المشتق؛ أنه «لا يرث القاتل»، علق الحكم على المشتق، فهذا فيه علية هذا المشتق، وهذا هو العلة، وهذا مسلك من مسالك التنبيه والإيماء، لكن هو غرضه يريد أن يعد هنا دلالة العلية أو دلالة النص من خلال هذا الطريق، أنه لا يرث، هذا حكم طارئ بعد أن كان الأصل أنه يرث. طب متى لا يرث؟ بسبب أنه قتل، لا يرث هذا الشخص لأنه قتل، فبالتالي يكون النص يشير لي إلى أن سبب هذا الحكم الجديد الطارئ هو ذاك الوصف الطارئ الجديد. بشكل عام، إذا بدنا نطبق قاعدة أن العلة الواحدة يمكن استخدام أكثر من مسلك في الوصول إليها سأقبل بعبد المؤمن، لكن أحياناً يكون الأوضح في استنباط العلة من طريق آخر، هذه المشكلة، الأوضح طريق آخر وليس هذا الطريق، لكن إذا كان من المقصد العام؛ الوقوف على العثرات ليس من شأن الكرام، هكذا يقولون.
طيب، الطريق الخامس، إذا عرفنا ما معنى نفي الحكم بعد ثبوته لحدوث وصف، هل هذه الطرق من طرق؟ الطريق الخامس قال: الامتناع عن فعل بعد فعل مثله لعذر يدل على علية العذر. وهذا قريب من المسلك السابق. أيش معنى هذا الطريق الآخر؟ الطريق الخامس: الامتناع عن فعل بعد فعل مثله لظهور عذر يدل على علية العذر. النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل الفعل، ما كان عنده مشكلة فيه؛ كان يدخل على بيوت الصحابة، أليس كذلك؟ الآن امتنع من دخول بيت، امتنع من دخول بيت، وعرفنا العذر لماذا لم يدخل هذا البيت، ممتاز، أنت ما تنسى، تفهم مباشرة أن هذا العذر هو علة هذا الحكم، عدم دخول هذا البيت. صح ولا لا؟ من دون أن نقول النبي صلى الله عليه وسلم لم أدخل هذا البيت لعلة كذا بدون ما يقول كذا. النبي صلى الله عليه وسلم عادة يدخل بيوت الصحابة، يدخل البيت، وعرفنا لماذا لم يدخله؟ ما هو العذر الذي جعله لا يدخل؟ امتنع من دخوله، بكون هذا العذر هو علة هذا الحكم. واضحة القضية، النبي صلى الله عليه وسلم كان يدخل بيوت الصحابة، في بيت لم يدخله لأن فيه كلباً، سُئل قال: هذا البيت فيه كلب. تمام؟ الآن ماذا ستفهم؟ أن وجود الكلب هو علة عدم دخول البيوت، أليس كذلك؟ فقال: الامتناع عن فعله، امتناع النبي صلى الله عليه وسلم عن فعله بعد فعل مثله يعني مع أنه كان يفعل مثله سابقاً. وهذا.
امتناع النبي صلى الله عليه وسلم عن دخول بيت فيه كلب يدل على علية هذا العذر، أي أن هذا العذر هو علة هذا الحكم الجديد. فالنبي صلى الله عليه وسلم في الحالة الطبيعية كان يدخل بيوت الصحابة، وجاء يريد الدخول فامتنع. لماذا يا رسول الله؟ قال: «تبيت فيه كلب»، فعرفنا أن هذا العذر هو علة عدم دخول البيوت. هذا المسلك الخامس من مسالك التنبيه والإيماء.
المسلك السادس هو الذي تكلمت عنه قبل قليل: تعليق الحكم على اسم مشتق. طبعا تعرفون المشتقات؛ اسم فاعل، اسم مفعول، صفة مشبهة. تعليق الحكم على اسم مشتق من وصف مناسب له، أي مناسب للتعليل؛ فالضمير في له يعود على التعليل، أو أقول: تعليق الحكم على اسم مشتق من وصف مناسب له، أي مناسب للتعليل، قد يكون هذا هو الأقرب. تفسير الضمير له أي مناسب للتعليل.
الآن هذه بشكل عام قاعدة، وهذا المسلك جدا مشهور عند الأصوليين. أي حكم يعلق على وصف مشتق، يكثر بعلية ما منه الاشتقاق. ما منه الاشتقاق يعني المصدر. هذا الوصف المشتق، يكون تعليق الحكم على اسم مشتق يؤذن، أي يعطينا تنبيهًا على العلية لما منه الاشتقاق، يعني على علية المصدر الذي أخذ منه هذا المشتق. مثال سهل: قلت لك أكرم العلماء، أو أكرم عالمًا. هنا في حكم، أليس كذلك؟ لو الشريعة وحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أكرموا العلماء». الآن هذا الحكم علق على اسم مشتق، على اسم فاعل؛ علماء جمع عالم، إذا هو معلق على اسم فاعل. تعليق الحكم، هو الإكرام، على اسم الفاعل الذي هو اسم مشتق يؤذن وينبه على علية المصدر الذي اشتق منه اسم الفاعل. باختصار، على أن العلم -المصدر- هو علة الإكرام. أنا لما قلت لك أكرم العلماء أنت لحالك بطبيعتك وفطرتك فهمت منها: لماذا سأكرمهم؟ لأنهم علماء، صح؟ أكرم المتقين، انسب الإكرام للمتقين، أكرم الناجحين من الطلبة. يعني بحالتها الطبيعية ومع كثرة التفكير سنفهم أن النجاح بشكل عام هو العلة. فهذه قاعدة عامة، تعليق أي حكم جاء معلقًا مرتبًا على اسم مشتق يؤذن أن العلة في هذا الحكم هو المصدر الذي منه الاشتقاق.
فإذا قال الله سبحانه وتعالى -نرجع للآية السابقة-: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: 38]. هذا تعليق؛ وعلى طريقة المبرد، أخبر الله عز وجل عن السارق والسارقة اقطعوا أيديهما، علق الحكم -القطع- على الوصف المشتق، السارق والسارقة، صح؟ هذا يدل على علية ما منه الاشتقاق وهو السرقة، أن السرقة هي علة القطع. فلاحظوا كيف استدللنا على أن السرقة علة للقطع من خلال الفاء، دخول الفاء على الحكم وقبلها السبب، واستدللنا على علية السرقة باستخدام هذا المسلك. تعليق الحكم على مشتق يؤذن بعلية ما منه الاشتقاق. وهذه كلها صحيحة، لو قلت لك: الزانية والزاني ﴿فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: 2]. تعليق حكم الجلد على الزاني، على وصف مشتق، يؤذن أن هذا الجلد علته الزنا الذي هو المصدر الذي أخذ منه الوصف المشتق.
لكن هنا سأعلق على عبارة عبد المؤمن قليلاً؛ ماذا قال عبد المؤمن؟ تعليق الحكم على اسم مشتق من وصف. يعني أنتم كل المخرج اسم مشتق من وصف؛ يقول مثل عبد الله الفوزان هنا، من هذه بيانية؛ يعني اسم مشتق هو عبارة عن وصف مناسب للتعليل. ما معنى بيانية؟ يقول تعليقه على اسم مشتق، من هذه بيانية، أي أن هذا الاسم المشتق هو عبارة عن وصف مناسب للتعليل. وأنه في النهاية حتى لما تريد أن تعلق حكمًا على اسم مشتق، يجب أن يكون الاسم المشتق مناسبًا للتعليل. قد تكون كان يريد أن نقول إن بعض الأسماء المشتقة تعليق الحكم عليها لا يؤذن بعلية ما منه الاشتقاق لأنه لا مناسبة أبداً ملحوظة في تعليق الحكم. لو يقول لك أكرم الراسبين مثلاً لو قلت لك هكذا، تقول والله أكرم من أجل الرسوب؟ صعب تقول سبب الإكرام هو، أليس كذلك؟ لأنه الرسوب ليس وصفاً مناسباً لتعليل الإكرام، بل بالعكس وصف يؤدي إلى المقابل، إلى عدم الإكرام. فهو كقاعدة عامة فعلاً، تعليق الحكم على المشتق يؤذن بعلية ما منه الاشتقاق، لكن ينبغي أن يكون المشتق بشكل عام تعليق الحكم عليه غير متنافر، يعني في نوع من المناسبة ظاهرة، فهمت؟ في نوع من المناسبة ظاهرة، لما قلت لك أكرم الناجحين المناسبة ظاهرة، أكرم العلماء، أكرم المتقين. لما أقول لك أكرم العصاة، لا توجد مناسبة صح؟ أكرم الراسبين، لا توجد مناسبة. فهنا في هذه الحالة لا نقول والله تعليق الحكم على مشتق يؤذن بعلية ما منه الاشتقاق، لأن هنا الوصف المشتق ليس مناسباً أصلاً لتعليق الحكم عليه. تمام؟ فقوله تعليق الحكم على اسم مشتق، من هذه تسمى بيانية، يعني هذا الاسم المشتق عبارة عن وصف مناسب للتعليل.
كقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: 5]. الآن تعليق الحكم على الشرك، قال فاقتلوا المشركين، ماذا تفهم منه؟ الأشياء التي تقتلهم هي الشرك؟ الشرك أليس كذلك؟ وإن كان في الحقيقة أكثر الفقهاء على التحديد، فإنه أدق، أو للشرك. هذه طريقة الشافعي لكن الفقهاء يعللون القتل بالحرابة؛ المحارب، لأنه المشرك قد يكون طفلًا صغيرًا، قد يكون امرأة غير محاربة، فهل لشركها لو قلنا علة القتل هي الشرك بالإطلاق هكذا، ستقتل حتى غير المحاربين من نساء المشركين، وهي لا تقتل على الصحيح. فهناك طبعًا تعديلات أدق من هذا التعليل العام، لكن هي الفكرة العامة، وقد يكون هذا يساعدنا في فهم الفكرة السابقة، أنه تعليق الحكم على مشتق ينبغي أن يكون المشتق مناسبًا للتعليل؛ لأنه قال فاقتلوا المشركين، أكثر الفقهاء على أن المشرك لا يقتل لمجرد أنه مشرك، عرفت فيها تفاصيل، يقتل لأنه محارب. أما إذا كان يهوديًا أو نصرانيًا من أهل الذمة يدفع الجزية عن يد وهو صاغر، هل يقتل؟ لا يقتل. إذا كانت امرأة لا تشارك في حروب المشركين، امرأة مشركة لا تشارك لا برأي ولا بتدبير ولا بمساعدة، هل تقتل؟ نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء والصبيان. فهذا يدل على أنه ليس علة القتل هي الشرك بإطلاقها، بل ينبغي أن تكون العلة أدق من ذلك وهي الحرابة كما يقولون. المهم هذه هي الفكرة. إذاً هذا الطريق السادس، تعليق الحكم على اسم مشتق مناسب للتعليل.
الطريقة السابعة والأخيرة من طرق الإيماء والتنبيه: إثبات حكم إن لم يجعل هذا الحكم المثبت علة لحكم آخر لم يكن مفيدًا، أي لم يكن إثباته مفيدًا، فهذا من قبيل تعليل حكم في حكم. إثبات حكم إن لم يجعل هذا الحكم المثبت علة لحكم آخر لم يكن مفيدًا، يعني لم يكن إثباته ابتداءً مفيدًا، وإن كان هذا المسلك قليل من يذكره من الأصوليين في هذا الباب. كقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: 275]. يقول عبد المؤمن: الآن إذا الله سبحانه وتعالى أثبت حكمًا مثل وأحل الله البيع، لو لم يكن هذا الحكم المثبت وهو إباحة البيع علة لحكم آخر وهو صحة البيع، وهو لحكم وضعي -إباحة البيع حكم تكليفي- لو لم يكن إثبات الله عز وجل لهذا الحكم علة لحكم آخر ودليلاً على حكم آخر وهو صحة البيع، لم يكن من تحليله أو من إثباته ابتداءً فائدة. فقال أحل الله البيع، أثبت الله عز وجل هذا الحكم ليكون علة لحكم آخر وهو صحة البيع إذا وقع. لو لم يكن إثبات الحكم وهو تحليل وإباحة البيع علة لذاك الحكم الآخر وهو صحة البيع، لم يكن من ذكره فائدة. وضحت فكرته هنا؟ الآن وحرم الربا، قال هو علة بطلان العقود الربوية. لو لم يكن ذكر تحريم الربا في القرآن علة لبطلان العقود الربوية، لم يكن لذكره فائدة.
ما رأيكم؟ هذا المسلك يقول: لو لم يكن من تحريم الربا مثلاً، قال وحرم الربا لبطلانه. ذكر الله عز وجل هذا الحكم وأثبت هذا الحكم ليكون علة لحكم آخر، لو لم يكن هذا الحكم المثبت علة لحكم آخر لم يكن من ذكره فائدة. الآن هل فعلاً مثلاً إذا الله عز وجل قال هذا الشيء حرام، يكون علة لحكم آخر بحيث لو لم يكن علة لذاك الحكم الآخر معناه ذكره هنا لا فائدة منه؟ في الحقيقة هذا الإطلاق فيه شوية عمومية. الآن هل ذكر تحريم الربا هذا الحكم هو ذكر هنا وأثبت ليكون علة لبطلان العقود الربوية ويفهم؟ طب ممكن يكون العقد بشكل عام صحيحاً على طريقة الجمهور لا الحنابلة، قد يكون العقد صحيحًا لكنه محرم، ما عندهم مشكلة؛ هذا العقد نرتب عليه آثاره لكن أنت آثم فيه، محرم يعني أنه أنت آثم فيه. ناخذ مثالاً واضحًا صريحًا: البيع وقت النداء، مش قلنا هذا نهي عن شيء لوصفه الخارجي؟ فيكون البيع صحيحًا لكن من قام به آثم. البيع صحيح لكن من قام به آثم وفعل حرامًا. الآن فوجود تحريم الشيء ليس دائمًا يعني بطلان العقد. هو قال حرم الربا لبطلانه، أنت لاحظ ماذا قال؟ حرم الربا لبطلانه، جعل تحريم الربا هو علة البطلان. الآن ممكن عند الحنابلة يصلح نعم، لأنه دائمًا التحريم والفساد عندنا مترابطان. لكن عند غيرنا هذا المنهج بشكل عام قد لا يكون مسلكًا صحيحًا، قد يحرم الله سبحانه وتعالى شيئًا وليس المراد أن يكون ذكره للتحريم علة لحكم آخر وهو بطلان هذا العقد. بما أنه محرم فالبطلان، هذا المسلك غير مقبول عند كثير من الأصوليين؛ لأنه قد يكون محرمًا وغير باطل وصحيح. فقولك إثبات حكم إن لم يجعل علة لحكم آخر لم يكن مفيدًا، هذا المسلك يحتاج إلى نوع من الانضباط أكثر وأكثر.
تحديد ممكن، أنا بشكل عام ما عندي مشكلة، لكن إذا لاحظت فعلاً هذه القضية ينبغي أن تكون القضية ملاحظة بقوة، أنه هذا الحكم إنما أثبت لمجرد أنه علة لحكم آخر بحيث لو لم يكن علة لذاك الحكم الآخر لم يكن من ذكره فائدة. أن تجزم بأنه عدم وجود فائدة من ذكر هذا الحكم المثبت إلا أن يكون علة لحكم آخر، أن تجزم بهذا الجزم هذا صعب؛ لأن مقاصد الله في التشريع واسعة، فأن تجزم أن إرادة الله بذكر هذا الحكم المثبت هو أن يكون علة لحكم آخر بحيث لو لم يكن علة لما كان فائدة، عنده غيب وتحتاج إلى متمرس ومستنبط ومتأمل بقوة حتى يصل إلى هذا الحصر أن فائدة ذكر هذا الحكم هو تعريف حكم آخر فقط. فلذلك ذكروا هذا المسلك كثير من الأصوليين لا يسلكه ويقف عند المسالك السابقة، لكني حاولت أن أوصل الفكرة لكم. وما وجه الإشكال المخيف فيه؟
إذاً أيها الأحبة نكون انتهينا من مسلك النص عند عبد المؤمن البغدادي. ماذا قال؟ قال النص إما أن يخبر بالعلة صراحة، العلة كذا، أو باستخدام أدوات، أو باستخدام الإيماء والتنبيه. والإيماء والتنبيه كما قلت لكم هناك حكم، هناك في النص الذي ذكر فيه الحكم، هناك مؤشر على العلة. هناك مؤشر على العلة، فقط المطلوب من المجتهد عملية ذهنية بسيطة لجعل هذا المؤشر هو العلة. حتى الطالب يفرق بين مسلك الاستنباط الذي سيأتي معنا بأنواعه والإيماء والتنبيه، أنه في الإيماء والتنبيه النص ذكر فيه الحكم وفيه مؤشر على العلة، النص ماذا فيه يا مشايخ؟ الحكم ومؤشر على العلة، عملية ذهنية بسيطة من المجتهد لتحديد أو لجعل هذا المؤشر هو العلة، هذا المطلوب من المجتهد، فلا يجعله من قبيل الاستنباط بل جعله من قبيل النص تمام؟ وعرفنا ماذا هي مسالك الإيماء والتنبيه؛ فاء السببية، ترتيب الحكم على واقعة سئل عنها، أن يذكر مع الحكم وصف لو لم يكن هذا الوصف علة للحكم لما كان من ذكره فائدة، نفي الحكم بعد ثبوته لحدوث وصفه، عن فعل بعد فعل مثله لعذر، السادس تعليق الحكم على اسم مشتق هو وصف مناسب للتعليل، السابع إثبات حكم إن لم يجعل علة لحكم آخر لم يكن من ذكره فائدة. هذه طرق سبعة أو مسالك سبعة من مسالك الإيماء والتنبيه. لاحظوا كيف مسلك النص مسلك إجمالي وتحته مسالك تفصيلية، أليس كذلك؟
طيب ننتقل الآن إلى المسلك الإجمالي الثاني وهو الإجماع. العلة للحكم الشرعي قد تثبت بالإجماع، والإجماع عرضناه سابقًا اتفاق المجتهدين، فقال الإجماع، فمتى وجد الاتفاق على أن هذا الوصف هو علة ذاك الحكم انتهى الأمر. متى وجد اتفاق من مجتهدي الأمة في عصر من العصور على أن هذا الوصف هو علة ذاك الحكم انتهى الأمر. مثلاً من الأمثلة المشهورة.
يقولون نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان، أليس كذلك؟ ورد في الحديث: «نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يقضي رجل بين اثنين وهو غضبان». أجمع العلماء على أن علة هذا النهي هو وجود تشويش الذهن. نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن القضاء وهو غضبان ما علته؟ نقول أجمع العلماء، العلة ثبتت بالإجماع. أجمع العلماء على أن علة هذا النهي هو وجود تشويش الذهن.
فهنا علة حكم ثبتت بطريق الإجماع. كذلك مثلاً يقولون الولاية على مال الأيتام، ما العلة فيها؟ الصغر، أجمع العلماء على أن علة الولاية على مال اليتامى الصغار. وكما قلت لكم العلة الواحدة يمكن أن تثبت بأكثر من مسلك، قد تكون بمسلك الإجماع وقد تكون أيضاً ثبتت بمسلك النص، ما عندنا مشكلة في ذلك. لكن انظروا ماذا قال عبد المؤمن؟ قال: الإجماع، فمتى وجد الاتفاق عليه أي على أن الوصف ثبت كونه علة قال ولو من الخصمين ثبت.
قال فمتى وجد الاتفاق عليه ولو من الخصمين ثبت. هل من الخصمين ثبت؟ وفي إجماع من اثنين؟ نقول هنا انتقل بنا عبد المؤمن في قوله ولو من الخصمين إلى باب المجادلة، أنه يكون في باب المجادلة والمناظرة تثبت العلة بمجرد إجماع الاثنين، بإجماع المستدل والمناظر، إذا أجمع الاثنان على أن هذا الوصف هو العلة ثبت كونه علة. لكن في الحقيقة هذا شيء وهذا شيء آخر يا عبد المؤمن، أليس كذلك؟ يعني هل إذا اتفق اثنان على أن هذا الوصف هو يضبط شرعاً بشكل عام أنه هذا الوصف هو العلة؟ لا؛ لأنه قد يكون هذا الاتفاق وقع منهما لكنه اتفاق خاطئ، والعلة عند غير هذين الاثنين شيء آخر، صح؟ فكان عبد المؤمن يحاول أن يوسع مدلول كلمة الإجماع، يحاول أن يوسع مدلولها فيقول بشكل عام الإجماع والإجماع المعروف. فإذا كان عندنا حكم العلماء أجمعوا على عليته أو أن هذا الوصف هو علة هذا الحكم، ثبتت العلة بالإجماع.
وهناك شيء آخر في الإجماع يريد أن يقحمه عبد المؤمن، وهو اتفاق الخصمين المتجادلين على التعليل بوصف، إذ يثبت أنه هذا الوصف هو العلة. لكن نقول هذا ليس إجماعاً؛ اتفاق مستدل وخصم على أن هذا الوصف هو علة حكم الأصل، هذا في الحقيقة ليس إجماعاً، هذا اتفاق بين مستدل وخصم فقط، ولا يلزم الأمة. هل هذا الاتفاق بينهما يلزم الأمة؟ هل يلزم باقي العلماء؟ يلزمهما هما، يلزم هذين الاثنين فقط. ففي الحقيقة إدخال هذه القضية في مسلك الإجماع لا أراها مناسبة ولا يسلكها الأصوليون عادة؛ يريدون خلاص أن يوضحوا مسلك الإجماع: حكم أجمع العلماء على أن هذا الحكم علته كذا، مثل قضية نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن التقاضي وهو غضبان، العلة هي التشويش، قال إجماع. أما إدخال قضية المناظرة والمجادلة بالكلام عن مسالك العلل في هذا الموطن ليس مناسباً. فكأنك تريد أن تقول ولو من الخصمين، يعني كيف يعني إجماع ولو من؟ أصلاً لا يسمى إجماعاً، هذا هو إيجاد اتفاق. هذا اتفاق لا يسمى إجماعاً وهذا يلزمهما فقط في نقاشهما وجدالهما ولا يلزم الأمة. فأنا أرى أن إقحام موضوع اتفاق الخصمين تحت مصدر الإجماع ليس مناسباً، والله تعالى أعلم، ونبقي مسلك الإجماع على وضوحه، أنه مسألة أجمع العلماء قاطبة على أن هذا الوصف هو علته، انتهى الأمر.
طيب، نفرق، إذن المسلك الثالث: الاستنباط، هذا هو المسلك الثالث وهو المسلك الأخطر أيها الأحبة من مسالك التعليل. إذا التعليل طرق الوصول إلى العلة إما بالنص وعرفنا طرق النص: صريح النص، أدوات التعليل، الإيماء والتنبيه. ثم انتقلنا إلى المسلك الإجمالي الثاني وهو الإجماع، الآن نبدأ بالمحور الثالث وهو الاستنباط. النص هنا لا يخبرني بالعلة، لا يوجد عندي إجماع على علة، المجتهد هو الذي سيقوم بالوصول واستخراج العلة، وهذا هو الذي يسمى بشكل عام تخريج المناط. وتخريج المناط الذي تكلمنا عنه سابقاً هو أن يقوم المجتهد بالوصول إلى العلة من خلال الاستنباط، وإن كان البعض يقصر مفهوم تخريج المناط على مسلك واحد من مسالك الاستنباط وهو مسلك المناسبة أو الإخالة المناسبة. وسمي تخريج المناط كاسمه؛ هكذا يقول السيوطي في الكوكب الساطع: "الخامس الإخالة المناسبة وسمي تخريج المناط كاسمه". فأطلق السيوطي تبعاً لجمع الجوامع تخريج المناط على نوع واحد من أنواع الاستنباط هو المناسبة، لكن أقول لا مانع من أن نقول الاستنباط هذا المسلك الثابت من المسالك بكل أنواعه ونوع من أنواعه كله يسمى تخريج مناط. من هنا المجتهد هو الذي سيقوم بالبحث عن الوصف الذي يصلح للتعليل، فإذن هو من سيقوم بعملية تخريج المناط، إخراج المناط وإظهاره للناس.
نبدأ بالاستنباط، ما هي طرق تحديد العلة بواسطة الاستنباط؟ كيف يصل إلى تحديد العلة استنباطاً؟ سؤال مهم وخطير. المسلك الأول من مسالك الاستنباط قال: المناسبة. قال أما المناسبة، كيف المناسبة مرت معنا مع عبد المؤمن حينما تحدث عن شروط العلة؟ قال يشترط في العلة أن تكون مناسبة، أليس كذلك؟ وناقشناها في هذا الشرط، قلنا ما معنى أن تكون العلة مناسبة أصلاً؟ شو يعني تكون العلة مناسبة؟ أن يكون في ترتيب الحكم على هذا الوصف مصلحة، إذا رتبت حكماً على هذا الوصف تحصل عندي مصلحة نحافظ من خلالها على مقصود الشارع، هذا معنى المناسبة. المناسبة أن يظهر في ترتيب الحكم على الوصف مصلحة، مصلحة تحافظ على مقصود الشارع. وقلنا أيها الأحبة، هل يشترط دائماً في العلل أن تكون المناسبة ظاهرة فيها؟ والاشتراط في العلل كان في مناقشة عبد المؤمن البغدادي طويلاً فيه، فقلنا إذا العلة ثبتت بالنص، مسلك النص أو الإجماع، لا يشترط أن تظهر لنا المناسبة، الآن بشكل عام نحن نجزم ونقطع أن أحكام الله سبحانه وتعالى هي مرتبة على أوصاف مناسبة، نحن نقطع بذلك، جميع الأحكام لا توجد أحكام عبثية، للأحكام، هناك أحكام تعبدية، ولكن الله عز وجل له فيها حكم ومقاصد، وهناك أحكام نستطيع أن نصل لعللها، ولكن الأصل العام كل الذي نجزم به أن أحكام الله لها أوصاف مناسبة، لكن المشكلة فينا نحن، نحن البشر الضعفاء قد ندرك وجه المناسبة وقد لا ندرك وجه المناسبة.
فالآن هل يشترط في أي علة نجعلها لحكم، ونعلق حكماً عليها، أن ندرك نحن البشر وجه المناسبة؟ قلنا اشتراط أن تكون المناسبة واضحة، ونحن قلنا لا، الصحيح فيها تفصيل، الصحيح أن نفصل بين العلل؛ فالمنصوصة والمجمع عليها لا نحتاج إلى، يعني لو لم ندرك وجه المناسبة فيها تبقى عللاً، ثم ذهبنا إلى العلل المستنبطة، فقلنا هل شرط العلة التي نصل إليها من خلال الاستنباط أن تظهر لنا مناسبتها؟ قلنا هذا ليس في جميع مسالك الاستنباط، بل هناك مسالك للاستنباط لا يشترط فيها الأصوليون إدراك مناسبة الوصف للتعليل، فنحدد أن هذا الوصف علة حتى ولو لم ندرك مناسبته، وهناك مسالك يشترط فيها حتى تحدد العلة أن تظهر لك المناسبة فيها. تذكروا هذا الكلام؟ تكلمنا عنه سابقاً.
المهم، فالآن يريد أن يتكلم عبد المؤمن عن مسالك الاستنباط. المسلك الأول قال: المناسبة. ما هي المناسبة؟ بنفس الأسلوب السابق، قال: هي حصول المصلحة في إثبات الحكم من الوصف، نفس كلامنا الذي هو أن ترتيب الحكم على الوصف يوصلني إلى مصلحة، ينتج لي مصلحة تحافظ على مقصود الشارع، قال: كالحاجة مع البيع. لاحظوا نفس الكلام الذي سبق، يعني عودوا لو أنتم إلى شروط العلة، إنما لكم من شروط للمناسبة استخدم هذا التعريف تقريباً، مستخدماً نفس المثال كالحاجة مع البيع، أنه تعليق، فلا حاجة إلى أو إلى البيع، وصف مناسب لإباحة البيع، مباح لحاجة الناس، الناس تحتاج إلى المطاعم إلى الأثاث إلى كذا، فإباحة البيع تعليقها على حاجة الناس، والله جعل حاجة الناس هي السبب في إباحة البيع، وصف ظهرت لي مناسبته، لأنه ترتيب الحكم إباحة البيع على حاجة الناس ينتج مصلحة تحافظ على مقصود الشارع في المحافظة على أموال الناس ورفع الحرج عنهم إلى آخر ذلك.
تمام، أريد أن أقول بشكل عام ما هو مسلك المناسبة؟ لأن أحياناً في هناك طريقة رسمية للتعبير مع الأصول يروح التطبيقات السلبية للطالب. مسلك المناسبة ماذا يقصدون بها أيها الأحبة؟ يأتي عندنا حكم في الكتاب أو في السنة تمام؟ ينظر المجتهد في هذا الحكم ويبدأ يتأمل فيه، يحاول البحث عن وصف مناسب لذلك سُمي مسلك المناسبة، يبدأ البحث عن وصف مناسب للتعليل، لتعليل الحكم به، عندنا حكم ورد مطلقاً في الكتاب أو في السنة، الله عز وجل حرّم كذا وسكت النص، أو الله سبحانه وتعالى أباح كذا وسكت النص، أو أوجب كذا وسكت النص، وانتهى، ما عندي النص لم يخبرني بالعلة، الإجماع لم يرد على العلة، جاء المجتهد للاستنباط، فقلنا للمجتهد أي مسلك من مسالك الاستنباط ستسلكه؟ قال: أريد مسلك المناسبة، قال: نريد أن نسلك مسلك المناسبة، آه، إذا بدك تسلك مسلك المناسبة هناك شروط وضوابط تذكر في المطولات، حتى تسلك هذا المسلك. قال: أنا خلاص أريد أن أسلك مسلك المناسبة في الاستنباط، معناه هذا المجتهد ماذا سيفعل؟ كما قلت لكم سيأتي إلى هذا الحكم يضعه أمامه ويبدأ ينظر فيه ويتأمل ما هو الوصف الذي يحصل من ترتيب الحكم عليه مصلحة تحافظ على مقصود الشارع، أيش أنسب وصف موجود في هذا الحكم إذا رتبت الحكم على هذا الوصف راح تنتج مصلحة تحافظ على مقصود الشارع؟ فهمتم ماذا سيفعل؟ سيسلك هذا الطريق، عندي وصف وعندي حكم والآن سيحاول عملية استخراج علته، يبدأ: هذا الحكم أيش فيه أوصاف؟ في هذا الوصف، آه، هذا الوصف لو رتبت الحكم عليه هل سينتج لي مصلحة تحافظ على مقصود الشارع؟ والله إذا المجتهد استطاع أن يقنع باقي المجتهدين أن هذا الوصف في ترتيب الحكم عليه تنتج مصلحة تحافظ على مقصود الشارع، نقول لهذا المجتهد: الوصف الذي اخترت عليته الصحيحة، أحسنت، هذا هو الوصف والله تعالى أعلم، إنه في النهاية استنباط.
يأتي مجتهد آخر، يعني هذا مجتهد قال للمجتهدين: اطلعوا يا جماعة، هذا الحكم ترتيبه على هذا الوصف هو الذي يحصل مصلحة تحافظ على مقصود الشارع. فيأتي مجتهد آخر يبدأ يعترض، وتبدأ المناقشات الآن في العلة، أنه هذا وصف لا يا أخي أن لا تظهر مناسبته، ما تقول، لا ليش أن لا تظهر مناسبته، أنا بدي الطالب يربط يحفظ الكلمة، أيش إنه تظهر مناسبته؟ تظهر، يظهر في ترتيب الحكم عليه إنتاج مصلحة تحافظ على مقصود الشارع، بدي هذا اللفظ أو النص دائماً معكم أينما قرأتم في أصول الفقه في مسلك المناسبة، هذا الوصف لا يظهر فيه ترتيب الحكم عليه مصلحة تحافظ على مقصود الشارع، فيحاول أن المجتهد الآن الأول لأنه يبدأ يقنع في وجهة نظره ويقول: لا بالعكس في مصلحة في ترتيب الحكم على هذا الوصف، وهي كذا وكذا وكذا وكذا وكذا، وتبدأ نقاشات مطولة ويبدأ باب الجدل الأصولي. فهمتم كيف طريقة المناسبة يا مشايخ؟
طيب إذا المناسبة بشكل عام كمفهوم، لاحظوا الآن ما عرفنا مسلك المناسبة، أنا عرضت لك إياه بالطريقة العامة السهلة، أنه المجتهد يأتي إلى حكم لم ينص على علته ويختار الاستنباط عليته، مسلك المناسبة فيبدأ يبحث أي وصف يكون في ترتيب الحكم عليه مصلحة تحافظ على مقصود الشارع، هذا مسلك المناسبة. عبد المؤمن هو عرف المناسبة فقط ايش يعني المناسبة، حينما قال: حصول المصلحة في إثبات الحكم من الوصف، هذا معنى أنه لازم لوحدها، لكن أنا بدي أوضح للطالب أيش يعني أن المجتهد يسلك مسلك المناسبة في استنباط العلة. أنه كما قلت لكم يأتي إلى حكم لم ينص على عليته، يختار مسلك المناسبة، معناها أيش بدو يعمل؟ ينظر لهذا الحكم، والله أيش فيه مناسب لترتيب الحكم عليه؟ قال والله أخذ هذا الوصف، أخذ وصفاً منها، نظر قال: هذا الوصف وترتيب الحكم عليه تنتج مصلحة تحافظ على مقصود الشارع، إذا هذا هو العلة. يأتي مجتهد آخر يمكن أن يوافقه، يمكن أن يخالفه، إذا خالفه ينبغي للمجتهد الأول أن يقنعه، أن يبين له أيش المصلحة التي تترتب من ترتيب الحكم على الوصف وتبدأ النقاشات.
تمام، الآن أيش قال عبد المؤمن؟ قال: والاستنباط أولاً مسلك المناسبة، وهي حصول المصلحة في إثبات الحكم من الوصف، كالحاجة مع البيع. يعني الآن الله أباح البيع، هل علل لنا في نص قرآني لماذا أباحه؟ لا، الله عز وجل قال: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: 275]، بدأ المجتهد ينظر لماذا أباح الله البيع؟ بدأ ينظر ينظر، وما هو الوصف المناسب لتعليل هذا الحكم؟ فقال آه، إباحة البيع علته الحاجة، حاجة الناس، لأنه بدأ يتصور المجتهد لو أن البيع، تصوروا أنه كان حراماً، أنت كيف ستشتري طعامك؟ كيف ستشتري شرابك؟ كيف ستشتري ملابسك؟ تبقى حياة الناس في مشقة شديدة، فإذا قال الحاجة هي الوصف المناسب لتعليق الحكم عليها. ما معنى وصف مناسب؟ يعني في ترتيب الحكم على هذا الوصف تحصل مصلحة تحافظ على مقصود الشارع، هكذا هو أو هذه آلية مسلك المناسبة، آلية التفكير فيه.
لكنه أيش قال بعد ذلك؟ قال: ولا يعتبر كونها منشأ الحكمة، يشهد هنا يعتبر كونها منشأ الحكمة. آه هادي بدو يرجع فينا فيها عبد المؤمن البغدادي أيها الأحبة لقضية ذكرت لكم سابقاً، مسألة هل يجوز التعليل بالحكمة ولا لا يجوز؟ وقلنا متى يجوز التعليل بالحكمة؟ إذا كانت الحكمة وصفاً ظاهراً منضبطاً يجوز التعليل بها، تمام.
الآن نأتي للحالة الثانية، وهي الأكثر في الحقيقة، أن تكون الحكمة أوصافاً غير ظاهرة أو غير منضبطة؛ باختصار الحكمة اختل فيها من شروط التعليل بها فلا يصلح أن يعلل بها مباشرة، مع أنها هي العلة الحقيقية. فماذا نفعل؟ نعلق الحكم على وصف ظاهر منضبط هو مظنة وجود الحكمة معه عادة.
دعونا في هذه الحالة، أن الحكم يعلق على وصف ظاهر منضبط ومظنة وجود الحكمة معه عادة. هذا الوصف الظاهري المنضبط الذي هو مظنة وجود الحكم معه عادة، يقول عبد المؤمن بمفهوم كلامه: إما أن يكون هذا الوصف الظاهر المنضبط الذي هو مظنة وجود الحكمة معه عادة هو منشأ الحكمة؛ يعني الحكمة تنشأ منه بذاته. وإما أن يكون هذا الوصف الظاهر المنضبط الذي هو مظنة الحكمة يدل على الحكمة بدلالة الالتزام، وليس هو منشأ الحكمة.
ما معنى ذلك؟ دعونا نأكل ومثال هكذا وتنضح الأمور إن شاء الله. الآن أيها الأحبة، قصر الصلاة في السفر، ما حكمتها؟ دفع المشقة. هل يصلح أن أعلق قصر الصلاة على دفع المشقة كعلة؟ لا؛ لأن دفع المشقة وصف غير منضبط، فأتينا بوصف ظاهر منضبط معلق قصر الصلاة عليه، وهذا الوصف هو مظنة وجود الحكمة معه، وهي رفع المشقة.
ما هو هذا الوصف الظاهر الذي علقنا قصر الصلاة عليه؟ السفر مسافة واحد وثمانين كيلو. بدي أعلق على هذا حتى ما يضر أي سفر؛ هذا مسلك الذي يسلكه عامة الفقهاء. السفر مسافة واحد وثمانين كيلو هو الوصف الظاهر المنضبط الذي علقنا حكم قصر الصلاة عليه، وهذا الوصف هو مظنة وجود الحكمة فيه؛ ما الحكمة؟ رفع المشقة.
نقول: هل المشقة التي هي الحكمة مقصودة من هذا الوصف، أم هذا الوصف هو مظنة وجود الحكمة معه غالباً؟ هل هذا الوصف اللي هو السفر تنشأ منه الحكمة، ولا هو يدل عليها بدلالة الالتزام؟ في الحقيقة، المشقة تنشأ من نفس السفر. الحكمة تنشأ منه؛ لا العلة. عندي قصر الصلاة، هذا الحكم قصر الصلاة علته السفر واحد وثمانين كيلومتر، هذا السفر يتضمن الحكمة التي هي المشقة التي من أجلها قصرت الصلاة حقيقة، والأصل أني أعلق هذا الحكم على المشقة، لكن لأنها غير منضبطة أتيت بوصف ظاهر منضبط هو مظنة وجود الحكمة فعلقت الحكم عليه.
الآن هذا الوصف الظاهر المنضبط الذي هو السفر هو منشأ الحكمة؛ لأن المشقة تنشأ من نفس السفر، السفر هو نفسه مولد المشقة، فنقول هنا: الوصف هو مظنة وجود الحكمة معه غالباً، وفي هذه الحالة هو منشأ الحكمة؛ الحكمة تنشأ منه، هو الذي يولدها؛ لأن السفر هو الذي يولد المشقة.
الحالة الثانية هي أن يكون الوصف ليس منشأ الحكمة، لكنه يدل عليها بدلالة الالتزام. مثلاً، ما هي علة وجوب الزكاة؟ العلة الآن بدي وصف ظاهر منضبط؛ في الفقه الحنبلي سبب وجوب الزكاة ملك النصاب، ثم بعدها يشترطون شروط مرور حول كذا وكذا. فقالوا: علة وجوب الزكاة على الشخص هي ملكه للنصاب. أنت متى تجب عليك الزكاة؟ إذا امتلكت نصاباً، عليك زكاة. ما امتلكت نصاباً، ما عليك زكاة؛ لاحظوا الحكم مع العلة وجوداً وعدماً.
فإذاً وجوب الزكاة علته ملك النصاب، لكن هل ملك النصاب هو العلة الحقيقية لوجوب الزكاة؟ نقول: ملك النصاب هو مظنة شكر، لأنهم يقولون ما الحكمة من وجوب الزكاة؟ أن تشكر نعمة الله سبحانه وتعالى عليك. الحكمة من وجوب الزكاة هي دفع حاجة الفقراء بالنسبة للفقير، وبالنسبة للغني إظهار الشكر والامتنان لله سبحانه وتعالى على هذه النعمة التي أداها إليه.
إذاً بالنسبة للغني حكمة الزكاة إظهار الشكر والامتنان، وبالنسبة للفقير سد حاجته؛ هذه هي الحكمة الحقيقية. الآن هل ملك النصاب -الوصف المنضبط- هو منشأ هذه الحكمة؟ هل هو الذي ينشأ منه شكر نعمة الله سبحانه وتعالى، أو هو الذي ينشأ منه سد حاجة الفقير؟ لا؛ ملك النصاب هو مؤشر على غناه، والغنى مؤشر على أنه يجب أن تشكر نعمة الله سبحانه عليك، وملك النصاب مؤشر أنك تستطيع أن تدفع شيئاً من مالك لسد حاجة فقير.
فيقولون ملك النصاب ليس هو منشأ الحكمة؛ فالسفر كان هو منشأ المشقة، فالمشقة نشأت من السفر مباشرة، فنقول العلة هي منشأ الحكمة هنا. لكن ملك النصاب ليس هو منشأ الحكمة، لا تنشأ الحكمة منه بحد ذاته كملك نصاب؛ يعني واحد معه ألفين، هذه ليست بحد ذاتها منشأ الحكمة، لكن ملك النصاب كيف وصلنا للحكمة وأنتم تقولوا هو مظنة الحكمة؟
نقول في هذه الحالة هو مظنة الحكمة لكن بدلالة الالتزام، ملك النصاب يعني غنى؛ فهو مؤشر على أن هذا الشخص غني، والغنى يستلزم منك الشكر لله سبحانه، فهنا ملك النصاب دل على الحكمة -وهي الشكر والامتنان- بالالتزام، وليس هو بذاته منشأ الحكمة. فالفكرة الآن ليست فكرة محورية في الباب، لكن مهم أنك تفهمها أنه بعض الأوصاف التي هي مظنة وجود الحكمة معها غالباً هي منشأ الحكمة مثل السفر، وبعض الأوصاف الحكمة توجد معها غالباً لكن دلالة الوصف على الحكمة ليست أنه منشأها، بل هو يدل عليها بدلالة الالتزام.
لا يشترط أن تكون منشأ الحكمة، يمكن أن تكون منشأ الحكمة ويمكن أن لا تكون منشأ الحكمة، كونها منشأ العلة ليس شرطاً؛ لا تقل للمجتهد الذي سيستنبط العلة من طريق المناسبة إنه يشترط أن يكون الوصف هو منشأ الحكمة، لا مشكلة حتى لو كان الوصف ظهرت مناسبته ودلالته على الحكمة من خلال الالتزام.
الآن عبد المؤمن البغدادي من هنا سيبدأ في الحقيقة ما أسميه نوعاً من الخلط في الكلام؛ هل هو منشأ عبد المؤمن البغدادي أم منشأ من النساخ؟ الله تعالى أعلم، لكن أنا في هذه الحالة يعني في مسلك المناسبة سأبدأ أرسم كلام عبد المؤمن البغدادي بطريقة أخرى يا مشايخ، لن أعتمد ما ذكره لأنه ما ذكره ليس واضحاً، وسأعيد رسمه بطريقة منهجية واضحة يفهم منها الطالب المقصود من مسلك المناسبة؛ ترى مسلك المناسبة مسلك مهم وخطير جداً في استنباط الأحكام الشرعية، وكثير من فقه المذاهب الأربعة ينبني على هذا المسلك.
الآن يقسم الأصوليون أيها الأحبة الوصف المناسب إلى مؤثر وملائم وغريب، ابدؤوا بهذا التقسيم معنا. الأصوليون يقسمون الوصف المناسب -يعني وصفاً ظهر في ترتيب الحكم عليه مصلحة- يقسمونه إلى مؤثر وملائم وغريب.
نبدأ بالمؤثر، ما معنى الوصف المؤثر؟ هو وصف ظهر تأثير عينه في عين الحكم بنص أو إجماع، وهذا هل له علاقة أصلاً بمسلك المناسبة؟ لا، هذا له علاقة بمسلك النص؛ لأن هنا وصف ظهر تأثير عينه في عين الحكم. وصف ظهر تأثيره بعينه في عين الحكم، كيف ظهر؟ من خلال مسلك النص أو مسلك الإجماع، فهذا في الحقيقة تقسيم عام للأوصاف.
يقول الوصف المناسب إما وصف ظهر تأثير عينه في عين الحكم بنص أو إجماع. أي حكم نص الله عز وجل عليه في القرآن أو في السنة وقال لنا هذا الحكم علته هذا الوصف، ممتاز؛ الله عز وجل ذكر حكماً وذكر لنا علة هذا الحكم بمسلك النص، أو أجمع العلماء على علة هذا الحكم. نقول بالتالي هذه العلة أو هذا الوصف الذي جعل علة لهذا الحكم اسمه وصف مؤثر؛ أي وصف ثبتت عليته بنص أو إجماع يسمى وصفاً مؤثراً، قوي جداً علمياً، أنه ليس المجتهد هو الذي أظهر تأثير هذا الوصف في الحكم، بل النص في الكتاب أو في السنة هو الذي أخبرنا أنه هذا الوصف علة لهذا الحكم، والإجماع هو الذي أخبرنا أنه الوصف بعينه علة لهذا الحكم، فلذلك سمي مؤثراً؛ أي أنه ليس اجتهاد مجتهد ممكن يخطئ، لا، عندي نص، عندي إجماع.
فلما مثلاً قلنا: إنها ليست بنجس، أنها من الطوافين عليكم والطوافات؛ إذاً هو من مسالك النص عند عبد المؤمن، إذاً نقول التطواف وصف مؤثر في طهارة الهرة، لماذا سمي وصفاً مؤثراً؟ لأنه ثبت تأثيره في عين الحكم -الذي هو طهارة الهرة- بنص، طبعاً بالنص من خلال مسلك التنبيه والإيماء، أنه ذكر الحكم مع الوصف، لو لم يكن هذا الوصف علة لكان ذكره غير مفيد.
نهى النبي صلى الله عليه وسلم القاضي أن يحكم وهو غضبان؛ إيش العلة؟ التشويش، كيف ثبتت علة التشويش؟ بالإجماع، أجمع العلماء على أن التشويش علة تمنع القاضي من القضاء أو علة في تحريم قضاء القاضي؛ هذا الوصف وهو التشويش يسمى وصفاً مؤثراً، لأنه ظهر تأثيره في عين الحكم بنص أو إجماع، هنا ظهر بالإجماع، فيصير من المؤثر.
فننتقل للملائم؛ الملائم وصف ظهر تأثير جنسه في جنس الحكم. الملائم يا مشايخ لاحظوا ماذا قال: وصف ظهر تأثير جنسه في جنس الحكم وليس ظهر تأثير عينه في عين الحكم. هذا الملائم بدنا شوية ذهن متقد لفهم مقصوده؛ الآن الحائض لا تقضي الصلاة بخلاف الصوم؛ لماذا الحائض لا تقضي الصلاة؟ هل عندك نص أو إجماع يعين لك العلة؟ لا، ليس عندك نص أو إجماع يقول والعلة أن الحائض تترك الصلاة ولا تقضي الصوم.
عائشة لما سئلت، ما أعطت علة؛ معاذة سألت عائشة: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ فعائشة قالت لها: أمن الخوارج أنت؟، لأنهم ينتهجون منهج أن الحائض عليها تقضي الصلاة أيضاً، قالت: لا، ولكني أسأل، فأعطتها الخلاصة، قالت: كنا نؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة؛ يعني ما تسأليش، باختصار كنا نؤمر بهذا ولا نؤمر بهذا.
لكن الفقهاء بعد ذلك قالوا: خلينا نبحث عن العلة أكثر، ما المشكلة لو بحثنا عن تعليل الحكم؟ طبعاً عائشة لها مقصد في إسكاتها حتى لا تظهر نقاشات، ومقصدها عالٍ راقٍ جداً رضي الله عنها، لكن الفقهاء بعد ذلك حاولوا أن يفكروا في العلل. لماذا الحائض لا تقضي الصلاة وتقضي الصوم؟ هل عندنا نص في العلة؟ لا، هل عندنا إجماع في العلة؟ قالوا لا.
قالوا في عندنا وصف نحن نلاحظه، بدأوا بالاستنباط، ذهبوا إلى الاستنباط، قالوا: مشقة تكرار الصلوات؛ هل هو مقنع يا مشايخ؟ مقنع، يعني الحائض تحيض بعضهن سبعة بعضهن ثمانية بعضهن تسعة، كلهن خمس صلوات؛ يعني ثمانية في خمسة أربعين صلاة خمسين صلاة، نقول لها تقضيهم بعد الطهر؟ متعب، مشقة تكرار الصلوات متعبة، فقالوا الحائض تترك الصلاة؛ العلة مشقة تكرار الصلوات.
هل هذه العلة ثبتت بنص؟ لا، هكذا بدأ هذا استنباط مشايخنا وعلمائنا، قالوا: لكن صحيح أن هذه العلة بعينها لم تثبت، وأن هذا الوصف بعينه مشقة التكرار لم يثبت.
الصلوات بعينها لم يأتِ نص أو إجماع على أنها علة لهذا الحكم، لكن جنس هذا الوصف -الجنس العام- وهو المشقة، ثبت تأثيره في أحكام أخرى. عرفتم؟ ثبت بنص أو إجماع، ولذلك قلت لكم: كنت أكتب بنص أو إجماع. هذا الوصف، وهو المشقة كجنس، ظهر تأثيره في أحكام أخرى بنص أو إجماع.
كيف ثبت أن المشقة التي تكون بسبب السفر تجعل المسافر يقصر؟ كيف ثبت أن المشقة التي بسبب المرض تجعل الصائم يفطر؟ صح؟ إذاً المشقة جنس وتحتها أنواع كثيرة من المشقات: السفر مشقة، المرض مشقة، تكرار الصلوات مشقة. صح؟ فإني عندي في الشريعة ثابت أنه كجنس أثر في أحكام أخرى في قصر الصلاة وفي الفطر وفي كثير من الأحكام. فهنا أستطيع أن أقول إن جعل المشقة في تكرار الصلوات علة عدم قضاء الحائض للصلاة، نسمي هذا الوصف وصفاً ملائماً؛ يعني يلائم تصرفات الشارع.
كيف عرفت أنه يلائم تصرفات الشارع؟ لأن جنس هذا الوصف الكبير، الجنس العام، ظهر من قبل الشارع تأثيره في أحكام أخرى. إذاً الشارع يلتفت إلى هذا الجنس بشكل عام -جنس المشقة- ويجعله مؤثراً في الأحكام، وتكرار الصلوات هذه المشقة هي فرد من أفراد هذا الجنس. إذاً لا مانع من جعله علة لعدم قضاء الحائض للصلاة، وهو ملائم لتصرفات الشارع. فهمتم ماذا يعني الملائم؟ هكذا قلت لكم: وصف ظهر تأثير جنسه في جنس الحكم.
ولذلك قلت لكم: ولو كتبتم في الحكم بنص أو إجماع؛ يعني أن هذا الوصف -وهو مشقة تكرار الصلوات- جنسه الأكبر الأعلى منه هو المشقة، ثبت تأثيره في أحكام أخرى. يعني في الحقيقة هذا الوصف أظهر تأثير جنسه في جنس الحكم. ما هو جنس الحكم؟ نحن عرضنا الآن جنس الوصف، ما جنس الحكم؟ جنس الحكم هو التخفيف.
معي الجميع ها؟ أنا دائماً سبحان الله سامحوني أطيل لكن أحب أن تصل الفكرة للطالب بعناية. عندي جنس وصف وهو المشقة، وعندي جنس حكم وهو حكم التخفيف. صح؟ جنس الوصف وهو المشقة ظهر تأثيره في جنس الحكم وهو التخفيف. وطبعاً نأتي بجنس الوصف؛ الجنس هو المشقة وتحتها أنواع من المشقات: سفر، مرض، تكرار صلوات. جنس التخفيف هذا الحكم، أعطني الأحكام التي تدخل تحت هذا الجنس؛ تكون قصر الصلاة، الفطر للصائم، عدم قضاء الحائض للصلاة. صح؟
فهمتم ماذا يعني ظهر تأثير جنس الوصف في جنس الحكم؟ أنه لاحظنا في الشريعة أن المشقة كجنس تؤثر في جنس الحكم الذي هو التخفيف. أين ظهر هذا في الشريعة؟ أن الله سبحانه وتعالى في سورة البقرة أخبرنا: ﴿وَإِن كُنتُم مَّرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 184]. لاحظوا كيف الله سبحانه جعل السفر والمرض علة في الفطر، والنبي صلى الله عليه وسلم أخبرنا أن السفر بعينه في قصر الصلاة. إذاً ظهر تأثير جنس الوصف الذي هو المشقة في جنس الحكم بشكل عام.
لكن هل عندي في الشريعة أن تكرار الصلاة هذه المشقة بعينها هي علة عدم قضاء الحائض للصلاة؟ لا، صح؟ لكن لماذا جعلتموها علة؟ قالوا هكذا الفقهاء؛ لأنه ثبت أن جنس المشقة يؤثر في جنس التخفيف من خلال النصوص والإجماعات. كيف ظهر لكم أن جنس المشقة يؤثر في جنس التخفيف؟ أن جنس الوصف يؤثر في جنس الحكم، كالسفر والمرض، فهذه أربعة أمثلة جعلها الشارع علة في أحكام تخفيفية. فإذاً يضبط بالتالي أن تكون مشقة تكرار الصلوات -التي هي فرد من أفراد هذا الجنس- علة لأحكام التخفيف التي هي عدم قضاء الحائض للصلاة.
ويسمى حينئذ مشقة تكرار الصلوات وصفاً، لا نسميه مؤثراً، بل نسميه ملائماً. لماذا ليس مؤثراً؟ لأنه هذا الوصف بعينه لم يوجد نص أو إجماع على أنه علة للحكم بعينه. ولكنه ملائم لجعله علة للحكم من خلال ظهور تأثير جنسه -أي المشقة عموماً- في جنس الحكم -أي التخفيف عموماً-. وضحت فكرة الملائمة يا مشايخ؟
بالتالي سأقول الآن، لاحظوا كيف الأفكار تُبنى. في الحالة الأولى كان عندي -يا مشايخ- مؤثر. في الحالة الثانية كان عندي ملائم. الآن سأذكر مثالاً على المؤثر، مثلاً يقولون مثال على المؤثر: الصغر، مثال على وصف مؤثر إن قلنا وجوب الولاية في مال اليتيم، ما علته؟ الصغر. هذه كيف ثبتت العلة؟ بالإجماع على أن عين هذه العلة أو هذا الوصف تؤثر في عين هذا الحكم. تمام؟ لما يأتي عندي فرع جديد أقيسه على هذا الأصل، مثلاً وجوب الولاية في النكاح، لما أريد أن أقيس هذا الفرع الجديد -وجوب الولاية في النكاح- على هذا الأصل القديم بجامع العلة، أكون هنا قد قست بواسطة علة مؤثرة في الأصل. صح؟
لكن هذا بالنسبة إذا كان الوصف مؤثراً. لكن في الحالة الثانية -في هذه المسألة الحائض لا تقضي الصلاة بخلاف الصوم- الآن أرادوا أن يروا النفساء؛ هل تقضي الصلوات التي تركتها في حال النفاس؟ النفساء لا تقضي الصلاة. وكيف عرفتم ذلك؟ أنكم نص في الكتاب أو في السنة؟ قالوا: لا، قياساً على الحائض بجامع وجود العلة المشتركة بينهما، ما هي؟ مشقة تكرار الصلوات. الآن جمعتُ هنا بهذا القياس بين الفرع والأصل بجامع؛ هل هو مؤثر ولا ملائم من قبيل الملائم؟ فهذا القياس يكون أضعف من ذاك القياس السابق. صح؟
أن القياس السابق -قياس الولاية في النكاح على الولاية في مال اليتيم- كان بوصف مؤثر، هذا جامد جداً. النوع الثاني في هذا القياس، أني قست أن النفساء لا تقضي الصلاة قياساً على أن الحائض لا تقضي الصلاة من خلال وصف يسمى ملائماً، وعرفنا لماذا؛ لأنه في وصف الملائم ظهر تأثير جنسه في جنس الحكم وليس تأثير عينه في عينه. فهنا مشقة تكرار الصلوات ليست بنص الشارع أو إجماعه علة الحائض للصلاة، لكنها ملائمة، لأن الشارع التفت للجنس في الجنس، فعندما أستخدمها للقياس نقول: أنا أستخدم وصفاً ملائماً. وأكثر الأقيسة الفقهية أيها الأحبة من قبيل هذا النوع، نعم، هذا هو الواقع؛ لأنه ليس التنصيص على العلل أو الإجماع عليها يوجد دائماً، لكنه ليس بتلك الكثرة، والأكثر يكون من قبيل الملائم.
وسأنتقل إلى حالة ثالثة موجودة أيضاً بكثرة، ولكن البعض ينازع فيها. انظروا ما هي، والوصف المناسب لمن يكون؟ مؤثر أو ملائم. في نوع ثالث مساحته لا تنسوا ما هو؟ الغريب. ما هو الغريب برأيكم؟ كطالب نبيه، ما بقي؟ الغريب، الوصف الغريب أو المرسل، أي الوصف الذي لم يظهر تأثيره لا في عين حكم ولا في جنس حكم. الوصف الذي لم يظهر تأثيره لا في عين حكم ولا في جنس حكمه هذا هو الغريب.
ما هو بكل كلمة؟ هو المصلحة المرسلة؛ هو باختصار الذي لم يشهد له الشارع بالاعتبار ولا بالإلغاء، لأنه هو المصلحة المرسلة، أي وصف لم يظهر أن الشارع التفت له، ممتاز، لا في عين حكم ولا في جنس حكم، يكون هذا الوصف هو المصلحة المرسلة. لاحظوا كيف الآن مفهوم المصلحة المرسلة عم يتضح أكثر وأكثر لديك من خلال المحاضرات، وأنكم عم تفهموا أكثر ماذا يعني مرسل؛ أنه لم يظهر تأثير هذا الوصف في عين حكم ولا ظهر تأثيره بجنس حكم. فبالتالي الشارع لم يشهد له بالاعتبار بوجه من الوجوه، لا من خلال المؤثر ولا من خلال الملائم.
ممتاز، لكن طبعاً الشرط الآخر مهم أنه لا يكون الشارع ألغاه. إذا كان الشارع ألغى هذا الوصف هو نفسه أخبرنا: هذا الوصف لا تعللوا به، لا ترتبوا عليه أحكاماً، هذا يسمى المُلغى. سنذكره مع ابن هشام ومع عبد المؤمن؛ هذا يسمى المُلغى، إذا كان الشارع قال: ألغوا هذا الوصف، هذا يسمى المُلغى. لكن الغريب هو الوصف الذي لم يظهر تأثيره لا في عين الحكم ولا في جنس الحكم، ولكن اكتبوا -يعني عندكم زيادة- أن الشارع لم يلغه، لم ينص على إلغائه، قد يكون هذا في إتمام التعريف.
ما مثال الأوصاف الغريبة؟ نأخذ مثالاً واحداً؛ يقولون منع القاتل من الميراث. الآن نحن قبل قليل كنا نقول إن العلة هي القتل، سيبونا من هذه العلة، بدي أركب علة جديدة، مش نحن لا نُمثل؟ بدنا نأتي نحن بالعلة. لماذا القاتل يمنع من الميراث؟ يقول الأصوليون: العلة في ذلك معاملة له بنقيض قصده. لماذا الله عز وجل منع القاتل من الميراث؟ اسمحوا لي بصوت عالٍ، قالوا: معاملة له بنقيض قصده. هو الآن لما قتل هذا الابن، لما قتل والده الذي عنده ما شاء الله أرصدة في البنوك، ما قصده بالقتل؟ الاستعجال في أخذ الميراث، صح؟ فهذا قصده، هو استعجل في قتل أبيه حتى يأخذ ماله، فنحن نعامله بنقيض قصده فنحرمه من الميراث.
إذاً قالوا علة منع القاتل من الميراث: المعاملة بنقيض القصد. الآن ضعوا دائرة على هذه العلة، هل هذه العلة ظهر تأثير عينها في عين هذا الحكم؟ لا، ما عندنا نص أن العلة بمنع القاتل من الميراث هي هذه العلة، إذاً هذا الوصف -المعاملة بنقيض القصد- ليس وصفاً مؤثراً قطعا.ً طيب لننظر، هل هو ملائم؟ وهنا يجب أن تتروى؛ هل هناك جنس يندرج هذا الوصف تحته؟ وهل ظهر تأثير هذا الجنس في جنس حكم لهذا الحكم؟ هل منع القاتل من الميراث يندرج تحته مثلما مر معنا في القضية السابقة؟
أنه عندي جنس وصف وهو المشقة، وجنس حكم وهو التخفيف، وكان مشقة تكرار الصلوات من أفراد هذا الجنس، وعدم مطالبة الحائض بالقضاء من أفراد جنس الحكم، صح؟ هل في هذا الصورة، هل هناك جنس يندرج تحته المعاملة بنقيض القصد، وهناك جنس حكم يندرج تحته منع القاتل من الميراث، حتى نقول والله إن هذا الوصف -المعاملة بنقيض القصد- ملائم، لأنه ظهر تأثير جنسه في جنس حكمه؟ بحث الفقهاء وقالوا: في الحقيقة لا يوجد عندنا، ما لاحظنا أن الشارع التفت إلى جنس هذا الوصف ولا إلى عينه في موضع معين. لكن ما هو مناسب؟ هو مناسب منطقي صح ولا لا؟ لكن أن الشارع جعل عين هذا الوصف وعين هذا الحكم، ما عندنا وصف أو إجماع. تمام.
هل ترد إلى جنسه في جنس؟ قالوا: إذا ما وجدنا جنس يندرج تحته هذا الوصف حتى نقول والله ظهر تأثير جنس هذا الوصف في جنس الحكم، ما عندنا، فقالوا: إذاً هذا الوصف عندنا يسمى وصفاً غريباً؛ وصف فيه مناسبة لكن لن تظهر تأثيره لا في عين حكم ولا في جنس حكمه. كيف أنه غريب الآن؟ ومع ذلك هو وصف غريب، إذاً هو كما قلت لكم هو المصلحة المرسلة.
الآن هل يستخدم الفقهاء هذا الوصف الغريب في القياس؟ في الحقيقة الكل يستخدمه؛ لأن البحث كذلك عن أوصاف ظهر تأثير جنسها في جنس الحكم موجود، لكن الواقع التطبيقي في كل كتب الأصوليين أنهم يأتون بعلل في كثير من الأحيان لم يظهر تأثيرها لا في عين حكم ولا في جنس حكم، ولم يظهر تأثير جنس هذا الوصف في جنس حكم، فلا ينطبق عليه لا هذا ولا هذا، ويعللون بها وبكثرة. الكثير من الأصوليين يقول: لا، هذا الوصف هو الوصف الغريب، ليس من المصلحة المرسلة، نحن نستخدمه لكن هذا ليس مصلحة مرسلة.
القرافي تذكره، لما رجعت للقرافي وجدت كم هو إنسان راقٍ، غالية يا مشايخ، أيها الأصوليون من المذاهب الأربعة، أنتم تلومون المالكية أنهم يأخذون بالمصلحة المرسلة، أنتم جميعاً تستخدمون المصلحة المرسلة. فقامت القرافي بكيف؟ طالما هي قصة لكن قالوا القرافي كيف؟ قالوا من خلال الغريب، كلكم تستخدمون التعليل بالغريب، كلكم تعللون بالغريب، تمام؟ وبعد تعليلكم بالغريب تقيسون عليه، والغريب هو المصلحة المرسلة، فيصبح النقاش بعد ذلك لفظياً، أنهم يقولون: لا، الغريب ليس المصلحة المرسلة. القرافي قال: هو المصلحة المرسلة. عندما تقولون الغريب هو الوصف الذي لم يظهر تأثيره لا في عين الحكم ولا في جنس الحكم، إذاً هو الوصف الذي لم يشهد له الشارع بالاعتبار، والمصلحة المرسلة هي المصلحة التي لم يشهد لها الشارع بعين الاعتبار ولا بجنسه.
فلذلك القرافي دقيق، الكل يستخدم المصلحة المرسلة، لكن هناك من يستخدمها مبطنة في القياس تحت وصف الغريب، هناك يسميها مصلحة مرسلة ويقول: أنا لا أستخدم المصلحة المرسلة. وأما المالكية فربما كانوا أصلح من غيرهم، قالوا: نحن نستخدم المصلحة المرسلة. طبعاً هناك نوع من أنواع المصلحة المرسلة، يعني هذا شكل من أشكال المصلحة المرسلة يا مشايخ، الوصف الغريب هو شكل من أشكال المصلحة المرسلة. وأنه هناك نقطة أخرى أنا بينتها في المحاضرات السابقة أن هناك محطة أخرى تسمى أيضاً مصلحة مرسلة وفيها خلاف قوي، وتلك معمول خلاف فيها معتبر. لكن أن يقول مذهب من المذاهب: أنا لا أستخدم المصلحة المرسلة بوجه من الوجوه، ليس بصحيح.
بل كلكم يستخدم المصلحة المرسلة ولو بوجه من الوجوه من خلال استخدام الوصف الغريب في القياس. فالآن مثلاً يقولون: المرأة المبتوتة التي يطلقها زوجها ثلاثاً في مرض موته، هل ترث؟ قالوا: ترث.
فالمرأة التي يطلقها زوجها ثلاثاً في مرض موته، وقد قرب من الموت وبلظ أنفاسه، قال: يا عمي أريد أن أحرمها من الميراث، وأنا لا أريد أن أعطيها شيئاً، فقال: أنتِ طالق بالثلاث. أراد بتطليقه إياها أن يحرمها من الميراث؛ فتصبح ليست زوجته، ويروح ميراثه لأولاده. ففي هذه الحالة، حتى لو طلقت في هذه اللحظة، وحتى لو انتهت عدتها منه قبل أن يلفظ أنفاسه، قالوا: نورثها معه. قلنا: لماذا تورثونها وقد أصبحت محرمة عليه؟ قالوا: معاملةً له بنقيض قصده. قلت: من أين أتيتم بهذه العلة؟ قالوا: قسنا المبتوتة على من قتل مورثه، قسنا هذه المسألة على هذه المسألة، والجامع بينهما المعاملة بنقيض القصد. هل هي علة مؤثرة؟ لا. هل هي إلا ملائمة؟ لا. هي علة غريبة، ومع ذلك استخدمتموها في القياس. وجاءت عندكم، ولم نجد أحداً ينكر ذلك. فإذاً أنتم تستخدمون مصلحة مرسلة بوجه من الوجوه.
وإذاً الوصف المناسب إما أن يكون مؤثراً، وإما أن يكون ملائماً، وإما أن يكون غريباً. فهمنا ما معنى مؤثر؟ وكيف نستخدم الوصف المؤثر في القياس؟ وعرفنا الملائم وكيف نستخدمه في القياس، وعرفنا الغريب أنها المصلحة المرسلة وكيف نستخدمها في القياس؟ الآن ارجعوا لي لعبد المؤمن البغدادي حتى نعيد ترتيب كلامه. عبد المؤمن البغدادي ماذا قال؟ بعد قوله: «ولا يعتبر كونها منشأ للحكمة»، ماذا قال؟ قال: والمؤثر ما ظهر تأثيره في الحكم بنص أو إجماع -بعبارتنا الأوضح: قد يكون ما ظهر تأثير عين الوصف في عين الحكم بنص أو إجماع-. بعدين ماذا قال؟ قال: وهو ثلاثة.
ظاهرها أنها ترجع للمؤثر، في الحقيقة لا. هو يعود على الوصف، وتصير قسمة الوصف المناسب ثلاثة، فاكتبوا فوقه الوصف المناسب؛ لأنه ظاهرها أنها ترجع للمؤثر، وليس هذا هو التقسيم. هو ثلاثة، أي الوصف المناسب ثلاثة أنواع. ما هي؟ قال: المناسب المطلق -هذا جديد- ثم الملائم، والثالث الغريب. الملائم ذكرته لنا على السبورة، والغريب ذكرته، لكن المناسب المطلق ما ذكرته. في الحقيقة هذه الكلمة غريبة من عبد المؤمن البغدادي، مصطلح المناسب المطلق. وفي هذه الحالة أنا سأسلك مسلك سعد الشثري ولن أسلك مسلك عبد الله الفوزان، أقول: المناسب المطلق هو المؤثر نفسه، سماه المناسب المطلق، هذه الطريقة هي التي انتهجها سعد الشثري، وأظنها هي الأنسب حتى يتلائم الكلام.
لماذا ذكر تعريف المؤثر قبل الدخول في هذه القسمة؟ هو أولاً عرف المؤثر، بعدين قال: هو ثلاثة المناسب المطلق والملائم والغريب. في الحقيقة لا أدري لماذا يفعل عبد المؤمن البغدادي بنا أحياناً هذه الأفعال، يعني بعض النصوص تجدها في غير موضعها الطبيعي. لذلك أحياناً في علم المخطوطات والنسخ تكون هناك مخطوطة، ويجيء أخونا يريد تحقيقها، تكون مثلاً كلمة "المؤثر ما ظهر تأثيره بإجماع" ليست مكتوبة في أصل النص، مكتوبة في الملحق أو في الهامش. فظن المحقق أن كلمة "المؤثر ما ظهر تأثيره" لازم تكتب قبل "وهو ثلاثة"، وفي الحقيقة هي لازم تكتب بعده "وهو ثلاثة". فيكون التقسيم: المناسب ثلاثة: المؤثر ما ظهر تأثيره في الحكم بنص أو إجماع وهو المناسب المطلق. هذا تحليل واجتهاد شخصي لما وقع، قد يصيب وقد يخطئ، لكن إبقاء الكلام على عشوائيته هكذا لا يصلح أبداً.
لا يوجد ارتباط فكري أن يكون المؤثر ثم بعد ذلك مباشرة "وهو ثلاثة"، ويظهر أن "هو" تعود على المؤثر وهي في الحقيقة لا تعود على المؤثر بحال من الأحوال، ثم يقول: المناسب المطلق والملائم والغريب، ولا نفهم ما هو المناسب المطلق. ونجد عبد الله الفوزان يعطينا للمناسب المطلق مفهوماً بعيداً عن المراد.
أقول: العلم عند الله أن القياس تستخدم فيه جميع الأوصاف الثلاثة: المؤثر، والملائم، والغريب، والغريب هو المصلحة المرسلة.
أراد عبد المؤمن هنا أن يقسم لنا المصالح، وهذا في الحقيقة التقسيم سبق معنا حينما تكلمنا عن الاستصلاح. قسمنا المصالح باعتبار اعتبارها أو إلغائها إلى ثلاثة أقسام: مصلحة معتبرة، مصلحة ملغاة، مصلحة مرسلة. ثم قسمنا المصالح تقسيم آخر باعتبار قوتها في المحافظة على مقصود الشارع إلى: مصالح ضرورية، ومصالح حاجية، ومصالح تحسينية. عبد المؤمن البغدادي هنا خلط بينهما، فقال: أصول المصالح خمسة، وما هي هذه الخمسة؟ قال: ثلاث منها ذكرت في الاستصلاح، وهي الضرورية والحاجية والتحسينية، وهي المعتبرة. ثم قال: والرابع ما لم يعلم من الشرع الالتفات إليه ولا إلغاؤه فلابد من شهادة أصل له وهو المرسل، الخامس ما علم من الشرع إلغاؤه وهي المصلحة الملغاة. الحقيقة هذا لا يتناسق مع الجو العام للأصوليين؛ فأنا أقول لكم أعيدوا ترتيب هذا الكلام، فقولوا المصالح من حيث درجة محافظتها على مقصود الشارع: ضرورية، حاجية، تحسينية، ومن حيث اعتبارها: معتبرة، ومرسلة، وملغاة.
متى سيسلك الأصولي مسلك المناسبة؟ هل في العلل المؤثرة؟ لا طبعاً؛ لأن العلل المؤثرة هي علل نص أو إجماع أثبتت نيتها للحكم، وظيفتك كمجتهد أن تنظر في تحقيق هذا الفرع. لكن متى يحتاج الأصولي أو المجتهد لمسلك المناسبة؟ يستخدمه إما في الملائم أو في الغريب. في الملائم، قال: الحائض لماذا لا تقضي الصلاة؟ بدأ يفكر، بدأ يستنبط أن فيه مشقة تكرار الصلاة عليها، استنبطوا بالمناسبة، وهذا مناسب. قلنا له: كيف عرفت أنه مناسب؟ قال: لأن الشارع التفت في تصرفاته السابقة واعتبر جنس هذا الوصف في جنس هذا الحكم.
وجاء الأصولي يستنبط، فقال: أستنبط وصفاً مناسباً لتعليق هذا الحكم؛ قال: الإسكار. الآن بعقلي؛ هل أستطيع أن أفهم مناسبة تحريم الخمر؟ وعلاقتي بالإسقاط صح ولا لا؟ فنفس الشيء الآن عندما قلت أنت إن الحائض لا تقضي الصلاة، علل؛ ليس أفضل تكرار الصلوات؟ يعني فوق أنه هذا الشارع اعتبر جنس الوصف جنس الحكم هي بذاتها، أنا أستطيع أن أدرك مناسبتها عقلاً، بشوفها منطقية.
نفس الشيء في الغريب، لما قلت لك القاتل يحرم من الميراث؛ علماً معاملة له بنقيض قصده، المناسب هنا لاحظ أنت إذا تجدها متناسبة مع عقلك، أليس كذلك؟ العقل أدرك وجه مناسبتها، لكن كما قلت لكم، شوية بخافوا من قضية الغريب، ليش؟ لأنه بتعتمد فيه أنت فقط على العقل، الشارع لم يشهد في الغريب، الشارع لم يشهد جنس الوصف جنس حكم، فقط ستعتمد أنت على أن العقل يدرك مناسبة المعاملة بنقيض القصد لتحريم الميراث، ولن يعضده أن الشارع التفت إلى هذه العلة في الجملة.
الملائم لماذا يعتبرونه أفضل بقصد؟ يعني بحبوه أكثر الأصوليين، لأنه صحيح العقل يدرك وجه مناسبة العلة للحكم، ولكن يعضد إدراك العقل لوجه المناسبة أن الشارع التفت إلى جنس وصفي جنس الحكم، فليس فقط العقل هو الذي استقل بالتعليل، هناك عاضد شرعي. لكن في الغريب المشكلة أنه ما فيش عارض شرعي اعتمدنا على العقل. لكن إحنا ايش راح نقول؟ أنا لا أعتمد في الغريب على عقل المثقف والاقتصادي والاجتماعي حتى هو يأتيني بعلة الحكم، أنا أتكلم عن عقل المجتهد العالم الرباني الذي تشرب أصول الشريعة والمصالح وعرف الضروري والحاجي والتحسيني، عرف أسلوب الشارع جملة.
فبالتالي عندما يصل إلى تحديد علة من خلال الغريب، هو أن يكون غالباً، بل هناك وإن لم يكن، أن الشارع يعتبر جنس الوصف جنس الحكم، لكن هناك مقاصد عليا للشارع هو تشربها، ويستنير بنورها حينما يحدد الوصف، لذلك الغزالي يقول، ويصعب أو يندر لا أذكر العبارة، التي يجدها، يعني هنا في إشارة جيدة للغزالي، الغزالي يقول: هل يوجد المناسب الغريب؟ قال: قلما يتفق في المسائل، أمثلته تكن من المعاني إذا ظهرت مناسبتها فلا تنفك عن التفات الشرع إلى جنسها في غالب الأمر. الغزالي كأنه يريد أن يقول: وجود وصف غريب، بمعنى الشارع وصف مناسب غريب، شو يعني مناسب غريب؟ أنا هادي كلمة مناسب غريب، ربما الآن أنا لبيت غريب، يعني العقل أدرك في ترتيب الحكم على هذا الوصف وجود مصلحة، لكنه ليش غريب؟ لأنه الشارع لم يلتفت لم يعطيني اعتبارها ولا إلغاءها، هاي مشكلة. العقل أدرك وجه المناسبة، فهو وصف مناسب، لكنه غريب لأن الشارع كما قلنا لم يظهر تحذيره لا في عين الحكم ولا في جنس الحكم.
فالغزالي يريد أن يقول إنه وصف مناسب ويكون غريباً بمعنى أن الشارع لم يلتفت إلى هذا الوصف في عين حكم، ولم يلتفت إلى جنس الوصف في جنس حكم سابق، قال: قلما يتفق في المسائل أمثلته، صعب، ليه؟ قال: لأن المعاني إذا ظهرت مناسبتها بالعقل، أنه هذا الوصف مناسب لهذا الحكم، لا تنفك عن التفات الشرع إلى جنسها في غالب الأمر. الشارع التفت إلى جنس المعاملة بنقيض القصد ولو في أحكام بعيدة ممكن أنت كمشتغل ما التفت لها، بس إلا يكون انتبه لها الشارع. فهمت على ايش في دخول الغزالي؟ فيقول وجود المناسب الغريب، يقول: قلما يتفق أنه يكون العقل، وعقل المجتهد أدرك مناسباته للتعليل، ويكون غريباً لم يلتفت الشارع إلى جنسه، قال: هذا قليل جداً وقل ما يتفق، لكننا لا نستطيع أن ننفيه.
الآن يا مشايخ، بس بدي إياكم ترجعوا لي لنص قلت لكم سنعود إليه في وقت لاحق، عودوا إلى شروط العلة، ارجعوا للمسالك، ارجعوا لشروط العلة. الشرط السابع والأخير من شروط العلة الذي ذكره عبد المؤمن البغدادي كان هو التعدي. صح؟ بعد ما ذكر التعدي قلت لكم هناك عبارة ذكرها بعد شرط التعدي، ايش هي؟ الشرط السابع والأخير من شروط العلة اللي هو التعدي، ايش ذكر بعد شرط التعدي بعد خلافاً لابن الخطاب والشافعية؟ قال: فإن لم يشهد لها إلا أصل واحد فهو المناسب الغريب.
في الحقيقة المناسب الغريب هو الذي ذكرته لكم الآن على السبورة، واعتمدوا التعريف الذي ذكرته لكم، هو الوصف الذي لم يظهر تأثيره لا بعين حكم ولا في جنس حكم، لذلك هو غريب، وكلام عبد المؤمن يمكن أن نوجهه إلى هذا التعريف الذي ذكرته على السبورة، في حين قال المناسب الغريب لم يشهد له، يعني وصف لم يشهد له إلا واحد، يعني الآن هو يريد أن يقول لك منع القاتل من الميراث هي المسألة الوحيدة التي نص الشارع عليها، ونلاحظ بعقلنا أن سببها أو علة هذا الحكم هو المعاملة بنقيض القصد، ولا يوجد أحكام أخرى نص عليها الشارع علتها المعاملة بنقيض القصد، ولكن يمكن تأتي نوازل.
لكن هذا الكلام بهذا التنظير لا أوافق عليه؛ بهذا التنظير أنه باستخدام "لم يشهد لها إلا أصل واحد"، في الحقيقة المناسب الغريب لم يشهد له شيء كأصل تعريف، لكن الغزالي لاحظنا ماذا قال؟ أنه هل يوجد فعلاً مناسب غريب؟ لم يشهد له شيء أبداً لا من المقاصد ولا من المسائل في الجملة. لكن هذا هو المناسب الغريب، هو الوصف الذي لم يظهر تأثيره لا في عين حكم ولا في جنس حكمه، فهو باختصار الوصف الذي لم يلتفت له الشارع لا بالاعتبار ولا بالإلغاء، ينطبق عليه مفهوم المصلحة المرسلة.
واضح؟ فقوله لم يشهد لها إلا أصل واحد أنت غني عن هذا التعبير. تمام؟ فقط عدت عليه كما وعدتكم حتى لا يقول الطالب إنه هذا النص ما شرح، هو المناسب الغريب. لكن أنا قلت وجوده في ذاك الموضع غريب، وملازم غريب، ووجودهم في ذاك الموضع غريب، يعني لماذا في هذا الموضع؟ فأكثر الشراح يكون هناك مشكلة في ذكره هنا، أما أن يلحق بمسالك أخرى يعني ينقل إلى موضع آخر أو يرجع إلى الاعتبار، وقد يكون هذا هو الأقرب، أنه هذا النص هناك أيضاً مشكلة في النساخ، وأنه يلتحق بشرط الاعتبار. الشرط الذي ذكره عبد المؤمن من شروط العلة، الاعتبار، أن يكون المناسب معتبراً في موضع آخر. بالله ارجعوا لي على هذا الاعتبار، حتى الطالب ترسخ الفكرة. لما ذكر عبد المؤمن البغدادي شروط العلة، قال الشرط أظنه الرابع كان الاعتبار. نعم، ما الاعتبار؟ أن يكون المناسب معتبراً في موضع آخر، يعني أن يكون المصالح اللي بدي أقيس فيه معتبر، ايش يعني معتبر؟ يعني إما مؤثر أو مناسب. الآن فهمتم أن الشارع معتبر، أما أن يكون مؤثراً أو ملائماً، حتى استخدم وصفاً أو جامعاً في القياس، ينبغي أن يكون هذا المناسب معتبراً.
ما أوجه الاعتبار؟ لاحظ الآن، الاعتبار أما أن يكون هذا الوصف اعتبر عينه في عين حكم سابق لهذا الفرع، أنا الآن عندي فرع، ممتاز؟ أريد أن ألحقه بأصل، الوصف الذي بدي أستخدمه بده يكون وصفاً معتبراً. ايش يعني معتبر ما معنى الاعتبار؟ أما أنه هذا الوصف ظهر تأثيره في عين الأصل فيكون هذا الوصف مؤثراً، أو أن هذا الوصف الذي عللت فيه الأصل لم يظهر تأثيره في عين الأصل، لكن ظهر تأثير جنس هذا الوصف في جنس أحكام أخرى، فعندما عللت به الأصل كان مقبولاً لأنه من قبيل الملائم. فباختصار الاعتبار أن يكون الوصف المستخدم في القياس إما مؤثراً وإما ملائماً.
قال: وإلا إذا ما كان مؤثراً ولا ملائماً، يعني إذا ما كان معتبراً، ايش هو؟ قال: وإلا فهو مرسل، اللي هو المصلحة المرسلة. ايش اللي هو المرسل؟ المرسل، اللي هو الغريب، اللي هو الغريب نفسه. فكأنه البغدادي يقول إن الغريب لا يجوز أستخدمه في القياس، لا أجوز استخدامه في القياس. لكن الواقع يفرض على عبد المؤمن البغدادي أن الغريب يستخدم في القياس، لا حكم هذا الارتباط بين هذه المباحث، أنا دائماً أحاول أربط الطالب. المرسل هو الغريب، أحياناً يقول غريب، أحياناً بسميه مرسل، أحياناً هو يأبى تسمية الغريب مرسلاً، لكنه هو الغريب المرسل.
لا مجال في هذا الموضوع، فنقول قال: وإلا فهو مرسل يمتنع الاحتجاج به عند الجمهور، وانقلوا بعد ذلك هذا النص إليه، وهو حينما قال: لم يشهد لها إلا أصل واحد فهو المناسب الغريب، وقولوا لعبد المؤمن المناسب الغريب هو المرسل الذي منعت الاحتجاج به. وفي الحقيقة وفي الواقع التطبيقي عند الحنابلة أنه يستخدم. الآن هل أنت تنازع في وجوده؟ يعني أحياناً ممكن يكون النزاع لفظياً؟ نعم، ممكن يكون موافق الغزالي، أنه يا جماعة الخير مناسب غريب ما في، قلما يلتفت الشارع، قلما يوجد مناسب غريب ما في عنا مناسب غريب، كل شيء مصلحة مرسلة. لكن في الحقيقة لا هذا الكلام بيضيع، خلونا نحاول نضبط المصطلح ونحكم وما نحاول نجيب مصطلحات جديدة.
المرسل هو المناسب الغريب، والمناسب الغريب اللي هو المصلحة المرسلة. نحن نتفق مع الغزالي أن الشارع أن أي مصلحة مرسلة يجب أن تكون أصول الشريعة، مش حكينا أصول الشريعة الكلية التفتت إلى هذه المصلحة جملة، ما هو مصلحة مرسلة؟ أصول الشريعة الكلية لم تنظر إليه أبداً، ما في، لكن ليش سميناها مرسلة؟ لأنها ليست من قبيل المؤثر ولا الملائم بالتحديد بهذا المصطلح، لكن أصول الشريعة الكلية لا بد تكون أشارت إليها بنوع إشارة، ولو إشارة بعيدة كما يقولون. تمام؟ فهكذا ربطنا الكلام في الاعتبار اللي هو شرط من شروط العلة عنده، مع كلامه هنا في تقسيم المناسب إلى مؤثر وملائم وغريب، وفهمنا علاقة هذه الأقسام مع بعضها.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل