دخولتسجيل الدخول

الدرس 41 - شروط العلّة (٢)

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين ومحجة للسالكين، نبينا وحبيبنا وقرة عيننا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

حيّاكم الله أيها الأحبة في مجلس جديد نعقده في شرح كتاب قواعد الأصول ومعاقد الفصول للإمام عبد المؤمن البغدادي رحمة الله تعالى عليه. وقبل أن نشرع في درس اليوم أحب أن أنبه إخواني على قضية مهمة في منهجية طلب العلم، وذلك فيما يتعلق بالتعامل مع أواخر المصنفات العلمية. يذكر الشيخ طاهر بن عاشور رحمة الله تعالى عليه أن كثيراً من طلبة العلم تكون همته متوقدة في التعامل مع بداية الكتاب وفي مطالع الشرح، لكن عندما يصل إلى آخر الكتاب تبدأ الهمة تفتر، مع أنه قد يكون في آخر الكتاب فوائد جمة أو مسائل تحتاج إلى تحليل أكثر مما في مطلع الكتاب، فتضيع على الطالب تلك الفوائد الجمة وتلك التحليلات العميقة بسبب الملل والشعور بالضجر والتكاسل.

وهذا منهج كثيراً ما نواجهه ويواجهه طالب العلم في حياته العلمية، كما قلنا مثلاً في هذا الكتاب الذي معنا قواعد الأصول ومعاقد الفصول؛ بدأنا نتكلم عن مسالك القياس ثم بدأنا بالدخول في عمق العلة، ثم بدأنا نحلل في العلل، وهذه الجمل ما المقصود منها؟ ويمكن أن تحمل على وجه آخر، وهل أصاب وهل لم يصب؟ الآن الطالب عندما يصل أصلاً إلى باب القياس بعد رحلة طويلة في خمس وثلاثين محاضرة يشعر بالملل. يريد الطالب أن ينجز وأن ينتهي هذا الكتاب والقضاء عليه، لكن في الحقيقة ينبغي أن تكون همة طالب العلم من مطلع الكتاب إلى آخر كلمة فيه على نفس المستوى، إذا أراد أن ينجز وإذا أراد أن يستفيد ويحصل، فباب القياس هو لب علم أصول الفقه، هو الفن والمهارة في أصول الفقه، لا يصلح أن تأتي عليه وأنت متضجر وتشعر بالسأم وعندك حب وتشوف للفراغ والانتهاء من هذا الموضوع كيفما انتهى.

بل بالعكس، هذا الكتاب ينبغي أن تعطيه جل اهتمامك تنقيحاً وتفصيلاً ووقوفاً على عباراته وألفاظه ومحاولة الفهم والتدبر فيه، كأنك الآن في متن جديد تماماً، تجلس وأنت مستريح هادئ، تفكر بعمق، تحلل، حتى يأخذ هذا الكتاب حقه من النظر. أجد كثيراً من طلبة العلم عندهم ضعف في باب القياس، والسبب أو من أهم الأسباب -فضلاً عن أن الكتاب عقلي بشكل بحت في كثير من تفاصيله- أنه يأتي في أواخر المصنفات العلمية، اذهب إلى أي كتاب أصولي تجد القياس في آخر المصنف، تصل إليه وأنت متضجر تريد أن يخلص هذا الكتاب، فلا تعطي العبارة حظاً من النظر والتأمل. أنبهكم على هذا حتى لا تخطئوا فيه، وحتى لا تفوت الفائدة على طالب العلم بسبب هذا التهاون في آخر المصنف.

أنت عندما تقرأ كتاباً، همك أن تحصل على المعلومات، أن تتعلم، أن تحلل، أن تستفيد، أن تغترف من العلم، أن تتصوره بالشكل الكامل الحقيقي، أن تطبق بعد ذلك في المستقبل، ليس هم طالب العلم أن يقول إني ختمت كتاباً، هذا أمر أيها الأحبة دعائي ظاهر تزييني، ليس أمراً حقيقياً. لا نريد طلبة علم شكليين، نحن نريد طلبة حقيقيين، يفهم الكتاب، يحلل، تجلس معه تجد أنه يستوعب، له قدرة على التحليل، له قدرة على التطبيق، له قدرة على استشكالات محاولة المصنفين الأقدمين، هذا طالب العلم الذي نصبو إليه. فلذلك إياكم أن تتضجروا في آخر أي مصنف علمي، بل دائماً جددوا الهمم، واعلموا أن الفائدة قد تكون في آخر سطر، في آخر كلمة، في آخر همسة ينطق بها المصنف.

فهذه فائدة على الهامش؛ لأني أدرك أن كثيراً من الطلبة الآن يتشوق لإنهاء الكتاب من المتابعين لنا، ويريد أن ينجز ويفرغ الأمر بعد أربعين محاضرة. لكن أقول له: لا يصلح ذلك، اجلس تعلم، أعطِ الكتاب حظه من النظر حتى لو أخذ مئة محاضرة، وأنت تستفيد تتعلم وتحلل وتفهم ماذا يريد العالم والإمام؛ أنت الذي ستكسب في النهاية. وأما إذا قفزت وأخذت المعلومة هكذا تباعاً سريعاً من أجل أن تقتصر على نفسك المسافة، أنت من سيخسر العلم، وهذا علم ولا مجاملة فيه، نسأل الله أن يرزقنا الثبات والديمومة على طلب العلم والصبر والجد إلى آخر نفس من هذه الأنفاس.

كنا في المحاضرات السابقة نتحدث في الحديث عن شروط العلة، وقد كنا قسمنا العلة بشكل عام، هل تذكرون؟ كنا قسمنا العلة إلى وصف وحكم شرعي، وبدأ رحمه الله عليه بذكر شروط العلة إذا كانت وصفاً. فقال: ما الشروط؟ أولاً -وهذا طبعاً دلالة على منهج عبد المؤمن البغدادي، وعلى حظ من هناك انتقادات على عدة شروط ذكرها- أن تكون العلة وجودية مقابل الوجودية العدمية، فعرفنا أن منهج عبد المؤمن البغدادي بشكل عام أن العلة العدمية لا تصلح علة لحكم وجودي، وهل تصلح علة لحكم عدمي؟ أيضاً ظاهر سياقه أنها لا تصلح علة لحكم عدمي، وإن كان يتساهل وقد يتقبل أن تُجعل العلة العدمية لحكم عدمي، لكن أن تُجعل علة عدمية لحكم وجودي فالباب مغلق تماماً عنده.

طيب، ولكن قل ما الصحيح مثلاً في الحنابلة؟ جوازنا جواز العلة العدمية سواء لحكم وجودي أو لحكم عدمي. الشرط الثاني قال: أن تكون ظاهرة، الشرط الثالث: أن تكون منضبطة، الشرط الرابع: قال المناسبة، الشرط الخامس: الاعتبار، الشرط السادس: الاطراد، الشرط السابع: التعدي؛ هذه سبعة شروط أيها الأحبة، بدأنا بتحليلها واحداً واحداً في المحاضرة السابقة. تكلمنا عن الوجود، وتكلمنا عن ما معنى أن تكون ظاهرة ومعنى منضبطة، ما معنى مناسبة، وتكلمنا ما معنى أن تكون معتبرة. اليوم نحن في الاطراد، وكنا بدأنا في مفهوم الاطراد، قلنا ما معنى أن تكون العلة مضطردة؟ شرط من شروط العلة إذا كانت وصفاً أن تكون مطردة.

ما معنى أن تكون مطردة؟ يعني متى وجدت العلة وجد الحكم، ومتى فقدت العلة فقد الحكم. الآن الوصف الذي أريد أن أختاره للعلية يجب أن يكون مطرداً على قواعد عبد المؤمن البغدادي، وفهمنا ما معنى مطرد: أن يوجد الحكم مع العلة وجوداً وعدماً. طيب، الآن ماذا كلام عبد المؤمن البغدادي؟ إذا كان هناك وصف يوجد في صور ولا يوجد معه الحكم، فمعناه أن هذا الوصف لا يصلح لأن يكون علة لهذا الحكم، الوصف الذي أؤهله لأن يكون علة لحكم يجب أن يكون مطرداً مع الحكم، بالتالي إذا وجدت وصفاً أريد أن أختبره: هل هو علة أم لا؟ فحصت هذا الوصف وجدته في بعض الصور يكون موجوداً ولا يكون الحكم معه موجوداً، معناها هذا الوصف لا يصلح للعلية؛ تخلف شرط وهو الاطراد.

الآن هناك رأي مقابل رأي عبد المؤمن البغدادي، ما هو؟ الاطراد ليس شرطاً في الوصف الذي نريد أن نجعله علة، يمكن أن نجعل وصفاً علة مع أنه في بعض الصور يكون موجوداً ولا يكون الحكم موجوداً معه، فقالوا: وفي هذه الحالة -وهذه الحالة ماذا تسمى عندهم؟ يسمى تخصيص العلة- أن العلة تختص بموردها، كما قال عبد المؤمن. البعض يرى أن العلة تختص بموردها، العلة غير المطردة تختص بموردها، فهي أثرت في مواضع معينة فجلبت الحكم، في مواضع أخرى كانت موجودة ولم يأتِ الحكم معها، صحيح؟ هذا لا يعني أنها لم تكن علة في المواضع التي وُجد معها الحكم، بل في المواضع التي وُجد معها الحكم كانت هي العلة في وجوده، وفي المواضع التي وُجدت فيها ولم يوجد معها الحكم نقول أيها الأحبة هنا يوجد عندنا ما يسمى تخصيص العلة، أو أنها تختص بموردها، أن هذه العلة يختص تأثيرها في وجود الحكم في مواضع معينة، وفي مواضع أخرى تكون موجودة لكنها لا تؤثر في وجود الحكم.

هكذا يفهم البعض الموضوع، يقول عبد المؤمن: اشتراط الاطراد في العلة لا نوافقك عليه، بل يمكن للعلة أن تختص بموارد معينة. ما معنى أن تختص بموارد معينة؟ يظهر تأثيرها في إيجاد الحكم في مواضع، وفي مواضع أخرى هي تكون موجودة لكن ليس لها أثر في إيجاد الحكم، وقالوا: لا إشكال في ذلك. إذاً هذا الرأي والرأي المقابل. هناك رأي ثالث تفصيلي ربما أجده أعدل الأقوال والله تعالى أعلم، وهو ما ذكره بعد ذلك. ماذا قال عبد المؤمن؟ وهذا الذي وقفنا عنده في المحاضرة السابقة، وفي الرأي الثالث التفصيلي، قال عبد المؤمن: والاطراد شرط عند القاضي وبعض الشافعية، وقال أبو الخطاب وبعض الشافعية: يختص، يعني يختص تأثير العلة بالمواضع التي أثرت فيها ولا يشترط أن تكون مطردة في تأثيرها في جميع المواضع. هذا الشرط المقابل لشرط الاطراد.

الشرط التفصيلي وهو القول الثالث، قال: والتخلف. حينما قال والتخلف، اكتبوا هذا القول الثالث وضعه بين قوسين وبالخط العريض، في الكتب لا أجده سليماً ومصوغاً لأن الطالب قد يتوهم أن عبد المؤمن انتقل إلى محور آخر من شروط العلة، لا، هو يتكلم عن قول ثالث في المسألة. ما هو القول الثالث؟ القول الثالث يقول: إذا تخلف الحكم عن العلة -ما معنى تخلف الحكم عن العلة؟ يعني وجدت العلة ولم يوجد معها الحكم- قال: أما لاستثنائه كالتمر في المزابنة، أو لمعارضة علة أخرى، أو لعدم المحل، أو فوات شرطه، قال: فلا ينقض. طبعاً مصطلح النقد نحن أخذناه في المحاضرة السابقة، ربما الآن نسيت أنبه عليه، ما هو مصطلح النقد؟ هو أن توجد العلة ولا يوجد معها الحكم، هذا يسمى نقضاً.

ما هو النقض؟ هذا من المصطلحات المهمة المتكررة حتى في كتب الفقه وفي كتب الاعتقاد وفي كثير من الكتب التي تستخدم الأقيسة. ما معنى مصطلح النقض؟ توجد العلة ولا يوجد معها الحكم، هل هو قادح؟ هذا الذي يريد أن يبحثه عبد المؤمن. القول الأول: أنه قادح، وهذا رأي عبد المؤمن ومن تبعه. الرأي الثاني: أنه ليس بقادح، كقول أبي الخطاب والكرابيسي، وأن العلة تختص بموردها، ما عندنا إشكال. الرأي الثالث: التفصيل. ما التفصيل؟ يقول: إذا كان تخلف الحكم عن العلة إما استثناء لأمر استثنائي، أو لمعارضة علة أخرى أقوى من هذا الوصف الذي عندنا، أو بسبب عدم المحل أو فوات الشرط، ففي هذه الحالة تخلف الحكم عن العلة ليس دليلاً على بطلان العلية. وأما إذا كان تخلف الحكم عن العلة أو عن الوصف بسبب آخر، حينئذ يكون قادحاً في العلية، تمام؟

ما هي التخلفات؟ أمثلة، لا تخشوا، لكن أريد أن أفهم بشكل جملة ابتداءً ما معنى القول الثالث؟ القول الثالث يقول: إذا كان تخلف الحكم عن الوصف في صورة معينة أما استثناء شرعي -يعني الشرع هو الذي استثنى من عنده، ليس كان لنا اجتهاد، الشرع هو الذي استثنى هذه الصورة بحد ذاتها- واما بسبب معارضة علة أخرى أقوى من هذا الوصف الذي عندنا، أو بسبب عدم محل أو فوات شرط، في هذه الحالة تخلف الحكم عن الوصف لا يقدح في جعله علة، أما إذا كان تخلف الحكم عن الوصف بسبب آخر غير هذه الأسباب الثلاثة أو الأربعة، حينئذ يقولوا تخلف الحكم عن الوصف -الذي هو النقض- دليل على عدم صلاحية هذا الوصف للتعليل، تمام؟

أنا أذهب إلى السبورة حتى نفهم ما معنى التخلف إما استثناء شرعي أو لمعارضة علة أخرى أو عدم المحل أو تخلف شرطه. إذاً القول الثالث يقول ايش يا مشايخ؟ بدنا نحفظ، بدنا نربط، القول الثالث يقول: إذا تخلف الحكم عن العلة في صورة معينة بسبب استثناء شرعي له، أو بسبب معارضة علة أخرى أقوى من هذه العلة في هذا الموضع، أو بسبب فوات المحل أو عدم الشرط، ففي هذه الحالة تخلف الحكم عن الوصف لا يقدح في علية هذا الوصف في الصور الأخرى. وأما إذا كان تخلف الحكم عن الوصف لسبب في هذه الصورة بسبب آخر غير هذه الأسباب الأربعة التي ذكرناها، في هذه الحالة يقولوا تخلف الحكم عن الوصف -اللي هو النقض- دليل على عدم صلاحية هذا الوصف للتعليل أصالة، تمام؟

الآن نأخذ صوراً للحالات المستثناة، قال: إذا كان تخلف الحكم عن الوصف إما باستثناء شرعي، نأخذ الصورة، يعني الشرع استثنى وحده هذه المسألة على خلاف القواعد. نأخذ مثالاً عليها تخلف الحكم عن الوصف الآن، الأصل في الشريعة أيها الأحبة أن الإنسان إذا أتلف شيئاً مثلياً كيف يضمنه؟ ثمنه؟ بأداء مثله إلى الشخص المتلف له، أليس كذلك؟ أنا أتلفث شيئاً مثلياً، طبعاً ما هو المثلي؟ تختلف المذاهب فيه، لكن بشكل عام نعتبر مثلاً أتلفْت تمراً، أتلفْت تمراً لشخص هكذا سواء بالقصد أو بالخطأ، لأنه الضمان لا يعتمد على القصد أو الخطأ، كان هناك مثلاً صاع تمر في الطريق بالخطأ ضربتها برجلي وقعت تلفت، ذهبت. الآن هذا الشخص المتلف له، أنا سأضمن له مثل هذا التمر، سأرد إليه المثل. لماذا؟ يقولون: ضمان المثليات يكون بدفع مثلها. ما هي العلة؟ علة هذا الحكم أن ضمان المتلفات يكون بدفع مثلها: إمكانية الوصول إلى المثل.

سأقول لك: لماذا المثليات تدفع بمثلها أو تضمن بمثلها؟ العلة في ذلك، علمني، نقول: لإمكانية الوصول إلى المثل، أنا أضمن بما أني أستطيع أن أدفع لهذا الرجل تمراً مشابهاً لهذا التمر الذي أتلفته، أرد له تمراً أتلفت له.

بما أني أستطيع أن أرد له تفاحاً بمثل التفاح الذي أتلفته، أرد له تفاحاً. الآن متى أعدل إلى ضمان الشيء بالقيمة؟ إذا كان هذا الشيء الذي أتلفته لا أستطيع أن أصل إلى مثله. حينئذ أقومه بتقييم التجار وأقول: والله هذا الشيء الذي أتلفته قيمته مئة دينار، فأقوم وأدفع للشخص المتلف له مئة دينار. فالآن هكذا يفكر الفقهاء: إذا أتلف الإنسان شيئاً ويمكن أن يعوض صاحبه بمثله، ويمكننا أن نصل إلى مثل هذا الشيء المتلف، فعليك أن تعوض المثل.

ممتاز، إذا أتلف شيئاً وهذا الشيء لا يوجد له مثل، في هذه الحالة لا تستطيع أن ترد إلى الشخص أو إلى صاحب هذا الشيء المتلف مثله، فترد له القيمة. ممتاز، إذاً ضمان المثليات يكون بدفع مثلها، والعلة إمكانية الوصول إلى المثل.

الآن هناك مسألة شرعية استثناها الشارع؛ ليست من قياس الفقهاء ولا بالاجتهاد ولا بعقولهم، الشارع هو الذي استثناها، وهي مسألة المصرّاة. ما هي المصرّاة؟ المصرّاة أيها الأحبة، طبعاً هذه ربما كانت قديماً أكثر من واقعنا لكنها توجد أيضاً في الواقع في بعض البيئات؛ إنسان بائع للنوق يبيع ناقته أو يبيع غنمه، فيكون عنده شوية من الغش والتدليس، ماذا يفعل؟ يربط ضرع هذه الناقة أو ضرع هذه الغنمة، حتى إذا جاء شخص أراد أن يشتري ينظر إلى هذه الناقة أو إلى هذه الشاة فيرى ضرعها مليئاً باللبن، فيتوهم أن هذه الناقة وهذه الشاة من طبيعتها أنها مغزارة في لبنها، فيشتريها بناءً على هذا الوهم، وإلا في الحقيقة هي ليست هكذا، وإنما البائع هو الذي ربط ضرعها حتى لا ينزل منه اللبن فينتفخ، فيظن الرائي أنها مغزارة اللبن وهي ليست كذلك، وإنما البائع هو الذي ربط الضرع حتى يظهر بهذه الصورة. ويهرب نوع من أنواع الغش الخفي، واضحة صورتها؟

الآن الشريعة تقول إنه إذا اشترى إنسان ناقة من هذه النوق التي قام بربط ضرعها بناءً على أنها مغزارة، وعندما عاد بها إلى بيت هذا المشتري فرحاً مسروراً، المهم جاء يحلب حالاً، أول يوم نزل اللبن، هذا اللبن الذي كان محتبساً، بعد ذلك اكتشف أن هذه الناقة ليست معطاءة للبن بعد أن حلب هذا اللبن الأول، اكتشف أن هذه الناقة مثلها مثل باقي النوق وهذه الشاة مثل باقي الشياه، وعرف أنه خُدع.

الآن النبي ﷺ ماذا أعطى لهذا المشتري؟ أعطاه الخيار، قال: «أنت الآن بالخيار، إما أن ترد هذه الناقة، تعيدها إلى البائع وتعطيه مقابل اللبن الذي حلبته وأتلفته، تعطي صاعاً من تمر، وإما أن تبقي هذه الشاة وهذه الناقة عندك». إذاً النبي ﷺ قال: «لا تسروا الإبل والغنم، فمن ابتاعها فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها، إن شاء أمسكها وإن شاء ردها وصاعاً من تمر». هذا الصاع من تمر مقابل اللبن الذي أتلفه.

إذا كان قد حلب هذا اللبن وبقي اللبن على حاله وباشر رده إلى البائع، صار لا يلزمه أن يعود لصاحب التمر. لكن صورة رد الصاع تكون في حالة أنه حلبها وأخذ اللبن وشربه؛ أتلفه إتلافاً حقيقياً. لكن الصورة كما قلنا هو حلب اللبن وشربه، ثم ظن أن هذه الناقة من صنف ينتظر منها ما لم تأتِ، أو أنها أتت بمثلها مثل أي ناقة أو مثلها مثل أي شاة. في هذه الحالة الشريعة أعطت هذا الرجل الخيار بأن يرد هذه الناقة إلى البائع، ومقابل اللبن الذي أتلفه يرد صاعاً من تمر.

الآن هنا موطن البحث: اللبن المتلف أيها الأحبة، هذا هو السؤال، اللبن المتلف هل هو مثلي؟ ألا يمكن أن يرد مثله إلى البائع؟ لماذا يريد صاعاً من تمر؟ أليس اللبن مثلياً؟ أذهب إلى السوق وأتي بلبن مقابل اللبن الذي أتلفته وأرده إلى البائع، لماذا بدل اللبن الذي أتلفته الشريعة تأمرني بأن أرد صاعاً من تمر؟ ولا تقولوا لي اذهب فاشتري من السوق ورده إلى البائع، الشريعة قالت ترد صاعاً من تمر.

الآن نقول: اللبن المتلف هو مثلي، والحكم الشرعي ما هو؟ ضمان المثليات يكون بدفع مثلها، والعلة إمكانية الوصول إلى المثل. هذا الحكم موجود في اللبن، والعلة موجودة فيه. لكن في هذه المسألة لم نطبق الحكم وهو أن ضمان المثليات يكون بدفع مثلها. فالعلة موجودة في اللبن في هذه الصورة، ومع ذلك لم يوجد الحكم. إذاً العلة الأولى خطأ؟ نقول له: لا، ليست خطأً. بل نقول: صحيح العلة موجودة في هذا اللبن المتلف وهي إمكانية الوصول إلى المثل، لكن عدم تطبيق الحكم (تخلف الحكم عن العلة في هذه الصورة) جاء باستثناء شرعي على خلاف القياس.

طبعاً الآن أقول هذا الأمر، أنت في المستقبل اذهب إلى ابن القيم في «إعلام الموقعين»، وانظر كيف يجعل أنه هذا ليس خلاف القياس وأنه على أصول الشريعة، هذه نقاشات أخرى. ولكن الآن نمثل بمثال مطبق، والشأن لا يعترض المثال، نريد أن نفهم الصورة، أنه في هذه المسألة اللبن المتلف وجدت فيه علة الضمان بالمثل وهي إمكانية الوصول إلى المثل، لكن لم يوجد معها الحكم وهو الضمان بالمثل، وإنما يضمن اللبن المتلف في هذه الصورة برد صاع من تمر. فنقول هنا وجدت العلة ولم يوجد الحكم، أو تخلف الحكم بسبب استثناء. ففي هذه الحالة بسبب أنه تخلف الحكم عن العلة بسبب استثناء شرعي خاص لا نقول إنه تخلف الحكم عن العلة يقدح في صلاحيتها للتعليل. وضحت الفكرة؟ لا نقول تخلف الحكم عن العلة يقدح في صلاحيتها للتعليل، بل العلة صالحة للتعليل، وضمان المثليات يكون بدفع مثلها، والعلة إمكانية الوصول إلى المثل، هذه العلة صحيحة ولكنها تخلفت في صورة اللبن في حالة المصرّاة باستثناء شرعي خاص، فلا يقدح هذا فيها.

أيضاً هذه الحالة الأولى: أن يكون تخلف الحكم عن الوصف باستثناء شرعي خاص بالمسألة، ففي هذه الحالة تخلف الحكم عن الوصف لا يقدح في صلاحيته للتعليل.

الحالة الثانية: أن يكون تخلف الحكم عن الوصف بسبب معارضة علة أخرى أقوى منها في الصورة المستثناة. أي مثال؟ الآن أيها الأحبة، خذوا هذه القصة: رجل حر تزوج أمة وهو يظنها حرة، رجل حر تزوج أمة، لكن هو لما راح تزوجها كان بناءً على أنها حرة فخدع. فلما تزوجها ودخل بها وأنجب ولداً، قالوا له أهلها: والله نحن غررنا بك، ترى هذه المرأة أمة وليست حرة.

الآن ستتداخل الأمور، حر تزوج أمة يظنها حرة، فأنجبت ولداً بعد ما انتبه، قالوا له: نحن ضحكنا عليك، ترى المرأة هذه أمة. ما هو الحكم؟ نقول الآن: المسألة تتعلق بالولد، هذا الولد هل هو حر أو عبد؟ الآن القاعدة العامة في الشريعة أن من تزوج أمة فأنجبت، فالولد يكون عبداً، ما هي العلة؟ علة رق الأم. ما هي القاعدة في الشريعة؟ إذا الرجل تزوج أمة فأنجبت ولداً فالولد يكون عبداً لرق الأم. طبعاً بخلاف إذا سيدها واطئها فأنجبت ولداً فيكون الولد حراً تبعاً للسيد، لكن الكلام في الأصل أنه إذا حر تزوج أمة، فالولد يكون عبداً لرق الأم.

الآن في هذه الصورة التي معنا أيها الأحبة، هذا الرجل المسكين الذي خدع وتزوج هذه الأمة فأنجبت ولداً، نقول: هذا الولد هل توجد فيه علة العبودية؟ هل يطبق عليه الحكم أن يكون عبداً بسبب وجود العلة؟ نقول والله العلة وهي رق الأم التي اقتضت أن يكون عبداً موجودة، أليس كذلك؟ الولد في هذه الصورة ألا توجد فيه علة العبودية وهي أن أمه أمة رقيقة؟ نعم توجد فيه. لكن مع ذلك مع أن العلة موجودة فيه، قالوا: هو ليس عبداً، قالوا هو حر.

يعني الولد وجدت فيه علة العبودية وهي أن أمه أمة، ومع ذلك لم يوجد معها الحكم، أي وجد فيه العلة، ولكن هذه العلة لم تنتج حكمها وهي عبودية الولد، بل حُكم على هذا الولد بالحرية. لماذا أيها الأحبة؟ قالوا: لأن هذه العلة وهي علة رق الأم عارضتها علة أخرى أقوى منها في هذه الصورة، وهي ماذا؟ الغرور. الآن هذا الرجل غُرَّ، اليس كذلك؟ ما غرر أنه هذه أمة، يعرف الأمة قبل أن يتزوجها خدع بها. فبالتالي لأن الرجل غُرَّ أي خدع، حكمنا على ولده بالحرية ولم نحكم عليه بالعبودية، مع أن علة الحكم عليه بالعبودية موجودة وهي رق الأم، لكن هذه العلة لم تنتج الحكم بسبب أنها عارضتها علة أخرى أقوى منها في هذه الصورة وهي علة الغرور، وهذه العلة الأخرى الأقوى هي التي ظهر تأثيرها فأنتجت حرية الولد وليست عبوديته.

فهنا في هذه الصورة تخلف الحكم وهو العبودية عن الوصف (عن العلة) ليس لأنه هذا الوصف أو هذه العلة لا تصلح للتعليل، أليس كذلك؟ بل لأنها عورضت بعلة أخرى أقوى منها، فبطل تأثير العلة الأولى وقوي تأثير العلة الثانية، فبالتالي لا نستطيع أن نقول والله رق الأم لا يصلح علة لعبودية الولد، لأنه تخلف الحكم عن هذه العلة في هذه الصورة، بل نقول تخلف الحكم عن العلة في هذه الصورة سببه مزاحمة علة أخرى أقوى منها هي التي ظهر تأثيرها، وليس لأن العلة الأولى وهي رق الأم لا تصلح للتعليل لهذه القاعدة ابتداءً. وضحت الفكرة؟

ننتقل للصورة الثالثة والرابعة، في الحقيقة أنا أحب أن أجمعهما معاً، فنقول: إذا كان تخلف الحكم عن الوصف بسبب فوات المحل أو بسبب وجود مانع. وأنا في الحقيقة أحب هذا التعبير الثاني: إذا كان تخلف الحكم عن الوصف بسبب وجود مانع أو فوات شرط، فهذا لا يقدح في عليّة الوصف. نأخذ مثالاً على تخلف الحكم عن الوصف بسبب وجود مانع، أو بسبب فوات الشرط.

الآن أيها الأحبة، نسأل الله العافية، أب قتل ابنه قتلاً عمداً عدوانياً، القتل العمد العدواني علة أي حكم؟ القصاص. هذه علة تنتج حكم القصاص، تمام؟ الآن نأتي إلى صورة المسألة التي عندنا: أب قتل ابنه قتلاً عمداً عدوانياً، إذاً وجدت فيه العلة في الأصل أن هذه العلة تنتج الحكم وهو القصاص، لكنها في هذه الصورة لا تنتج الحكم، لا يطبق القصاص على الأب.

ما هو السبب؟ إذاً هذا يعني يا شيخ أن هذا الوصف "القتل العمد العدواني" لا يصلح علة لحكم القصاص، لأنه وجد في صورة قتل الأب ابنه ومع ذلك لم يوجد الحكم، لم ينتج لي حكم القصاص، معنى تخلف الحكم عن الوصف يعني أن هذا الوصف لا يصلح أن يكون علة.

هنا ما سبب تخلف الحكم وهو القصاص عن الوصف؟ بسبب وجود مانع وهي الأبوة، فيقول الفقهاء: الأبوة مانع من تطبيق حكم القصاص على الأب، وإن كانت العلة موجودة. ففي هذه الحالة أيها الأحبة العلة موجودة ولم تنتج الحكم، وسبب عدم إنتاج الحكم ما هو؟ وجود مانع وهو الأبوة. فالأبوة مانع يمنع هذه العلة من أن تنتج الحكم. فسبب عدم إنتاج العلة للحكم ليس لأن هذه العلة لا تصلح علة، بل بسبب عامل خارجي تدخل هو وجود مانع.

فبالتالي العلة صحيحة تطبق في جميع الصور الأخرى، لكن في هذه الصورة لا تطبق بسبب وجود مانع، فانتهى الأمر، فلا نقول باطلة بل هي صحيحة وسبب التخلف وجود مانع.

علينا أن نرتب الصورة الرابعة والأخيرة، وهي فوات الشرط. انظر أي مثال الذي عندنا؛ هذا المحل، ما معنى اصطلاحاً فوات المحل؟ هو في وقت المحل نفس القضية ومثّل بهذه القضية. فوات المحل أن الأب ليس محلاً لتطبيق القصاص عليه؛ الأب ليس محلاً، وهو في الحقيقة ما قاله بعض الأصوليين يعبّر بوجود مانع، يعني هذا ليس محلاً بسبب مانع فيه. فخلص، نعبر بسبب وجود مانع، حتى يرتبط ذهن الطالب بالأحكام الوضعية، أن الوصف سبب، والسبب شرط مانع. مش احنا قلنا السبب يوجب حكماً، لكن متى يظهر أثره فعلاً؟ مع وجود الشرط وانتفاء المانع. فإذا السبب اللي هو القتل حقيقة وجد، لكن تخلف شرط أو وجد مانع، فهل يعني هذا أن السبب ليس سبباً؟ لا، هو سبب، لكن تخلف الحكم بسبب تخلف شرط أو وجود مانع. فهي نفس الفكرة السابقة التي مرت معنا في الأحكام الوضعية، الآن بيعرضوها بطريقة أخرى في هذا الأصل الثاني.

السبب تخلف الحكم عن الوصف بسبب فوات شرط؛ ايش مثال الزنا، أيها الأحبة؟ الزنا ينتج حكماً وهو الرجم. صح، الزنا إذا واحد زنى، الزنا ينتج حكماً هو الرجم. لكن لو كان الزاني بكراً هل سيطبق عليه حد الرجم؟ لا، لماذا؟ لأنه شرط هذه العلة حتى تؤثر وتنتج هذا الحكم وهو الرجم، وجود الإحصان، ممتاز؟ فإذا كانت الصورة التي عندي أن الذي زنى شاب غير محصن، هنا هذه العلة لن تنتج هذا الحكم وهو الرجم، ما هو السبب؟ بسبب تخلف الشرط، أليس كذلك؟ وهذا واضح أيها الأحبة، يتعلق بالأحكام الوضعية القديمة، أنه الزنا سبب، لكن حتى ينتج هذا السبب الحكم يجب وجود الشرط، وهو الإحصان. إذا ما وجد الشرط، هل هذا السبب، وهي الزنا، ستنتج لي الحكم؟ لا، ليس لأنه هذه العلة لا تصلح لأن تكون علة للحكم، أو ليس لأنه هذا الوصف لا يصلح أن يكون علة للحكم، بل هو يصلح، لكن هنا في هذه الصورة إنما لم ينتج الحكم بسبب ايش؟ تخلف الشرط عنه، فهو يؤثر لكن مع وجود الشرط، تخلف الشرط عمن يؤثر. فهل عدم تأثيره بسبب تخلف الشرط دليل على أن لا علمية أو لا يجب أن يكون وصفاً؟ لا، يصلح أن يكون وصفاً، ويصلح هذا الوصف أن يكون علة، لكن لماذا في هذه الصورة لم يطبق ولم ينتج لي الحكم؟ لعدم تحقق الشرط.

فبالتالي هذا الكلام منطقي أيها الأحبة، لا حكم، كيف؟ أنه إذا كان تخلف الحكم عن الوصف بسبب استثناء شرعي خاص، مسألة المصابة، أو بسبب معارضة علة أخرى للوصف هي أقوى منها، أو بسبب وجود مانع أو فوات شرط، في هذه الأحوال تخلف الحكم عن الوصف لا يقدح في كون الوصف علة. أما إذا كان تخلف الحكم عن الوصف في الصورة بسبب آخر غير هذه الأسباب، فقالوا هذا دليل على أن هذا الوصف لا يصلح للعلية. هذا دليل على أن هذا الوصف لا يصلح لأيش؟ للعلية. نأخذ مثالاً على تخلف الحكم عن وصف في غير هذه الصور الثلاث أو الأربع، وبالتالي سيكون دليلاً على بطلان التعليل.

الآن أيها الأحبة، لو قال لك لو سألك سائل: وجوب الزكاة في المواشي، ما هي علتها؟ هذا حكم، أليس كذلك؟ هذا حكم، ما علة هذا الحكم برأيكم؟ نتأمل، لماذا الله سبحانه وتعالى علل؟ لماذا أوجب الله الزكاة في المواشي في الغنم والبقر والإبل؟ فجاء شخص قال: علة وجوب الزكاة في المواشي سد حاجة الفقراء. بالضبط، قال لماذا ربنا أوجب الزكاة في المواشي؟ بنقول ايش العلة؟ قال لسد حاجة الفقراء، نقول له طيب. الآن أيها الحبيب، هل تجب الزكاة في الجواهر الثمينة مثل العقيق والأحجار الكريمة والألماس اللي سعرها ملايين ومليارات؟ تقول الأحجار الكريمة والألماس والجواهر النفيسة توجد فيها هذه العلة، نستطيع هي سد حاجة الفقراء، يعني لو واحد باع عنده حجر ألماس، هو بجوز يغني حيّاً كاملاً، صح ولا لا؟ هذه الأحجار الكريمة والألماس توجد فيها هذه العلة سد حاجة الفقراء من خلالها، لكن هل تجب فيها الزكاة؟ ما تجب فيها الزكاة، يعني شبه اتفاق أنه ما في زكاة في هذه الأحجار الكريمة والألماس. آه، لاحظت أنه أنت جعلت العلة في وجوب الزكاة في المواشي ايش هي؟ العلة التي تنتج الحكم، سد حاجة الفقراء، هي التي أنتجت الحكم وجوب الزكاة في المواشي، صح؟ الآن هذه العلة وجدت في صورة أخرى لكنها لم تنتج الحكم، هل سبب تخلف الحكم عن هذه العلة استثناء شرعي؟ لا، فش استثناء شرعي للألماس على خلاف القواعد. هل تخلف الحكم عن هذه العلة بسبب مزاحمة علة أخرى أقوى منها؟ لا يوجد. هل بسبب عدم وجود عفواً تخلف شرط أو وجود مانع في هذه الصورة؟ لا، بالتالي هنا تخلف الحكم عن العلة مع عدم وجود صورة من الصور الثلاثة السابقة، فهذا دليل على أن هذه العلة وحدها لا تصلح للتعليل، تخلف الحكم عنها فدل ذلك على بطلان هذا الوصف، وأنه لا يصلح للتعليل. طيب إذا كان الشيخ بدنا نعلل، فلا بدك تعلل بوصف مضطرد يصلح للتعليل، هذا هو اسمه، بدك تعلل بوصف مضطرد.

الآن ايش يقول بعض الفقهاء؟ يقول أن في وجوب الزكاة في المواشي ليس فقط سد حاجة الفقراء، بدك تجيب علة أخرى أتقن منها، قالوا إنه المواشي، طبعاً هذا فيه عرف الأقدمية، في عرف الصحابة والأجيال الأولى قبل ما تحدث هذه الثروة الصناعية، فإنت ايش يا مولانا تسع أيام يعني لا تطبق عليه. هم يقولون المواشي هذه من الأموال الظاهرة، صح؟ اللي الفقراء بيشوفوها في الحظائر والحدائق، الكل يطلع عليها، فتتعلق نفس الفقير بها، فلذلك أوجب ربنا الزكاة فيها. بينما شوف الأحجار الكريمة والألماس وكذا، هل هي من الأمور الظاهرة اللي كل الناس بتشوفها؟ اللي بتلاقي الحجة والختيارة حافرة إلها تحت الأرض حفرة ودازنيتها، يلا ليشوفوها، صح ولا لا؟ فإذاً قالوا وجوب الزكاة في المواشي ليس فقط سد حاجة الفقراء، ممكن تكون بسبب علة وجوب الزكاة في المواشي أنها من الأموال الظاهرة التي تتعلق بها نفوس الفقراء، هذه العلة الأدق. بالتالي أنها من الأموال الظاهرة التي تتعلق بها نفوس الفقراء؛ المواشي موجود فيها هذه العلة نفوس الفقراء، ووجد فيها الحكم وجوب الزكاة.

لكن طيب نأتي إلى هذه الأحجار الكريمة والألماس وما شابه ذلك، هل هي من الأموال الظاهرة التي تتعلق بها نفوس الفقراء؟ لا، ليست من الأموال الظاهرة، بالتالي لن تنتج الحكم، ممتاز، إذا هذه العلة مضطردة، متى ما وجدت وجد الحكم معها، ومتى تخلفت تخلف الحكم. عشان هيك ربنا أوجب الزكاة في الحبوب وفي الزروع والثمار، أنها أموال ظاهرة الكل بيشوفها، أوجب الزكاة في النقود لأن نوعاً ما فيها أثمان، أوجب الزكاة في عروض التجارة، إنه الكل بيشوفها، الفقير بدخل ما شاء الله، فلان عنده أسطول سيارات ضخم، آلاف السيارات تتشوفها النفوس، لكن العناوين الزكوية اللي ربنا أوجب فيها الزكاة، تجدها أموالاً ظاهرة بشكل عام يعني في جلها تتعلق بها حاجة الفقراء أو نفوس الفقراء، فأنتجت الحكم هي وجوب الزكاة. بينما متى تخلفت هذه العلة عن الصور الأخرى تخلف عنها بالحكم، ففي الأموال غير الظاهرة الخفية التي لا تتعلق بها نفوس الفقراء لم يوجد الحكم معها، فتصلح هذه للتعليل، بينما العلة الأولى التي هي سد حاجة الفقراء فقط وسكتت، هذه لا تصلح للتعليل، لأنها توجد في أموال أخرى مع أن هذه الأموال لا تجب فيها الزكاة، فإذاً هذه العلة غير مطردة، وسبب عدم الاطراد ليس الصور الأربع السابقة، بالتالي هذه العلة لا تصلح الوصف لا يصلح للتعليل، تمام أيها الأحبة؟ إذاً شو الخلاصة يا شيخ؟ هل الاطراد شرط من شروط الوصف حتى يكون علة ولا لا؟

بنقول لك في ثلاثة أقوال: هناك قول يقول لازم تطرد العلة في جميع الأحوال ولا يتقبل أي استثناء، فتخلفت متى تخلف الحكم عن العلة أو عن الوصف في أي صورة، فهذا دليل على عدم صلاحيته للتعليل، هذا رأي. الرأي المقابل لا، مفتوح تماماً، يقول ليس من شرط العلة الاطراد، بل يمكن أن تكون العلة يظهر تأثيرها في الحكم في صور معينة وفي صور أخرى لا يظهر تأثيرها، بالتالي هذا الرأي الثاني، صاحب الرأي الثاني هل عنده مشكلة في تعليل وجوب الزكاة في المواشي بسد حاجة الفقراء؟ ما عنده مشكلة، لماذا؟ لأنه لا يرى من شرط العلة الاطراد، بالتالي نعم وجوب الزكاة بالمواشي بسبب حاجة الفقراء، الجواهر والألماس توجد فيها هذه العلة ولم يوجد الحكم، لا مشكلة، لأنه ليس من شرط العلة الاطراد، وهو في رأيي، عن رأي العبد الفقير، ومن أعدل الأقوال أن نقول: إذا كان تخلف الحكم عن العلة أو عن الوصف لسبب استثناء شرعي، أو بسبب مزاحمة علة أخرى أقوى منها، أو بسبب وجود مانع أو فوات شرط، في هذه الحالة تخلف الحكم عن العلة ليس دليلاً على عدم صلاحية الوصف للتعليل، أما إذا كان تخلف الحكم عن الوصف لغير هذه الأسباب الأربع، بالتالي هو يقدح في صلاحية الوصف للتعليل، والله تعالى أعلم. انتهينا من قضية الاطراد هذا الشرط.

نذهب من الشرط الأخير أو قبل الأخير الذي شرطه عبد المؤمن البغدادي وهو التعدية. لماذا قلت قبل الأخير يا شيخ؟ ما هو السابع؟ في الحقيقة هناك شرط ناقشه عبد المؤمن البغدادي ولم يجزم بشرطيته وهو شرط الانعكاس، وهذا يجعلوه، أنا في الحقيقة طب خلينا نروح للانعكاس أحسن وإذا نكمل في التعدية. طب مشايخ، خلونا ننتقل معاً إلى شرط الانعكاس، لأنه في الحقيقة له علاقة بالاطراد ولا أريد الأفكار أنها تنقطع، نترك التعدية الآن، الآن سنتكلم عن التعدية، أليس كذلك؟ نقفز على التعدية ونقفز عن انتقاله وإن كان حكماً شرعياً فالمحققون يجزون النية إلى آخره، اذهبوا إلى قوله: ثم هل يشترط انعكاس العلة؟ اذهبوا إلى هنا، لأنه الآن الانعكاس له علاقة بالاطراد لكنه مقابل له.

الانعكاس مقابل للاطراد، ما هو الانعكاس؟ احنا قلنا ايش الاطراد يا مشايخ، ايش الاطراد؟ ما معنى الاطراد؟ لا بالنهاية بس بدي العبارة الآن، احفظوا لي إياها بهذه الصورة الدقيقة التي تكلمنا عنها في المحاضرة السابقة، الاطراد متى وجدت العلة وجد الحكم، ومتى فقدت العلة فقد الحكم، فإذا وجدت العلة ولم يوجد الحكم هذا نقض، هذا الاطراد تمام. الآن ننتقل إلى الانعكاس، قال عبد المؤمن هل يشترط انعكاس العلة؟ قال فعند المحققين لا يشترط مطلقاً، والحق أنه لا يشترط إذا كان له علة أخرى، أولاً ما معنى الانعكاس؟ هذا مقابل للاطراد، اكتبوا عندكم أيها الأحبة إذا وجد الحكم، لاحظوا التعبير سيختلف، في تشابه لكن التعبير نفس التعبير في انعكاس، واسمه انعكاس، ونفس التعبير بانعكاس، إذا وجد الحكم وجدت العلة، وإذا انتفى الحكم انتفت العلة، فإذا وجد الحكم ولم توجد العلة فهل هذا يقدح في التعليل؟ نلاحظ الآن، هل هذا هو السؤال؟ اختلفت القضية. الآن في الاطراد ايش ثم نقول؟ الاطراد حتى الطالب يلاحظ الفرق، مش مشكلة القصة، الاطراد بدنا نقول إذا وجدت العلة، هي جملة الشرط، جملة جواب الشرط وجد الحكم؛ إذا انتفت العلة انتفى الحكم. فالسؤال إذا وجدت العلة ولم يوجد الحكم فهل هذا يقدح في العلة؟ هذا كله ايش؟ في الاطراد، مش هيك كنا نحكي قبل قليل؟ إذا وجدت العلة ينبني عليها وجود الحكم، وإذا انتفت العلة ينبني عليها انتفاء الحكم. فالسؤال إذا وجدت العلة ولم يوجد الحكم فهل هذا يقدح في العلمية؟ هذا هو الاطراد اللي أجبنا عنه بالأقوال الثلاثة.

مقابل الاطراد الانعكاس، ما هو الانعكاس؟ ستختلف جملة الشرط وهذا ربما أخذناه في المنطق فيما يسمى العكس المستوي، أخذناه في السلم المنورة عندما تكلمنا عن قضية العكس المستوي، كيف تجعل التالي مقدماً والمقدم تالياً؟ المهم الآن الانعكاس إذا وجد الحكم بدها تكون العلة موجودة، وجدت العلة. تمام، إذا انتفى الحكم تروح مع العلة انتفت العلة. فالسؤال الوارد في الانعكاس إذا وجد الحكم، عكس السؤال بالضبط، إذا وجد الحكم ولم توجد العلة فهل هذا يقدح في التعليل؟ خلاص يعني إلى آخره، لأنه لاحظوا السؤال بالعكس الآن، أصبح في حالة الانعكاس، ايش السؤال بحالة الانعكاس؟ إنه المنطق الحكم إذا وجد الحكم في صورة والعلة هي التي تخلفت، فهل هذا يعني أن الوصف لا يصلح للتعليل؟ بالعكس السؤال، أليس كذلك؟ سؤال الاطراد إذا وجدت العلة والحكم هو الذي لم يوجد، سؤال الانعكاس بالعكس، إذا وجد الحكم والعلة هي التي لم توجد، فهل هذا دليل على أن الوصف لا يصلح للتعليل؟ ايش قال عبد المؤمن؟ قال عبد المؤمن لا يشترط، قال المحققون أو فعند المحققين لا يشترط مطلقاً. جيب الكاميرا أخي الكريم، قال فعند المحققين لا يشترط مطلقاً، ليس الانعكاس شرطاً، لا أظن هو عدّ الاطراد شرطاً، لأنه الآن تذكر لما عدّها سرد شروط العلة الوصفية ايش قال؟ تكون وجودية، ظاهرة، منضبطة، مناسبة، معتبرة، مضطردة، متعدية. ذكرت سبعة لما جاء على الانعكاس، أتى استفهام، ما عنده شرط من شروط العلة، ايش أداة؟ قال هل يشترط الانعكاس؟ قال عند المحققين، هو شوف إذا قال عند المحققين معناه أنه يتولى هذه النظرة، أنه لا يشترط، قال لا يشترط مطلقاً.

ما معنى لا يشترطون مطلقاً؟ وما معنى مطلقاً؟ أي سواء كان الحكم له علتان تنتجه أو علة واحدة؛ لا أريد أن أضيق واسعاً. سواء كان الحكم له أكثر من علة تنتجه أو كان له علة واحدة تنتجه. فعند المحققين لا يشترط مطلقاً، أي سواء كان الحكم له علة تنتجه أو علة واحدة فقط هي التي تنتجه.

سأعيد الكلام، فالحق أنه لا يشترط إذا كان له علة أخرى، فهو أخذ رأياً مفصلاً. قال: والحق أنه لا يشترط إذا كان له علة أخرى. فالآن أيها الأحبة، ما رأي عبد المؤمن البغدادي رحمة الله تعالى عليه في هذا الشرط، شرط الانعكاس؟ قال: فعند المحققين لا يشترط مطلقاً. ما معنى مطلقاً؟ أي سواء تعددت العلل التي تنتج الحكم أو كانت علة واحدة فقط هي التي تنتج هذا الحكم؛ هذا معنى مطلقاً. قال: عند المحققين، لهذا هو القول الأول في المسألة. عند المحققين لا يشترط مطلقاً، أي ليس الانعكاس شرطاً من شروط العلة. بالتالي إذا وُجد الحكم وتخلفت العلة، فهذا لا يقدح في عليتها.

الرأي الثاني هو الذي يتبناه حين قال: والحق أنه لا يشترط إذا كان له علة أخرى، أي إذا كان الحكم له عدة علل تنتجه، في هذه الحالة الصحيح أن الانعكاس ليس شرطاً. أما إذا كان الحكم لا توجد إلا علة واحدة فقط تنتجه، بالتالي يكون الانعكاس شرطاً، وهذا من خلاله سيدخل إلى مسألة: هل يجوز أصلاً تعليل الحكم بعلتين ولا لا؟ وهي مسألة معروفة. لكن نحن نريد أن نفهم ماذا يعني أن حكماً له عدة علل تنتجه أو علة واحدة تنتجه.

الآن أيها الأحبة بمثال سهل، ترى المسألة سهلة: وجوب الوضوء، ما الذي يوجبه؟ متى يجب عليك أن تتوضأ؟ لدخول الصلاة. وأيضاً مس المصحف، وأيضاً الطواف؛ أليس كذلك؟ الآن الحكم واحد وهو وجوب الوضوء، كم علة أنتجته؟ هذه عدة علل.

الآن أيها الأحبة، انتقاض الوضوء، ما الذي يسبب انتقاض الوضوء؟ كم ناقض عند الحنابلة؟ عندنا ثمانية نواقض، صح؟ الآن لو قلت لك انتقاض الوضوء، ما الذي يسببه؟ هذا هو الحكم، وأنا أحب استخدام عبارة الفقهاء. انتقاض الوضوء ما الذي يسببه؟ مثلاً مس الذكر، الخارج من السبيلين، زوال العقل، تغسيل الميت، أكل لحم الجزور، لاحظوا كم علة لإنتاج هذا الحكم؟ كلياتها تنتج حكماً واحداً. لكن لو سألتك القصاص، ما الذي ينتجه؟ القتل العمد العدوان، هذا القصاص علة واحدة، سوى ذلك لا يوجد. القصاص ما في إلا من قتل. فلاحظوا أن أحكام الشريعة منها ما يمكن أن تنتجه أكثر من علة، ومنها أحكام لا تنتجها إلا علة واحدة.

الآن عبد المؤمن لما تكلم عن موضوع الانعكاس، قال: هل الانعكاس شرط من شروط العلة، بالتالي إذا وجد الحكم ولم توجد العلة فهذا يعني أنها لا تصلح للتعليل؟ قال عند المحققين: ليس شرطاً أبداً، سواء كان الحكم من النوع الأول الذي له عدة علل تنتجه، أو كان الحكم من النوع الثاني الذي له علة واحدة فقط تنتجه. والآن عبد المؤمن قال هذا القول الأول في رأي المحققين، قال الرأي الآخر الذي يتبناه: والحق أنه لا يكون شرطاً إذا كان الحكم له أكثر من علة، أما إذا كان الحكم له علة واحدة فقط تنتجه، يكون الانعكاس شرطاً مثل الاضطراب.

فلنأخذ أمثلة: الآن انتقاض الوضوء، ما علته؟ نأخذ واحدة منها مس الذكر. هل يمكن أن يوجد الحكم وهو انتقاض الوضوء مع عدم وجود هذه العلة وهي مس الذكر؟ ممكن بسبب علة أخرى وهي مثلاً تغسيل الميت، أو بسبب الخارج من السبيلين، أو بسبب زوال العقل. إذاً هنا وُجد الحكم مع تخلف العلة، ولكن هذا متفق عليه، لأنه توجد علل أخرى تستطيع أن تنتج هذا الحكم. لكن الإشكالية الكبرى في الحالة الثانية، وهي إذا كان الحكم له علة واحدة فقط تنتجه، مثل القصاص، فهل يمكن أن يوجد القصاص وهو الحكم مع عدم وجود العلة وهي القتل العمد العدوان؟ هذه مشكلة. فهو يقول لك رأي المحققين إنه ممكن، لكن عبد المؤمن ليس معه، عبد المؤمن يقول: لا، الانعكاس شرط في هذه الحالة. عبد المؤمن يرى أن الانعكاس في هذه الحالة شرط من شروط العلة؛ لأن الحكم لا تنتجه إلا واحدة، فكيف يوجد الحكم مع تخلف العلة؟ إذا وُجد الحكم مع تخلف العلة معناه أن العلة أصلاً خطأ؛ فليس هذا هو العلة، وأنتم أخطأتم في تحديدها، ويجب أن نفرد علة أخرى تنضبط وتنعكس. أما في الصورة الأولى فهذا ليس مشكلة أن يوجد الحكم ويتخلف عنه العلة لأنه يمكن أنه موجود بسبب علة أخرى.

هل وضحت الفكرة الآن برأي المحققين؟ الذين قالوا حتى في الصورة الثانية، وهي أن الحكم ليس له إلا علة واحدة، إذا وُجد الحكم وتخلفت عنه العلة فهذا لا يدل على التعليل بها، فليس الانعكاس شرطاً أبداً سواء كان الحكم له عدة علل أو علة واحدة. هنا واضح رأيهم أنهم يوافقوننا، لكن في الجزئية الثانية هنا المريب، أنه حكم لا تكسره إلا علة واحدة هي التي تنتجه، كيف يوجد الحكم ولا توجد معه العلة؟ معناها إذا وُجد الحكم ولم توجد معه العلة -أنا مع عبد المؤمن- معناته العلة خطأ.

المحققون طبعاً هذا الكلام الذي قال بهذا الرأي، أنت سميته محققين، هي تسميات أصولية لا تعبر عن صحة رأيها، والمصحح هو الدليل. الآن برأيكم ما سيكون وجهة نظرهم في هذه الحالة؟ كيف يوجد حكم مع أن علته غير موجودة وتكون العلة صحيحة؟ فاهمين أنتم كيف الفكرة؟ هم يقولون أيها الأحبة هذا يرجع لفهم فلسفة العلة ابتداءً، هم يقولون العلة ليست هي الباعث على الحكم، وإنما هي مجرد أمارة ومؤشر على وجود حكم، فبالتالي يمكن أن تروح الإشارة أو الأمارة وإذا بقي الحكم موجوداً ما في عندنا مشكلة. أنتم فاهمين؟ هم يقولون العلة في مفهومنا الإشارة، أنه العلة ليست هي باعثاً على الحكم، أي الحكم لا يوجد بسببها، وإنما نظرتنا للعلة ابتداءً أنها مجرد مؤشر، أمارة على أن هناك حكماً موجوداً ولكني لست أنا من أوجده، أنا فقط مؤشر على وجوده ولست مؤثراً. بالتالي يمكن أن يوجد الحكم ولا يوجد المؤشر، بهذا التفكير منطقي أنكم أصلاً بوجهة نظركم أن العلة ليست هي المؤثر، ليست هي الباعث، صح؟ فبالتالي مجرد مؤشر علامة، لو أنا شفت العلامة هل معناه الشيء ذهب مع إشارة العلامة؟ لا، الشيء موجود لكني أزحت التي تؤشر على وجوده، وهذا كلام خطأ طبعاً.

إذا ليست العلة هي الباعث، وليست مؤثرة على وجود الحكم، بالتالي إذا فُقدت العلة، عفواً، إذا وُجد الحكم ولم توجد معه العلة، وهذا الحكم لا تنتجه إلا واحدة، بالتالي نقول التعليل بهذه العلة لا يصلح، ممتاز؟ إذا كان عندنا حكم وُجد، ونحن فرضنا له علة معينة لا يوجد غيرها، إذا وُجد هذا الحكم مع أن هذه العلة الوحيدة التي فرضناها غير موجودة، معناتها هذه العلة ليست صحيحة، عبد المؤمن البغدادي مع الجزئية، وأنا لا أوافقهم؛ لأنهم هم أصلاً يبنون هذا على أن العلة هي مجرد أمارة ومؤشر وليست مؤثرة، فبالتالي يمكن أن يذهب المؤشر والأمارة ويبقى الحكم موجوداً، لا إشكال عنده بناءً على هذه الفكرة.

تمت أيها الإخوة، وضحت الفكرة تماماً؟ إذاً هناك رأيان ذكرهما عبد المؤمن البغدادي في اشتراط الانعكاس، قال الرأي الأول: لا يشترطون الانعكاس مطلقاً، سواء كان الحكم له علة واحدة أو له عدة علل تنتجه. الرأي الثاني وهو الذي يتبناه عبد المؤمن، وقليلاً ما يعبر عبد المؤمن ويقول: والحق، صح؟ يعني كلمة قوية منه الآن، هو قليل ما يستخدم هذا الأسلوب، "والحق" يعني الذي يجب اتباعه، يريد أن يقول: إذا كان الحكم له عدة أسباب تنتجه نعم هنا لا نشترط الانعكاس، لكن إذا كان الحكم ليس له إلا واحدة تنتجه هنا تشترط الانعكاس، وضحت وجهة نظر عبد المؤمن وهو الحق الذي نقول به، والله تعالى أعلم.

الآن من خلال شرط الانعكاس من خلال الكلام عن شرطية الانعكاس، سيقودنا عبد المؤمن للحديث عن مسألة وهي أصالة، هل يجوز أن يعلل الحكم بعلتين؟ ايش رأيكم يا مشايخ؟ يعني الآن أرجع على السبورة يا شيخ، الآن الواحد يرجع يستدعي القضية، الآن هل يجوز؟ هذا سؤال الطموح وهو سؤال مهم جداً في علم الأصول، هل يجوز أن يعلل حكم بعلتين؟ يعني الآن انتقاض الوضوء على هذا الموضوع، هل يجوز أن يعلل الحكم بعلتين؟ الشخص مس ذكره، مثلاً أخرج دماً كثيراً، هذه أيضاً من نواقض الوضوء عند الحنابلة، خروج النجس الكثير من البدن. الآن هل يجوز؟ هذا هو السؤال، هل يجوز؟ هذه مسألة جديدة، قادم إليها، المسألة السابقة مسألة: هل يجوز أن يعلل أصالة الحكم بعلتين ولا لا؟

فهل يجوز أن أقول انتقاض الوضوء، شخص هكذا تفرض المسألة، شخص مس ذكره وخرج منه دم كثير، هل يجوز أن نعلل هذا الحكم بكلتا العلتين؟ فأقول: هذا الحكم الذي أدى إليه مس الذكر وخروج الدم الكثير، والحكم لا يجوز أن ينتج إلا عن علة واحدة، فهمتم السؤال؟ فنفس الوقت، آه، ففي نفس الوقت هكذا السؤال، رجل انتقض وضوءه، قلنا ايش ارتكب هو؟ قال هذا مس ذكره، وأخرج دماً كثيراً، وأكل لحم جزور، هل يجوز أن يكون الحكم الواحد نتج من أكثر من علة ولا لا يجوز؟

الآن انظر، من يرى أن العلل ليست مؤثرة بل هي مؤشرات وعلامات على وجود حكم، برأيكم هل يكون عنده مشكلة في تعليل الحكم الواحد بعلتين وثلاثة وخمسة وعشرة؟ ما راح يكون عنده مشكلة؛ لأنها مؤشرات، أنا ممكن أضع للشيء الواحد أكثر من علامة تدل عليه، صح؟ لكن عند الطرف الثاني -ونحن نتبنى النظرة الأخرى- أن العلل ليست مجرد مؤشرات، بل هي مؤثرة في الأحكام، مؤثرة طبعاً بجعل الله سبحانه وتعالى في الأحكام. عند الطرف الآخر الذي يرى أن العلل ليست مجرد أمارات ومؤشرات، بل هي مؤثرة في إنتاج الحكم الشرعي، هؤلاء اختلفوا، فمنهم من قال الحكم الواحد لا يجوز أن تنتجه أكثر من علة، ومنهم من قال: لا، ما عندنا مشكلة، الحكم الواحد يمكن أن تنتجه أكثر من علة في الوقت الواحد، وهناك أقوال أخرى. سأذهب الآن إلى عبد المؤمن البغدادي لأرى وجهة نظره في هذا الموضوع، لأرى وجهة النظر التي يطرحها في هذا الموضوع، لكن أنا باختصار أريد أن أقول: من جعل العلل هي مجرد أمارات وعلامات وليست مؤثرة ما عنده مشكلة، لكن من يراها مؤثرة هو الذي سيحدث عنده الإشكال أو سيحدث عندهم الخلاف. فماذا قالوا؟ نذهب إلى عبد المؤمن؟ انظر ماذا يقولون.

قال عبد المؤمن في هذه المسألة: وتعليل الحكم بعلتين في محلين أو زمانين جائز اتفاقاً. ما حدا ينازع في هذه الحالة، تعليل الحكم بعلتين في محلين أو زمانين جائز اتفاقاً. ايش لنا مثال؟ سيذكر مثالاً على محلين ومثالاً على زمانين، أو عفواً يذكر مثالاً على زمانين، وأنا سأذكر مثالاً على محلين. قال: مثال تحريم وطء الزوجة. هذا الحكم ما الذي يسببه أكثر من علة؟

تحريم وطء الزوجة تارة يكون للحيض، وتارة يكون للإحرام. هل المرأة المحرمة يجوز لزوجها وطؤها أثناء إحرامها للحج والعمرة؟ لا يجوز حتى يخلصوا. فالآن تحريم وطء الزوجة هذا حكم ممتاز، يمكن أن ينتجه الحيض، ويمكن أن ينتجه في زمن آخر، أو في وقت آخر وهو الإحرام. فهنا لا مشكلة أن نقول هذا الحكم الواحد في زمن معين كان موجوداً بسبب الحيض، ونفس هذا الحكم كان موجوداً في زمن آخر بسبب عامل آخر وهو الإحرام. فإذا كان الحكم أكثر من علة تسببه لكن كل علة ظهر أثرها في زمن مختلف عن الأخرى، فلا مشكلة.

نأخذ مثالاً على الصورة الأولى، أن يكون تأثير العلل في أكثر من محل. الآن عندنا حكم وهو القتل، القتل في الشريعة الإسلامية أكثر من شيء ممكن أن يؤدي إليه أو يسبب تطبيق القتل؛ إما ردة، فإذا ارتد شخص يقتل، وإذا زنى شخص يقتل وكان محصناً طبعاً بالشروط، وإذا قتل شخصاً آخر اللي هو القصاص يقتل. فإذاً القتل كحكم شرعي، وجوب القتل، يمكن أن أكثر من علة تنتجه في الشريعة، اليس كذلك؟ فإذاً هذا الحكم له أكثر من علة. هل يمكن للحكم الواحد أن تنتجه أكثر من علة؟ قال إذا كان في محلين ما في مشكلة باتفاق أيضاً.

كيف في محلين؟ نقول الآن زيد يجب قتله، ما هي العلة؟ لأنه زنى وكان محصناً. طيب عمرو يجب قتله، ما هي العلة؟ لأنه ارتد. تلاحقوا حكماً واحداً وهو وجوب القتل سببته أكثر من علة. في الحالة الأولى كان الزنا، الحالة الثانية كان بسبب الردة، لكن هنا كان في أكثر من محل، الأول زيد والمحل الثاني كان عمرو، فتعدد المحل وليس في محل واحد.

لاحظوا يا أحبة، القتل كحكم شرعي وجوب القتل في الشريعة الإسلامية، متى نقتل الناس؟ المسلم يقتل في حالة ردة، أو في حالة زنا وكان محصناً، أو في حالة قتل عمداً عدواناً. الآن هل يمكن أن تتعدد العلل وتنتج نفس الحكم في وقت واحد؟ في وقتين ما عندنا مشكلة، لكن في مسألة الوطء كان مثالاً صحيحاً أن تحريم وطء المرأة له أكثر من سبب، ممكن في زمن يكون محرماً بسبب الحيض، وفي زمن آخر هذا الحكم موجود لكن بسبب الإحرام. لكن هنا سيأخذ مثالاً أن حكماً واحداً عُلل بعلتين ويجوز أن يعلل بعلتين بسبب اختلاف المحل.

الآن عندنا زيد وعندنا عمرو، إذا الاثنين راح يقتلوا في نفس الساعة، في نفس الوقت. الآن على زيد، أسألني ليش بدكم تقتلوه؟ ما هي علة قتله؟ وجوب قانون يجب قتله، ما علته؟ قالوا زنى. اجينا على عمرو، قلنا ليش بدكم تقتلوه؟ قالوا بسبب علة أخرى وهي مثلاً قتل عمداً عدواناً، أنه قتل شخصاً عمداً عدواناً بدنا نقتله مقابل ذلك. فلاحظوا الحكم واحد، وجوب القتل هنا وهنا، لكن تعددت علله بسبب تعدد المحلات، فزيد هذا محل واحد، وعمرو هذا محل اثنين. فإذا كان الحكم الواحد عُلل بأكثر من علة بسبب تعدد محله أو بسبب اختلاف أوقاته، مسألة المرأة، ما عندنا خلاف باتفاق جميع العلماء.

الآن وين المشكلة بتصير؟ أن حكماً واحداً يُعلل بأكثر من علة في زمن واحد ومحل واحد. الآن مش زيد وعمرو بس، في عمرو محل واحد وفي زمن واحد أكيد، شفنا السجان بده يقطع رأس عمر، قلنا له ليش بدك تقطع رأس عمر؟ قال هذا يجب قتله، هذا حكم أصدرت عليه حكم وجوب القتل. ما علة هذا الحكم؟ هل يجوز هنا أن يفسر بأكثر من علة؟ يقال لأنه قتل عمداً عدواناً ولأنه ارتد عن دينه، ولا لا يجوز تفسير الحكم هنا إلا بعلة واحدة فقط وهي مثلاً الردة أو قتل العمد عدواناً؟ نقول في هذه الصورة عندي حكم ومحل واحد وزمن واحد، هذا الحكم في المحل الواحد في الزمن الواحد يمكن أن تنتجه أكثر من علة، هذا موطن الخلاف.

نرجع للبغدادي الآن، عبد المؤمن قال تعليل الحكم الواحد بعلتين في محلين زيد وعمرو، أو زمانين المرأة زمن الحيض وزمن الإحرام، جائزة باتفاق. طيب وعرفنا الأمثلة، نيجي على الحالة الثانية. قال أما مع اتحاد المحل أو الزمن فالأشبه بقول أصحابنا، وهو قول بعض الشافعية، أنه يجوز. الحنابلة أن هذا جائز، فبصير نحكي إن السياف راح يقطع رأسه، قلنا ما هي علة قطع رأسه؟ قال علتان، لأنه ارتد ولأنه قتل نفساً عمداً عدواناً. طيب الآن إيش رأي عبد المؤمن البغدادي؟ خلونا نمشي مع عبد المؤمن البغدادي، لم يصدح برأيه. قال إذاً الرأي الأول وهو قال ومن أشبه بقول أصحابه أنه يجوز. فبصير أحكي في حالة مثلاً شخص انتقض وضوؤه، قلنا له ما سبب انتقاض وضوئك؟ قال بسبب أمرين، لأني مسست ذكري ولأني خرج مني دم كثير. هذا تعليل حكم واحد بعلتين مع أن الزمن واحد والمحل واحد، هو نفسه شخص واحد.

هل يجوز أن هذا الحكم الواحد اللي في المحل الواحد اللي هو نفسه هذا الشخص اللي في الزمن الواحد يُعلل بعلتين؟ على رأي الحنابلة يجوز. الآن رأي آخر ذكره عبد المؤمن قال وقيل يضاف إلى أحدهما. هذا الرأي الثاني، هذا الشخص اللي انتقض وضوؤه لو قلنا له ما سبب انتقاض وضوئك؟ يجب أن يعطينا علة واحدة، يقول مسست ذكري، أو يقول خرج مني دم كثير، ما بصير يُعلل بعلتين. وهذا السياف أخونا بنقول له ليش بدك تقطع رأسه؟ بده يعطينا علة واحدة، ما بصير يعطينا علتين على وجهة النظر الثانية. قال الآن وجهة نظر ثالثة، والصحيح المتقدم زمناً، فإن اتحد الزمن يُعلل بهما مع التكافؤ في القوة، وإلا فالأقوى.

سأعيد ترتيب عبارة عبد المؤمن البغدادي لأن العبارة أشعر فيها تقديماً وتأخيراً يخل بفهم المعنى المراد. قال والصحيح المتقدم زمناً، فإن اتحد الزمن بهما مع التكافؤ في القوة، وإلا فالأقوى. ما معنى ذلك؟ الآن نأتي لهذا الشخص صاحبنا اللي انتقض وضوؤه، سألنا ما سبب انتقاض وضوئك؟ على رأي عبد المؤمن البغدادي ماذا يجب أن يجيب؟ أولاً ننظر، لا يجوز له مباشرة أن يجيب بسببين، ننظر أي السببين كان متقدماً. هو كان أكثر من شغلة عملها انتقضت الوضوء، هل يُعلل بكل العلل؟ نقول له انتظر، أي الأسباب كان مقدماً؟ أنت أولاً مسست ذكرك ولا أولاً خرج منك دم كثير زمناً؟ قال لا أول شيء مسست ذكري، نقول هو العلة، ما بتُعلل بعلتين. فإذا كان أكثر من علة تنتج حكماً واتحد المحل ننظر في أيهما مقدم من الناحية الزمنية ما وقع أولاً، فنضيف الحكم إلى المتقدم زمناً.

بالنسبة لهذا اللي بده ينقطع رأسه، ماذا بدنا نُعلل؟ نشوف هو ارتد أولاً ولا قتل عمداً عدواناً أولاً؟ لا أول شيء قتل عمداً عدواناً، بنقول خلاص إذاً وجوب القتل بسبب هذه العلة. إذاً ننظر إلى المتقدم زمناً من هذه العلل. الآن إذا وقعت في نفس الوقت، ما في شيء متقدم زمناً، الاثنين وقعوا في نفس الوقت، نفرض فرضاً أن هذا الشخص اللي انتقض وضوؤه مس ذكره وخرج منه الدم الكثير في نفس الوقت، ما في تقدم زمن.

بأيهما يُعلل الحكم؟ قال عبد المؤمن إذا تكافأوا في القوة يُعلل بهما جميعاً. الآن اتحد الزمن وتكافأت القوة يُعلل بها جميعاً. إذا اختلفت في القوة، قال يُعلل بالأقوى تأثيراً. ما معنى اختلاف في القوة؟ في الحقيقة هذه العبارة فيها نوع من الغموض، ما معنى القوة هنا التي تقصدها؟ لكن من الحلول التي يمكن أن نفسر بها القوة، أن يكون أحد الأسباب ثبتت سببيته بدليل قطعي، والآخر ثبتت سببيته أو عليته بدليل ظني ضعيف. فمثلاً نقول أكل لحم الجزور كونه ناقضاً للوضوء أصلاً جماهير أهل العلم بيخالفوا في ذلك، والحنابلة يتفردون بها، بالتالي سببيته في نقض الوضوء أو عليته بنقض الوضوء ضعيفة. لكن مثلاً خروج الشيء من السبيلين الكل يحكي أنه ناقض للوضوء، فبالتالي سببيته أو عليته لنقض الوضوء قوية. فبالتالي لو نفرض أن شخصاً خرج شيء من السبيلين منه وفي نفس الوقت أكل لحم جزور، هل العلتان متكافئتان في القوة؟ لا، في وحدة أقوى من الثانية، في وحدة مجمع على عليتها، وفي وحدة مختلف فيها، بالتالي هنا قال عبد المؤمن البغدادي نضيف الحكم وهو انتقاض الوضوء للأقوى، وهو خروج شيء من السبيلين، ولا نضيفه لأكل لحم الجزور. لكن إذا المسألتين أو العلتين متفق عليهما فكلتاهما تسببان الحكم في نفس القوة، نضيف الحكم إليهما جميعاً. وضحت الفكرة؟

فلذلك قلت: الصحيح يُعلل بهما مع التكافؤ، وإلا فالأقوى مع اتحاد الزمن أو المتقدم. العبارة تحتاج إلى إعادة ترتيب، والصحيح المتقدم زمناً هو الذي يضاف الحكم إليه من العلل والأوصاف، فإن اتحد الزمان بهما مع التكافؤ في القوة، وإلا في حالة عدم تكافؤهما في القوة واتحاد الزمن، يُضاف الحكم إلى الأقوى. كل هذه الأقوال والله أعلم وراءها على منهج من يرى أن العلل مؤثرة باعثة على الحكم، وليست مجرد علامة ومؤشر.

من يرى أن العلل هي مجرد علامات ومؤشرات على قاعدته ينبغي أن يجوز إضافة الحكم الواحد إلى أكثر من علة من دون أي مانع، لا يوجد في الحقيقة مانع يبرر عدم إضافته، لأنك عندك العلة ليست مؤثرة، وإنما مجرد أمارة. فإيش المانع أن يكون الحكم الواحد له أكثر من مؤشر؟ لا مانع. لكن هذا التفصيل عند من يرى أن العلة مؤثرة، فذكر لك القول الأول، أعطاك تفصيلاً قال تعليل الحكم بعلته في محلين أو زمنين جائز باتفاق، ما أحد ينازع، سواء من يرى لها علة ومن يرى أنها مؤثرة، لكن في حالة اتحاد المحل أو الزمن هنا يقع الخلاف عند من يرى أنها مؤثرة.

الآن نعود إلى الشرط الأخير الذي ذكره عبد المؤمن البغدادي من شروط العلة إذا كانت، وهو التعدي. ذكرنا أن العلة عند عبد المؤمن البغدادي شروطها أن تكون وجودية، منضبطة، مناسبة، معتبرة، مضطردة، والقاعدة الشرط الأخير متعدية. ما معنى أن تكون العلة متعدية أيضاً؟

لاحظوا أيها الأحبة، الحقيقة أنني الآن أتأمل واقعنا المعاصر، وأتأمل ما يقوله الفقهاء في بيان ضوابط القياس وشروط العلل، وما الذي يصلح أن يكون علة وما الذي لا يصلح أن يكون علة بهذا التفصيل الدقيق، تبكي على الواقع. وتجد أن من يتصدر للفتيا في دين الله أناس ليس لديهم أدنى معرفة، إلا من رحم ربي. ليس لديهم أدنى معرفة بالأصول، أو عنده معارف محدودة جداً لا يعرف منها إلا الرسوم والأطلال، وليس له تمكن وغوص وتحرير.

ما الفائدة من دراسة هذه العبارات إذا لا نريد أن نطبقها في الواقع؟ قبل أن تأتي إلى مسألة معاصرة تبين أنها حلال أو حرام، يجب أن تفحص العلة التي ستحلل بها وتحرم بها. هل تتلاءم مع هذه الشروط التي يذكرها العلماء؟ تعرف ما هي الشروط المتفق على شرطيتها في العلل؟ ما هي الشروط التي تقبل النقاش في العلل؟ ما هو الأمر الذي يصلح؟ ما الذي لا يصلح؟ ما هو غير المعتبر؟ أما هكذا تعلل الأحكام بأسهل الكلام، ويحلل ويحرم في دين الله عز وجل بأنصاف متعلمين؛ فهذا مما يجر الطوام على الأمة.

يأتي لنا بمسائل وأقوال لم نسمع بها في فقه الأولين في الحقيقة؛ والسبب أنها لم تخرج من مشكاة أصول الفقه، وأن من تكلم بها لم ينضبط بمشكاة العلم، وإنما هو أيها الأحبة إنسان يتكلم بمجرد تصورات وتخيلات وأوهام في تفسير النصوص الشرعية من دون انضباط وتأصيل قائم على فهم كلام الأولين. فنسأل الله أن يعيننا، وأن يستعملنا في طاعته.

الشرط الأخير هو التعدي؛ والتعدي أيضاً أيها الأحبة من شروط العلل المستنبطة، وليس شرطاً في العلل المنصوصة أو المجمع عليها. ذكرنا في المحاضرة السابقة أن عبد المؤمن البغدادي عنده نوع من ذكر الشروط، لكنه لم يفصل أن هذه الشروط التي تذكر للعلل هي في جميع العلل، أم هي شرط العلل المستنبطة؟ ففي الحقيقة أجد نوعاً من التداخل. أقول هنا إنه لم يبين ولم يوضح كثيراً؛ مثلاً شرط الاعتبار، شرط المناسبة، شرط الاطراد، كل هذه الشروط هي شرط العلل التي سنستنبطها للحكم.

أما إذا كانت علة الحكم منصوصة بينها الشارع أو أجمع عليها الفقهاء الأقدمون وانتهت؛ فهذه ليس لنا أن نناقش في شروطها. خلص، هي كما نص عليها الشارع؛ يعني أنت لا تحكم على نص الشارع لهذه العلة، فالخطأ والعياذ بالله أن تعترض. الشارع إذا نص أن هذا الحكم علته كذا، انتهى الأمر، لا نبحث عن شروطه. إذا وقع الإجماع على علة بأنها كذا، انتهى الأمر. لكن نحن عندما نناقش الشروط، فنحن نناقش شروط العلل المستنبطة.

أكثر هذه الشروط إنما تناقش في العلل المستنبطة؛ يعني العلل التي سيستنبطها المجتهد في مسألة حكم شرعي وردت عندنا، لم ينص الشارع على علتها ولم يجمع على عليتها. هنا نقول لمن يستنبط العلل: عليك أن تستنبط علة تتوفر فيها هذه الشروط؛ وجودية، ظاهرة، منضبطة، مناسبة، معتبرة، على طريقة عبد المؤمن -طبعاً على طريقة غيره لا يشترط جميع هذه الشروط-. المهم أنك تعرف الشروط التي تشترط في العلل، وأما إذا كانت علة منصوصاً عليها ومجمعاً عليها، انتهى الأمر فليس لأحد أن يتحدث في ذلك.

تمت، وضحت القضية الآن. مثلاً هذا الشرط الأخير بالتعدي، هل من شروط الوصف حتى يصلح أن يكون علة أن يكون متعدياً؟ ما معنى أن يتعدى أيها الأحبة؟ التعدي أيها الأحبة معناها أن هذه العلة التي ستستنبطها أيها المجتهد لا تختص بطبيعتها بنفس المسألة فقط ولا يمكن أن نعديها إلى مسألة أخرى، أن تكون العلة المستنبطة ليست مختصة بهذا الحكم فقط ولا يمكن تعديتها إلى حكم آخر. فإذا كانت العلة التي استنبطها المجتهد علة قاصرة -ومقابل المتعدي القاصر- إذا كانت العلة التي استنبطها المجتهد علة قاصرة، يعني لا يمكن أن توجد إلا في هذا الحكم فقط ولا يمكن أن توجد في غيره، فهل هذا يصلح لأن يكون علة ولا لا يصلح؟ هذا موطن النقاش.

العلة القاصرة هي التي توجد في موطن الحكم فقط، ولا يمكن أن توجد في حكم آخر. والعلة المتعدية هي التي يمكن أن توجد في حكم آخر. أي علة بتفيدنا؟ العلة المتعدية ولا القاصرة؟ المتعدية؛ لأن العلة القاصرة ما راح أستفيد منها في القياس، لأني لا أستطيع أن ألحق حكماً بالأصل بسبب هذه العلة؛ لأن هذه العلة قاصرة لا توجد إلا في محل واحد. وعلل المتعدية هي العلل التي توجد في أكثر من محل، بالتالي أستطيع أن أقيس بها.

فلأن عبد المؤمن يشترط في العلل التي سيثبتها المجتهد أن تكون عللاً متعدية، يقول له: لا يصلح أن تستنبط لي أيها المجتهد علة قاصرة؛ لأني لن أستفيد منها. الآن إذا كانت العلة منصوصة من الشارع، انتهى، يجوز أن تكون قاصرة، والشارع له أن يحكم بما يريد، الشارع هو الذي يحكم علينا ولسنا نحن من نحكم عليه، إذا كانت علة مجمعاً عليها انتهى الأمر. لكن إذا كانت علة مستنبطة، بنقول للفقيه: انتظر، تأتِ لنا بعلة متعدية، حتى نستفيد منها حتى نوظفها في القياس.

لذلك ماذا قال عبد المؤمن؟ قال: والتعدي؛ لأن الغرض من العلل المستنبطة القياس، والقياس لا يكون إلا باستنباط علة متعدية نستطيع أن نعديها إلى مواضع أخرى. قال: فأما القاصرة -وعرفها- وهي لا توجد في غير محل النص، يعني في غير محل الحكم. باختصار توجد في حكم واحد، مثلاً الشارع نص لنا على حكم، محل النص -يعني الشارع نص لنا على حكم في القرآن أو النبي صلى الله عليه وسلم نص على حكم في السنة- ولم يبين العلة. يأتي المجتهد يستنبط العلة، فيقوم يستنبط لنا والله علة قاصرة لا توجد في غير محل النص، يعني النص الذي ثبت فيه الحكم.

فهل يجوز أن تقول إن الوصف علة قاصرة عند عبد المؤمن؟ لا. إيش المثال؟ قال: كالثمانية في النقدين، فغير معتبر، وهو قول الحنفية خلافاً لأبي الخطاب والشافعية. أولاً أيها الأحبة نريد أن نأخذ مثالاً على العلة القاصرة حتى نفهم كيف تكون العلة قاصرة؛ لأن المثال الذي أتى به عبد المؤمن البغدادي في الحقيقة منتقد. قال: الثمانية في النقدين.

الآن أيها الأحبة النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح، مثلاً بمثل، سواءً بسواء، يداً بيد». بالتالي هذه الأصناف الست تسمى بالأصناف الربوية. ممتاز، من هذه الأصناف التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث التمر بالتمر، فبين النبي صلى الله عليه وسلم حرمة التفاضل في التمر بالتمر. هل يجوز التفاضل عند بيع التمر بالتمر؟ لا، لا يجوز، حرمة التفاضل في التمر بالتمر.

فجاء فقيه مثلاً مستنبط يريد أن يعلل، علل لنا لماذا يحرم التفاضل في بيع التمر بالتمر؟ فقال العلة كونه تمراً. قلنا له: نعم، هو قال لنا يحرم التفاضل في التمر بالتمر، علل، إيش قال العلة؟ قال العلة: لأنه تمر. ليش حرام التفاضل في التمر بالتمر؟ قال: لأنه تمر بحد ذاته، لأنه يشتغل، وكان غير تمر ما في مشكلة؛ لأنه تمر. ونقول له: أخي الكريم أيها المجتهد أيها المستنبط هذه العلة قاصرة، لا أستطيع أن أوظفها في القياس. يعني الآن هل هذه العلة "التمرية" توجد في غير التمر؟ حاول تفكر، هل يمكن أن توجد التمرية في غير التمر؟ لا يمكن أن توجد. بالتالي لا أستطيع أن أقيس حكماً على التمر في حرمة التفاضل. هل أستطيع أن أقيس فرعاً جديداً على هذا الأصل في حرمة التفاضل، هل الحكم بجامع التمرية؟ لا أستطيع؛ لأنه هذه علة قاصرة لا توجد إلا في الحكم الذي ثبت في نص ولا توجد في محال أخرى، فلا يمكن أن نوظفها في القياس، فهذه علة خاطئة، تعليلاً حرمة التفاضل في التمر بالتمر لأنه تمر، نقول هذه علة قاصرة لا يصلح التعليل بها.

الآن عبد المؤمن البغدادي أما ذكر مثالاً آخر، طبعاً مثال العلل القاصرة قال: كالثمانية في النقدين. اه، طبعاً الطالب ما عندوش معرفة في الفقه راح يقول: شو يعني الثمانية اللي في النقدين؟ على أي حكم بتكلموا؟ أي عن جريان الربا، الذهب والفضة. النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً حرم الربا في الذهب والفضة، ما علته؟ الآن هذا ثبت بالنص "الذهب بالذهب والفضة بالفضة"، بالتالي يحرم الربا في الذهب والفضة. لو أتينا للفقيه المجتهد قلنا: نعلم لماذا يحرم الربا في الذهب والفضة. الآن عند الحنابلة إيش العلة؟ "الوزنية"، لذلك حرموا الربا في الذهب والفضة. هذه العلة متعدية، صح؟ لأنك تستطيع أنك تستخدمها في القياس، فأي شيء موزون أقيسه على الذهب في جريان الربا فيه بجامع الوزنية، فبالتالي الرصاص والحديد والنحاس وكل المعادن، قال الفقهاء الحنابلة: إيش الربا فيها قياساً على الذهب والفضة بجامع الوزنية. فالوزنية علة متعدية تصلح.

لكن الأخ عبد المؤمن بده يضرب المذاهب الأخرى، المذاهب اللي بتعلل بإيش؟ بالثمانية. الآن الشافعية -رحمة الله عليهم- إيش قالوا في تعليل حرمة الربا في الذهب والفضة؟ الثمانية، هذه هي العلة عندهم أنها أثمان. لأن قديماً قديماً أيام الصحابة والتابعين في الأصول الإسلامية الأموال التي تدفع في البيع والشراء هي الذهب والفضة، ليست أموالاً ورقية، طباعة الأموال الورقية هذا شيء معاصر، يعني في بعض الأزمان وبعضهم ممكن أن يتبايعوا بالفلوس كانوا يسموها الفلوس، لكن ليس تعتبر أصلية على الهامش، أصالة الأثمان؛ الثمن الذي يدفعه المشتري للبائع والبائع يدفع للآخر ويدور بين التجار كانت عبارة عن أموال نقدية، دينار ذهبي أو درهم فضي. فمثلاً تقول له: والله قديش شاري السيارة هذه قديماً؟ ما كانش في سيارات، بقول لك: والله عشرين دينار ذهب أو مثلاً مئتين درهم فضة، هكذا كانت الأثمان قديماً. فالشافعية -رحمة الله تعالى عليهم- إيش قالوا؟ قالوا: وعلة الربا عند تحريم الربا في الذهب والفضة ليست الوزنية أيها الحنابلة، بل هي أنها أثمان.

فقال عبد المؤمن بده يرد على الشافعية، إيش قال لهم؟ قال: عللكم خطأ، درس وعلة الثمانية للتعليل، ليه؟ قال: لأنها قاصرة، لا توجد إلا في الذهب والفضة. هل كان هذا الكلام صحيحاً؟ هذا هو النقاش مع عبد المؤمن، أن عبد المؤمن هو على الزمن القديم، أنه كان في زمنه الأموال التي يتداولها الناس التي تجري بينهم في معاملاتهم ومتاجراتهم ذهب وفضة. فلما رأى الشافعية عللوا تحريم الربا بالذهب والفضة لأنها الثمانية، فقط هذه العلة قاصرة لا توجد إلا في الذهب والفضة ولا توجد في غيرها، فلا أستطيع أن ألحق أشياء جديدة، فروعاً جديدة بالذهب والفضة في جريان الربا فيها بسبب الثمانية؛ لأنه علة الثمانية لا يوجد عندنا أثمان إلا ذهب وفضة.

لكن في الحقيقة الواقع المعاصر يثبت غير ذلك؛ أنه هو الآن هناك كثير من الأمور يمكن تستعمل كأثمان. الآن عندنا أصبحت الأوراق النقدية أثماناً، حتى قديماً كانوا؛ هسا أنا لما بدي أتعامل وهتستخدم إلا أنه مثلاً في عرفنا نضع في العرف جلوداً معينة أو أشكالاً معينة نعتبرها هي الأثمان ونتفق عليها ونصطلح عليها في الوقت الحاضر، يمكن؛ لذلك عند المالكية أي شيء يصلح أن يكون ثمناً، وليس فقط الذهب أو الفضة. ممتاز، فبالتالي توهم عبد المؤمن أن الثمانية علة قاصرة، لا توجد إلا في الذهب والفضة؛ أنه لا يوجد أثمان إلا ذهب وفضة، ليس بصحيح، يمكن أن توجد أثمان غير الذهب والفضة والواقع المعاصر شاهد على ذلك.

أنه عندنا أثمان أوراق نقدية، أصلاً ما كنا ما عندنا ذهب وفضة، أصبحت الأثمان التي يُشترى بها وتتداول هي الدولار الأمريكي والين واليورو والدينار الأردني والريال، أصبحت هذه هي الأثمان، بالتالي أصبحت الثمانية علة متعدية؛ لأنها توجد في غير الذهب والفضة. فانتقاد عبد المؤمن البغدادي للشافعي بهذه العلة، أنهم جعلوا الذهب والفضة جريان الربا فيها بعلة الثمانية، أنه قال: هذا علة خطأ، هذا ليس بصحيح، المثال ليس بالصحيح؛ لأنها علة متعدية والواقع يشهد بذلك، أن هناك كثيراً من الأموال النقدية عرف الناس على التعامل بها في البيع والشراء فيجري الربا فيها قياساً على الذهب والفضة بجامع الثمانية، صح؟ هل يجوز الربا بالدولار؟ هل يجوز التفاضل في بيع دولار بدولار؟ ما بصير. إيش العلة الثمانية عند الشافعية طبعاً؟ عند الشافعية الثمانية؛ بالتالي إذا اكتشفنا أن العلة ليست كما توهم عبد المؤمن البغدادي علة قاصرة، وقلت هو سبب التوهم أنه فكر في عصره فقط، في عصره كانت الأموال ذهب وفضة، ما في غيرها، بالتالي قال: إذاً مش ممكن أنها تكون هذه علة صحيحة لأنها علة قاصرة لا توجد إلا في الذهب والفضة، لكن الواقع.

ليست إلا قاصرة، بل هذه إلا متعدية، وبدليل أن الأثمان يمكن أن تكون غير الذهب والفضة من الأوراق النقدية وحتى الجلود التي تعارفنا عليها، خشب استخدمناه للبيع والشراء، خلص شيء تعارف عليه أنه ثمن والناس تعطي له هيبة الثمنية، في النهاية يصلح لأن يكون ثمناً.

بالتالي أيها الأحبة هذا وجهة نظر عبد المؤمن البغدادي أن التعدي شرط من شروط العلة؛ لأن العلة المفيدة طبعاً في العلة المستنبطة، لأن العلل المفيدة هي العلل المتعدية، والعلل القاصرة لا نستفيد منها في القياس، وبالتالي لا تصلح لأن تكون علة.

لكن ماذا قال عبد المؤمن مستدركاً؟ قال: هناك من يخالفني في اشتراط التعدية. من الذي خالفه؟ قال خلافا لأبي الخطاب والشافعية، القول الآخر وهو رأي لبعض الحنابلة وهو رأي السادة الشافعية، أنه يجوز التعليل بالعلة القاصرة. حتى ولو لم نستطع أن نوظفها في القياس، لكن لا مانع من استخدامها. طيب لماذا أيها الأحبة؟ يقولون أنت يا عبد المؤمن رحمة الله عليك حصرت فائدة العلة المستنبطة في قضية أنه لا بد أن تكون متعدية حتى نستطيع أن نقيس بها وأن نعديها إلى مواضع أخرى. لكن في الحقيقة القاصرة لا تستطيع أن تقول لا فائدة منها، بل هناك فوائد من العلل القاصرة.

أول شيء يدل أن لها فوائد أن الله سبحانه وتعالى والنبي عليه الصلاة والسلام في بعض العلل المنصوصة كانت العلة قاصرة، ومع ذلك الله عز وجل علل بها، والنبي صلى الله عليه وسلم علل بها، فلو كانت العلل القاصرة لا تصلح لأن تكون علل لأحكام شرعية لما فعلها الله سبحانه وتعالى أو النبي عليه الصلاة والسلام. هذه أول قضية. إذا كيف الرد الأول على اشتراط التعدي؟ أنه أنت توافقنا يا عبد المؤمن أنه يمكن أن تكون هناك علة منصوصة ومجمع عليها قاصرة، أليس كذلك؟ قال: نعم أوافقكم على هذا، وإنما اشترط التعدي في العلة المستنبطة. قالوا إذا بما أنه يجوز أن تأتي إلى المنصوص عليها والمجمع عليها قاصرة، بالتالي هذا لا يمكن أن يكون عبثاً، قطعاً لها فوائد، فلا مانع إذا أيضاً أن تكون العلة المستنبطة قاصرة لتحقيق تلك الفوائد.

صح ولا لا؟ فقلنا مثلاً ما فوائد التعليل بالعلل القاصرة؟ مثلاً اكتبوا عندكم التعليل بالعلة القاصرة صحيح أني لا أستطيع أن أوظفها في القياس لكن هناك فوائد أخرى، أول فائدة من فوائدها أني إذا عللت الحكم بعلة قاصرة أستفيد من هذا أنه هذا الحكم لا يجوز القياس عليه. صح ولا لا؟ يعني بالعكس أنا عم أستفيد، إذا عرفت أنه هذا الحكم علته كذا وكذا وهي علة قاصرة، أنا الآن استفدت فائدة، وهي أنه هذا الحكم لأنه علته قاصرة لا يجوز أن أقيس عليه، فإذا جاء رجل فقاس عليه نقول له أخطأت، هذا الحكم لا يقاس عليه لأنه علته قاصرة. أليست فائدة؟

بدأ كذلك يقولون تقوية الحكم الشرعي بإظهار عليته حتى ولو كانت قاصرة. الحكم أيها الأحبة ندرك نحن عليته ونفهمها يصبح أقوى وأدعى للقبول في أنفسنا من الحكم الذي لا ندرك عليته، أليس كذلك؟ فحتى لو كانت قاصرة نحن نستفيد منها تقوية الحكم وتثبيته في قلوبنا أكثر وأكثر. بل البعض يقول إن الثواب الذي تحصله إذا فعلت حكماً نص على علته رغبة منك في تحقيق هذه العلة أعظم من الذي تحصله في حكم لم ينص على علته، فبالتالي العلل القاصرة يستفاد منها حتى في تحصيل الثواب. ما الفكرة؟ قالوا الحكم إذا استنبطت علته سواء كانت متعدية أو قاصرة، إذا أنت فعلت هذا الحكم بنية تحقيق هذه العلة تحصل على ثواب أكثر من الحكم الذي أنت امتثلته لكن من دون أن تعرف العلة التي من أجلها شرع. فبالتالي استنباط العلل ولو كانت قاصرة يزيد في تحصيل الثواب على رأي طائفة من أهل العلم.

فإذاً باختصار العلل المستنبطة حتى ولو كانت قاصرة لها فوائد؛ إما أن عرفت أنه هذا الحكم لا يجوز القياس عليه، أو في تقوية الحكم في نفس القارئ والسامع، أو في تحصيل ثواب أكثر؛ هكذا تقولوا عندما تمتثل من أجل الحكم ومن أجل علته ثوابه أكثر من أنك تمتثل لمجرد الحكم فقط. فبالتالي العلة القاصرة لها فوائد كما تقول إنه لا فائدة لها، لأنك تتخلص أنك تحصل فائدة العلة المستنبطة فقط في القياس، لا أنت لا تحصر فائدة العلة المستنبطة في القياس، يمكن هي بالتأكيد من أهم فوائدها القياس لكن لها فوائد أخرى لا تظهر وتتجلى في هذه الصور.

الآن أيها الأحبة إذا انتهينا من الكلام عن اشتراط التعدي، والصحيح الذي نذهب إليه أن التعدي ليس شرطاً في العلل، وأن كما أن العلة المنصوصة والمجمع عليها يمكن أن تكون قاصرة، كذلك العلل المستنبطة يجوز أن تكون قاصرة وليست متعدية. لأننا ننهي مع عبد المؤمن البغدادي هذه الجولة مع هذه الشروط السبعة، وأضفنا فيها شرطاً مختلفاً فيه وهو شرط الانعكاس. سينقلنا إلى النوع الثاني من العلل، وهي الجامع في القياس بين الأصل والفرع، إما أن يكون وصفاً وإما أن يكون حكماً. الجامع في القياس بين الأصل والفرع إما أن يكون وصفاً، واشترطنا فيه على طريقة عبد المؤمن الوجود، الظهور، الانضباط، التعدي، الاعتبار، المناسبة، الاضطرار، ولا خلاف في الانعكاس. هذا الشرط الجامع إذا كان وصفاً.

نعود الآن إلى الجامع إذا كان حكماً؛ فالآن عبد المؤمن سيبحث في جزئية واحدة، هو أصلاً هل يجوز أن يكون حكماً ولا لا؟ على كون الجامع وصفاً هذا ما أحد يناقش فيه لأنه هذا هو الأصل حالته الطبيعية، لكن أن يكون الجامع يعني العلة التي تجمع بين الأصل والفرع حكماً، قال هذا أصلاً فيه نزاع ليس متفقاً عليه. ماذا قال عبد المؤمن؟ قال: وإن كان حكماً شرعياً. الآن وإن كان حكماً شرعياً هذه الجملة مقابلة للجملة التي مرت حين قال: ثم الجامع إن كان وصفاً موجوداً ظاهراً منضبطاً مناسباً معتبراً مضطرداً متعدياً فهو علة لا خلاف في ثبوت الحكم به.

أما جملة فان لم يشهد لها إلا أصل واحد فهو المناسب الغريب، فليست في المكان الصحيح، ليس لها علاقة بموضوع التعدي، والأقرب أن يكون مكانها في الحقيقة مع شرط الاعتبار، لأنه قال والاعتبار تكلمنا عنه في المحاضرة السابقة، أن يكون المناسب معتبراً في موضع آخر، وإلا فهو مرسل، فإن لم يشهد لها إلا أصل واحد فهو المناسب الغريب. هذه في الحقيقة الجملة منقولة عن مكانها والله تعالى أعلم، ليس لها تعلق بالتعدي بالشرط السابع التعدي، فهي إما كانت في شق الاعتبار مذكورة بعد قوله وإلا فهو مرسل يمتنع الاحتجاج به عند الجمهور، فإن لم يشهد لها إلا أصل واحد فهو المناسب الغريب، وإما أنها نقلت من مكان آخر، الله تعالى أعلم به. ولكن فائدتها أن نأخذها إن شاء الله لما نتكلم عن مسالك العلة، وأما هنا فليست لها علاقة بالفائدة في هذا الموضع، فاضربوا على صفحة في هذا الموضوع.

ننتقل الآن كما قلت لكم إلى الحالة الثانية، أن يكون الجامع حكماً شرعياً، قال: وإن كان حكماً شرعياً فالمحققون تجوز عليته، والدليل قال لقوله صلى الله عليه وسلم: ﴿أرأيت لو كان على أبيك دين﴾، ويقول صلى الله عليه وسلم: «أرأيت لو تمضمضت»، فنبه بحكم على حكمه، وقيل لا. ما معنى هذا الكلام؟ الآن أيها الأحبة نحن ماذا عرفنا هذا القياس عندنا أصل وفرع وحكم جامع بين الأصل والفرع صح؟ الآن إذا كان الجامع وصفاً لا نقاش، لكن هل يمكن أن يكون الجامع بين الأصل والفرع هو حكم؟ وبالتالي أنا أريد أن أنقل حكم الأصل إلى حكم الفرع بسبب حكم آخر، يعني الجامع هو حكم. فالحكم هو الذي سبب تعدية حكم الأصل إلى الفرع.

العالم من شأنه عند الطالب أنه وصف هو الذي أدى إلى تعدية حكم الأصل إلى الفرع، لكن تقول حكم هو الذي أدى إلى تعدية حكم الأصل إلى هذه، هذه غريبة؟ فقال أكثر أهل العلم أو المحققون على طريقة عبد المؤمن يجوز ذلك، وهذا هو الصحيح إذا ظهر لنا أن هذا الحكم فعلاً يصلح أن يكون مؤثراً في تعليل حكم الآخر. يعني أنت الآن أيها الحبيب عندك حكم شرعي، تحريم بيع الخمر، هذا حكم، أليس كذلك؟ لو قلت لك ما علة هذا الحكم؟ لو قلت العلة هي تحريم شربها، ما المانع من ذلك؟ لو قلت لك تحريم بيع الخمر ما علته، فانت عللت بتحريم شربها، العلة ليست وصفاً العلة حكم شرعي تحريم شربها. هل برأيكم هناك ما يمنع من ذلك؟ ما له مانع. فالحقيقة إذا وجد أن الحكم الذي عللت به مناسب لتشريع الحكم الأصلي فلا مانع من جعل هذا الحكم الذي عللت به علة، لا مانع وهذا هو القول الصحيح. لأنك أنت ترى بنفسك وفكر بعقلك، تحريم بيع الخمر، ما هو المانع من أن يكون حكم آخر وهو تحريم شربها هو الذي سبب تحريم بيعها؟ هل هناك ما يمنع أن يكون تحريم شرب الخمر هو الذي أدى هو الباعث على طريقة العلة، هو الباعث على تحريم بيعها؟ لا مانع.

طب الآن عبد المؤمن قال النبي صلى الله عليه وسلم ماذا قال؟ الرسول فيها مشكلة، قال النبي صلى الله عليه وسلم قال يجوز التعليل بالحكم الشرعي، بدليل أن النبي عليه الصلاة والسلام لما جاءت المرأة فقالت يا رسول الله إن أمي ماتت وعليها نذر حج، وفي رواية وعليها نذر صوم، أفأصوم عنها وأحج عنها؟ قال: «نعم، اقضوا الله، فالله أحق بالوفاء». قال عفواً أريد النص الأول، «أرأيت لو كان على أمك دين»، هذه موطن الشاهد، «أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته؟»، ايش قالت المرأة، قالت: نعم، قال: «فدين الله أحق بالوفاء».

موطن الشاهد «أرأيت لو كان على أمك دين»، جاءت تسأل المرأة عن دين الله، إن أمي ماتت وعليها نذر حج ونذر الحج أو نذر الصوم هو دين لمن؟ لله، فالنبي صلى الله عليه وسلم كيف أجابها، أجابها بتطبيق واقعي، قال عن دين الدنيا أولاً، قال: لو كان على أمك دين من ديون الدنيا وماتت، هل راح تقضي عنها؟ «أرأيت لو كان على أمك دين؟»، يعني من ديون الناس، رجل مات أو أم ماتت وعليها ديون للناس، هل ستقضين عن أمك دينها للناس؟ قالت: نعم يا رسول الله. قال: «دين الله أحق بالوفاء».

فقال عبد المؤمن البغدادي هذا شاهد على جواز تعليل حكم بحكم، علل قضاء دين الله سبحانه بقضاء دين الآدميين، علل هذا بهذا. برأيكم هل هذا الكلام صحيح؟ هل هذا تعليل حكم بحكم؟ وليش هو أن هل هذا الكلام أو الاستدلال لعبد المؤمن البغدادي صحيح؟ هذا النبي صلى الله عليه وسلم لكن هو يريد أن يستدل بهذه القصة بهذا الحديث على جواز تعليل حكم، فنحن ماذا سنقول لعبد المؤمن؟ أقول في الحقيقة يا عبد المؤمن هذا ليس من قبيل تعليل حكم بحكم، بل هو في الحقيقة من قبيل قياس حكم على حكم والجامع وصف، فهو من قبيل تعليل الحكم بوصف. كيف؟

هو في الحقيقة قاس دين الله على دين الآدميين بجامع وجود هذا الوصف وهو الدين في كليهما. تفهم ايش القضية؟ إن هو عبد المؤمن جعل قول النبي ﷺ: «أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته؟» كأنه تعليل للحكم الذي جاءت المرأة تسأل عنه، وهي قضاء نذر الحج، وفي الحقيقة ليس تعليلاً هنا، قياس ما هو القياس؟ الأصل الفراغ لا سيعطيك عناصر القياس. الأصل دين الآدمي، قاس دين الله على دين الآدميين. ما هو الحكم؟ وجوب القضاء، ما هي العلة؟ الجامع الدين، ففي الحقيقة لا يوجد عندي تعليل حكم بحكم، بل عندي قياس دين الله على دين الآدميين في وجوب القضاء، وهذا هو الحكم والعلة هي الدينية، أنه هذا دين والدين يجب أن يؤدى، فبالتالي الأصل هو دين آدمي. لماذا يجب قضاؤه؟ لأنه دين يجب أن يؤدى، وهذه العلة وهذا الوصف يوجد في الفرع وهو دين الله، فبالتالي تعدّى حكم الأصل وهو وجوب القضاء إلى حكم الفرع، والجامع وصف؛ فلا يصلح دليلاً على منهجك.

نحن نريد دليلاً على تعليل حكم بحكم. هل هنا عندي حكم علّل حكماً؟ لا، شوف هو عبد المؤمن قال تنبيه بحكم على حكم، أنا في الحقيقة سألت في المسألة الثانية اللي هو عبد المؤمن ايش قال بعد الحديثين؟ قال تنبيه بحكم على حكم، آه الآن هنا ممكن أقول إنه عبد المؤمن البغدادي -أنا أول أعطيتك وجهة النظر الأولى التي أنت ممكن تفهمها- أنا ممكن عبد المؤمن البغدادي هو لم يقصد أنه هنا حكم علّل حكماً، لا هو يريد أن يكون ممكن في النهاية أنه ممكن يريد أن يقول إن النبي ﷺ نبّه على حكم قضاء دين الله من خلال ذكره حكم قضاء دين الآدميين، فإذا جاز التنبيه بحكم لحكم آخر إذا يجوز تعليل الحكم بحكم، لا لأن عبارة نبّه في الحقيقة أوقفتني، وما قال علّل. قد نبّه وكلمة نبّه بدنا نقف عندها. هسا النبي عليه الصلاة والسلام هو نبّه هذه المرأة على وجوب قضاء دين الله من خلال تذكيرها أنه لو كان على أمك دين للآدميين كنت قضيته؟ صح؟ إذا نبّهك بالتالي بهذه المسألة على وجوب قضاء دين الله، فهو فيه نوع تنبيه. ممكن يكون عبد المؤمن يقول: فإذا جاز التنبيه بحكم على حكمه، إذا يجوز أن يكون الحكم علة لحكمه، ممكن يكون هاي طريقة الاستدلال، فبالتالي يصعب عليك في هذه الحالة أن أقول إنه كلامه خطأ، صح؟

إذا قلنا إنه يريد أن هناك حكم نبّه على حكم، فبالتالي يصعب أن نقول إنه كلامه ليس بساغٍ، فعلاً التنبيه ليس بحكم على حكم. لكن لما نأتي على الطريقة الأصولية التفصيلية، هذا التنبيه هو في الحقيقة قياس دين الله على دين الآدمي، والعلة الجامعة فيه وصف، فليس دليلك بالقوي على هذه المسألة. وكذلك أرأيت لو تمضمضت، هذا ايش الحديث؟ حديث عمر بن الخطاب لما جاء صائم في رمضان وقد قبّل امرأته، فقال: يا رسول الله، هل لك عمر؟ قبلت امرأتي وأنا صائم. النبي عليه الصلاة والسلام قال: «أرأيت لو تمضمضت؟» يعني لو تمضمضت يا عمر بن الخطاب، هل سيفسد ذلك وضوءك أفضل من صيامك؟ -السؤال يتمضمض وهو صائم يفسد صيامه؟- قال: لا يا رسول الله. قال: «فكذلك». فقال عبد المؤمن: وهذا أيضاً تنبيه بحكم على حكم. بس بدنا نقول نفس القضية يا عبد المؤمن، أنه هنا لا يوجد حكم علّل بحكمه، وإنما قاس النبي ﷺ قبلة الصائم على مضمضة الصائم بجامع أنهما مقدمة للفطر وليس فطراً حقيقياً.

الآن أيها الأحبة لو قلنا هكذا، النبي عليه الصلاة والسلام، عمر بن الخطاب ايش صار معه؟ يسأل عن أي حكم؟ حكم القبلة للصائم، قبّل زوجته وهو صائم، حكم القبلة للصائم هذا سؤال. الآن النبي ﷺ قاس هاي المسألة على مسألة، ايش هي؟ هذا حكم المضمضة للصائم، أليس كذلك؟ قاس القبلة على المضمضة في ماذا؟ ما هو الحكم الذي عُدّي من الأصل إلى الفرع؟ عدم الفطر أو أنه ليس مفطراً. طب ما هو الجامع؟ الجامع أن كليهما مقدمة للفطر وليس فطراً؛ المضمضة هي وضع الماء في الفم، نزول الماء عمداً هو الفطر، ووضع الماء هو مقدمة، فمقدمة الفطر ليست فطراً، كذلك القبلة، قُبلة الصائم هي مقدمة لنزول المني، أليس كذلك؟ الآن إذا ما نزل المني ليست فطراً، هي مقدمة، فيقولون مقدمة الفطر ليست فطراً، لا تُفطّر؛ فكما أن المضمضة هي مقدمة لنزول الماء في باطن الجوف، فإذا لم ينزل الماء لا تكون المضمضة مفطرة، فكذلك القبلة للصائم هي مقدمة للجماع ولنزول المني أو ما شابه ذلك، فإذا لم تحدث هذه الدواعي بعد ذلك فلا تكون مقدمة الفطر فطراً. ففي الحقيقة الجامع هنا وصف، وهي مقدمة الفطر ليست فطراً في كليهما، فهذا أيضاً من قبيل التعليل بالوصف وليس من قبيل التعليل بالحكم. لكن إن أردت يا عبد المؤمن أن هنا التنبيه بالحكم على الحكم دليل على جواز تعليل الحكم بالحكم، فيمكن أن أقبل منك ذلك، وإن لم يكن هذا بالدليل القوي المتين. وضحت فكرة عبد المؤمن وكيف ناقشنا تنبيهه؟

هناك رأي آخر قال وقيل: لا يجوز تعليل حكم بحكم على رأي الثاني في المسألة، إنه لا يجوز أن يُعلَّل الحكم. هذا الرأي الثاني بوجهة نظركم ايش ممكن تكون أدلته؟ هذا الرأي الثاني أيها الأحبة يقول: في باب القياس، الحكم شأنه أن يكون مفسَّراً معلولاً وليس علة، بشكل الترتيب المنطقي أنه أنا عندي حكم الأصل بدي أعلّله حتى أنقل حكم الأصل إلى الفرع، فالحكم إذاً في باب القياس ايش وضع الأصل الطبيعي؟ أن يكون هو المفسَّر هو المعلول وليس هو العلة، أليس كذلك؟ فيقولون الحكم شأنه أن يكون معلولاً، فإذا صار علة -يعني إذا جوّزنا أن يكون الحكم علة- لانقلبت الحقائق، يعني اختلت الموازين، وفي الحقيقة هذا الدليل ليس بالمتين يعني؛ هو صحيح ترتيب القياس أن حكم الأصل يُعلّل، ثم بعد ذلك ينقل إلى الفرع إذا وجدت فيه، لكن هذا لا يمنع أن يكون حكم الأصل علته حكم آخر. ايش المعنى من ذلك؟ لأن أحياناً يأتيك الدليل في بداية النظر لأول مرة، تظنه قوياً، لكن عندما تنظر في أركانه وتفاصيله تجد أنه ليس بذاك الدليل؛ يعني كون الحكم في القياس الأصل فيه أن يكون معلولاً هو المفسَّر هو الذي نبحث عن علته، لا يمنع ذلك أن تكون علته هي حكم آخر. فالتعليل بهذا المنهج لا يستقيم، وبالتالي والله تعالى أعلم يجوز أن يكون الحكم علة لحكم، تمام؟

ثم بعد ذلك انتقلنا إلى اشتراط الانعكاس علة، وهذا مر معنا سابقاً وقرأناه، ووجهزنا التعليل بعلتين. الآن ماذا قال عبد المؤمن بعد ذلك المسير إلى ما بعد الكلام عن توازن تعليل الحكم بعلتين؟ قال عبد المؤمن: مسألة ختامية، أنه قبل أن يدخل في العلة ما هي هذه المسألة؟ ثبوت الحكم في محل النص بالنص عند أصحابنا والحنفية لوجوب قبوله وإن لم تعرف علته، وعند الشافعية بالعلة. ما هي هذه المسألة؟ مسألة في الحقيقة الخلاف فيها ليس مؤثراً، وإنما يعني خلاف نظري، تسمية ليس خلافاً تطبيقياً. الآن الله سبحانه وتعالى نصّ على تحريم شيء أو نصّ على إيجاب شيء، أو النبي ﷺ نصّ على تحريم شيء أو على إيجاب شيء، فقمنا نحن بالبحث عن العلة واستنباطها؛ العلة في كذا كذا، الذهب بالذهب والفضة بالفضة، قلنا هذا النص تحريم الربا في هذه الأصول الست، ايش سببه؟ الوزنية والكيلية. ممتاز، الحكم الشرعي الثابت بنص الكتاب أو بالسنة هل نقول ثبوته ثبوت الحكم بالنص أو ثبوته بسبب العلة؟ شفت الخناق وين؟ الخناق نظري، الآن سيقولون الخلاف. عندنا حكم ورد في الكتاب أو في السنة رح يكون هو الأصل عندنا صح؟ اللي رح نستخدم الحكم ونقيس به الفروع. الآن حكم الأصل هذا الذي نبحث عن عليته، حكم الأصل الثابت في الكتاب أو في السنة، حينما نصل إلى العلة إلى تحديد العلة، هل نقول والله حكم الأصل الثابت بالنص بنصوص الكتاب والسنة ثبت بالنص لأن الله نص عليه، ولا ثبت بالعلة؟ العلة هي التي أثبتته.

لاحظوا الخلاف، ايش قال؟ قال ثبوت الحكم في محل النص يعني الحكم الذي أتى به النص ثبت بالنص عندنا وعند الحنفية، لماذا؟ قال بدليل أنه هذا الحكم حتى ولو لم نصل إلى تحديد عليته يجب علينا أن نقبله. وهذا كلام منطقي، أليس كذلك؟ يعني هل هذا الحكم أصبح حكماً عندما وصلنا إلى عليته؟ لا، هو حكم حتى لو لم نصل إلى عليته، فبالتالي هذا دليل على أنه كحكم شرعي ثبت بالنص، وهذا هو الكلام الأدق في هذه القضية، وإن كان كما قلت لكم يعني الخلاف والله أعلم الذي يظهر أنه خلاف شكلي وليس بذاك الخلاف المعلوم. طيب الرأي الآخر في المسألة لازم أقرأ كلام هنا، لكن الرأي الآخر في المسألة أن الحكم الذي ثبت بالنص وعرفنا عليته ثبوته بالعلة وليس بالنص، ونُسبوا إلى الشافعية، قالوا وعند الشافعية بالعلة، قال والحق أن الخلاف لفظي.

الآن أقول والحق أن الخلاف لفظي، لماذا كما قرره الكثيرون؟ وذلك أن مراد الشافعية بقولهم أن حكم الأصل ثابت بالعلة أنها أي أن العلة باعثة عليه، وأما المعرِّف له فهو النص، والحنفية والحنابلة الذين قالوا إن حكم الأصل ثبت بالنص وليس بالعلة، أرادوا بقولهم حكم الأصل ثابت بالنص أن النص هو لمعرف الحكم، وأما الباعث عليه فهو العلة، فلا خلاف بين المذاهب. الآن الشافعية ايش قالوا؟ قالوا حكم الأصل ثبت بالعلة، ايش اللي ثبت بالعلة؟ يعني العلة هي الباعثة عليه، وهذا كلام صحيح صح؟ أنا قلت لك تحريم الخمر علته الإسكار، ما معنى علة الإسكار؟ يعني الإسكار هو الباعث على التحريم، لكن ما الذي أعلمنا وعرّفنا بتحريمه؟ التعريف من أين جاء؟ من النص، فالنص عرّف بالتحريم، والعلة هي الباعث على التحريم، وهذا متفق عليه بين كل المذاهب. طبعاً على طريق باب السنة من يرى أن العلة هي المؤثر والباحث، أما من لا يرى ذلك فهذا يبحث معه في موضعه، لكن على الطريق المعتمدة العلة هي الباعث، والنص هو المعرِّف بالحكم. الآن الحنابلة والحنفية نظروا إلى أن النص هو المعرِّف للحكم فقالوا الحكم ثبت بالنص، قالوا أو نظروا إلى أن العلة هي الباعثة على الحكم، فقالوا الحكم ثبت بالعلة. فكل واحد نظر من زاوية مختلفة عن التي نظر بها الآخر، فقط من نظر إلى أن العلة هي الباعثة قال الحكم ثبت بالعلة، ومن رأى أن المعرِّف بالحكم هو النص الشرعي قال الحكم ثبت بالنص الشرعي، لكن بعد ما عرفنا أنه خلاف لفظي وشكلي، أقول الأسلم أن تقول إن الحكم ثبت بالنص، الحكم كثبوت ووصول إلينا بالنص، وننتهي من كل هذه القضية.

الأكثرون أن أوصاف العلة لا تنحصر في عدد، وقيل إلى خمسة. أحياناً عبد المؤمن البغدادي يقفز لنا قفزات أجدها هائلة، أستغرب هل فعلاً هناك مشكلة بين النسّاخ، هل هناك مشكلة في الوقوف على مخطوطات الكتاب؟ أو هناك ربما عدم ترتيب متقن في بعض جزئيات الكتاب وقع من عبد المؤمن نفسه؟ يعني هذه المسألة والأكثرون أن أوصاف العلة لا تنحصر في عدد وقيل في خمسة، في هذا السياق في هذا الموضع كختام لا أجدها متناسقة مع الإطار العام، لكن في النهاية المسألة سهلة وهي تتعلق نعود أيها الأحبة إلى إشكال العلة. أنا هذه المسألة ذكرتها سابقاً سريعاً، أول مسألة بحثناها في العلل أو في الجامع ما هي كانت؟ الصور التي يأتي عليها الجامع، وقلنا الجامع إما أن يكون وصفاً وإما أن يكون حكماً، والآن درسنا أنه هل أصلاً يجوز التعليل بالحكم؟ درسنا هاي المسألة، وقلنا إذا جاء وصفاً وهناك عدة تقسيمات، إما أن يكون وصفاً لازماً أو عارضاً، ويمكن أن يقسّم أنه فعل أو غير فعل، إلى التقسيمات الخمس، من تقسيمات الوصف التي قسمناها حينئذ أن يكون الوصف إما مفرداً من جزء واحد وإما مركباً من أجزاء، فقلنا مثال على وصف مفرد ايش؟ مثلاً تعليل جريان الربا بالذهب والفضة بالوزنية، وصف من جزء واحد، لكن بالنسبة لوجوب الزكاة في الحبوب والثمار ايش كانت العلة عند الحنابلة؟ أنها مكيلة مدخرة، الوصف مركب، فيجوز أن تكون الأوصاف مفردة ويجوز أن تكون العلل عبارة عن أوصاف مركبة.

مثلاً القصاص ايش علته؟ هذا وصف مركب من ثلاث أجزاء، فالآن هناك خلاف محدود وهو هل التركيب مفتوح إلى ما لا نهاية كما تشاؤون؟ تستطيع أن تركب عشرين، مائة وصف، ولا هناك حد معين لا يجوز أن تتجاوز العلة إذا كانت مركبة؟ فيشير قال: والأكثرون أن أوصاف العلة لا تنحصر في عدد، وقيل إلى خمسة. هناك رأي في النهاية أنه العلة المركبة. نكتب فوق هذه المسألة: هذه المسألة تتعلق بالعلة إذا جاءت مركبة، فنقول أيها الأحبة: الأكثرون أن أوصاف العلة إذا جاءت العلة مركبة هل يجوز أن تكون مركبة؟ العلة الواحدة تكون مركبة من مائة وصف، من مائتي وصف، ثلاثمائة وصف فرداً، طبعاً هو مش واقع، لكن هل هناك شيء يمنع ذلك عقلاً وشرعاً؟ قالوا لا يمنع، فالأكثر أن أوصاف العلة يعني العلة المركبة نتكلم عن هذا، لا تنحصر في عدد معين، فيمكن أن أركّب علة واحدة من خمسين ومائة ومائة وخمسين، لا يوجد ما يمنع من ذلك لا عقلاً ولا.

هناك رأي لآخرين قالوا لا يجوز أن تكون العلة المركبة أكثر من خمسة أوصاف، وإذا زادت على ذلك فهي غير مقبولة، وقالوا إذا زادت على ذلك تصبح مستثقلة.

لكن لماذا الخمسة بحد ذاتها؟ لماذا ليست أربعة أو ستة؟ أليس هذا فيه شيء من التحكم برأيكم؟ فنوع من التحكم، يعني رقم خمسة ما هو الدليل عليه؟ هل هو نص من الكتاب أو السنة أو إجماع علماء؟ إذا كان هناك شيء فأخبرونا، لكن إذا لم يأتِ نص على أنها بحد ذاتها فيكون تحديد رقم خمسة كنهاية تركيب فيه شيء من التحكم الذي لا دليل عليه. لذلك نحن مع والله تعالى أعلم.

كم بقي من الوقت يا شيخ؟ إذا في المحاضرة القادمة بإذن الله أيها الأحبة نبدأ في مبحثنا الجديد، وهو الحديث عما يسمى مسالك العلة. ولاحظوا أن كل هذه ما زلنا في باب الإذن؛ كيف نصل إلى العلة؟ كيف نحدد علة الحكم؟ ما هي المسالك التي يسلكها المجتهد لتحديد علة الحكم؟ فنحن إذاً أيها الأحبة ماذا درسنا الآن في العلة؟ درسنا الأشكال والصور التي تأتي عليها العلة، ودرسنا أسماء العلة، ودرسنا أن البحث في العلل على ثلاثة وجوه.

ما هو تحقيق المناط؟ وهذا يعني أن العلة وصلنا إليها وانتهى الأمر. وتنقيح المناط وتخريج المناط؛ تنقيح المناط وتخريج المناط هو ما يأتي معنا في مسالك العلة؛ كيف أحقق وأنقح المناط وأصل إلى العلة؟ وكيف أستخرج العلة؟ فهذا هو البحث هنا تماماً. ودرسنا شروط العلة، فإذاً الآن مسالك العلة هي والمسلك هو المبحث الذي يتحدث عن تخريج المناط، وعن أيضاً لأنه سيدخل فيه مسلك السبر والتقسيم، وهو نفس مفهوم تنقيح المناط.

بعد ذلك إن شاء الله تبقى مسائل قصيرة نختم بها القياس، ونسأل الله أن يرزقنا حسن الختام دائماً، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.