دخولتسجيل الدخول

الدرس 44 - باب الاستدلال

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.

حياكم الله أيها الأحبة في مجلس جديد نعقده في شرح كتاب قواعد الأصول ومعاقد الفصول للإمام عبد المؤمن البغدادي رحمة الله تعالى عليه. وقد انتهينا في المسير أيها الأحبة إلى المصدر الأخير من مصادر التشريع التي يتحدث عنها الأصوليون، وهو ما يعرف بالاستدلال.

في المحاضرات التي سبقت تكلمنا عن مصادر التشريع المتفق عليها: الكتاب، والسنة، والإجماع، والاستصحاب على طريق عبد المؤمن البغدادي. ثم انتقلنا للحديث عن مصادر التشريع المختلف فيها مثل الاستحسان والاستصلاح، ثم بعد ذلك ختمنا بالحديث عن القياس، والقياس عده عبد المؤمن البغدادي مأخوذاً من الأدلة المتفق عليها، لم يعتبره دليلاً مستقلاً قائماً بنفسه، بل جعل القياس وكذلك الاستدلال مأخوذاً من الأدلة السمعية المتفق عليها.

لذلك لو ذهبنا إلى الفقرة التي عد فيها عبد المؤمن البغدادي أدلة التشريع المتفق عليها، قال: أصول الأدلة أربعة: الكتاب والسنة والإجماع، وهي سمعية، ويتفرع عنها القياس والاستدلال. ثم قال: والرابع عقلي وهو استصحاب الحال. جعل دليل الاستصحاب هو النوع الرابع من الأدلة المتفق عليها ولكنه عقلي. فلاحظوا حينما تكلم عن مصادر التشريع الأساسية، قال: هي سمعية، ثلاثة سمعية وواحد عقلي؛ والسمعية: كتاب، سنة، إجماع، وهذه السمعية يتفرع عنها القياس والاستدلال.

فأنهينا في المحاضرات السابقة القياس وهو أول شيء يتفرع عن الأدلة السمعية الثلاث؛ لأنه ما بالقياس إلا ويحتاج إلى أصل، والأصل المقيس عليه سيكون ثابتاً بالكتاب أو بالسنة أو بالإجماع، بناء على ما قررناه أنه لا يجوز أن يكون الأصل ثابتاً بالقياس لأنه تطويل لا فائدة منه.

اليوم نذهب إلى المصدر الأخير من المصادر التي يتحدث عنها الأصوليون وهو ما يعرف بالاستدلال. والاستدلال أيها الأحبة مصدر في الحقيقة يجمع تحته أنواعاً عديدة من الأدلة. هل هناك مصدر تشريع مستقل اسمه الاستدلال؟ الطالب الآن يربط كلمة الاستدلال بمعناها العام في أن الاستدلال هو طلب الدليل على الشيء، فجميع مصادر التشريع كتاب وسنة وإجماع وقياس واستصلاح هي أدلة إجمالية، وما يؤخذ منها هي الأدلة التفصيلية التي تنتج الأحكام، فإذاً جميع مصادر التشريع هي أدلة، يستدل بفروعها وتفاصيلها على الأحكام الشرعية، فما معنى قولك هناك مصدر مستقل من مصادر التشريع اسمه الاستدلال؟

أقول: نعم أيها الأحبة، على طالب العلم أن يفرق بين الاستدلال بمعناه العام المتبادر إلى الذهن وهو طلب الدليل على الشيء، وبين الاستدلال بمعناه الخاص. فهناك استدلال بمعنى خاص اصطلح الأصوليون على وضع عنوان لها اسمه الاستدلال. الاستدلال بمعناه الخاص هو مصدر من مصادر التشريع يجمع تحته عدة أنواع كما سيظهر معنا، فهو مصدر يضم تحته مجموعة من الاستلزامات ومجموعة من الأدلة يوظفها الأصوليون والفقهاء للوصول للأحكام الشرعية.

عبد المؤمن البغدادي بدأ فقال: الاستدلال هو ترتيب أمور معلومة يلزم من تسليمها تسليم مطلوب، ثم قال: وصوره كثيرة. لذلك قلت لكم الاستدلال تحته مجموعة من الأدلة، فهو ليس شيئاً واحداً. لكن يهمني الآن تعريف الاستدلال بمعناه الخاص، ففي الحقيقة تتباين عبارات الأصوليين في التعبير عنه، ولا يهمني أن أجمع آراء الأصوليين المتنوعة، يهمني أن أذكر قول عبد المؤمن البغدادي وأبني عليه.

عبد المؤمن البغدادي يرى أن الاستدلال هو القياس المنطقي؛ عرفه بأنه ترتيب مقدمات على صورة معينة بشروط معينة يلزم منها عقلاً أو شرعاً نتيجة معينة. وهذا هو القياس المنطقي الذي سبق أن درسناه، وهذا في الحقيقة يجلي لطالب العلم أهمية دراسة بعض المتون المنطقية حتى يساعده ذلك على فهم كلام الأصوليين في كثير من المباحث.

قال: ترتيب أمور معلومة، والأمور المعلومة هي المقدمات، المقدمة الصغرى والمقدمة الكبرى، ترتيبها على صورة معينة، وقد عرفنا أن القياس المنطقي له نوعان: قياس منطقي اقتراني، وقياس منطقي استثنائي. وعرفنا صورة القياس الاقتراني: مقدمة صغرى ومقدمة كبرى ويوجد حد أوسط، نحذف الحد الأوسط فتنتج عندي النتيجة. وعرفنا صورة القياس الاستثنائي: عبارة عن جملة شرطية بعدها جملة استثنائية ثم بعد ذلك تأتي النتيجة.

المهم إذاً نعود إلى عبد المؤمن، قال: استدلال هو ترتيب أمور معلومة وهي المقدمات، نرتبها بصورة معلومة، يلزم من تسليمها تسليم المطلوب وهو النتيجة، فالنتيجة تسمى مطلوباً قبل إثباتها بالقياس. فإذا رتبت المقدمات بصورة معلومة وكانت هذه المقدمات صحيحة يسلم بها المقابل، فإنه سينتج عقلاً النتيجة المطلوبة، ونحن هنا نقصد نتكلم عن مسائل شرعية فسأقود الإنتاج الشرعي، وإلا هو في النهاية سيستخدم العقل ولا بد.

إذا عرفنا ما هو الاستدلال على طريقة عبد المؤمن وهو القياس المنطقي، قال: وصوره كثيرة. إذن هو الآن يقر أن الاستدلال كمصدر سنستخدمه في إنتاج الأحكام الشرعية ليس شيئاً واحداً بل تحته أنواع تستطيع أن تعد كل نوع منها مصدراً من مصادر التشريع. بعض الأصوليين يوسع مفهوم الاستدلال ويدخل صوراً كثيرة فيه، بل البعض يدخل الاستصحاب ضمن الاستدلال ولا يجعله دليلاً مستقلاً، ويدخل الاستقراء ضمن الاستدلال.

أول صورة من صور الأدلة الاستدلالية قال: البرهان. والبرهان هو أعلى أنواع الأقيسة المنطقية في علم المنطق، لأن البرهان قياس منطقي يتألف من مقدمتين قطعيَّتين، فالنتيجة التي ستنتج ستكون نتيجة قطعية، لذلك يهتم الأصوليون وعلماء الكلام والجدليون بالوصول إلى البرهان لأن البرهان يفحم الخصم تماماً.

لكن البرهان هنا أيها الأحبة لا يظهر لي أنه ينطبق عليه تعريف المناطقة، بل البرهان هنا كما يظهر معنا يشمل القياس المنطقي سواء كانت المقدمات قطعية أو كانت ظنية، فلا يظهر لي أن البرهان هنا على طريقة المناطقة يشترط فيه أن تكون مقدماته قطعية، بل البرهان هنا أعم، فهو يطلق على الأقيسة المنطقية سواء كانت المقدمات قطعية أو كانت ظنية، وسيأتي معنا أمثلة على البراهين تكون المقدمات فيها ظنية.

قال عبد المؤمن: البرهان ثلاثة؛ برهان اعتلال، وبرهان استدلال، وبرهان خُلف. نبدأ بالنوع الأول برهان الاعتلال، وهو قياس بصورة أخرى، وهو نفس القياس الأصولي الذي تعلمناه في المحاضرات السابقة، لكن بصورة أخرى تنتظم من مقدمتين ونتيجة، ومعناه إدخال واحد تحت جملة معلومة، كقولنا: النبيذ مسكر، وكل مسكر حرام، فينتج: النبيذ حرام.

فائدة على الهامش: القياس الأصولي الذي مر معنا الذي هو إلحاق فرع بأصل في الحكم لجامع بينهما يسمى عند المناطقة تمثيلاً ولا يسمونه قياساً، ثم المناطقة يقولون: التمثيل يمكننا أن نرسمه ونجعله على صورة قياس منطقي. والقياس المنطقي كما قلنا نوعان: اقتراني واستثنائي.

القياس الاقتراني عبارة عن مقدمة صغرى تتكون من موضوع كل ليكون حد أصغر وحد أوسط، وعندي بعد ذلك مقدمة كبرى تتكون من حد أوسط وحد أكبر، بعد ذلك تأتي النتيجة بحذف الحد الأوسط، فتكون النتيجة بحذف العنصر المتكرر، فالحد الأصغر هو موضوع النتيجة، والحد الأكبر هو محمول النتيجة.

عملية حذف الحد الأوسط هي في الحقيقة إدخال للحد الأصغر في ضمن الحد الأكبر، فبمجرد أن قلت: العالم متغير، وكل متغير حادث، بحذف كلمة متغير، تكون النتيجة: العالم حادث.

ثم قلت كل متغير حادث. عندما حدثت أنك متغير ماذا فعلت حتى أنتجت الحد الأصغر، وهو كلمة عالم، تحت كلمة حادث؟ فأصبح العالم نوعاً من أنواع الحادث.

إن عملية قيادتي بالحد الأوسط هي لإسقاط الحد الأصغر تحت الحد الأكبر، فأصبحت النتيجة العالم حادث؛ فجعلت العالم -الذي هو موجود في المقدمة الصغرى- فرداً من أفراد الحد الأكبر، وهي كلمة حادث الموجودة في المقدمة الكبرى. وهذا الإدخال كان عن طريق حذف الحد الأوسط. هذا بالنسبة للقياس الاقتراني.

أما القياس الاستثنائي -تذكيراً للطالب الذي درس معنا- ما هو القياس الاستثنائي؟ يكون بالعكس: مقدمة كبرى، ثم مقدمة صغرى، ثم نتيجة. المقدمة الكبرى تكون جملة شرطية، مثل: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: 22]. جملة شرطية فيها تلازم بين جملة الشرط وجواب الشرط. ثم تأتي بعد ذلك المقدمة الصغرى وتسمى الاستثنائية، فتقول: لكن لم تفسدا؛ فتكون النتيجة إذاً: لا توجد آلهة إلا الله.

فالقياس الاستثنائي عكس القياس الاقتراني، وتكون المقدمة الكبرى هي البداية وتكون جملة شرطية فيها تلازم، ثم مقدمة صغرى استثنائية، ثم بعد ذلك تأتي النتيجة. فنقول: لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا. الآن المقدمة الصغرى: لكنهما لم تفسدا، أي السماء والأرض. فتكون النتيجة: إذاً لا يوجد إله إلا الله. طبعاً أيها الأحبة، الجزء الأول من الجملة الشرطية يسمى المقدم، والجزء الثاني اسمه التالي، وأن نفي التالي في هذه الحالة ينتج ثبوت المقدم، إلى آخر ما في هذه الجمل من شروط ذكرت في علم المنطق، ويصعب عليّ أن أبسطها الآن.

هذا هو القياس المنطقي بنوعيه: القياس الاقتراني والقياس الاستثنائي. عندي لمحة سريعة عنه؛ لا يمكن لطالب العلم أن يقفز المراحل. دائماً أقول للإخوة: قفز المراحل وعدم حب قراءة بعض الكتب، أو الإعجاب بأن القلب لا ينشرح إليها، هذا ينبغي ألا يؤثر على حياتك العلمية. هناك أمور قد لا تعجبك، قد لا تحب الخوض فيها، لكن في النهاية يلزمك أن تقرأها حتى تمتلك آلتها، فتعرف ماذا يقول العلماء.

وهذا هو الواقع في علم المنطق، ربما البعض ينفر من هذا العلم لعباراته لأنه يراه غريباً عن أصول الشريعة، لكنه في الحقيقة إذا كان نقياً من كلام الفلاسفة، فإن فيه تدريباً ذهنياً مميزاً للعقل، ومن خلاله تستطيع أن تفهم كلام الأئمة في مصنفاتهم؛ لأن كلامهم امتزج كثيراً بعبارات المناطقة. المهم، إذا عرفنا أن المناطقة يسمون القياس الأصولي "تمثيلاً" ولا يسمونه قياساً، ثم بعد ذلك ماذا يقول المناطقة؟ لاحظوا أنني أتكلم في علم المنطق.

نقول أيها الأحبة، المناطقة يقولون إن التمثيل -الذي هو القياس الأصولي- نستطيع أن نحوله ونرسمه على صورة قياس منطقي اقتراني، وهو النوع الأول من أنواع الأقيسة المنطقية الذي تعلمناه قبل قليل. لاحظوا كيف، ويذمهم الأصوليون في هذا؛ التمثيل -وهو القياس الأصولي- نستطيع أن نرسمه على صورة قياس منطقي اقتراني. كيف ذلك؟ القياس هو التمثيل، وهو أصل وعلة وحكم. مثلاً: نبيذ، خمر، تحريم، إسكار؛ أليس هذا هو القياس الأصولي أيها الأحبة؟

الآن نحن نقول في القياس الأصولي -التمثيل عند المناطقة-: النبيذ محرم كالخمر بجامع الإسكار. هذه الدائرة التي عندنا: النبيذ محرم كالخمر بجامع الإسكار. هكذا كنا نقول في القياس الأصولي عند المناطقة. الآن يقول المناطقة والأصوليون إن القياس الأصولي والتمثيل نستطيع أن ننشره على صورة قياس منطقي اقتراني. كيف؟ قالوا نستطيع أن نقول: النبيذ مسكر، كل مسكر حرام، النتيجة: النبيذ حرام. لاحظوا الآن كيف أعدنا هيكلة القياس الأصولي وحولناه إلى قياس منطقي اقتراني.

أنا كنت أقول في القياس الأصولي: النبيذ محرم قياساً على الخمر بجامع الإسكار. قمت بعملية تفكيك للقياس الأصولي ورسمه ووضعه على صورة قياس منطقي اقتراني، فقلت: النبيذ مسكر -وهذه هي المقدمة الصغرى، لاحظوا هذه مقدمة صغرى- والمقدمة الكبرى: كل مسكر حرام. فجاءت النتيجة بحذف الحد الأوسط: النبيذ حرام.

المقدمة الصغرى نحن في الحقيقة ماذا فعلنا فيها؟ ما فائدتها؟ إثبات وجود العلة في الفرع. هذه المقدمة الصغرى "النبيذ مسكر"، فالمسكر هو العلة، وفي المقدمة الصغرى أنا أثبت وجوده في الفرع، في المسألة النازلة المستجدة. وهذه في الحقيقة هي خطوة ثانية، والخطوة الأولى عقلاً أني أول شيء أريد أن أثبت أن المسكر هو علة التحريم، صح أم لا؟ بعدين أثبت أن هذه العلة موجودة في الفرع. فنقول إذاً: المقدمة الصغرى تثبت وجود العلة في الفرع، والمقدمة الكبرى تثبت علية الإسكار في التحريم.

ففي الواقع العملي أولاً نثبت المقدمة الكبرى، أي نثبت أنها مناط التحريم، ثم بعد ذلك نثبت المقدمة الصغرى؛ لأن النبيذ توجد فيه علة الإسكار. وبحذف الحد الأوسط تكون النتيجة: النبيذ حرام. لذلك الغزالي كان دقيقاً في "شفاء الغليل" حين قال: المقدمة الأولى والمقدمة الصغرى هي المقدمة الثانية. ماذا يقصد الغزالي؟ يقصد أن المقدمة الكبرى هي المقدمة التي ينبغي أن يبحث فيها أولاً وأن تثبت أولاً، أن يثبت أنه كل مسكر حرام. ثم إذا أثبت أنه كل مسكر حرام، تعود إلى المقدمة الصغرى فتثبتها فتبين أن الإسكار موجود في النبيذ، ثم بعد ذلك تحذف الحد الأوسط المتكرر "مسكر" فينتج: النبيذ حرام.

الآن أيها الأحبة، الطالب ينظر فيقول: يا شيخ، أنت الآن قلت إن الأصول قمت بتحليله وتحويله إلى قياس منطقي، ممتاز. الآن ما أركان القياس الأصولي -التمثيل-؟ أصل، فرع، علة، حكم. ممتاز، الآن أريد أن أبحث عن هذه العناصر أين وجدت في داخل هذا؟ فنقول أيها الأحبة: النبيذ كان هو الفرع عندنا في القياس الأصولي، ومسكر كانت هي العلة هنا الحد الأوسط، وحرام كان هو الحكم. فلاحظوا أن القياس الأصولي الآن كل ركن منه موجود في القياس المنطقي الاقتراني؛ موجود الفرع اللي هو النبيذ، وموجود العلة اللي هي الإسكار، وموجود الحرمة، لكن الركن الرابع من أركان القياس الأصولي غير موجود، ما هو الركن الرابع؟ هو الأصل، اللي هو الخمر.

فالقياس الأصولي قِس النبيذ على الخمر في التحريم بعلة الإسكار. فعنده أربعة أركان للقياس الأصولي -التمثيل-، بس في القياس الاقتراني الذي نراه توجد فقط ثلاثة أركان، والركن الرابع اللي هو الأصل محذوف. وجدت الفرع اللي هو النبيذ، ووجدت العلة اللي هي الإسكار، ووجدت الحكم اللي هو التحريم، لكنني لم أجد الأصل المُقاس عليه. فأيش نقول؟ نقول أيها الأحبة في القياس الاقتراني لا نحتاج إلى ذكر الأصل. لماذا؟ يا أهل العقول، لماذا في القياس الاقتراني لا نحتاج إلى ذكر الأصل؟ الدرس اليوم عقلي يحتاج إلى تركيز من المشايخ.

أقول أيها الأحبة: عندي خمر، نبيذ، حكم الخمر التحريم، وعندي علة اللي هي الإسكار. أنا في القياس الأصولي كنت أقيس النبيذ على الخمر في حكم التحريم بجامع وجود الإسكار. الآن أيها الأحبة دعونا نركز في هذا المثال، هذا قياس عندي فيه فرع، وعندي فيه أصل، وحكم موجود في الأصل سأعديه إلى الفرع، وعندي علة. الآن في الحقيقة ما هي الخطوات التي أفعلها في القياس الأصولي؟ أنا في القياس الأصولي أولاً آتي إلى الأصل وهو الخمر، فأنظر ما حكمه؟ التحريم. فأبحث عن علة هذا الحكم، أبحث لماذا الخمر محرم. إذا كان الشارع نص على العلة انتهينا، إذا كانت العلة مجمع عليها ينتهي، طيب إذا أنا استنبطت العلة استنباطاً، فاقول: الخمر محرم، ما هي العلة؟ باستخدام مسلك المناسبة أو باستخدام مسلك السبر والتقسيم؛ المهم وجدت أنه سبب تحريم الخمر هو الإسكار، فقلت الإسكار هو علة تحريم الخمر، الإسكار وصف مناسب لتعليق حكم تحريم الخمر عليه، جميل؟

فأصبحت أقول في القياس الأصولي الآن لما جئت أريد أن أقيس، قلت: عندي فرع نزل نازلة جديدة وهي النبيذ، فقلت: النبيذ محرم قياساً على الخمر بجامع وجود الإسكار في كليهما. هكذا نفعل هذه الخطوات العقلية في القياس الأصولي. الآن في الحقيقة أيها الأحبة، بعد أن وجدت علة حكم الأصل، بعد أن عرفت أن الخمر محرمة وعلة تحريم الخمر هي الإسكار، أنا في الحقيقة لا أحتاج إلى الأصل، لا أحتاج إلى الأصل كعنصر أساسي. لماذا؟ أنا كان يهمني الأصل حتى أعرف ما حكمه وهو التحريم، وما هي علته؟ بعد أن اكتشفت علة حكم الأصل، في الحقيقة أنا لا أحتاج للأصل بحد ذاته.

فبدل أن أقول، لاحظوا كيف سأحول إلى قياس اقتراني: لو قلت النبيذ مسكر فيه العلة، فيه علة حكم الأصل؛ لو قلت كل مسكر حرام، هي في الحقيقة جملة صحيحة صادقة. لماذا؟ لأنه إذا ثبت لي أن الخمر سبب تحريمها أو علة تحريمها أنه مسكر، إذاً بالمنطق والعقل ماذا سنقول؟ سنقول إذاً كل مسكر فهو حرام، أليس كذلك؟ أعيد، إذا قلنا الخمر ما سبب تحريمها؟ ما العلة الباعثة على تحريمها؟ أنها مسكرة، بالتالي فالعقل والمنطق يقول إن كل مسكر سيكون حراماً، ووجدت هذه العلة وهي الإسكار في النبيذ، فالنبيذ مسكر، فستكون النتيجة: النبيذ حرام. فاستغنيت بذكر العلة عن ذكر الأصل وعممت هذه العلة.

وهذه الطريقة أيها الأحبة طريقة منطقية عقلاً؛ أنك في الحقيقة لا تحتاج إلى ذكر الأصل بعد أن عرفت علة حكمه، بعد أن عرفت علة حكم الأصل لا تحتاج إلى الأصل بذاته. فأنت إذا قلت الخمر حرام لأنه مسكر، تستغني عن كلمة خمر وتقول إذاً لماذا حرمنا الخمر؟ ما هي العلة الباعثة؟ لأنها مسكرة، بالتالي منطقياً إذاً الإسكار هو سبب لتحريم الأشياء بشكل عام، فصح قولي: كل مسكر حرام من دون الحاجة إلى ذكر الخمر بحد ذاته. فالخمر هو نموذج ومثال على أمثلة المسكرات، نموذج ظهر فيه تأثير العلة وليس مقصوداً لذاته في الاستدلال، وليس مقصوداً لذاته.

فاستطعت أن أستغني عنه بتعميم العلة فقلت: كل مسكر حرام، ثم بعد ذلك بحذف الحد الأوسط تكون النتيجة: النبيذ حرام. فلذلك أعود الآن إلى عبد المؤمن البغدادي، ننظر ماذا قال. عبد المؤمن البغدادي قال: برهان الاحتجاج هو قياس، يعني قياس أصولي لكنه بصورة جديدة، بصورة أخرى. فأنت هنا إذاً تثبت حكم نازلة أو فرع باستخدام قياس، لكنك لن تستخدم القياس الأصولي بل ستستخدم القياس الاقتراني، وهو بعبارة أخرى القياس الأصولي سنقوم بإعادة تفريغه في صورة قياس اقتراني فقط.

القياس الأصولي سنقوم بإعادة رسمه وتفريغه في صورة قياس اقتراني، بالتالي في الحقيقة هذا الدليل "برهان الاحتجاج" ليس دليلاً جديداً أو مصدراً جديداً من مصادر التشريع، هو نفس القياس الأصولي لكنه يرسم على صورة القياس الاقتراني. وعرفنا أنه حينما يرسم على صورة القياس الاقتراني بمقدمتين ونتيجة، لا نحتاج إلى ذكر الأصل، نحتاج فقط إلى ذكر الفرع، وما توجد في هذا الفرع، ونحتاج إلى ذكر الحكم. نحتاج إلى ذكر فرع وعلة وحكم، ونستغني عن ذكر الأصل الذي كنا نذكره في القياس الأصولي، لا نحتاج إلى ذكره في القياس الاقتراني، لأننا سنكتفي بذكر العلة مرتين، سنكتفي بذكر العلة مرتين على الصورة التي أشرنا بها على السبورة.

فقال عبد المؤمن البغدادي: برهان الاحتجاج هو بصورة أخرى، صورة أخرى للقياس الاقتراني، قياس أكتبه وهو قياس أصولي بصورة أخرى. اكتبوا الصورة؛ هي صورة القياس المنطقي الاقتراني، بحيث تنتظم من مقدمتين ونتيجة، أدعوك يا ومعناه بشكل عام إدخال واحد معين تحت جملة معلومة، معنى هذه الجملة هو إدخال واحد معين تحته جملة معلومة. أنا قلت لكم قبل قليل في القياس الاقتراني كيف يكون الإنتاج؟ أننا نحذف الحد الأوسط المتكرر في المقدمتين، فيدخل الحد الأصغر تحت الحد الأكبر.

الآن أيها الأحبة لما قلت على السبورة: النبيذ مسكر، كل مسكر حرام، بحذف الحد الأوسط وهي كلمة "مسكر"، أقوم بإدخال النبيذ تحت كلمة حرام، وأجعله فرداً من أفراد المحرمات. فالنبيذ مسكر، كل مسكر حرام، يقولون أنت كأنك تدخل المقدمة الصغرى في بطن المقدمة الكبرى وتنتج النتيجة عندك. فالنبيذ مسكر، أنت مسكت هذه المقدمة الصغرى كأنك أدخلتها في ضمن المقدمة الكبرى، كيف تم هذا الإدخال؟ هذا العصر؟ قالوا من خلال حذف الحد الأوسط اللي هو كلمة "مسكر"، غاصت المقدمة الصغرى في المقدمة الكبرى. حذفنا الحد الأوسط وأتينا بالحد الأصغر مع الحد الأكبر اللي هو "النبيذ حرام". إذاً النبيذ مسكر، كل مسكر حرام. هسه كل مسكر حرام جملة كلية، أمسك المقدمة الصغرى وفرغها، أدخلها في هذه المقدمة الكبرى من خلال حذف الحد الأوسط، فكأن العصير الذي ينتج من هذا الإدخال هو أن النبيذ حرام.

لذلك قال: ومعناه هو إدخال واحد معين، في مثالنا ما هو الواحد المعين؟ اللي هو النبيذ، اللي هو الفرع، تدخله تحت جملة معلومة، اللي هي المقدمة الكبرى. فهو معنى كلامي أن المقدمة الصغرى ستدخل في ضمن المقدمة الكبرى، تغوص فيها من خلال حذف الحد الأوسط، بحيث يصبح الحد الأصغر هو فرد من أفراد الحد الأكبر، وتكون النتيجة النبيذ حرام. قال: كقولنا النبيذ مسكر، وكل مسكر حرام، فينتج النبيذ حرام.

اكتفينا بذكر علة الحكم عن ذكر الأصل، سأكتبها لكم سريعاً؛ لماذا استغنينا عن ذكر الأصل؟ ما احتجنا إلا إلى ذكر الفرع -الذي هو النازلة- والعلة والحكم. ولم نحتج إلى ذكر الأصل؛ كانت هنا في دورتنا ملاحظة حتى يكتبها الطلبة، نقول فيها: اكتفينا بذكر علة الحكم عن ذكر الأصل؛ لأن الأصل إذا كان محكوماً عليه بحكمه، فإننا نبحث عن علة هذا الحكم. فإذا عرفنا علة الحكم، نبحث عن وجود العلة في الفرع، فإذا وجدت العلة في الفرع، ثبت لها نفس الحكم الذي للأصل، من دون الحاجة إلى التطرق إلى ذكر الأصل. فلو لم تذكر الأصل في الحقيقة بعد أن اكتشفت علته، فأنت لست مخطئاً. تمام؟ إذاً، هذا هو برهان الاعتلال.

نأخذ صورة أخرى، أذهب إلى السبورة، مثال آخر: كيف نفرغ القياس الأصولي في قياس منطقي؟ هو هذا برهان الاعتلال. الآن في القياس الأصولي كنا نقول: التمر أصل، الحكم تحريم التفاضل، العلة هي الكيل، فأقيس البر عليه. إذاً في القياس الأصولي كنا نقول: البر فيه التفاضل قياساً على التمر بجامع الكيل. فعندنا فرع وأصل وعلة وحكم. ماذا كنا نفعل بطريقة منطقية عقلية مرتبة؟ أولاً: نأتي إلى الأصل وهو التمر، ننظر ما حكمه؟ والله تحريم التفاضل عند بيعه جنسه. فنبحث: لماذا التمر يحرم فيه التفاضل؟ نبدأ نبحث حتى اكتشفنا أن علة تحريم التفاضل في التمر هي الكيل. ممتاز، فينظر هل هذه العلة موجودة في الفرع الذي عندنا وهو البر؟ أي والله موجودة، فنقول: إذاً البر ملحق بالتمر في تحريم التفاضل بجامع الكيل. الآن هذه صورة قياس أصولي، خلينا نحوله لبرهان اعتلال باختصار، دعونا نحوله إلى قياس اقتراني منطقي.

ماذا سنفعل؟ انظر ماذا سنفعل: نقول أيها الأحبة، نأتي بالفرع فنجعله في الحد الأصغر في المقدمة الصغرى للقياس: البر مكيل. لاحظوا، المقدمة الصغرى هي تثبت وجود العلة في الفرع؛ الآن في الأجهزة المنطقية يصير هناك جدال، أنه يأتي الخصم ليقول لك: أثبت أولاً وجود هذه العلة، أنت تقول إن العلة هي الكيل، وافقتك عليها، أثبت لي أن هذه العلة الموجودة في الفرع وهي البر. فعليك أن تثبت ذلك، فالمقدمة الصغرى جاءت لتثبت وجود العلة في الفرع. المقدمة الكبرى كما قلنا هي الأسبق ذهناً، تكون فيها: كل مكيل يحرم فيه التفاضل. بحذف الحد الأوسط وهي كلمة مكيل، ستكون النتيجة: البر يحرم فيه التفاضل. لاحظوا هل احتجت إلى ذكر التمر وهو الأصل في القياس؟ لا، اكتفينا بذكر الفرع والعلة والحكم، ولم أحتج إلى ذكر الأصل. لماذا لا أحتاج إلى ذكر الأصل؟ لأنني عندما عرفت أن التمر يحرم فيه التفاضل لعلة معينة وهي أنه مكيل، بالتالي أحذف الأصل، لا حاجة إليه. استطيع أن أعطي حكماً عاماً، فأقول: إذاً كل مكيل يحرم فيه التفاضل بالعقل والمنطق.

إذا أنا قلت لك التمر لماذا يحرم فيه التفاضل؟ ستقول لي: لأنه مكيل. إذاً منطقياً كل مكيل يحرم فيه التفاضل، لأن التمر ليس له خصوصية بحد ذاته؛ لأنني قلت: هل علة تحريم التفاضل في التمر هو أنه تمر؟ لا، بل قلت لأنه مكيل، فالكيل هي الباعث على التحريم. بالتالي سواء كان في تمر، أو في بر، أو في طحين، أو في شعير؛ الكيل هي علة تحريم التفاضل. فبالتالي أستطيع أن أستغني عن خصوص التمر، وأصيغ قاعدة عامة كاملة، وهي أن كل مكيل يحرم فيه التفاضل. هذه القاعدة العامة هي المقدمة الكبرى، والمقدمة الصغرى كانت تتضمن الفرع الذي أثبت وجود العلة فيه، فقلت: البر مكيل. أدخل هذه المقدمة الصغرى في بطن المقدمة الكبرى من خلال حذف الحد الأوسط، فنحن فعلياً ندخل البر وهو فرد معين تحت جملة المعلومة، فيكون البر فرداً من أفراد ما يحرم فيه التفاضل من خلال عملية الاندماج. فهذا مثال آخر كيف نحول القياس الأصولي إلى قياس اقتراني، ويسميه الأصوليون هنا برهان اعتلال. هكذا انتهيت من بيان النوع الأول من أنواع البراهين وهو برهان الاعتلال، هو إعادة رسم القياس الأصولي على صورة قياس منطقي اقتراني باختصار، لا تحتاج إلى أكثر من ذلك.

نذهب الآن أيها الأحبة إلى النوع الثاني من أنواع البراهين، وهو برهان الاستدلال. ما هو برهان الاستدلال؟ أعود لعبد المؤمن البغدادي، انظر كيف هو برهان الاستدلال حتى نسير معه. برهان الاستدلال هو أن يستدل على الشيء بما ليس موجباً له. في الحقيقة سأعطي تعريفاً أبسط لكم لبرهان الاستدلال، اكتبوا عندكم: برهان الاستدلال هو الاستدلال على ثبوت الحكم في مسألة جديدة نازلة بما ليس بعلة. الآن أيها الأحبة نحن في القياس الأصولي وبرهان الاعتلال السابق، كان القياس الأصولي والاعتلال صورة أخرى، كنا نستدل على ثبوت الحكم في الفرع من خلال وجود علة الأصل في الفرع. أليس كذلك؟ في القياس الأصولي وبرهان الاعتلال، المسألة الجديدة الفرع الجديد الذي عندنا الذي نبحث عن حكمه، كنا نستدل على حكمه من خلال وجود العلة فيه. فانت مثلاً النبيذ كيف استدللت على تحريمه؟ استدللت على أنه محرم بسبب وجود علة التحريم فيه؛ الخمر قلنا محرم، لماذا الخمر محرمة؟ لأنها مسكرة، فعرفت إذاً أن الإسكار علة توجب التحريم في الشراب، فهذه العلة التي ذكرتها في النبيذ فحكمت على النبيذ بأنه محرم.

فإذاً هنا في برهان الاعتلال أنت حكمت على الفرع على النازلة الجديدة بأنها محرمة، بأنها واجبة، بسبب وجود علة موجبة للتحريم. هذا هو الدليل، استخدمت التعليل الموجب للتحريم، أو التعليل الموجب للإباحة، وعلى ذلك فقس. في برهان الاستدلال أنا سأثبت حكماً للفرع، يوجد عندي فرع جديد لم ينص الشارع على حكمه، سأثبت حكماً له بواسطة دليل، لكن هذا الدليل في الحقيقة ليس هو العلة. في القياس الأصولي وبرهان الاعتلال يستدل على ثبوت الحكم في الفرع -النازلة الجديدة- بواسطة وجود العلة في هذا الفرع. فأنت مثلاً هنا قبل قليل البر، كيف عرفت أنه يحرم التفاضل فيه؟ استدللت بوجود الكيلية فيه، والكيلية هي العلة التي اقتضت التحريم في الأصل وهو التمر، لما وجدت هذه العلة في البر حكمنا على هذا الفرع بأنه يحرم التفاضل فيه. بينما في برهان الاستدلال أنا أستدل على وجود الحكم في الفرع الجديد في المسألة الجديدة، لكن هذا لا يكون بواسطة علة، بل يكون بواسطة إما الاستدلال على وجود الحكم للشيء بواسطة خاصيته، أو الاستدلال على وجود حكم لشيء بواسطة النتيجة، أو الاستدلال الدال على حكم الشيء بواسطة نظيره. فهذا يسمى برهان الاستدلال.

برهان الاستدلال هو نوع من أنواع البراهين، والبراهين هي نوع من الاستدلال، فلاحظوا كلمة الاستدلال مرت معنا اليوم أكثر من مرة. الاستدلال هو اسم للأصل العام، تحته عدة أنواع، من النوع الأول البرهان، البرهان هناك برهان اعتلال، وهناك برهان استدلال، وهناك برهان خلف. أخذنا برهان الاعتلال وعرفنا أنه القياس الأصولي لكن يعاد تشكيله على صورة قياس اقتراني. الآن ننطلق لبرهان الاستدلال، هو إثبات حكم للمسألة الجديدة للفرع الجديد لكن بما ليس علة، أن تستدل وتثبت حكم فرع جديد لكن ليس بواسطة علة، بينما القياس الأصولي وبرهان الاعتلال أن تثبت حكم الفرع الجديد بواسطة العلة. فلذلك قال في برهان الاستدلال: أن يستدل على الشيء بما ليس موجباً له، أي بما ليس علة. لا تنس، تستدل على شيء لكن دليلك الذي استخدمته ليس هو موجب، ليس هو علة الحكم، لذلك قلنا هو الاستدلال على ثبوت الحكم في المسألة بما ليس بعلة.

طيب ما صور براهين الاستدلال؟ برهان الاستدلال أيها الأحبة له ثلاث صور، إما أن تستدل بخاصية الشيء على الشيء، أو تستدل بنتيجة الشيء على الشيء، أو تستدل بنظير الشيء على الشيء. فنقول: لو ذهبنا إلى السبورة لرسمنا ونقول برهان الاستدلال ثلاثة أنواع: أن تستدل على حكم مسألة بواسطة الخاصية، أن تستدل على حكم المسألة بواسطة النتيجة، أن تستدل على حكم المسألة بواسطة النظير. إذاً برهان الاستدلال إما بواسطة خاصية، أو بواسطة النتيجة، أو بواسطة النظير. طيب نعود إلى عبد المؤمن، دائماً نرتب الأفكار في المسائل العقلية حتى لا نضيع. الأولى: قال برهان الاستدلال هو أن يستدل على الشيء بما ليس موجباً له، كيف يا عبد المؤمن؟ قال: إما بخاصيته، الحالة الأولى أن تستدل على حكم المسألة بواسطة الخاصية. ما معنى هذا الكلام؟ يقولون أيها الأحبة افهموا جيداً وحاولوا أن تكتبوا وتلخصوا ما تسمعون. يقولون: وجود خاصية الشيء باختصار ما هي الخاصية؟ خاصية الشيء هي الصفة الملازمة للشيء التي لا تنفك عنه، هذه تسمى خاصية الشيء. مش يقولون: والله من خواص هذه المادة كذا وكذا، خاصية الشيء هي صفة موجودة في الشيء لا تنفك عنه، فيكون الأصوليون وجود خاصية الشيء هو دليل على وجود الشيء.

يعني هذا الشيء مش عارف أنه موجود ولا لا، لكني وجدت خاصيته، أليس هذا دليلاً على وجوده؟ فنقول: وجود خاصية الشيء هو دليل على وجود الشيء، لماذا؟ لأن الخاصية هي الصفة الملازمة للشيء، والقاعدة تقول: إذا وجدت صفة ملازمة لشيء، فهذا دليل على وجود هذا الشيء، واضحة عندكم الفكرة هذه؟ إذاً وجود الخاصية دليل على وجود الشيء، لأن الخاصية -ما معنى الخاصية؟- خاصية الشيء هي الصفة الملازمة للشيء، فيقولون إذا وجدت الصفة الملازمة للشيء، إذاً وجد الشيء. نقول: الإنسان من خاصيته مثلاً أنه يضحك ويكتب، قالوا لا يكتب أحسن، أنه يكتب. الآن لو وجدنا كائناً جديداً، وجدنا كائناً مش عارف هو إنسان ولا مش إنسان، لكنه كان يكتب. نشكر كائناً جديداً، بدناش نبعد كثيراً في الأمثلة، لو أنت مثلاً سمعت صوتاً في غرفة، أنت في غرفة أخرى وسمعت صوتاً في غرفة، صوت شيء يخرخش. فأنت مش عارف هذه الغرفة والله فيها إنسان ولا فيها أسد ولا فيها حصان، مش عارف أنت ما هو الكائن الموجود داخل هذه الغرفة. بعد ساعة ساعتين ذهب هذا الصوت، فأنت ذهبت إلى الغرفة فوجدت كلمات مكتوبة على الحيطان، ووجدت كلمات مكتوبة على الجدران، وعلى الطاولة، وعلى السبورة.

الآن وجود هذه الكلمات -كانت منفرداً أنت دخلت عليّ بعد خروج هذا الكائن منها- فوجدت فيها أشياء مكتوبة. الآن هذه الأشياء المكتوبة هي تدل على أن الكائن الحي الذي كان موجوداً في هذه الغرفة ما هو؟ إنسان، صح؟ مستحيل يكون، بعقلك رح تفكر أنه هذه الغرفة مستحيل يكون فيها أسد أو حصان أو ثور أو ما شابه ذلك. ليه؟ لأنه هنا في هذه الغرفة وجدت كتابة، كتابة، هذه من خواص ما هو الكائن الذي يختص بالكتابة؟ الصفة الملازمة له الكتابة؛ الإنسان، فهذه الخاصية التي هي الكتابة لا توجد إلا في الإنسان. فلما دخلت الغرفة وجدت هذه الخاصية، هذه الصفة هي كتابة موجودة، استدللت بذلك على وجود صاحب هذه الخاصية الذي هو الإنسان، لأنه كيف ستوجد الخاصية من دون وجود صاحبها؟ فهذه طريقة عقلية صحيحة في وجود خاصية الشيء، وجود صفة الشيء الملازمة له. طبعاً كلمة خاصية أدق من كلمة صفة، لأن خاصية معناها صفة ملازمة مش أي صفة، وجود خاصية الشيء، وصفة ملازمة للشيء، طبعاً أكثر وأكثر؛ خاصية الشيء هي صفة ملازمة للشيء ولا توجد في غيره، خاصية الشيء هي صفة ملازمة للشيء ولا توجد في غيره. ممكن تكون صفة ملازمة لشيء لكنها توجد أيضاً في غيره. فلو كانت الكتابة توجد في الإنسان وفي الأسد، لو دخلت على غرفة ووجدت كتابة ممكن أتحير، أو ممكن يكون أسد، ممكن يكون إنسان.

فخاصية الشيء، فكأنه هو هنا يستخدم مصطلح الخاصة الذي يستخدمه المناطقة وهو أحد الكليات الخمس، الخاصة ما يوجد من حقيقة واحدة، صفة توجد ضمن حقيقة واحدة ولا توجد في غيرها، لكنها خارجة عن الذاتيات كما تعلمنا. فالمهم خاصية الشيء صفة ملازمة للشيء لا توجد في غيره، فاستدل بوجود خاصية الشيء على وجود هذا الشيء. تمام؟ هذه الفلسفة العامة لفكرة الخاصية، طب إيش الفقه استخدام هذا المبدأ في العلوم الفقهية؟ يقولون كالاستدلال على نفاذية الوتر بجواز الفعل هي على الرأي، الآن أيها الأحبة صلاة الوتر، نبدأ بصلاة الوتر، صلاة الوتر هذا فرع، مسألة لا نعلم حكمها، هي فرض أو هي نفي؟ في خلاف لسنا مدركين ايش حكم صلاة الوتر، هل هي فرض؟

أو هي نافلة، لكن وجدنا في صلاة الوتر خاصية من خواص النفل. وجدنا في صلاة الوتر خاصية من خواص النفل، ما هي؟ وجدنا أنه يجوز أن تصلى صلاة الوتر على الراحلة. وهذه القضية وهي جواز الصلاة على الراحلة هي خاصية من خواص النفل، لا توجد في الفرض؛ فالفرض لا يجوز أن يصلى على الراحلة. فإذا وجدت هذه الخاصية في صلاة الوتر، وهي جواز أداؤها على الراحلة، استدللنا بذلك على وجود صاحب الخاصية في صلاة الوتر.

من هو صاحب الخاصية؟ هو النفل. فاستدللنا بالتالي على أن صلاة الوتر نفل، ولا تقيسوا هذا على الغرفة؛ فأنا لما دخلت الغرفة ووجدت فيها الكتابة، والكتابة من خاصية الإنسان، عرفت إذاً أنه كان هنا إنسان. هناك إنسان كان موجوداً في هذه الغرفة. بنفس التفكير في صلاة الوتر، الله تعالى أعلم، لا نريد أن نستخدم قياساً أصولياً، بل نريد أن نستخدم برهان استدلال بمعرفة خواص الحكم. نقول: صلاة الوتر يجوز أن تؤدى على الراحلة، صح؟ وأداء الصلاة على الراحلة من خواص صلاة النفل، فاستدللنا إذاً بوجود هذه الخاصية في الوتر على وجود صاحب هذه الخاصية، وهو النفل، فالنفل موجود في الوتر. إذاً، صلاة الوتر نفل وليست فرضاً.

الآن يا شيخ، أنتم تقولون إن برهان الاستدلال في النهاية هو نوع من أنواع البراهين، والبراهين نوع من أنواع الاستدلال، والاستدلال عند عبد المؤمن يرى أنه قياس منطقي، هل ممكن ترتب لي هذه الأفكار في صورة قياس منطقي؟ أقول: ممكن. كيف سنرتب هذه الأفكار في صورة قياس منطقي؟ أقول: صلاة الوتر تؤدى على الراحلة، وكل صلاة تؤدى على الراحلة فهي نفل. وبحذف الحد الأوسط "تؤدى على الراحلة"، تكون النتيجة: صلاة الوتر نفل. لاحظ إذاً، هو فعلاً صدق عبد المؤمن البغدادي في ترتيب مقدمات الوصول إلى نتيجة.

لكن لاحظوا أيها الأحبة هذه الملاحظة: أن "كل صلاة تؤدى على الراحلة فهي نفل"، هذه خاصية من خواص النفل. وأنت حتى تثبت أن كون الصلاة تؤدى على الراحلة خاصية من خواص النفل، تحتاج للذهاب إلى استقراء نصوص الشريعة؛ فأنت تستقرئ نصوص الشريعة أو تبحث في السنة النبوية، فتثبت عندك هذه الخاصية. نحن عندنا حديث نبوي يقول فيه الصحابي إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي النوافل على الراحلة. هذا الحديث هو الذي أثبت لي هذه الخاصية للنفل، وأثبت أن الصلاة التي تؤدى على الراحلة هي النوافل فقط.

فكون الصلاة تؤدى على الراحلة من خواص النفل، هذا ثبت بالسنة، ثم وجدت هذه الخاصية في صلاة الوتر؛ فقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى وتراً على الراحلة. لما وجدت هذه الخاصية في صلاة الوتر، عرفنا أن صاحب هذه الخاصية موجود في الوتر، وصاحب هذه الخاصية هو النفل، فعرفنا أن النفل موجود في الوتر، فبالتالي الوتر صلاة نفل، وهذا نوع من أنواع الاستدلال.

لاحظوا أيها الأحبة، ما الفرق بينه وبين الاستدلال بالعلة؟ في قولنا: النبيذ مسكر، وكل مسكر حرام، إذاً النبيذ حرام. هنا الإسكار كان علة تحريم، ووجدت هذه العلة في الفرع "النبيذ"، فحكمت أن النبيذ حرام. فأنا هنا استدللت على تحريم النبيذ بواسطة العلة الموجبة لهذا الحكم. بينما في صلاة الوتر، كيف استدللت على أن الوتر نفل؟ هل بواسطة علة موجبة لهذا الحكم؟ لا، لأن كون الصلاة تؤدى على الراحلة ليس علة لنفليتها.

فلو أنا قلت لك في علة تحريم شرب هذا الشراب: "إنه مسكر"، فهذا وصف مناسب ليجعل علة في التحريم. لكن أن الصلاة تؤدى على الراحلة، فليس وصفاً مناسباً لتعليم نفليتها؛ هو ليس علة، لكنه خاصية من خواص النفل. عبارة دقيقة: كون الصلاة تؤدى على الراحلة ليس علة نفلية، وإنما هو خاصية من صفات النفلية، لكنها ليست علة. استدللت بوجود هذه الخاصية في الفرع لإثبات حكم لهذا الفرع؛ فأنا هنا لم أستدل بعلة توجب أن تكون صلاة الوتر نفلاً، بل استدللت بخاصية من خواص النفل على أنه صلاة الوتر نفل.

فلاحظ الفرق: أنا هنا في النبيذ استدللت على أنه حرام بعلة توجب أنه محرم، وهي الإسكار، بينما في صلاة الوتر استدللت على أنها نفل ليس بعلة توجب ذلك، بل بخاصية من خواص النفل استدللت على وجود النفل فيه. فلذلك صدق كلام عبد المؤمن أن برهان الاستدلال أن تستدل على حكم الشيء ليس بعلة موجبة له، بل إما بخاصية كما مثلنا أولاً. ثم الآن ننتقل إلى صورة أخرى من صور برهان الاستدلال: أن تستدل بنتيجة الشيء على وجود الشيء.

الصورة الثانية هي أن تستدل بوجود نتيجة الشيء على وجود الشيء. أنت الآن أيها الحبيب لو رأيت أثر حافر على الأرض، وجود أثر حافر البعير على الأرض هو دليل على وجود بعير مر من هنا، أليس كذلك؟ فأنا استدللت بأثر البعير على وجود بعير مر من هنا. أثر الشيء يدل على الشيء، ونتيجة الشيء تدل على الشيء، كما تشاء. نتيجة الشيء أو أثر الشيء يدل على الشيء، على وجوده.

كيف سنوظف هذه القاعدة العقلية؟ نحن الآن نوظف قواعد عقلية في استنباط أحكام شرعية، هذا الذي نبحثه في برهان الاستدلال، ولذلك تجدونه صعباً ربما؛ لأنه توظيف للقواعد العقلية في إنتاج أحكام شرعية. كيف استدللت بخاصية النفل على وجود النفل في الوتر؟ هذه قاعدة عقلية منطقية: "إذا وجدت صفة شيء في محله، فهذا يدل على وجود الشيء في المحل". هذه كانت الطريقة الأولى، الاستدلال بالخاصية.

الآن طريقة أخرى قريبة منها، لكن تسمى الاستدلال بنتيجة الشيء على الشيء: أن تستدل بوجود نتيجة الشيء في محل على وجود الشيء في هذا المحل. كما قلنا: إذا وجدت أثر بعير في بيت، فهذا يدل على أنه كان يوجد هنا شاة أو بعير. فتستدل بوجود نتيجة الشيء في محل على وجود هذا الشيء في هذا المحل. ما طريقتها في الأحكام الفقهية؟ قال مثلاً: "لو صح البيع لأفاد الملك، وقد أفاد الملك، إذاً البيع صحيح".

كانوا ماذا سيقولون؟ لاحظوا كيف الاستدلال بوجود نتيجة الشيء في محل على وجود هذا الشيء: نقول: لو صح البيع لأفاد الملك، لكنه أفاد الملك، إذاً البيع صحيح. هكذا يقول الفقيه؛ يقول: لو صح هذا البيع الذي وقع بين فلان وفلان لأفاد الملك. الآن شرعاً، هل أفاد الملك؟ يقول: نعم، شرعاً هذا البيع أثمر لهما الملك، إذاً نقول: هذا عقد أفاد الملك، وبما أنه أفاد الملك، إذاً وجدت النتيجة، ووجود النتيجة "الملك" في المحل هو دليل عقلي على وجود الشيء في المحل، أي دليل على صحة العقد.

جاء العقل والمنطق الصحيح ووافق عليه؛ لأن صحة البيع نتيجتها إفادة الملك، فإذا وجدنا عقداً الشريعة رتبت عليه إفادة الملك، فهذا دليل إذاً على وجود صحة العقد. هذا كيف نستدل فيه؟ النبي صلى الله عليه وسلم رتب لأحد الصحابة ملك بعير بعقد ما، وبائعه لهذا البعير أخذ الثمن، إذاً النبي صلى الله عليه وسلم رتب نتائج العقد عليه، فهذا دليل ومؤشر منه صلى الله عليه وسلم على صحة هذا العقد.

هذه الطريقة العقلية التي يفكر بها الأصوليون، فيقول: لو صح هذا التصرف لأفاد الملك ولأفاد آثاره. طيب هل أفاد الملك في الواقع الخارجي؟ نعم، أفاد الملك. بما أنه أفاد الملك، إذاً هذا يدل أيها الأحبة على وجود الأصل وصحة البيع في هذا الموضع. فبالتالي أنا هنا استدللت بوجود نتيجة الشيء على وجود الشيء.

لكن ماذا عليك أنت؟ يبقى عليك أولاً أخي الكريم أن تثبت هذا التلازم؛ يقول المناطقة: أولاً عليك أن تثبت وجود تلازم بين صحة البيع وإفادته للملك، فنقول: نعم، الشريعة أثبتت لنا هذا التلازم. ثم تثبت وقوع النتيجة فعلاً، وإذا أثبت وقوع النتيجة فعلاً وأثبت التلازم عقلاً، تكون النتيجة صحيحة.

أما إذا كان التلازم خاطئاً، لو كان أصلاً التلازم خاطئاً، ولو كانت صحة البيع لا يلزم منها حصول هذه النتيجة، فحتى لو كانت النتيجة حاصلة وواقعة، فإنها لا تثمر صحة الشيء؛ لأنك في التلازم ابتداءً أخطأت في تحديد نتيجة الشيء. فهذا يسمى برهان استدلال باستخدام النتيجة، أن تستدل على صحة شيء أو على حكم شيء من خلال وجود نتيجته.

فالآن لو أنا سألتك: هل ثبتت صحة البيع من خلال هذا القياس؟ هل العلة هي أن البيع يفيد التملك؟ لا، ليست هي العلة، لكني استخدمت "إفادة التملك" وسيلة لإثبات صحة البيع وإن لم تكن هي العلة الحقيقية. العلة الحقيقية هي استكمال شروطه كاملة. فأنت هنا استدللت على صحة البيع من خلال وجود نتيجته؛ استدللت بوجود هذا الحكم.

فأنت فعلاً في براهين الاستدلال تستدل على حكم الشيء ولكن من دون ذكر العلة الموجبة له؛ تستدل بواسطة طرق بعيدة، إما من خلال وجود الخاصية أو من خلال النتيجة. ونذهب الآن إلى الصورة الثالثة والأخيرة من صور براهين الاستدلال، وهي أن تستدل على الشيء بنظيره. ماذا يقول أهل العقل؟ ماذا يقول العقلاء الآن؟ يقولون: إذا كان هناك شيء...

نقول إذا كان عندنا شيئان ونظيران، والتشابه والتناظر لا يقصد به هنا أن يكونا متماثلين تمامًا، بل المراد أن يكونا متبادلين بالإضافة إلى شيء معين. سأذكر لها الأمثلة، لكن أنا الآن أريد أن أعطيك القاعدة العقلية التي نفكر بها، فإذا وجد عندنا شيئان متماثلان متناظران بالنسبة إلى شيء معين، وثبت لأحد هذين المتناظرين حكم، وهذا الحكم هو نتيجة للشيء المعين الذي يشترك فيه هذان الشيئان، فهذا الحكم بالتالي يجب أن يثبت لنظيره.

نرسم الفكرة العقلية، أنا دائماً أقرب للطالب: إذا عندي شيء رقم واحد وشيء رقم اثنين متشابهان بالنسبة لزاوية معينة في أمر معين هما متشابهان فيه، فيقول العقل والمنطق إنه إذا ثبت حكم للشيء رقم واحد، وهذا الحكم هو من آثار هذه الزاوية، فالمنطق والعقل يقول: يجب أن يكون هذا الحكم ثابتاً أيضاً للشيء رقم اثنين حتى ولو لم ينص على ثبوته. عندي شيء رقم واحد وشيء رقم اثنين مشتركين في هذه الزاوية، وعندي حكم ثبت للشيء رقم واحد بثبوته للشيء رقم واحد هو نتيجة لهذه الزاوية وترد في هذه الزاوية، فإذاً يجب أن يكون هذا الحكم ثابتاً للشيء رقم اثنين. هذه الطريقة العقلية في التفكير.

الآن أذهب إلى عبد المؤمن البغدادي فأنظر ماذا قال، قال أو بنظيره. يقسم عبد المؤمن البغدادي الكلام في هذه الصورة الثالثة، الاستدلال بالشيء على نظيره أو الاستدلال بالنظير على نظيره، إلى أن سيقسم هذه المرتبة إلى أربعة أقسام: استدلال بالنفي على النفي، استدلال بالإثبات على الإثبات، الاستدلال بالإثبات على النفي، والاستدلال بالنفي على الإثبات؛ أربعة صور، أعانكم الله على هذه الأفكار العقلية المتتابعة اليوم.

قبل أن أدخل في هذه الأنواع الأربعة، أعطنا يا شيخ فكرة كيف يكون عندنا شيئان بالنظر إلى زاوية معينة؟ أقول مثلاً الصوم والصلاة متشابهان متناظران بالنسبة لاشتراط النية فيهما، فهذه الزاوية هما متشابهان فيها. لاحظ كيف الشيء رقم واحد اللي هو الصوم، والشيء رقم اثنين اللي هو الصلاة، متشابهان بالنسبة لمسألة وهي مسألة اشتراط النية. نقول البيع والنكاح هما نظيران متشابهان بالنسبة لاشتراط الإيجاب والقبول في كليهما، فنلاحظ أن التشابه بينهما بالنسبة لزاوية معينة، أكيد البيع والنكاح هذا عقد وهذا عقد، يقول الشخص: كيف هذا يا جبيني؟ المقصود هما شبيهان بالنسبة لأي شيء؟ إلى زاوية معينة وهي أن كليهما يحتاجان إلى إيجاب وقبول، هكذا نحكي بالعامية؛ متشابهان بالنسبة لهذه الزاوية. سأوظف هذا التشابه بين النظيرين في هذه الزاوية لإنتاج الأحكام الشرعية، كيف نوظفه؟ عندنا أربع صور.

نقول إذاً النوع الثالث والأخير من أنواع القياس هو الاستدلال بالنظير على النظير، معنى هذا أن حكماً نثبته لنظير هو ناتج عن زاوية الاشتراك، فيجب أن يثبت هذا الحكم للنظير الآخر، وهذا سيقسمه عبد المؤمن إلى أربعة أقسام: استدلال بنفي على نفي، استدلال بإثبات على إثبات، استدلال بنفي على إثبات، استدلال بإثبات على نفي. هذه أربعة أقسام عقلية، نبدأ بها واحداً واحداً. نحن لا نريد التوسع في مثل هذه الأمور لأن كثيراً من الأصوليين ترى يختصرها، لكن عبد المؤمن ذكرها فأنا مضطر أن أذكرها، وإن كانت قليلة الورود في كتب الأصوليين، وعبد المؤمن أخذها من شفاء الغليل للغزالي، ولو لم يأخذها لأرحنا، رحمه الله تعالى.

المهم قال أولاً: هذه الاستدلال بالنفي على النفي، ما هي صورتها؟ استثنائية، أقيسة منطقية استثنائية يقول: لو صح التعليق لصح التنجيز. ما معنى لو صح التعليق لصح التنجيز؟ يعني لو صح تعليق الطلاق لصح تنجيز الطلاق. عبد المؤمن يختصر القياس الاستثنائي ولا يكتب إلا المقدمة الكبرى، وكأنه يكل الطالب إلى فهم وإلى إكمال القياس وحده، والسبورة دائماً ينبغي أن تكون حاضرة في الأمثلة العقلية. هذا مثال استدلال بنفي على نفي، نقول: لو صح تعليق الطلاق لصح تنجيز الطلاق.

أوضح المثال أكثر وأكثر، ما هي المسألة التي يتحدثون عنها؟ أولاً قبل أن أتكلم عن المسألة، ما هما الشيء رقم واحد والشيء رقم اثنين؟ الشيء رقم واحد عندنا هنا التعليق للطلاق، والشيء رقم اثنين هنا التنجيز للطلاق. ما هي الزاوية التي يشتركان فيها؟ يشتركان في زاوية عدم الاختلاف في أحكامهما بين المتزوج وغير المتزوج. فنقول تعليق الطلاق هو نظير تنجيز الطلاق، يشتبهان ويشتركان في أي زاوية؟ في أنه لا يختلف حكمهما بين المتزوج وغير المتزوج، هذه الزاوية التي يشتركان فيها لا يفترق حكمهما بين المتزوج وغير المتزوج.

نقول أيها الأحبة بناءً على هذا التناظر بينهما، إذا كان عندي شخص غير متزوج، قبل أن آتي وأذكر هذه الصورة، خلونا إذا عرفنا الشيء رقم واحد تعليق الطلاق، والشيء رقم اثنين تنجيز الطلاق، يشتركان في أن الزاوية التي يشتركان فيها عدم الفرق في الأحكام بين المتزوج وغير المتزوج. ممتاز، فبالتالي أعطينا قاعدة كلية كبرى، هي مقدمة كبرى في قياس استثنائي: أنه لو صح تعليق الطلاق لصح تنجيز الطلاق؛ لأنهم الاثنين مشتركين في هذه الزاوية أنه لا اختلاف ما بين المتزوج وغير المتزوج في الأحكام، بالتالي أي صورة يصح فيها تعليق الطلاق بده يصح فيها تنجيز الطلاق.

الآن وين الاستدلال بالنفي على النفي؟ أنت تقول يا شيخ نحن لا نعرف وين الاستدلال بالنفي على النفي؟ أقول لك أكيد لأننا لسه لم نكمل، أنا بس بدي أؤصل إنك تفهم ما هو وجه الارتباط بين تعليق الطلاق وتنجيز الطلاق، فأنت أول شيء لازم تبين وجه التشابه، وين النقطة التي يشتركون فيها؟ أنه تعليق الطلاق مع تنجيز الطلاق في عدم الاختلاف في الأحكام بين المتزوج وغير المتزوج، فالآن لو شخص متزوج نجز الطلاق يقع منه، حتى لا يختلفان في أحكام الوقوع؛ خليني أخصصها بالوقوع والاعتبار، لا يختلفان في أحكام الوقوع أنه يقع ولا لا يقع بين المتزوج وغير المتزوج.

طبعاً هذه المسألة أبحاثها أعمق من هيك، لأنه أنت أصلاً لازم تبين أنه فعلاً في زاوية اشتراك بينهم في هذه المسألة، لازم تبين وجه التشابه بين تعليق الطلاق وتنجيز الطلاق، وأنك لا بد أن تبين أنهم يشتركان في هذه الزاوية وهو أنهما لا يختلفان في أحكام الوقوع بين المتزوج وغير المتزوج، بعد أن تثبت هذه الزاوية، زاوية التشابه بينهم، تثبت القاعدة الكبرى: لو صح تعليق الطلاق لصح تنجيز الطلاق. أما إذا كان وجه التشابه بين الشيء رقم واحد والشيء رقم اثنين أصلاً ابتداءً ليس مثبتاً، فالشيء رقم واحد ليس نظيراً للشيء رقم اثنين، فأنت أولاً يجب أن تثبت أن الشيء رقم واحد هو نظير للشيء رقم اثنين في هذه الزاوية، أثبته على أنه نظير له في أحكام الوقوع بالنسبة للمتزوج وغير المتزوج، بعدئذٍ تبدأ استخدام الاستدلال بالنفي على النفي أو ما شابه ذلك.

فمثلاً إيش تقول هنا؟ لو صح تعليق الطلاق لصح تنجيز الطلاق. الآن الحنابلة ماذا يقولون؟ يقولون لو أن شخصاً غير متزوج، شاب أعزب ماشي في الشارع شاف امرأة، فقال لها: إن تزوجتك فأنت طالق، امرأة في الشارع، هل يصح هذا التعليق؟ هل يصح تعليق الطلاق عندهم؟ قالوا لا يصح هذا التعليق، لو تزوجها بعد ذلك لا تطلق. قلنا لهم: لماذا لا يصح التعليق؟ ائتونا بدليل، قالوا: لو صح تعليق الطلاق لصح تنجيز الطلاق؛ التنجيز هو إيقاع الطلاق مباشرة من دون أن تعلقه، تنجيز الطلاق هو أن توقع الطلاق مباشرة من دون أن تعلقه على شرط.

تعليق الطلاق أن يكون لزوجته: إن خرجتِ من البيت فأنت طالق. وتنجيز الطلاق أن توقعه مباشرة من دون تعليق وعلى شرط. فتعليق الطلاق هو إيقاعه على شرط، فنعود الآن إلى المسألة، هذا الشخص الذي شاف امرأة في الشارع غير متزوجها لو أنه قال لهذه المرأة الأجنبية عنه: أنت طالق مباشرة، هل يقع؟ الجميع باتفاق الجميع قالوا لا يقع. قالوا ممتاز، إذا لو ننجز الطلاق على هذه الأجنبية لا يقع، والقاعدة تقول: لو صح تعليق الطلاق لصح تنجيز الطلاق، لكنه لا يصح للأجنبية؛ لو صح تعليق الطلاق لصح تنجيز الطلاق، ولكنه الآن صورة المسألة الأجنبية لا يصح تنجيز الطلاق، يعني قلت لها: أنت طالق، هل يصح؟ لا يصح، إذاً لا تعليق الطلاق بالأجنبية.

السؤال طبعاً بدك تضبط لي المقدمة الكبرى وتقول: لو صح تعليق الطلاق للأجنبية لصح تنجيز الطلاق للأجنبية، لكنه لا يصح تنجيز الطلاق للأجنبية باتفاق الجميع إجماعاً، فبالتالي لا يصح تعليق الطلاق للأجنبية. لا أدري كيف أنا استدللت بنفي على نفي، وين النفي؟ استدللت بنفي صحة تنجيز الطلاق على الأجنبية، استدللت بهذا على ماذا؟ على عدم صحة تعليق الطلاق بالأجنبية. فهمتم وين الاستدلال بالنفي على النفي في هذا المثال؟

لأن الطالب لو قرأ كلام عبد المؤمن البغدادي ما راح يفهم، وين الاستدلال بالنفي على النفي؟ لأنه لن يكمل عبد المؤمن القياس؛ الاستدلال هنا وقع في المقدمة الصغرى ثم النتيجة. أنت تقول: لو صح تعليق الطلاق للأجنبية لصح تنجيز الطلاق، لكنه لا يصح تنجيزه للأجنبية، ما بصير تحكي للأجنبية أنتِ طالق ويقع، لا يقع أبداً، بالتالي النتيجة: لا يصح تعليق الطلاق للأجنبية، فبالتالي إذا قلتِ للأجنبية إن تزوجتكِ فأنتِ طالق، لا يصح. استدللت بنفي التنجيز على نفي التعليق. طبعاً هناك من يقول إن التنجيز لا يقع لكن التعليق يقع مثل الحنفية والمالكية، لكن نحن الحنابلة كيف نستدل على بطلان مذهب الحنفية؟ نستدل نقول: لو صح تعليق الطلاق للأجنبية لصح تنجيزه، ولا يصح تنجيزه للأجنبية، إذاً لا يصح تعليقه، فاستدللت بنفيه على نفي التعليق، فهو استدلال بنفي على نفي.

لكن هذا كله متى أستطيع أن أستخدمه؟ لما أولاً أثبت كما قلت إنه تعليق الطلاق هو نظير تنجيز الطلاق، ما معنى نظيره؟ إنهما يتشاركان ويشتبهان بالنسبة إلى زاوية معينة، وهي أن أحكام الوقوع لا تختلف فيهما بالنسبة للمتزوج وغير المتزوج، بدك تثبت التشابه بينهم في أحكام الوقوع وعدم الوقوع للمتزوج وغير المتزوج، بعد أن تثبت التناظر بينهما تستطيع أنك تكمل القياس الاستثنائي بهذه الصورة وتستدل بالنفي على النفي، ففي الحقيقة هناك مجموعة من الخطوات المهمة التي يجب اتباعها للوصول إلى هذه الحالة، فلاحظ عبد المؤمن كيف استدل بالنفي على النفي، لكنه لم يكمل القياس وكأنه أحال على الشراح ليكمل القياس. فإذاً هذه الصورة الأولى، الاستدلال بنفي الشيء عن نظيره أو الاستدلال بنفي الحكم عن الشيء لانتفائه عن نظيره.

طيب لكن الصورة الثانية، الإثبات على الإثبات، الاستدلال بإثبات الحكم للشيء لإثباته لنظيره. نأخذ مثالاً يا مشايخ، نأخذ قوله: لو لم يصح طلاقه لما صح ظهاره، اختصارات شديدة جداً من عبد المؤمن تكاد توقِع في الألغاز. الاستدلال بإثبات الحكم للشيء لإثباته لنظيره، فيكون لو لم يصح طلاقه لما صح ظهاره. إذاً الآن نأتي إلى الصورة رقم اثنين: الاستدلال بإثبات الشيء يعني بالإثبات على الإثبات، قال: لو لم يصح طلاقه لما صح ظهاره. ممتاز؟

الآن ما هو الشيء رقم واحد والشيء رقم اثنين المتناظران؟ أين التشابه؟ الشيء رقم واحد الطلاق، الشيء رقم اثنين الظهار. ما هي الزاوية التي يشتركان فيها؟ يشتركان في عدم الفرق في أحكامهما بين المسلم والكافر، الطلاق والظهار متناظران متشابهان بالنسبة لأي زاوية؟ لأنه مستحيل يكونوا متشابهين في كل الأمور، التشابه بالنسبة لزاوية معينة وهو أنه لا فرق في أحكامهما، أو بعبارة أدق في أحكام الوقوع بين المسلم والكافر. طبعاً كما قلنا يجب أولاً أن تثبت أن الطلاق والظهار متشابهان بالنسبة لهذه الزاوية، أنه ما هي اشتراكات؟ يعني كيف بدك تثبت أن الصلاة والصوم متشابهان بالنسبة لاحتياجهما إلى النية؟ بدك تثبت هذا التشابه.

دليل يجب أن تثبت أنه الطلاق والظهار متشابهان بالنسبة إلى ماذا؟ بالنسبة إلى عدم الفرق في الوقوع بين المسلم والكافر، إثبات عملية ذهنية تحتاج إلى طاقة عقلية قوية. لذلك الغزالي لما ذكر كيف تثبت التناظر والتشابه بين الطلاق والظهار بالنسبة إلى هذه الزاوية، ذكر أدلة عميقة تدل أيها الأحبة على أن الفقه الإسلامي القديم مبني على قواعد عقلية متينة ونقاش للاسف لا نكاد نجده في وقتنا الحاضر، بل لا أحد يسمع عنها. كيف يعني كثير ممن يحملون شهادة الدكتوراه والمشيخة وغيرها ليس لهم أدنى معرفة بمثل هذه الطرق الاستدلالية؟ ونحن نوقن ذلك، وهذه مشكلة في التدريس المعاصر.

المهم كما قلنا: إذا أثبتنا أن الطلاق والظهار يشتركان بالنسبة لأحكام الوقوع بين المسلم والكافر، نأتي نطبق بالتالي القاعدة السابقة: لو لم يصح طلاقه لما صح ظهاره. هذه المسألة تتكلم عن ماذا؟ هو مختصرها وأنا سأوضح لك، ويتكلم عن الكافر الآن، ويتكلم عن الكافر: هل يصح ظهار الكافر؟ هل يصح ديار الكافر؟ فنقول: لو لم يصح طلاقه، أي الكافر، لما صح ظهاره، أي الكافر. فالهاء تعود على الكافر، لو لم يصح طلاقه للكافر لما صح ظهار الكافر، لكن صح ظهاره، النتيجة إذاً صح طلاقه، بشكل عقلي أحكي لو لم يصح طلاق الكافر ما صح ظهاره، هكذا المنطق، طبعاً هذا ليس منطق لو، هذا التلازم بالشرع، أنت الآن المنطقية تبدأ بما بعد ذلك، لكنه صح ظهاره بعد أن أثبتنا هذا التلازم، هذا التشابه بين هذين النظيرين، نقول إن ظهار الكافر أثبتناه بأدلة شرعية، إذاً النتيجة ستكون صحة طلاقه.

فالنتيجة تكون صحة، وحتى لو جعلنا المسألة هل يصح ظهار الكافر؟ لو كانت المسألة بهذه الطريقة فتقول كانت المسألة وردت ما تصح إظهار الكافر ستقول لو لم يصح طلاقه ما صح ظهاره، لكنه صح كلامه، إذاً أيش النتيجة؟ إذاً صح ظهاره؛ لأن الخلاف الأكبر في الحقيقة هو في صحة ظهار الكافر، لماذا عدت قلت هذا؟ لأنه الخلاف الأكبر في صحة الظهار وليس في صحة الطلاق، وصحة الطلاق نوعاً ما متفق عليها، لكن صحة الظهار هي مختلف فيها، وأستطيع أن أستدل عليها بنفس هذا النمط، لكنه صح الطلاق، وإذا صح ظهاره كيف هذا استدلاله؟ إثبات على إثبات هو الإثبات في المقدمة الصغرى وليس فيما ذكره عبد المؤمن، عبد المؤمن اختصر ماذا كان لك الإثبات؟ الإثبات هنا لكنه صح طلاقه، استدللت بإثبات صحة الطلاق على إثبات صحة الظهار، فهذا هو الاستدلال بإثبات على إثبات، فهمتم كيف؟ استدللت في إثبات صحة الطلاق على إثبات صحة الظهار، والجملة الأولى ما فيها إلا إثبات تلازم، الجملة الأولى إثبات تلازم، وهذا التلازم يحتاج في إثباته إلى مسائل أخرى معمقة في الاستدلالات.

بعد أن تثبت التلازم بين النظيرين، تستدل بإثبات أحدهما على إثبات الآخر، فاستخدمت إثبات صحة طلاق كافر واستخدمته ووظفته لإثبات صحة ظهاره، فهذا يسمى استدلال الإثبات على الإثبات، وهو صورة الاستدلال بالنظير على النظير. ولكن أننا في كل هذه الأحكام حينما نثبت صحة ظهار الكافر ليس لأن صحة ظهار الكافر هي صحة طلاق، وليست هذه العلة، لكنني هنا أستخدم براهين الاستدلال، وبراهين الاستدلال تثبت الأحكام للأشياء من دون استخدام عللها، وإنما باستخدام الخواص أو النتائج أو اللوازم، فلذلك برهان الاستدلال هو إثبات حكم الشيء من دون ذكر العلة الموجبة له. وبننتقل إلى الاستدلال بنفي على إثبات، ما المثال الذي ذكره؟ أولاً النوع الرابع ثم سيذكر النوع الثاني، سيذكر أولاً استخدام الاستدلال الإثبات على النفي، فخلينا نحاول أن نذكر هذه القضية.

النوع الثالث من أنواع النظر أو الرابع أنا ذكرت ما في مشكلة في الترتيب، الاستدلال بإثبات الحكم للنظير على نفيه عن نظيره، لاحظوا استدل بإثبات حكم لشيء على نفيه عن نظيره، مثال ذلك قال: لو كان الوتر فرضاً لما صح فعله على الراحلة، مشكلته أنه في الحقيقة المثال الذي ذكره لا أقتنع أنه توجد فيه صورة تناظر، يعني أظن أنه لو أتى بأمثلة أوضح كان أمثل، لكنه أتى بهذا المثال، ما هو المثال؟ قال: لو كان الوتر فرضاً لما صح فعله على الراحلة.

مشكلته أنه لو كان الوتر فرضاً لما صح فعله على الراحلة، لكنه يصح فعله على الراحلة. الآن هذه الجملة لكنه يصح كيف عرفناها؟ من السنة أن النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا ثبت أنه صلى الوتر على الراحلة، إذاً النتيجة الوتر ليس بفرض، إنه أيش الجملة المقدمة؟ لو كان الوتر فرضاً لما صح فعله على الراحلة صح؟ الآن المقدمة الصغرى لكنه يصح فعله على الراحلة؛ لأن السنة دلت على ذلك، فإذاً أيش ستكون النتيجة؟ إذاً الوتر ليس بفرض، لاحظوا كيف استدللت بإثبات، أثبت صحة صلاة الوتر على الراحلة، ووظفت هذا في الوصول إلى النفي، نفيت أن الوتر فرض، فهذا هو الاستدلال بإثبات على نفيه، وظفت إثبات صلاة الوتر على الراحلة كدليل إلى أن الوتر ليس بفرض، طيب وإذا كان مش فرض إذاً وتر مثلاً باختصار.

لكن كلمة إثبات ولا هي مطاطة بشكل عام؛ لأنه الشيء المثبت تستطيع أن تعبر عنه بصيغة النفي، والشيء المنفي تستطيع أن تعبر عنه بصيغة الإثبات، فالتلاعب بالألفاظ، لكن هي هذه الفكرة، استدلال بإثبات على نفي. الآن ما هو الشيء الذي لا يقنعني؟ في الحقيقة لا يوجد عندي هنا التناظر بين شيئين، يعني شفت قبل قليل كان في تناظر بين الطلاق والظهار، صح؟ في المسألة السابقة في الاستدلال بالنفي على النفي كان في تناظر بين تعليق الطلاق وبين تنجيز الطلاق، كان في شيء هناك شيئان متناظران، تعليق طلاق تنجيز طلاق، طلاق ظهار. الآن برأيكم هنا يعني أنا في النهاية يمكن أستفيد منكم، هل تجدون شيئان متناظران؟ مثل ما نجد في الأمثلة السابقة، أي نعم لو كان الوتر فرضاً لما صح فعله على الراحلة، في الحقيقة لا يظهر لي أن هناك شيئان متناظران مشتركان بالنسبة إلى زاوية معينة علينا أن نثبت هذا التشابه ثم نوظف هذا التشابه بينهما في الاستدلال بواسطة النظير على النظير.

أنا في الحقيقة أجد من قبيل الاستدلال على الشيء بخاصيته، هو نفسه، رسم عبد المؤمن أعاد رسمه بصورة قياس استثنائي، أنا قبل قليل رسمت لكم إياه بصورة قياس اقتراني، هو اسمه بصورة قياس استثنائي، فجاء له من قبيل الاستدلال للنظير على النظير في الحقيقة غير مقنع، وإن كان هو الاستدلال على نفي هو صح واستدلال الإثبات على نفي صحيح، لكنه ليس من قبيل الاستدلال بالنظير على النظير، الاستدلال بالنظير على النظير مثل ما مر معنا في المثال الثاني والأول أنه استدل بصحة طلاق على صحة ظهاره، أو بعدم صحة طلاق على عدم صحة ظهار في نظيره، أو استدل على صحة تعليق على صحة تنجيز أو صحة في نظيرين، هنا لا يوجد تناظر، توجد مسألة الوتر ليس فرضاً، لأنه لو كان فرضاً، وقال لو كان الوتر فرضاً، فخاصية الفرض أنه لا تصلى على الراحلة العكس، خاصية الفرض أنه لا تصلى على الراحلة، فهنا في الحقيقة وظف القياس الاستثنائي لكن استخدمه في الاستدلال على الشيء بخاصيته، وهو في الحقيقة نعم لم يدفع نفي بهذه الصورة النهائية ما عندي مشكلة، لكنه ليس بالنظير على النظير، والله تعالى أعلم.

طيب نذهب إلى الحالة الأخيرة وهي الاستدلال بالنفي على الإثبات، عكس هذه الحالة، قال أو بالنفي على الإثبات كقوله: لو لم يجز تخليل الخمر لحرم نقلها من الظل إلى الشمس، إيش يقول؟ لو لم يجز، لو ما جاز تخليل الخمر، لو ما بيصير الآن الخمر اختلف أهل العلم هل يجوز للإنسان أن يبقيها عنده يخللها حتى تعود إلى خل ثم بعد ذلك يستخدمها، هاي هي المسألة، أن تبقى الخمر بحالة معينة تتحول الخمر إلى خل وتستخدمها، فيقول لو لم يجز هذا التخليل كما يرى الحنابلة وكثير من أهل العلم هكذا يرون، لو لم يجز التخليل لكان نقلها من الظل إلى الشمس حتى تتخلل لما ترتفع حرارة الشمس كان حراماً اليس كذلك؟ إذاً شوية عقل الآن، لو لم يجز تخليل الخمر لكان نقلها من الظل إلى الشمس حراماً. طيب وين بدنا احنا نكملها؟ عبد المؤمن أعطاهم، رأساً كلمة واحدة بدنا نكملها، لكن لكن لا يحرم نقلها من الظل إلى الشمس، لأن ماذا ستكون المقدمة الصغرى في هذا الاستثنائي؟ لكن لا يحرم نقلها من الظل إلى الشمس، نفي صح؟ ما في حرمة، مثلاً ثبت ذلك بالسنة أو بأثر أو قول الصحابي أو كما تشاء من الأدلة التشريعية ثبتت أنه لا يحرم نقلها من الظل إلى الشمس. إذاً ماذا ستكون النتيجة؟ إذاً يجوز تخليلها، هذه هي النتيجة، لاحظ استدللت بعدم حرمتها بالنفي، استدللت بعدم حرمة نقل الخمر من الظل إلى الشمس على إثبات، وهو إثبات جواز تخليلها، فهذا وظفت النفي للإثبات، واكتبوا أنتم عندكم هذا الكلام ورتبوا وانظروا النتيجة، ما في داعي أكتب كل شيء، خلي الطالب يتمرس.

لذلك قال: انظروا أنا هنا يعني أخطأت في حق عبد المؤمن البغدادي قلت إنه لم يكمل القياس، لكن هنا القياس قال: لو لم يجز تخليل الخمر لحرم نقلها من الظل إلى الشمس، وما حرم نقلها، إذاً يجوز تخليلها، هذه الصورة الوحيدة التي أكمل فيها عبد المؤمن القياس وكأنه والله أعلم أكمل في الصورة الأخيرة ليشير لك أن في الصور السابقة أكمل أنت القياس وحدك. ثم ختم عبد المؤمن بكلمة ختامية في هذا المقام، فيقول: ويلزمه بيان التلازم ظاهراً لا غير، ما معنى هذه القضية؟ يريد أن يؤكد الفكرة التي ذكرتها لك، أنه الآن في كل هذه الأكياس الاستثنائية سواء استدلال بنفي أو إثبات أو نفي على إثبات أو إثبات على نفي إلى آخره، كنا نستخدم القياس الاستثنائي، صحيح؟ نأتي لمقدمة كبرى جملة شرطية فيها تلازم بين جملة شرط وجواب شرط، ثم نأتي بمقدمة صغرى نوظفها لإنتاج النتيجة.

يقول عبد المؤمن قبل ما تضع هذا القياس الاستثنائي وتكمله وتستدل بالنفي على النفي أو بالإثبات على النفي أو بالنفي على الإثبات إلى آخره، عليك أن تثبت صحة التلازم في المقدمة الكبرى في الجملة الشرطية، لذلك لما قلنا لو لم يصح طلاقه لما صح ظهاره قل لها هذه أولاً يجب عليك أن تثبت التلازم بين صحة الطلاق وصحة الظهار، كذلك لو صح التعليق لصح التنجيز عليك أن تثبت ابتداء التلازم بين صحة التعليق وصحة التنجيز، وبعبارة أخرى أدق: يجب عليك أن تثبت أن التعليق والتنجيز نظيرين متشابهين في زاوية، وعليك أن تثبت أن الطلاق والظهار نظيرين متشابهين في زاوية، بعد أن تثبت أنهما نظيران يصح أن تنشئ هذه الجملة المقدمة الكبرى وتكون صادقة ثم بعد ذلك تستدل بالنفي على النفي أو النفي على الإثبات، ويقول يعني يكتفى بإثبات التلازم بأدنى ملابسة، يعني يكتفى بالظاهر في إثبات التناظر، ولا يشترط وجود تلازم عقلي في ذهني حقيقي، يكتفى بوجود أدنى تلازم، أدنى ارتباط بين الطلاق والظهار، أدنى ارتباط بين التعليق لاثبات التلازم، ولا يشترط أن يكون هناك تلازم حقيقي ذهني عقلي واقعي في ذاته.

الآن إذاً هذه الصورة الثانية أنواع الاستدلال أو أنواع البراهين عفواً، احنا تكلمنا عن برهان التعليل هو تحويل القياس الأصولي إلى صورة قياس اقتراني، ثم تكلمنا عن الاستدلال هو الاستدلال على حكم الشيء من دون ذكر علته، وإنما بواسطة الخاصية أو بواسطة النتيجة أو بواسطة نظير، ولاحظنا أنه في برهان الاستدلال القياس الاستثنائي يبرز عندنا بقوة بينما برهان التعليل يبرز فيه الاقتران، الآن بقي النوع الأخير من أنواع البرهان وهو برهان الخلف، أو برهان الخلف هكذا البعض يشكل بعض النسخ قالوا الخلف، البعض يقول الخلف بناءً على ما هو المعنى كلمة الخلف أو الخلف ما هو المعنى المراد من هذا النوع؟ كم ذهب من الوقت؟ ساعتان بالضبط. والآن طيب نأتي إلى هذا النوع الأخير برهان الخلف أو الخلف، ما هو هذا البرهان؟ يقول هو كل شيء تعرض فيه أي المستدل، اكتبوا عندكم المستدل، كل شيء تعرض فيه المستدل بإبطال مذهب الخصم ليلزم صحة مذهبه، طيب إذاً برهان الخلف سيأتي معنا ما معنى هذه الكلمة كلمة الخلف بذاتها أو الخلف على خلافها، لكن الآن أعطاك مباشرة تعريفه، ما هو برهان الخلف؟ كيف تستخدمه وتوظفه؟ هو يقول لك برهان الخلف أو الخلف فكرته أن يتعرض المستدل لإبطال مذهب خصمه، وغرضه بذلك إظهار صحة مذهبه، هذا هو باختصار، أن يتعرض المستدل أن يبطل المستدل مذهب الخصم، وهو من خلال إبطاله لمذهب الخصم يريد في الواقع ماذا؟ أن يصحح مذهبه، وله طريقان في هذا النمط، له طريقان.

أما بحصر المذاهب وإبطالها إلا واحداً، فهذا الأسلوب الأول. أو الطريقة الثانية قال بذكر أقساماً ثم يبطلها كلها. وهذا برهان الخلف، هذه رحلتنا الجديدة. الاستدلال النوع الثالث والأخير برهان الخلف أو الخلف، الغرض منه إثبات المذهب لكن بواسطة إبطال المذاهب الأخرى، وله طريقان.

الطريقة الأولى أن يحصر المذاهب في المسألة ثم يبطلها جميعها إلا مذهباً واحداً، وهذا يذكرنا، فبأي شيء هذه الطريقة أيها الأحبة؟ إنها تذكرنا بطريقة السبر والتقسيم التي هي من مسالك العلة. تذكرنا بطريقة السبر والتقسيم، لكن هنا في السبر والتقسيم كنا نجمع الأوصاف التي تحتمل التعليل فنختبرها واحداً واحداً، نبطل ما لا يصلح، فيبقى وصف واحد هو الذي يصلح للتعليل. أما هنا في هذه الحالة الشيء الذي سنقوم بحصره ثم سبره هي المذاهب وأقوالها وليست العلل. سنجمع المذاهب وأقوال أهل العلم في المسائل، نبطلها ونترك واحدة. فالمستدل في الصورة الأولى ماذا يفعل؟ المستدل ماذا يفعل؟ هو يريد أن يثبت قوله، كيف سيثبت قوله؟ أولاً سيقوم بحصر جميع الأقوال الواردة في المسألة، ثم سيبطل جميع هذه المذاهب إلا مذهباً واحداً هو مذهبه.

فمثلاً مسألة الأخوة والجد في الميراث. ماذا يقول المستدل؟ يقول المستدل: الأخوة مع الجد لهم ثلاثة أقوال، هناك ثلاثة أقوال لأهل العلم فيها لا رابع لها: إما أن يحجب الجد الأخوة، وإما أن يحجب الأخوة الجد، وإما أن يشتركا معاً في الميراث. الآن لو رجل توفاه الله وعنده جد وله أخوة، ما الحكم في الميراث؟ من سيأخذ الميراث؟ فالمستدل مثلاً، نعتبر أن المستدل يرى أن الجد يحجب الأخوة ويستحوذ بالميراث دونهم. فيأتي هذا المستدل حتى يثبت قوله، كيف يثبت قوله؟ يقول: يقوم بحصر جميع أقوال العلماء في المسألة، فيقول: الجد مع الأخوة إما أن يحجب الجد الأخوة، أو القول الثاني في المسألة أن يحجب الأخوة الجد، القول الثالث أن يشتركا معاً. ممتاز، إذاً هو حصر جميع الأقوال ومنها قوله، ثم يبطل المذاهب الأخرى، فيقول: أما أن يحجب الأخوة الجد فهذا غير ممكن؛ لأن الإجماع وقع على أن الأخوة لا يحجبون الجد، بالتالي بطل القول الثاني. وأما أن يشتركا معاً فلا يصح أيضاً وعلته كذا، فما بقي إلا مذهب واحد وهو أن الجد يحجب الأخوة، وهذا هو الصحيح. هل عرفتم أيها الأحبة كيف أثبت المستدل مذهبه من خلال إبطال المذاهب الأخرى بالطريقة الأولى؟ إذاً الطريقة الأولى أن يحصر المذاهب في المسألة ثم يبطل جميع هذه المذاهب فيبقى قول واحد.

الآن لاحظوا هو لم يثبت قوله من خلال أدلة على قوله، لا لا، هو أثبت صحة قوله من خلال إبطال الأقوال الأخرى. هو كما قلت لكم قال الجد مع الأخوة كم قول في المسألة؟ عندنا ثلاثة أقوال لا رابع لها عند أهل العلم: إما أن يحجب الجد الأخوة أو العكس، الأخوة يحجبون الجد، أو يشتركان معاً في الميراث. أن يحجب الأخوة الجد بالإجماع لا يجوز، أبطلنا هذا القول. طيب، القول الثاني أن يشتركان معاً، والله هذا بدليل كذا، ويذكر الدليل على عدم صحته، إذاً لم يبق إلا أن يحجب الجد الأخوة. إذاً هو أثبت مذهبه لكن ليس من خلال ذكر دليل مباشر على مذهبه، بل من خلال إبطال المذاهب الأخرى وإبقاء قول واحد. هذه الطريقة الأولى.

الطريقة الثانية من طريق برهان الخلف هو أن يحصر جميع أقوال المخالفين فقط، ولا يذكر قوله معها. الطريقة الثانية أن يحصر جميع أقوال المخالفين له فقط، ولا يذكر قوله معهم تماماً، ثم يبطل جميع هذه الأقوال ويسكت. الآن هو إذا أبطل جميع هذه الأقوال وسكت إذاً هو ضمنياً يثبت قوله، صح؟ لكنه لم يتطرق إلى مذهبه. ايش الفرق بين الصورة "ب" والصورة "أ"؟ الصورة "أ" هو جمع جميع الأقوال ومنها مذهبه، ثم أبطل الأقوال الأخرى فبالتالي نصر مذهبه صراحة. أما في "ب" حصر فقط أقوال المخالفين ولم يذكر قوله معها، لما حصر جميع أقوال المخالفين، كأنه في النهاية يريد أن يقول جميع هذه الأقوال خاطئة وسكت. إذاً قوله هو الصحيح حتى ولو لم يصرح بذلك.

فإذاً في النهاية في الصورتين كلتاهما تثبت صحة مذهب المستدل، لكن الصورة "أ" تثبت صحة مذهب المستدل صراحة، والصورة "ب" تثبت صحة مذهب المستدل ضمناً وليس صراحة. صحيح؟ لو هو قال مثلاً نفس المثال السابق، لو جاء مسألة الجد والأخوة في الميراث، لو قال المستدل، لنطبق على مثال الصورة "ب"، لو قال المستدل: أنتم أيها المخالفون، فريق منكم يقول إن الأخ يحجب الجد، وفريق يقول الأخ يشترك مع الجد، فإما الفريق الأول فقوله مردود لأنه مخالف للإجماع، وأما الفريق الثاني فقوله باطل لكذا، ويسكت. إذاً ما هو القول الصحيح؟ لأنه حصر جميع الأقوال الباطلة وفندها، إذاً هو يريد أن يقول قولي هو الصحيح من دون أن يصرح بذلك. وأما في الصورة "أ" لا، لما حصر الأقوال ذكر قوله مع هذه الأقوال، فأبطل غير قوله وأبقى قوله. فهذا يسمى برهان الخلف والاستدلال على مذهبك من خلال إبطال المذاهب الأخرى.

طب يا شيخ، هذا ايش علاقته بالأقيسة المنطقية؟ أنت قلت الاستدلال بكل أنواعه يمكن أن ينسب على صورة قياس منطقي، بل هكذا كلام عبد المؤمن البغدادي حينما قال: الاستدلال هو ترتيب أمور معلومة يلزم من تسليمها تسليم المطلوب. أقول في الحقيقة برهان الخلف بنوعيه يمكن أن ترسمه على صورة قياس استثنائي، فيمكن أن تقول مثلاً على برهان الخلف بالصورة الأولى: أحصر جميع الأقوال مع قولك، تستطيع أن تقول: لو لم يكن الجد يحجب الأخوة لكان إما الجد يشارك الأخوة أو الأخوة يحجبون الجد، لكن الأخوة لا يحجبون الجد ولا يشاركونه لكذا وكذا، إذاً النتيجة الجد هو الذي يحجب الأخوة. إذاً استطعنا أن نرسم قياساً استثنائياً منه، ففي الحقيقة برهان الخلف بنوعيه تستطيع أن ترسمه على صورة قياس استثنائي. لذلك صدق كلام عبد المؤمن البغدادي.

أنا لم أرسم على صورة قياس استثنائي تسهيلاً على الطالب، إذاً برهان الخلف قال هو كل شيء تعرض فيه أي المستدل بإبطال مذهب الخصم ليلزم من ذلك صحة مذهب، إما بحصر المذاهب جميعها ومنها مذهبه وإبطالها إلا واحداً يكون هو مذهبه، أو يذكر أقساماً ثم يبطلها كلها، يعني يذكر جميع أقوال المخالفين ويبطل كل هذه الأقوال ولا يذكر قوله معها، فإذا أبطل جميع الأقسام بالتالي هو يثبت قوله ضمناً.

ثم قال: وسمي خلفاً أو خُلفاً، أما لأنه لغة بمعنى الرديء، وبالتالي كل باطل رديء وأنت تثبت بطلان المذاهب الأخرى فهي رديئة، وهذا مناسبة التسمية، أو لأنه من الاستقاء وهو الاستمداد، فكأنه استمد صحة مذهبه من فساد مذهب خصمه، فهذا فيه معنى الاستقاء أي الاستمداد، ويجوز أن يكون من الخلف وهو لعدم الالتفات إلى ما بطل. وفي الحقيقة أنا أراه على القولين الأولين أنه بمعنى الرديء، قد يكون هذا أقرب والله أعلم، والمأوى على المعنى الثالث وهو الوراء أن يكون خلفاً بفتح الخاء، خلف بمعنى وراء، وأما إذا كان بمعنى رديء وباطل فهو الخِلف، وكذلك إذا كان بمعنى الاستقاء فهو الخِلف، فالخلاف فيه هو خُلف أو خِلف بناءً على ما هو المعنى المراد منه في هذا المقام.

هنا انتهى عبد المؤمن البغدادي من البرهان بأنواعه الثلاثة: برهان الاحتلال وعرفنا هو رسم القياس الأصولي في صورة قياس اقتراني، برهان الاستدلال وهو إثبات حكم المسألة بما ليس علة وإنما من خلال الخاصية أو النتيجة أو النظير، برهان الخلف هو إثبات حكم المسألة من خلال إثبات بطلان المذاهب والأقوال الأخرى لأهل العلم. هكذا ينتهي البرهان.

الآن سينتقل إشارات سريعة في بضعة أسطر قليلة إشارات سريعة إلى أنواع أخرى من أنواع الاستدلال، لأنه قال الاستدلال له صور كثيرة منها البرهان وكل ما ذكرناه أيها الأحبة كله من صور البرهان، الآن ننتقل إلى أنواع جديدة من أنواع الاستدلال. لذلك قال ومنها، أي من الاستدلال، دروب غير ذلك منها كقولهم: وجد سبب الوجوب فيجب، أو فقد شرط الصحة فلا يصح، أو لم يوجد سبب الوجوب فلا يجب، أو لا فارق بين كذا وكذا إلا كذا وكذا ولا أثر له، أو لا نص ولا إجماع ولا قياس في كذا فلا يثبت، أو الدليل يأتي كذا خالفناه لكذا فبقي على مقتضى نافذ وهذا يعرف بالدليل النافي، وأشباه ذلك.

كأنه لا يريد أن يكون تحصيل حاصل، يعني يذكر رموزاً وإشارات سريعة للطالب أنه نستطيع أن نوظف الاستدلال لإثبات بعض الأحكام الشرعية بطرق، وإن لم تكن قوية لكنها مقبولة في الجملة. يمكن أن نستخدم أنواعاً أخرى وصوراً أخرى من الاستدلال لإثبات أحكام شرعية، لكن ليست تلك الطرق بالطرق القوية. ما هي هذه الطرق التي عدها من ضمن الاستدلال؟ أن تكون مثلاً وجد سبب الوجوب فيجب، كيف أن تقول إذا بلغ الصبي وجبت عليه الصلاة؟ فهذا وجد سببه، وكل ما وجد سببه فهو موجود. وهذا دليل على ما اختاره بعض الأصوليين، يعني يقول إذا وجد سبب الوجوب وجد الحكم، مثلاً تقول إذا زالت الشمس عن منتصف السماء ماذا يحدث؟ تجب صلاته، إذا بلغ الصبي تجب عليه الصلاة.

في الحقيقة هذه الأنواع من الاستدلالات، لاحظوا هو لا يثبت مسألة غير معلومة الحكم نستدل على حكمها مثل القياس، مثله مثل البراهين، مثله مثل الإجماع، الاستصلاح، الاستحسان، لا، في الحقيقة هذه الأنواع من الاستدلالات هي استدلالات على ظهور الحكم في المسألة المعينة، يعني المسألة معلومة الحكم مسبقاً، ممتاز؟ فاستدل على ظهورها في الصورة المعينة أو في الحكم المعين من خلال هذه الطرق. فمثلاً معلوم مسبقاً أن الصبي إذا بلغ سن الاحتلام أو إذا احتلم تجب عليه الصلاة ويخاطب بالتكاليف عموماً، فيأتي مثلاً صبي واحد جديد مثلاً اسمه زيد، فأقول زيد بلغ، تجب عليه الصلاة. وجد فيه سبب وجوب الصلاة وهو البلوغ، فأقول إذا وجد سبب الوجوب في زيد وهو البلوغ فبالتالي تجب عليه الصلاة.

لاحظوا في الحقيقة أنا لا أرى أنك هنا أثبت حكماً لم يستفد السامع مسألة جديدة لم تكن هذه المسألة معلومة الحكم مسبقاً، لا يوجد نازلة غير معلومة في الحكم عند إثبات حكمها، لا، أنت في الحقيقة هنا تظهر الأحكام في الوقائع فقط. فمعلوم أن الصبي كما قلنا تجب عليه الصلاة عند البلوغ، فيأتي عندك صبي معين فتقول هذا الصبي ظهر هذا الحكم، ثبت له هذا الحكم بسبب وجود السبب، أو مثلاً تقول هذه الصلاة باطلة لأنها وقعت من دون طهارة، وهو المثال الثاني: فقد شرط الصحة فلا يصح. تقول هذه الصلاة غير صحيحة لأنها فقدت شرط صحتها وهي الطهارة. الآن الاستدلال على بطلان الصلاة على عدم صحة الصلاة لأنها فقدت شرط الصحة وهو الطهارة، أنا هنا لا أثبت حكماً جديداً في مسألة لم يتطرق إليها الشارع، بل هذه مسألة معلومة من السنة من الأحاديث أنه الصلاة من دون طهارة باطلة.

لكن أنا أستدل هنا في الواقعة المعينة، أستدل على الحكم في الواقعة المعينة، فهذا في الحقيقة لا أثبت حكماً لم يثبته الشارع، وإنما أنا أطبق أحكام الشارع في المحال والنوازل الجديدة، أطبق الأحكام على هذه المحال والصور، وأنزلها على الواقع وأطبقها. فأقول والله هذه الصلاة وقعت من دون طهارة إذاً هي غير صحيحة لأنها فقدت شرط صحتها، هنا لا تثبت حكماً جديداً في الشريعة، أنت تطبق الأحكام على أمثلة على صور على محال، قل كما تشاء. كذلك مثلاً لم يوجد سبب للوجوب فلا يجب، يعني شخص لا يوجد معه نصاب، نقول لا تجب على محمد الزكاة، لماذا؟ لأن سبب الوجوب لم يوجد وهو ملك النصاب، هل أنت أثبت حكم جديد في الشريعة؟ لا، أنت تطبق الأحكام المعلومة مسبقاً على الأفراد والأماكن، أنت تطبق. ففي الحقيقة لا أرى أن هذا النوع من أنواع الاستدلال إثبات أحكام، ليس مصدراً من مصادر التشريع هذه الطرق، وإنما هي تنزيل للأحكام المعلومة مسبقاً على الأفراد والمحال فقط.

لذلك قال أو لم يوجد سبب الوجوب فلا يجب، أو لا فارق بين كذا وكذا إلا كذا وكذا ولا أثر له، هذه الصورة، لا هذه صورة مقبولة لإثبات أحكام جديدة وهي باختصار هي صورة ماذا؟ القياس بنفي الفارق. تقول لا فرق بين كذا وكذا إلا كذا وكذا ولا أثر له، إذاً حكم كذا هو حكم كذا، أو هذه الطريقة تصلح مصدراً من مصادر التشريع وهو الجمع بنفي الفارق. تقول مثلاً لا فرق بين ضرب الوالدين وبين التأفف في وجههما إلا أنه هذا ضرب باليد وهذا تأفف باللسان، ولا أثر لهذا الفرق في تحريمك إليهما، فكلاهما حرام؛ لأن النص جاء يحرم التأفف، صح؟ فنقول لا فرق بين ضرب الوالدين وبين التأفف إلا أن الضرب باليد والتأفف باللسان، وهذا الفرق أنه هذا كان باللسان وهذا كان باليد لا أثر له في التحريم، فيكون كليهما حراماً. هنا أنت تثبت أحكاماً شرعية وليس فقط تطبق وتنزل على واقع، إذاً لا فرق بين كذا.

إلا كذا وكذا ولا أثر له، فبالتالي يقوم الحكمان واحداً. وهذا هو أصل القياس بنفي الفارق؛ فلا داعي لأن يعبد المؤمن على أنه شيء جديد، ويوهم الطالب أنه شيء جديد.

كذلك من طرق الاستدلال يقول: إنه هذه المسألة لا نص ولا إجماع ولا قياس في كذا فلا يثبت. هل من طرق الاستدلال على نفي الحكم الشرعي؟ يعني عندنا مسألة البعض يريد أن لها حكماً، مثلاً أنها واجبة أو أنها مندوبة، فيأتي المخالف فيقول له: هذه المسألة لا وصف فيها ولا سنة ولا إجماع ولا قياس، يعني باختصار لا يوجد مصدر من مصادر التشريع الإثباتية يثبتها؛ فبالتالي تبقى على البراءة الأصلية. فالذي يخالفه هو الذي عليه أن يأتي بالدليل الناقل، الذي يدل أن هذه المسألة ليست على البراءة، لا استصحاب دليل العقل فيها، بل هناك دليل في الكتاب أو في السنة أو في الإجماع أو القياس أو قول الصحابة وما شابه ذلك أثبتها.

هل هذه الطريقة مقبولة؟ هناك نزاع أنه هل يجوز أن أنفي الحكم بمجرد هذا النص؟ أن أقول هذه المسألة لا يثبت لها هذا الحكم الذي تريد إثباته أيها المجتهد، لأنه لا نص ولا إجماع ولا قياس ولا سنة ولا شيء فيها، فتبقى على البراءة الأصلية. في الحقيقة يجوز الاعتماد والبقاء على البراءة الأصلية باستخدام هذا النفي. فأنت تستدل على النفي الأصلي من خلال نفي الأدلة السمعية أو حتى العقلية التي تثبت شيئاً جديداً وتقتضي التغيير. فهذا ليس دليلاً قوياً أن تستدل على بقاء الحكم وأنه باق على البراءة الأصلية بانتفاء الدليل، لا يعتبر بذاك الدليل القوي، لكن هو حولك وطاقتك أيها العبد أن تقول: أنا أبقى على البراءة الأصلية إذا لم يوجد لا نص ولا إجماع ولا قياس ولا قول صحابي في هذه المسألة، ففي الأصل أنها على البراءة الأصلية حتى يثبت عندي دليل سمعي ناقل أو قياس ناقل أو شيء من ذلك. وفي الحقيقة أنا أراه مقبولاً في التمسك بالبراءة الأصلية حتى يثبت الناقل. إذا ثبت الناقل يجب أن تتبع الناقل.

الطريقة الأخيرة التي ذكرها أن تقول: الدليل ينفي كذا، خالفناه لكذا، فبقي على مقتضى النافي فيما عدا صورة الخلاف، أي خالفناه في صورة معينة لكذا، فبقي في غير هذه الصورة على مقتضى النافي. أعيد، هو اختصر الكلام؛ يقول: الدليل ينفي كذا، خالفناه في صورة كذا وكذا بسبب كذا، فبقي في غير هذه الصورة على مقتضى النافي. ما معنى هذا الكلام؟ نقول بالمثال يتضح المقال: يقول الدليل يدل على عدم جواز الجمع بين الصلوات، استدلالية يعني مختصرة، نقول الأدلة تنقل أو الدليل بشكل عام يدل على ماذا؟ عدم جواز الجمع بين الصلوات، تمام؟ خالفناه بين المغرب والعشاء بسبب ورود النص في هذه الصورة، فدل النص على جواز الجمع في هذه الصورة فقط، فبقي الجمع فيما عدا هذه الصورة على ماذا؟ على النفي.

أعيد: الدليل دل على عدم جواز جمع الصلوات، الدليل دل أنه لا يجوز أن تجمع الصلاة في وقت سنة أخرى، هذا الأصل؛ لا يجوز أن يصلي العصر في وقت الظهر، ولا يصلي العشاء في وقت المغرب، ولا يصلي المغرب في وقت العشاء. الدليل دل على عدم جواز التلاعب في الصلوات، خرق الصلاة من وقتها إلى وقت صلاة أخرى، هذا هو الأصل، فالدليل يدل على عدم جواز الجمع بين الصلوات. خالفناه في الجمع بين المغرب والعشاء في المطر بورود دليل كذا وكذا، أن ابن عمر كان يجمع بين المغرب والعشاء في المطر، فبقي فيما عدا هذه الصورة، يعني بقي الجمع فيما عدا هذه الصورة على أصل النفي وهو عدم جوازه. وهذه الطريقة أيضاً من طرق الاستدلال للمختصر، بأن تقول: الدليل ينفي كذا، خالفناه في صورة المغرب والعشاء لكذا وكذا، لأن النبي ﷺ فعل كذا، أو لأن ابن عمر كان يجمع بين المغرب والعشاء في الليلة المطيرة، فبقي فيما عدا هذه الصورة على أصل النفي أنه لا يجوز الجمع، فبالتالي لا يجوز الجمع بين الظهر والعصر ولا بين العصر والجمعة وغيرها من الصلوات. فهذه أيضاً طريقة من طرق الاستدلال أن تقول الدليل ينفي كذا، خالفناه في كذا وفي ما عدا هذا يعرض بالدليل النافي، هذا يعرف بالدليل النافي.

إلى هنا أيها الأحبة بلغنا ساعتين ونصف، هذا كلامنا عن الاستدلال، وبالتالي ختام كلامنا عن مصادر التشريع. ولاحظتم الاستدلال يحتاج إلى جهد ذهني من الطالب ليفهمه لأنه يقوم على الأقيسة المنطقية في جله. باختصار عبد المؤمن البغدادي يقول الاستدلال له صور، منها البرهان، يهمنا البرهان لأنه هو عماد هذا الباب، البرهان قسم إلى برهان استدلال وبرهان خلف. برهان الاستدلال هو إعادة رسم القياس الأصولي على صورة قياس اقتراني باختصار. وبرهان الاستدلال عرفه بأن تستدل على حكم المسألة بما ليس علة لها، وهو إما استدلال بخاصية الشيء على وجود الشيء، أو استدلال بنتيجة الشيء على وجود الشيء، أو الاستدلال بالنظير على النظير. والاستدلال بالنظير على النظير أربعة أنواع: استدلال بنفي على نفي، استدلال بإثبات على إثبات، استدلال بنفي على إثبات، واستدلال بإثبات على نفي.

وبرهان الخلف أو الخلف، وقلنا برهان الخلف هو أن يثبت المستدل مذهبه والحكم الذي يتبناه من خلال إبطال مذهب الخصم، وله طريقان: الطريقة الأولى أن يحصر جميع الأقوال في المسألة ومنها قوله، ثم يبطلها إلا واحداً هو قوله، فيكون هذا صراحة في نصرته، أو أنه يحصر جميع الأقوال المخالفة ولا يذكر قوله معها، فيبطل كل هذه الأقسام، وهذا يثبت ضمنياً وإن لم يكن صراحة مذهبه. ثم انتقلنا إلى طرق أخرى عدها عبد المؤمن من طرق الاستدلال، وإن لم تكن في الحقيقة في جلها من طرق إثبات أحكام جديدة؛ بعض الطرق التي ذكرها لا تثبت حكماً لم يكن معهوداً، بل هي تنزيل وتطبيق لحكم معلوم سابقاً على أرض الواقع، مثل والله وجد سبب الوجوب فيجب، أن تنظر وتقول: هذا الشيء يجب في حق فلان، أنت تطبق عليه ما هو معلوم مسبقاً بسبب وجود مناط الوجوب فيه؛ مناط وجوب صلاة الظهر الزوال، هذا المناط وجد اليوم، إذاً توجد صلاة الظهر، ومناط وجوب الزكاة ملك النصاب، وجد هذا المناط في هذه الصورة، إذاً توجد الزكاة. فهو في الحقيقة صور من صور تحقيق المناط الذي ذكرناه مسبقاً، أن تتأكد وجود المناط في هذه الصورة فتطبق الحكم المعلوم.

قال: وجود الوجوب فيجب، أو فقد شرط الصحة فلا يصح، أو لم يوجد الوجوب فلا يجب؛ هذه الثلاثة في الحقيقة هي تحقيق لمناطات الأحكام وليست إثبات أحكام شرعية كمصدر من مصادر التشريع، لا تُعد مصادر تشريعية، وأما لا فرق بين كذا وكذا، أو لا نص ولا إجماع ولا قياس في كذا فلا يثبت، فالبقاء على البراءة الأصلية باستخدام هذا الدليل، أو الدليل الذي ينفي كذا؛ هذه الأدلة الاستدلالية العقلية المختصرة يمكن توظيفها في إثبات أحكام شرعية، وإن لم تكن طبعاً في مصادر التشريع.

إن شاء الله في المحاضرة القادمة نتكلم عن ترتيب الأدلة والترجيح عند التعارض، ثم نختم إن شاء الله في المحاضرة التي تلي بإذن الله في الاجتهاد والتقليد. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.