الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم. أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، ومحجة للسالكين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.
حياكم الله أيها الأحبة في مجلس جديد نعقده في شرح كتاب قواعد الأصول ومعاقد الفصول للإمام عبد المؤمن البغدادي رحمة الله تعالى عليه. وقد بدأنا الرحلة أيها الأحبة في المحاضرة السابقة في باب القياس، فعرفنا مفهوم القياس وأنه إلحاق فرع بأصل في الحكم لجامع بينهما، وناقشنا مجموعة من المسائل التي ذكرها عبد المؤمن البغدادي رحمة الله عليه تبعاً للغزالي من شفاء الغليل. ثم بعد ذلك انتقلنا إلى مسألة حجية القياس، وهل هناك خلاف في جواز القياس عقلاً، وعرفنا الأقوال الثلاثة. ثم انتقلنا بعد ذلك إلى مسألة جواز القياس شرعاً وعرفنا أيضاً الأقوال الدائرة في هذه المسألة، وتحدثنا وذكرنا مجموعة من الأدلة تدل على أن القياس جائز عقلاً وجائز شرعاً وواقع شرعاً من الكتاب، ومن السنة المتواترة، ومن إجماع الصحابة والجيل الأول من التابعين.
ثم ذكرنا الخلاف بعد ذلك، لذلك يرى كثير من الأصوليين ومن أهل العلم أن الخلاف في القياس خلاف حادث بعد عصر الصحابة والتابعين. لذلك عندما تجد في كتب الأصوليين أن الأدلة أو مصادر التشريع المتفق عليها هي الكتاب والسنة والإجماع والقياس لا تستغرب، ولا تقل كيف يكون القياس من مصادر التشريع المتفق عليها مع أن فيه خلافاً من مذهب الظاهرية بالتحديد ومن بعض أهل العلم عموماً. فنقول الجواب عن هذه الإشكالية: من عد القياس من مصادر التشريع المتفق عليها لم ينظر ولم يلتفت إلى الخلاف الحادث، وقال: القياس اتفق الصحابة والجيل الأول من التابعين على العمل به، وإنما نشأ الخلاف في اعتباره بعد ذلك، والخلاف الحادث لا يبطل الإجماع السابق. وهكذا نكون انتهينا من المسألة الثانية في باب القياس وهي حجية القياس كمصدر من مصادر التشريع.
اليوم نكمل الرحلة مع عبد المؤمن البغدادي رحمة الله تعالى، وننتقل إلى محور ثالث من محاور هذا الباب، وهو ما هي الأحكام التي يجري فيها القياس؟ هذا هو السؤال الذي سنبدأ بالبحث فيه اليوم. ما هي الأحكام التي يجري فيها القياس؟ ماذا قال عبد المؤمن رحمة الله عليه؟ قال: ويجري أي القياس في جميع الأحكام، حتى في الحدود والكفارات خلافاً للحنفية، وفي الأسباب عند الجمهور ومنعه بعض الحنفية. هذه هي المسألة الجديدة وهي ما هي الأحكام التي يجري فيها القياس؟
أولاً اكتبوا عندكم أيها الأحبة: هل يجري القياس في مسائل أصول الدين أي في مسائل الاعتقاد؟ عندما تقرأون أحياناً أفتح لكم آفاقاً وأنبهكم على ما يقول بعض الأصوليين وما يقول البعض الآخر، ستجد بعض الأصوليين يقول لك: لا يجري القياس إلا في العمليات، ولا يجري في العقائد. هذا قول ستجدونه في كتب الأصول، وتجدون قولاً آخر يقول: بل يجوز أن يجري القياس في أصول الدين ويسكت هكذا بهذا العموم والإطلاق. ستجدون مثل الطوفي رحمة الله تعالى عليه من يقول: يجوز القياس أو يجري القياس في أصول الدين إذا كان القياس قطعياً. يقول الطوفي: أصول الدين ما المطلوب منها؟ المطلوب منها القطع؛ لأن هذا اعتقاد والاعتقاد يجب أن يصل إليه الإنسان بالجزم والقطع. فقال: أنا أجوّز القياس لكن لا بد أن يكون القياس الذي أستخدمه نتيجته قطعية، ولا أجوّز استخدام القياس الظني في مسائل أصول الدين؛ لماذا يرى هذا المنهج؟ لأن أصول الدين المطلوب منها القطع والجزم وليس الظن فقط. فالقياس الذي ينبغي أن يستخدم هو قياس قطعي، يعني قياس نتيجته قطعية، ولا يقبل الطوفي أن يستخدم قياساً نتيجته ظنية. هذه وجهة نظر أخرى أيها الأحبة.
في الحقيقة عندما ننظر في منهج أهل السنة والجماعة، فإننا نستطيع أن نقول إنهم يجوزون استخدام القياس في باب الاعتقاد. فمثلاً من المنهج -لا أريد القياس الأصولي بحد ذاته، لكن القياس بمفهومه العام لأنه جنس متنوع- فأهل السنة والجماعة من المعلوم عندهم أنهم يستخدمون قياس الأولى، فيقولون: كل كمال للمخلوق فالخالق أولى به، وهذا يسمى قياس الأولى. الآن كثير من المتكلمين يستخدمون قياس الشمول وما سميناه في علم المنطق القياس الاقتراني، وهذا ديدنه أصالة في مسائل الاعتقاد، يعني عند المتكلمين مسائل الاعتقاد، اذهب إلى أي كتاب من كتب الأشاعرة أو غيرهم من المتكلمين، كيف يثبتون مسائل الاعتقاد؟ من خلال أقيسة. طبعاً نحن عندنا ملاحظات على اعتبار هذا المنهج والمسلك الأصيل في مسائل الاعتقاد، لكننا في النهاية لا نقول إن هذه الأقيسة دائماً نتيجتها خاطئة، بل تكون بعض الأقيسة صحيحة وتعطي نتائج صحيحة. لكن الإشكالية والحوار ابتداء في المنهج اعتماد القياس العقلي مقدماً على الحجج الشرعية في باب الاعتقاد، لكن لا نمنع أن بعض الأقيسة نتائجها صحيحة. ما أقوله جملة أنه لا مانع من استخدام القياس في باب الاعتقاد إذا كان قياساً منضبطاً صحيحاً، هذه كقاعدة عامة، لكن تفاصيل هذه الأبواب لا تدرس في أصول الفقه، وإنما تدرس في علم الاعتقاد.
إذا انتهينا من السؤال الأول وهو جريان القياس في أبواب الاعتقاد، ننتقل إلى المسألة الثانية وهي أبواب العمليات، إلى أبواب المسائل الفروعية التي ليست أصول دين بل مسائل فقهية تسمى المسائل العملية. فهل يجري القياس في جميع المسائل الفروعية في جميع المسائل الفقهية العملية؟ ماذا قال عبد المؤمن؟ قال: ويجري في جميع الأحكام حتى في الحدود والكفارات. طبعاً نقصد بالأحكام هنا الأحكام العملية، لو تقيدوا بهذا القيد هو هذا الذي يقصده من خلال السياق، هو يقصد الأحكام العملية ولا يقصد الأحكام في أصول الدين. قال: ويجري في جميع الأحكام، أي العملية. الآن هل هذه العبارة على إطلاقها نقبلها أيها الأحبة؟ هل يجري القياس في جميع الأحكام الشرعية؟ طيب إذا كان عندنا حكم تعبدي كيف يجري القياس فيه؟ بعض الأحكام التعبدية مثلاً: إيجاب الوضوء من لحوم الإبل، هذا الحكم إن كان البعض يحاول أن يعلله، لكن في النهاية محاولة، الجمهور على أنها مسألة تعبدية لا نستطيع أن ندرك علتها. لماذا الظهر أربع ركعات؟ لماذا العصر أربع ركعات؟ هل هذا حكم يقبل القياس ولا حكم تعبدي؟ الحكم بنجاسة بعض الأمور، مثلاً لماذا القيء نجس وليس المخاط نجساً؟ كثير من أهل العلم، طبعاً أنا لا أعطي مسائل إجماعية، أنا أعطي مسائل عند كثير من الفقهاء، مثلاً الحنابلة يرون أن القيء نجس، أليس كذلك؟ طب لماذا القيء نجس والمخاط ليس بنجس، مع أن هذا مستقذر وهذا مستقذر؟ إذاً يقولون الدليل الشرعي، النص الشرعي دل على نجاسة القيء، هناك تعليل؟ ما عندنا تعليل، أما الصور متبعة.
إذاً أيها الأحبة هذه العبارة على إطلاقها "القياس يجري في جميع الأحكام" أظن أنها تحتاج إلى تقييد. وفيما يغلب على ظني أن عبد المؤمن البغدادي يعني من تتبعه لكلامه هنا مع مقارنة كتاب شفاء الغليل للغزالي، عبد المؤمن واضح جداً أنه اعتمد على هذا الكتاب كثيراً في مسالك القياس، وهذه العبارة قريبة من عبارة الغزالي في شفاء الغليل، لكن الغزالي في شفاء الغليل كان أدق لأنه زاد فيها قيداً، قال الغزالي في شفاء الغليل: كل حكم شرعي أمكن تعليله فالقياس جارٍ فيه. انظر العبارة كيف تكون دقيقة الآن، الغزالي ماذا يقول في شفاء الغليل: كل حكم شرعي أمكن تعليله فالقياس جارٍ فيه. قوله "أمكن تعليله" كان ينبغي لعبد المؤمن البغدادي أن يذكرها هنا حتى تحل الإشكال، فلو قال عبد المؤمن: ويجري في جميع الأحكام التي يمكن تعليلها، تمام، نقول العبارة مئة بالمئة صحيحة؛ لأنه أخرج بذلك الأحكام التعبدية التي لا تقبل التعليل، فهذا القيد الذي ذكره الغزالي في شفاء الغليل قيد مهم. وكنت أتمنى أن عبد المؤمن البغدادي ذكر هذا القيد حتى يتضح، وأنا أظن أن عبد المؤمن يؤمن بهذا القيد، يعني واضح أنه يؤمن بهذه الفكرة لكن أحياناً كما هو الشأن في التصنيف والاختصار والتهذيب قد يسقط بعض القيود أو الكلمات المفتاحية المهمة في الشروح وفي المصنفات.
قال: ويجري في الأحكام حتى في الحدود والكفارات، حتى هذه الإشارة إلى وجود خلاف في المسألة صح؟ لذلك من أحرف الخلاف عند المصنفين "حتى" وخلافاً. حتى ممكن يقول: "ولو" كان في الحدود والكفارات، وهذه إن شاء الله ربما في كتب الفقه نلاحظها، أنه يعطي حكماً عاماً ويقول: حتى في كذا أو يقول: ولو كان في كذا، هو يريد أن يشير إلى نقطة هناك من خالف فيها، فلذلك نص عليها وخصها بالتنصيص. فقال: حتى في الحدود والكفارات، ثم مباشرة ذكر لك من خالف ذلك وهم الحنفية.
هل يجوز السؤال الآن الذي يتعلق بهذه المسألة: القياس في الحدود والكفارات؟ هل يجوز أن نثبت حداً بالقياس وهل يجوز أن نثبت كفارة بالقياس؟ أم الحدود والكفارات لا تثبت إلا بالنص الشرعي من الكتاب أو السنة أو الإجماع فقط؟ هل نستطيع أن نثبت حداً على العبد بالقياس؟ هل نستطيع أن نثبت كفارة بالقياس؟ جمهور الأصوليين يجوزون إثبات الحدود والكفارات بالقياس، الحنفية يمنعون ذلك، يقولون: الحدود والكفارات لا تثبت بالقياس. طيب، الآن أيها الأحبة سأناقش وجهة نظر الحنفية، لماذا الحنفية يمنعون القياس في الحدود والكفارات؟ قالوا: الحدود والكفارات عقوبات للزجر، هذه المقدمة الأولى. الله سبحانه وتعالى لما أوجب حد الرجم أو قطع يد السارق أو قتل المرتد أو حد الحرابة أو الكفارات؛ كفارة الصيام، كفارة الجماع مثلاً في نهار رمضان، كفارات الحج، كفارة قتل النفس؛ لما أوجب الله عز وجل الكفارات ما فائدتها؟ قالوا: هي عقوبات للزجر. طبعاً هناك ملاحظات أخرى خاصة في الكفارات فعلاً؛ أحياناً قد لا تكون عقوبة، يعني إنسان اضطر أن يحلق شعره في الحج لعلة نزلت به كما حدث مع الصحابي الجليل كعب بن عجرة، نحن لا نقول هنا الكفارة هي عقوبة له، هذا الإنسان مضطر، النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يحلق رأسه وأن يكفر، فأحياناً تكون جبراناً لنقص في الحقيقة وليس دائماً هي عقوبة. لكن نقول كملحظ عام أنه كثير من الحدود وأكثر الكفارات هي عقوبات للزجر، وإن كان أحياناً بعض الكفارات يلاحظ فيها أنها ليست عقوبة وإنما هي لجبران نقص، هذه فائدة على الهامش.
الآن انتهينا من المقدمة الأولى، قالوا: بما أن الحدود والكفارات هي عقوبات للزجر، نقول العقوبات الشرعية بالاستقراء تدرأ بالشبهات، لاحظوا المقدمة الثانية: الحدود والكفارات عقوبات، والعقوبات الشرعية تدرأ بالشبهات. قالوا: والقياس محتمل للخطأ، القياس الفقهي أليس محتملاً للخطأ؟ بلى، القياس محتمل للخطأ. قالوا: فهذا بحد ذاته شبهة ندرأ بها الحدود والكفارات عن العباد. قالوا: والقياس أليس محتملاً للخطأ أن يكون نتيجته خطأ؟ المقابل سيقول لهم: نعم احتمال أغلب الأقيسة مظنونة، فهناك احتمالية للخطأ، لكن لاحظوا احتمالية الخطأ هي الاحتمالية المرجوحة، لأن الجميع متفق على أننا نتبع الظن الغالب وهو الصواب. احتمالية الخطأ هي الاحتمالية المرجوحة، لكن هم حتى يكون دليلهم قوياً، ما يقول لك إن احتمالية الخطأ هي الاحتمالية المرجوحة الضعيفة، وجود الاحتمالية هذه لا بد أن يكون موجوداً. فقالوا: والقياس محتمل للخطأ، وبما أنه محتمل للخطأ فهذه شبهة يدرأ بها الحد عن العباد والكفارة عن العباد، بالتالي لا يمكن أن يثبت حد أو لا يمكن أن نثبت كفارة بمجرد القياس. وضح الدليل أيها الأحبة؟
الآن بماذا سنجيب عن هذا الاستدلال؟ نجيب على هذا الاستدلال بقولنا: يا أبا حنيفة هل يثبت الحد والكفارة عندكم بأخبار الآحاد؟ هل تثبت عندكم بخبر الآحاد في أصولكم؟ قالوا: نعم، لو كان خبر آحاد صحيحاً يثبت به عندنا الحد والكفارة. نقول: تمام، خبر الآحاد ماذا يفيد عندكم؟ عند الجمهور وعندكم، على رأي الجمهور أنه يفيد الظن إلا إذا احتفت به قرينة وتلقته الأمة بالقبول، هذا دعوى على جنب، لكن الأصل أنه يفيد عندكم الظن. فأنتم تثبتون عقوبات وكفارات وحدوداً بخبر الآحاد مع أن خبر الآحاد عندكم يفيد الظن، بالتالي هناك احتمالية مرجوحة للخطأ، ومع ذلك لم تلتفتوا لهذه المرجوحة للخطأ في خبر الآحاد ولم تعتبروها شبهة، وأثبتم الحد بمجرد وجود خبر الآحاد فيه، والقياس مثل خبر الآحاد في ذلك؛ القياس يفيد الظن ونحن نتبع الظن الغالب، احتمالية الخطأ وهي الاحتمالية المرجوحة ستبقى موجودة، لكننا لا نعتبرها شبهة يدرأ بها الحد والكفارة عن العباد؛ لأنني في النهاية سأتبع قواعد معينة في القياس، أنا لن أعتمد هكذا عشوائياً، أنا سأتحرى وأتثبت حتى أصل إلى ظن غالب أن القياس الذي وصلت إليه نتيجته صحيحة، مجرد احتمالية الخطأ هذه لا تكفي لأن تكون شبهة لدفع الحد أو لدفع الكفارة عن العباد، وإلا فيجب أن يكون هذا المنهج مطرداً أيضاً في أخبار الآحاد، أن أخبار الآحاد أنا أتبعها لأنها تعطيني الظن الغالب بصحة ما وردت.
ومع ذلك نحن وأنتم نثبت بها كفارة، ونثبت بها حداً، ولا نعترض باحتمالية الخطأ، ولا نجعل احتمالية الخطأ في خبر الآحاد المرجوح سبباً لدرء الحد والكفارة. فينبغي أن يكون منهجنا مطرداً.
إذاً أيها الأحبة، جماهير أهل العلم يرون أنه لا إشكال في إثبات الحدود والكفارات من خلال الأقيسة، كما أنه لا إشكال في إثبات الحدود والكفارات بأخبار الآحاد التي تفيد الظن عندهم. قالوا: إذاً لا إشكال في إثبات الحدود والكفارات من خلال الأقيسة التي تفيد الغالب. ما هي الأمثلة على إثبات حد بواسطة القياس؟ يقولون: يقاس اللائط -أعاذنا الله وإياكم من هذه الموبقات- على الزاني في إثبات الرجم عليه إن كان محصناً، أو الجلد مئة إن كان بكراً؛ بجامع إيلاج فرج محرم في فرج محرم شرعاً.
اذهب إلى السبورة الآن، الله سبحانه وتعالى والنبي عليه الصلاة والسلام إنما نصا لنا على عقوبة وعلى حد. فما هو حد الزاني في الشريعة؟ الرجم إن كان محصناً، وجلد مئة إن كان بكراً؛ أليس كذلك؟ تمام، أو إن كان غير محصن حتى نقول المحصن يرجم، وغير المحصن يجلد ويغرب عاماً، تمام على خلاف في مسألة التغريب. الآن هذه الشريعة نصت على حد الزاني، فمن هو الزاني؟ الزاني هو الذي يدخل فرجه المحرم أو ذكره في فرج امرأة محرمة عليه، هذا فكرة الزاني هو الذي يدخل ذكره أو فرجه المحرم في فرج امرأة محرمة عليه. الآن جاء الفقهاء إلى حكم اللائط، قلنا لك هو الذي والعياذ بالله يفعل في الذكور، فقالوا اللائط ما حده في الشريعة؟ ألا نجد نصاً ثابتاً عن النبي صلى الله عليه وسلم في إثبات حد عليه؟ فقال الفقهاء: نقيس اللائط على الزاني في الحكم، وهو الرجم للمحصن والجلد لغير المحصن، وما هي العلة؟ العلة هي إيلاج فرج محرم في فرج محرم، هذا نوع من أنواع الأقيسة في إثبات الحدود، فهنا أثبتنا الحد على اللائط باستخدام القياس الأصولي، واضحة الفكرة؟ استخدمنا القياس الأصولي في إثبات حد على اللائط.
نأخذ مثالاً عند الجمهور في إثبات كفارة بواسطة القياس الأصولي. الآن النبي صلى الله عليه وسلم أوجب كفارة مغلظة على الذي يجامع في نهار رمضان، الصائم الذي يجامع في نهار رمضان عليه كفارة شديدة، أليس كذلك؟ ما هي الكفارة التي تلزم؟ عليه أن يعتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً، هذه كفارة من يطأ في نهار رمضان. جاء المالكية رحمة الله عليهم، الجمهور يرون أن هذه الكفارة خاصة بمن يرتكب هذا المفطر من المفطرات خصوصاً، وهو الجماع في نهار رمضان، أما سائر المفطرات الأخرى لو ارتكبها الإنسان عمداً مثل الأكل أو الحجامة على رأي الحنابلة وما شابه ذلك، فإنه آثم لكن لا تلزمه كفارة. المالكية ماذا قالوا؟ قالوا لا، النبي صلى الله عليه وسلم أوجب الكفارة على من يجامع في نهار رمضان، ونحن نقيس هذا الحكم في جميع المفطرات الأخرى إذا فعلها الإنسان عمداً، يقولون الأكل والشرب عمداً نقيسه على الجماع في إيجاد الكفارة؛ بجامع ارتكاب المفطر على وجه العمد.
ماذا فعل الجمهور؟ الجمهور قالوا: النبي صلى الله عليه وسلم أوجب الكفارة على الذي يجامع في نهار رمضان، ما هي العلة؟ هل العلة مجرد أنه أفطر عمداً في نهار رمضان؟ ولا العلة أنه أفطر عمداً في نهار رمضان بهذا المفطر خصوصاً؟ فالجمهور لم يلاحظوا العلة بعمومها مجرد الإفطار العمد في نهار رمضان حينما عللوا إيجاب الكفارة على المجامع، وإنما نظروا إلى خصوصية الجماع بحد ذاته وشدته. فقالوا: علة إيجاب الكفارة على المجامع ليس فقط أنه أفطر عمداً، لو قال الجمهور إن علة الكفارة أنه أفطر عمداً، إذاً باقي المفطرات إذا ارتكبها الإنسان عمداً تقاس على الجماع، لكن قالوا لا، العلة هي الإفطار بارتكاب الجماع بحد ذاته، فرأوا أن الجماع له مزية على سائر المفطرات الأخرى لذلك الشرع شدد فيه.
المالكية قالوا: نحن لا نلحظ أن الشارع جعل للجماع مزية عن سائر المفطرات الأخرى، وإنما أوجب بالنص الشرعي الكفارة في الجماع لينبه بذلك على إيجاب الكفارة في سائر المفطرات الأخرى إذا ارتكبها إنسان عمداً. فقالوا: إذاً الأكل والشرب عمداً وسائر المفطرات إذا ارتكبها الإنسان عمداً نقيسها على الجماع في إيجاد الكفارة، بجامع أنك ارتكبت مفطراً على وجه العمد، وهذه هي العلة في الأصل وقد وجدت في الفرع فيتفقان في الحكم. فلاحظوا هنا كيف أوجب الكفارة على من أكل أو شرب عمداً في نهار رمضان بمجرد القياس مع عدم وجود نص في هذه المسألة، وإنما النص فقط في الجماع. إذاً هذا مثال على إيجاب كفارة من خلال القياس، والحقيقة باب واسع، ومن تتبع كتب الفقهاء في كل مذهب من المذاهب -طبعاً خلافاً للحنفية- من تتبع كتب الشافعية والمالكية والحنابلة، يجد من هذا النوع شيئاً كثيراً.
انتهينا من هذه المسألة أيها الأحبة، مسألة جواز القياس للحدود والكفارات والخلاف مع الحنفية، نذهب إلى المسألة التي تليها وهي مسألة القياس في الأسباب، قال: وفي الأسباب عند الجمهور ومنعه بعض الحنفية. الآن المسألة الجديدة التي وقع فيها الخلاف، هل يجوز القياس في الأسباب؟ يعني الآن الشارع أخبرني أنه جعل هذا الشيء سبباً لشيء آخر، طبعاً السبب أيها الأحبة هو قريب من مفهوم العلة، وهما متقاربان، أليس كذلك؟ طبعاً ذكرنا في بداية شرح قواعد الأصول إطلاقات العلة والسبب، ثم ذكرنا بعد ذلك أن كثيراً من الأصوليين يرى أن العلة التي بمعنى مناط الحكم بالمعنى الثاني، العلة بمعنى المقتضي للحكم فقط، هي مرادفة للسبب. ضع الفكرة هذه على الهامش لأني سأحتاجها الآن، أن العلة والسبب متقاربة.
هل يجوز الآن الشارع أخبرني أن هذا الحكم سببه كذا، هل يجوز أن أثبت سبباً آخر لهذا الحكم بواسطة القياس؟ أنا عندي ابتداءً للشرع أعطاني أن هذا الوصف يكون سبباً لهذا الحكم، هل يمكن أن أثبت سبباً آخر لهذا الحكم من خلال قياس هذا السبب الجديد على السبب القديم؟ عرفتم الصورة؟ أنا أريد أن أثبت سبباً، هذه غريبة، نحن نفهم الأقيسة عندنا في الأحكام التكليفية سهلة، لاحظوا الآن نحن سنثبت حكماً وضعياً بواسطة القياس، وليس حكماً تكليفياً. الشائع عند الطلاب أني أثبت بالقياس حكماً تكليفياً، أثبت إيجاباً أو ندباً أو تحريماً أو كراهة أو إباحة، أما أني أستخدم القياس في الأحكام الوضعية لأثبت حكماً وضعياً هذه غريبة، والصحيح أن القياس كما يجري في الأحكام التكليفية الخمس، يجري في الأحكام الوضعية، فيمكن أني أثبت سبباً بواسطة القياس، أثبت سبباً جديداً قياساً على سبب قديم بجامع اشتراكهما في العلة.
هذه غريبة لكن دعونا الآن نقول إن عبد المؤمن قال: وفي الأسباب عند الجمهور، يعني جماهير الفقهاء يجوزون إثبات السبب بواسطة القياس على سبب قديم، ومن الذي منع من ذلك؟ منع منه بعض الحنفية. الآن ما الدليل على ذلك؟ أو نريد أمثلة على ذلك، المثال مر معكم قبل قليل، الآن عندي أيها الأحبة الزنا، الزنا جعله الشارع سبباً في إيجاب حد الرجم على المحصن والجلد مئة على غير المحصن، هل يجوز أن أثبت سبباً آخر لإيجاد هذا الحكم وهو الرجم على المحصن أو غير المحصن قياساً على السبب الأول الذي نص عليه الشارع أو لا يجوز؟ الجمهور قالوا يجوز، فأثبتوا سبباً آخر لوجود حكم الرجم أو الجلد بالقياس على السبب الأول بجامع اشتراكهما في العلة.
فقالوا اللواط، اللواط هكذا، اللواط سبب في وجوب حد الرجم على المحصن، من الذي جعله سبباً؟ هل الشارع هو الذي جعله سبباً؟ قالوا لا، الشارع لم ينص على سببيته، وإنما جعلناه سبباً قياساً على الزنا الذي هو سبب في الرجم. فقلنا لهم: طب ما الجامع بينهما؟ كيف تجعلون اللواط سبباً في إيجاب الحد كما هو الزنا سبب في إيجاب الحد؟ قالوا: الجامع بينهما هو الاعتداء على الفروج المحرمة باختصار، فلاحظوا هنا ماذا فعلنا، كيف نثبت سبباً بواسطة القياس؟ الآن نقول الزنا سبب في الرجم، واللواط نقيسه على الزنا في السببية، فيكون أيضاً سبباً للرجم بجامع الاعتداء على الفروج المحرمة. فهو قريب من القياس الذي ذكرناه قبل قليل، لكن الآن بدنا ننظر من زاوية أخرى، ليس من زاوية أننا أثبتنا حداً، بل من زاوية نفس القياس، أنني بواسطة قياس اللواط على الزنا في السببية جعلته سبباً في الرجم، يعني كما أن الزنا سبب في الرجم جعلت اللواط سبباً في هذا الحكم أيضاً، قياساً على سببية الزنا بجامع الاعتداء على الفروج المحرمة في كليهما.
بعبارة أخرى أيها الأحبة، لاحظوا الآن الزنا سبب في الرجم، وبدي أضع تحت كلمة سبب كلمة علة، يعني لو سألتك ما هي علته؟ تقول الزنا، ايش سببه؟ الزنا، السبب والعلة مشتركان. الآن لو سألتك ما الحكمة من جعل الزنا سبباً في الرجم؟ أن الزنا فيه اعتداء على الفروج المحرمة، فصلح هذا الوصف أن يكون علة في الرجم، واضح؟ إذاً الاعتداء على الفروج المحرمة، الآن لاحظ الفقهاء أن هذه الحكمة توجد أيضاً في اللواط، فقالوا هذه الحكمة أيضاً توجد في اللواط، إذاً قيسوا اللواط على الزنا في جعله سبباً للرجم أيضاً بجامع اشتراكهما في الحكمة.
قال الحنفية أو بعض الحنفية للجمهور: لا، هذا لا يصير، لماذا؟ قالوا هل يجوز الآن لاحظوا أنتم هنا جعلتم الجامع في القياس الذي قستوا فيه اللواط على الزنا، ما هو الجامع؟ جعلتم الجامع بينهما الحكمة، والحكمة لا تصلح أن تكون جامعاً في القياس، القياس الجامع فيه هو العلة، لأن العلة وصف ظاهر منضبط، سنأتي إن شاء الله نتكلم عن شروط العلة في القياس، سنتكلم عن شروط الأصل وشروط الفرع وشروط العلة وشروط الحكم، الآن من شروط العلة أن تكون وصفاً ظاهراً منضبطاً، لذلك لا يجوز التعليل بالحكمة لأنها وصف ليست ظاهرة وليست منضبطة، فالحكم نأتي بوصف يضبطها.
مثلاً القصر في السفر والفطر في السفر ما علته؟ السفر، لماذا لم نقل علته المشقة؟ أو نقول لأنه رفع المشقة من خلال القصر، هذا التعريف برفع المشقة هذا التعليل حكمة لأنها غير منضبطة، غير ظاهرة، لا أستطيع أن أعلق الحكم عليها مباشرة، فآتي إلى وصف ظاهر منضبط، هذا الوصف في العادة يتضمن الحكمة، فأعلق الحكم الشرعي على هذا الوصف، حتى تكون الأمور منضبطة ولا يوجد فيها خلل، فبالتالي قال الحنفية للجمهور: والله لا يصلح هنا أن تقيسوا سبباً على سبب، لماذا؟ لأنكم جعلتم الجامع في هذا القياس هو الحكمة، والحكمة لا تصلح لأن تكون جامعاً.
ماذا سيقول الجمهور؟ سيقول الجمهور أيها الأحبة في الحقيقة إن القول بأن الحكمة لا تصلح أن تكون علة أو جامعاً أبداً هذا عند كثير منهم ليس بصحيح، يصلح أن تكون الحكمة جامعاً أو علة في بعض الصور، وهي الصور التي تكون فيها الحكمة بذاتها ظاهرة منضبطة؛ إذا كانت الحكمة بذاتها ظاهرة منضبطة يجوز أن أعُلل بها، وإنما لم نُجَوِّز التعليل عادة بالحكمة لعدم ظهورها ولعدم انضباطها، فاحتجنا لأن نأتي بوصف ظاهر منضبط مشتمل على الحكمة حتى ينضبط الحكم.
من خلال هذا الوصف المشتمل على الحكمة. لكن إذا كانت الحكمة هي بنفسها ظاهرة منضبطة، لا تختلف فيها الأنظار ولا الأحوال، فيجوز التعليم بها ولا إشكال، بل الأصل أن يُعلَّم بالحكم. أليس كذلك أيها الأحبة؟ هو الأصل المنطقي أنه يُعلَّم بالحكم؛ لأنه هي الباعثة بالحقيقة على الأحكام. ولكن لما كانت غير ظاهرة في أغلب أحوالها وغير منضبطة، احتجنا لأوصاف تضبط هذه الحِكم، تكون هذه لا تختلف فيها الأنظار ولا الأحوال. فأما إذا كانت الحِكم هي بنفسها ظاهرة منضبطة فلا مانع من ذلك.
وهنا الاعتداء على الفروج؛ هذه مسألة متفق عليها في أعراف الناس، هل هناك أحد يشكك أن اللواط فيه اعتداء على الفروج مثل الزنا؟ لا أحد يشكك في هذا إلا للاسف الجمعيات المعاصرة الشاذة التي تسعى لإفساد المجتمعات، وتبيح جواز المثليين وغيرها من الأمور المخالفة للفطرة البشرية التي فطر الله الناس عليها. لا أحد يخالف في هذا؛ اللواط يشترك مع الزنا في الاعتداء على الفروج، فبالتالي هنا التعليل بالاعتداء على الفروج فيه انضباط وفيه ظهور لا يكاد يخفى على أحد.
صلح القياس هذه المناقشات؛ طبعاً المناقشات أيها الأحبة كانت في كتب الأصول تجلس صفحات وصفحات، وأنا فقط أشير إلى منابع الخلاف، وكيف يتعلم الطالب الآن المناقشة، وهذا يرد على هذا، ويفهم الأمور، وتعرف أن الأقوال ليست هكذا ارتباطياً؛ الحنفي قال هكذا برأيه وهواه، وعنده دليل ووجهة نظر معينة. كيف الجمهور استطاع أن يرد على هذه الوجهة؟ لا، طب ما الأقوى في هذا الميدان؟ هل رأي الحنفية أو رأي الجمهور؟ هذا كلام يتعلمه الطالب أيها الأحبة من خلال المذاكرة والمدارسة في هذه الكتب والمصنفة بإذن الله. تمام؟ انتهيت أيها الأحبة من مناقشة هذه القضية أيضاً وهي القياس للأسباب؛ فالأصل إذاً أنه قياس بالأسباب جائز، مثله مثل القياس في سائر الأحكام التكليفية. لا مانع من ذلك إذا وُجد الجامع، وعرفنا ما هو السبب الذي من أجله منع بعض الحنفية.
قالوا هنا القياس في الأسباب، وهو أن القياس في الأسباب لو جوّزناه تأدى ذلك إلى التعليل بالحكم، وهذا لا يجوز. فنقول: التعليل بالحكم لا مانع منه إذا كانت الحكمة ظاهرة منضبطة. طبعاً هناك مناقشات أخرى، البعض يقول الحنفي أيضاً من الأسباب التي تجعلهم يمنعون القياس بالأسباب، يقولون السبب غير معلوم العلة، فالأسباب لا تُعلَّل، فلا يجوز أن أقيس سبباً على سبب لأنه لا علة للسبب. نقول: أما نحن أن نقيس سبباً عُلمت حكمته وعلته، أما السبب الذي لم تُعلم حكمته ولا علته فلا يجوز أن أقيس عليه.
قالوا مثلاً صلاة الظهر ما هو سببها؟ قالوا سبب صلاة الظهر زوال الشمس عن كبد السماء، هل هذا السبب معلوم الحكمة؟ فماذا نقول؟ لا، ليس معلوم الحكمة. قالوا: إذاً لا يجوز أن نقيس عليه. نقول: هذا السبب بحد ذاته وهو زوال الشمس عن كبد السماء، سبب لصلاة الظهر، نعم لا يجوز القياس عليه لأنه غير معلوم الحكمة، ونحن لا نتكلم عن الأسباب التي لا ندرك حِكمها، وإنما نتكلم عن الأسباب التي ندرك حكمتها. فإنتم حينما تقولون والله لا يجوز القياس بالأسباب لأن الأسباب لا تُدرك لماذا جُعلت أسباباً؟ نقول: لا، هذا لا يوجد في جميع الأسباب؛ هناك أسباب نحن ندرك لماذا جُعلت أسباباً، فجُعل الزنا في الرجل نحن ندرك ذلك؛ لأن في الزنا اعتداء على الفروج المحرمة. أما جعل زوال الشمس سبباً لوجوب صلاة الظهر، نعم هنا نحن لا ندرك الحكمة من ذلك، فإذاً ليست كل الأسباب مجهولة الحِكم، ونحن إنما نجوّز القياس للأسباب المعلومة الحِكمة؛ لأنه هذه الحكمة أستطيع أن أعديها إلى غيرها. هكذا نقول أيها الأحبة انتهينا من مناقشة المسألة الأولى، مسألة ما هي الأحكام التي يجري فيها القياس؟ عرفنا أن القياس يجري في أصول الدين لكن بانضباط وقواعد تُعلن في بابها، ثم انتقلنا إلى الأحكام الفرعية العملية فعرفنا أن الأصل القياس يثبت في جميع الأحكام الشرعية العملية بالقيد الذي ذكره الغزالي: إذا أمكن تعديتها. وعرفنا الخلاف في الحدود: هل هي تثبت بالقياس؟ والكفارات هل تثبت بالقياس؟ والأسباب هل تثبت بالقياس؟ وعرفنا المناقشة الدائرة فيها.
الآن ننتقل إلى تأصيل عام؛ سيقوم الآن عبد المؤمن البغدادي بوضع تأصيل عام لفكرة، وهي فكرة الأحكام المسكوت عنها شرعاً، كيف ألحقها بالأحكام المنصوص عليها شرعاً؟ أو بعبارة أخرى، الفروع التي لم ينص الشارع على حكمها كيف ألحقها بالأصول التي نص الشارع على حكمها؟ استخدموا التعبير الثاني قد يكون أوضح؛ الفروع هي المسائل المستجدة، النوازل المستجدة التي لم ينص الشارع على حكمها، هي الطرق لإلحاقها بالأصول التي نص الشارع على حكمها. مش القياس عندنا عبارة عن فرع وأصل؟ فالآن الفروع يعني المسائل التي لم ينص على حكمها. ما بدي أقول مستجدة؛ لأنه هناك بعض المسائل في الحقيقة أيها الأحبة الآن هذه فكرة خطرت في ذهني، بعض المسائل قد لا تكون مستجدة، لكن الشارع لم ينص على حكمها، فاحنا بدنا نقول خلينا على عموم الكلام: الفروع المسائل المسكوت عنها التي لم ينص الشارع على حكمها، ما هي طرق إلحاقها بالمسائل بالأصول التي نص الشارع على حكمها؟ الآن عبد المؤمن سيعطينا منهجاً عاماً في ذلك.
يقول: "ثم إلحاق المسكوت بالمنطوق"، المسكوت هي المسائل التي لم ينص الشارع على حكمها، هذا إيش بنسميه مسكوت، مسائل لم ينص الشارع على حكمها. كيف نلحقها بالمنطوق؟ إيش يريد بالمنطوق؟ يعني المسائل التي نص الشارع على حكمها، فيقول: "إلحاق المسكوت بالمنطوق على نوعين"، قد سبقه لمفهوم الموافقة؛ "وهو مفهوم الموافقة وقد سبق" يعني في باب دلالات الألفاظ، وضابطه أنه يكفي في نفي الفارق المؤثر من غير تعرض للعلة. ثانياً قال: "وما عداه فهو مظنون"، الآن انتهى سيعود ليقسم من جديد قال: "وللإلحاق فيه طريقان" أي لإلحاق المسكوت بالمنطوق.
هذا تقسيم آخر لإلحاق المسكوت بالمنطوق: "أحدهما نفي الفارق المؤثر وإنما يحسن مع التقارب، والثاني بالجامع فيهما وهو القياس، فإذاً أركان القياس أربعة". هو يريد أن يصل إلى مكان القياس بالضبط، لكنه أعطى توطئة وتمهيداً. تمام؟ يعني متى نستخدم القياس بالتحديد؟ الآن ماذا فعل؟ وضع تقعيداً عاماً، ماذا قال فيه؟ يقول الآن عندنا مسائل الشرع سكت عنها، ما هي طرق إلحاقها بالمسائل التي نص الشارع عليها؟ ما هي طرق الإلحاق في الشريعة جملة؟ قال: المسكوت بالمنطوق. الآن يعني سيقسم بتقسيمين لذلك أضع التقسيم الآخر تحت الحاء. التقسيم الأول باعتبار قطعية النتيجة التي سيتم الوصول إليها. التقسيم الأول باعتبار إيش؟ الآن إلحاق مسكوت بمنطوق، هناك إلحاق مسكوت بمنطوق يوصلني إلى نتيجة قطعية في هذا المسكوت في حكمه، وهناك إلحاق مسكوت بمنطوق يعطيني نتيجة ظنية في حكم هذا المسكوت تمام؟
فإذاً سيقسم إلحاق المسكوت بالمنطوق باعتبار قوة النتيجة التي تم التحصل عليها إلى إلحاق مسكوت بمنطوق يعطيني نتيجة قطعية في حكم المسكوت، وهناك إلحاق مسكوت بمنطوق يعطيني نتيجة ظنية في حكم المسكوت تمام؟ إذا هذا التقسيم الأول باعتبار قوة النتيجة التي سيتم تحصيلها من خلال إلحاق المسكوت بالمنطوق.
أعطني القطع في حكم المسكوت، وهناك إلحاق مسكوت بمنطوق يعطيني نتيجة ظنية في حكم المسكوت، طيب ما هو إلحاق المسكوت بالمنطوق الذي يعطيني نتيجة قطعية في حكم المسكوت؟ قال: هو مفهوم الموافقة، الآن المسائل التي نثبت حكمها بواسطة مفهوم الموافقة هي في الحقيقة مسائل مسكوت عنها لأن الشارع لم ينص عليها صراحة. أليس كذلك؟ المسائل التي نثبت حكمها بمفهوم الموافقة هي مسائل في جُلها لم ينص الشارع عليها صراحة، ألحقناها بمسائل نص الشارع عليها صراحة، صح؟ لكن هل هذا لا يحتاج إلى وجود هذه الشروط، وإلى التزامها، وإنما تحتاج إلى التزام الشروط العامة فقط؟ وهذا ما سنذهب إليه مع عبد المؤمن البغدادي رحمة الله تعالى عليه.
إذاً نبدأ أيها الأحبة مع عبد المؤمن البغدادي رحمة الله تعالى عليه في بيان شروط كل ركن من هذه الأركان، ونبدأ بشروط الأصل كما جرت عادتنا. فقلنا: إذاً الأصل له نوعان من الشروط: شروط تتعلق بالأصل عامة، يعني يجب أن تتوفر في أي أصل سواء كان القياس في مقام المناظرة أو في غير مقام المناظرة، وهناك شروط تتعلق بالأصل إذا كان في مقام المناظرة والجدل. وإنما يهتم الأصوليون بذكر شروط الأصل في مقام المناظرة والجدل؛ لأنه هذا مبحث المناظرة والجدل كان معلوماً معروفاً في العصور الإسلامية المتقدمة، حينما كانت العلوم الإسلامية مزدهرة، كانت مجالس للمناظرات بين الفقهاء؛ فقهاء المالكية والشافعية والحنابلة، وهذا يناظر وهذا يرد وهذا يؤكد مذهبه وهذا يبطل وهكذا، وكان هناك إبداع علمي إبداع فقهي، لكن للأسف في هذه الأزمنة المتأخرة نكاد نفقد من يضبط كتب أصول الفقه قبل أن يضبط الجدل والمناظرة في هذه المسائل، فنسأل الله أن يعيد لهذه الأمة مجدها وعزها.
الآن أيها الأحبة قال عبد المؤمن البغدادي قال بعد أن قال: "والإلحاق فيه طريقان: أحدهما نفي الفارق المؤثر وإنما يحسن مع التقارب، والثاني بالجامع فيهما وهو القياس، فإذاً أركان القياس أربعة". لكن هنا أيها الأحبة هذه رؤية خطرت في بالي قضية، وهي قضية أنه هل دائماً يعني نحن ما شرحناه قبل قليل في قضية نفي الفارق المؤثر؟ الآن عندما قرأت العبارة هل دائماً نفي الفارق المؤثر يكون باستخدام مفهوم الموافقة لا غير؟ هذا سؤال أود أن تكتبوه عندكم؛ لأنه ظاهر كلام عبد المؤمن البغدادي السابق أن مفهوم الموافقة هو الذي يعتمد على الفارق المؤثر فقط، صح؟ وبالتالي يمكن أن الطالب يربط أن نفي الفارق المؤثر لا يكون إلا من خلال مفهوم الموافقة، ومفهوم الموافقة دائماً عند الجمهور هو من دلالات اللفظ الالتزامية، بالتالي ليس من قبيل القياس. في الحقيقة لا؛ عندما سنقرأ أو عندما تقرأ أنت في كتب الأصوليين ربما نتطرق إلى شيء من ذلك، سنجد أنه بعض أنواع الأقيسة الأصولية، يعني هناك قياس أصولي أيضاً يستخدم طريقة نفي الفارق، أنت ستقرأ في كتب الأصول أنواع الأقيسة، وسيأتي معنا في نهاية الكتاب، ويقولون من أنواع القياس بنفي الفارق ويكتفون بذلك، في الحقيقة هناك أقيسة أصولية لا تستخدم ذكر الجامع بين الفرع والأصل، وإنما تستخدم نفي المؤثر بين الفرع والأصل لإثبات الحكم في الفرع، فبالتالي أنا فقط أعطيك تنبيهاً على أن نفي الفارق ليس اعتماده فقط على مفهوم الموافقة، بالتالي لا يمكن أن يوجد إلا ضمن مفهوم الموافقة الذي هو من قبيل الألفاظ الالتزامية، بل يمكن أن نوجد قياساً أصولياً باستخدام نفي الفارق المؤثر بدل الاعتماد على الجامع، وإن كانت الأقيسة الأصولية الأصل فيها أن تعتمد على ذكر الجامع، لذلك عبد المؤمن حين قال: "والثاني بالجامع فيهما وهو القياس"، لأن لما قال: "والإلحاق فيه طريقان: أحدهما نفي الفارق المؤثر والثاني بالجامع فيهما وهو القياس"، كأنه يحصر القياس من خلال فقط ذكر الجامع.
وهذا الذي اعتمدناه على شرح السبورة، لكن أنا أعطيك حتى تستنير عندما تقرأ في الكتب الأصولية؛ سيذكرون أقيسة استخدمت نفي الفارق المؤثر وليست من قبيل مفهوم الموافقة بل من قبيل الأقيسة الأصولية. ففي الحقيقة لو أن عبد المؤمن البغدادي نهج نهجاً آخر فقسم القياس الأصولي أيضاً إلى قياس بنفي الفارق وقياس ذكر الجامع، ربما سيتفق مع طريق بعض الأصوليين الأخرى. طيب مشكلة مبحث القياس أيها الأحبة أن الطالب مثلاً يقرأ عند الغزالي، ثم يذهب يقرأ عند ابن الحاجب، ثم يذهب يقرأ عند فلان، ثم يذهب يقرأ عند فلان، الأصوليون كل أصولي تجد له طريقة مميزة في تقسيم الأبواب وفي ذكر المصطلحات تختلف عن الآخر، فالطالب يكاد يضيع مع الأصوليين في هذه المباحث، أن فلاناً قسم بهذا المنهج، وفلاناً قسم بهذا المنهج، وفلاناً قسم بهذا الأسلوب، فالطالب حتى يستطيع أن يفهم هذه الأبواب تماماً عليه أن يدرك من الآن أن الأصوليين يفترقون فيما بينهم في ذكر التقسيمات في باب القياس، فهذا يقسم بمنهج وهذا يخالفه وفلان وافق فلاناً ولم يوافق فلاناً، لكن الأفكار العامة في النهاية موجودة، هي ستبقى الأفكار متفق عليها، لكن التعبير عن هذه الأفكار كيفية تقسيمها وتقعيدها هو الذي يختلف، فإذا أحكم الطالب شرعاً وفهمه عندما يقرأ كتب الأصوليين الأخرى سيفهم أن ما تعلمته في ذاك الكتاب هو ما يذكره هذا الأصولي لكن بأسلوب آخر، أو بتقسيم آخر، أو له رؤية أخرى في نفس هذه المسألة، عرفت؟ فهنا لا يشعر الطالب بالضياع، كثير من الطلبة أجدهم يقولون: صعب، قرأت عند فلان ما فهمت، قرأت عند فلان وجدت شيئاً آخر، المشكلة أنك لا ينبغي أن تضبطه أولاً ابتداءً.
بمنهج واحد تفهم هذا المصطلح؛ ما دلالته؟ وما أوجه الاختلاف في دلالته؟ ثم بعد ذلك إذا أحكمت هذا الأمر عندما تقرأ في الكتب المعمقة ستعرف أن هذا منهج الغزالي، لا هذه طريقة القرافي في التقسيم، لا هذه طريقة فلان وهكذا. فلا تضيع لأنك تفهم أنه هي مجرد اصطلاحات وتقاسيم.
لذلك أن تقول طريقة عبد المؤمن البغدادي في التقسيم، هي طريقة في التقسيم كأنه يريد أن يقول: القياس هو فقط بذكر الجامع، وفي الفارق المؤثر لا أسميه قياساً. لكن في الحقيقة نفي الفارق المؤثر لا يوجد فقط في مفهوم الموافقة، بل هناك أقياسات تعتمد على نفي الفارق المؤثر ونتيجتها قطعية، لا يختلف نتيجتها في النهاية، تعطيني حكماً قطعياً. هذا الأصل فيها لكنها ليست من قبيل مفهوم الموافقة. ليست من قبيل مفهوم الموافقة، تمام؟ بسم الله، هذه فقط فائدة ضعوها على الهامش، دائماً هناك فوائد على الهامش.
الآن نكمل فنقول: إذاً أركان القياس أربعة. سيبدأ بأركان القياس، قال: أركان القياس أربعة: الأصل. تمام، نبدأ بالأصل، ما شروط الأصل؟ أولاً سيعرفنا ما هو الأصل، ما هو الأصل أيها الأحبة؟ هو المقيس عليه باختصار، أليس كذلك؟ لكن بدل ما يقول المقيس عليه أعطاك عبارة أخرى، قال: هو المحل الثابت له الحكم، المحل الذي ثبت له الحكم الذي سنعديه إلى الفرع. أليس عندنا حكم ثبت في الأصل وسنعدي هذا الحكم إلى الفرع؟ تمام، الآن المحل الذي ثبت فيه الحكم ابتداء هو الأصل، وهو الذي نص عليه الشارع. فعندما نقول النبيذ يقاس على الخمر بجامع التحريم، أين المحل الذي ثبت فيه الحكم ابتداء؟ الخمر، فالخمر يسمى أصلاً؛ لأنه المحل الذي ثبت فيه الحكم ابتداء، وهذا الحكم الذي ثبت في الأصل سنعديه إلى الفرع، فلذلك قال: الأصل وهو المحل الثابت له الحكم، هذا اسمه، وهذا التفسير الأول الذي أعطاه للأصل.
أعطاك تفسيراً آخر، قال: الأصل أيضاً هو الملحق به، تمام، لأن الفرع يلحق بالأصل، فالأصل يسمى أيضاً ملحقاً به، فهذا اسمه، قال: الأصل المحل الثابت له الحكم، هذا تعبير، تستطيع أن تعبر بأسلوب آخر، من هو الملحق به؟ نعم، أستطيع أن أقول المقيس عليه، فأنا دعمت الثالث، فكل هذه التعابير تدور حول فكرة واحدة. تمام، الآن قال: كالخمر مع النبيذ، فالخمر هو الأصل؛ لأنه هو المحل الذي ثبت له الحكم ابتداء، لأنه هو الملحق به، والمقيس عليه. تمام، الآن سيبدأ بذكر شروط الأصل، قال: وشرطه أن يكون معقول المعنى ليُعدى، فإن كان تعبدياً لم يصح، هذا هو الشرط الأول. وهذا الشرط يتعلق أيها الأحبة بالأصل عموماً، سواء كان الإنسان يقيس في باب المناظرة أو في غير باب المناظرة، مجتهد يريد أن يصل إلى حكم شرعي في فرع، فهو من القسم الأول من شروط الأصل. شروط الأصل عامة، وهو أنه ينبغي أن يكون الأصل معقول المعنى. ما معنى معقول المعنى؟ يعني مفهوم العلة، نستطيع أن نأخذ علته، نستطيع أن نعلله. فإن كان الأصل غير معلوم المعنى أو غير معقول المعنى وهو الذي يسمى عند الأصوليين التعبدي، فهذا الأصل لا يجوز أن نستخدمه في القياس، لا يجوز أن نستخدمه في القياس، فحتى تسميته أصلاً؛ بالتالي يسمى أصلاً لأنه لا يوجد أصل إلا إذا أردت أن هناك فرعاً، فبالتالي لا يصلح أن أستخدمه في القياس أصالة، فلا أسميه أصلاً لأنه لا يستخدم في القياس أصالة. فإذاً الشرط الأول: أن يكون الأصل معقول المعنى ليُعدى، قال: فإن كان تعبدياً لم يصح.
الآن البعض يقول: يا شيخ، طب هذا في الحقيقة ليس شرطاً في الأصل، وإنما شرط في حكم الأصل، أليس كذلك؟ هو ما الذي ينبغي أن يكون معقول المعنى بالتحديد؟ الأصل أم حكم الأصل؟ يعني لو كنا دقيقين أكثر، الذي ينبغي أن يكون معقول المعنى هو حكم الأصل. أنا أقول لك: الخمر هل هي معقولة المعنى؟ ولا أقول: تحريم الخمر هل هو معقول المعنى؟ برأيكم الدقة أن نقول أن هذا الشرط -وهو أن يكون معقول المعنى- ليس للأصل، وإنما للحكم الذي انصب على الأصل هو الذي ينبغي أن يكون معقول المعنى، لذلك بعض الأصوليين، بل كثير من الأصوليين، لا يذكر هذا الشرط للأصل، وإنما يذكره للحكم. نحن عندنا أركان القياس أربعة صح؟ أصل، فرع، حكم، علة. الأصوليون يمثلون شروط الأصل، شروط الفرع، شروط الحكم، شروط العلة. كثير من الأصوليين يذكر هذا الشرط وهو أن يكون معقول المعنى في حكم الأصل وليس في الأصل، وهذه هي الدقة العلمية في الحقيقة في هذا المقام، أن نقول: معقول المعنى ليس هو الأصل، وإنما هو حكم الأصل، فحري بهذا الشرط أن يذكر في شروط الحكم وليس في شروط الأصل. لكن هناك في الحقيقة ليس فقط هذه المشكلة في هذا الشرط فقط، بل سنأتي إلى كثير من المواطن عبد المؤمن البغدادي يذكر فيها الشرط في غير موضعه، في غير الركن الذي يتعلق به.
وهذه أيضاً من مواطن الخلاف بين الأصوليين في باب القياس، خذوها من الآن، عندما تقرؤون في جمع الجوامع ستجدون منهجاً في تعداد الشروط، ما يعده مثلاً جمع الجوامع شرطاً للحكم، يعده فلان الفلاني شرطاً للأصل، ما يعده فلان شرطاً للعلة يعده آخر شرطاً للفرع. ستجدون هناك نوعاً من التشتت في ذكر الشروط، هناك من يذكر هذا الشرط يجعله شرطاً للفرع، وهناك من يذكر شيئاً يجعله شرطاً للأصل، وهناك من يذكره يعتبره شرطاً للحكم. فكما قلت، الطالب المتمكن سيدرك بإذن الله النزاع ويعصرها ولن يتشتت. فنقول على التحقيق: هذا الشرط وهو أن يكون معقول المعنى ليُعدى هذا ليس شرطاً للأصل، بل هو شرط لحكم الأصل، وقوله: ليُعدى هو دليل على ذلك، لأنه ما الذي سيُعدى؟ هل الذي يُعدى هو الأصل إلى الفرع؟ أم الذي يُعدى هو حكم الأصل إلى الفرع؟ الحكم هو الذي سيُعدى، أليس كذلك؟ فنقول والله أعلم أن هذا ينبغي أن يذكر من شروط الحكم وليس من شروط الأصل. فشرط حكم الأصل أن يكون معقول المعنى، أي نستطيع أن نعلله، أن نفهم تعليله حتى نستطيع أن نعدي هذا الحكم إلى الفرع، أما إذا كان حكم الأصل غير معقول المعنى فلا يجوز أن أعديه إلى فرع.
مثال على ذلك يقولون قبل قليل: وجوب الوضوء من لحوم الإبل، هل هو معقول المعنى؟ قالوا ليس معقول المعنى، بالتالي لا يجوز أن أقول: يجب الوضوء من لحم النعامة قياساً على لحوم الإبل، هل يجوز أن أقول يجب الوضوء من لحم النعامة قياساً على لحم الإبل، ما داما في اللغة وفي الفقه النعامة قريبة من الإبل لأنها كبيرة وضخمة، مثلاً في باب الحج صارت النعامة يقابلها بدنة، جيد؟ فيقولون: هل يجوز أن نقول هذا من التمثيل؟ هل يجوز أن نقول يجب الوضوء من لحم النعامة قياساً على لحم الإبل؟ قالوا: لا يجوز هذا القياس؛ لأن حكم الأصل غير معقول المعنى، بالتالي ما عندي علة، فكيف أجمع بين لحم النعامة ولحم الإبل في الوضوء مع عدم وجود علة واضحة تجمع بينهما؟ وشرط القياس إلحاق فرع بأصل في الحكم لوجود الجامع، وهنا الجامع غير معلوم. طب يا شيخ لو قلت: لا، أنا سأجد لك جامعاً، يقول شخص: أقيس لحم النعامة على لحم الإبل في وجوب الوضوء بجامع المشابهة بينهما في الشكل، للجامع ينظر ماذا قال؟ فلا يجد لك جامعاً، أقيس لحم النعامة على لحم الإبل في وجوب الوضوء بجامع أنهما متشابهان في الشكل والهيئة، نقول: هذا الجامع خطأ، لماذا؟ لأنه الآن نأتي، ما حكم الأصل؟ ما هو؟ وجوب الوضوء، هذا الحكم أصلاً معقول المعنى هو بذاته؟ لا، غير معقول، تعبدي في الحقيقة عند الجماهير هو تعبدي، فبالتالي لا تحاول أن تبحث عن جامع تلحق به النعامة بالإبل في هذا الحكم؛ لأن حكم الأصل تعبدي، فبالتالي لا يجوز عن جامع خارجي، أي جامع ونلحق به لحم النعامة بالإبل، لماذا؟ لاختلال هذا الشرط، وهو أن حكم الأصل بني على التعبد، ورمي على التعليم، تمام؟ لذلك شرطه هو الشرط الأصلي أن يكون معقول المعنى ليُعدى، فإن كان تعبدياً لم يصح. قلنا: هذا في الصحيح وفي التحقيق حكم وليس شرطاً للأصل.
طيب، الشرط الثاني، قال: موافقة الخصم عليه، فإن منعه، أي منع الخصم حكم الأصل، وأمكنه، أي أمكن المستدل إثباته بالنص جاز، لا عند المحققين. أنا هنا فقط أنظر في هذا النص تمام، قال: إذاً الشرط الثاني قال: موافقة الخصم عليه، فإن منعه، أي منع الخصم حكم الأصل وأمكنه، وأمكن المستدل أن يثبته بالنص جاز. لا عند المحققين. الآن هذا الشرط الثاني يتعلق بالأصل في أي حالة؟ في حالة وجود مناظرة، وليس من شروط الأصل عموماً في أي قياس. هذا شرط في الأصل إذا كان الإنسان المستدل في حال المناظرة لاثبات وجهة النظر وهناك من يناظره. أما إذا كان ليس في حال المناظرة، هو مجتهد مع نفسه يتحدث، يحاول أن يصل إلى حكم فرعه فلا تشترط هذا الشرط الثاني. ما هو هذا الشرط؟ قال: موافقة الخصم عليه.
نقول أيها الأحبة، إذا كنت هكذا عليك أن تتخيل الآن هذه قصة، كان هناك مستدل يريد أن يفحم خصماً يجادله في حكم فرعه، يريد أن يفحم خصماً يجادله في حكم فرعه تمام؟ فأراد أن يفحمه من خلال استخدام القياس، الآن منطقياً، لنفكر بشكل منطقي، أنا إذا أردت أن أفحم خصماً من خلال القياس، ينبغي أن يكون الأصل المقيس عليه مشتركاً ومتفقاً بيني وبينه، وإلا كيف سأستخدم القياس لإفحامه والأصل هو لا يوافقني على حكمه ويمنع حكمه؟ أليس كذلك؟ إذا كنت أنا أجادل شخصاً لأقنعه لأفهمه في حكم فرعي، حكم الفرع هكذا، هو يجادلني، يقول: لا أثبت حكم الفرع هكذا، فأقول: أفحمك من خلال القياس، هذا الحكم في الفرع أقيسه على الأصل الفلاني، الآن إذا كان الخصم أصالة لا يتفق معك في حكم الأصل، فكيف تفحمه من خلال القياس؟ فينبغي أن يكون حكم الأصل نقطة اشتراك، يعني نقطة متفقة، نقطة اشتراك متفقة بيني وبين الخصم، حتى تستطيع أن تلزمه وتفهمه في حكم الفرع، وإلا إذا كان هو ينازعك في حكم الأصل، إذاً لا فائدة من كل استدلال بالقياس عليه، صح ولا لا؟ لأنه سيقول لك: أنت تريد تستدل علي بالقياس على هذا الأصل، طب أنا أصلاً حكم الأصل هذا لا أؤمن به أنه حكم التحريم، أراه مباحاً، فأنت انتهيت، وأنا كمستدل وقفت، هو أصلاً ينازعك في حكم الأصل، إذاً يقول الأصوليون في مقام المناظرة: إذا كنت تناظر شخصاً يجب أن يكون الأصل الذي تستخدمه في القياس متفقاً عليه بينك وبين الخصم تمام؟ حتى لا يمنعه الخصم. ايش يعني حتى لا يمنعه الخصم؟ أي لا يمنع، رسوم المنع عند الأصوليين وهذه المصطلحات الجدلية ونحن ندرس علم الجدل إلى الآن، لكن فقط إشارات سريعة، يسمى عندهم المنع أن يقول الخصم: أنت تستدل بالقياس، فيأتي الخصم فيقول: أنا أمنع حكم الأصل، أنا أمنع أن يكون حكم الأصل كما ادعيت أيها المستدل.
تمام؟ فمثلاً تقول: أقيس التفاح على القمح في جريان الربا في كليهما بجامع الطعمية، قاس التفاح على القمح في جريان الربا بجامع الطعمية، فالخصم ايش يقول له؟ يقول: يا، الآن كأنك أنت عندما تجادل خصماً تريد أن تثبت أن التفاح يجري فيه الربا قياساً عليه، فأقول للخصم: أثبت أن التفاح يجري فيه الربا قياساً على القمح، فالخصم الآن سيقول لك: أنا لا أؤمن أصلاً أنه القمح هذا الأصل يجري فيه الربا، فكيف تقيس عليه التفاح؟ تمام؟ ففي النهاية بلا سيادة المستدل انقطع، يسموه انقطع، سكت، لأنه هو المخاصم ينازع أن الأصل وهو القمح يجري فيه الربا، فكيف أنت تقيس له التفاح على القمح؟ فينبغي أن يكون حكم الربا في القمح متفقاً عليه بينك وبين الخصم، يعني الخصم يؤمن أن القمح يجري فيه الربا مثل ما تؤمن أنت، ثم بعد ذلك تقول له: بما أنك أنت تؤمن أنه القمح يجري فيه الربا، التفاح يقاس على القمح بجامع الطعمية، هنا سينتقل، لن يستطيع الخصم أن يقول لك: والله أنا لا أؤمن بحكم الأصل؛ لأنه نقطة مشتركة بيني وبينك، كيف لا تؤمن بحكم الأصل؟ أنت تؤمن، هذا مذهبك، هذا مذهبك. تمام، إذا تريد تناقشني، ناقشني في العلة، تقول لا، أنا أؤمن، الخصم هنا ماذا سيقول؟ سيقول: أنا أؤمن بحكم الأصل، فعلاً أن القمح يجري فيه الربا، لكن لا أؤمن بعلتك، أنه سبب جريان الربا في القمح هو الطعمية، لا سببه مثلاً الكيلية، هنا سينتقل النقاش للعلة، هذا شيء آخر، أنا يهمني الآن النقطة الأولى أنه يتفق معي في الأصل، بعد ذلك سينتقل النقاش في العلة، هذه مسألة أخرى، تمام؟ ثم سينتقل بوجود العلة في الفرع، اعتراضات كثيرة جداً، لكن أنا فقط أحاول أن أقرب لك الصورة، إذا قال: الشرط الثاني موافقة الخصم عليه، أي على ماذا؟ على الأصل، وفي الصحيح هو موافقة الخصم على حكم الأصل، فهمت علي؟ لكن لأنها تتعلق بالأصل، لاحظ أن عبد المؤمن.
البغدادي ذكرها كلها مع شروط الأصل. وفي الحقيقة الخصم هو المطلوب من الخصم أن يوافقني على ماذا؟ على حكمي الأصلي. أما المطلوب من الخصم أن يوافقني على تحريم الربا في القمح في المثال الذي ذكرته قبل قليل، هذا الذي ينبغي أن يكون مشتركاً بيني وبين الخصم.
قد يقول قائل: يا شيخ، ممكن أن يكون الخصم لا يتفق معي في حكم الأصل، وتجوزون لي في باب المناظرة أن ألزمه بحكم الأصل من خلال النص الشرعي. نقول: هذه الصورة مقبولة نعم. هناك صورة أيها الأحبة يجوز فيها أن يكون الخصم لا يوافقك على حكم الأصل، ففيها خلاف لكن متى تجوز هذه الصورة؟ قالوا: يجوز إذا كان المستدل عنده نص واضح يلزم الخصم بحكم الأصل. يعني لو جاءني شخص فقال لي: والله التمر لا يجري فيه الربا، والخصم ينازعني، وأنا قست مثلاً هذا المثال، قلت مثلاً أقيس التفاح على التمر في جريان الربا بجامع الطعمية، واضح القياس الآن، قست التفاح على التمر في جريان الربا في كليهما بجامع الطعمية.
فجاء الخصم فقال: أنا لا أجيز الربا في الأصل، لا ربا في التمر، فماذا أقول له؟ ولا أستنى، قال: هذا ليس مذهبي. يقول: مذهبك ليس مذهبي، ضعه على جنب، النص الشرعي حسم المسألة، النبي ﷺ قال: «التمر بالتمر ربا إلا هاء وهاء». فإذا كان الخصم ينازع في حكم الأصل، لكن أنا كمستدل عندي دليل النص الشرعي، أستطيع أن ألزم به وأسكته؛ ففي هذه الحالة يجوز أن يكون حكم الأصل أو الأصل ليس متفقاً عليه بيني وبين الخصم. إذاً نقول: الأصل أن يكون الأصل متفقاً عليه بيني وبين الخصم، وهناك استثناء حالة يجوز فيها أن يكون حكم الأصل ليس متفقاً عليه بيني وبين الخصم، ويكون الصحيح ما هي هذه الحالات؟ إذا كان المستدل عنده نص شرعي واضح بين يستطيع أن يلزم به المجادل والمخاصم بحكم الأصل، واضحة الفكرة؟ تمام.
لذلك قال: وموافقة الخصم عليه. هذا الشرط الثاني، فإن منعه، يعني كان الخصم لا يوافق على حكم الأصل، أمكنه، أمكن المستدل إثباته من خلال النص، أمكنه حجته بالنص الشرعي، فإمكان إثباته بالنص جاز، لا بعلة عند المحققين. إيش يعني لا بعلة؟ هل يجوز أن أثبت حكم الأصل الآن كما قلت في مقام مناظرة، فناظرت في مسألة فالخصم لم يوافقني على حكم الأصل، منعه قال: أنا لا أؤمن أن حكم الأصل هكذا. الآن إذا قلت إذا كان المستدل عنده نص أستطيع أن ألزم به وألزمه بحكم الأصل انتهى. طب ما عندي نص، هل يمكن أن أفحمه باستخدام القياس؟ يعني هل يمكن أن أثبت حكم الأصل بالقياس آخر؟ قالوا: لا يجوز، لا يجوز أن أثبت حكم الأصل أو أن ألزم الخصم بحكم الأصل من خلال استخدام قياس جديد. قلنا: لماذا؟ قالوا: لأنه عبث، كيف ذلك؟
الآن نأخذ مثالاً على هذه الصورة، أنتم فهمتم الآن الإشكالية؟ الأمر المهم أن يكون حكم الأصل متفقاً عليه بيني وبين الخصم، تمام. إذا كان الخصم ينازع في حكم الأصل وأمكن المستدل أن يثبت حكم الأصل بنص شرعي أيضاً لا إشكال، هذه صورة جائزة. أما إذا كان الخصم ينازع في حكم الأصل ولا يوجد نص شرعي عند المستدل لإثبات حكم الأصل، فهل يجوز للمستدل أن يثبت حكم الأصل من خلال استخدام قياس جديد؟ قالوا: لا هذا لا يجوز، لا يجوز لك أيها المستدل أن تثبت حكم الأصل باستخدام قياس جديد.
مثال: الآن هناك مسألة وقع فيها تناظر، وهي جريان الربا في العدس، كلها أمثلة تقليدية أيها الأحبة لتوصيل الصورة. هذا الربا يجري في العدس، جاء مستدل يريد أن يثبت أن الربا يجري في العدس على خصم هناك خصم مقابله، فهذا المستدل يريد أن يثبت للخصم أن الربا يجري في العدس، فماذا قال للخصم؟ قال: العدس أقيسه على الذرة في جريان الربا، ما هو الجامع؟ قال: بجامع الطعمية، أن هذا طعام وهذا طعام، فالمستدل الآن قاس العدس على الذرة في جريان الربا بجامع الطعمية، تمام.
فقال له الخصم: أنا أصلاً أمنع حكم الأصل، أمنع أن الذرة فيها ربا، لا ربا في الذرة فكيف تستدل عليّ أنت بهذا القياس؟ لتلزمني بأن العدس، وأنا لماذا أستدل حتى ألزم الخصم؟ فأنا هل أستطيع أن ألزمه أن يقول بأن العدس يجري فيه الربا؟ هو قال لي: أنا أصلاً الأصل عندك ما هو الأصل في هذا القياس؟ الذرة، أنا لا أؤمن لا أعتقد أن الذرة تجري فيها الربا. فالمستدل الآن ماذا سيفعل؟ إذا عنده نص شرعي يثبت أن النبي ﷺ قال: «الذرة بالذرة ربا»، أو نص عام تدخل الربا في ضمنه، تدخل الذرة في ضمنه، يدل على أن الذرة يجري فيها الربا، ما عنده مشكلة في أن يستخدم النص، لكن طبعاً بده يتأكد أن الفرع برضه ما بيشمله النص العام، لأنه إذا كان الفرع أصلاً مش ضمن النص العام أيضاً، فش داعي لكل القياس. المهم إذا كان باختصار هناك نص يساعد المستدل على إثبات حكم الأصل ما عنده مشكلة اتفقنا، لكن المستدل هنا ما عنده نص يثبت حكم الربا في الذرة، فهل نجوز للمستدل أن يثبت حكم الأصل وهو جريان الربا في الذرة باستخدام قياس جديد؟
فماذا سيقول المستدل؟ قال: أنا سأُلزمك أيها الخصم بأن الذرة تجري فيها الربا. قال: ماذا ستفعل؟ قال: الذرة أقيسها على الشعير في جريان الربا بجامع الطعمية، والشعير لا يمكنك أن تناقشني فيه أنه يجري فيه الربا أو لا لأن النص قال: «الشعير بالشعير ربا»، فألزمتك الآن. نقول له: لا، أنت استنى أيها المستدل، أنت الآن ارتكبت خطوة غير مسموح بها في باب الجدل، أنك أثبت حكم الأصل لهذا القياس من خلال استخدام قياس آخر، هذا ممنوع. لماذا؟ قالوا: لأنه عبث. ما وجه العبث برأيكم؟ يعني هيك إنسان نبيه يفكر مباشرة، إيش وجه العبث في كل هذه القضية؟
إنك أنت في قصة العدس مباشرة، حسيت بهذه الفكرة أنه أنت في الجدل طبعاً له قواعد وهذا باب كبير ربما إن شاء الله في دورات أو في مستويات عليا نتكلم عن مفهوم الجدل وشروطه وقواعده له شروط وقواعد. يقولون: إذا أنت تستطيع أن تقيس الذرة على الشعير وعندك الشعير أصل منصوص عليه لا يستطيع الخصم أن ينازعك فيه، فلماذا تقوم بالإطالة بقياس العدس على الذرة، ثم تقيس الذرة على الشعير لإلزام الخصم بحكم الأصل وهو الذرة؟ مباشرة قم بقياس العدس على الشعير وانتهى الأمر وألزم الخصم، فهذا إطالة للجدل على وجه العبث، فلا يجوز في علم الجدل أنني أستطيع أن أقيس العدس على الشعير مباشرة، فلماذا أقوم بإطالة الجدل أقيس العدس على الذرة ثم الخصم يمنع الحكم في الذرة، مباشرة بقياس العدس على الشعير وهذا النقاش، فلذلك قالوا: لا يجوز للمستدل أن يثبت حكم الأصل بواسطة القياس، تثبت بالنص، أما بواسطة قياس ليش بدك تقيس؟ إذا عندك قياس أستطيع أثبت حكم الأصل وريح له ابتداءً هذا قيسه على ذلك الأصل الأول، قيسه على الأصل الأول مباشرة من دون حاجة لإطالة أمد الجدل، فهمتم علي في الجدل.
لذلك ماذا قال عبد المؤمن البغدادي أيها الأحبة؟ لاحظوا قال: وموافقة الخصم عليه، فإن منعه، أي منع حكم الأصل، وأمكنه، يعني أمكن المستدل إثباته بالنص جاز، لا بعلة. فهو كلمة علة اكتبوه: لا بقياس. لا بعلة عند المحققين، أي لا بقياس عند المحققين، يعني عند المحققين من أهل العلم، فكأنه يشير إلى وجود خلاف في هذه الجزئية، وبعض أهل الجدل وبعض الأصوليين يجوز إثبات حكم الأصل بواسطة القياس، لكنه هذا خلاف التحقيق، والتحقيق أن حكم الأصل لا يثبت من خلال القياس، لماذا؟ لأنه عبث، قالوا لأنه عبث وانتشار في الجدل لا داعي له، إذا قس الفرع الذي تريد إثبات حكمه على الخصم على الأصل الأول، ولماذا تتحدث بأصله؟ تمام؟ لذلك اللافي عندنا أي لا بقياسه عند المحققين، تمام؟
انتهينا من هذا الشرط لكن هذا الشرط سيكمل، قال: هناك من نازع فقال: وقيل الاتفاق شرط، اكتبوا بعدها: بين الأمة. وقيل الاتفاق شرط بين الأمة، كلمة بين الأمة ضعوها هنا حتى يُفهم المقصد، هناك أيها الأحبة بعض الأصوليين، طبعاً هنا رائد عبد المؤمن أتى بصيغة التمريض قيل، قال قيل، بعض الأصوليين يشترط في باب المناظرة ليس فقط أن يكون الأصل متفقاً عليه بين المستدل والخصم، بل يجب في باب المناظرة أن يكون الأصل مجمعاً عليه بين الأمة. لاحظوا هذا التشدد، ينبغي أن يكون الأصل مجمعاً عليه، لماذا؟ قالوا: حتى نمنع الخصم بأي نوع من الأنواع، يعني لا يستطيع الخصم أبداً أن يقول أنا لا أؤمن بحكم الأصل، الخصم لا يستطيع في هذه الحالة أن يقول أنا لا أؤمن بحكم الأصل لأنه هذا حكم مجمع عليه، كيف لا تؤمن به؟ تفريد الإجماع؟ قالوا فنغلق على الخصم باب المنع تماماً لحكم الأصل. هذا ذكره البعض يشترط في باب الجدل أن يكون حكم الأصل ليس فقط متفقاً عليه بين الخصم والمستدل، بل يجب أن يكون متفقاً عليه بين الأمة، لماذا؟ قالوا حتى نمنع الخصم من أي محاولة لمحاولة المراء. قالوا: كيف يا مشايخ؟ طب خلص لو إحنا اشترطنا أن يكون الأصل متفقاً عليه بين المستدل والخصم؟ ألا يكفي ذلك؟ في الظاهر أنه يكفي، يعني ليش؟ خلص إذا قلنا شرط أن نشترط أن يكون متفقاً عليه بين المستدل والخصم، انتهى الأمر، لماذا نشترط الأمة؟ قالوا حتى لا يتسنى للخصم أن يقوم بأي عملية مراء.
الآن ايش تصور هذا الرأي له تصور نوعاً ما في فهمي، انظروا ماذا رأيكم؟ يقول الآن المستدل حنبلي والخصم حنبلي تمام، فالآن المستدل أيها الأحبة ماذا يقول؟ يقول: أريد أن أثبت الربا في مثلاً إيش عندنا من الأمور التي فيها الربا غير المنصوص عليها؟ مثلاً يقول يريد أن يثبت حكم الربا في اللبن، قياساً على جريان الربا في مثلاً الشعير بجامع الكيل في كليهما، أنه السوائل ما هي من قبيل المكيلات، الشعير أيضاً من قبيل المكيلات، أو الملح كذا رِجال في النص، وأيضاً من قبيل المكيلات الذي يُؤخذ بالكيل، وكذلك اللبن، وكل المائعات تعتبر في مذهب الحنابلة من قبيل المكيلات، فيقول مثلاً رجل حنبلي: أنا حنبلي، فأقيس اللبن على الملح أو على الشعير كما تشاؤون في جريان الربا في كليهما بجامع الكيل، إذن عندي لبن، هذا الفرع الذي أريد أن أثبته، أقيسه على ماذا؟ على الملح أو على الشعير في جريان الربا في كليهما بجامع ما هو؟ ايش الجامع بينهما؟ الكيل، لأنه هذه العلة عند الحنابلة، تمام؟
الآن الخصم الذي يناقشني ايش مذهبه أيضاً؟ حنبلي، هل يستطيع الخصم أن يقول لي: أنا أمنع حكم الأصل أنه الملح أو الشعير لا يجري فيه الربا؟ لا، لأنه هو يعتقد مذهبي، طبعاً هذه ليست مذهب الحنابلة بل الكل بشكل عام، لأن النص واضح في قضية الملح بحد ذاته، لكن أنا دائماً أمثلتي هنا الشأن لا يعترض مثالاً فقط أمثل حتى تفهم الموضوع كيف يفهمه الأصوليون، كما قلت لكم أنا حنبلي وهذا حنبلي، الحنابلة يجري عندنا الربا في الملح والشعير باتفاق مذهبهم، تمام؟ فالآن جاءت مسألة جديدة، مسألة اللبن، فأريد أن أقول لهذا الحنبلي الخصم الذي يشاركني في المذهب: إن اللبن يجري فيه الربا قياساً على الملح الذي نؤمن أنا وأنت اتباعاً لمذهبنا أنه يجري فيه الربا، والجامع هو الكيل، صح مش هيك المنطق في الجدل؟ فهل يستطيع الخصم أن يقول للمستدل: أنا لا أؤمن أن الملح أو الشعير اللي هو الأصل يجري فيه الربا؟ لا يستطيع، لماذا؟ لأنه مذهب إمامه، هكذا يقول إمامك لا تستطيع وأنت مقلد أيها الخصم، أنت لم تصل لمرتبة الاجتهاد فأنت مقلد لإمامك، تمام؟
الآن يقول الذين يقولون يشترط أن فبالتالي يعني قبل أن نذهب إلى هذه الفكرة، بالتالي إذا كان أنا حنبلي وعندي شخص أمامي، أنا لا أحتاج أن أبحث والله هو إيش رأيه في حكم الأصل، لأنه بما أنه حنبلي يجب عليه أن يلتزم بمذهب إمامه، صح؟ إذا أنا كنت حنبلي كمستدل والمجادل والخصم حنبلي أيضاً، والمسألة أو الأصل الذي سأقيس عليه معلوم الحكم في المذهب لا نقاش فيه، هل أحتاج أن أبحث عن رأي المستدل؟ عفواً عن رأي الخصم في حكم الأصل قبل أن أناقش؟ الآن إذا أنا ما كنت بعرف إيش مذهبه ما بيصير فيه نقاشه إلا قبل أن أعرف إيش حكم الأصل عنده، حتى شوفوا موافقني عليه ولا لأ، إنه إذا ما بيوافقني كان مذهبه آخر ما أستطيع أستخدم القياس ضده، صح؟ فأنا محتاج أولاً أني أعرف إيش رأيه في حكم الأصل، الآن إذا كان من هو مثل مذهبي حنبلي حنبلي، خلص ما في نقاش للرجل في حكم الأصل لأنه هو مقلد للحنابلة، فهو مجبر على أن يقوم بحكم الأصل تبعاً لإمامه، فالآن بعض الأصوليين يقول لا، هو غير مجبر حتى لو كان مقلداً لإمامه في مقام الجدل والمناظرة.
له أن يمنع حكم الأصل ليسكت المستدل؛ يعني كيف الصورة التي نحن فيها الآن: حنبلي والخصم حنبلي، فقلت للخصم: اللبن يجري فيه الربا قياساً على الملح بجامع الكيل. الآن هو حمل الخصم، هو يرى أن الملح يجري فيه الربا، لكن حتى يقطع المستدل ويفهمه، قال: أنا لا أؤمن بحكم الأصل. هذا في مقام الجدل والمناظرة فقط، قال: أنا لا أؤمن بحكم الأصل. المستدل يقول: هذا كيف لا يؤمن بحكم الأصل؟ طيب أنت حنبلي كيف لا تؤمن بحكم الأصل؟ قال: بل هو من حنبلي، أنت ايش علاقتك أنا حنبلي ولا غير حنبلي؟ أنا لا أؤمن بحكم الأصل الآن.
بعض الأصوليين تصوروا هذه القضية أنه ممكن الخصم يبدأ يتلاعب بهذه الصورة حتى يفهم المستدل ويطالبه ولو يرهقه أكثر في الاستدلال، ففي لحظة الجدل يخرج عن تبني مذهبه ويبدأ يناظر على أنه فيقول: أنا لا أؤمن بحكم الأصل، أنا في باب الجدل والمناظرة لست حنبلياً. فقالوا: إذاً بالتالي حتى خلص نغلق باب المنع تماماً عن، نقول: اجعلوا الحكم حكم الأصل الذي سيناقش حكماً مجمعاً عليه بين الأمة؛ لأنه إذا كان مجمعاً عليه بين الأمة الخصم لن يستطيع أن يمنعه بوجه من الوجوه، يعني أنت مش حنبلي ولا الحكم مجمع عليه، وبالتالي مثلاً جريان الربا في الملح أو الشعير هذا مجمع عليه. فبالتالي لو قال الخصم: أنا لا أؤمن بالله في حكم الأصل، جريان الربا في الملح أو الشعير، فماذا سيقول له المستدل؟ سيقول: لك حنبلي ولا غير حنبلي، هذا حكم مجمع عليه أصلاً بين الأمة، فمنعك باطل وملغى، أنت تخالف إجماع الأمة في جريان الربا في الملح أو الشعير تماماً.
الآن في الحقيقة هناك أكثر أهل العلم لا يشترط هذا الشرط، يقول: يكفي التوافق بين الخصمين. طيب وهذه الصورة أنه ممكن الخصم في باب الجدل والمناظرة يخرج عن مذهبه ويتبنى وجهة نظر مذهب آخر ليقطع المستدل، ايش تفعل فيها؟ قالوا: لا نقبلها منه، قالوا: لا نقبل إذا كان الخصم حنبلياً في مقام الجدل والله أن يتبنى وجهة نظر المالكية والشافعية، لا، لا نجوز له ذلك. خلاص أنت حنبلي تبقى للحنابلة، ليس في باب الجدل والله تبدأ تعمل مشاكل وتخرج عن مذهب الحنابلة وتقول والله أنا شافعي في هذه المسألة أو مالكي، يعني أنت مقلد لإمامك. طبعاً هذه أثر من آثار التقليد الذي كان مشهوراً في العصور المتأخرة، أنه المقلد يحرم عليه تماماً أن يغادر مذهبه.
طيب ستبقى هناك صورة عند هؤلاء الآن، كما قلت الجمهور يقولون: لا، لا نشترط الاتفاق بين الأمة بل يكفي اتفاق الخصمين على حكم الأصل. فإن قيل: إن الخصم يمكن أن يمنع حكم الأصل ويخرج عن التقيد بمذهب إمامه، فنقول: لا، لا نجوز له أن يخرج عن التقيد بمذهب إمامه، فالحنبلي يبقى حنبلياً، والشافعي يبقى شافعياً، والمالكي يبقى مالكياً، والحنفي يبقى حنفياً. لكن ماذا عكر على هذا الرأي على رأي الجمهور؟ ماذا يعكر عليه؟ يعكر عليه أيها الأحبة إذا كان الخصم وصل إلى مرتبة الاجتهاد فهو ليس متقيداً بمذهب من المذاهب، مثل كان الخصم ابن تيمية أو ابن القيم أو الغزالي؛ لأنهم وصلوا إلى مرتبة الاجتهاد، أو محمد بن الحسن الشيباني. الآن إذا كان الخصم مثل هؤلاء الأئمة، في الحقيقة لو أنت أتيت له بحكم أصل هو له القدرة أن يقول: والله أنا أمنع حكم الأصل، ولا تستطيع أن تقول له: لا ليس لك أن تمنع حكم الأصل لأنك والله حنبلي أو حنفي أو شافعي، هو ما وصل إلى مرتبة الاجتهاد، فبالتالي هو غير مقيد بمذهب من المذاهب فلا تستطيع أن تلزمه بمذهب الإمام، فله الحق أنه يمنع أي حكم أصل.
فبالتالي إذا كان مجتهداً، إذا كان الخصم وصل إلى مرتبة الاجتهاد، فعلاً أرى أن اشتراط أن يكون حكم الأصل مجمعاً عليه بين الأمة وسيلة قوية لإغلاق باب المنع عليه، صح ولا لا؟ وهذا الرأي استحسنه الطوفي، استحسنه الطوفي في المختصر يعود إلى اللجنة المختصرة قال: استحسنه، وإن كان يصعب التمثيل عليه. طبعاً لماذا يصعب التمثيل عليه عندهم؟ بأنه وصول شخص عند المتأخرين إلى مرتبة الأئمة الأربعة في الاجتهاد هذا شبه مستحيل، هكذا ينظرون بهذه النظرة، فيقول: إذاً واحتماليته صعبة جداً فلا داعي، لكنه حصل وفي الحقيقة هذا التفصيل فعلاً حصل.
فنقول: إذا كان الخصم وصل إلى مرتبة الاجتهاد لابد لإغلاق سبيل المنع عليه نشترط أن يكون حكم الأصل مجمعاً عليه عند الأمة. الآن إذا كان الخصم لم يصل إلى مرتبة الاجتهاد بل هو مقلد، إذا لم يصل أنه متبع لأحد المذاهب الأربعة أو إذا كنا مع الظاهرين الخمسة، بالتالي لا نشترط أن يكون حكم الأصل مجمعاً بين الأمة، بل يكفي أن يكون حكم الأصل متفقاً عليه بين المستدل وبين الخصم، لأنه هذا الأصل هو مذهب إمام الاثنين أو على الأقل مذهب إمام الخصم، يعني أنا ممكن كمستدل أني أفحم الخصم بحكم أصل هو يتبناه حتى لو أنا كمستدل ما بتبناه، بس أنا بدي أقيس على أصلك حتى أبين لك أن هذا الحكم بيلزمك، فيكفي باختصار كما قلنا أن حكم الأصل متفق عليه بين المستدل والخصم إذا كان كلاهما من قبيل المجتهد، وكان الخصم في مرتبة المقلد. وأما إذا كان الخصم وصل إلى مرتبة الاجتهاد فحتى نغلق باب المنع عليه نشترط أن يكون حكم الأصل مجمعاً عليه. طبعاً هذه كلياتها قواعد جدلية أيها الأحبة، وضحت فكرتها؟ تمام؟
بسم الله، إذن القول الذي بين عبد المؤمن البغدادي: وقيل الاتفاق شرط بين الأمة. عرفتم وجهة النظر التي أراها مقبولة؟ أننا نفرق بين الخصم المجتهد، فهذا نعم نستطيع أن نقول: نشترط أن يكون حكم الأصل مجمعاً عليه بين الأمة. طبعاً متى يكون مجمعاً عليه بين الأمة؟ الطالب يغفل عن النقطة السابقة، الآن إذا كان حكم الأصل المستدل يستطيع أن يثبته بالنص الصريح المقطوع به، النص عليه واضح بين، فهذا أصلاً لا أبحث عن إجماع عليه، فهمتم؟ لا أبحث عن إجماع. النص الواضح البين لحرمة الزنا وحرمة الخمر، أحياناً في أحكام شرعية نصوص واضحة بينة لا يستطيع الخصم أن ينكرها ولا يكون تلاعب بالدين والعياذ بالله. تمام؟ لكن لما يكون لا النص ما في عندي نص دلالته قطعية على حكم، فالخصم يمكن أنه يمنع، حينئذ أحتاج إلى قضية الاتفاق، صح؟ فهل أقول اتفاق الخصمين يكفي ولا ينبغي اتفاق الأمة على الأصل؟ فنقول: إن كان الخصم مجتهداً وصل إلى مرتبة الأئمة الأربعة في الاجتهاد فنقول: اتفاق الأمة حتى نغلق عليه باب المنع. إذا كان هو مقلد لأحد الأئمة فنقول: يكفي أن يكون حكم الأصل هو الحكم عند إمام هذا الخصم، فيكون بالتالي حكم الأصل متفقاً عليه بين المستدل والخصم، ولا داعي لأن يكون مجمعاً عليه بين الأمة؛ لأننا في هذه الحالة سنقول للخصم: ليس لك أن تترك مذهب إمامك بالتشهي، أنت لم تصل إلى مرتبة الاجتهاد فليس لك أن تترك مذهب إمامك بالتشهي. تمام، هكذا نقول انتهينا من الكلام عن شروط الأصل.
طبعاً في الحقيقة هو اختصار شديد إذا ما ذكر شرطين فقط، هناك شروط مطولة أكثر تُذكر، هي ليست كثيرة هي أيضاً حتى لا الطالب يفزع، هي ليست كثيرة لكن هناك أكثر من شرط يذكر في المطولات. طيب أذهب إلى الركن الثاني من أركان القياس وهو الفرع، ذكر له شرطاً واحداً عبد المؤمن، ايش قال؟ قال الفرع، قال الفرع لغة هو ما تولد عن غيره وانبنى وهذا واضح، عندما درسنا معنى كلمة أصول الفقه قلنا الفرق بين الأصل والفرع، الأصل هو ما انبنى عليه غيره، والفرع ما انبنى على غيره، فهذا يعني على الهامش فائدة في معنى الفرع المغترب. الآن الفرع قال هو في باب القياس ما هو الفرع؟ هو المحل المطلوب إلحاقه بالأصل، أليس كذلك؟ هذا هو الفرع، المقيس أو بعبارة أخرى عبارة عبد المؤمن: المحل الذي سنلحقه بالأصل، فقل المقيس أو قل المطلوب إلحاقه بالأصل كلها صحيحة. تمام ما شرطه؟ قال شرط الفرع: وجود علة الأصل فيه، وهذا شرط واضح بين أيها الأحبة، أليس كذلك؟ يعني هل يجوز أن أقيس بأصل إذا كانت علة الأصل ليست موجودة في الفرع؟ لا ينفع، أليس كذلك؟ فهل يجوز أن أقول: والله الأموال النقدية المعاصرة أقيسها على التمر بجامع الطعمية؟ ما بينفعش، لأنه التمر ماشي لو قلت أنا شافعي الآن وعلته والطعام أنه طعام، هذه علة الربا في التمر، هل هذه العلة أنه طعام موجودة في الأموال النقدية؟ هذه الأموال النقدية طعام تؤكل؟ إذا هنا التمر إذا قلنا عند جريان الربا فيه هي الطعمية، هذه العلة ليست موجودة في الفرع وهي الأموال النقدية، فبالتالي لا يصح أن يثبت الربا في الأموال النقدية قياساً على التمر؛ لأن علة الأصل ليست موجودة في الفرع، وهذا واضح.
ننتقل إلى الركن الثالث من أركان القياس وهو الحكم، قال الحكم ما هو الحكم؟ قالوا هو الوصف المقصود بالالحاق، الوصف المقصود بماذا؟ بالالحاق. فالحكم بعبارة أخرى هو الذي سنعديه، هو الوصف الذي سنعديه من الأصل إلى الفرع، مثلاً الأصل حكم التحريم أو جريان الربا أو الندب أو الإباحة، المهم له حكم. ثم الحكم هنا وصف، هذا الحكم سأعديه إلى ماذا؟ إلى الفرع، وهذا واضح. تمام، الآن طالما الحكم هو الوصف المقصود بالالحاق، قال: فالإثبات ركن لكل قياس، والنفي إلا لقياس العلة عند المحققين، هكذا النص عندك في نسختك نعم، والنفي إلا لقياس العلة عند المحققين، لاشتراط الوجود فيها. هكذا عندك بعد ذلك؟ اشتراط الوجود فيها بل وشرطه هو الاتحاد. هذه قضية في الحقيقة أتمنى أني أسأل الله سبحانه وتعالى أن يعينني في إيصالها للطالب أنها تحتاج إلى انتباه الآن من الطالب لهذه الفكرة التي يطرحها عبد المؤمن البغدادي ويطرحها بشكل عام الأصوليون.
الآن الحكم الذي سنعديه من الأصل إلى الفرع، الأصل فيه أن يكون حكماً وجودياً، ايش يعني حكماً وجودياً؟ يعني حكماً أثبته الشارع، حكم أتى به الشرع وليس البراءة الأصلية، لأن البراءة الأصلية هي باختصار نفي الحكم من الشارع، نفي وجود حكم من الشارع، وهذا يقتضي من الطالب أن تتذكروا ايش تعريف الحكم الشرعي؟ ايش الحكم الشرعي؟ خطاب الشارع، إذاً الحكم عندنا الأحكام التي تعلمناها سابقاً: الإباحة والتحريم والندب والكراهة إلى آخره، وكذلك الأحكام الوضعية هي عبارة عن خطابات من الشارع، صح؟ خطاب من الشارع يتعلق بأفعال المكلفين، أليس كذلك؟ فإذاً الحكم الشرعي الأصل فيه أنه حكم ثبوتي وجودي، قل ثبوتي وقل وجودي. تمام؟ إذا كان الحكم الذي سأعديه من الأصل إلى الفرع حكماً شرعياً الذي بسميه هذا الحكم الوجودي، هذا لا إشكال ولا نزاع في قبوله، وهذا هو الأصل أصلاً أني أعدي حكماً شرعياً وجودياً؛ تحريم الخمر أعديه إلى النبيذ، جريان الربا أعديه إلى الفرع، كذا وكذا وأعديه إلى كذا، المهم فالاصل في حكم القياس، الحكم في القياس الذي سنعديه من الأصل إلى الفرع، أن يكون حكماً ثبوتياً. فقال عبد المؤمن: الإثبات، يعني أن يكون الحكم الشرعي الذي سأعديه من الأصل حكماً مثبتاً، هذا ركن شرط قل كما تشاء، ركن في كل قياس، ستأتي معنا الأقيسة، أي قياس سواء كان قياس علة، قياس دلالة، قياس شبه، حتى القياس بنفي الفارق إذا قلنا هو من قبيل الأقيسة، يشترط فيه الأصل أن يكون الحكم حكم وجودي، يعني حكم شرعي أوجده الشارع وأثبته الشارع. طب ايش هي الحالة الأخرى؟ الحالة الأخرى قال: أن يكون ليس حكماً شرعياً وجودياً، بل البراءة الأصلية أو النفي الأصلي.
فهل يجوز أيها الأحبة أن يكون الحكم المعدى من الأصل إلى الفرع هو البراءة الأصلية أو النفي الأصلي؟ هذه هي موطن النقاش. فالآن سأقول لكم أو سأحاول أن أهذب هذه النقطة قدر الإمكان. فماذا أقول؟ المسألة هكذا لو تعنونوها، يقول الأصوليون: هل النفي الأصلي الذي هي البراءة الأصلية التي درسناها كثيراً يمكن إثباتها بالقياس كما تثبت بدليل العقل؟ إحنا البراءة الأصلية والنفي الأصلي بأيش كنا نثبتها عادة؟ بأي دليل؟ دليل العقل فكرة أنواع الاستصحاب، أول نوع كان دليل العقل على البراءة الأصلية على النفي الأصلي، ايش يعني النفي الأصلي؟ يعني الأصل براءة الذمة من التكليف. الآن النفي الأصلي البراءة الأصلية كنا نثبتها بأي دليل؟ بدليل العقل، لأن العقل يصلح دليلاً على النفي كما قلنا. طب هل يمكن أن أثبت النفي الأصلي أو البراءة الأصلية بدليل القياس أيضاً؟ هذا موطن الخلاف أو موطن المسألة، النفي الأصلي هل يمكن إثباته بالقياس كما يثبت بواسطة دليل العقل؟ واضح السؤال؟ الآن يهمني الطالب يضبط الفكرة حتى بعد ذلك يفهم الخطوات التي تليها. ابتداء نقول أيها الأحبة: أي مسألة أو عفواً، أقول لا حاجة للقياس، هكذا أقول: حين أقول لا حاجة للقياس لإثبات النفي الأصلي، لإثبات براءة هذا الأصل لماذا؟ لأنني أكتفي باستخدام دليل العقل لإثبات براءة الذمة من هذا التكليف. يعني عندي مسألة معينة.
عندي مسألة معينة، أنا أريد كمستدل أن أثبت أن هذه المسألة باقية على النفي الأصلي، أنها على البراءة الأصلية. مثل ماذا؟ مثل الصلاة، هل هناك صلاة سادسة؟ أنا أريد أن أثبت النفي الأصلي، أريد أن أثبت براءة الذمة من وجوب صلاة سادسة. ومثل وجوب صيام شهر آخر غير رمضان.
هذه المسألة كيف أثبتها؟ كيف أثبت عدم وجوب صيام شهر آخر غير رمضان من خلال ماذا أيها الأحبة؟ من خلال استخدام دليل العقل الذي يدل على البراءة الأصلية على النفي الأصلي، أنه الأصل عدم وجود تكليف على المكلفين حتى يأتي خطاب من الشارع. فإذا كان عندي مسألة أيها الأحبة أريد أن أثبت أنها باقية على النفي الأصلي، أنها باقية على البراءة الأصلية، مثل وجوب صلاة سادسة، فأنا في الحقيقة لا أحتاج إلى استخدام قياس، بل أكتفي أو أستطيع أن أكتفي بدليل العقل.
بدلًا من الاستصحاب أستطيع أن أكتفي باستخدام دليل العقل، أو باستخدام بعبارة أخرى الاستصحاب للدلالة على أن هذه المسألة باقية على النفي الأصلي أو على البراءة الأصلية، أليس كذلك؟ الآن يقول الأصوليون يجوز استخدام القياس لإثبات البراءة الأصلية أيضًا كدليل عاضد لدليل العقل، كدليل عاضد لدليل العقل، وإلا فالأصل أنا لا حاجة لي إلى القياس، فأكتفي باستخدام دليل العقل.
فالآن وجوب صلاة سادسة، هل أنت تحتاج فيه إلى قياس لإثبات انتفائه؟ لا، بل أكتفي باستخدام دليل العقل على البراءة الأصلية. مثل عدم وجود صيام شهر غير رمضان، هل أحتاج أن أقيس وأدلل من النصوص؟ لا، أستطيع أن أكتفي بدلالة العقل على البراءة الأصلية لإثبات عدم وجوب صيام شهر غير رمضان.
هل يجوز أن أستخدم القياس لأدلل على البراءة الأصلية في هذه المسائل؟ هل أستطيع أن أستخدم القياس لأثبت عدم وجوب صلاة سادسة؟ هل أستطيع أن أستخدم القياس وأثبت عدم وجود صيام شهر غير رمضان ويكون القياس دليلًا يعضد دليل العقل؟ قالوا: نعم، يجوز أن تستخدم القياس لإثبات البراءة الأصلية كدليل يعضد دليل العقل، لكن أي نوع من أنواع القياس يجوز أن تستخدمه هنا؟ قالوا: يجوز أن تستخدم قياس الدلالة فقط، ولا يجوز أن تستخدم قياس العلة.
بدأنا يا شيخ ندخل في العمق أكثر، ما معنى قياس الدلالة وما معنى قياس العلة؟ هذه من درس "معنى النظم الصغير" أظن أنه عرفها جملة، وسيذكرها البغدادي هنا في آخر مبحث القياس، لكن لأني أحتاج إليها الآن سأعطيك إشارة سريعة. قياس العلة هو القياس الذي يجمع فيه بين الفرع والأصل بنفس العلة، بذات العلة الموجودة في الأصل، وهذه العلة موجودة في الفرع، فأجمعوا بين الفرع والأصل.
قياس الدلالة له أشكال وصور، أهم تعريف لقياس الدلالة ما سبق أن عرفناه، هو أني أجمع بين الفرع والأصل ليس بذات العلة، بل بدليل العلة أو بأثر من آثار العلة أو بحكم من أحكام العلة. قياس الدلالة هو أن تجمع بين الفرع والأصل ليس بذات العلة مباشرة، بل بواسطة دليل العلة أو أثر من آثار العلة أو حكم من أحكام العلة.
أعطيك مثالًا مختصرًا سريعًا للتفريق بين هذين الأمرين، لو قيل الآن في هذا المبحث، أعطيك مثالًا سريعًا على قياس العلة وقياس الدلالة. الآن إذا قلت النبيذ أقيسه على الخمر في التحريم بجامع الإسكار، أنا هنا جمعت بين الفرع والأصل بواسطة العلة، فهذا يسمى قياس العلة. الآن لو قلت النبيذ، نفس القياس لكن لاحظ ماذا سأقول: النبيذ أقيسه على الخمر في التحريم بجامع ماذا؟ ما قلت الإسكار، قلت بجامع الشدة المطربة. الآن ماذا يقول الأصوليون؟ يقولون: ما هي علة تحريم الخمر؟ الإسكار وليست الشدة المطربة، لكن الشدة المطربة هي دليل على وجود الإسكار، فهي دليل على وجود العلة وهي الإسكار، وإن لم تكن هي العلة في التحقيق.
السؤال الآن: يا شيخ متى أعدل إلى استخدام دليل العلة؟ ولماذا لا أقول مباشرة الإسكار إذا كان عندي العلة؟ أقول: صحيح، إذا كانت العلة ظاهرة عندي وموجودة في الأصل وفي الفرع، استخدم العلة مباشرة ولا تذهب إلى دليل العلة. لكن أحيانًا قد تكون العلة ظاهرة في الأصل لكنها غير ظاهرة بقوة في الفرع، والظاهر في الفرع هو دليل العلة أو أثر من آثار العلة، هذا الظاهر فقط. طبعًا دليل العلة أو أثر من آثار العلة هو دليل على وجود العلة أيضًا في الفرع، لكن في الواقع ليست العلة ظاهرة أمامي قوية، وإنما الظاهر عندي في الفرع هو دليلها أو أثر من آثارها.
مثلًا لو ظهر عندنا شراب معاصر، قضية الإسكار ينازع فيها أو غير ظاهرة أو ما شابه ذلك، لكن هناك دليل من أدلة الإسكار أو أثر من آثار الإسكار موجود في هذا الشراب، فهل نلحقه بالخمر؟ قالوا: نعم، نستطيع أن نلحقه بواسطة قياس الدلالة. الآن قياس الدلالة أضعف من قياس العلة قطعًا، لأنه في قياس العلة يجمع بين الأصل والفرع بالعلة نفسها، قياس الدلالة متى ألجأ إليه؟ إذا كان العلة غير ظاهر وجودها في الفرع، وإنما الظاهر وجود أثر من آثارها أو دليل من أدلتها.
فهنا سأضطر حتى ألحق الفرع بالأصل أني لا أجمع بالعلة نفسها لعدم ظهورها للمخالف، فأقول سأضطر أن أجمع بينهما بواسطة دليل العلة، أو أثر من آثار العلة، أو حكم من أحكام العلة. وسأتطرق إلى أمثلة هذا النوع إن شاء الله بالتفصيل حينما نتكلم عن قياس العلة وقياس الدلالة. الآن فقط أريد أن أعطيك مؤشرًا، قياس الدلالة أضعف من قياس العلة، لأنه في قياس العلة أعتمد على ذكر العلة، علة حكم الأصل كانت الإسكار، وهذه العلة موجودة في الفرع، بالتالي أنا جمعت بين الفرع والأصل من خلال العلة، فهذا قياس علة.
أما إذا كانت العلة غير ظاهرة موجودة في الفرع، مثل أن علة الأصل الإسكار لكنها غير ظاهرة عندي في الفرع، وإنما الظاهر عندي في الفرع دليل من أدلتها أو أثر من آثارها، فهنا حتى أقنع المخالف وأقنع الخصم، سأضطر أن أجمع بين الفرع والأصل من خلال ذكر دليل من أدلتها أو أثر من آثارها بدلًا عن ذكر العلة، وهذا طبعًا سيضعف نسبة القياس بالتأكيد، أليس كذلك؟
الآن ماذا يقول الأصوليون؟ نعود إلى المسألة التي نحن فيها. هل يجوز إثبات البراءة الأصلية، إثبات النفي الأصلي من خلال استخدام القياس؟ قالوا: يجوز أن تثبت البراءة الأصلية من خلال استخدام قياس الدلالة، ولا يجوز باستخدام قياس العلة. لماذا أيها الأحبة؟ دعوني أقرأ لكم ماذا قال الغزالي رحمة الله عليه، وأنا طبعًا بتصرف مني في العبارة حتى أساعد الطالب على الفهم.
يقول الغزالي رحمة الله عليه: قياس العلة لا يجوز استخدامه لإثبات البراءة الأصلية. لماذا؟ قال: لأن قياس العلة هو جمع بين الفرع والأصل بواسطة العلة الشرعية. لاحظ هذا الكلام الدقيق: والعلل الشرعية لا تثبت إلا بعد ثبوت حكم شرعي، يعني الآن لا يجوز أن تكون هناك علة شرعية إلا لما يكون عندك حكم شرعي. صح؟ حتى يكون حكم شرعي، ما معنى حكم شرعي؟ يعني خطاب من الشارع يتعلق بأفعال المكلفين، يوجب أو يحرم أو يندب أو يكره، المهم في عندي حكم شرعي، إذا وجد حكم شرعي ابحث عن علته الشرعية، فالعلة هي فكرة ومفهوم لا يتحقق إلا بعد وجود حكم شرعي.
العلل الشرعية لا تثبت إلا بعد ثبوت الحكم الشرعي، لأن العلة هي التي من أجلها شرع الحكم الشرعي، بحيث لو انتفت العلة الشرعية انتفت حكومتُها. وهنا أيها الأحبة في مسألتنا ما الذي نريد أن نعديه من الأصل إلى الفرع؟ هل هو حكم شرعي؟ أو أريد أن أعدي الحكم الشرعي الذي هو البراءة الأصلية؟ طب إيش البراءة الأصلية في الحقيقة؟ هي عدم الحكم الشرعي.
يعني عدم وجود خطاب شرعي في هذه المسألة. الذي سأعديه في صورة المسألة التي عندنا، سنعدي من الأصل إلى الفرع عدم الحكم الشرعي، هذا الذي سيتعدى وليس الحكم الشرعي. بعبارة أخرى سأعدي العدم وليس الثبوت، لأن الثبوت هو الصورة الأولى المتفق عليها، أليس الحكم الشرعي إذا كان الشيء المعدى هو وصف ثبوتي، فيعرف بقاء الحكم هو الوصف المقصود بالإلحاق؟ فالثبات ركن لكل قياس، يعني إذا كان المعدى من الأصل إلى الفرع هو الثبوت الذي هو الحكم الشرعي هذا لا نزاع فيه، ما فيش أبدًا أحد يمانع، فهذه الصورة الطبيعية للقياس.
لكن المشكلة لما يكون الذي سأعديه من الأصل إلى الفرع ليس حكمًا شرعيًا ثابتًا، بل الذي سأعديه هو عدم الحكم الشرعي، هو البراءة الأصلية، آه هنا المشكلة. قال: وهنا لا يوجد، وعدم الحكم هل له علة شرعية؟ الآن سأقول: عندي شيء حكمه البراءة الأصلية، سأؤدي البراءة الأصلية لعدم الحكم إلى الفرع، طب ما هو الجامع؟ هل حكم الأصل وهو البراءة الأصلية له علة؟ هل له جامع؟ يقولون: عدم الحكم الذي هو البراءة الأصلية ليس له علة شرعية.
لو قلت لك: الأصل مثلا الذي أريد أن أقوله عدم وجود صلاة سادسة، ما حكم وجوب صلاة سادسة؟ نقول: البراءة الأصلية، لا توجد صلاة سادسة. لو قلت لك: علمني البراءة الأصلية، لماذا لا توجد صلاة سادسة؟ ما علة هذا الحكم؟ هو نفي الحكم في الحقيقة، أنا أسميه حكمًا، أسميه إباحة عقلية، وهم يسمونه حكمًا، لكنه من ناحية الشرع نحن ماذا نسميه؟ هو عدم الحكم، لأنه ما في خطاب شرعي.
هو حكم بالمفهوم العام، لكن من حيث المصطلح الخاص هل يوجد خطاب شرعي؟ لا يوجد خطاب شرعي. فالبراءة الأصلية تعني عدم وجود خطاب شرعي. أنا عندما أقول هذا، الطالب ممكن يشكل عليه: يا شيخ أنت تقول عدم الحكم، طب صلاة سادسة إيش حكمها؟ نقول البراءة الأصلية، النفي الأصلي، عدم الحكم، بالتالي لا يلزم من صلاة سادسة.
طيب البراءة الأصلية أليست حكمًا هي بحد ذاتها؟ أليست حكمًا؟ في البراءة الأصلية عندما نقول: والله هذا الشيء على البراءة الأصلية، على النفي الأصلي، ليس حكمًا، نقول: هي بمعنى الإباحة العقلية، والإباحة العقلية ليست حكمًا شرعيًا بالمفهوم الخاص للحكم الشرعي وهو خطاب من الشارع متعلق بأفعال المكلفين. من هذه النظرة نعم، الإباحة العقلية ليست حكمًا بهذه النظرة، وأما بالنظرة العامة، أن ذمتك بريئة فبالتالي الفعل مباح، أي يلزم من هذا الإباحة بالنظر إلى اللازم وهو أن الأمر على الإباحة، نستطيع أن ندخلها بالحكم الشرعي بالمفهوم العام.
أنا لا أقصد هنا الحكم الشرعي بالمعنى العام، أقصد بالحكم الشرعي المعنى الخاص الأصولي، وهو الحكم الشرعي: خطاب من الشارع متعلق بأفعال المكلفين. بناء على المعنى الخاص للحكم الشرعي ليس حكمًا شرعيًا، حتى أغلق الباب على الطالب الذي يحاول أن يقول: يا شيخ طب النفي الأصلي أو البراءة الأصلية حكم شرعي. أقول: بالمعنى العام أتقبل ذلك، وهذه ناقشها الأصوليون بالمعنى العام، لكن بالمعنى الخاص الأصولي للحكم الشرعي وهو خطاب من الشارع متعلق بأفعال المكلفين ليست حكمًا.
إذن ما معنى بالمعنى العام؟ بالمعنى العام أن الله سبحانه وتعالى لن يؤاخذك، عدم المؤاخذة من الله، وأن الله سكت عن هذه المسألة وجعلها في حكم المسكوت وعفا عنها، فكأنه يريد أن يقول لك: خلاص لا حرج عندي في هذه المسألة. هذا المعنى العام للحكم الشرعي، أدخل فيه الإباحة العقلية أو البراءة الأصلية، عبر كما تشاء. لكن بالمعنى الخاص الأصولي للحكم الشرعي، خطاب من الشارع متعلق بأفعال المكلفين، فالنفي الأصلي أو البراءة الأصلية، أو كما يسميها المعتزلة الإباحة العقلية، ليست حكمًا شرعيًا.
فإذا أنا سأستخدم المعنى الخاص للحكم الشرعي وهو خطاب من الشارع، يهمني أن تستخدم هذا المعنى الآن وتستحضره. الآن أقول أيها الأحبة: صلاة الوتر، إيش حكمها من حيث الوجوب؟ طبعًا نقول: باقية على البراءة الأصلية، عدم وجوب هذه الصلاة. لو واحد سألك: ما علة عدم وجوب الوتر؟ هذا الحكم، يعني صلاة الوتر، بدي أتكلم عن حكم وجوبها عشان أناقش الحنفية، فأيش أقول أنا كجمهور؟ أقول: صلاة الوتر حكمها من حيث الوجوب عدم الوجوب، أنها باقية على البراءة الأصلية، على عدم الوجوب، هي على البراءة الأصلية. لماذا البراءة الأصلية؟ على.
الأصل على عدم الوجوب؛ لأنه لم يأتِ خطاب من الشارع يوجبها علينا، بالتالي هي تبقى على البراءة الأصلية، يعني عدم الحكم، ليس فيها حكم شرعي. هي باقية على البراءة الأصلية؛ عدم الحكم الشرعي المتعلق بالوجوب. أما هي مندوبة من ناحية أخرى.
لكن أتكلم من حيث الوجوب؛ صلاة الوتر ما حكمها؟ نقول عدم وجوب صلاة الوتر، هذا حكمها. عدم الوجوب، هذا الحكم كيف ثبت؟ هل هناك خطاب شرعي؟ أم ثبت من خلال دليل العقل الدال على البراءة الأصلية؟ كيف قال لك عدم وجوبها؟ لا يوجد عندي نص شرعي يقول الوتر ليست واجبة، وإنما أنا كجمهور رددت على الحنفية فقلت: الدليل على عدم وجوبها الدليل العقلي. الدليل العقلي يقول لي: إنه لا تجب عليّ صلاة حتى يأتي خطاب من الشارع يوجبها.
لم يأتِ خطاب من الشارع يوجبها، بالتالي العقل يقول: إن هذه الصلاة ليست واجبة. فإذن صلاة الوتر غير واجبة، فبالتالي هنا عندي عدم في الحكم، لا يوجد بها حكم، ودليل العقل هو الذي دل على النفي الأصلي. تمام؟ هل يستطيع شخص أن يبدأ بالسؤال: عدم وجوب صلاة الوتر، ايش عندك يا شيخ؟ ليش صلاة الوتر ليست واجبة؟ ما هي العلة في عدم إيجابها؟ نقول: لا، البراءة الأصلية لا تعلل، ما لها إلا خلص، الله سبحانه وتعالى لم يوجبها.
هل تستطيع أن تقول والله علة عدم وجوب صلاة الوتر هي مثلاً أنها صلاة قصيرة؟ بدأ هكذا الشخص يتفهمك أنها صلاة قصيرة فبالتالي لا داعي لوجوبها. نقول لك: لا تبحث لماذا الله عز وجل لم يوجب شيئاً؟ لم يأتِ منه خطاب شرعي بإيجاب شيء، العدم الثابت بالبراءة الأصلية يسمونه النفي الأصلي، العدم الأصلي للأحكام لا يعلل.
وإنما الذي يعلل ونبحث عن علله الشرعية هي الأحكام الشرعية الوجودية. لماذا الله حرّم الخمر؟ لماذا حرّم الربا؟ لماذا أوجب كذا؟ لماذا ندب إلى هكذا؟ هنا أبدأ أبحث عن علل. وأما النفي الأصلي لا يبحث له عن علة. نقول لماذا الله لم يوجب الوتر؟ نقول الله عز وجل لم يرد أن يوجب الوتر، نقطة. عدم الوجوب، لماذا لم نقل أن الوتر واجبة؟ نقول لعدم الموجب. عدم الموجب ليس علة؛ هو إخبار أنه لا يوجد نص شرعي يثبت، ففي الحقيقة هو ليس علة بالمفهوم الشرعي. العلة الشرعية هي علة تثبت عند وجود حكم شرعي.
إذا وجد حكم شرعي، خطاب من الله، أبدأ أبحث عن علة شرعية. ما وجد حكم شرعي، بقي الأمر على البراءة الأصلية على النفي الأصلي، بالتالي نقول النفي الأصلي لا يوجد له علة، لا يعلل النفي الأصلي. تمام؟ طيب، بما أنه أيها الأحبة عدم الأصل أو النفي الأصلي أقول كما لا تعلل، لا يوجد لها علة، فكيف سأعديها من الأصل إلى الفرع؟ هون المشكلة، صح؟
أنه نحن الآن إيش القياس؟ مش هو إلحاق فرع بأصل في الحكم بجامع بينهما؟ الحكم الآن من عنا عدمي صح؟ مش وجودي. الحكم عنا عدم، عدم التكليف أو براءة الذمة أو النفي الأصلي، ترى كلها عبارات لنفس الشيء، لا فرق بين النفي الأصلي والبراءة الأصلية والعدم الأصلي، كلها نفس الشيء ما في فرق تماماً. العقل يدل على براءة الذمة، على نفي التكليف حتى يأتي النص المكلف.
الآن كيف سأعدي هذه براءة الذمة من الأصل إلى الفرع؟ إذا كانت لا توجد علة لحكم الأصل، أو لا توجد علة لعدم الحكم بالعبارة الدقيقة، لا توجد علة أصلية لانعدام الحكم حتى تدلنا على التعدية، لأن لا يوجد لها علة، لا تعلل. فكيف سألحق الفرع بالأصل؟ نقول هنا سنذهب إلى استخدام قياس الدلالة.
طب أي نوع من أنواع قياس الدلالة هنا أيها الأحبة؟ سأعرف قياس الدلالة بمصطلح خاص ذكره الغزالي. اكتبوا عندكم ماذا يريدون بقياس هنا في هذا الموضع. يقول الغزالي: نستطيع أن نلحق الفرع بالأصل في البراءة الأصلية من خلال قياس الدلالة، وقياس الدلالة يراد به في هذا الموضع: أن يستدل بانتفاء الحكم على انتفائه عن نظيره. أيضاً هذه مختصرة أكثر: أن يستدل بانتفاء الحكم على انتفاء نظيره. قال: هذا قياس يسمى نوعاً من أنواع قياس الدلالة، هذا في الحقيقة يجوز أن يستخدم في هذه الحالة لإلحاق الفرع بالأصل في النفي الأصلي.
أستدل بماذا؟ بانتفاء الحكم على انتفائه عن نظيره. ما مثال ذلك أيها الأحبة؟ أعطي مثالاً على السبورة، أذهب إلى السبورة حأتوقف من المثال السابق، ابني عليه. الآن أنا قلت لكم هذا هو الأصل عندي.
هذه الفكرة وأختم إن شاء الله. الأصل صلاة الوتر والفرع صلاة الضحى. والفرع عندي صلاة الضحى، أنا الآن أريد أن أثبت أن هذه الصلاة ليست واجبة وباقية على النفي الأصلي. الآن عندي منهجان لإثبات عدم وجوب صلاة الضحى. المنهج الأول: أني أستخدم الدليل العقلي، أني قلت العقل يدل على النفي الأصلي عن صلاة الضحى، وإن الذمة بريئة من وجوبها حتى يأتينا خطاب من الشرع يوجب علينا، فالعقل يدل على عدم وجوبها لعدم وجود النص المكلف.
فاستطيع أن استخدم هذا المنهج وهذا مريح أكثر. طب شخص قال: يا شيخ أنا بدي استخدم القياس لإثبات أن صلاة الضحى باقية على النفي الأصلي، قلنا ماذا ستفعل؟ قال أقيس صلاة الضحى على صلاة الوتر، تقيس الفرع صلاة الضحى على صلاة الوتر، كيف ذلك؟ قال: صلاة الضحى ايش حكمها من حيث الوجوب وعدمه؟ هي باقية على النفي الأصلي، عدم وجوب صلاة الوتر، هذا عدم الوجوب أعديه إلى ماذا؟ إلى الفرع، فنقول صلاة الضحى ليست بواجبة قياساً على صلاة الوتر.
قال: كيف ذلك؟ قالوا نستدل بانتفاء الحكم عن الشيء بانتفائه عن نظيره، استخدمنا قياساً يسمى قياس دلالة، قياس الدلالة لا يحتاج إلى ذكر جامع، هل أنت في ذكر علة شرعية؟ لا، استدللت بانتفاء الحكم عن شيء بانتفائه عن نظيره، استدللت بانتفاء الحكم عن صلاة الوتر بانتفائه عن صلاة الضحى، فهذا يسمى قياساً، قياس ضعيف طبعاً، اسمه قياس الدلالة، أن تستدل بانتفاء الحكم عن الشيء بانتفائه عن نظيره من غير تعرض إلى ذكر العلة الجامعة.
فأقول صلاة الضحى من حيث الوجوب وعدم الوجوب باقية على النفي الأصلي قياساً على صلاة الوتر. ايش العلة الجامعة؟ ما عندنا علة جامعة، وإنما يسمى الاستدلال بانتفاء الحكم عن الشيء على انتفائه عن نظيره، صلاة الضحى هي نظيرة لصلاة الوتر، استدللت بانتفائه عن صلاة الوتر على انتفائه عن صلاة الضحى، من غير حاجة إلى ذكر علة جامعة بينهما، وهذا كما تلاحظ أنه ليس بذاك القياس القوي لكنه مقبول عند الأصوليين.
الآن أيها الأحبة البعض قد يزل به، يقول يعني أنا أريد أن أذكر جامع، وقد يكون هذا يساعد الطالب على تصور الأمر أكثر وأكثر. لو قال: أقيس صلاة الضحى على صلاة الوتر في عدم الوجوب لعدم الموجب في كليهما، هل هذا مقبول؟ نقول: لو كان لعدم الموجب في كليهما نقول مقبول وصحيح. ولكن هل قوله لعدم الموجب في كليهما علامة؟ ليس علة، لأنه عدم الموجب ليس علة لانتفاء الحكم.
يعني هل البراءة الأصلية علتها عدم الموجب؟ وإلا أنا فقط بالأخبار؟ لو تفهموا هذه يعتمد على فهم الطالب للأدلة. العلة هي الباعثة على تشريع حكم، هل عدم الموجب هو الباعث على البراءة الأصلية؟ في الحقيقة لا، عدم الموجب هو عدم وجود نص، ليس هو الذي من أجله بعث على النفي عن البراءة الأصلية، وإنما هو مخبر ومؤشر على البراءة الأصلية فقط، لكن ليس العلة الباعثة. العلة الشرعية باعثة.
يقول الخمر لماذا حرّمت؟ ما العلة؟ الإسكار، يعني الإسكار وصف مناسب، هو الذي جعل الخمر محرماً. التمر لماذا يجري فيه الربا؟ للكيل أو الطعمية أو كذا، هذه الأوصاف هي المؤثرة، هي التي جعلت هذا الشيء حكمه كذا. الآن صلاة الوتر حكمها باقية على البراءة الأصلية ليست بواجبة، لماذا هي ليست بواجبة؟ لا تستطيع أن تأتيني بعلة هي الباعثة على هذا.
البعض يقول ماذا؟ يقول العلة هي عدم إرادة الله سبحانه وتعالى الإيجاب، يحيل العلة على الإرادة، أن الله عز وجل لم يرد إيجاب هذه العلة. فنقول: الغزالي -لا أريد أن أقحمك في النقاشات العقلية- رد على التعليل بهذه العلة، وبين أنها علة غير صحيحة، أن الله لم يرد، هذه هي العلة، قال هذا ليس بصحيح، وبين ذلك في المستصفى لمن أراد أن يعود إليه.
يعني ليس علة، إحالة عدم وجوب الوتر إلى عدم الإرادة لا يسمى علة بالمعنى الصحيح العقلي، العلة هي الباعثة على التشريع، بحيث إذا انتفت ينتفي الحكم وإذا وجدت يوجد الحكم، هذه مفهوم العلة. بالتالي عندما نقول لماذا صلاة الوتر ليست بواجبة وباقية على النفي الأصلي؟ ليست العلة وعدم المقتضي، عدم المقتضي هو يخبرنا ليست بواجبة، إخبار، ولكن ليس هو الذي اقتضى أو الذي بعث إلى عدم وجوبها أبداً.
فبالتالي نعود فنقول: لو قال قائل صلاة الضحى أقيسها على الوتر في الحكم، في عدم الحكم، يعني في انتفاء الحكم في كليهما وهو حكم الوجوب، انتفاء حكم الوجوب عن كليهما بجامع عدم المقتضي، أقول مقبول، نقول بجامع عدم المقتضي، لكن أريدك أن تدرك قضية أنه هذا الجامع الذي ذكرته ليس علة.
واضحة القضية؟ هذا الجامع الذي ذكرته هو عدم المقتضي، هذا ليس علة وإنما تستطيع أن تقول إخبار، إخبار. ولماذا الله عز وجل لم يوجب الوتر؟ نقول ما عندنا فيها نص شرعي يقتضي ذلك، والعقل يقول: إن كل مسألة لم يأتِ فيها نص شرعي أو مقتضى لحكم لها، فباقية على النفي الأصلي. فهذا ليس العلة بالمفهوم الأصولي. كلما فهم الطالب مفهوم العلة، وأنها هي الباعثة على الحكم، وأنها بوجودها يوجد الحكم وبانتفائها ينتفي الحكم، كلما تصوّر الكلام الذي أقوله الآن تماماً.
العلة الباعثة على الحكم هي التي من أجلها شرع الحكم، وهنا البراءة الأصلية، النفي الأصلي، ليس العلة لها وجود المقتضي أو عدم وجود الموجب، ليس هذا هو العلة، وإنما هذا إخبار أن هذا الأمر باقٍ على دليل العقل، باقٍ على البراءة الأصلية وعلى النفي الأصلي، والعقل يحلل هذا التأمين.
والسبب في ذلك أنه ما جاء مقتضٍ لوجوبها، حينما نقول السبب في ذلك عدم وجود مقتضٍ، هنا الطالب يبدأ بتخيّل أن الشيخ يقول: إنه هذا الحكم لماذا لم يوجب؟ السبب في ذلك عدم وجود المقتضي. طيب خلص هذه العلة، عدم وجود المقتضي. أنا عدم وجود المقتضي أفسّر به، باختصار ولا أعلّل به، انتهى، أنا أفسّر تفسيراً وليس علة.
وإن شاء الله كلما تمكّن مفهوم العلة في قلبك وعقلك ستدرك ماذا أقول، أن هنا عدم المقتضي هو مفسِّر وليس علة، ليه؟ لأن الوتر ليست واجبة وباقية على النفي الأصلي. تمام؟ فإذاً أيها الأحبة، حاولت أن أقرب لكم الصورة، الإمكان أن الحكم هو الوصف المقصود بالإلحاق. إذا كان حكماً شرعياً، يعني خطاباً من الشارع بإيجاب أو ندب، هذا لا إشكال فيه، هذا هو الأصل في الحكم الذي يتعدى من الأصل إلى الفرع في القياس، وهذا يستخدم معه جميع أنواع القياس، أما إذا كان ما سأعديه من الأصل إلى الفرع هو عدم الحكم الشرعي، الذي هو بين قوسين البراءة الأصلية، الذي هو النفي الأصلي، في هذه الحالة لا يجوز أن أستخدم قياس العلة.
لماذا لا أدرسه قياس علة؟ لأنه قياس العلة يعتمد على وجود علة في حكم الأصل موجودة في الفرع، من أجلها قمت بتعدية حكم الأصل إلى الفرع، وهنا في فرض المسألة التي عندنا وصورة المسألة، أن الأصل ماذا سأعدّي منه إلى الفرع؟ سأعدّي منه عدم الحكم، سأعدّي البراءة الأصلية، والبراءة الأصلية ليست لها علة توجبها، بالتالي لا يمكن قياس العلة، لأنه قياس العلة قائم على وجود علة، تمام؟ طب ماذا سأستخدم؟ قياس الدلالة.
ماذا تريد بقياس الدلالة في هذا المقام؟ الاستدلال بانتفاء الحكم عن الشيء على انتفائه عن نظيره، فاستدللت بانتفاء وجوب صلاة الوتر على انتفائه عن صلاة الضحى، فاستدللت بانتفاء الحكم عن الشيء على انتفائه عن نظيره. طيب لو قلت يا شيخ: أعطني جامعاً حتى أفهم ما سبب هذا الانتفاء موجود؟ نقول سبب هذا الانتفاء عدم وجود المقتضي في كليهما. عدم وجود المقتضي هل هو علة؟ طب جامع؟ نقول لا، هو مفسِّر، هو نوع من التفسير. لذلك قال: الحكم هو الوصف المقصود بالإلحاق، فالإثبات هي مشكلة عبارة عبد المؤمن هنا، العبارة في الحقيقة كان بإمكانه أن...
بشكل أوضح بعبارة أسهل لما تكون العبارات مغلقة تجدها عند الطالب غير واضحة. ما معنى الإثبات وركن لكل قياس؟ يمكن أن يستخدم عبارة أوضح في هذا المقام: أنه إذا كان حكم شرعي مثبت، حكم شرعي وجودي الذي هو خطاب من الشارع، فهذا يستخدم في كل الأقسام وما عندنا مشكلة.
أما إذا كان الوصف المقصود بالإلحاق ليس حكماً شرعياً وإنما هو النفي الأصلي، ففي هذه الحالة هل أستطيع أن أستخدم أي قياس معه؟ لا، فقط استخدم قياس الدلالة. ما معنى قياس الدلالة؟ هنا الاستدلال بانتفاء الشيء عن نظيره، قالوا هذا هو القول الراجح عند المحققين.
أقف عند هذه النقطة حتى تظهر الأمور عند الطالب بشكل واضح. وحتى تفهم هذا الباب قل هكذا: الوصف الملحق من الأصل إلى الفرع إما أن يكون حكماً شرعياً وإما أن يكون براءة أصلية.
إذا كان الوصف الملحق من الأصل حكماً شرعياً فهذا يثبت في كل قياس؛ يعني أي قياس يستطيع أن يثبته ويلحق الأصل بالفرع. إذا كان الوصف الملحق براءة أصلية فهذا نستخدم له قياس دلالة فقط. ما معنى قياس الدلالة؟ أن تستدل بانتفاء الحكم عن الشيء على انتفائه عن نظيره بجامع عدم العلة فيهما. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل