دخولتسجيل الدخول

الدرس 39 - أركان القياس(٢) - مباحث العلّة

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين وحجة للسالكين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.

حياكم الله أيها الأحبة في مجلس جديد نعقده في شرح كتاب قواعد الأصول ومعاقد الفصول للإمام ابن المؤمن البغدادي رحمة الله تعالى عليه. وقد انتهى بنا المطاف أيها الأحبة في هذا الكتاب المبارك إلى مصدر عظيم من مصادر التشريع الإسلامي وهو القياس: إلحاق فرع بأصل في الحكم لجامع بينهما. وعرفنا في المحاضرات التي مضت حجية هذا المصدر وما الذي دل عليه من نصوص الكتاب والسنة وإجماع الأمة.

ثم في المحاضرة السابقة تحدثنا عن شيء من التقاسيم التي طرحها ابن المؤمن في مسألة إلحاق المسكوت عنه، مسألة سكت الشرع عن حكمها، كيف نلحقها بمسألة نطق الشرع بحكمها؟ ما هي طرق الإلحاق وما هي النتيجة؟ أو ما هي قوة النتيجة التي نحصلها من هذا الإلحاق؟ هل هي نتيجة قطعية أو نتيجة ظنية؟ وتكلم عن هذه التفاصيل ومن خلالها أدخلنا ابن المؤمن البغدادي إلى القياس. وعرفنا أن أركان القياس أربعة: أصل، وفرع، وشبه، وعلة، وحكم. ثم بدأ ابن المؤمن في الحديث عن شروط كل ركن من هذه الأركان، فبدأ رحمة الله عليه بذكر شروط الأصل. فذكر شرطاً عاماً في كل أصل سواء كان المستدل في موضع المناظرة أو في موضع الاستدلال، هناك شرط عام في الأصل يجب أن يتوفر فيه.

فقلنا ما هو الشرط في الأصل الذي ذكره ابن المؤمن؟ أي أن يكون معقول المعنى، أن يكون الأصل معقول المعنى نستطيع أن ندرك وأن نفهم علته. وقلنا تحقيقاً إن هذا ليس شرطاً في الأصل وإنما هو شرط حكم الأصل، حكم الأصل هو الذي ينبغي أن يكون معقول المعنى نستطيع أن نفهم علته، فإن كان تعبدياً لا يجوز أن نقحمه في باب القياس، إذا كان حكم الأصل تعبدياً فلا يجوز أن نفهمه في باب القياس. ثم بعد ذلك ذكر شرطاً خاصاً بالأصل إذا كان المستدل في موضع المناظرة، ما هو الشرط؟ أن يكون حكم الأصل متفقاً عليه بين المستدل وبين المناظر، وهناك من اشترط أن يكون حكم الأصل متفقاً عليه بين الأمة، وعرفنا كيف نجمع بين القولين من خلال التفريق بين خصم إن كان مجتهداً مستقلاً أو إن كان مقلداً متبعاً لمذهب من المذاهب المعتبرة.

ثم انتقلنا إلى الفرع، وذكر ابن المؤمن البغدادي شرطاً واحداً في الفرع، ما هو؟ أن توجد العلة في الفرع بتمامها، أن توجد علة حكم الأصل في الفرع بتمامها. فهذا شرط مهم؛ لأنه إذا كانت علة حكم الأصل غير موجودة في الفرع، بالتالي لا يحق لي أن ألحق الفرع بالأصل في الحكم.

ثم انتقلنا بعد ذلك إلى الركن الثالث وهو الحكم، بدأنا فيه، هذا الذي وقفنا عنده، شرعنا في الحكم الركن الثالث من أركان القياس، الحكم هو الذي سنعديه من الأصل إلى الفرع. فقلنا الآن الأصل في القياس أن يكون الحكم فيه وجودياً، ويقابل هذه العبارة الحكم العدمي، يعني عدم الحكم. وقلنا الأصل في القياس إذاً أن يكون حكمه وجودياً، وهذا في كل أنواع الأقيسة التي ستأتي سواء قياس العلة أو قياس الدلالة أو قياس الشبه إلى غير ذلك من الأقيسة المعتبرة. الأصل أن الحكم حكم وجودي، يعني حكم نص الشارع عليه في الأصل، أخبرنا به في الأصل، نقوم بتعدية هذا الحكم الذي أخبرنا الشارع فيه في الأصل إلى الفرع عن طريق العلة.

الآن هناك صورة أخرى وهي أن يكون الحكم عدمياً، قلنا ما معنى حكم عدمي؟ يعني عدم الحكم. فهل يجوز أن أعدي عدم حكم من الأصل؟ ما هو عدم الحكم؟ هو البراءة الأصلية، الذي هو النفي الأصلي. فهل يجوز أن أعدي البراءة الأصلية، النفي الأصلي، العدم الأصلي، عبّر كما تشاء، من أصل إلى فرع؟ فألحق فرعاً بأصل في النفي الأصلي أو في البراءة الأصلية أو في عدم الحكم؟ قالوا بجامع عدم المقتضي، وقلنا عدم المقتضي هذا ليس علة، هذا تفسير، وهو ليس علة لعدم الحكم؛ لأن عدم الحكم لا يُعلل، والحالة الطبيعية أنت تعلم وجود حكم، لماذا حُرّم الخمر للإسكار؟ لماذا حُرّم الربا للكيل والطعم؟ لماذا وُجدت الزكاة في كذا؟ هي تبعة للحكم من الناحية العلمية، وإن كانت من الناحية الوجودية يقولون هي قبله، لكن نحن الآن في علم أصول الفقه؛ عندي حكم شرعي أبحث عن علة، وإن كان من الناحية العقلية العلة هي التي توجد الحكم فهي سابقة، لكن الآن من الناحية الأصولية، دعونا من الناحية العلمية، أنه الشارع أعطانا حكماً نبدأ نبحث عن علته، أليس كذلك؟ وأما إذا لم يأتِ خطاب من الشارع بالحكم فبقيت المسألة على البراءة الأصلية، فبقاؤها على البراءة الأصلية لا يُعلل، بقاؤها على البراءة الأصلية ليس له علة. وإذا قلنا إن هذه المسألة بقيت على البراءة الأصلية الموجبة لعدم المقتضي للحكم فيها وهو عدم ورود الخطاب، هذا ليس علة بالمعنى الأصولي التشريعي، وإنما هو مجرد توصيف وتفسير ولا يسمى تعليلاً.

تمام، فقلنا هل يجوز أن يكون الوصف المُعدى من أصل إلى الفرع هو العدم الأصلي أو النفي الأصلي؟ هل يجوز تعديتها؟ قلنا يجوز تعديتها باستخدام قياس الدلالة ولا يجوز تعديتها باستخدام قياس العلة، لماذا؟ لأن قياس العلة يعتمد على وجود علة موجودة في الأصل نعديها للفرع، وهذا النوع من الأقيسة وهو تعدية البراءة الأصلية من الأصل إلى الفرع لا يوجد فيه علة. فسأستخدم قياس الدلالة وهو الاستدلال بانتفاء الحكم عن الشيء بانتفائه عن نظيره، وهذا تعريف قياس الدلالة هنا.

وفي الحقيقة أيها الأحبة، سأقول لكم من الآن: قياس الدلالة ستجدون له تعريفات منوعة عند الأصوليين، ستجدون له تعريفات منوعة بحيث يشعر الطالب أنه هناك نوع من الاضطراب بين الأصوليين في تحديد ما هو قياس الدلالة. عندما تقرأ في البحر المحيط، وعندما تقرأ عند الأصوليين على وجه التنوع، تجد هذا الشخص يعبر عن قياس الدلالة بنفس، وهذا يعبر عن قياس الدلالة بنفس، أن قياس الدلالة لا يعتمد على العلة مباشرة باختصار. قياس العلة هو الذي يعتمد على إلحاق الفرع بالأصل في الحكم للعلة، الدلالة لا يعتمد على العلة مباشرة، فهنا يختلف الأصوليون في توصيفه أو في تحديد أنواعه. فمن أشهر التعاريف فهو أن قياس الدلالة هو إلحاق فرع بالأصل بواسطة دليل العلة أو أثر من آثارها أو حكم من أحكامها، وليس بواسطة العلة مباشرة. ويعرفونه في مواد أخرى كما عرفناه، مثلاً نحن هنا ماذا قلنا لقياس الدلالة هنا؟ الاستدلال بانتفاء الحكم عن الشيء على انتفائه عن نظيره، هذا قياس الدلالة الذي نعنيه هنا.

فقلنا مثلاً صلاة الضحى قسناها على صلاة الوتر في ماذا؟ في عدم الوجوب، وإن الذمة بريئة من وجوبها، وقلنا في النهاية الجامع البراءة، عدم المقتضي، عدم المقتضي في كليهما، وقلنا هذا الجامع ليس تعليلاً، وإنما هو تفسير أقرب إلى تعليل وهو من نوع أنك استدللت بانتفاء الحكم عن الشيء على انتفائه عن نظيره. فأنا هنا استدللت بانتفاء الوجوب عن صلاة الوتر، استدللت بهذا على انتفائه عن صلاة الضحى. هذا معنى استدللت بانتفاء الحكم عن الشيء على انتفائه عن نظيره، والجامع لو قيل لك أعطني جامعاً، يعني ما تقول عدم المقتضي، عدم وجود الدليل المقتضي، وهذا ليس علة وإنما هو تفسير.

تمام، فإذاً هذه هي المسألة الأولى في بيان أن الأصل في الحكم الذي يُعدى أو الوصف الذي يُعدى من الأصل إلى الفرع، أعجبتني كلمة الوصف، اجعلها مناطاً للتقسيم كما قسمت في نهاية المحاضرة السابقة، أن نقول الوصف المقصود بالإلحاق الأصل فيه أن يكون حكماً شرعياً وجودياً، يعني خطاب من الشارع متعلق بأفعال المكلفين، هذا الخطاب وُجد في الأصل أقوم بتعديته إلى الفرع، هذا الأصل في الوصف الذي يُعدى من الأصل إلى الفرع. النوع الثاني أن يكون الوصف المُعدى من الأصل إلى الفرع هو بالعكس، هو عدم الحكم، هو عدم الحكم الذي هو البراءة الأصلية، الذي هو النفي الأصلي، فهذا نستخدم معه قياس الدلالة وليس قياس العلة.

اليوم أيها الأحبة نبدأ بعد أن عرفنا هذا التوصيف العام في الحكم، وعرفنا أن الوصف الملحق من الأصل للفرع ينقسم إلى حكم شرعي أو إلى عدم الحكم الشرعي الذي هو البراءة الأصلية، نتكلم الآن عن شروط الحكم، فذكر رحمة الله عليه شرطين: الشرط الأول قال: وشرطه الاتحاد فيها قدراً وصفة، والثاني قال: وأن يكون شرعياً لا عقلياً أو أصولياً.

ذكر إذاً ابن المؤمن البغدادي شرطين في الحكم، قال الشرط الأول ما هو؟ الاتحاد فيها، قدراً وصفة. ما معنى هذا أيها الأحبة؟ نبدأ بالحالة الأولى: الاتحاد في العلة قدراً. ما معنى هذا؟ يقولون أن تكون العلة في حكم الأصل قدرها من حيث الشدة والتمكن بنفس قدر العلة في حكم الفرع. أعيد، ما معنى الاتحاد؟ يعني يُشترط في الحكم الاتحاد في العلة قدراً، هذا الشرط الأول وشرطه شرط حكمي الذي سنعديه من الأصل إلى الفرع الاتحاد في العلة قدراً. ما معنى هذه العبارة؟ يقولون أن يكون مقدار العلة في حكم الأصل مساوياً لمقدار العلة في حكم الفرع، أو يكون مقدارها أزيد. فإذا كانت مقدار العلة، أي المقدار أيها الأحبة أو القدر نقصد به هنا شدتها وتمكنها من الحكم، أن يكون مقدار العلة في حكم الأصل مساوياً لمقدار العلة في حكم الفرع أو تكون هي في الفرع أزيد. فإذاً المشكلة في حالة واحدة، أنه إذا كانت العلة في حكم الأصل قوية ومتمكنة لكنها كانت في حكم الفرع ناقصة، هنا نقول هذا القياس خاطئ، لتخلف شرط من شروط الحكم.

نأخذ مثالاً على هذه الصورة أيها الأحبة، يقولون تجب الزكاة في مال الصبي، هذا الفرع، وجوب الزكاة في ماله، كيف وجدتموها؟ قالوا قياساً على وجوب الزكاة في مال البالغ، هذا هو الأصل. إذاً الأصل وجوب الزكاة، والفرع وجوب الزكاة في مال الصبي، والحكم ما هو؟ وجوب الزكاة، هذا الحكم، وجوب الزكاة كان حكماً في الأصل، عديناه إلى الفرع. طيب هذه التعدية تقتضي علة، جامعاً، ما هو الجامع بينهما؟ قالوا الجامع بينهما ملك المال، يعني لماذا قسنا مال الصبي على مال البالغ؟ قالوا بوجود علة جارية وهو الملك؛ أنه كما أنه البالغ له القدرة والشرع يعطيه وصف الملكية لماله، كذلك الصبي مثلاً صبي ومات أبوه وترك له أموالاً طائلة، هل الشرع يعطي الصبي وصف الملكية؟ يعطيه، ما عندنا مشكلة، فقالوا وجوب الزكاة في مال الصبي قياساً على وجوب الزكاة في مال البالغ، العلة التي تجمع بينهما أن كليهما مالك لماله.

فإذاً كما أنه البالغ بده يخرج زكاة، الصبي بده يخرج زكاة، فالآن ماذا قال الأصوليون؟ إن بعض الأصول في هذا القياس قال: هذه العلة موجودة في الأصل بشكل أقوى من وجودها في الفرع. لماذا؟ قالوا ملك البالغ لماله ملك تام مستقر حقيقي، بدليل أنه له أن يتصرف بماله كما يشاء، وليس لأحد أن يحجر عليه في تصرفاته. لكن ملك المال بالنسبة للصبي ملك أضعف، لماذا؟ لأنه الصبي محجور عليه التصرف بماله، هو الذي يتسلط عليه في إدارة أمواله، فإذاً صحيح ملك المال موجود في الأصل وموجود في الفرع، لكن وجوده في الأصل أكمل وأتم من وجوده في الفرع. فبالتالي قالوا هذا القياس ليس بصحيح؛ لأنه يُشترط أن تكون العلة وجودها في الأصل مساوياً لوجودها في الفرع، أو إذا تكون في الفرع أزيد ما عندنا مشكلة، المهم ألا تكون العلة أضعف في الفرع. في هذه الحالة لا يجوز الإلحاق. تمام؟

طيب نأخذ صورة مثلاً للعلة تكون أقوى في الفرع، بدي أعطي مثالاً على سبيل التنزل، لو قلنا ضرب الوالدين قياساً على التأفف، لو اعتبرت هذا من قياس الموافقة وليس من مفهوم الموافقة، بداهةً قياساً على رأي الظاهرية، تمام؟ مقياس جديد، الآن ضرب الوالدين قسناه على التأفف، فهذا الأصل.

هذا هو الفرق. ما العلة التي ألحق بها الضرب بالتأفف؟ التضجر. ما العلة؟ إذا أنه في إيذاء؛ هل يعني ذلك ليش بتأفف في وجه الوالدة؟ أنك بتؤذيهم. وليش نهي عن التأفف في بر الوالدين؟ لأنك بتؤذيهم. الآن هذه العلة التي سبقت التحريم للأصل هي التي نريدها، وسنعدي حكم الأصل إلى الفرع وهو ضرب الوالدين. دعونا ننظر هذه العلة، هل هي موجودة في الأصل في وجودها في الفرع تماماً ولا هي أشد في الفرع؟ أشد. الإيذاء الذي ينتج في الوالدين بسبب التأفف مثل الإيذاء الذي ينتج بسبب ضربهما؟ قطعاً الفرع هنا العلة وهو الإيذاء أشد وأحكم، فبالتالي إلحاق الفرع بالأصل هنا منطقي جداً. ولذلك الأكثر يقول هذا مش قياس أصلاً؛ هذا النظر بذاته يدل عليه بدلالة الالتزام، لا يوجد عاقل يحلل ضرب الوالدين ويحرم التأفف. لأنه إذا التأفف حرم بسبب الإيذاء، فمنطقياً بده يكون محرم بسبب الإيذاء؛ لأن هذه العلة موجودة في الفرع بشكل أقوى بكثير من وجودها في الأصل. فهذا معنى الاتحاد في العلة قدراً؛ قدر العلة من حيث الشدة والتمكن يجب أن يكون متساوي بين الأصل والفرع أو يكون يزيد في الفرع. أما إذا كانت العلة أزيد في الأصل وأنقص في الفرع فهنا لا يجوز القياس.

قال الاتحاد فيها قدراً وايش؟ وصفة. ما معنى الاتحاد فيها صفة؟ في الحقيقة تجد عبارات متنوعة من العلماء خاصة المعاصرين في التعبير أو في محاولة فهم ماذا يقصد عبد المؤمن البغدادي بقوله صفة. والذي يظهر لي والله تعالى أعلم أنه يقصد الاتحاد فيها صفة: أن يكون الحكم الذي تنتجه العلة في الأصل صفته مماثلة للحكم الذي تنتجه العلة في الفرع. أعيد: الحكم الذي تنتجه العلة في الأصل يجب أن تكون صفته مشابهة لصفة الحكم الذي تنتجه العلة في الفرع. ما معنى هذا الكلام؟ الآن عندنا علة، وأنا قلت لكم العلة من الناحية العقلية المنطقية هي التي أصلاً شرع من أجلها الحكم في الأصل. وإن كنا نحن من الناحية الشرعية نجد حكماً ثم نبحث عن علته، والتي هي في الواقع العلة هي تشريع الحكم. المهم الآن دعونا على الناحية العقلية المنطقية أنه العلة هي التي من أجلها أو هي الباعثة على تشريع الحكم في الأصل. عندي الآن الأصل وعندي الآن فرع، وعندي علة.

الحكم في الأصل هو ماذا؟ هو التحريم؛ هذه الصفة لا يجوز لهذه العلة -إذا أردت القياس- أن تنتج لي حكماً في الفرع ويكون هذا الحكم هو الكراهة؛ لأنه اختلفت صفة الحكم. الحكم في الأصل إيش هو؟ بده يكون في الفرع هو التحريم لما أعديه، ما بصير أعديه إلى الفرع ويكون الكراهة؛ لازم تبقى الصفة واحدة. صفة الحكم في الأصل هي نفس صفة الحكم في الفرع. لاحظتم؟ صفة الحكم في الأصل كانت التحريم، لما بدي أعديها بسبب وجود العلة الجامعة بين الأصل والفرع، ما بصير يتحول التعدي الحكمي من صفة التحريم إلى صفة الكراهة أو العكس. مثلاً يكون الأصل وجوب، العلة أنتجت الوجوب في الأصل فحكم الأصل هو الوجوب، الآن عرفت علته بدي أعدي هذا الحكم من الأصل إلى الفرع بسبب اشتراك الأصل مع الفرع في العلة؛ ما بصير لما أعدي حكم الأصل وهو الوجوب إلى الفرع يصبح الحكم في الفرع هو الندب. إذا بدك تعدي يجب أن تبقى صفة الحكم واحدة.

فلذلك قلت لكم العلة إذا أنتجت الوجوب في الأصل وأردت أن أقيس فرعاً على الأصل يجب أن يكون هذا القياس أو الإنتاج الذي تنتجه العلة في الفرع أيضاً هو الوجوب للتحريم. يجب أن يكون الإنتاج في الفرع هو الوجوب ولا يجوز أن تختلف الصفة. إذا كانت العلة تنتج في الفرع الوجوب وبدي أقيس الأصل إلى الفرع أو ألحق الفرع بالأصل وينتج عنده استحباب، فهذا يسقط؛ فيجب أن يكون هناك أيضاً اتفاق في صفة الحكم. العلة أنتجت حكماً في الأصل هو التحريم، ينبغي أن تنتج حكماً في الفرع هو التحريم؛ أنتجت حكماً في الأصل هو الندب، يجب أن تنتج حكماً في الفرع هو الندب. فهذا معنى اتحاد الصفة. أعود إلى عبد المؤمن البغدادي أيها الأحبة، الآن قال: وشرط الحكم الاتحاد في العلة قدراً، عرفنا ما معنى الاتحاد قدراً؟ مقدار العلة في حكم الأصل مساوٍ لمقدار العلة في حكم الفرع أو يكون أزيد في الفرع. وصفة الاتحاد في العلة صفة، ما معنى هذا؟ الأقرب والله أعلم أن العلة إذا أنتجت حكماً في الأصل يجب أن تكون صفة هذا الحكم هي نفس صفة الحكم في الفرع. صفة حكم الأصل كان التحريم، صفة الفرع التحريم، صفة حكم الأصل الكراهة، صفة حكم الفرع الكراهة، وعلى ذلك. إذا هذا هو الشرط الأول الاتحاد في العلة قدراً وصفة. وأنتم تلاحظون ضيق العبارة وإحكامها الزائد الذي يجعل نوعاً من الألغاز على الطالب في فهم ماذا يريد، لكن من خلال تتبع كلام الأصوليين في المطولات يستطيع الطالب أن يفهم مراد بهذه العبارات المغلقة.

الشرط الثاني للحكم قال: وأن يكون شرعياً لا عقلياً أو أصولياً. سهلة أيها الأحبة؛ يعني الحكم الذي في الأصل والذي سأعديه إلى الفرع يجب أن يكون حكم شرعي، ليس عقلياً وليس حكماً لغوياً. لماذا؟ لأننا نبحث في علوم الشريعة ولسنا نبحث في علوم المنطق ولا في علوم اللغة، أليس كذلك؟ يعني أظن هذا الأمر واضح. الحكم الذي سأعدي من الأصل إلى الفرع يجب أن يكون حكم شرعي؛ لأني أنا الآن أبحث في مجال الشريعة، فلا أعدي حكماً عقلياً من الأحكام العقلية أو الوجوب العقلي أو الامتناع العقلي أو الجواز العقلي من أصل إلى فرع، ما يهمني أنا الآن في علم الفلسفة أو في علوم أخرى، ولست كذلك في علم اللغة العربية حتى أعدي حكم الأصل إلى الفرع ونبدأ نقيس القياس اللغوي العربي؛ هذا لا نتكلم عن قياس شرعي، فالقياس الشرعي الأصولي الوصف أو الحكم المعدى من الأصل إلى الفرع هو حكم شرعي. بقي تعليق على قوله أو أصولياً، ايش يعني أو أصولياً؟ يعني لا عقلياً أو أصولياً؛ يقصد بالأصول هنا أصول الدين، فهو يعود بنا إلى مسألة سبق أن ذكرتها سابقاً، وهي هل يجري القياس في مسائل الاعتقاد؟

أو القياس شرطه أن يكون في الفروع؟ وعرفنا أن هذه مسألة تتنوع عبارات الأصوليين فيها وهناك شيء من الخلاف. البعض يجزم مباشرة ويقول لا يجري القياس في أصول الدين، والبعض يتساهل أكثر من اللازم فيجري القياس في مسائل أصول الدين كما يجريه في الفروع الفقهية. هناك من يحكم ويحاول أن يضع ضوابط، فيكون القياس الذي يستخدم في أصول الدين يجب أن يكون قياساً قطعياً جلياً وليس قياساً ظنياً ضعيفاً. فالأقيسة الضعيفة التي يمكن قبولها في الفروع الفقهية مثل قياس الشبه أو ما شابه ذلك، لا يجوز أن تستخدم في أصول الدين لأن أصول الدين يجب أن تكون الأدلة التي تعتمدها قوية لأنها تتكلم عن اعتقاد قلب؛ فلا يصح أن تستخدم الأقيسة التي يمكن أن نتقبلها في الفروع الفقهية، لا، هناك أقيسة معينة هي التي ينبغي أن تستخدم في مسائل أصول الدين ولا مانع من استخدامه إذا كانت أقيسة قوية نتيجتها واضحة وجلية. وهذا هو الرأي الذي نتبناه والله تعالى أعلم وذهب إليه كثير من الأصوليين.

هكذا انتهينا من الشرط الثاني من شروط الحكم، نذهب الآن إلى الركن الرابع والأخير من أركان القياس وهو الركن الأهم، وهو ركن الجامع العلة. طبعاً أيها الأحبة هناك بعض المسائل لا أحب أن يعيد التكرار كثيراً في محاضراتي، عندما ذكرنا الأحكام الوضعية وذكرنا العلة هناك، وعرفنا السبب، وعرفنا بين المذاهب العقدية في توصيف العلة: هل العلة هي المؤثر بذاتها في الحكم من دون جعل الله لها مؤثراً كما يرى المعتزلة؟ أو العلة هي المؤثرة في الحكم لكن بجعل الله لها مؤثرة كما يرى أهل السنة والجماعة، وذكر ذلك الغزالي رحمه الله تعالى عليه -وإن كان الغزالي سنبقى على احتياط من ذكره لأنه على قواعد الأشاعرة-؟ ولا العلة هي مجرد معرف وعلامة وأمارة على وجود حكم وليست هي المؤثر على تشريعه كما يرى الأشاعرة؟ تذكرون هذا الخلاف؟ وخلاف المعتزلي السني الأشعري في توصيف العلة؛ هذا خذوه من الأحكام الوضعية عندما ذكرناه في مطلع الكتاب وأتوا به هنا في تفسير العلة التي تستخدم في القياس، مو أي قياس وإلحاق فرع بأصل في الحكم لعلة. ما معنى العلة يا شيخ؟ أعود إلى الوضعية وسريعاً أعيد ما ذكرته الآن. هناك خلاف أشعري سني معتزلي في توصيف ما هي العلة؟ ما المراد بالعلة؟ هل العلة هي المؤثرة بذاتها في الحكم؟ يعني هل هي التي جلبت بذاتها الحكم من دون جعل الله عز وجل لها مؤثرة -بل هي مؤثرة بذاتها-؟ فمثلاً لما نقول الخمر ايش حكمه؟ التحريم؛ ايش العلة؟ الإسكار. هل الإسكار هي علة مؤثرة بذاتها من دون جعل الله لها مؤثرة؟ هل هي أثرت فجلبت حكم التحريم للخمر؟ هذا وجهة نظر المعتزلة أن العلة هي الوصف المؤثر بذاته الذي اقتضى الحكم في الأصل وهو الذي سيجعلنا نعدي هذا الحكم إلى الفرع. هذه هي العلة عند المعتزلة.

أما عند الأشاعرة ما العلة؟ ذهبوا إلى نقيض المعتزلة تماماً من الجهة المقابلة، فقالوا العلة عندنا هي مجرد أمارة وعلامة يعرف عندها وجود حكم، فالآن حينما نقول الخمر ما حكمه؟ التحريم؛ ما علته؟ الإسكار. الآن ما معنى أن الإسكار عند الأشاعرة أن الإسكار علامة ومعرف فقط على وجود تحريم للخمر وليس به حرمت الخمر وليس هو الباعث على تحريم الخمر؛ وهذا كلام حقيقة عليه علامات استفهام، يعني كيف يكون الإسكار هو مجرد فقط كأنها إشارة مرور أو علامة أو أمارة قائمة هي التي أخبرتنا بحكم للخمر هو التحريم وليست هي الباعث على التحريم؟ هذا كلام لا يقبل أيها الأحبة. وفي المقابل أيضاً كلام المعتزلة لا يقبل أن الإسكار هو بذاته من دون جعل الله عز وجل ومؤثراً هو الذي أثر في الحكم. ومذهب أهل السنة والجماعة هو المذهب الوسط في هذه المسائل، ودائماً هو الوسط في مسائل الاعتقاد بين الغالي والجافي. فنقول: الإسكار هو وصف مؤثر وهو الباعث على تشريع الحكم، هو الباعث على تحريم الخمر، لكن من الذي جعله مؤثراً وباعثاً ومنحه هذا التأثير؟

الله سبحانه وتعالى. وبهذا التفسير ما عندنا أي مشكلة ولا نلاحظ أنه هناك منازعة مع الأحكام العقلية المستقرة لفطرة الإنسان؛ صحيح لا توجد منازعة في هذا الرأي. أما أن تقول لي والله الإسكار مجرد شرطي مرور فقط يؤشر على وجود تحريم للخمر وليس هو الباعث على تحريم الخمر أو الذي من أجله حرمت الخمر أصلاً؛ يتنافى مع مقاصد الشريعة. يعني علم مقاصد الشريعة هو علم قائم على فهم تعليلات الشارع؛ فإذا أنتم ستفهمون تعليلات الشارع بهذه النظرة المحدودة أنها مجرد أمارات وعلامات وليست هي الباعثة على تشريع الأحكام فستبقى نظرتكم في علم المقاصد نظرة قاصرة لا تلبي حاجة الأمة. ولكن علينا إذاً أن نفهم العلة بالمفهوم الصحيح المنطقي، أنه هي مؤثرة وباعثة، ولكن بتقدير الله وإرادته سبحانه وتعالى. فهكذا انتهينا من عقلية المعتزلة الحرة، وانتهينا أيضاً من جبرية الأشاعرة الجامدة، وأتينا بمذهب الوسط مذهب أهل السنة والجماعة والله تعالى أعلم.

إذاً هذا الكلام عن العلة سبق في مطلع هذا الكتاب حينما تكلمنا عن الأحكام الوضعية. عبد المؤمن البغدادي هنا بدأ في هذا الركن الرابع فقال: الجامع. لاحظوا عبد المؤمن استخدم كلمة الجامع، هذه الكلمة أيها الأحبة أوسع من العلة. لماذا؟ لأننا نعلم أنواع الأقيسة بعد قليل إن شاء الله وفي المحاضرات اللاحقة سنتعلم أنواع الأقيسة؛ وكنا هناك قياس علة، هناك قياس دلالة، وهناك قياس الشبه سيأتي معنا. الآن إلحاق الفرع بالأصل إما أن يكون بواسطة العلة مباشرة وهذا هو قياس العلة، وقد يكون إلحاق الفرع بالأصل ليس بواسطة العلة مباشرة بل بواسطة دليل العلة أو أثر من آثارها أو حكم من أحكامها، وهذا قياس الدلالة. وقد يكون الإلحاق بالأصل مجرد وجود شبه بمجرد الشبه من دون الاعتماد لا على علة ولا على أثر أو دليل للعلة، وسيأتي معنا قياس الشبه ومتى يصح. فبالتالي أيها الأحبة نلاحظ أن صور إلحاق الفرع بالأصل ليست في جميعها تعتمد على العلة. لذلك قالوا نأتي بعبارة أوسع من العلة. كل صور القياس تعتمد على الجمع، تعتمد على جامع. فهنا حتى لاحظوا هذه فائدة، يعني حتى ما ذكرناه قبل قليل أن الوصف المعدى من الأصل إلى الفرع يجوز أن يكون هو نفي الحكم الذي هو البراءة الأصلية؛ ذكرنا فيه جامعا وهو استصحاب المقتضي.

لكننا لم نذكر فيه علة أنه لا يمكن تعديده، صح؟ فعبارة الجامع أوسع من عبارة العلة. فلذلك كثير من الأصوليين يذهبون إليها فيقولون أركان القياس: فرع، وأصل، وحكم، وجامع، ولا يقولون علة. لماذا؟ لأنه الجامع عبارة أوسع من العلة. وبالتالي يدخل معنا بهذا التعبير الجامع كل أنواع الأقيسة، سواء الأقيسة التي تعتمد في إلحاقها على العلة مباشرة، أو التي تعتمد على دليل أو أثر العلة، أو الأقيسة التي تعتمد في الإلحاق على مجرد الشبه بين الأصل والفرع. فلذلك استخدم المصنف عبارة الجامع لأنها أوسع وتمثل جميع أنواع الأقيسة.

الآن ماذا قال في تعريفه للجامع؟ قال: وهو المقتضي لإثبات الحكم. المقتضي يعني هو الباعث لإثبات الحكم. مرة ثانية عبارة المقتضي، يعني كأنه هو الوصف الذي اقتضى طلب إثبات الحكم. فالإسكار هو الوصف الذي اقتضى -أو الذي طلب، أو الذي بعث عبر كما تشاء- على إثبات التحريم للخمر. الكيل عند الحنابلة هو الوصف الذي اقتضى تحريم الربا في ماذا؟ مثلاً في الشعير وفي الملح. الكيل والادخار هذان الوصفان على الاشتراك هما اللذان اقتضيا وجوب الزكاة في الزروع والثمار عند الحنابلة. هو الذي اقتضى والذي طالب هو الذي بعث على تشريع وجوب الرجم للزاني المحصن، وعلى ذلك. فالجامع بهذه العبارة هو المقتضي لإثبات الحكم، والذي اقتضى إثبات الحكم.

الآن سنتكلم عن الجامع أيها الأحبة في عدة محاور، سنقسم الكلام إلى عدة محاور. المحور الأول سنتحدث فيه عن الأشكال والصور التي يأتي عليها الجامع. المحور الثاني سنتحدث فيه عن الأسماء الأخرى التي يستخدمها الأصوليون للجامع. المحور الثالث سنتحدث فيه عن أهم المسائل التي تبحث في الجامع. المحور الرابع سنتحدث فيه عن شروط الجامع. أنا أحاول أن أرتب لكم الأفكار التي سنتحدث عنها بالجامع.

إذاً المبحث الأول الأشكال والصور التي يأتي عليها الجامع. هنا أيها الأحبة ابن البغدادي اعتمد أسلوب السرد، وأنا سأعتمد أسلوب التشجير. ما هو المحور الأول الذي نتحدث فيه؟ الأشكال التي يأتي عليها الجامع. نقول أيها الأحبة الجامع إما أن يكون وصفاً، وإما أن يكون حكماً شرعياً. وتذكر تعريف الغزالي الطويل للقياس؟ لما قالوا حمل معلوم على معلوم في إثبات حكم أو نفيه عنهما، إما بواسطة جامع من حكمين أو صفتين. حينما قال: اقرأ التعريف مرة أخرى بطوله. تعريف الغزالي، دعونا نقرأ سريعاً في مطلع كتاب القياس حينما تكلم الغزالي بتعريف طبعاً هو تعريف أبي بكر الباقلاني. وتعريف أبي بكر حين قال: حمل معلوم على معلوم في إثبات حكم أو نفيه عنهما لجامع من إثبات حكم أو صفة أو نفي الحكم أو الصفة. فهذا التعريف تعريف الباقلاني، أعود إلى الصفحة التي أنا فيها. تعريف الباقلاني الذي اعتمده الغزالي أو ذكره الغزالي بشفاء الغليل وأنه اعتمد الأوجز في الحقيقة يبين لنا أن الجامع بين الفرع والأصل، الجامع الذي هو في النهاية سبب الإلحاق في الحقيقة، الجامع بين الفرع والأصل إما أن يكون وصفاً وإما أن يكون حكماً شرعياً. قد يكون الجامع أيضاً حكماً شرعياً، يا شيخ! نحن نفهم عندنا فرع وأصل وحكم وعلة، ممكن تكون العلة الجامعة نفسها أيضاً حكماً؟ ممكن، أتينا على هذا فيما مضى، وأثبتنا أنه يكون الجامع بحد ذاته أيضاً حكماً. فإذاً الآن نقول الجامع إما أن يكون وصفاً وإما أن يكون حكماً.

الآن إذا كان وصفاً فسنقسمه بعدة اعتبارات. الاعتبار الأول هكذا نقول: إما أن يكون وصفاً عرضياً، وإما أن يكون وصفاً لازماً. الوصف العرضي هو الوصف الذي لا يستقر، يذهب ويأتي. مثل ماذا الأوصاف العرضية؟ نذكر أمثلة، قالوا: مثل السفر، والمرض. الآن لو سألتك: ما هي علة قصر الصلاة؟ السفر، صح؟ الإنسان يريد أن يخرج من هنا لأمريكا، تقول لي السفر هذه العلة. ما علة مثلاً فطر المسافر من هنا لأمريكا؟ السفر. شخص دخل المستشفى ومريض جداً يريد أن يفطر، ما علة الإفطار؟ المرض. الآن هل تعلمون أنكم تقومون بعملية التعليل بذكر العلة؟ الآن العلة هنا، أو المرض، هل هذه علة مستقرة في الشخص ولا علة عارضة؟ هذه علة عارضة؛ يعني الإنسان ليس طول عمره مسافراً. هذه علة عارضة للشخص، شرعت له القصر أو الجمع أو الفطر. كذلك المرض علة عارضة على الإنسان، جعلت مثلاً له أحكاماً خاصة من قضية الجمع في الصلوات أو الإفطار في رمضان. فالسفر والمرض هذه علل ليست دائمة مستقرة في الشيء.

أما مثال على علل أو وصف لازم، قالوا: مثل الكيل في الشعير. الآن لو سألتك: علل لماذا الشعير يجري فيه الربا؟ عند الحنابلة الكيل، صح؟ الكيل هل هو صفة عارضة على الشعير ولا ملازمة له؟ الشعير شعير، تمام؟ مثلاً الأثمان تجري فيها الربا عند الشافعية، ما العلة جريان الربا في الذهب والفضة؟ النقدية. الذهب والفضة يجري فيها الربا عند الشافعية، ما العلة؟ أنها ثمان. هل الثمانية علة ملازمة؟ يقولون من حيث الملازمة. طبعاً هذا التصور الفقهي القديم، لكن الأصل العام أنك لا تعتمد كثيراً على التدقيقات، لكن أن النقدية في الذهب والفضة كونها نقوداً هذه من الصفات الملازمة، ليست صفة طارئة تروح وتجيء زي السفر والمرض. أنت قارن بين السفر والمرض وبين الكيل والنقدية بين هاتين العلتين، السفر والمرض علل طارئة تجي وتروح، صح؟ لكن كيل الشعير لا والله هذه صفة لازمة. فهذه أشكال العلة، نتكلم الآن عن أشكال العلة.

فبدأنا بهذا التقسيم، تقسيم العلة أو الجامع إلى وصف وحكم، وبدأنا بالوصف بدأنا نقسمه باعتبارات متنوعة. فممكن يكون الوصف عرضياً من الأوصاف التي تذهب وتأتي، وممكن يكون وصفاً ملازماً للشيء. واضح القسمة الأولى؟

التقسيم الآخر، ممكن يكون وصفاً مثبتاً وممكن يكون وصفاً منفياً. ما الذي تريد أن تقوله عن وصف مثبت؟ مثلاً تحريم الخمر، ما علته؟ الإسكار. وهو وصف مثبت. طيب مثلاً نأخذ مثالاً على وصف منفي، بيع العبد الذي لم يأذن له سيده بالبيع، ما علته؟ قالوا عدم جواز التصرف، ما العلة هنا؟ منفية، العدم. عدم جواز التصرف. أما العلة الأولى تحريم الخمر الإسكار، وصف مثبت. فإذاً العلة إذا كانت وصفاً باعتبار آخر يعني بتقسيمها، تكون وصفاً مثال تحريم الخمر العلة مثبت، بينما بطلان بيع العبد، يعني إذا العبد هو الذي باع العبد بيعه باطل إلا إذا أذن له سيده، صح؟ ما العلة؟ عدم جواز التصرف. عدم جواز التصرف، رفض عدل، عدم جواز التصرف. إذاً هذه منفية ووصف منفي جاء الوصف المعلل به منفياً للعدم.

نفس الشيء السفر، قلت لها لاحظوا كيف الأقسام تتداخل؟ فتقول مثلاً السفر وصف مثبت عرضي، المرض وصف مثبت عرضي، الكيل وصف مثبت لازم، عدم جواز التصرف منفية، منفية أقرب للزوم. عرفت، يعني في النهاية بعضهم ممكن نسبية، ليه ممكن يا شيخ أنه مش لازم؟ لأنه إذا أذن له سيده يصير يتصرف، فهو وصف عرضي، يعني ممكن لحظة واحدة أذن له سيده يتصرف، إذا ما أذن له سيده ما يتصرف. فهل عدم جواز التصرف نجعله عرضياً ولا لازماً؟ أنا أقبل النقاش ما عندي مشكلة، لكن أجعله لازماً لأنه هذا هو الأصل فيه، الأصل وضعه الطبيعي فيه أنه عدم جواز التصرف، وطروء الجواز هذا أمر عارض عليه، تمام؟ كيف الصحة هي الأصل في الإنسان والمرض هو العرض؟ فنعاود ما الأصل فيه؟ عدم جواز التصرف. إذا أذن له سيده هذه حالة عرضية، عدم جواز التصرف وصف منفي لازم. فلاحظوا كيف الأقسام تتداخل؟

طيب، قد يكون الوصف، ماذا عندك أيضاً؟ قال: إما حكم شرعي، إما وصف لازم أو عارض، بعد ماذا قال؟ أيوه ممتاز، قد يكون الوصف وصفاً مفرداً، وقد يكون وصفاً مركباً. نأخذ مثالاً على وصف مفرد، الآن تحريم كما قلنا أو جريان الربا في التمر عند الحنابلة، ما علته جريان الربا في التمر؟ علته الكيل. وصف واحد صح؟ الكيل فقط. طيب وجوب الزكاة في الحبوب عند الحنابلة، ما علتها؟ الكيل زائد الادخار، تجب في كل مدخر خرج من أرض كحب أو ثمر، هكذا يقولون. وجوب الزكاة في الحبوب عند الحنابلة هل علته مفردة ولا مركبة؟ مركبة، مش وصف واحد. الكيل زائد الادخار. إذا وجد الكيل وحده ما يكفي، يجب أن يكون هذا الحب أو الثمر الذي ستزكيه طبيعته أنه مكيل أولاً، ثانياً أنه يقبل الادخار وليس مما يستهلك في حينه وبوقته، تمام؟ فإذاً قد تكون إذاً علة، وصف مفرد واحد، وقد تكون العلة لا وصفاً مركباً من عدة أوصاف.

وهناك خلاف بين الأصوليين إلى كم يجوز التركيب؟ البعض يقول لا يجوز تركيب أكثر من خمس أوصاف، والبعض يقول لا، إذا أنتم تجوزتم بالتركيب خلص، إذاً أصل الفكرة والتركيب جائز. ركب كما تشاء بحسب ما ترى أنت كأصولي وكمجتهد أنه العلة. تستطيع لو كان الوصف عشرة، أو العلة مركبة بين عشرة أوصاف، في مشكلة؟ يعني عقلاً يقول لك ما في مشكلة، بما أننا جوزنا التركيب لنا أن نركب ما دمنا نرى أن العلة في هذا، ليس لذهن الأصولي أن يحكمني بعدد معين من التركيب. إذا كان أن تكون العلة أوصافاً مركبة فالأصل أن يكون هذا الباب مفتوحاً. ما ظهر للمجتهد أنه هو العلة حتى لو كان مركباً من عشرة أوصاف لا مانع منه. فلذلك ربما سيشير عبد المؤمن البغدادي إلى هذا الخلاف في ختام كلامه عن القياس، ولا يهمنا كثيراً لأنه لا ينبني عليه الكثير عملاً. إذاً قد يكون الوصف وصفاً مفرداً، قد يكون وصفاً مركباً.

رابعاً، قد يكون فعلاً، قد يكون وصف فعل، وقد لا يكون فعلاً. الآن ما مثال على وصف هو في الحقيقة فعل، يعني حدث يقوم به الإنسان؟ قالوا مثلاً رجم الزاني، أو الرجم، الرجم ما علته؟ الزنا، صح؟ الزنا هذا وصف معنوي موجود في شيء ولا في حدث يقوم به إنسان؟ حدث يقوم به إنسان. كذلك لو قلت لك ما علة القطع؟ قطع اليد، تقول لي السرقة. السرقة هل هي وصف معنوي مثل الكيل، مثل السفر، مثل المرض؟ وحتى السفر والله السفر أنا أنظر أنه ممكن يكون فعلاً، صح ولا لا؟ السفر فعل حقيقة مش فقط وصف. المرض لا، المرض وصف، عفواً وكلنا سنتكلم عن أوصاف، السفر فعلي، المرض ليس فعلاً وإنما شيء معنوي يقوم بالأشياء، الكيل نفس الشيء، الكيل ليس فعلاً، هذا شيء معنوي يكون في الأشياء، مثلاً الثمانية نفس الشيء، الإسكار نفس الشيء، الإسكار ليس فعلاً، هذا الإسكار هو وصف يقوم في الخمر، هذا التصرف نفس الشيء. بينما كما قلنا الزنا، السرقة، والسفر هذه أفعال يقوم بها المكلف. وقد لا يكون فعلاً، مثل كما قلنا المرض، مثل الكيل، إلى غير ذلك من العلل الوصفية التي ليست من قبيل الأفعال. فلاحظوا تقسيمات الوصف، قد يكون عرضياً ولازماً، هذا تقسيم، قد يكون وصفاً مثبتاً ومنفياً، هذا تقسيم آخر، قد يكون مفرداً ومركباً، هذا تقسيم في هذه الوصف، قد يكون فعلاً، وقد لا يكون فعلاً.

طيب التقسيم الخامس، المشكلة السبورة انتهت وبقي علينا التقسيم الخامس، اسمحوا لي أني أمسح هذا كله كتبته، صحيح؟ لهالسبورة إذاً هذه أقسام أربعة، والآن سأتكلم عن القسم الخامس. خامساً، قد يكون الوصف مناسباً وقد يكون غير مناسب. ما معنى مناسب؟ ما معنى الوصف الجامع ملازم ومعنى غير مناسب؟ الوصف المناسب هو الذي أدركنا مناسبته للحكم، ما وجه جعل هذا الوصف علة في هذا الحكم؟ عرفنا أن هذا الوصف مناسب لهذا الحكم، بأنه يحافظ على مقصود الشارع، هذا الوصف يحقق لنا مصلحة في الحكم من خلالها نحافظ على مقصود الشارع، اذكروا هذا الكلام، العلة هذه أدركنا مناسبتها. ما معنى أدركنا مناسبتها؟ عرفنا وجه التعليل بها؟ وكيف أنها تحقق مصلحة في الحكم؟ هذه المصلحة نحافظ من خلالها على مقصود الشارع. فالآن الإسكار لو سألتك هل تستطيع أن تدرك مناسبة للتحريم، لتحريم الخمر؟ تقول لي: آه والله الإسكار أنا أفهم الإسكار، يخلي الذهن يذهب فيقوم الإنسان بتصرفات غير لائقة وكذا وكذا، فبالتالي يصلح هذا الوصف علة لتحريم الخمر، لأنه من خلاله سنحافظ على مصالح متعددة، نحافظ من خلالها على مقصود الشارع في حفظ العقل. أعود ماذا أقول؟ تقول الإسكار هل أنت تدرك لحالك لو قلت...

هل تدرك وجه مناسبة جعله علة لتحريم الخمر؟ تقول: والله أنا أدرك نعم وجه المناسبة في هذه العلة. أيش وجه المناسبة بتقول لي؟ بتقول لي والله الإسكار يذهب العقل، فالإنسان يتصرف تصرفات غير لائقة، فهو مناسب هذا الوصف لتحريم الخمر. الخمر الآن فيه أيش؟ إسكار، فهذا الوصف مناسب أن نحكم على الخمر بأنها أيش؟ محرمة، ولا يباح تناولها؛ لأنه بالتالي سأحقق مصلحة أحافظ من خلالها على مقصود الشارع في حفظ العقل. وقل ذلك في كثير من الأحكام.

لكن لو سألتك مثلا جدلاً لو تأتي تسأل طالباً: التمر شو جريان الربا فيه؟ يقول لك الكيل. صح؟ هل أنت تدرك لماذا الكيل مناسب لتحريم المفاضلة والنسيئة في التمر؟ في الحقيقة يصعب عليك أن تدرك وجه المناسبة. ليش الكيل بحد ذاته ليس أمراً آخر؟ لماذا الكيل هو الذي بسببه حُرِّم المفاضلة والنسيئة في التمر وليس علة أخرى؟ كثير من الناس قد لا يدرك ذلك. ممكن المجتهد العالي يصل إلى وجه المناسبة في الكيل ذاته أو الوزن، لكن كثير من المجتهدين يقفون ويقولون هكذا جاءت النصوص فنقف عندما دلت علينا النصوص. النصوص أخبرتنا أن العلة كذا كذا، ونحن لم نفهم وجه ذلك لكننا نسلم.

الآن الأصل في العلل أن تكون مناسبة، يعني أن الإنسان يدرك وجه مناسبتها وقدرتها على تحقيق المصالح التي تحافظ من خلالها على مقصود الشارع. لكن بعض العلل قد لا تكون مناسبة. ما معنى لا تكون مناسبة؟ ليس معناه أنه لا توجد فيها حكمة يدركها الله، معنى غير مناسبة أننا نحن لم ندرك وجه الحكمة أو ما هي المناسبة من التعليل بها. طب لماذا عللتم بها إذا أنتم لا تدركون وجه المناسبة فيها؟ فنقول انتظر، هذا سيقودنا إلى فكرة معينة؛ أنه بعض الأحكام أيها الأحبة الذي عللها ليس المجتهد، وإنما عللها منصوصة من الشارع.

صح؟ بعض الأحكام سيأتي معنا إن شاء الله في مسالك العلة؛ هناك علل ليس مجال الاستنباط الفقهي، بل الشارع هو نص عليها، الأمر ممتاز. العلل التي نص الشارع عليها منها ما ندرك وجه مناسبته، ومنها بسبب عجزنا وضعفنا لا ندرك وجه المناسبة فيه، وإن كنا نجزم أن فيه مناسبة يعلمها الله سبحانه وتعالى.

إذا كان طب شيخ العلة مستنبطة، هل يجوز أن تكون علة مستنبطة وصف غير مناسب أو لا أتلف على وجه مناسبة؟ ممكن. الآن في أحكام الشارع نص على هذه قلنا ممكن ندرك وجه المناسبة فيها وممكن نقول لا ندرك وجه المناسبة فيها ما عندنا مشكلة. لكن الأحكام التي لم ينص الشارع على علتها، أو المجتهد الآن هو الذي سيقوم بالبحث عن علة، هل يجوز أن تكون العلة المستنبطة وصفاً غير مناسب؟ أم دائماً العلة يجب أن تكون مناسبة؟ في الحقيقة لا، أيضاً يجوز أن يكون الوصف المستنبط وصفاً مناسباً، وأحياناً ممكن يكون أيضاً وصفاً غير مناسب. ما معنى غير مناسب؟ أننا لا ندرك وجه المناسبة فيه. طب لماذا جعلتم وصفاً لا تدرك وجه المناسبة فيه؟

الجواب الآن صعب في هذه الجزئية، لأنه عندما إن شاء الله نتكلم عن مسالك استنباط العلة هناك علل تستنبط بواسطة ما يسمى تنقيح المناط. مثلاً يكون هناك ذكر الشارع حكماً عقب أوصاف، ونحن ندرك أن واحداً من هذه الأوصاف هو العلة. فيبدأ المجتهد ينظر هذه الأوصاف، أي واحد منها هو العلة؟ يبدأ يقول: والله الوصف الأول بعيد، هذا الثاني بعيد، هذا الثالث أها، يجيء على وصف معين يقول: والله هذا الأقرب، هذا هو العلة. فهو أزال الأوصاف التي لا تصلح وترك الوصف الأخير الذي رآه أنه يصلح. قد يترك وصفاً يراه أنه يصلح لأن جميع الأوصاف الأخرى لا تصلح وهذا الوصف هو الأقرب للصلاحية، وإن كان المجتهد لم تظهر له وجه مناسبته بالتحديد.

ومنها كذلك استنباط العلة وهي من الأوجه الضعيفة؛ الدوران. يكون الوصف يدور معه الحكم وجوداً وعدماً، فأقول إذاً هذا الوصف هو العلة، وإن كنت لم أطلع على وجه المناسبة فيه. يعني هناك أحياناً بعض الأحكام صعب أن تدرك وجه المناسبة فيها، فيذهب بعض الأصوليين إلى مسالك ضعيفة للتعليل مثل مسلك الدوران؛ أنه هذا الحكم حاولنا نبحث عن علة مناسبة ما استطعنا أن نصل إلى تعليل أو إلى وصف مناسب، لكننا وجدنا وصفاً لم ندرك وجه مناسبته لكننا رأينا الحكم يدور معه وجوداً وعدماً. متى وجد هذا النص؟ الحكم موجود. متى انتفى هذا الوصف؟ الحكم ينتفي. فيغلب على ظن المجتهد أن هذا الوصف هو العلة، وإن كنت لم أدرك وجه مناسبته. ما معنى لم أدرك وجه مناسبته؟ لم أدرك ما هي المصلحة التي يحققها هذا الوصف التي من خلالها أحافظ على مقصود الشارع.

فإذاً هناك أوصاف مناسبة؛ مثل السفر وصف مناسب للقصر. والمرض وصف مناسب لتعليل الفطر في رمضان. لكن أوصاف غير مناسبة مثال ذلك مثلاً الكيل في تحريم الربا. لماذا جعل الكيل هو مناط تحريم الربا عند الحنابلة؟ كثير منهم يقولون لا ندرك وجهاً فيه، ولكنه هو الوصف من خلال استخدام مسالك العلة وجدنا أنه هذا هو الوصف الأصلح للتعليل به. وكذلك الوزن أيضاً يُعلل به جريان الربا في الذهب والفضة، وإن كان كثير منهم يعدونه من الأوصاف التي هي علة صحيحة لكن غير مناسبة. ما معنى غير مناسبة؟ نحن البشر لم ندرك ما هي المصلحة التي يحققها هذا الوصف التي من خلالها نحافظ على مقصود الشارع، أما هو بحد ذاته فيه مصلحة نعم. إذاً هذا هو التقسيم الخامس والأخير للوصف؛ قد يكون وصفاً مناسباً، وقد يكون غير مناسب. هذه أقسام الصورة الأولى من الجامع.

الصورة الثانية من الجامع هو أن يكون حكماً شرعياً. ذكرنا مثالاً في بداية الدروس وأذكر مثالاً آخر على كون الجامع حكماً شرعياً، يقولون الخمر لا يجوز بيعها، علل؟ قالوا: لأنه يحرم شربها. فهنا أنت عللت بحكم شرعي ليس وصفاً. هل عللت بالكيل فيها والادخار أو الإسكار؟ قالوا: يحرم بيعها لتحريم شربها، وتحريم الشرب علة، والإسكار تحريم الشرب علة الإسكار، وتحريم البيع علته تحريم الشرب والتناول. فهذا تعليل باستخدام حكم شرعي. فإذاً الجامع قد يكون حكماً شرعياً.

وقد لا يكون موجوداً في محل الحكم. وهذا سبحان الله عندما قرأت هذا النص ابتداءً ارتأيت أني أجعله تقسيماً سادساً في الوصف. التقسيم السادس نقول: إما أن يكون الوصف موجوداً في محل الحكم، وإما أن لا يكون موجوداً في محل الحكم. أولاً يا مشايخ ايش هو محل الحكم؟ محل الحكم هو الأصل والفرع. فأحياناً قد يكون الوصف موجوداً في محل الحكم؛ أي قائماً في الأصل وفي الفرع.

مثلاً التمر محرم الربا فيه، ايش العلة؟ الكيل. الكيل وصف موجود في محل الحكم قائم فيه، فعندما أقيس اللبن على التمر في تحريم الربا بجامع الكيل، هنا الجامع وهو الكيل هذا الوصف موجود في أصل قائم به وموجود أيضاً في الفرع.

الصورة الثانية، المثال الذي ذكره عبد المؤمن البغدادي: تحريم زواج الحر بالأمة، ما علته؟ لا يجوز للحر أن يتزوج أمة إلا ضمن شروط معينة خوف العنت. قالوا العلة: خشية رق الولد، أنه إذا حر تزوج أمة فأنجبت له أولاداً، هؤلاء الأولاد حكمهم في الشرع أنهم عبيد، يتبعون أمهم ولا يتبعون أباهم، فحتى لا تنتج لنا عبيداً قلنا لك لا تنكح أمة. الآن هذه العلة وهي رق الولد، هل هي وصف قائم في محل الحكم؟ الحكم هو التحريم، والمحل هو الزواج. رق الولد شيء يتعلق بالولد لا يتعلق لا بالزوج ولا بالأمة، وإنما يتعلق بشيء خارج. ويصح التعليل به، لكنه هو الآن عم يعطيك الأشكال التي يأتي عليها الجامع في الشريعة.

إذاً أنت عندما تبحث وتدرس في كتب الفروع الفقهية ستجد العلل على كل هذه الأشكال التي ذكرناها؛ ستجد العلة حكماً شرعياً، وستجدهم يعللون بوصف لازم أو عارض، أو مثبت أو منفي، أو مفرد أو مركب، أو فعلي أو غير فعلي، وقد يكون مناسباً أو لا يظهر لك مناسبته، وقد يكون موجوداً في محل الحكم أو خارجاً عنه، هذه كل هذه الأشكال التي يأتي عليها التعليل في كتب الفروع الفقهية.

ننتقل إلى المحور الثاني؛ المبحث الثاني، الأسماء التي يطلقها الأصوليون على الجامع. عبد المؤمن البغدادي سيعطينا أسماء كثيرة يطلقها الأصوليون على الجامع، وفي ثنايا حديثه عن هذه الأسماء سيتكلم عن مسائل أصولية. الأسماء التي يطلقها الأصوليون على الجامع؛ ذكر عبد المؤمن البغدادي من هذه الأسماء أنها تطلق على الجامع العلة.

هذا واضح، أحياناً البعض يقول العلة، لكن نحن عرفنا في البداية أنه في الحقيقة العلاقة بين الجامع والعلة هي علاقة عموم وخصوص مطلق، لأن كل علة هي جامع، لكن هل كل جامع بين فرع وأصل هو علة؟ لا، قد يكون الجامع هو دليل العلة أو أثر العلة. صحيح حكم من أحكام العلة، من أسماء الجامع العلة، ترى بعض الأصوليين يتساهل؛ حتى تعرفوا، بعض الأصوليين يقول العلة بمعنى الجامع. ولما يأتي يتكلم عن قياس الدلالة يفسر يقول: والله الجمع بين الفرع والأصل بدليل عنده، أو بأثر من آثارها.

لذلك أنا في الحقيقة ما بحب هذا المنهج، لأنه بيعمل نوع من التشتت في ذهن الطالب؛ يعني بتقول لي إيش عندك بالضبط بنفهم. لا، فخلوا العلة هنا في الحقيقة هي نوع من أنواع الجمع، وإن كان عبد المؤمن هنا قالوا: من أسماء الجامع العلة، وهذا كما قلت لكم صحيح؛ لأنه كثير من الأصوليين يستخدم العلة والجامع على وجه الترادف. ولكن الأفضل لا تجعلوهما مترادفين، هذا هو الأفضل، بل تجعل العلة نوعاً من أنواع الجامع.

الاسم الثاني: المؤثر، تلاحظ أنه هي التي هي الباعثة على تشريع الحكم، الجامع هو الباعث على تشريع الحكم، صح؟ فإذاً هو مؤثر، لكن قلنا عند أهل السنة هو مؤثر بجعل الله له مؤثراً، وليس على طريقة المعتزلة.

الاسم الثالث: السبب، اصبروا معنا، العلاقة بين العلة والسبب، وقلنا العلة بالمعنى الثاني لها، سابقاً ارجعوا إلى بداية حديثنا، مش أعطينا العلة ثلاث مصطلحات، ثلاث تعاريف؟ ونقدر نستخدم معنى الحكمة، وتستخدم معنى المقتضي، ويستخدم معنى العلة الكاملة. وقلنا العلة بمعنى المقتضي هي بمعنى السبب، العلة إذا كانت بمعنى النقطة دي بمعنى السبب، وإن كان هناك خلاف؛ يعني في الحقيقة البعض يقول: لا، السبب إيش علاقة السبب بالعلة؟ أنه السبب ما مش قلنا قبل قليل وصف مناسب، وصف غير مناسب؟ يقول: إذا كان الوصف مناسباً بنسميه علة، وإذا كان الوصف غير مناسب ولا مدرك لوجه لماذا الشارع جعله مثلاً، بنسميه سبباً. ممتاز، البعض يفرق تفريقات اصطلاحية ما لها أثر في العلم، لا، هي تفريقات اصطلاحية بحتة ولا أثر لها في الناحية العلمية أو الإنتاجية. لذلك الآن هنا في هذا الموضع سنعتبر الكل بمعنى واحد على وجه الترادف في هذا الموطن. إذاً: العلة، المؤثر، السبب، المستدعي، المناط.

المناط: هذه الكلمة إيش أصلها؟ قالوا: المأخوذة هذه من نياط القلب. يقول: هناك شيء في بدن الإنسان، وفي الحقيقة لا أعرفه، القلب معلق به، ربما الشريان أو وريد أو شيء من هذه الأمور يسمونه نياط، داخل بدن الإنسان والقلب معلق على هذا النياط، فكأن العلة والجامع في الحقيقة هو نياط، هو علقها، يعلق عليه الحكم. فلذلك أطلقوا كلمة المناط على الجامع، قالوا: لأنه يشبه نياط القلب الذي يعلق عليه القلب، فكذلك الحكم يعلق على علته أو على جامعه، فأنت انظر أيها الحبيب عندما تقول تحريم الخمر، على ماذا تعلقه؟ على الإسكار، صح؟ فمن هنا كلمة المناط، وهذه الكلمة ذكر عندها عبد المؤمن البغدادي بعض التقسيمات، سأؤجل أنا هذه التقسيمات إلى مبحث آخر.

إذاً العلة، المؤثر، السبب، المناط، تسمى أيضاً المستدعي، لأنه العلة هي التي تستدعي الحكم، تطلب الحكم، لذلك سمي مستدعي، أليس استدعاؤك يعني أطلب منك الحضور؟ فكذلك الجامع أو العلة تسمى المستدعي لأنها استدعت الحكم للحضور. فكأن الإسكار هو الذي استدعى التحريم للخمر، هو اللي طلب منه الحضور. كذلك تسمى السادس المقتضي.

السابع قالوا: المظنة، وهذه ربما مرت معكم هذا التعبير. تسمية العلة مظنة، وقلنا لماذا تسمى العلة مظنة، ومررنا على هذا سابقاً، والآن ربما أعيد باختصار تصويره. الآن قلنا أيها الأحبة عن الحقيقة الأحكام، أعطيك مثالاً من خلاله عن طريق التفكير أحسن، لو قلت لك القصر في السفر، إيش علته؟ اعطيني العلة الحقيقية، بديش العلة الأصولية، بدي أفرق بين العلة الحقيقية غير الأصولية. بتقول لي: والله القصر في السفر الشارع جاء به رفعاً للمشقة، هذه علته، دافع عن المشقة. الآن عند الأصوليين لا يجوز أن تجعل دفع المشقة -وإن كان هو العلة الحقيقية- بعبارة أخرى هو الحكمة، لا يجوز أن تعلل به؛ لماذا؟ لأنه قلنا وصف غير منضبط، والأحكام لا يجوز تعليقها على الأوصاف غير المنضبطة، لازم تعلق على أوصاف منضبطة.

فماذا يفعلون في هذه الحالة الأصوليون؟ يذهبون يبحثون عن وصف منضبط، هذا الوصف هو مظنة وجود الحكمة معه عادة. يذهبون يبحثون عن وصف منضبط، هذا الوصف هو ليس العلة على التحقيق، هو ليس حقيقة العلة، لكن هذا الوصف لأنه منضبط يصلح أن نعلق الحكم عليه ونجعله هو العلة الأصولية، ويكون هذا الوصف هو مظنة، إيش يعني مظنة؟ يعني يغلب على الظن وجود الحكمة معه عادة. وجود العلة الحقيقية معه عادة. لاحظوا كيف أنا أفرق بين العلة الحقيقية والعلة الأصولية، العلة الحقيقية هي الحكمة.

الآن أيها الأحبة ركزوا معي في هذه الجزئية: إذا كانت الحكمة وهي العلة الحقيقية منضبطة ظاهرة، نستطيع أن نعلق الحكم عليها مباشرة لتوفر شروط العلة فيها. إذا كانت العلة الحقيقية هي الحكمة، تنطبق عليها جميع شروط العلة، ظاهرة، منضبطة كذا، فعلقنا الحكم على الحكمة مباشرة لصلاحيتها للتعليل، هنا لا أعبر بما قلنا، لا أعبر بالمظنة؛ لأني علقت الحكم على الحكمة مباشرة، ومتى يجوز أن أعلق الحكم على الحكمة مباشرة؟ إذا كانت الحكمة تتوفر فيها شروط التعليل. لا أعبر عن العلة بأنها مظنة. إذا كانت العلة الحقيقية الحكمة لا تصلح للتعليل لأنها غير منضبطة أو خفية أو اختل فيها شرط من شروط العلل الأصولية، فأبحث عن وصف ظاهر منضبط تتوفر فيه الشروط، وأعلق الحكم على هذا الوصف الظاهر المنضبط، هذا الوصف الظاهر المنضبط أسميه مظنة، لأنه يغلب على الظن وجود الحكمة معه عادة.

فإذاً، هل دائماً العلة تسمى مظنة؟ لا، متى تسمى مظنة إذا لم تكن هي العلة الحقيقية الحكمة. إذا كانت العلة هي نفس الحكمة، العلة الحقيقية هي التي علقنا الحكم بها مباشرة، هناك ما بسمي هذه العلة مظنة، ليه؟ لأنه هي بنفسها العلة، هي ليست مظنة وجود حكمة، بل هي الحكمة بذاتها. لكن لما يكون عندي الحكمة لا تصلح للتعليل لاختلال شرط من الشروط، إما لعدم انضباطها مثل رفع المشقة، فأبحث عن وصف مناسب، أعلق الحكم عليه، هذا الوصف المناسب تتوفر فيه شروط التعليل، ويكون هو مظنة وجود الحكم معه عادة.

مثلاً هنا في مسألتنا الأصوليون بحثوا عن وصف ظاهر منضبط يعلقون عليه القصر، فقالوا: السفر مسافة واحد وثمانين كيلو بالضبط، السفر مسافة واحد وثمانين كيلو، والله هذا هو الوصف المنضبط، لحظي بالحد، واحد وثمانين كيلو، قطعت تقصر، ما قطعتها ما في قصر، ليش هذا التحديد الدقيق؟ البعض -عفواً يعني بعض الناس الجهال- يستهجن بالشريعة، ويقول: يا شيخ، لو مشيت سبعين أنا مش راح أقصر، وإذا مشيت واحد وثمانين راح أقصر؟ أقول: نعم نعم، هذا هو الواقع. لماذا؟ حتى لا يتلاعب أحد بالشريعة. الشريعة تريد الانضباط، شريعة منظمة دقيقة على المسطرة، واحد وثمانين تقصر، غير هيك ما في قصر، حتى تنضبط الأحكام ولا تترك لأهواء البشر، البشر لو تركوا لأهوائهم ماذا سيحدث للأحكام الشرعية؟ تضيع، يعني هي ضايعة من دون ما تعلق بها أهواء، فما بالك لو علقت بأهوائهم؟ فلازم السفر واحد وثمانين كيلو مسافة حدية، خلص، وصف ظاهر منضبط، القصر عليه.

هو ليش واحد وثمانين؟ قالوا هو مظنة؛ يعني يغلب على الظن وجود المشقة مع هذه المسافة فأكثر. طب يا شيخ أنا ثمانية وسبعين ما في، في معها مشقة؟ ونقول: لا، ممكن يكون معها هذا الوصف مشقة، لكن نحن نريد وضع مسطرة، وهذه المسطرة التي وضعناها ليست مجرد هوانا، من خلال استقراء نصوص الشارع في النهاية. لا يلزم أن يكون عندي نص قطعي أنه المسافة واحد وثمانين كيلو، لكن الفقهاء وضعوا هذه القطعية من خلال حسم للشريعة، وإبعاداً عن تلاعب المتلاعبين، ونحن مع هذا المنهج.

كذلك لما نأتي في مسائل الحمد لله أيام الجمع والقصر كثيرة في بلداننا، البعض ربما يستخف بالمذاهب الفقهية ترى أيها الأحبة وبضوابطها، لما نأتي مثلاً يقول الحنابلة: ما علة الجمع بين المغرب والعشاء؟ -لأنه احنا ما عندنا جمع في المطر بين الظهر والعصر، عندنا الجمع بين المغرب والعشاء- ما العلة؟ قالوا: إما أن يكون هناك مطر يبل الثياب، أو هناك ريح شديدة باردة، لا باردة فقط، إلا في ليلة مظلمة. لأن البعض أحياناً يقرأ هذه الأوصاف التي يعلق عليها الجمع بين المغرب والعشاء فيقول: لماذا يعني هذه الحبكة يا شيخ؟ خلص، في غيمة سوداء ممكن تمطر... يعني انظر كيف الناس كثير ما أجد هذا التخاطب مع العوام، أنه يا شيخ هذه غيمة سوداء والأرصاد الجوية قالت إنه إن شاء الله السنة ممكن يكون فيه مطر، توقعات، تجمع؟ بلاش تمطر. يا أخي الشريعة لا تبنى على أنه نخاف من كذا ونخشى من كذا وممكن يحدث كذا. لا، الشريعة عندها أوصاف ظاهرة منضبطة يعلق عليها الأحكام، فيكون المطر الذي يبل الثياب أو ريح شديدة باردة، لا بارد فقط، إلا في ليلة مظلمة، عندما تقرأ هذا في كتب الحنابلة بدك تعرف أنهم الآن يحاولون ضبط الحكم، حتى لا يكون تعليل حكم الجمع بين المغرب والعشاء هكذا على التساهل والله، خلص وجود المشقة، اجمعوا المغرب والعشاء. طب المشقة لأخونا الختيار أبو محمد ليست هي المشقة للشاب محمد ابنه، أليس كذلك؟ الأمور هذه لا يمكن أن تترك تختلف أمورهم، فقالوا: نضع ضوابط حدية، هذه الضوابط هي يغلب على الظن وجود الحكمة معها، ترى يغلب على الظن، فنحن حينما نقول الجمع مع الريح الشديدة الباردة نحن لا نقطع بوجود الحكمة وإنما نقول يغلب على الظن، صح؟ هكذا نقول.

لما نقول المطر الذي يبل الثياب، صار ممكن يكون مطر يبل الثياب لكن أحياناً يكون الجو دافئاً وفعلياً ما في مشقة كبيرة، لكن خلص في بل الثياب يجوز الجمع، لأنه يغلب على الظن وإن لم يصل إلى درجة القطع واليقين. فهمتم؟ إذاً باختصار، هذه الفائدة التي أردت، أن هذا الاسم هو المظنة، هذا ليس لكل علة، وإنما للعلة إذا لم تكن هي الحكمة، أما إذا كانت العلة التي يعلل بها الحكم هي الحكمة مباشرة، فلا أعبر بالمظنة. وضحت الفكرة يا مشايخ؟ تمام.

إذا كان الاسم ذكرنا الآن سبعة، أعود أخشى أن أكون فوت اسماً أو شيئاً، بتلاقوها هذه السبعة، تمام، نقرأها سريعاً مع بعضنا. قال: وله ألقاب، منها -هذا المسألة المبحث الجليل- قال: وله ألقاب، يعني الجامع له ألقاب، إيش منها؟ قال: العلة، وقد سبق تفسيرها، ذكرناها في الأحكام الوضعية وذكرنا أسماءها الثلاث، وعفواً معانيها الثلاث، والعلة هنا عند في باب القياس هي بالمعنى الثاني، العلة هي المقتضي للحكم، اللي هي نفس الجامع، ما هي الجامع اليس كذلك؟ ففي النهاية هي بمعنى الجامع، هي المقتضي للحكم. لكن أنت بدك تفسر، هي أسماء صحيح مترادفة من حيث أن جميعها بمعنى المقتضي للحكم، لكن لماذا سميته مؤثراً؟ طب لماذا أعطيت الاسم الآخر المستدعي؟ لماذا أعطيت الاسم الآخر للمظنة؟ بتحاول تفسر لماذا أطلقت كل اسم، لكن في النهاية كلها مشتركة في معنى واحد ملتقى وهو ماذا؟ هي المقتضي للحكم، هي الجامع.

لذلك الآن مثلاً سيفسر المؤثر، قال: والمؤثر، هذا الاسم الثاني، إيش المؤثر؟ قال: هو المعنى الذي عُرِف كونه مناطاً للحكم بمناسبته. هنا كأنه يذهب إلى أن المؤثر أضيق من الجامع، لأنه يخص المؤثر في ماذا؟ بالأوصاف التي عرفت مناسبتها للتعليل، أنه قال: هو المعنى الذي عرف كونه مناطاً للحكم، يعني علة للحكم، بسبب مناسبة، فعرفنا مثلاً الإسكار، لماذا لا الإسكار هو العلة صح؟ يسمى مؤثراً أيضاً، لماذا نسميه مؤثراً؟ نسميه جامعا. طبعاً هنا خطرت في بالي قبل قليل أردت أن أقولها، كلمة الجامع لا أستخدمها إلا في حالة وجود قياس يا مشايخ، ما هو اسمه جامع، يعني متى أنا بستخدم كلمة الجامع؟ لما بدي أقوم بعملية قياس، أجمع بين فرع وأصل. ممتاز.

عندما أريد البحث عن علة حكم في نصوص الكتاب والسنة من دون إرادة إلحاق فرع بأصل، فأنا هنا لا أعبّر عن هذه العلة بالجامع. نحن قلنا عندنا أسماء: علة، وسبب، ومناط، ومستدعي، ومقتضي، ومؤثر، ومظنة، فهذه الأسماء نستخدمها سواء أردنا الجمع أي إلحاق فرع بأصل، أو لمجرد أننا وجدنا حكماً في الكتاب أو السنة وأردنا أن نبحث عن علته من دون أن أقوم بعملية جمع أو قياس.

أنا فقط أريد أن أبحث عن علة حكم ورد في الكتاب أو السنة، فما سآخذه وما سأصل إليه من العلل، سواء كانت علة منصوصة من الشارع ابتداءً أو استنبطتها، أسميها علة أو سبباً أو مظنة أو مستدعياً أو مرتبطاً بمرض، لا توجد عندي مشكلة. متى أسميها الجامع؟ إذا أردت أن أجمع بين فرع وأصل؛ لأن كلمة الجامع يجب أن تفهمها على أنها الشيء الذي يجمع بين الفرع والأصل. فلا أطلق على العلة والسبب والمناط وكل هذه الأمور السبعة كلمة الجامع إلا في حال إرادة الجمع، أي إرادة إلحاق فرع بأصل، فحينئذٍ أسمي العلة الجامع لأنها هي التي في الحقيقة جمعت بين الفرع والأصل في الحكم.

هل فهمنا هذه الجزئية؟ أما إذا كنت لا تريد أن تقوم بعملية جمع وإلحاق وقياس أبداً، وكان عندك نص حكم في الكتاب أو السنة وأنت مجرد تبحث عن علة هذا الحكم، ففي هذه الحالة لا أسمي هذه العلة المأخوذة جامعاً. هل وضحت هذه الفكرة؟ تمام. فأعود إلى قول المؤلف: المظنة هي المعنى الذي عُرِف كونه مناطاً للحكم بمناسبته. يعني أنت وجدت حكماً في الكتاب أو السنة وبدأت تبحث عن المعنى الذي من أجله شُرع هذا الحكم، فوجدت معنى مناسباً، فعرفت أن الشارع أتى بهذا الحكم بسبب هذا المعنى المناسب.

فمثلاً، الله عز وجل والنبي ﷺ يبيّنان لنا أن الخمر محرّمة، فأنت بدأت تبحث عن هذه العلة. إذا وجدت علة منصوصة، أي الشارع نص عليها، فليس لك أن تبحث عن مناسبتها وعدم مناسبتها، فهمت مناسبتها أو لم تفهمها فوظيفتك التسليم؛ لأن الشارع هو الذي نص عليها، ونسميها مؤثراً، بخلاف ما يوهِمُه تعبير عبد المؤمن أن المؤثر هو المعنى الذي أدركنا وجه مناسبته. في الحقيقة، هذه العبارة أحاول أن أوسعها أكثر؛ لأنه حتى لو كانت علة منصوصة، والشارع قال: «أنا حرمت كذا لكذا»، فإني أدركت مناسبته أو لم أدرك، هو المؤثر لأن الشارع نص عليه وانتهى الأمر.

أما إذا كان الشارع لم ينص على العلة وأنا سأقوم باستنباطها، فالاصل العام أنك تحاول أن تبحث عن المعنى المناسب لتعليق هذا الحكم عليه. لذلك أيها الأحبة، أنا لا أحب أن أتطرق الآن لتعريف المؤثر والتعريفات الأخرى لأننا نريد أن نحافظ على وحدة الموضوع. خلص، هذه الأسماء هي للجامع الذي نلحق به الفرع بالأصل، كلياتها بنفس المعنى العام؛ لأنه دائماً عندما يكثر الكلام وتأتي في كل مرة بتعبير جديد، الطالب يضيع، كل مرة تعطيني تعريفاً جديداً، وهنا تعريف آخر، وهناك تعريف ثالث، مع أنك في النهاية تقصد نفس المقصد. فكثرة العبارات أحياناً وكثرة الكلام في جزئيات بتعريفات متنوعة تشعر الطالب بنوع من الضياع، فما علاقة هذا بذاك وأنت في الحقيقة موضوعك واحد؟ لذلك قلت لكم لا تهتموا كثيراً الآن بالتعريفات، التقوا فقط بالأسماء، اسم العلة هو المؤثر، الثالث المناط.

ما هو المناط؟ الأصل يفسر معناه لغويّاً، قال: هو تعلّق الشيء بالشيء، وهذا معنى كلمة المناط لغةً، وقالوا منه نياط القلب لعلاقته؛ كأنه هناك علاقة يعلّق عليها القلب تسمى نياطاً، ومنها أخذنا كلمة المناط، ولا توجد عندي مشكلة. طيب، قال: فلذلك هو عند الفقهاء متعلّق الحكم، وهو يريد أن يبين وجه المناسبة بين المعنى اللغوي والمعنى الأصولي، أنه لماذا تسمى العلة أو الجامع مناطاً؟ لأن المناط أصله مأخوذ من نياط القلب، والنياط هي العلاقة التي يعلّق عليها القلب، والعلة والجامع هي علاقة يعلّق عليها الحكم؛ ففي وجه مناسبة، فلذلك هو عند الفقهاء متعلّق الحكم كما أن نياط القلب هو متعلّق القلب. تمام. قالوا والبحث فيه إما لوجوده تحقيق المناط أو تنقيته، ودعونا ننطلق إلى النقطة الرابعة، سأعيدها بترتيب آخر.

نذهب إلى الاسم الرابع: المظنة، هنا ذكر المظنة وأصلها مأخوذ من الظن، وظنّ درسناها في قطر الندى، العادة فيه أن يكون بمعنى الرجحان، وقد يستخدم بمعنى اليقين، ولكن الأغلب أن يكون بمعنى الرجحان، وهي من ظننت الشيء، وقد تكون بمعنى العلم أي بمعنى اليقين، لذلك قلت لكم لا شيء فُسّر بالمعنى اللغوي للمظنة، هي من ظننت الشيء قد تكون بمعنى العلم كما في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: 46] أي يجزِمون، وليس هنا بمعنى الرجحان، وتارة بمعنى الرجحان للاحتمال وهذا هو الغالب، ولأنها تأتي في الأصل بمعنى الرجحان وليس بمعنى اليقين فقال فلذلك هي الأمر، اكتبوا تحت الأمر: الوصف، هي الوصف المشتمل على الحكمة، وهذا واضح أظن مع الشرح الذي شرحته قبل قليل؛ أن العلة نسميها مظنة إذا كانت العلة هي وصف مشتمل على الحكمة وليست هي الحكمة مباشرة.

لذلك قال: فلذلك هي الأمر، أي الوصف المشتمل على الحكمة الباعثة على الحكم، ثم قال: و إما قطعا كالمشقة في السفر، أو احتمالا كوطء الزوجة بعد العقد في لحوق النسب، فما خلا عن الحكمة ليس بمظنة، هذا خلونا نقف معه. الآن قلت لكم قبل قليل: الوصف الظاهر المنضبط الذي يشتمل على الحكمة هو الذي يعلّق عليه الحكم في حالة كون الحكمة لا تصلح للتعليل بها لأنها غير ظاهرة أو غير منضبطة إلى آخر الشروط، تمام، واضحة ولا ضائعة معكم الأمور؟ تمام، الآن يقول هذا الوصف الذي تريد أن تجعله علة للحكم لأنه يغلب على الظن وجود الحكمة فيه، قال: إما أن يكون -لاحظوا العبارة الآن- ما قال يغلب على الظن، قال: إما أن يكون قطعاً مشتملاً على الحكمة، وإما أن يكون ظنّاً غالباً مشتملاً على الحكمة، أي احتمالاً، أي احتمالاً راجحاً.

ولاحظوا هو كأنه يريد أن يؤكّد -أنا قبل قليل شرحت لكم- قلت الوصف هو الذي يشتمل على الحكمة، لماذا يسمى مظنة؟ قال: لأنه يغلب على الظن وجود الحكمة فيه. الشيخ عبد المؤمن يريد أن يعطيك تقسيماً، لا بد يقول لك هذا الوصف الظاهر المنضبط الذي يشتمل على الحكمة، قال: إما أن تكون الحكمة موجودة فيه قطعاً، وإما أن يكون وجود الحكمة في ضمنه احتمالاً راجحاً، وفي كلا الأمرين يجوز التعليل به، سواء كانت الحكمة موجودة فيه قطعاً أو كانت العلة موجودة فيه -عفواً- أو كانت الحكمة موجودة فيه احتمالاً راجحاً.

وكأنه يريد أن يقول بما أن الظن أصلاً في اللغة يأتي بمعنى القطع واليقين ويأتي بمعنى الاحتمال الراجح، فكذلك أطلق على العلة مظنة، وتكون هي مظنة بمعنى اليقين، يعني يقطع وجود الحكمة معها، أو بمعنى الرجحان، يعني يغلب على الظن وجود الحكمة معه. وإن كان هل هناك فعلاً دائماً علل أو أوصاف ظاهرة مرتبطة قطعاً دائماً توجد الحكمة معها؟ هذا هو مناط البحث عندي هنا، والأكثر يقول إن المظنة أو العلة تسمى مظنة لأنه يغلب على الظن وجود الحكمة معها. الآن في الحقيقة لا مانع عندي أن تكون الحكمة دائماً موجودة مع الوصف، لا مانع عندي أن تكون هذه المظنة، هذه العلة التي نسميها مظنة، أن تكون الحكمة دائماً موجودة معها، وسيبقى اسمها مظنة؛ لأن الأصل أن وجود الحكمة معها ليس دائماً مستمراً، وإنما هو غالب راجح، هذا هو الأصل.

طيب، الآن سنبحث، يعطينا مثالاً على مظنة الحكمة توجد معها قطعاً، ما المثال الذي أتى به؟ قال: كالمشقة في السفر. الآن نحن جعلنا السفر علة للقصر، صح؟ وقلنا لماذا السفر؟ والسفر واحد وثمانون كيلو؟ لأنه هذا الوصف، أنا قلت لكم قبل قليل، يغلب على الظن وجود الحكمة فيه وهو المشقة، لكن عبد المؤمن هنا يقول: إن الحكمة موجودة في هذا الوصف قطعاً، ليس مجرد احتمال راجح، ويجعلها موجودة في، وصلها لدرجة القطع. فهل هذا الكلام صحيح؟ أو ليس بصحيح؟ هذا دورك أنت تبحث عنه، أنت تقتنع بهذا الكلام أو لا تقتنع. أنا في الحقيقة أجد أنه ليس قطعاً مشتملاً على الحكمة وهي رفع المشقة، بل وجود هذه الحكمة معه احتمال راجح، ولا يصل إلى درجة القطع.

هو جعله من مرتبة القطع، الحالة الثانية أن يكون هذا وصف المظنة مشتملاً على الحكمة لكن احتمالاً راجحاً، ما المثال الذي طرحه؟ في الحقيقة أنا سأعدّل هذا المثال الذي طرحه، بسم الله، انظروا ما هو المثال، المثال هو لحوق النسب بالرجل، على ماذا يعلّق؟ الآن علته الحقيقية ما هي؟ هو دخول النطفة من الرجل إلى رحم المرأة، هي التي تجعل هذه النطفة التي إن شاء الله تخرج طفلاً جنيناً تجعل هذا الجنين يلحق نسبه بالرجل. فالعلة الحقيقية للحوق نسب الطفل بالرجل هي دخول النطفة، لكن دخول النطفة إلى رحم المرأة وتعلقها هل هذا أمر ظاهر وجلي ولا أمر خفي؟ خفي، يعني نحن لا نستطيع أن ندخل في بيوت الناس أولاً، ولا نستطيع أن نجزم أن النطفة انتقلت من الرجل ودخلت في المرأة وتعلّقت، فهذا أمر خفي، لذلك لا أستطيع أن أعلّق حكم لحوق النسب عليه.

هذه العلة الحقيقية لا أستطيع أن أعلّق لحوق النسب بناءً عليها شرعاً، ما أستطيع، هي خفية، فأحتاج إلى وصف ظاهر منضبط يغلب على الظن احتمالاً راجحاً وجود هذه العلة الحقيقية معه، ما هو؟ قالوا عقد النكاح. فإذا رجل تزوج امرأة فجاء طفل مباشرة يُنسب الطفل لأبيه، كما قال النبي ﷺ: «الولد للفراش». امرأة أنجبت طفلاً، طبعاً هم يضعون ضوابط وشروط الفقه؛ أنه مثلاً خلال مدة إذا أنجبت بعد العقد بستة أشهر فصاعداً، إذا أنجبت مثلاً بعد العقد بشهرين فهي مستحيلة، فلابد أن يكون، وهذا سأعلّق عليه الآن على هذه الجزئية. المهم بضوابط معينة، إذا وُجد عقد النكاح والمرأة أنجبت في الوقت المعتبر شرعاً، هذا الولد مباشرة ننسبه لأبيه.

مع أنه هل أدركنا علة لحوق النسب حقيقة؟ لا، لكن لأني لا أستطيع أن أدركها لأنها أمر خفي، علّقنا لحوق النسب على أمر ظاهر منضبط وهو عقد النكاح؛ لأنه يغلب على الظن وجود العلة الحقيقية معه، صح؟ وهنا هل نحن نجزم قطعاً أن العلة الحقيقية موجودة؟ ولا الأغلب؟ هو الأغلب، لأنه عفواً، ممكن تكون المرأة زنت، صح ولا لا؟ مش ممكن؟ عقلاً هذا واقع، ممكن تكون المرأة زنت، والزلمة زوجها ما هو داري، والطفل نُسِب إلى رجل خطأ، والمرأة سكتت عن هذه الجريمة والعياذ بالله. فممكن.

لذلك نقول نحن عقد النكاح بالنسبة لنا احتمال راجح لوجود العلة الحقيقية معه، ولا نستطيع أن نصل للجزم والقطع؛ ممكن تكون المرأة زنت بعد النكاح مباشرة، فبالتالي يغلب على الظن وجود العلة الحقيقية فيه، وإن لم يكن يوصلنا لمرحلة القطع. لكن السفر بالنسبة لعبد المؤمن البغدادي: المشقة توجد معه قطعاً، وأنا في الحقيقة لا أجدها قطعية عن وجود المشقة، لا أجد قطعية إلا إذا قلنا إنه ما من سفر إلا وفيه نوع ولو ضئيل من المشقة. كأنه هكذا يريد أن يقول عبد المؤمن: إنه ما من سفر، حتى لو كنت بأعلى أنواع الترف في طائرة من الطائرات الضخمة هذه التي فيها ما لذ وطاب، قد يكفي من المشقة خوف سقوط الطائرة مثلاً، مش طائرات الطيارة وخاف تقع؟ هذه بحد ذاتها مشقة، فما من سفر إلا وفيه نوع من المشقة ولو ضئيل، فبالتالي لا يمكن أن يخرج السفر عن المشقة.

يعني بناءً على هذا ممكن نقول إن كلام عبد المؤمن البغدادي صحيح، أن السفر توجد معه الحكمة، العلة الحقيقية، قطعاً دائماً، بينما هنا توجد العلة الحقيقية راجحاً وليست دائماً. طيب، برأيكم أيها الأحبة، إذا كان الوصف الآن هذا عقد النكاح، قلنا توجد معه الحكمة احتمالاً راجحاً، لو أن هذا الوصف في صورة من الصور خلا من الحكمة قطعاً، هذا الوصف اسمه عقد النكاح، نحن جعلناه هو الذي نعلّق به لحوق النسب بسبب وجود الحكمة معه احتمالاً راجحاً، لو أن هذا...

في صورة من الصور خلا من الحكمة قطعاً. هل يجوز حينئذ أن يبقى هو مناط الحكم؟ لا. ويمثل الفقهاء بهذه المسألة طبعاً في عرفهم القديم، قالوا: لو أن رجلاً مشرقياً من أهل العراق أو الشام تزوج امرأة مغربية أو ليبية، ولم يفارق كل منهما بلده، علمنا قطعاً أنه ما حدث تلاقٍ بينهما؛ طبعاً زمان لما تصور الفقهاء هذه الصورة القديمة تجدها في كتبهم؛ ما في طيارة ولا تلفون ولا سيارة ولا حاجة، الجمل يروح.

فلو قالوا إن مشرقياً تزوج مغربية، فالمغربية أنجبت طفلاً؛ هل ترى كيف تزوجوا يا شيخ أصلاً؟ طيب ما هو واحد في المشرق وواحد في المغرب، بالمكاتبة يا شيخ، مش فينا إياها، بالمكاتبة، يعني بعث رسالة لها ولوليها أنه تنكحني، فقالوا: أنت حقك؛ ويا هل اشترط وجود الاثنين في مجلس العقد؟ لا يشترط، ممكن الاثنين شافوا بعض زمان قبل خمس عشرة سنة، وبعد عشرين سنة حبوا يتزوجوا، المهم بالمكاتبة تم عقد النكاح بينهما.

فهذا مشرق يسكن في المشرق، وتلك المرأة ساكنة في المغرب، فأنجبت طفلاً تلك المرأة؛ هل نلحق هذا الطفل بأبيه بناءً على أنه في عقد نكاح؟ ولحوق النسب ينتقل، يعني يعلق على وجود عقد، هنا يوجد عقد. أقول: صحيح هنا يوجد عقد نكاح، لكن عقد النكاح هذا نحن نجزم قطعاً بأنه لا يشتمل على العلة الحقيقية، وهي احتمالية دخول النطفة من الرجل على رحم المرأة؛ لأنه الاثنين ما حدث أن التقى بعضهما، وهو في المشرق وهي في المغرب، ولم يفارق أحد منهما بلده، كيف يعني انتقلت الأمور؟

فهنا نجزم أن عقد النكاح لا يشتمل على ماذا؟ على العلة الحقيقية، على الحكمة الحقيقية للحوق النسب، وهي دخول النطفة من الرجل إلى رحم المرأة؛ فبالتالي عقد النكاح بهذه الحالة والصورة لا يعلق عليه لحوق النسب، ولا نقول بلحوق النسب، فهمتم؟ فالمظنة أيها الأحبة متى نقبلها؟ إذا كانت تشتمل على الحكمة قطعاً أو احتمالاً راجحاً، والبعض يقول حتى لو كان احتمالاً مساوياً، حتى لو ما كان احتمالاً راجحاً لو كان الاحتمال خمسين بالمئة خمسين بالمئة.

أما إذا كانت لا تشتمل على الحكمة هي نفس هذا الوصف في صورة من الصور، فقد افتقد اشتماله على الحكمة تماماً، انتهى، لا يجوز أن نعلق الحكم عليه، وضحت الفكرة؟ تمام، فهذا إذا قضية تسمية الجامع بالمظنة.

كذلك يسمى الجامع بالسبب، قال: وأصله، يعني السبب إيش هو في اللغة العربية؟ قال: هو ما يتوصل به إلى ما لا يحصل بالمباشرة. إحنا عرفنا السبب سابقاً أنه ما يتوصل به إلى غيره، هنا أعطاك تعريفاً مقبولاً أيضاً أن السبب ما يتوصل به إلى ما لا يحصل بالمباشرة. الآن إذا أنت شيء تستطيع أن تتناوله مباشرة لا تحتاج إلى استخدام سبب لتناوله، صح؟ إذا كان له واسطة عقولك، إذا كان الشيء لا أستطيع أن أتناوله بالمباشرة أحتاج إلى سبب، إلى واسطة، إلى وسيلة لتناوله، لذلك الماء عندما يكون في البئر في قاع البئر، أنا لا أستطيع أن أقترب منه مباشرة، فأحتاج إلى إيش؟ إلى واسطة، إيش هو؟ الحبل، حبل معلق بدلو، أقوم بواسطة هذا الحبل باغتراف الماء؛ هذا الحبل يسمى سبباً، هذا الحبل يسمى سبباً لأني توصلت به إلى الماء الذي لا أستطيع أن أحصل عليه بالمباشرة لبعد البئر، ثم قال: إذاً هذا هو السبب، والمتسبب يطلق على من هذا المصطلح؟ هو المتعاطي للفعل، فأنا متسبب والحبل سبب، صح؟

هو أعطاك قرائتك على الهامش الاستطرادات، من هو المتسبب؟ هو الذي يفعل السبب، يسمى متسبباً. المهم قال: وهنا الجامع يسمى سبباً، لماذا يسمى سبباً؟ قال: وهنا ما توسل به إلى معرفة الحكم الشرعي فيما لا نص فيه، يعني هنا الذي يريد أن يقول لماذا الجامع بنسميه سبباً؟ قال: لأني عندي فرع، والفرع هذا لا أستطيع أن آخذ حكمه مباشرة من الشارع؛ لأنه ما نص على حكمه، فكيف سأصل إلى حكم الفرع؟ بواسطة العلة، فالعلة كأنها العلة التي بواسطتها قمنا بتعدية حكم الأصل إلى الفرع، هي السبب، هي الحبل الذي توصلنا من خلاله إلى معرفة حكم الفرع؛ فهمتم لماذا تسمى العلة سبباً؟ يعني يريد أن يبين دائماً علاقة المعنى اللغوي بالمعنى الأصولي، لماذا نسميه العلة سبباً؟ أنه بها وصلنا إلى معرفة الحكم الشرعي في الفرع، لأني لا أستطيع أن أتناول الحكم الشرعي في الفرع مباشرة لأن الشارع لم ينص عليه، فتناولت الحكم الشرعي في الفرع من خلال السبب اللي هو العلة.

قال: وجزء السبب هو الواحد من أوصافه كجزء العلة. تذكر القصة في بداية الكتاب لما قالوا جزء السبب ويشفع يريد عبد المؤمن البغدادي، وكان كلامه غامضاً، عرفت؟ أنا هنا باختصار جزء السبب هو الواحد من أوصافه كجزء العلة، لما يكون عندي باختصار وصف مركب، مش قلنا العلة إذا كانت وصفاً ممكن يكون وصفاً مفرداً، ممكن يكون وصفاً مركباً؛ إذا كانت وصفاً مركباً، مثل ما قلنا الزكاة عند الحنابلة بالحبوب والثمار إيش علتها؟ الكيل والادخار. الآن الوصف الواحد إن كانت العلة وصفاً مركباً، الوصف الواحد يسمى جزء العلة، طيب وإذا سميته السبب؟ الوصف الواحد شو بتسميه؟ جزء السبب؛ فهي أظن معلومة واضحة، قال: وجزء السبب هو الواحد من أوصافه كجزء العلة.

ثم أعطانا الاسم السادس، قال: والمقتضي، يسمى الجامع أيضاً المقتضي، وهو لغة طالب القضاء، فيطلق هنا لاقتضائه ثبوت الحكم العلة أو الجامع؛ لماذا يسمى مقتضي؟ قال: لأنه يقتضي يطلب ثبوت الحكم، ومعنى المقتضي لغة هو طالب القضاء. المعنى السابع المستدعي، وهو من دعوته إلى كذا أي حثدته عليه، فالعلة تسمى مستدعي لأنها تستدعي الحكم تطلب منه الحضور، تمام؟ كما فسرناها قبل قليل، إذاً هذه هي الأسماء التي ذكرها عبد المؤمن البغدادي للعلة أو للجامع، قرابة سبعة أسماء للجامع: العلة، المؤثر، السبب، المناط، المستدعي، المقتضي، المظنة.

طيب ننتقل الآن إلى مسألة جديدة، وهي أن العلة يبحث فيها أيها الأحبة من ثلاثة وجوه. العلة طبعاً أقولها وخلاص، أنا هنا استخدم المعنى الجامع، أقول لا أكون جامعاً ما ينهج للطالب، لا أستخدمه لأنه بمعنى الجامع حتى أسهل على حالي الكلام، كم ذهب من الوقت؟ تمام، الآن أيها الأحبة نقول البحث في العلة على ثلاثة وجوه، طبعاً وهنا استخدامه للعلة أدق من استخدامه للجامع؛ لأنه هنا أنا استخدم الجامع، قلت متى أسمي العلة جامعاً؟ إذا كنت سأقوم بعملية قياس، حينئذ أسمي العلة جامعاً لأنها ستجمع بين فرع وأصل، وإذا لم يكن هناك عملية قياس، فالأصل أن نسميها علة، نسميها السبب، نسميها ما شئنا، لكن لا تسميه جامعاً إلا إذا أردت أن تقوم بجمع بواسطة العلة، تمام.

المبحث الثالث إذاً جمعنا اليوم هو المباحث التي تبحث في العلة، نقول العلة يبحث فيها من ثلاثة وجوه: الوجه الأول تحقيق المناط، هنا ما بيستخدموا كلمة تحقيق العلة، بيستخدموا الاسم الآخر، بيستخدموا المناط، لذلك سأستخدم الذي ستجدونه في كتب الأصوليين، لكن لو قلت تحقيق العلة ما في مشكلة، نقول تحقيق المؤثر ما في مشكلة، تحقيق المظنة كله ما في مشكلة، لكن العبارة المستخدمة عندهم في هذا التقسيم المناط فساستخدم المناط بناءً على استخدامه: تحقيق المناط، تنقيح المناط، تخريج المناط، إذاً العلة يبحث فيها من ثلاثة وجوه: تحقيق المناط، تنقيح المناط، تخريج المناط، سأبدأ بالوجه الأول وهو تحقيق المناط.

إيش يعني تحقيق المناط؟ تحقيق المناط أيها الأحبة هو باختصار: عندما تكون العلة في الأصل معلومة عندك، العلة معلومة إما من نص الشارع عليها أو بإجماع عليها، أو أن الفقهاء الأقدمين مثلاً استنبطوا علة وخلصوا، رقوا على هذه العلة، مثلاً أنت حنبلي، فقهاء الحنابلة الأقدمون قالوا العلة في تحريم الربا في التمر هو الكيل والادخار، خلص وصلتك العلة جاهزة، صح؟ فإذاً تحقيق المناط أن تكون العلة معلومة عندك إما كما قلنا بنص من الشارع أصلاً، أو إجماع، أو بفعل الفقهاء الأقدمين، استنبطوا العلة وانتهى واستقر الأمر.

أنت هل ستقوم بعملية التحقق من وجود العلة في الفرع؟ أنت تقوم بعملية التحقق من وجود العلة في الفرع، عملية التحقق من وجود العلة في النوازل في المستجدات هذا يسمى عند الأصوليين تحقيق المناط، وهذا أمر مهم جداً هذه العملية؛ لأنه كثير من المسائل المعاصرة المستجدة في الاقتصاد، في السياسة، في كذا يحكم بها وتقاس بمسائل قديمة، مع أن المناط لا يوجد في المسائل المعاصرة، يعني المناط موجود في المسائل القديمة ليس في المسألة المعاصرة، فهمتم إيش أهمية هذه النقطة؟ عملية تحقيق المناط وهي التأكد من وجود العلة في الفرع أو في النازلة، أعطيك بدال الفرع النازلة المستجدة؛ فقبل ما تقوم يا طالب العلم بعملية الإلحاق عليك أن تتأكد أن المناط الذي عللوا به حكم الأصل موجود فعلاً في الفرع في النازلة المعاصرة، وهذه العملية تسمى تحقيق المناط، كأنه أنك تتحقق من وجود المناط من وجود العلة في الفرع، ممتاز. فإذاً العلة موجودة مسبقاً، إما بنص أو إجماع أو استقرار الاجتهاد السابق عليها، وأنت تقوم بالتحقق من وجودها في الفرع، هذا المبحث الأول وهذا المبحث مهم في العلة.

بحث آخر في العلة قالوا البحث الثاني تنقيح المناط، تنقيح المناط هنا لسا نحن في طور استنباط العلة، تنقيح المناط باختصار يكون عندي نص شرعي ذكر حكماً شرعياً عقب أوصاف، ولم يحدد لي الشارع الوصف من بين هذه الأوصاف الذي هو مناط الحكم، فأقوم أنا بتنقيح عملية اسمها تنقيح المناط، إزالة الأوصاف التي لا تصلح للتعليل من النص وأبقي على الوصف الذي يصلح للتعليل، فأقوم بتعليق الحكم عليه؛ وتنقيح المناط ذكره الشيخ عبد المؤمن البغدادي، لكن أنا أحاول أن أعبر عنه بصورة أسهل للطالب؛ يكون نص شرعي ذكر فيه حكم، ولسا الحكم هذا ما عرفنا علته بالضبط، لا الشارع قال هذا هو الحكم، ولا هناك إجماع على أنه هذه علة الحكم، ولا الفقهاء الأقدمون على العلة، وبدي أعتبر حالي أنا بذكائكم في زمن أحمد بن حنبل والشافعي وأبي حنيفة وسادتنا الكبار جالسين، ورد عندهم نص في حكم، وهذا النص فيه أوصاف؛ هنا ركزوا النص فيه أوصاف، هسه الفقيه هو يدرك أنه واحد من هذه الأوصاف هو علة الحكم الوارد، لكن مش عارفين أي وصف بالضبط هو العلة، ويقوم بعملية التنقيح، ما هي عملية التنقيح؟ يمسك هذه الأوصاف يحصرها، ويبدأ ينظر فيها وصفاً وصفاً: والله هل يصلح أن يكون هذا؟ لا هذا فيه مشكلة لا يصلح، يكون هذا ينظر في الوصف الثاني لا يصلح، آها الثالث لا يصلح، الرابع لا يصلح، الخامس؟ آه الخامس، هذا هو الوصف الذي يصلح لتعليق الحكم به، فيقوم بتعليق الحكم عليه؛ فإذاً هنا الشارع أعطاني أوصافاً متنوعة، وذكر بعدها حكماً لكن لم ينص الحكم على أي وصف من هذه الأوصاف معلق، أقوم أنا بعملية التنقيح.

نأخذ مثالاً، يمثلون لهذه القضية أيها الأحبة مثلاً بحديث الذي جامع في نهار رمضان؛ قالوا جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله هلكت! قال: وما أهلكك؟ قال: جامعت في نهار رمضان. نقف عند هنا، النبي قال له: اعتق رقبة، فإن لم تجد فصيام شهرين، فإن لم تجد فإطعام ستين مسكيناً، القصة المشهورة في الروايات السبعة. الآن أيها الأحبة الأئمة الفقهاء نظروا في هذا النص، علة وجوب الكفارة، هنا هذه الكفارة التي أمر بها النبي صلى الله عليه وسلم هذا الرجل، إيش علتها؟ الآن عندنا النص فيه عدة أوصاف؛ قالوا الوصف الأول: عندي أعرابي، هل أمر النبي صلى الله عليه وسلم، هل علة الكفارة أنه هذا أعرابي بده يعاقبه النبي صلى الله عليه وسلم؟ وضعوه على قائمة الاحتمالات، بدنا الآن يسموه التقسيم بعدين السبر، نجمع كل الأوصاف الموجودة عندنا، ثم نقوم باختبارها واحداً واحداً؛ هل هو تنقيح، وسيأتي بعد إن شاء الله في مسلك السبر والتقسيم، نقول هذا الاحتمال الأول: أنه أعرابي، طيب الاحتمال الثاني أنه إيش علة الكفارة؟ أنه جامع؛ المجامعة هذه، طيب هل المجامعة الآن محتمل؟ هل لأنه جامع فقط؟ لأنه جامع في رمضان؟ ولا بالتحديد للمجامعة في النهار؟ مجامعة نهار بحد ذاتها، لأنه ممكن يكون مجرد أنه جامع، حتى لو جامع في الليل في رمضان عليه كفارة، فهذه العلة مجرد الجماع ولا مركبة؟ جماع في نهار رمضان، فرق بين هذه وهذه، صح؟ إذا قلنا العلة هي الجماع في رمضان بس، إذاً بتشمل الجماع في النهار وفي الليل، بدك تكفر، لكن لو قلنا العلة هي الجماع في نهار رمضان، إذاً الكفارة على من جامع فقط في النهار، لاحظوا الآن إيش الاحتمالات الواردة عندك في النص.

طيب الآن سياق النص ممكن يستنبط لي علة، طيب هل العلة أنه جامع في نهار رمضان بالتحديد؟ ولا العلة أنه جامع وهو صائم، سواء في رمضان ولا في غير رمضان، يعني هل رمضان مؤثر؟ ولا أي إنسان جامع في نهار وهو صائم؟ مثلاً يوم عرفة أو بكرة اثنين، أحد يجامع فيه هل عليه كفارة ولا فقط في رمضان؟ والله محتمل النص، فإذاً النص الآن لما جاء على هذا النص وجدوا أنه فيه عدة احتمالات للتعليل يمكن أخذها من النص.

العلة الأولى: أنه أعرابي. العلة الثانية: أنه جامع مطلقًا، بغض النظر جامع نهارًا أو ليلاً. العلة الثالثة: المحتمل يكون جامع في نهار. العلة الرابعة المحتملة: جامع في نهار صيام في رمضان. بهذا التقييم لاحظ، أعطانا قاعدة عدة احتمالات بمنطوقي ومفهومي وإشارتي، محتمل أنه يكون أي واحد منها هي العلة. بأي شيء يأتي الأصولي والفقيه؟ يعمل ويقوم بعملية التنقيح. يأتي على الوصف الأول: هل الشريعة عهد منها أنها تعلل الحكم بأنه أعرابي؟ لا، الشريعة لم تلتفت إلى هذا بالفعل.

هذه العلة لأنه جامع مطلقًا، بغض النظر كان في النهار ولا في الليل، المهم أنه جامع مطلقًا في رمضان من دون اعتبار أنه وصل النهار، هل لأنه دائمًا في رمضان؟ نهار بغض النظر نهار أو ليل؟ لا، الشريعة دلت على جواز الجماع في الليل، ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: 187]. إذاً هذا لا ينفع أنه جامع في رمضان بحد ذاته. جامع في نهار صيام، لأنه قضية رمضان هي ليست مؤثرة. هل لو واحد جامع في نهار صيام، هل عليه كفارة؟ أنا كنت بصوم نفل، وفي النهار مثلاً تأتي الواحد شهوة يجامع امرأته، هل نلزمه بهذه الكفارة المغلظة؟ قالوا مش مناسب.

كيف يقوم بعملية التنقيح؟ فيأتي يقول: جامع في نهار رمضان، أن نهار رمضان محل صيام ورمضان حرمته مغلظة ويجامع ويرتكب، هذه الوصفة هي المناسبة أن يجعل علة وجوب الكفارة، هذه اسمها عملية تنقيح مناط. أن يذكر حكم شرعي، النبي صلى الله عليه وسلم ذكر الكفارة، بعد عدة أوصاف واقعة في النص، فيقوم الأصولي أو الفقيه المجتهد بجمع هذه الأوصاف، ثم يقوم باختبارها وصفًا وصفًا، ما الذي يصلح منها أن يكون علة للكفارة، فيأتي بالوصف المناسب ويزيل الأوصاف غير المناسبة، هذا يسمى تنقيح مناط أو تنقيح العلة.

الحالة الثالثة هي تخريج المناط، ما معنى تخريج المناط؟ تخريج المناط هو حينما أحاول أن أبحث عن علة حكم، وهذه العلة غير منصوص عليها ولم يُجمع عليها، ولم يذكر الحكم عقب أوصاف أستطيع أن أقوم بسبرها وتقسيمها، وإنما جاء الحكم مطلقاً هكذا؛ جاء نص: لا تفعلوا كذا، افعلوا كذا. لن يذكر عقب أوصاف، ما في أوصاف، فهنا سأقوم بعملية الاستنباط المحض من خلال التفكير، ما هي العلة المناسبة لهذا الحكم؟ فهذا يسمى تخريج مناط، وهذا متى تطبقه كما قلنا في حالة أن الشارع ما نص على العلة ولم يأت إجماع عليها ولا ذكر الحكم عقب أوصاف.

إذا ذكر الحكم عقب أوصاف ويحتمل كل واحد منها أن يكون علة، وأنا فقط مش قادر أحدد من هو بالضبط منها، هذه العملية تسمى تنقيحًا، أما إذا ذكر حكم مطلق ولم يأتِ معلقًا على أوصاف سابقة، ولم ينص على علته أو إجماع، في هذه الحالة عملية استنباط العلة والوصول إليها تسمى تخريج مناط. مثل ماذا؟ النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلاً بمثل سواءً بسواء بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم». الآن جاء فقهاؤنا الكبار فصاروا ينظروا، لم يقل الذهب بالذهب والفضة بالفضة إنه لازم التساوي ولا يجوز التفاضل ولا يجوز النساء فيها أيضاً.

هكذا النص الشرعي يعطينا الحكم، عدم جواز التفاضل وعدم جواز النساء في هذه الأصناف. طب ما العلة فيها؟ هل النص ذكر هذا الحكم، حكم الربا في هذه الأمور الستة عقب أوصاف معينة؟ ولا جاء مطلقاً؟ خلص أن هذه الأمور لا يجوز فيها التفاضل ولا يجوز النساء، نقطة. الفقيه بده يحاول يبحث عن العلة، لماذا التمر بالتمر ما بصير لا مفاضلة ولا نساء؟ لماذا الملح بالملح ما بصير مفاضلة ولا نساء؟ أبدأ بعملية التخريج، لأنه هنا لا يوجد أوصاف في النص، يقوم بالاعتماد على الاستنباط والبحث عن العلة المناسبة، عملية استنباط العلة واستخراجها تسمى في هذه الحالة تخريج مناط.

فهمتم متى تطبق تخريج المناط؟ ما هو منصوص ولا إجماع وما في أوصاف ذكرت مع الحكم. هنا سنقوم بعملية تخريج المناط، وهذه العملية وتلك عملية تنقيح المناط، هذان المبحثان ندرسهما إن شاء الله حينما نتحدث عن مسالك العلة، كيف نحدد العلة وما هي الطرق؛ لأن المنصوصة كيف تأتي صورها، العلة المستنبطة سيذكر لك تخريج المناط بالصور وسيذكر لك السبر والتقسيم الذي هو تنقيح المناط بصورته. نعود الآن، أين ذكر الشيخ عبد المؤمن البغدادي رحمه الله عليه هذا البحث؟ أقول لك ارجع إلى كلمة المناط.

لما ذكر من أسماء العلة المناط، أو من أسماء الجامع، لما ذكر المناط، ذكر تعريفه قال: والبحث فيه، يعني البحث في المناط، أما لوجوده، يعني وجوده في الفرع، كما كتبت لكم على السبورة، لا أعد العبارة المختصرة جداً، قال: أما لوجوده، يعني إما أن أبحث فيه من حيث تحقيق المناط، وهو البحث والتحقق من وجود العلة المعلومة مسبقاً في الأصل، أتحقق من وجودها في الفرع في النازلة في مستجدات.

أو البحث الثاني تنقيته وتخليصه من غيره، وهو تنقيح المناط، وهذه ذكر تعريفاً لها بأن ينص الشارع على حكم عقب أوصاف، فيلغي المجتهد غير المؤثر من هذه الأوصاف ويعلق الحكم على ما بقي، على المؤثر منها تماماً. وتخريج المناط بأن ينص الشارع على حكم غير مقترن بما يصلح أن يكون علة، أعطانا الشارع حكم لكن ما أعطانا العلة، وكذلك ما أعطانا أوصاف نقوم بتنقيحها، أعطانا فقط الحكم نقوم بالاستنباط، فهذا يسمى تخريج مناط، فيستخرج المجتهد العلة باجتهاده ونظره.

إذاً نلجئ للبحث الآخر إن شاء الله وهو البحث في شروط العلة إلى مجلس قادم بحول الله، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.