بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين ومحجة السالكين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.
حياكم الله أيها الأحبة في مجلس جديد نعقده في شرح كتاب قواعد الأصول ومعاقد الفصول للإمام عبد المؤمن البغدادي رحمة الله تعالى عليه. كنا في المحاضرة السابقة أيها الأحبة تحدثنا عن الجامع، وقسمنا الحديث عن الجامع إلى مجموعة من المحاور. المحور الأول كان فيه الأشكال والصور التي يأتي عليها الجامع، وعرفنا أنه يكون وصفاً ويكون حكماً. إن كان وصفاً فهناك عدة أقسام: يمكن أن يكون وصفاً لازماً، يمكن أن يكون وصفاً عارضاً، يمكن أن يكون وصفاً مفرداً، يمكن أن يكون وصفاً مركباً، يمكن أن يكون وصفاً مثبتاً، يمكن أن يكون وصفاً منفياً، يمكن أن يكون وصفاً مناسباً، يمكن أن يكون وصفاً غير مناسب، يمكن أن يكون وصفاً موجوداً في الحكم، يمكن أن يكون وصفاً غير موجود في محل الحكم، يمكن أن يكون فعلاً، ويمكن ألا يكون فعلاً، إلى هذه الأقسام. والقسم الثاني كان هو الحكم الشرعي. ثم بعد أن عرفنا الأشكال التي يأتي عليها الجامع، انتقلنا إلى أسماء الجامع فذكرنا سبعة أسماء: ذكرنا العلة، وذكرنا السبب، وذكرنا المظنة، وذكرنا المناط، وذكرنا المستدعي، وذكرنا المقتضي، وذكرنا المؤثر، نعم المؤثر هذا هو السابع.
ثم بعد ذلك انتقلنا للحديث عن المباحث التي تبحث في العلة، أن العلة يبحث فيها ثلاثة مباحث. المبحث الأول هو تحقيق المناط، وذلك حينما تكون العلة معلومة عندي في الأصل فأتحقق من وجودها في الفرع في النازلة المستجدة المعاصرة، ثم بعد ذلك إذا تحققت من الوجود أقوم بالإلحاق. هذا بحث من المباحث التي تبحث في العلة ويسمى تحقيق المناط، التحقق من وجود العلة في الفرع. تكلمنا عن تنقيح المناط، وعرفنا تنقيح المناط؛ ما هي صورته؟ يكون عندي حكم شرعي ذكر عقب أوصاف، نحن متأكدون أن أحد هذه الأوصاف هو العلة، لكن لم نعينها، فنقوم بعملية التنقيح. ما هي عملية التنقيح؟ إزالة الأوصاف الموجودة في النص غير المناسبة للتعليل وتعليق الحكم في النهاية على الوصف المناسب منها للتعليل. العملية الثالثة أو البحث الثالث عملية تخريج المناط، وهذه في حالة أن يكون الحكم نص عليه بشكل مجرد، لم يأتِ معه أوصاف أحدها هو العلة، لا، حكم نص عليه مجرداً عن أوصاف، قال الله: افعلوا كذا أو لا تفعلوا كذا، وانتهى النص. يقوم المجتهد الآن بعمله استنباط وتخريج للعلة، فهذه المباحث الثلاث هي أهم مباحث تطرق في باب العلة؛ تحقيق وجودها في الفرع، أو تنقيحها في حالة وجود أوصاف مع حكم، أو تخريجها في حالة وجود الحكم مجرداً عن أوصاف معه.
اليوم ننتقل إلى المبحث الرابع وهو من مباحث الجامع من مباحث العلة، عبروا كما تشاءوا. طبعاً أنا قلت في المحاضرة السابقة: متى أسمي العلة جامعاً؟ إذا أردت القياس لا تسمى جامعاً إلا إذا أردت أن أجمع بها بين فرع وأصل. أما إذا أنا فقط عندي حكم أريد أن أبحث عن علته، لا أريد أن أقيس بهذه العلة، فقط عندي حكم في نصوص الكتاب والسنة أريد أن أبحث عن علته؛ فهنا لا أقول جامعاً، بل أقول علة أو سبب أو مظنة، أستخدم الأسماء السبعة لكن لا أسميه جامعاً إلا في حالة إرادة القياس. والله تعالى أعلم.
الآن كما قلنا ننتقل إلى المبحث الرابع من مباحث العلة، وهو مبحث شروط العلة، حتى تصح أن تكون علة ما هي الشروط التي يجب توفرها في الوصف الذي سأسميه علة؟ أو سأسميه مظنة، أو سأسميه سبباً، أو سأسميه مناطاً، أو سأسميه مؤثراً، عبر كما تشاء. ما هي الشروط التي يجب أن تتوفر فيه؟ فماذا قال عبد المؤمن البغدادي رحمة الله عليه؟ قال: ثم الجامع إن كان وصفاً، سيتكلم عن الجامع الآن في صورته الأولى. ثم بعد ذلك سينتقل للحديث عن الجامع إذا كان حكماً شرعياً، لأنه كما قلنا الجامع إما أن يكون وصفاً في أشكاله، له شكلان أساساً، إما أن يكون وصفاً وإما أن يكون حكماً شرعياً.
طبعاً في الشروح والمطولات سنجد أنه في تقسيم للوصف؛ وصف حقيقي، ووصف عرفي، ووصف لغوي، لكن لا أريد أن أقحمكم الآن به، دعونا الآن فيما وقف عليه عبد المؤمن البغدادي. قال: الجامع إن كان وصفاً فما شروطه؟ لأن شروط الجامع هي شروط العلة، إذا كانت العلة وصفاً ما هي شروط هذا الوصف؟ نعدها معاً؛ قال: إن كان وصفاً موجوداً، هذا أول شرط، أن يكون وصفاً وجودياً وليس عدمياً، ثانياً ظاهراً، ثالثاً منضبطاً، رابعاً مناسباً، خامساً معتبراً، سادساً مطرداً، سابعاً متعدياً، قال: فهو علة، لا خلاف في ثبوت الحكم به. فالوصف ذكر له هنا شروط سبعة، وهناك شرط مختلف فيه سيذكر في محله ثامن وهو انعكاس العلة، هذا دعوه في محله، لكن هذه الشروط السبعة يقول هذه الشروط يجب أن تتوفر في الوصف حتى يصح التعليل به، إذا لم تتوفر في الوصف معناها هذا الوصف لا يجوز أن نعلل به. ما هي هذه الشروط؟ الموجود، الظاهر، المنضبط، المناسب، المعتبر، المطرد، المتعدي، فهو علة إذا كان حينئذ هذا الوصف يستجمع كل هذه الضوابط وكل هذه الشروط فهو علة، لا خلاف في ثبوت الحكم به.
الآن عبد المؤمن البغدادي سيحلل كل شرط من هذه الشروط على حدة، سيحللها واحداً واحداً، لكن أريدكم أن تنتبهوا من هنا، قال ابتداءً: إن كان وصفاً موجوداً، بعد موجوداً قال ظاهراً، هل في بينهم حالة شرط؟ وعبد المؤمن البغدادي لم يذكر شيئاً بينهما. لماذا أركز على هذا؟ راح تخدمني الآن في موضوع معين، أريد أن أوصلكم له، هناك إشكالية في المتن، فأريدكم الآن أن تركزوا أنه قال إن كان وصفاً موجوداً، وبعد موجوداً قال ظاهراً، لم يذكر شيئاً بينهما، وعندما يشرح سيرتب الحديث عن هذه الشروط واحداً واحداً.
طيب دعونا نبدأ بها، إن قال: إن كان وصفاً موجوداً، ما معنى موجود؟ خليني أرتبها على السبورة، أنا أحب دائماً ربط الأفكار على السبورة ثم بعد ذلك أعود فأبشرها. شروط العلة إن كانت وصفاً، شروطها: واحد أن يكون موجوداً، يقابل الوجود المعدوم، فهل يصح أن تكون العلة وصفاً عدمياً؟ هذا الذي سيناقشه، هو يشترط أن تكون علة وجودية. موجوداً، ظاهراً، منضبطاً، مناسباً، معتبراً، مطرداً، متعدياً. فهذه سبعة شروط يجب أن نجلس معها واحداً واحداً لنفهم ما المقصود منها. فماذا قال رحمة الله عليه؟ بدأ بأول شرط قال: أما الوجود فشرط عند المحققين، الوجود هو شرط من شروط العلة الوصفية عند من قال؟ عند المحققين، ما العلة؟ قال: لاستحالة العدم، فلا يكون علة للوجود. الآن العلة الوجودية ما الذي يقابلها؟ العلة العدمية، فهو يقول يصح التعليل بالعلة الوجودية، أو شرط العلة الوصفية أن تكون علة وجودية، طب أما التعليل بالعدم فهل يصح؟ الآن دعونا من هذه القضية، هل التعليل بالعدم هل يصح؟ ابتداءً أريد أن أقول هو يشترط في العلة أن تكون وصفاً وجودياً، قال هذا شرط عند المحققين. الصحيح في مذهب الحنابلة أنه يصح التعليل بالعلة العدمية، وليس ما اختاره عبد المؤمن البغدادي، عبد المؤمن البغدادي ما اختاره هنا هذا رأي لبعض الحنابلة، لكن ما اعتمده ابن النجار الفتوحي في مختصر التحرير وفي شرحه، وما اعتمده أكثر الحنابلة حتى الطوفي وغيره من الحنابلة أنه يجوز التعليل بالعلة العدمية، فكلام عبد المؤمن البغدادي هذا وجهة نظر عبد المؤمن وبعض الحنابلة وليست هي المذهب عندنا. هذه التعليقات التي أردت أن أعلق بها ابتداءً أنه قال شرط عند المحققين، نقول على رأي عبد المؤمن وبعض الحنابلة وليست هي المذهب، بل المذهب كما نص عليه ابن النجار في المختصر وفي شرحه الكوكب المنير وكما ذكره أيضاً الطوفي وغيره من الحنابلة يجوز التعليل بالعلة العدمية.
طيب الآن يا شيخ قبل ما تدخلنا في هذه الدوامة بدنا نقسم تقسيماً معيناً، أريد أن أقسم تقسيماً معيناً، ما هو هذا التقسيم حتى نفهم؟ أنا بعض المباحث ينبغي أن تقسم حتى يفهم الطالب ما المراد بها. الآن أيها الأحبة نتكلم عن الوجود، عندنا أربع صور في هذه المسألة، في مسألة هل يشترط أن تكون العلة موجودة أو معدومة؟ نقول هناك أربع صور: الصورة الأولى: حكم وجودي علته وجودية، هذا الاعتماد الأول صح، أيش مثاله؟ تحريم الخمر، إيش علته؟ الإسكار، الإسكار علة وجودية ووصف قائم، وصف موجود وليس عدماً، أليس كذلك؟ الإسكار وصف وجودي ليس عدمي، وصف قائم موجود في الخمر هو الذي سبب تحريمه والباعث على تحريمها، إذاً الحالة الأولى أن يكون الحكم وجودياً وأن تكون العلة وجودية. فلاحظوا الحكم هنا ليس عدمياً، الحكم وجودي لأنه هناك خطاب من الشارع، هو الذي قال الخمر حرام، الحكم موجود، صح؟ والعلة وجودية.
الحالة الثانية: حكم عدمي وتكون علة عدمية، نأخذ مثالاً على حكم عدمي وتكون العلة فيها عدمية، نقول عدم صحة البيع، تشددوا عدم جواز التصرف. لو أنه أيها الأحبة طفل صغير غير مميز، خمس سنين، قام ببيع سيارة، إيش بننكر هذا البيع؟ إحنا باطل غير صحيح، عدم صحة البيع هنا إيش علتها؟ عدم جواز التصرف من البائع، هذا البائع ممنوع أنه يتصرف، صح؟ فأنت هنا الحكم عندك عدمي، عدم صحة البيع، والعلة أيضاً عدمية التي هي إيش؟ عدم جواز التصرف، عللت حكماً عدمياً بعدم، لكن هنا الحكم العدمي يا شيخ أنت تكلمت لنا أنه الأحكام العدمية مروا معنا أول لما تكلمت عن الحكم، قلت الحكم إذا كان عدمياً ما له علة، بشكل إحنا تكلمنا، مش قلنا الحكم العدمي ما له إلا لما تكلمنا عن البراءة الأصلية، اه قلنا الحكم العدمي ما له علة، إحنا بنفسره بس ما له علة، صح؟
هنا أريد أن أعطيكم نقلة لفائدة معينة، أن الأصوليين أيها الأحبة يقسمون العدم إلى نوعين: هناك عدم أصلي، التي هي البراءة الأصلية، وهناك عدم طارئ، تمام؟ هناك عدم أصلي هي البراءة الأصلية وهذه التي قال عنها الغزالي وتبعه كثير من أهل العلم على أنها ليس لها علة، لا تعلل العدم الأصلي لأنها أصل، لكن هناك نوع ثاني من العدم اسمه العدم الطارئ. العدم الطارئ يكون هذا بعد الثبوت، يكون مثلاً الأصل في شيء أنه صحيح وثابت، ثم بعد ذلك يطرأ العدم عليه بأمر معين لعلة معينة، فالعدم الطارئ يعلل، العدم الطارئ له علة. الآن نطبق على هذا المثال، الآن الأصل في بيوع الناس إيش هي؟ الصحة، صح؟ الأصل في البيوع الصحة، إذا بدك تقول إنه هذا العقد غير صحيح بدك تعلل، لأن الأصل الصحة، فعدم الصحة هذا طارئ، هذا العدمية طارئة مش هي أصلية، هذه طارئة، فتعلل، فنقول العدم الطارئ يعلل، فعدم صحة البيع هذا طارئ، تمام؟ فأستطيع أن أعلله، فأقول والله ليش الفعل غير صحيح؟ لماذا أبطلتم لنا البيع؟ نقول في علة أكيد، ما هي؟ عدم جواز التصرف، هذا الشخص الذي عقد لا يجوز له أن يتصرف، تمام؟ هذه مهمة التقسيم، أن العدم الأصلي هو الذي تحدثنا عنه سابقاً أنه لا يعلل، وإنما تقول مثلاً والله هذا الحكم لم يثبت لعدم المقتضي، عدم المقتضي ليس علة شرعية وإنما تفسير، أما العدم الطارئ فيعلل، عندنا مشكلة في تعليله، تمام؟ وهنا لما تقول حكم عدمي يعلل بعلة عدمية أقصد بالحكم العدمي العدم الطارئ، تمام؟
قالوا لنا على هذا التفكير أيها الأحبة، طيب نذهب إلى الصورة الثالثة: حكم عدمي يعلل بعلة وجودية، هذه الاحتمالات أنا عم بعطيكم الاحتمالات الموجودة عندي، أنه يكون الحكم عندي عدمياً، مثل الحالة رقم اثنين، لكن علته هون إيش راح تكون؟ وجودية، بدي أعطيكم نفس المثال بس بدي أغير العبارة: عدم صحة البيع، العلة العبودية أو الرق، جاء عبد من العبيد لم يأذن له سيده أن يقوم بعملية البيع، جاء هذا العبد، باع سيارة، إيش حكم البيع هذا؟ باطل، عدم صحة البيع، إيش السبب؟ أنه عبد، ففي هذه الحالة عدم صحة البيع من قبل العبد، نقول العلة العبودية، ترى لاحظ كيف أنه هنا في الحقيقة تستطيع أنك تتلاعب بالعبارة، أنتم ملاحظين؟ لو قلت في هذه الحالة عدم صحة بيع العبد إيش علته؟ عدم جواز التصرف؟ طب وافق صح، يعني استوطني نفس الحكم، يعني استطعت أني أعبر عن علتي بصيغة عدمية، وأني أعبر عن علتي بصورة وجودية، لذلك كثير من الأصوليين يقول هذا المبحث لا داعي له، لأن العلة أنت بتستطيع تتلاعب في عبارتها كما تشاء، يعني تقول لي لازم تكون العلة وجودية شرط؟ فبيجي واحد بقول له: الأخ، هذه العلة أنت الوجودية أنا بستطيع أشكلها عدمياً. هنا العلة العبودية أنت عبرت عنها بلفظة علة وجودية، إذاً صح التعليل بها، طب لما قلت عدم جواز التصرف ليش لا يصح التعليل به؟ ما هي نفس الفكرة. لكن هنا...
عبرت بصيغة وجودية؛ العبودية شيء وصف قائم موجود. وهناك عبرت بصيغة عدمية؛ عدم جواز التصرف. فأنت هذه لا تصح، وهذه تصح، أصبحت القضية شكلية أكثر منها واقعية. هذا كثير من الأصوليين يقول به. أنا حقيقة مرتاح جدا لهذا الرأي؛ أنه قضية شكلية لأنه أنت عبرت بالعبودية قلت يصح التعبير بها، إذا قطعت جواز التصرف لا يصح التعليل به. فالآن طبعا هو سيذكر عبد المؤمن البغدادي أدلة على رأيه، سيذكر أدلة على رأيه وسنناقش بعض هذه الأدلة سريعا، لكن أنا هنا فقط أعطيتك مؤشرا أنه ممكن يكون الموضوع شكلي، ولذلك الحنابلة قلت لكم ما عندنا مشكلة في التعليل بالعلة العدمية، هذا هو المذهب؛ لأن الموضوع شكلي أكثر من أنه واقعي.
الصورة الرابعة: حكم وجودي وعلة عدمية. تمام. حكم عدمي وعلة عدمية. حكم عدمي وعلة وجودية. إيش باقي؟ حكم وجودي وتكون العلة عدمية. إيش مثال عندنا على هذه الصورة حكم وجودي وتكون علته عدمية؟ مثلا لو قلنا إباحة التفاضل في البطيخ. يا بيه البطيخ بصير فيه التفاضل، يعطيني بطيختين وأنا أعطيه بطيخة، إيش العلة؟ ليس مكيلا ولا موزونا. تمام، العدمية؛ استخدمت أداة النفي. فإذا هنا حكم وجودي، إباحة التفاضل في بيع البطيخ، إيش العلة؟ عدمية؛ لأنه ليس مكيلا ولا موزونا، تعود للبطيخ. بتاخذ الحبة يا مشايخ لا فتقال ولا بتلتزم، بتروح أنت تعطيني حبتين، إلا أن بعض الأعراف ممكن تكيلها وتوزنها، لكن إحنا عادة بنشتريها بالحبة، بالعد، لا بالكيل ولا بالوزن. فإذن إباحة التفاضل في البطيخ هذا حكم وجودي، ما قلت عدم، ما حدا رح يعرف حتى الشكلية أحيانا ممكن تعبر عن الشغل. لو قلت عدم حرمة التفاضل في البطيخ هي نفسها إباحة التفاضل في البطيخ. كيف أحيانا بتكون أمور شكلية لا تؤثر في الأصل، أنه ما نقف عند كثير في الاستدلال. تمام؟ المهم أنه هذا حكم وجودي. عبرنا عنه بصيغة وجودية؛ إباحة التفاضل في البطيخ. ما هي العلة؟ ليس مكيلا ولا موزونا، علة عدمية.
الآن هذه الصور الأربع أيها الأحبة المحتملة موجودة عندنا: أنه يكون عندي حكم شرعي وجودي لعلة وجودية. هذه الحالة قطعا لا إشكال فيها صح، نضع عليها صح، ما أحد ينازعنا فيها، هذه الحالة الأصلية. حكم شرعي وجودي لعلة وجودية؛ تحريم الخمر للإسكار، تحريم الربا بالتمر للكيل، تحريم كذلك إيجاد الزكاة للحبوب والثمار؛ القدرة الكيل والادخار، كلها علة وجودية والحكم ممتاز. حكم وجودي وعلة عدمية، عدم صحة البيع، عدم جواز التصرف، في الحقيقة ثمانية وتسعين بالمئة من الأصوليين على صحتها، عرفت؟ لكن مع عبد المؤمن البغدادي راح نتناقش في جزئية واحدة من هذه القضية مع عبد المؤمن راح نتناقش في جزئية هذا الموضوع. الآن بدي أحط تحتها خطا أسود، أنه هذه بدنا نرجع لها كلنا إن شاء الله.
حكم عدمي وعلة وجودية، هذه الإشكال فيها أيضا عند الأصوليين لا عبد المؤمن ولا غير عبد المؤمن، لأن العلة هنا العلة وجودية. فعبد المؤمن وأصدقاؤه ما عندهم مشكلة معانا أن الحكم العدمي لعلة وجودية، وفي الحالة الأولى العلة وجودية، عبد المؤمن ما عنده مشكلة. عبد المؤمن البغدادي رحمه الله عليه مشكلته الأساسية في الصورة رقم أربعة. هذه مشكلته الأساسية، وهناك مشكلة ليست أساسية عنده في الحالة رقم اثنين؛ لأن العلة هنا إيش؟ عدمية، في الحالة رقم اثنين وفي الحالة رقم أربعة برضه إيش؟ العلة عدمية. لكن مشكلته الأساسية كما سيظهر معنا إن شاء الله في النقطة أربعة؛ يكون حكم وجودي وتكون علته بعلة عدمية. هذه مشكلة الحالة رقم اثنين خلونا نفصلها بعدين؛ لأنه كما قلت لكم إذا كان العدم طارئا إحنا ما عندنا مشكلة، لكن هي نفسها مسألة العلة العدمية عبد المؤمن البغدادي ما زال مترددا كما سيظهر لنا من عبارته، في نوع من التردد في التعليل. إذا كان عدم طارئ إحنا بالنسبة لنا ما عندنا مشكلة تكون علته عدمية، لكن راح نتناقش مع أنفسنا إذا كان العدم أصليا. لأنه إحنا قررنا ابتداء أنه العدم الأصلي اللي هي البراءة الأصلية ما لهاش علة أصلا، لا وجودية ولا عدمية، مش خاضعة للتعليل، صح؟ غير داخلة في نطاق التعليل، وإنما نقول عدم المقتضي، وعدم المقتضي ليس علة على رأي الغزالي وعبد المؤمن البغدادي والرأي الذي أصلناه ابتداء. فدعوني إذا أعود إلى الكتاب بعد أن أعطيتها للصور الأربع أيها الأحبة، دعونا ننظر مناقشة عبد المؤمن.
الآن قال: الوجوب عند المحققين. عبد المؤمن الآن أيها الأحبة سيتكلم ابتداء عن الصورة الرابعة. أنا لماذا قدمت؟ لأنه بدي أبين أن عبد المؤمن البغدادي الآن نقاشه في الصورة الرابعة. إيش هي الصورة الرابعة التي أنا كتبتها على السبورة؟ أن يكون حكم وجودي وعلته عدمية. اكتبوا مثاله: إباحة التفاضل في البطيخ. إيش العلة؟ ليس مكيلا ولا موزونا. الآن عبد المؤمن سيناقش في هذه الجزئية. قال عبد المؤمن: الوجود شرط عند المحققين، يعني أن تكون العلة وجودية، وصف وجودي شرطه عند المحققين. لماذا يا عبد المؤمن؟ قال: لاستمرار العدم فلا يكون علة للوجود. يعني لا يكون العدم علة للحكم الوجودي. آه إذا هو بيتكلم عن الصورة الرابعة الآن، قال: لاستمرار العدم فلا يكون علة للوجود، لا يصلح أن يكون العدم علة لحكم الوجود.
ما معنى قول عبد المؤمن البغدادي؟ وما هو دليله؟ قال: لاستمرار العدم. ما معنى استمرار العدم الآن؟ طبعا هنا أجد الشيخ عبد الله الفوزان حفظه الله ورعاه ذكر تفسيرا، يعني معنى الاستمرار العدمي أنه ماذا يقصد بكلمة استمرار العدم؟ لكن أجد تفسير الشيخ عبد الله الفوزان بعيدا عن الواقع الذي يقصده عبد المؤمن البغدادي، وأظن تفسير الدكتور سعد الشثري هو الأدق. يعني ما معنى هذا التعليل؟ يقول الشثري في تفسيره لهذا التعليل: نقول أي العدم هو الأصل وهو مستمر في القدم، فلا يجوز تعليل الوجود به، وإلا لكان الوجود موجودا في القدم أيضا واللازم باطل. أعيد ما معنى لاستمرار العدم؟ أنه مش بده يقول عبد المؤمن البغدادي أن العدم هو الأصل في الأشياء صح ولا لا؟ لو قلت لك إيش الأصل في الأشياء؟ العدم، بعدين توجد، فيقول العدم هو الأصل فهو ثابت في القدم. طب الحكم الذي عندنا إيش؟ حكم وجودي صح؟ إحنا عندنا الحكم وجودي. فإيش بده يقول لك؟ العدم هو الأصل وهو ثابت في القدم، فلا يجوز تعليل الوجود -يعني الحكم الوجودي- به. اكتبوا هكذا: فلا يجوز تعليل الحكم الوجودي به. ليش ما بصير يا شيخ؟ قال: وإلا لكان الوجود موجودا -يعني لكان الحكم الوجودي موجودا- في القدم أيضا، واللازم باطل، فكذلك الملزوم.
أنا بدي أحاول أقرب لك الصورة قدر الإمكان، وأسأل الله أن تفهم ما فهمناه، هي المشكلة الكبيرة الآن في بعض الاستدلالات الفرعية. أنه يقول لك الآن: هل يجوز أن تعلل بالعدم؟ العدم هو الحالة الأصلية صح؟ هو شيء مستمر منذ القدم، والوجود هو الحالة الطارئة عليه. فإذا كان عندي حكم وجودي، حكم حدث بعد أن كان معدوما، الحكم حدث ووجد بعد أن كان معدوما، فلا يصح أن أجعل تعليله وصفا عدميا مستمرا في القدم، لأنه لو كان هذا الحكم الوجودي الذي حدث بعد أن كان معدوما، علته وصف عدمي مستمر في القدم، طب الوصف العدمي مستمر في القدم إذا هو موجود ابتداء، إذا الحكم هذا ليش صار وجوديا؟ الأصل إذا أنه موجود برضه ابتداء، صح ولا لا؟ لأنه تقولوا أن هذا حكم وجد بعد أن كان معدوما، وايش أنتم وصف عدمي؟ طب الوصف العدمي هذا هو الأصل، هو مستقر منذ القدم. فإذا كان الأصل العدمي وهو الأصل وهو مستقر في القدم، فالأصل أن يكون هذا الحكم الوجودي موجود معه من زمان. لماذا كان وجوديا؟ لماذا وجد بعد أن كان معدوما؟ طب ما هي علة عدمية! فهمتم إيش بده يقول؟ أنه علته عدمية وعدمه موجود، فكيف يكون العدم سببا للوجود؟ هذه التي عبد المؤمن البغدادي كما يقول مش راكبة؛ ليست راكبة أنه الشيء العدمي قديم هو الأصل، والوجودي طارئ. فكيف يكون القديم هو علة للطارئ؟ هذه عنده مش راكبة.
الآن هناك أيها الأحبة تعليل آخر وجهة نظر أخرى لعبد المؤمن البغدادي، هي التي تحدث عنها الدكتور عبد الله الفوزان وإن لم تكن هي معنى عبد المؤمن البغدادي لاستمرار العدم. ما هو الدليل الثاني لعبد المؤمن البغدادي على اشتراط أن تكون العلة وجودية؟ يقول: المجتهد الآن لما يأتي حكم وجودي ممتاز، وأراد أن يخرج علته تخريج مناط، إحنا من إيش بنحكي للمجتهد؟ بنحكي للمجتهد الآن بدك تقوم أنت باختبار الأوصاف التي تصلح للتعليل، أو يمكن أن تصلح للتعليل، وإزاحة الأوصاف غير اللائقة منها، والوصول إلى الوصف اللائق لأن يكون هو العلة. هيك راح يكون ضمنيا أن الآن المجتهد عنده حكم وجودي ممتاز، بده يبدأ يأخذ علته صح؟ فبدا يبدأ يحط لك الاحتمالات في ذهنه: إيش محتمل؟ محتمل يكون كذا علته، ممكن تكون كذا، ممكن تكون كذا. لا هذه مش مناسبة، لا يمكن أن يكون الشرع هذه مناسبة، لأنه شو بتشتري اعتبارا في مكان آخر؟ سيبدأ هيك يحصل في ذهنه أوصافا معينة صح؟ ويبدأ هيك يزيل الأوصاف غير الصالحة، فهو من أشكال التنقيح، وإلا كان يحدث في الذهن أنه بده يضع الاحتمالات الموجودة عنده لعلة الحكم، ويبدأ يقوم باختبار هذه الاحتمالات ويزيل الاحتمالات غير المناسبة وبعد ذلك يعطينا الوصف المناسب. مش هذه وظيفة المجتهد لما يأتي يستخرج علة حكم وجودي ممتاز؟
قال: لو أننا قلنا للمجتهد أن علة الحكم الوجودي يمكن أن تكون عدمية، إذا يجب على المجتهد أيضا أن يختبر الأوصاف العدمية صح؟ بده يحطها على قائمة الاحتمالات، الأوصاف العدمية. والأوصاف العدمية قال لا نهاية لها، فبالتالي لن يستطيع المجتهد أن يصل في النهاية إلى تحديد إيش؟ علة الحكم. لو قلت له أن العدم يمكن أن يكون علة للوجود. نعطيك مثال: الآن النبي صلى الله عليه وسلم قال: التمر بالتمر لبن، لا هاؤها، لأنه مجتهد ينظر، إيش هي العلة؟ تحريم الربا أو التفاضل في التمر، ما عنده الآن تعليل شرعي، هو بده يستخرج المناط. لو قلنا للمجتهد أن العلة يمكن أن تكون أوصافا عدمية، بدك تحطها على قائمة الاحتمالات الموجودة عندك، بده يبدأ الأوصاف العدمية اللي ممكن تكون العلة، ويبدأ يقول والله ممكن يكون التمر، والله حكمه يحرم التفاضل فيه لأنه مثلا ليس مشروعا، ليس مزروعا، ولأنه ليس موزونا، فليس مكيلا، ممكن يكون هذا هو العلة. ليه؟ لأنه ليس موزونا، ممكن تكون هذه العلة لأنه ليس مزروعا، لأنه ليس مثلا ليس معدودا، وإن كانوا لا يباع بالعد، مثلا ما حدا ببيعه بالعد، ليس معدودا. لاحظوا لسا الآن هيك أنا وإياك قاعدين خلال خمس ثوان طلعنا أربع أوصاف عدمية محتملة، وبده يجمع لنا كل الأوصاف العدمية المحتملة ويبدأ يفكر فيها وصف وصف ويلغيها. طب هذا كما روى عبد المؤمن البغدادي مالهاش حل، لأن الأوصاف العدمية لو بدك تبدأ تحصرها لا تحصى؛ لأن التمر ليس كذا ولأنه ليس كذا، ممكن أن نقول أنه ليس كذا ولا أنه يكون ليس كذا، العدم لا نهاية له في التمر، فبالتالي لن يستطيع المجتهد أن يصل إلى علة تحريم التفاضل في التمر.
لكن لما تكون العلة وجودية قال: العلة الوجودية محصورة، يمكن أنه يحصر الأوصاف الموجودة في اللي من أجلها حرم التفاضل فيه. لكن الأوصاف التي ليست موجودة فيه إلى آخر الطريق، يعني عددها ضخم جدا، وهنا يقول غير متناهي. حتى لو اعترضت متناهية، عدد ضخم جدا جدا من الأوصاف العدمية، فكيف أقول للمجتهد: والله قم احصر الأوصاف العدمية والوجودية، وقم بالتنقيح واصل إلى العلة؟ عملية مرهقة جدا جدا بل تكاد تصل إلى شبه مستحيلة. هذا العلة الأخرى أو الدليل الآخر لعبد المؤمن البغدادي في عدم جواز تعليل الحكم الوجودي بالعلة العدمية.
الآن هذا الدليل أيها الأحبة، الدليل الثاني إيش يقول الطوفي في الرد عليه؟ يقول الطوفي في الرد على الدليل الثاني لعبد المؤمن، قضية أنه المجتهد إذا قلنا له أن العلة يمكن أن تكون عدمية عليه أن يحصر العلل العدمية، وحصر العلة العدمية شبه مستحيل فبالتالي لن نستطيع أن نصل إلى نتيجة، إيش يقول الطوفي؟ يقول الطوفي: سبر العدم يلزم المجتهد. الطوفي رايح للجهة المقابلة تماما، الطوفي يقول لعبد المؤمن البغدادي: من قال لك أن المجتهد لا يجب عليه أن يختبر العلل العدمية؟ الأحكام الوجودية ما في مشكلة، خليه يختبر العلل العدمية. طب فقال له عبد المؤمن البغدادي: العلة العدمية لا نهاية لها، فكيف تكلف المجتهد باختبار العلل العدمية أيضا؟ فإيش قال له الطوفي حتى يغلق هذا الباب؟ قال: سبر العدم، يعني اختبار العلل العدمية يلزم المجتهد إن كان.
مظنة للحكم، ما معنى هذا؟ أن الطوفي يقول لعبد المؤمن: لا يلزم المجتهد أن يحصر جميع الأوصاف العدمية على وجه الأرض، يكفيه أن يحصل أو يجمع لنا الأوصاف العدمية التي هي مظنة أن يكون الحكم عُلِّق عليها. ولا نكلفه بأن يجمع جميع الأوصاف العدمية. فهمني كيف الطوفي يناقش أن المجتهد لا يلزمه أن يأتي بكل وصف عدمي، بل يلزمه أن يأتي بالأوصاف العدمية التي هي مظنة تعليق الحكم عليها. لأن هناك أوصافاً عدمية للتمر مثلاً، مستحيل يكون الحكم عُلق عليها؛ هل تحريم التفاضل في التمر عُلق على وصف عدمي بعيد، كونه ليس مستطيلاً أو ليس مربعاً أو ليس مثلث الشكل؟ هل هذا يمكن تعليق الحكم عليه؟ مش ممكن. فعبد الطوفي يقول لعبد المؤمن: خليه يختبر الوصف العدمي، لكن ليست كل الأوصاف العدمية، بل الأوصاف العدمية التي يحتمل تعليق الحكم عليها. فبالتالي قضية أنها غير متناهية هذه لا تصلح عندك، أبطَلناها؛ أنه لا يلزمه أن يحصر جميع الأوصاف العدمية ويختبرها، فقط ما هو مظنة الحكم.
قال: وإن سلمنا عدم إمكانية حصر الأوصاف العدمية، بالتالي لا أُكلِّف المجتهد باختبار الأوصاف العدمية، فنقول هذا ليس دليلاً على أن العلة العدمية أو الوصف العدمي لا يصلح لأن يكون علة؛ وإنما لم نُطالب المجتهد بحصر الأوصاف العدمية لعدم تناهيها فقط، وليس لأنها لا تصلح للتعليل. ماذا نقدر نقول في مناقشة أخرى؟ أنت يا عبد المؤمن البغدادي تناقش أن الوصف العدمي لا يصلح لأن يكون علة لحكم وجودي، هذا نقطة نقاشك صح؟ هذا الدليل الذي تستدل به لا يساعدك؛ لماذا؟ لأنك تقول إن المجتهد لا يلزمه أن يختبر الأوصاف العدمية لأن الأوصاف العدمية غير متناهية. فانت تقول إن الوصف العدمي لا يصح أن يكون علة لحكم وجودي حتى لا نلزم المجتهد بحصر كل العدميات، وهذا لا يمكنه لأنها غير متناهية. دليلك لا يساعدك على عدم صلاحية العدم ليكون علة للوجود.
أنت تريد أن تستدل على أن الوصف العدمي لا يصلح لأن يكون علة لحكم وجودي، ودليلك لا يساعد على هذا. لأنك تقول: يصعب على المجتهد حصر الأوصاف العدمية لأنها غير متناهية؛ فبالتالي النتيجة التي توصلت لها هي: "إذاً لا يصح التعليل بالعدم". أقول لك: لا، هذا التعديل الذي قلته لا يؤدي إلى هذه النتيجة، بل يؤدي إلى نتيجة أخرى، وهو أننا لا نكلف المجتهد بحصر الأوصاف العدمية لعدم تناهيها، ولا يدل على أن العدم لا يصلح علة للوجود عقلاً أو شرعاً. فهمت الآن كيف النقاش عاطفي معه؟ أنك تريد أن تقول إن الأوصاف المعدومة غير متناهية فلا يصح التعليل بها، نقول هذا خطأ؛ لأن الأوصاف المعدومة غير متناهية لو سلمنا تنزلاً معك بذلك، فالنتيجة التي ستقودنا إليها هذه المقدمة هي أننا لا نكلف المجتهد أن يقوم باختبارها لعجزه عن ذلك، وليست النتيجة هي أنه لا يصح التعليل بالعدم؛ فهذا أمر وهذا أمر آخر.
إذا قال عبد المؤمن: أما الوجود فشرطه عند المحققين، عرفنا أدلة عبد المؤمن، قال: لاستمرار العدم، وعرفنا ما معنى استمرار العدم عنده، أن العدم هو الأصل وهو مستمر في القدم، فلا يجوز تعليل الوجود وإلا لكان الوجود موجوداً أيضاً في القدم. في الحقيقة أيضاً هذا الدليل يمكن أن يُرد عليه بأنه ليس كل عدم هو عدم قديم، لأن هناك عدماً طارئاً؛ وهناك عدم أصلي وهناك عدم طارئ. هذا أولاً، وثانياً: فيمكن أن يكون العدم الذي عللنا به عدماً طارئاً وهو ليس قديماً في الأزل، عدم طرأ على الشيء فسبب حكماً وجودياً، وهذه لا مشكلة فيها ذهنياً. ثم أصلاً مسألة تعليق الأحكام الوجودية على علة عدمية لا نجد فيها أصالة الإشكال الذهني والعقلي كما أنت تتصور. يعني لو قلت إن إباحة التفاضل في البطيخ لأنه ليس بكيلاً ولا موزوناً، ايش المشكلة فيها يعني؟ ما المشكلة الذهنية؟
نحن نقول ما معنى حكم وجودي؟ يعني أن الشارع خاطبنا بخطاب، صح؟ هذا الحكم الوجودي، يعني جاءنا خطاب من الشارع أن هذا فعل مباح مثلاً، هذا حكم وجودي. طيب ما العلة يا رب؟ المجتهد استنبطها بالاستنباط أنه ليس مكيلاً ولا موزوناً، هكذا ربنا أبدعها؛ هل هذا يلزم منه تناقض ذهني؟ هل هذه العملية، أي أن يكون هذا الحكم الوجودي هو أن الله جعل خطاباً منه بإباحة التفاضل في البطيخ وعرفنا أن العلة أنه ليس مكيلاً ولا موزوناً، هل هذا يلزم منه مشكلة ذهنية؟ لا يظهر لي أنه يوجد منه مشكلة ذهنية. وايش سيقول عبد المؤمن البغدادي؟ ايش المشكلة الذهنية؟ أنه يلزم أن إباحة البطيخ ثابتة منذ القدم لأن علته عدمية وليست من العدم الطارئ، لا من العدم الأصلي القديم؛ أنه ليس بمكيل ولا موزون من القدم، هذا ليس عدماً طارئاً بل عدم أصلي.
ومعقول الآن مش مشكلة، حتى لو كان عدماً أصلياً وحتى لو كان البطيخ قبل مجيء خطاب الشرع فيه، البراءة الأصلية تثبت أنه يجوز التفاضل فيه. لكن أنا أتكلم الآن أن الشارع هو الذي جاءنا بخطاب شرعي، لو قلنا إذاً هناك حكم وجودي، ما هو الحكم الوجودي؟ هو أن موقع البراءة الأصلية بشكل عام حكم مثبت، أنه جاءني خطاب يقول هذا الفعل افعلوه أو هو مباح أو ما شابه ذلك. هذا خطاب وجودي من الشارع أعطاني حكماً وجودياً، انبنى على علة عدمية موجودة في القدم، ولا يلزم طبعاً الآن قبل مجيء خطاب الشرع ما عندي حكم؛ فلا حاجة إذاً لأن أُعَلِّل هذا الحكم. أنا أحاول أوصل لكم الفكرة أن عبد المؤمن مشكلته أن هذا الحكم لو كان مبنياً على علة عدمية سيكون هذا الحكم الوجودي موجوداً منذ القدم؛ ونقول لا، ليس لازماً أن يكون موجوداً منذ القدم، لأنه ما تعريف الحكم الشرعي؟ هو خطاب الشارع المتعلق بأفعال المكلفين؛ إما إيجاب أو ندب أو تحريم أو كراهة أو إباحة، وهذا خطاب ليس أزلياً قديماً.
لكن هذا الخطاب الوجودي الذي أثبت لي حكماً وجودياً كان سببه أو علته قائمة على وصف عدم؛ فلا يلزم أن يكون خطاب الشارع عدمياً وهذا الحكم عدمياً أو قديماً بناء على أن علته عدمية قديمة. العلة العدمية نعم القديمة هي الأصل وهي موجودة منذ القدم مستقرة، لكن لم يظهر لي أثرها في هذا التصرف إلا من قبل الشارع. هذه العبارة: العلة العدمية صحيح موجودة منذ القدم إذا كانت من قبل العدم الأصلي، فهي فعلاً مستقرة منذ القدم؛ زي البطيخ، أنه غير مكيلاً ولا موزوناً، هذه العلة "ليس مكيلاً ولا موزوناً" وهو أصلي من القدم موجود. صحيح؟ لكن ظهر أثر هذه العلة العدمية في إباحة البطيخ، هذا أتى به الشرع وبينه الشرع ونص عليه الشرع، فبالتالي ترتيب هذا الحكم الوجودي على تلك العلة العدمية لا تنافي فيه ولا تناقض ولا يستلزم أن يكون الحكم قديماً، لأن ظهور تأثير هذا العدم في الحكم الوجودي الشارع هو الذي أتاني به وأظهره.
من دون خطاب من الشارع أنا لا أعلم أن هذه العلة تؤثر وتوجب حكماً. الأحكام عندنا من يأتي بها؟ الشارع سبحانه وتعالى؛ أتاني خطاب منه إذاً أتاني حكم وجودي منه، ممتاز، أتاني حكم وجودي أنه هذا مباح أو هذا حرام أو هذا كذا، معلق على علة عدمية. من الذي جعل العلة العدمية أو أظهر لي أن العلة العدمية تؤثر في الأحكام الوجودية؟ الشارع، إما بنصه أو من خلال ملاحظة تصرفاته واستنباطاتنا الفقهية، فما في إشكال، لا يستلزم إذا كانت العلة عدمية أن يكون الحكم قديماً في الأزل، لا يستلزم ذلك؛ لأننا نقول ظهر أثر هذه العلة العدمية بعد مجيء خطاب الشارع، ظهور أثرها وفاعليتها في الحكم وانتهاجها للحكم كان بعد مجيء خطاب الشارع، وهذا لا أجد فيه إشكالاً. حاولت أقرب الصورة بقدر الإمكان في الرد على هذه الشبهة.
لاحظوا يعني أخذت منا وقتاً هذا التفكير في علة العلة الوجودية. قال إذاً: الوجود شرط عند المحققين، عرفنا استمرار العدم، فلا يكون علة للوجود، قلنا الصحيح لا إشكال في كون العدم علة للوجود؛ لأن الحكم العلة العدمية موجودة في القدم ولكن ظهور تأثيرها في الحكم الوجودي هو الطارئ، يعني ظهور تأثيره هو الجديد وهذا لا مانع منه. الآن هنا المشكلة في النص الذي يليه، ايش قال؟ قال: وأما النفي فقيل يجوز علة، الآن في كل النسخ التي بين أيديكم كلمة النفي موضوعة بين قوسين وبالخط العريض كمان. اليس كذلك؟ هذا يوهِمك أن هذا النفي يعني لا يُقال أما الوجود، الوجود وضعها بين قوسين وبالخط العريض والنفي بين قوسين بالخط العريض، امشوا. بعد ذلك الصفحة التي تليها قيود بين قوسين وبالخط العريض، الانضباط بين قوسين بالخط العريض. الآن هذه الطريقة في كتابة نص كلام عبد المؤمن تُوهِم أن النفي هو الشرط الثاني من شروط العلة، نصياً أنه الآن عم يحلل شروط العلة الوصفية شرطاً شرطاً، فقال أول شيء الوجود.
بالتالي بده يكون الذي بين قوسين بالخط العريض: "أما الوجود"، بعد ذلك لازم تكون الكلمة الأخرى "الظهور"، وجود النفي بين كلمة الوجود والظهور ووضعها بين قوسين بالخط العريض ماذا سأفهم منها؟ أنه هذا شرط جديد من شروط الوصف حتى يكون، ألا أن يكون منفي؟ قال: وأما النفي، وهذا في الحقيقة أيها الأحبة هو كما قلت لكم اجتهاد شخصي من خلال تتبع كلام عبد المؤمن ومحاولة فهم مقصده ومن خلال السياق، كما سأبين لكم الآن أن هذا فيه إشكال من النساخ؛ من هنا يوجد إشكال من النساخ، هذا اجتهاد العبد الفقير أن كلمة "النفي" هنا معطوفة على كلمة "الوجود" السابقة لها بحرفين أو بكلمتين، وسياق النص على النحو التالي: "أما الوجود فشرط عند المحققين لاستمرار العدم فلا يكون علة للموجود، وأما للنفي، وأما للنفي فقيل يجوز علة". والنفي بمعنى العدم؛ ما استخدمناش كلمة النفي هون، كلمة العدم وكلمة النفي عند الأصوليين بمعنى واحد؛ فإذا قلت علة منفية أو علة عدمية فنفس المقصود، وإذا قلت حكم منفي أو حكم عدمي هو نفس المقصود تمام؟
طب ايش دليلك على ذلك؟ الشيخ عبد السلام الحصين له بحث قصير اذهبوا اقرؤوه على الشبكة اسمه "التعليل بالعدم وأثره في المسائل الأصولية" يقول فيه: إحدى النتائج التي وصلنا لها قال لا فرق في اصطلاح الأصوليين عند بحث هذه المسألة بين النفي والعدم. يعني الرجل حاول يستقري مواطن هذه المسألة بكتب الأصوليين، وضع بحثاً جزاه الله عنا خيراً. النتيجة التي توصل لها وهذا وافقوا على هذه النتيجة بشكل عام، أنه لا فرق في اصطلاح الأصوليين عند بحث هذه المسألة، أي مسألة التعليل بالعدم، بين مصطلح النفي والعدم. فستجد بعض الأصوليين يقول هل يصح التعليل بالنفي؟ البعض الآخر يقول هل يصح التعليل بالعدم؟ لا فرق تماماً في كلمة النفي وكلمة العدم هنا بمعنى واحد. الآن من الناحية اللغوية هناك فروق بين العدم والنفي في الحقيقة، لكن من الناحية الاصطلاحية، إذا قالوا هل يجوز التعليل بالنفي أو هل يجوز التعليل بالعدم؟ نفس المسألة.
بالتالي ايش النص؟ قال ينبغي أن يكون هكذا يقرأ: أما الوجود فشرط عند المحققين لاستمرار العدم فلا يكون أي العدم علة للوجود أي للحكم الوجودي. الآن عبد المؤمن يريد أن ينتقل لصورة أخرى، التي هي الصورة رقم اثنين التي ذكرناها على السبورة، نذكر أربع أحوال، الآن بحفظ الصورة رقم أربعة التي يكون الحكم وجودياً وعلته عدمية، الآن بدنا ننتقل مع عبد المؤمن للصورة رقم اثنين، بالله أظهر لي الكاميرا على السبورة، رقم اثنين ايش هي؟ أن يكون حكم عدمي وعلة عدمية، الآن عبد المؤمن البغدادي أثبت وجهة نظر ابتدائية أن العلة العدمية لا تصلح أن تكون للحكم الوجودي، هل انتهينا منها؟ لكن الآن بده ينتقل لمسألة أخرى وهي: هل يصلح أن يكون الوصف العدمي علة للحكم العدمي؟
وما الحكم المنفي؟ قال المنفي؛ لذلك قال: وأما للنفي. وهل يصح أن تكون علة عدمية؟ لأنه ماذا قال في النص القبلي مباشرة؟ قال: لا يكون علة للوجود؛ الحكم الوجودي. وأما فهل يصح أن يكون علة عدمية لحكم منفي؟ يعني الحكم عدمي، نفس التعبير، هل هو موطن النقاش؟ فقيل: لاحظوا العبارة: يجوز علة، فقيل يجوز علة، كأنه يريد أن يقول لك: إنه أنا الذي أتبناه ابتداء أن الحكم الوجودي لا يجوز أن تكون علته عدمية. وأما إذا كان الحكم منفياً وحكماً عدمياً، فقيل، وأعطاها بصيغة التضعيف، إنه الحكم العدمي قيل يجوز أن يكون له علة عدمية، تمام؟ والآن هذا القيل الذي يقول لك يجوز علة، وأما للنفي فقيل يجوز علة، يعني يجوز أن يكون علة للنفي.
قال: أصلاً هو، لو لاحظوا الآن كيف سيستطرد، لا خلاف في جواز الاستدلال بالنفي على النفي، وهذا مرمى على هذا، قياس، أي صور من صور قياس الدلالة، الاستدلال بالنفي على النفي. قال: لا خلاف في جواز الاستدلال بالنفي على النفي. هناك شغلة منفية استدل عليها بالنفي. ما المثال على ذلك؟ تقول: الخمر لا يجوز رهنها، ما الحكم الآن؟ منفي، عدم، هل قلت منفي ولا عدمها فرق؟ الخمر لا يجوز، ما العلة في ذلك؟ قالوا: لأنه لا يجوز بيعها، انظر الحنابلة، وكل ما لا يجوز بيعه لا يجوز رهنه، صح؟ بالتالي الخمر لا يجوز، عند الحنابلة ماذا يقول؟ لأنه لا يجوز بيعها. انظر كيف الاستدلال بنفي على نفي، العلة كانت نفي بعدم الاختصاص، والنفي نفس العدد، ما دينك ما يروح النبي هو العدم، بدك تقول استدللت بعدم على عدم، عبر ما عندي مشكلة، التي هي نفس التعبير على السبورة، استدللت بعلة عدمية على حكم عدمي. نفس القضية، عدم صحة البيع على السبورة، مش قلنا ما هي علتها؟ عدم جواز التصرف، نفس القضية، لا يجوز رهن الخمر، علتها لأنه لا يجوز بيعها، فهذا يسمى استدلالاً على نفي، استدلالاً بنفي يعني بعلة منفية، على نفي، يعني على حكم منفي، على حكم عدمي.
هو يقول لا خلاف، طب أنت كيف بتخالف؟ تقول لا خلاف، صح؟ إذاً لماذا تقول يجوز علة؟ أنت انظر عبارته، هل يجوز العدم أن يكون علة للحكم المنفي؟ أي للنفي، ما هو عبر وقال كيف يجوز إلا قيل يجوز علة، شبه قواها بصيغة التمريض كمان، قيل، طب أنت ليش بتحكي قيل بصيغة التمريض يجوز، مع أنك بعد شوي ماذا تقول؟ لا خلاف في جواز الاستدلال بالنفي على النفي، طب لماذا تقول قيل؟ أنت تقول لا خلاف في جواز الاستدلال بالنفي على النفي، يعني لا خلاف في جواز أن تكون وصفاً منفياً علة لوصف منفي، فهو ماذا يريد أن يقول في الحقيقة عبد المؤمن البغدادي؟ لا هو إمام كبير، هو كان أدق منا، وهو ما قال يجوز أن يكون النفي علة للنفي، قال: يجوز أن يستدل، كلمة الاستدلال أو عليها خط، يجوز الاستدلال بالنفي على النفي، يجوز الاستدلال، والاستدلال أعم من أن يكون علة، تمام؟ الكل يتفق على أنه النفي يجوز أن يستدل عليه بالنفي. يعني قبل قليل لما قلنا لا يجوز رهن الخمر، ما دليلك؟ عدم جواز بيع الخمر، تمام، هل هذا أنا سميته دليلاً؟ أنا أسميه استدلالاً، هذا استدلال، ولكن هل هو علة شرعية؟ هل قولك لأنه لا يجوز بيعه؟ هل هو تعليل ولا تفسير أكثر منه؟ يعني هل هي علة شرعية؟ بغض النظر موافق ولا لا، الآن أنا بدي أحاول أغسل لك أنه هو كيف يفكر، أنه هو يريد أن يقول لك هذا استدلال على نفي.
الآن لاحظوا ماذا سيقول، لسا ما انتهينا من الكلام، لكن أنا أحاول أحلل النص لأنه هنا النص شوية فيه اضطراب، وسأصل لنقطة في الحقيقة سأقف عندها لا أستطيع أن أفهم رأي عبد المؤمن البغدادي فيها الآن. المهم قال: ولا خلاف في جواز الاستدلال بالنفي على النفي، شغل بعدها: أما إن قيل بعليته فظاهر، وإلا فمن جهة البقاء على الأصل، بعدين ماذا قال بعد ذلك؟ فيصح فيما يتوقف على وجود الأمر المدعي عن كفائه فينتفي لانتفاء شرطه، لا في غيره. حقيقة هذه العبارة من عبد المؤمن حتى الشراح المعاصرين يشعرون بأن فيها نوعاً من الغموض، من قوله فيصح فيما يتوقف على وجود الأمر، الآن ستجد أن عبد الله الفوزان وإذا تأتي عند سعد الشتري تعليقات عامة، لكن في الحقيقة لم أجد تحليلاً دقيقاً لهذا النص الذي يريده عبد المؤمن، فواضح أنه هي محاولة إعطاء مؤشرات عامة عريضة لفهم النص وإن لم يكن هناك وضوح كبير، فمن قوله فيصح فيما يتوقف على وجود الأمر رداً على انتفائه فينتفي لانتفاء شرطه لا في غيره، هذه العبارة فيها نوع من الغموض عند عبد المؤمن.
لكن دعوني الآن في العبارة السابقة، هو ماذا قال؟ قال لا خلاف في جواز الاستدلال بالنفي على النفي، هذه المسألة ما فش فيها خلاف، لكن الآن وين النقاش؟ أن الاستدلال بالنفي على النفي هل هو من قبيل التعليل؟ فقوله: أما إن قيل بعليته فظاهر، وإلا فمن جهة البقاء على الأصل، ويجري أن يقول الآن الاستدلال بالنفي على النفي الكل متفق عليه، بصير استدل بنفي على نفي، لكن هل هذا الاستدلال هو من قبيل التعليل؟ هل هو من قبيل النفي بالنفي؟ هل هو من قبيل التعليل وجعلنا النفي علة؟ الآن البعض يرى أنه من قبيل التعليل، وقالوا يجوز تعليل النفي بالنفي، وهذا منهج كثير من الأصوليين، ما عنده مشكل يقول إنه يجوز الاستدلال بالنفي على النفي وهذا منهج فاهم، الاستدلال بمعنى التعليل، يعني يجوز الاستدلال على النفي بالنفي، ومعنى الاستدلال بالنفي على النفي أي تعليل النفي بالنفي، أنه هو عبد المؤمن يريد أن يناقش، ما معنى الاستدلال بالنفي على النفي؟
إن قيل إنه تعليل النفي بالنفي فظاهر، ماذا يعني فظاهر؟ يعني هل كلمة فظاهر كان يظهر الصحة، هو الذي يتبنى هذا الرأي؟ ولا ظاهر على رأي من يرى جواز تعليل النفي بالنفي؟ أني أنا أتفهم وجهة نظركم، لأنه قال: وأما النفي ليعودوا إلى الأصل، قال: وأما للنفي فقيل يجوز علة، أعطاها بصيغة التمريض، وقلنا إحنا في السطر وأما للنفي بالشك أنا رتبت النص من جديد، قلت هل كان النص يقرأ وأما للنفي، يعني وأما أن يكون العدم علة للنفي، يعني للحكم المنفي، فقال قيل يجوز علة، عبارة قيل ماذا توهمني أنا كقارئ أو تفهمني أنا كقارئ؟ أنه ما بيتبنى هاي، أنه هو ما بيتبناها، لأنه أنت تقول قيل، تشعرني أنك أنت ما بتتبناها أو نوعاً ما محرج من تبنيها، ممتاز؟
بعدين انتقلت معي إلى جزئية وهي أن هناك خلافاً في جواز الاستدلال بالنفي على، هو ماذا يريد أن يقول؟ يقول الآن إذا قلنا هكذا يريد، إذا قلنا لا يجوز الاستدلال بالنفي على النفي، إذا فسرنا أن الاستدلال بالنفي على النفي ومن قبيل تعليل النفي بالنفي فبكون فعلاً هنا علة عدمية منفية أو وصف عدم منفي كان علة لحكم عدمي منفي، لكن هل هذه وجهة النظر هذه هو يتبناها؟ النص دقيق ومتعب بس بدنا نحاول نقف عنده، هل هو يتبناها؟ أنه هذا الاستدلال بالنفي على النفي هو من قبيل تعليل النفي بالنفي؟ عبارة فقال أما إن قيل بعليته فظاهر، ماذا يعني فظاهر؟ هل يعني أنه ظاهر، يعني واضح الكلام، واضح المقصود وأنت تتبناه ولا لا تتبناه؟ استثنى نحن لا نستطيع أن نجزم، هل أنت ابتداء أوهمتنا وأشعرتنا بماذا؟ بأنه لا يجوز تعليل النفي بالنفي؛ لأنك قلت وأما للنفي فقيل يجوز علة، معناتها أنك لست مع هذا القيل، فبالتالي أنت كيف تفهم الاستدلال بالنفي على النفي؟ كيف تفهمه؟ هل تفهمه أنه من قبيل تعليل النفي بالنفي؟ وجهة نظري الأولى الابتدائية أنه ليس مع هذا الرأي، لكن هو بده يقول لك إنه في كل عام متفق عليه عند الأصولية وهو جواز الاستدلال بالنفي على النفي، بعض الأصوليين يرى أنه من قبيل التعليل، يعني تعليل حكم منفي بحكم منفي، لكن البعض الآخر لا يرى أنه من قبيل التعليل، ويراه أنه من قبيل من جهة البقاء على الأصل، أي من جهة البقاء على البراءة الأصلية، فبتكون الاستدلال بالنفي على من جهة التفسير والتعريف وليس من جهة التعليل، الآن تذهب إلى السبورة.
أتعبتكم في هذه المسألة لكن الشعور من الأمانة العلمية أن يكون هناك شيء من التحليل وتعويد الطالب على المناقشة وفهم النص وليس فقط أن يقال شرحنا وقرأنا. الآن أيها الأحبة الاستدلال بالنفي على النفي، تمام، الآن عبد المؤمن البغدادي يريد أن يقول هناك وجهتان في فهم ما معنى الاستدلال بالنفي على النفي؟ هل هو من قبيل تعليل حكم منفي بعلة منفية؟ هل هو من قبيل التعليل؟ ولا هو من قبيل التفسير؟ والحكم المنفي باقٍ على البراءة الأصلية، وهذا بده يرجعنا لمسألة الحكم، تتذكروا لما قلنا إذا كان الحكم هو البراءة الأصلية، اللي هو إحنا قصدنا عدم الحكم، تذكروا هذه المسألة؟ نعم؟ بدي أرجعها لهذه القضية. الآن الاستدلال بالنفي على النفي، إذا قلنا أنه هو تعليل حكم منفي بعلة منفية، معناته على هذه النظرة أو عند من يرى هذه الزاوية، يقول يجوز أن تكون أو أن يكون العدم علة للعدم.
صح الآن من يرى أنه لا، ليس من قبيل الاستدلال بالنفي على النفي، ليس من قبيل التعليل، يعني ليس النفي علة، ترى أنا قلت لكم معنى العلة تراها معناها خطير، أن تقولي النفي علة، يعني هو الباعث على تشريع النفي صح؟ مش أنت بتقول الإسكار هو الباعث على تحريم الخمر؟ أنت الآن بدك تقول هذا النفي هو علة لذاك النفي، يعني هو الباعث على ماذا على ذاك الحكم المنفي، بدك تفهم شو بتحكي أنت. فعندما أقول والله الخمر لا يجوز رهنها، ما هو الباعث على عدم جواز رهنها العلة عدم جواز بيعها؟ هل عدم جواز البيع هو الباعث؟ الآن عند أصحاب هذا الرأي من يرى أن الاستدلال بالنفي على النفي هو من قبيل تعليل نفي بما فيه يقول: نعم هو الباعث لأنه هو العلة. هناك وجهة نظر أخرى تقول: لا هنا صحيح أني استدلال بنفي على نفي، لكن النفي وهو الذي استدللت به، قلت أنا عدم الجواز رهن الخمر، الدليل ما هو الدليل؟ لأنه لا يجوز بيعها. هل قولي لا يجوز بيعها على الرأي الثاني هو علة؟ قال: لا ليس علة، هو استدلال فهو مفسر، مفسر لعدم جواز رهن الخمر، يفسر لي، يعطيني الدليل ولكن لا يعطيني التعليل، فلا نقول والله عدم جواز البيع هو الباعث على عدم جواز الرهن، وإنما هو دليل لارتباطهما مع بعضهما البعض، هو دليل لارتباطهما مع بعضهما البعض فيكون قياس دلالة، لو استخدمت القياس هون راح يكون قياس دلالة، لأنه هنا الوصف ليس علة وإنما هو دليل بين.
لو أنه شخص استدل بنفي على علة، فقال: لا يجوز بيع الرهن، أيش العلة؟ عفوا لا يجوز بيع رهن الخمر، ما العلة؟ العلة عدم جواز البيع، فيأتي شخص مثلا يقيس يقول بالتالي لا يجوز هبة الخمر قياساً على عدم جواز رهن الخمر، والجامع بينهم علة، ما هي؟ عدم جواز البيع، لاحظ كيف يصبح حولنا الموضوع مثلا لو جاءك فرع لا يجوز رهن الخمر هل يجوز هبة الخمر؟ سؤال، بيجي شخص يقول والله ما في عنا نص في هاي المسألة، نقيسها، فقلت أقيس، في القياس وصلت إلى أنه لا يجوز هبة الخمر، فقد قست على عدم جواز رهن الخمر، طب شو العلة الجامعة بينهم؟ عدم جواز البيع، الآن هذا يسمى قياس علة عند هؤلاء عند الطرف الأول، لماذا؟ لأنه الطرف الأول لما جاء قال: لا يجوز رهن الخمر ما الدليل الذي اشتغل به؟ ويعتبر هذا الدليل علة، فيعتبر عدم جواز البيع ما الذي يعتبره؟ علة، لما قاس عدم جواز الهبة على عدم جواز الرهن وجمع بينهما بعدم جواز البيع، هو جمع بينهما بعلة، إذاً هذا قياس علة صح؟ لأني جمعت بين فرع وأصل بعلة، تمام؟
فقضية أنه هل الاستدلال بالنفي على النفي من قبيل التعليل، ولا ليس من قبيل التعليل، وإنما من قبيل التفسير، هادي مسألة مهمة، أنه إذا جعلت الاستدلال بالنفي على النفي من قبيل التعليل، بالتالي هذه العلة لو ألحقت بها فرعاً بأصل، ليكون القياس الناتج عندي قياس علة، لأني ألحقت الفرع بالأصل بواسطة علة، لكن لو هنا قلت الاستدلال بالنفي على النفي ليس من هذا القبيل وإنما هو من قبيل التفسير، بالتالي لو قلت لا يجوز رهن الخمر فسر لي لماذا؟ قال: لأنه لا يجوز بيعها، الآن هل هذا هو العلة؟ قال: لا هذا ليس علة، العلة الله أعلم بها أو تحتاج استنباط، لكن هذا مؤشر ودليل ومفسر لماذا حكمنا عليها بماذا بعدم جواز الرهن لأنه لا يجوز بيعها، هذا هو مفسر دليل لكن ليس علة، بالتالي لما بدي ألحق الهبة بالرهن لعدم جواز البيع على الرأي الثاني هذا لا يهم القياس إلا.
لأني لم ألحق الهبة بالرهن بعلة على وجهة نظري الثانية، وإنما ألحقت بتفسير؛ فيكون هذا من قبيل قياس الدلالة. واضح؟ في هذه الجزئية فقط.
الآن الاستدلال بالنفي على النفي، ما عندنا مشكلة، هل تعيد الشرح؟ ما معنى استدلال بنفي على نفي؟ هي كلمة استدلال بنفي على نفي أصلاً هي مصطلح جديد على الطالب. أنا لما أقول لك: عدم جواز رهن الخمر، هذا حكم منفي صح؟ أي مصدر بالعدم. ما دليله؟ ما الدليل على هذا الحكم؟ تجد الفقهاء في كتبهم يقولون: عدم جواز رهن الخمر دليله عدم جواز بيع الخمر. فهذا يسمى استدلالاً بنفي على نفي، استدللت بهذا النفي وهو عدم جواز بيع الخمر على ماذا؟ استدللت بهذا على عدم جواز رهن الخمر. هذه واضحة؟ تمام.
الآن عدم جواز بيع الخمر الذي استدللت به، هل هذا الاستدلال نفسه، عدم جواز بيع الخمر، هل أسميه علة لعدم جواز الرهن؟ ولا بسميه تفسيراً لعدم جواز الرهن؟ إيش بسميه بالضبط؟ تمام، الآن عبد المؤمن البغدادي يقول لك إن البعض يسميه العلة، يقول: عدم جواز بيع الخمر هو العلة، العلة هي الباعث معنا على عدم جواز رهن الخمر. البعض لا، يقول: هو ليس علة، هو مجرد تفسير واستدلال وليس هو العلة بحد ذاتها، ليس هو العلة بحد ذاتها. ممكن يكون مؤشراً للعلة، أثراً من آثار العلة، دليلاً على علة، ممكن. ممتاز، هو مفسر، مؤشر، دليل على علة، يحاكي العلة، ما عندي مشكلة. لكن هو ليس العلة، هو تفسير ومؤشر، وهذه وجهة النظر الثانية.
الآن إذا قلنا إن عدم جواز بيع الخمر هو علة، بالتالي لو أن عندي فرعاً جديداً ألحقه برهن الخمر في التحريم والجامع كان هو هذا عدم جواز البيع، سيكون قياس علة؛ لأني جمعت بين فرع وأصل بواسطة علة. إذا قلت: لا، عدم جواز بيع الخمر هذا تفسير، بالتالي لو جاء عندي فرع جديد وألحقته بالرهن في التحريم بجامع عدم جواز بيع، هذا إيش راح يسمى؟ يسمى قياس دلالة؛ لأني لم أجمع بين الفرع والأصل بعلة هنا، هذا تفسير مش علة، وإنما جمعت بواسطة تفسير. تذكروا لما ألحقنا صلاة الضحى بصلاة الوتر في عدم الوجوب بجامع عدم المقتضي، قلت لكم: عدم المقتضي هذا في الحقيقة ليس علة، وإنما هو تفسير مشترك بين الجزئيتين، تمام؟
فالآن بناءً على هذا، سيكون قياس دلالة إذا ألحق الهبة بالرهن بجامع عدم جواز بيع الخمر، على وجهة النظر الثانية سيكون هذا قياس دلالة. هذه فقط فائدة وضعت لكم إياها. الآن عبد المؤمن البغدادي مع أي رأي؟ باختصار، مع أي رأي؟ هل هو يرى أن الاستدلال بالنفي على النفي هو من قبيل التعليل؟ ولا من قبيل التفسير، أفسر نفياً بنفي؟ ولا أنا أعلل الذي بنفيه؟ هذه محل الغموض في كلام عبد المؤمن. لما قال لي ابتداء: "أما للنفي فقيل يجوز علة"، يعني يجوز أن النفي علة للنفي، لما قال "قيل"، الذي أفهمه أنه مع وجهة النظر الثانية، أنه يرى أن النفي لا يكون علة حقيقية للنفي، وإنما يكون مفسراً. فبالتالي مثلاً لما قلنا: عدم وجوب صلاة الوتر، لما قلنا ما الدليل؟ قالوا: عدم المقتضي، صح؟ لما قال عدم المقتضي، هل هو علة؟ قال: ليس عند عبد المؤمن البغدادي هذا تفسير، عدم المقتضي لا يصلح أن يكون علة لعدم وجوب صلاة الوتر.
طب لماذا لم تجب صلاة الوتر؟ لماذا لم تجب؟ قال: البراءة الأصلية. قال: البراءة الأصلية، والبراءة الأصلية لا تعلل. تمام، أصل المبحث السابق أنه عدم وجوب صلاة الوتر هل يحتاج إلى علة؟ لا يحتاج إلى علة، لأنه هو البراءة الأصلية والبراءة الأصلية لا تعلل، والذي يعلل هو حكم الوجود الطارئ، الخطاب الجديد من الله هو الذي يعلل، أما البراءة الأصلية فلا تعلل. فعدم وجوب صلاة الوتر، أنت لو قلت لي لعدم المقتضي، عدم المقتضي هذا لا يسمى علة عندنا في أصول الفقه، هذا تفسير، مؤشر، يعبر كما تشاء، لكنه ليس علة، لأن هذا الحكم باقٍ على البراءة الأصلية، وما بقي على براءة أصلية لا يعلل.
لكن السؤال هنا لعبد المؤمن البغدادي الذي لم يتطرق له: أنه أنت تقول إذاً بناءً على وجهة نظرك أنت هكذا عممت الكلام يا عبد المؤمن. أنت قلت العدم بناءً على وجهة نظرك الآن التي نحن نحاول فهمها: أنك خلص، العدم عندك إذا كان حكماً عدمياً أيضاً لا يجوز أن يعلل بالعدم. الآن نحن فهمنا وجهة نظره أن الحكم الوجودي لا يعلل بالعدم، صح؟ لكن كلامنا في هذه المسألة، الصورة أن الحكم العدمي ظاهر كلامك أنه لا يعلل أيضاً بالعدم، وذكرت قولاً بصيغة التضعيف أنه "قيل يجوز علة"، ولما جئت على مسألة الاستدلال بالنفي على النفي، أنت توجهت إلى اتجاه آخر.
يعني أنت قلت: الاستدلال بالنفي على النفي، الصحيح متفق عليه. لكن البعض يجعله من قبيل تعليل النفي بالنفي، والبعض لا يجعله من قبيل تعليل النفي بالنفي، والبعض يجعله من قبيل البقاء على البراءة الأصلية، والتفسير: تفسير النفي بالنفي. يعني هنا عدم وجوب صلاة الوتر أنا إيش فسرته؟ عدم المقتضي. هذا عدم المقتضي مش علة، هذا تفسير. لكن البعض يعتبره علة. إذاً كل كلامنا السابق أن البراءة الأصلية لا تعلل باقي فيها خلاف يا شيخ، صح؟
انظر الآن كيف رجعنا؟ باقي فيها خلاف، والبعض يقول يجوز تعليل البراءة الأصلية. أقول لك صح، بعض الأصوليين يقول يجوز تعليل البراءة الأصلية، عبد المؤمن البغدادي هو يتبع رأي الغزالي ورأي طائفة كثيرة من الأصوليين أنه البراءة الأصلية لا تعلل، وما يذكر فيها من تفاسير واستدلالات: عدم المقتضي وما شابه ذلك، هذا تفسير وليس علة؛ لأن العلة لا تثبت إلا مع ثبوت الحكم، وأما البراءة الأصلية هي البراءة الأصلية فلا تعلل. تمام؟
لكن عبد المؤمن هناك نوع أنت ما تطرقت له، وهو العدم. أنت الآن قلت لا يجوز الاستدلال بالنفي على النفي، يعني الاستدلال بالعدم على العدم، لكنك لم تفرق بين العدم الطارئ والعدم الأصلي، صح ولا لا؟ هذه الجزئية في كلامك ضائعة كما نقول، ما ذكرت أنك بدك تفرق لي بين العدم الأصلي والعدم الطارئ، لأن العدم الطارئ مبدأ الإجماع، لكن المعروف عند الأصوليين أنه يجوز أن يعلل بالعدم. أعود أقول الآن: العدم على نوعين: عدم أصلي وعدم طارئ.
كلام عبد المؤمن البغدادي هنا يتعلق بالعدم الأصلي، كأن الاستدلال بالنفي على النفي يتعلق بالعدم الأصلي، الاستدلال بالعدم على العدم يعني العدم ما كان العدم طارئاً ففيه مشكلة، هذا أقول لكم الآن كلنا زي بعضه. الاستدلال بالعدم على العدم، كلامك هنا يتوجه إلى الاستدلال بالعدم على العدم الأصلي. لكن نحن نبحث المسألة الثانية: الاستدلال بالعدم على العدم الطارئ الذي يطرأ بعد الثبوت. فهذا -ما بدي أقول إجماعات، صعب نقول إجماعات- لكن المعروف والمؤذن والمنشور عند الأصوليين أنه يجوز تعليل العدم الطارئ، لا يوجد عندهم مشكلة.
لذلك قلنا عدم صحة البيع، إيش علته؟ بدك تعلل؛ لأنه الأصل في البيوع الصحة، بدك تبطل بيع هذا الشخص بدك تكون سبب كذا وكذا علة، مثلاً عدم جواز تصرفه، فالعدم الطارئ يعلل بالعدم عند الأصوليين، ما عندهم مشكلة. وأظن عبد المؤمن البغدادي أيضاً ما عنده مشكلة في ذلك، لكنه بحث المسألة من زاوية واحدة فقط وهي تعليل الحكم العدمي بالعدم، وهو هنا جعل قضية الاستدلال بالنفي على النفي، "إذ قيل يجوز علة، وإلا فمن جهة البقاء على الأصل".
فهمنا الآن أين موضع نقص في بحث عبد المؤمن البغدادي؟ أنه بحث هل يجوز تعليل العدم بالعدم؟ أو هل يجوز تعليل الحكم العدمي وصف العدم؟ بحث العدم الأصلي، الحكم الباقي على البراءة الأصلية، لكنه لم يبحث العدم الطارئ، هل يجوز أن يعلل هذا أو لا يجوز؟ واضحة هذه الجزئية هذه الأخيرة؟ تمام، خلص ما بدنا نتعبكم أكثر من هيك، هذه المسألة وإن كانت أخذت نص ساعة، لكن أنا لأني شعرت بالنص يا مشايخ في مشكلة، يعني هذا النص فيه مشكلة حتى في النسخ، فيه ما وصلت له بالاجتهاد الشخصي، اجتهاد العبد الفقير، أنه قراءة النص "وأما النفي" على أنها كلمة "أما وجود" هذا ليس بسليم؛ لأنه لا يتكلم الآن عن شرط أو ضابط ثانٍ من ضوابط العلة، هو الآن يفرق ما زال يتكلم في الضابط الأول، "أما الوجود" فشرط عند لاستمرار العدم؛ لأن العدم مستمر في القدم، عرفنا هذه المشكلة، ومن يقصده بهذا فلا يكون علة للوجود، أما للنفي بدك تكملها، فهذان القوسان يجب أن نرفعهما، وهذا الخط العريض يجب أن يعود ليس عريضاً على الخط الأصلي، ونجعل هذه العبارة متصلة بالعبارة السابقة، يعني فلا يكون علة للوجود، وأما للنفي فهل يكون العدم علة للنفي؟ يعني علة للعدم للحكم العدمي؟ فقيل يجوز علة، ثم استطرد فقال: لا خلاف في جواز الاستدلال بالنفي أي العدمي على النفي أي على العدم. تمام؟
وثم بينا حتى الإنسان ما يعترض عليه أنه أنت يا عبد المؤمن بتقول: "إذ قيل يجوز علة"، أنت بتفهمني أنه أنت مش مع هذا "القيل"، وأنه أنت ترى أن النفي لا يستدل عليه بالنفي، فماذا ستقول في مسألة الاستدلال بالنفي على النفي مع أنها متفق عليها بين الأصوليين؟ فأعطاك، قال: "آه استدلال النفي على النفي البعض يقول إنه هذا من قبيل تعليل النفي بالنفي"، فهل عند هؤلاء الذي يقول إن الاستدلال بالنفي على النفي هو من قبيل تعليل النفي بالنفي؟ قال: نعم، هذا فعلاً استدلال أو عفواً تعليل العدم بحكم العدم، ولكن أنا ممكن ما أفهمه هكذا الاستدلال بالنفي على النفي، أنا أفهمه أنه الآن الحكم المنفي في الحقيقة لا علة له؛ لأنه باقي على البراءة الأصلية، أن الحكم المنفي لا علة له؛ لأنه باقٍ على البراءة الأصلية، ممتاز؟
وأما الاستدلال عليه بالنفي، فأقول: عدم وجوب الوتر لعدم المقتضي، هذا تفسير فقط وليس علة بعيدة عن التشريع. فنقول له جزئية أنه أنت هنا تحكي قاعد عن نوع من النفي فقط، أن هو ما يذكره الاستدلال بالنفي على النفي الذي تستطيع أن تقول فيه إن النفي هنا ثابت على البراءة الأصلية، وما يستدل عليه من النفي ومن التفسير، هذا فقط النفي الأصلي، أما النفي الطارئ إذا استدللت بنفي على نفي طارئ، هذا ما بتستطيع تقول: "لا، النفي الطارئ ثابت بالبراءة الأصلية لا يحتاج إلى علة"، لا، الطارئ يحتاج إلى علة. عرفتم؟ فهنا موطن أظنه موطن بحث مع عبد المؤمن، أنه قال: "أما إن قيل بعليته فظاهر" يعني على رأي من يقول إنه تعليل، "وإلا فمن جهة البقاء على الأصل" وكأنه يتبنى هذه النظرة أنه باقٍ على البراءة الأصلية هذا النفي، فبالتالي الاستدلال عليه بالنفي هو من قبيل التفسير وليس من قبيل التعليل. بنقول كلامك صح إذا كان الحكم المنفي هو حكم منفي أصالة، باقٍ على البراءة الأصلية، فالاستدلال عليه بالنفي من قبيل التفسير والإيضاح وليس من قبيل التعليل. لكن إذا كان الحكم المنفي من قبيل النفي الطارئ فهذا له علة تقريباً باتفاق الأصوليين، وأنت معهم. فالكلام هنا أشعر فيه شيئاً من النقص.
واضحة القضية؟ لكن باختصار بعد كل هذه الدوشة، الصحيح يجوز تعليل الأحكام الشرعية بالأوصاف العدمية عند الحنابلة، سواء كان وجودي وجودي، عدم عدمي، وجودي عدمي، عدم وجودي، بكل صورها العدم يصلح لأن يكون علة، سواء كان وجودياً الذي نثبته به أو كان حكماً عدمياً. الآن العدم الأصلي هل يعلل ولا لا يعلل؟ نحن ابتداء إيش أصلنا؟ أنه لا يعلل، وأنه لا يعلل. وهذا رأي الغزالي. دعوكم على هذا التفصيل، خلص أنه العدم الذي يعلل بالعدم هو العدم الطارئ، أما العدم الأصلي لا يحتاج إلى علة. لو أن شخص تبنى وجهة نظر أخرى غير وجهة نظر الغزالي ومن سار على نهجهم، هذه مسائل مناط الخلاف أيها الأحبة، وليست من المسائل التي يشدد فيها، وهي مواطن استدلال فقط، يعني كل واحد يحاول يطرح أدلته بعد ذلك تتناقش الأدلة، الحق الذي نصل إليه نتبعه، والله تعالى أعلم.
قوله: "فيصح فيما يتوقف على وجود الأمر المدعي اكتفاؤه فينتهي لانتفاء شرطه لا في غيره"؛ هذه العبارة ضعوها بين قوسين أيها الأحبة، لا نحتاج إليها، وما قيل يعني حتى يعني الشيخ سعد الستري قفز عنها لعدم وضوحها، يعني ما اهتم بتحريرها، أو الشيخ عبد الله الفوزان في شرحه هنا، لا أجد له تفسيراً واضحاً بيّناً في الحقيقة، وإنما هو عادة أعاد الكلام على حاله ولم يوضح ما الذي يقصده بالضبط، فأرى أن هذه العبارة أنا لا أحب دائماً بعض الناس يتكلم في توضيح عبارات هي غير واضحة، والتكلف في توضيح عبارات غير واضحة يؤدي إلى زيادة إغلاق على الطالب، زيادة إغلاق على الطالب. فأنا هذه العبارة أقف عليها، فمن وجد منكم تفسيراً لها يتناسق مع التأصيل العام الذي تتكلم به فليقل، والله دائماً هو أجل وأعلم.
ننتقل الآن إلى الوصف الثاني. كم ذهب من الوقت؟ خمسة وعشرين، طيب إذا الشرط الأول من شروط العلة إذا كانت وصفاً أن تكون موجودة، يعني علة وجودية، وهذا عند عبد المؤمن البغدادي، وأما عند الحنابلة الوجود شرط في الوصف.
في الشرط الأول، وعند الحنابلة، أنت في المذهب الحنبلي لا يشترط في العلة أن تكون وصفاً وجودياً؛ إذ يجوز أن تكون وجودية ويجوز أن تكون عدمية. اشتراط أن تكون موجودة أي وجودية هذا عند عبد المؤمن البغدادي وبعض الحنابلة وبعض الفقهاء الآخرين، لكنه ليس المنهج العام.
نذهب إلى الشرط الثاني، قال ظاهراً. نعم، نقبله؛ لابد أيها الأحبة أن تكون العلة من شروطها أن تكون ظاهرة. ما معنى ظاهرة؟ أن لا تكون خفية يصعب الاطلاع عليها؛ فالأحكام لا تعلق على الأوصاف التي لا يمكن أو يصعب الاطلاع عليها.
هل يجوز أن أعلق وجوب الصلاة والصيام على كمال العقل؟ أقول: علة وجوب الصلاة والصيام هو كمال العقل، فإذا لم يكتمل العقل على الإنسان لا يجب عليه أن يصلي ولا أن يصوم. نقول: كمال العقل هذا شيء خفي، وصف خفي، لا نطلع عليه في داخل بدن الإنسان، فلا يصلح أن نعلق الأحكام الشرعية إيجاباً مثل وجوب الصيام عليه. إنما الشريعة جاءت فعلقت وجوب الصيام ووجوب الصلاة، ووجوب الحج كذلك، على وصف ظاهر وهو ماذا؟ البلوغ. صح؟ متى يجب عليك أن تصلي وأن تصوم؟ إذا بلغت؛ إذا لم تبلغ لا يجب عليك الصلاة ولا صيام.
هل الشريعة علقت وجوب الصلاة والصيام ووجوب التكاليف بشكل عام على كمال العقل؟ قال الفقهاء: لا يصلح؛ لأن كمال العقل هذا شيء خفي، غير ظاهر في الإنسان. هل هناك مؤشر في الإنسان أنه عندما يكمل عقله يظهر؟ هذا شيء خفي؛ ينضج الإنسان رويداً رويداً، فالشريعة لم تعلق وجوب التكاليف على كمال العقل، وإنما علقت وجوب التكاليف على البلوغ؛ لأن البلوغ علاماته ظاهرة؛ الاحتلام، إكمال خمس عشرة عاماً، وظهور الشعر. لاحظوا كلياتها أوصاف ظاهرة، يصح تعليق التكليف عليها لأنها ظاهرة الكل يشترك في إدراكها. وأما كمال العقل هذا وصف خفي فلا يصلح أن نعلق الحكم عليه.
أعطيكم مثالاً آخر؛ الآن البيع إذا وقع على إكراه. من شروط البيع حتى يكون صحيحاً الرضا، لكن الرضا هذا أمر باطن قلبي، لا نستطيع أن نفتح قلب الإنسان لنعرف أهو راضٍ فعلاً أم لا. فالشريعة علقت أو جعلت للرضا علامة ظاهرة بينة بها تعلق صحة البيع من عدمه، وهو الإيجاب والقبول. فالإيجاب والقبول وصف يرتبط به صحة البيع؛ إذا لم يوجد إيجاب وقبول انتهى البيع، وإذا وجد إيجاب وقبول، طبعاً مع استكمال باقي الشروط الأخرى، يصح.
لماذا علق صحة وبطلاناً على وجود الإيجاب والقبول؟ لأن الإيجاب والقبول هو مظنة الرضا القلبي؛ هذا الوصف يغلب على الظن وجود الرضا القلبي معه. لكن أيها الأحبة لو رأينا واحداً ماسكاً واحداً من خناقه وأتى به وقال: بعت، بعت، فقال: لا، أشتري إجباراً. فاشترى، هل هذا البيع صحيح؟ لا، يوجد إيجاب وقبول، لكن هل هنا الإيجاب والقبول مظنة، ويغلب على الظن وجود الحكمة المرادة منه وهو الرضا؟ لا، لأنه هنا واضح أن هذا الوصف يخلو من الحكمة. تذكروا درس المحاضرة السابقة لما قلنا: إذا مشرقية تزوجت مغربياً هل نجعل العقد سبباً في لحوق النسب؟ لا، لماذا؟ مع أنه الأصل أن العقد سبب للحوق النسب، لكن في هذه الحالة نحن نجزم أن العقد لا يؤدي إلى الحكمة. وهنا نفس القضية، الإيجاب والقبول ينتج صحة البيع، لكن إذا كنا نجزم بأنه بالإكراه، فالإيجاب والقبول خلا من الحكمة التي يدل عليها عادة، فلا يصلح التعليل به.
إذاً، الشرط الثاني أن يكون ظاهراً. الوصف الثالث هو الانضباط. ما معنى الانضباط؟ بعض الأحكام علتها الحقيقية أو حكمتها بعبارة أدق غير منضبطة، ومثلنا لذلك بقضية القصر في السفر، فإن القصر في السفر الحكمة الحقيقية منه رفع المشقة، هذه علة الحقيقية، لكن المشقة وصف ليس منضبطاً؛ نسبي يختلف من شخص إلى آخر، فالمشقة عند رجل ثمانيني أو خمسيني ليست هي نفس مقدار المشقة عند شاب ثلاثيني أو عشريني. السفر بالطائرة والمشقة فيها ليست مثل السفر على الدابة وعلى البعير، فالمشقات متباينة باختلاف وسائل النقل، باختلاف طبيعة الشخص المسافر، وبطبيعة البلد الذي سيسافر إليه.
لما المشقة تختلف بتباين شاسع، لا يمكن أن نعلق القصر عليها مباشرة، لأن هناك سيحدث خلل واضطراب في تنزيل الأحكام في الواقع؛ نجد شخصاً يمشي من عمان العبدلي ممكن يقول: أنا أقصر، مع أن المسافة لا تتجاوز خمسة أو ستة كيلومترات لأني أشعر بمشقة والله هناك أزمة في الطريق، وشخص يسافر مسافات بعيدة ويتوهم أنه لا يحق له القصر لأنه ما زالت المشقة لم توجد فعلاً على الدرجة القصوى. باختصار ستتباين الأفهام في تسقيط الأحكام.
فماذا فعل الفقهاء؟ قالوا يجب أن يكون الحكم معلقاً على وصف ظاهر منضبط يشترك الجميع في إدراكه، فقالوا: علة القصر في السفر هي مسافة واحد وثمانين كيلومتراً؛ هذه لا يختلف فيها أحد؛ ماشٍ على عداد السيارة وعداد الطائرة متى قطع واحداً وثمانين كيلومتراً أقصر، ما قطعتها لا تقصر. هكذا أيها الأحبة تنضبط الأحكام، والأصل في الشريعة هذا أن تكون الأحكام معلقة على أوصاف ظاهرة منضبطة حتى لا يأتي فلان وفلان يتلاعب بالشريعة. أما لو علقنا الشريعة على الحكم غير المنضبطة ستضيع الشريعة على أهواء الناس.
وأنتم تلاحظون هذا في واقعنا المعاصر؛ لأن هناك في الحقيقة بعض الأحكام يصعب تعليقها على أوصاف ظاهرة منضبطة، حاولوا أن يفتشوا عن أوصاف ظاهرة منضبطة نعلق عليها هذه الأحكام ما وجدوا، فاضطروا في النهاية أن يعلقوها على الحكمة، وإن لم تكن منضبطة. لكن هذا هو الحل الأخير؛ هذه الأحكام التي علقت على الحكمة ستجدونها الآن في وقتنا الحاضر ممن لم يتأهل لدراسة الشريعة ولفقهها يفتي بها للناس بصورة مخلة جداً، ويجزم الناظر أنها لا يمكن أن تكون مقصود الشارع بهذه الزاوية من النظر.
هذه مسألة أن تكون العلل التي نبني عليها الأحكام منضبطة ظاهرة مسألة خطيرة في التعامل مع النوازل المعاصرة، لأنه مجرد تعليق الحكم على أوصاف غير منضبطة أو غير ظاهرة سيسبب تمييعاً، وهناك من يحاول من المعاصرين أن يعلق الأحكام مباشرة على المقاصد الشرعية ويلغي قضية الوصف الظاهر المنضبط، وهذا المنهج أحذر منه بشدة. تعليق الحكم الشرعي على المقصد مباشرة وأقول هذا حكم علته حفظ العقل، والله حفظ النسل، أو تصحيح المجتمعات؛ هذه العبارات المطاطة لا تجوز، فالمقاصد الشرعية تحتاج إلى انضباط، وانضباطها يكون بالعلل الظاهرة المنضبطة. تعليق الأحكام على المقاصد الشرعية مباشرة ما يفعله كثير من المعاصرين الآن فيه تمييع للأحكام؛ الأحكام يجب أن تعلق على الأوصاف الظاهرة المنضبطة التي هي مظنة تحقيق المقاصد الشرعية، ولا يجوز أن تعلق على المقاصد مباشرة إذا كان المقصد المعين هذا غير منضبط، لأن هذا سيؤدي إلى تمييع في الأحكام، وهذا ما نشاهده في واقعنا المعاصر.
المهم إذاً، الشرط الثالث من شروط العلة الانضباط ليتعين الجامع بالتحديد؛ انظروا عبارة عبد المؤمن وهذه مهمة؛ ينبغي أن يكون انضباط حتى يستطيع الجميع أن يدركوا الوصف بعينه الذي ينتج الحكم الشرعي. نذهب إلى الشرط الرابع؛ إذاً الشرط الأول على طريقة عبد المؤمن للوصف الذي يصلح أن يكون علة هو أن يكون وجودياً، فلا يصح التعليل بالعدم عنده. ثانياً أن يكون الوصف ظاهراً، ثالثاً منضبطاً، رابعاً قال: المناسبة.
ما معنى أن يكون مناسباً؟ اكتبوا عندكم: أي ترتيب الحكم على الوصف ينتج مصلحة تحافظ على مقصود الشارع. ينبغي أن يكون الوصف مناسباً؛ ما معنى مناسباً؟ أنه المجتهد لما ينظر في ترتيب الحكم على هذا الوصف، يلاحظ أن الحكم على هذا الوصف مناسب؛ لأنه يحقق مصلحة من المصالح تساعد على المحافظة على مقصود الشارع، وهذه التعبيرات مرت معنا سابقاً. حكم يرتب على وصف لأنه إذا رتب على هذا الوصف راح ينتج عندي مصلحة تحافظ على مقصود الشارع.
هل فعلاً جميع الأحكام الشرعية معللة بأوصاف مناسبة؟ هو الآن لما بدأنا في بداية بحث الجامع، أليس قلنا العلة إذا كانت وصفاً يمكن أن تكون مناسبة ويمكن أن تكون غير مناسبة؟ أليس قلنا الجامعة لما يكون وصفاً حكماً من تقسيمات الأشكال التي يأتي عليها الوصف، قلنا يمكن أن يأتي الوصف مناسباً ويمكن أن يكون غير مناسب؟ هنا أنت تشترط في الوصف حتى يكون علة أن يكون وصفاً مناسباً، ففي الحقيقة أيضاً هذه من مواطن الخلاف بين الأصوليين.
الآن أقول لكم إذا كانت علة الحكم منصوصة من الشارع أو كانت مجمعاً عليها من الأقدمين، في هذه الحالة أيها الأحبة لا يشترط أن تكون العلة مناسبة. ما معنى لا يشترط؟ ممكن تكون غير مناسبة، ما معنى أننا لا نشترط؟ أي لا يشترط أن ندرك نحن مناسبتها، فيمكن أن يكون عندي حكم معلل بوصف غير مناسب، أقول ممكن، إذا كان الوصف غير المناسب ليس من استنباط الفقيه، وإنما منصوص عليه من الشارع أو مجمع عليه. هل كل العلل مستنبطة؟ لا، هناك علل منصوص عليها، هناك علل مجمع عليها، هناك علل مستنبطة. إذا كانت العلة منصوصة أو علة مجمعاً عليها لا يشترط أن تكون مناسبة للحكم، بمعنى لا يشترط أن ندرك نحن مناسبتها؛ الشارع وضع حكماً وذكر أن علته كذا، ممكن أن ندرك نحن وجه المناسبة في التعليل بهذه العلة أو في التعليل بهذا، ويمكن ألا ندرك وجه المناسبة. وهل هناك إشكال في ذلك؟ هذه إرادة الله سبحانه وتعالى.
إذا كانت العلة من الشارع ابتداء أو مجمعاً عليها لا يشترط إدراك مناسبتها. هذا في القسم الأول إذا كانت العلة منصوصاً عليها أو مجمعاً عليها. طيب إذا كانت عندنا مستنبطة هل يجوز للفقيه أن يستنبط علة ولا تظهر مناسبتها للحكم؟ يعني لا يظهر من ترتيب الحكم عليها تحقيق مصلحة؟ أنا ذكرتها في المحاضرة السابقة، وقلت لكم في الحقيقة أيها الأحبة هذا سيعتمد على طبيعة المسلك الذي سيسلكه المجتهد في استنباط العلة.
فالعلل سيأتي معنا أنها منها المنصوصة، منها المجمع عليها، ومنها المستنبطة. الآن إذا كانت العلة منصوصة أو مجمعاً عليها ما في إشكال؛ أدركنا مناسبتها أو لم ندرك مناسبتها. نأتي لعندنا المستنبطة، هل يجوز للفقيه أن يستنبط علة وهو لا يدرك مناسبتها للحكم؟ في الحقيقة هناك خلاف في هذه المسألة، وهذا الخلاف يعتمد على طبيعة المسلك الذي سيسلكه الأصولي أو المجتهد في استنباط العلة؛ سيأتي معنا أن هناك مسالك عديدة للاستنباط، هناك مسلك السبر والتقسيم، هناك مسلك المناسبة، هذا مسلك خاص اسمه المناسبة، هناك مسلك اسمه الدوران، هناك مسلك اسمه الشبه.
ما هو المسلك الذي سيعتمده الأصولي في الاستنباط للعلة؟ في الحقيقة المسلك الذي يشترط فيه إذا سلكته في الاستنباط يجب فيه أن تكون العلة مدركة المناسبة هو هذا المسلك؛ إذا سلكت مسلك المناسبة في استنباط العلة، في هذا المسلك يشترط أن يكون الوصف أو يشترط في الوصف الذي ستثبته علة المناسبة منه وظهور مصلحة في ترتيب الحكم عليه. لكن إذا سلكت مسلك السبر والتقسيم في استنباط العلة، أو سلكت مسلك الدوران، أو مسلك الشبه، في الحقيقة في هذه المسالك الأخرى أكثر الأصوليين لا يشترط ظهور مناسبة، فيجعل الوصف علة ولا يشترط أن تظهر المناسبة للمجتهد في جعل هذا الوصف علة.
فممكن مجتهد يصل إلى أن العلة من خلال السبر والتقسيم هي كذا، أو من خلال الدوران هي كذا، فيجعلها علة مع أنه لم تظهر له مصلحة واضحة في ترتيب الحكم على هذه العلة، لم يظهر له أنه ترتيب الحكم على هذا الوصف سينتج لي مصلحة كذا وكذا تحافظ على مقصود الشارع. فاشتراط المناسبة في العلة هذا الشرط الذي ذكره عبد المؤمن البغدادي يحتاج إلى نقاش.
واضح، لاحظوا كيف الموضوع بأنه مش سهل. أن العلم المنصوص أو المجمع عليها يمكن ألا ندرك مناسبتها. وإذا عنا المستنبطة حسب المسلك الذي سيسلكه المجتهد في استنباطها، هل سيسلك مسلك السبر والتقسيم، ولا المناسبة، ولا الدوران، ولا الشبه؟ هذه مسالك مقبولة بالجملة.
خاصة السبر والتقسيم والمناسبة، هذان المسلكان متفق على اعتمادهما. فمسلك السبر والتقسيم أكثر الأصوليين لا يشترطون بعد أن سبرت وقسمت واختبرت، اللي هو بسموه تلقيح المناط، أكثر الأصوليين لا يشترط أن يكون العلة المأخوذ بها بهذا المسلك لا يشترط أن تكون ظاهرة المناسبة، يكفي أنك استخدمت خلاص السبر والتقسيم ووصلت أنه هذا الوصف هو أصلح الأوصاف لتعليق الحكم عليه، وصف ظاهر منضبط. أصلح وصف أن أعلق الحكم عليه، تعلن الحكم به مع أني لم تظهر لي مناسبة واضحة يجوز، وكذلك لمسلك الدوران ومسلك الشبه. لكن إذا المجتهد سلك طريق مسلك المناسبة، أنا هون يشترط أن يكون الوصف الذي ستثبته علة مناسبة، ومدرك المناسبة لديك.
واضحة الفكرة؟ فإذا هذا الشرط من عبد المؤمن البغدادي، شرط المناسبة في الحقيقة فيه تفصيل وليس على إطلاق عبد المؤمن البغدادي، أنه من وصف المعلل به أن يكون مناسبا. الآن هو إيش عبر؟ قال المناسبة. قال وهي حصول مصلحة ظن القصد، أي بقصد الشارع لتحصيلها بالحكم، إيش غير مناسبة؟ أنه هذا الوصف يحصل مصلحة، يغلب على ظني أنا كمجتهد قصد الشارع لتحصيلها، معنى هذا الكلام هو معنى الكلام الذي أعدت ترتيبه لكم. أن يظهر للمجتهد في ترتيب الحكم على الوصف إيش مصلحة ترتيب الحكم على هذا الوصف، يظهر للمجتهد أنه يحصل لي مصلحة أو ينتج لي مصلحة تحافظ على مقصود الشارع، فهذا الكلام تفسيره ما ذكرته لكم.
ثم مثل بمثال قال كالحاجة مع البيع. الآن لو واحد سألك مثلا ما عندك إباحة البيع، هذا مثال بغض النظر الشأن لا يعترض مثالاً فلا تناقش صحة المثال، أنه والله هذا المثال صح ولا لا؟ هو بعطيك مثال فقط عشان تفهم القضية. لو واحد سأله عن إباحة البيع لماذا شرعنا؟ إيش العلة؟ الحاجة، حاجة الناس لهذا العقد، أليس كذلك؟ الآن والله الحاجة وصف رتب عليه حكم، وإباحة البيع يحقق مصالح عديدة، يعني ترتيب الحكم وإباحة البيع على هذا الوصف ينتج لي مصالح عديدة. تحافظ على مقصود الشارع في حفظ المال وفي حفظ النفس وفي حفظ العقل وفي حفظ كثير من الأشياء في إباحة البيع، المصالح اللي بحقق لي إياها تحافظ على عدة مقاصد من مقاصد الشارع وليس فقط على حفظ المال.
فلاحظوا كيف أن ترتيب هذا الحكم هو إباحة البيع على هذا الوصف وحاجة البشر حقق لي مصالح. فإذاً الحاجة والله وصف مناسب لتعليل حكم إباحة البيع بها، وصف مناسب. إيش يعني مناسب؟ يعني ظهرت لي مناسبته. إيش يعني ظهرت لك مناسبته؟ يعني ظهر لك أن ترتيب الحكم على هذا الوصف يحصل مصالح كذا وكذا تحافظ على مقصود الشارع، واضحة الفكرة؟ تمام.
قال إذا كان الوصف غير مناسب، ها معناته لا يصح التعليل به على كلام عبد المؤمن. طبعاً في الحقيقة هناك تفاصيل، خلونا على هذه التفاصيل التي ذكرناها على السبورة أن عبد المؤمن كلامه مجمل والموضوع فيه تفصيل. الوصف غير المناسب يسمى عند الأصوليين وصف غير مناسب، يعني وصف لم تدرك وجه مناسبته لترتيب الحكم عليه، ما فهمنا ليش رتبنا الحكم عليه. إذا كان الوصف غير مناسب يسمى عند الأصوليين وصف طردي، طبعاً رح يجي معنا شوية إشكاليات بكلمات متشابهة، رح تيجي معنا كلمة طردي، وراح تيجي معنا كلمة اضطراد، وراح تيجي معنا كلمة طرد، ثلاث مصطلحات. الآن بدأنا في المصطلح الأول، كل مصطلح هو مفهوم مستقل عن الآخر نوعاً ما. فالآن استخدمنا المصطلح الأول طردي بالياء، ما هو الطردي؟ لو سألك واحد عند الأصوليين ما هو الطردي؟ تقول هو الوصف غير المناسب، يعني الذي لم تظهر وجه مناسبة في تركيب حكم عليه.
فقال عبد المؤمن البغدادي وغيره طردي غير المناسب، الطردي أعبد الرأي فيه، قال ليس بعلة عند الأكثر. إيش قال لك عبد المؤمن؟ الوصف الطردي الذي لم تظهر مناسبته ليس بعلة عند الأكثرين. بس إحنا بدنا نقول لعبد المؤمن لأ، بدنا نتروى شوية. الآن هذا الوصف الطردي الذي لا تظهر مناسبته، لم تظهر لك مناسبته، ممكن يكون عنده منصوصة، ممكن يكون إلا مجمع عليها، وهذه العلة المنصوصة والمجمع عليها الكل يتبعها مباشرة. ما أحد يقول والله لا أستطيع إلا أنها منصوص عليها أو مجمع عليها، أو ما هو الموضع الذي لا تقبل فيه العلة الطردية؟ الذي تتكلم عنه يجب أن نفصل.
في الحقيقة عبد المؤمن البغدادي يعطي إطلاقات أحياناً عامة، لذلك أنا أقول الطالب لا تستعجل في تبني الآراء الآن، بل اجلس واقرأ المطولات حتى تفهم تباين وجهات نظر الأصوليين. أنا أعطيتك مؤشر أنه العلة المستنبطة، حتى العلة المستنبطة حسب المسلك الذي سيسلكه المجتهد، يشترط المناسبة أو عدم المناسبة. فإذا المجتهد سلك من مسالك استنباط العلة مسلك السبر، أقول لك فيه خلاف، كثير من الأصوليين يقولون العلة المستنبطة بواسطة هذا المسلك لا يشترط فيها المناسبة، يعني أن ندرك مناسبتها. يشترط فيها العلة المستنبطة بواسطة مسلك المناسبة، أه هذا الذي يقولون أنه يشترط أن تكون فيها العلة أو الوصف بندرك وجه مناسبته. فكأن كلام عبد المؤمن فيه نوع من العموميات، هذه الفكرة التي أريد أن أوصلها. المهم قال وغيره طردي، أعطاك الحكم، ليس بعلة، الوصف الطردي هكذا على عمومه ذكروه، فليس بعلة عند الأكثرين، وقال بعض الشافعية يصح مطلقاً.
أه، إذا هناك مخالفين، البعض إذا لم يشترط في الوصف المعلل به أن تظهر مناسبته، لم يشترط أن تظهر مناسبته، هذول الشافعية اللي قالوا يجوز التعليل بالأوصاف الطردية إيش علتهم؟ علتهم قالوا أننا وجدنا الشارع نص على كثير من علل الأحكام وكانت عللاً طردية بمعنى لم تظهر مناسبتها. فإيش المانع أن تكون إلا مستنبطة طردية؟ لم تظهر مناسبتها، قالوا لا مانع، قالوا لا معنى أن تكون علة مستنبطة وطردية لا تظهر مناسبتها. طبعاً إذا سلكنا مسلكاً غير مسلك المناسبة بالاستنباط، يعني ممكن أنا أسلك مسلك السبر والتقسيم، مسلك الدوران ومن خلاله أحدد علة، هسا أنا وجدت هذه العلة هي أصلح شيء لتعليق الحكم عليها، ظاهرة منضبطة، لكنني لا أستطيع أن أحدد وجه المناسبة بالتحديد من ترتيب الحكم عليه، وهذا لا إشكال فيه إذا كان الشارع يستخدمه، معناها أنا كمجتهد بصير أستخدمه. لا، عبد المؤمن البغدادي كأنه يغلق هذا الباب تماماً.
يغلق هذا الباب. الآن يصح مطلقاً، ما معنى يصح مطلقاً، ما معنى مطلقاً هنا؟ قل لي كلمة مطلقة دائماً أنه في السبر، مطلقاً أي سواء كنت في مقام الجدل أو في غير مقام الجدل، لأن الرأي الثالث إيش قال؟ وقيل جدلاً. الرأي الثالث يقول يجوز التعليل بالعلة الطردية في مقام الجدل، يعني أنت عم بتجادل شخصاً في حكم شرعي وانزلقت زي ما بقول، ومش عارف تحدد علة مناسبة، فيبيحون لك في قواعد علم الجدل يبيحون بعضهم، بعضهم يبيح في مقام الجدل الاستدلال على أو ذكر علة للحكم. ففي مقام الجدل شخص لم يستطع أن يظفر بعلة مناسبة، فهل له أن يأتي بعلة طردية يعلق عليها الحكم؟ بعض الأصوليين قال ذلك، لذلك عبد المؤمن قال وقيل جدلاً، أي يصح التعليل بالعلة الطردية التي لم تظهر مناسبتها في مقام الجدل، وأما في مقام إثبات أحكام شرعية وإقيسة وليس في مقام جدل فلا يجوز ذلك. إذاً هي ثلاثة أقوال: قول عبد المؤمن البغدادي لا يصح التعليل بالعلة الطردية، الرأي الثاني يجوز التعليل بالعلة الطردية مطلقاً في مقام الجدل وفي غيره، الرأي الثالث تفصيلي؛ في مقام الجدل يجوز التعليل بالعلل الطردية، وفي غير الجدل لا يجوز التعليل بالعلل الطردية.
وكما قلت لكم الذي يظهر أن كل كلام عبد المؤمن هنا عن العلل المستنبطة، وأما العلل المنصوصة والمجمع عليها فهذه لا يبحث فيها مناسبة ولا غير مناسبة، لا يدخل فيها هذا المبحث، لأنه خلص منصوصة هذه أو أجمع عليها الصحابة انتهى الأمر ما في مجال أني أقول والله مناسبة أو غير مناسبة. فهذا الشرط في العلل المستنبطة.
الخامس الاعتبار، ما معنى الاعتبار؟ أنه هذا الوصف الذي تريد أن تعلل به أيها المجتهد هذا الحكم، ينبغي أن يكون الشارع اعتبره ولو مرة واحدة، يعني ولو في حكم واحد، أشار إليه، لمح إليه، نبه ولو في حكم واحد. فإذا كانت العلة أو الوصف الذي تريد أن تجعله علة لحكم لم يأتِ أبداً أي اعتبار من الشارع له في أي صورة من الصور، فهل يجوز أن أجعله علة ولا لا يجوز؟ الآن بدنا نعود هيك شوية نربط لكم الأبحاث مع بعضها. إذا كان الوصف الذي يريد أن يجعله المجتهد علة لحكم لم يظهر اعتبار الشارع له في أي حكم سابق، الشارع ما راسلنا على اعتباره في أي حكم سابق ولم يوجد إجماع على اعتباره في أي حكم سابق، هل يجوز؟ ماذا يسمى هذا الوصف؟ تذكروا القرافي قديماً في الاستصلاح إيش سماه؟ قال هذا الوصف مرسل، هذاك هو المصلحة المرسلة، اللي هو هذا الوصف مرسل، أنت تريد أن تعلل المصلحة بوصف مرسل، يعني الشارع لم يشهد له بالاعتبار، بس بنفس الوقت ما يكونش الشارع شهد له بالالغاء، لأنه إذا شهِد له بالالغاء انتهى أمره.
فالمجتهد بده يأتي بوصف، هذا الوصف لم يعتبره الشارع ولكنه في نفس الوقت لم يلغه، فهل يجوز أن يعلل المجتهد حكماً شرعياً بوصف لم يعتبره الشارع ولم يلغه اللي هو الوصف المرسل؟ فإيش قال عبد المؤمن؟ قال لا، أنا أشترط العلة التي يعلل بها الأحكام أن تكون إيش معتبرة، ما معنى معتبرة؟ أي اعتبرها الشارع في موضع آخر. وإلا، أشغل بعد ذلك، وإلا إيش قال؟ مرسل. وإلا فهو المرسل، وإحنا المرسل قلنا لا يجوز الذهاب إليه، لا يجوز بناء أحكام وتشريع أحكام بناء على المصالح المرسلة، المصالح المرسلة هي مبنية على أوصاف مرسلة، صح؟ فيقول لك لا يجوز أن أبني الأحكام على أوصاف مرسلة، لأنه هذا من قبيل الاستدلال، وهذا مشكل.
قال وإلا فهو مرسل، والمرسل يمتنع الاحتجاج به عند الجمهور بناءً على ما سبق. ممتاز، الآن قلنا ما معنى اعتبار الشارع؟ إذا بناءً على هذا المفهوم ما معنى الاعتبار؟ أنه الشارع التفت لهذه العلة في حكم سابق، فأنت كمجتهد يوجد عندك حكم جديد لا تعرف علته، فتعطيه نفس العلة التي أعطاها الشارع للحكم السابق، لأنك وجدت أن هذه العلة والله اعتبرها الشارع وبنى عليها أحكاماً، معناتها يصلح اعتبارها والالتفات إليها في أحكام أخرى. طبعاً لا ينبغي أن تكون هذه الأحكام الأخرى تجانس الأحكام السابقة التي اعتبرها الشارع، تمام؟
فإذاً العلة، طبعاً وهذا الكلام إذاً هو يتكلم عن إيش أيضاً؟ شروط في العلة المستنبطة. العلة المنصوصة أو المجمع عليها انتهى أمرها، هو يتكلم الآن عن شروط العلل المستنبطة هنا. فالمناسبة هو يتكلم عن شروط العلة المستنبطة، في الاعتبار هو يتكلم عن المستنبطة، يعني الفقيه المجتهد لما يأتي لحكم يريد أن يستنبط علته نقول له: إذا تريد أن تجعل هذا الوصف علة، انتظر قليلاً، هل الشارع اعتبر هذا الوصف في محل آخر في حكم آخر؟ أه والله طلعت، بنقول خلص لك أن تعتبر هذا الوصف في هذا الحكم الجديد، يصلح لك أن تعتبره، طبعاً مع وجود باقي الشروط الأخرى للعلة، أن تكون ظاهرة منضبطة إلى آخره.
فمثلاً نقول الله الشارع أوجب الولاية على مال اليتيم، وأخبرنا أنه أوجبها على اليتيم لصغره، فالآن بيجي المجتهد على الولاية في النكاح على الصغيرة، فيقول والله الولاية على نكاح الصغيرة إيش علتها؟ الصغر أيضاً، قلنا أه ده، أنت تريد أن تعلل إيجاب الولاية في نكاح الصغيرة على إيش؟ على الصغر، هل هذا الوصف الذي تريد أن تعلل به اعتبره الشارع في حكم آخر؟ بقول أه اعتبره، اعتبره في إيجاب الولاية على مال اليتيم، اعتبر الشارع الصغر، فأنا عرفت أنه الشارع يلتفت إلى هذا الوصف، فاستخدمت هذا الوصف في هذا الحكم الجديد أو لاستنباط علة هذا الحكم الجديد.
وضحت الفكرة كيف معنى الاعتبار؟ أن يكون المناسب معتبراً في موضع آخر، يعني عرفنا أن الشارع التفت إليه في موضع آخر، يعني في حكم سابق فنأخذ هذا الوصف ونضعه للحكم الجديد، لأن الشارع اعتبره فعرفنا أنه يرتب أحكاماً عليه. إذا لم نكن الوصف أبداً فهو المصلحة المرسلة، ويمتنع الاحتجاج به عند الجمهور. في الحقيقة أيها الأحبة من الناحية العملية التطبيقية الأوصاف المرسلة يُعمل بها عند الفقهاء جميعاً، يعني عندما تنظرون في كتب المطولات، الكتب الفقهية المطولة، هل كل قياس يذكرونه ويذكرون علته تجد علة الشارع نص عليها في موضع آخر، هناك إجماع عليها في موضع آخر؟ ولا أقول لكم لن تجدوا هذا، وهذا الذي دفع القرافي لأن يقول سابقاً أن كل المجتهدين يستخدمون المصالح المرسلة في تعليل الأحكام، بالتالي ما من مذهب إلا وقد اعتبر المصلحة المرسلة بوجه من الوجوه، وأنا مع القرافي تماماً أنه اشتراط أن تكون العلة معتبرة لأنه الشارع اعتبرها في موضع آخر نص عليها في موضع آخر أو أجمع عليها الفقهاء في موضع.
من الناحية التطبيقية في المذاهب الأربعة غير وارد؛ بل كثيرًا ما يستدلون ويعللون بعلل لم يعتبرها الشارع، وهذا في موضع آخر؛ فقضية الاعتبار أيضًا هي موطن نقاش. نذهب إلى الشرط الجديد وهو الاضطراد.
عفوًا، نذهب إلى الشرط الجديد وهو الاضطراد. لا أريدكم أن تخلطوا بين الاطراد والاضطرار؛ فالطرد هو عكس المناسب. الآن نتكلم عن شرط من شروط العلة اسمه الاطراد. العلة عند عبد المؤمن يشترط أن تكون وصفًا وجوديًا، إذا كانت وصفًا، أن تكون وجودية ظاهرة منضبطة مناسبة معتبرة، وفيها اطراد. نازعنا عبد المؤمن في اشتراط الوجودية، ووافقناه على اشتراط الظهور، ووافقناه على اشتراط الانضباط. اشتراط المناسبة قلنا فيه تفصيل بحسب المسلك الذي ستسلكه، واشتراط الاعتبار قلنا غير عملي من الناحية التطبيقية. إذاً نحن نناقش عبد المؤمن في كل ما يطلقه.
الشرط السادس: الاطراد. ما هو الاطراد؟ الاطراد أيها الأحبة -اكتبوا عندكم تفسيره- معناه أنه يشترط في العلة أن تكون مضطردة. ما معنى أن تكون مضطردة؟ يعني متى وجدت العلة وجد الحكم، ومتى ذهبت العلة ذهب الحكم؛ هذا معنى الاطراد. وجد الإسكار وجد تحريم الخمر في هذا الشراب، انتفى الإسكار انتفى تحريم الخمر في هذا الشراب. لذلك عندي عصير أنا، مش مسكر، عصير عنب، خليناه يومين في الشمس، صار فيه صفة الإسكار، أصبح حكمه حرام الشرب. بعد ثلاثة أيام، رجع طبيعي وضعه ما عاد يؤثر، كيف أصبح حكمه؟ جواز الشرب. لاحظوا كيف الحكم يدور مع العلة وجودًا وعدمًا؛ وجدت العلة وجد الحكم، ذهبت العلة ذهب الحكم. هل هذا شرط أيها الأحبة؟ هذا أيضًا فيه تفصيل.
ما المشكلة التي يريد أن يقولها عبد المؤمن البغدادي؟ أنه إذا وجدت العلة أيها الأحبة في موضع وفي صورة ولم يوجد معها الحكم، ونحن نحكي شرط الاطراد، فإنه إذا وجدت لازم يوجد معها الحكم، وإذا انتفت لازم ينتفي معها الحكم؛ لأنه هي علة الحكم، هي الباعثة للحكم، فمعناته الحكم يجب أن يكون معها وجودًا وعدمًا. فإذا كان عندي وصف أريد أن أختبره هل يصلح للتعليل ولا لا، فوجدت هذا الوصف يوجد في بعض الصور ويكون الحكم غير موجود، معناه هذا الوصف لا يصلح أن يكون هو العلة، لأنه وجد في صور والحكم الذي يتبعه ليس موجودًا معه في هذه الصورة؛ فبالتالي لا يصلح إذا هذا الوصف أن يكون علة. ممتاز؟
إلا اكتبوا عندكم: وجود العلة مع تخلف الحكم عنها في صورة من الصور يسمى عند الأصوليين نقضًا. النقض قالوا إنه ينقض التعليل بهذا الوصف ويجعله غير صالح للتعليل. تمام، الآن أنا ما زلت أبث المصطلحات: ما معنى الاطراد؟ وما مقابل الاطراد؟ مقابل الاطراد النقض. ما معنى الاطراد؟ إذا وجدت العلة وجد الحكم، وإذا انتفت العلة انتفى معها الحكم. مقابله النقض: أن توجد العلة ويتخلف عنها الحكم.
ما المشكلة في النقض؟ المشكلة هو أن العلة فلسفتها أنها هي الباعثة على الحكم، فبالتالي إذا وجدت لازم يوجد معها حكمها، وإذا انتفت يجب أن ينتفي معها حكمها؛ فإذا وجدت في صورة ولم يوجد معها الحكم، فمعناتها في مشكلة، إذا هذه ليست هي العلة، لأنه وجدت ولا ترتبت عليها الحكم، وهذا الذي يسمى النقض. فهل النقض فعلاً ينقض التعليل بالأوصاف؟ يعني هل فعلاً إذا وجد وصف وجدنا في العادة أنه إذا وجد وجد معه الحكم، لكن في صورة من الصور وجدنا أنه وجد الوصف ولم يوجد معه الحكم، هل تخلف الحكم عن الوصف في هذه الصورة المعينة أو في هاتين الصورتين يجعل التعليل بهذا الوصف ابتداءً خطأ؟ طبعًا هذا هو موطن النقاش.
فقال عبد المؤمن: الاطراد شرط عند القاضي وبعض الشافعية. القاضي عياض والحنابلة وبعض الشافعية قالوا: نعم، شرط من شروط الوصف حتى يصح التعليل به أن يكون مضطردًا، يوجد الحكم بوجوده وينتفي بعدمه. وقال ابن الخطاب الكلوذاني وبعض الشافعية: يختص بمورده. إيش يعني يختص بمورده؟ بعبارة أخرى، ليس هذا الاطراد شرطًا، العبرة يعني المذهب الثاني ليس الاطراد شرطًا. ما معنى يختص بمورده؟ يعني هذا اكتبوا عندكم معنى يختص بمورده: يعني إذا وجدت العلة ولم يوجد معها الحكم في بعض المواضع، فليس هذا دليلًا على بطلان التعليل بها، بل تكون العلة خاصة بمواضع معينة فقط، وهي المواضع التي ظهر فيها تأثيرها، فجاء الحكم معها.
وهذا يسمى أيها الأحبة الرأي الثاني الذي يرى أن النقض ليس قادحًا في التعليل؛ يرى أن العلة يجوز أن تخصص في بعض المواضع، تأثيرها لا يظهر في مواضع أخرى، فإذا هناك رأي آخر يرى أن النقض ليس قادحًا في العلة، ولا يمنع أن تكون هناك علة يظهر تأثيرها في مواضع، وفي مواضع أخرى توجد ولا يأتي معها الحكم. هناك رأي وهو رأي كثيرين يجوزون هذا الأمر، وهذا رأي المذهب الحنفي أصلًا، أن العلة ليس من شرطها الاطراد، حتى يكون عندي وصف علة ليس من شرطه الاطراد. فيمكن أن تكون العلة في مجموعة من الصور، ولكن في بعض الصور وجد هذا الوصف ولم يوجد معه الحكم، وهذا لا يعني أنه في الصور الأولى التي وجد معها الحكم ليس هو العلة.
المشكل واحد يفكر أنه وجد وصف جعلناه هو العلة في الحالات التي وجد فيها الحكم، طيب في الحالات التي وجد فيها هذا الوصف ولم يوجد فيها الحكم، هو لا يصيبه التفكير، فمعناته أنه في الحالات الأولى التي كان الوصف فيها موجودًا مع الحكم، أنا أخطأت في تحديد علة الحكم، لم يكن هذا الوصف، ربما كان وصفًا آخر؛ هكذا يصير الذهن يفكر صح. فيقول لك لا، الرأي الآخر رأي الحنفية وبعض الشافعية وابن الخطاب الكلوذاني والحنابلة، أنه لا يشترط في الوصف حتى يصلح للتعليل أن يطرد دائمًا؛ يمكن أن تأتي صور هو موجود فيها الوصف ولا يوجد معه الحكم، ونقول: والله العلة يختص تأثيرها في مواضع معينة وفي مواضع أخرى لا تؤثر.
أفي مشكلة هذا الفهم؟ يقول كثيرون من الأصوليين: لا، لا مشكلة في هذا الفهم. فمعنى "يختص بمورده" فهمنا معنى يختص بمورده، أي إذا وجدت العلة ولم يوجد معها الحكم ليس هذا دليلًا على بطلان التعليل، بل تكون العلة خاصة بالمورد المعين الذي أثرت فيه، وأما في المواقع الأخرى التي لم تؤثر فيها فهذا لأمر آخر، وليس لأنها لا تصلح ابتداءً. طيب الآن أعطانا رأي أول أن الاطراد شرط قطعي في جميع العلل، أي علة لازم تكون مضطردة. الرأي المقابل له تمامًا أنه أبدًا لا يشترط في العلة أن تكون مضطردة، يمكن أن تكون خاصة بموارد معينة، وفي مواضع أخرى توجد ولا يجمعها الحكم.
هناك رأي ثالث بالتفصيل هو الذي سيبدأ به الآن. الرأي الثالث التفصيلي في الحقيقة أجده هو أقرب الأقوال إلى الصواب، والعلم عند الله، وهو ماذا؟ هو التخلف. كم ذهب من الوقت؟ لو أظن هذا سيستهلك منا وقتًا، إذن نقف هنا، وأقف عند الرأي الثالث التفصيلي، نشرحه في المحاضرة القادمة بإذن الله، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل