دخولتسجيل الدخول

الدرس 36 - الأصول المختلف فيها(٢)

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، ومحجة للسالكين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا مباركًا إلى يوم الدين. حياكم الله أيها الأحبة في مجلس جديد نعقده بشرح كتاب "قواعد الأصول ومعاقد الفصول" للإمام عبد المؤمن البغدادي رحمة الله تعالى عليه.

بدأنا أيها الأحبة في المحاضرات السابقة بالحديث عن مصادر التشريع المختلف فيها؛ فأخذنا قسمًا منها، أخذنا قول الصحابي، وعرفنا تحرير موضع النزاع فيه، وأخذنا شرع من قبلنا وعرفنا موضع الخلاف بالتحديد وما هي أقوال أهل العلم وذكرنا أمثلة على ذلك. اليوم أيها الأحبة نكمل المسير بإذن الله في أنواع جديدة من مصادر التشريع المختلف فيها.

درسنا اليوم أيها الأحبة نبدأه بالاستحسان؛ الاستحسان المصدر الثالث من مصادر التشريع المختلف فيها. فما معنى الاستحسان؟ وما صوره؟ وما موطن الخلاف فيها؟ الاستحسان لغة: الألف والسين والتاء هنا تفيد الاعتقاد، فاستحسنت الشيء اعتقدته حسنًا. وهذه من معاني الألف والسين والتاء، كما درسنا في الصرف أن صيغة "استفعل" تأتي أحيانًا بمعنى الاعتقاد، ويقول: استحسنت الشيء أي اعتقدته حسنًا، والاستحسان هو مصدر استحسانه استحسانًا.

الآن نذهب إلى التعريف الاصطلاحي، في علم أصول الفقه، في الحقيقة تعريف الاستحسان أيها الأحبة مشكل في علم أصول الفقه، وهناك أخذ ورد كثير في بيان ما هو مفهوم الاستحسان. وبسبب هذا الخلاف في تعريف الاستحسان وتحديد ما هو المراد، أدى هذا الخلاف إلى خلاف في اعتباره مصدرًا من مصادر التشريع، فالخلاف في تأليف الاستحسان هو الذي سبب وأدى إلى خلاف في اعتباره مصدرًا من مصادر التشريع وليس بمصدر.

أولًا علينا أن نحرر ما معنى الاستحسان؟ ما هو المعنى المقبول له؟ وما هو المعنى المرفوض له؟ ثم بعد أن نحرر ما هو المراد بهذا المصطلح نبدأ الكلام في الحجية. يقول عبد المؤمن البغدادي في مطلع كتابه في الحديث هنا عن الاستحسان: "الاستحسان هو العدول بحكم المسألة عن نظائرها لدليل خاص".

أخذ عبد المؤمن البغدادي هذا التعريف من كلام القاضي، والقاضي هنا المقصود به القاضي يعقوب، حيث قال: "الاستحسان مذهب أحمد وهو أن تترك حكمًا إلى حكم هو أولى منه، وهذا لا ينكره أحد". هذا التعريف هو الذي ذكره القاضي أبو الحسن الكرخي من الحنفية، قال في تعريفه للاستحسان: "قطع المسائل عن نظائرها لدليل خاص يقتضي العدول عن الحكم الأول إلى الثاني". إذا لاحظ التعبير؛ المقارب لكلام عبد المؤمن البغدادي. أنت تقطع المسألة عن نظائرها يعني لا تعطي المسألة حكم نظائرها وتعدل بها إلى حكم خاص.

قال الغزالي رحمة الله عليه في "المنخول": "الصحيح في ضبطه هو قول الكرخي". إذا أيضًا الغزالي، هناك تعاضد وتكاتف على هذا التعريف للاستحسان، نستطيع أن نقول قبول عام من الأصوليين لهذا التعريف للاستحسان بهذا المعنى، أنك تعدل بالمسألة عن حكم نظائرها لدليل خاص.

يقول عبد المؤمن البغدادي: "وهذا لا ينكره أحد"، يعني الاستحسان بهذا المعنى لا يختلف فيه مذهب من المذاهب الفقهية المعتبرة. فإذا قلنا الاستحسان هو العدول بحكم المسألة عن نظائرها إلى حكم آخر لدليل خاص، لا يوجد أحد من الأصوليين أو أحد المذاهب الفقهية يخالف اعتباره، ولا ينكره أحد.

لكن هنا ذكر القاضي أبو الطيب الطبري أيها الأحبة قيدًا مهمًا يضبط هذا التعريف، ذكره الزركشي في "البحر المحيط"، يقول القاضي أبو الطيب الطبري: يجب أن يكون ذلك الدليل -أي الدليل الذي اقتضى العدول- أقوى من القياس الذي يقتضي إلحاقها بنظائرها؛ لأنه لا يجوز ترك القياس وغيره من الأدلة إلا لما هو أقوى منه.

ننتقل الآن لمعرفة ما هي طبيعة الدليل الخاص الذي يقتضي العدول بحكم هذه المسألة عن نظائرها؟ يعني ما هي الصور التي يأتي عليها؟ يذكر الأصوليون صورًا متعددة لهذا الدليل الخاص. أولًا: استحسان بالنص، يكون عندي نص من الكتاب أو من السنة هو الدليل الخاص الذي اقتضى العدول بحكم هذه المسألة عن نظائرها. من أشهر أمثلته عقد السلم؛ أنت تعقد على سلعة معدومة، والأصل في الشريعة أن بيع المعدوم باطل، لكن السنة أجازت السلم، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من أسلف في شيء فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم». فهنا الحديث النبوي هو الدليل الخاص الذي عدل بالسلم عن حكم نظائره وجعله مباحًا.

ثانيًا: الاستحسان بالإجماع، أن يكون الدليل الخاص الذي اقتضى العدول بحكم المسألة عن نظائرها هو الإجماع، مثل عقد الاستصناع؛ أنت تذهب إلى صانع وتطلب منه أن يصنع لك شيئًا، وهو عقد على معدوم، والأصل في الشريعة أن العقد على المعدوم باطل، لكن أجمعت الأمة على جوازه، فأباحها الإجماع مع أنه يعقد على معدوم، والسبب في العدول هو إجماع علماء الأمة على جوازه.

ثالثًا: استحسان بقول الصحابي، أن يكون الدليل الخاص الذي اقتضى العدول بحكم المسألة عن نظائرها هو قول صحابي. مثال ذلك: من عمل لغيره عملًا بلا جعل، لم يتفقا على أجرة، فلا شيء له.

يسمى عقد الجعالة. ويجوز أن يكون هناك عقد استئجار على عقد الجعالة، وكل عقد له صوره وأحكامه في الفقه الإسلامي. المهم أني أقوم بخدمة شخص في شيء معين من دون أن يكون هناك اتفاق مسبق بيني وبينه، لا على أجرة ولا على غيره، فالأصل إذاً أني لا أستحق مقابل هذه الخدمة التي بذلتها شيئاً.

إذاً أي إنسان يفعل لغيره معروفاً أو خدمة من دون أن يتفق مع صاحبها على جعل أو على إجارة، الأصل أنه لا يستحق شيئاً، هذا هو الأصل العام. الآن هناك مسألة في الفقه الإسلامي تسمى رد العبد الآبق. العبد الآبق هو العبد الذي هرب من سيده، فإذا كان هناك عبد هرب من سيده فوجده رجل في الصحراء أو في بقالة أو في كذا، فمسكه وضبطه وقاده وأعاده إلى سيده، الآن هذا معروف وخدمة بذلها هذا الرجل للسيد، أن رد له عبده الآبق.

هل هناك اتفاق مسبق بين السيد وبين هذا الرجل؟ لا يوجد اتفاق مسبق. فالأصل أن هذا الرجل ليس له شيء مقابل هذه الخدمة التي فعلها، لكن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم عمر وعلي وابن مسعود أفتوا في هذه المسألة أن من رد عبداً آبقاً إلى سيده يعطى دينار ذهب أو اثني عشر درهماً من الفضة، حتى ولو لم يكن هناك اتفاق مسبق بينه وبين سيده.

إذاً هنا شخص فعل معروفاً لشخص آخر من دون اتفاق مسبق بينه وبين هذا الشخص، ومع ذلك أفتى الصحابة بأنهم يستحق جعلاً مقداره دينار ذهبي أو اثني عشر درهماً. طبعاً هذا الاستحسان بقول الصحابي هو يظهر لي -والله أعلم- أنه إنما يعتبره من يعتبر قول الصحابة حجة، أما الذي لا يعتبر قول الصحابي حجة أصالة، فلا يستحسن بقول الصحابي ولا يعتبر قول الصحابي دليلاً خاصاً يقتضي العدول بحكم المسألة عن نظائرها. فنحن الحنابلة نأخذ بهذه الفتوى، فتوى عمر وعلي وابن مسعود، لأننا نعتبر قول الصحابي حجة، فنقول: من رد عبداً آبقاً إلى سيده يستحق ديناراً أو اثني عشر درهماً، حتى ولو لم يكن هناك اتفاق مسبق بينه وبين سيده. طب لماذا الأصل أنه لا يستحق شيئاً من دون اتفاق مسبق؟ نقول: لقول الصحابي.

النوع الرابع، انظروا هناك أنواع عديدة للدليل الخاص الذي يقتضي العدول: استحسان بالعرف. أن يكون الدليل الخاص الذي اقتضى العدول بحكم هذه المسألة عن نظائرها هو العرف المضطرد. طبعاً هناك قيد، نقول الاستحسان بالعرف: أن يعدل بالمسألة عن حكم نظائرها للعادة المطردة من دون نكير. على ماذا سأقيد هنا؟ فيغلب على الظن أنها كانت في عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم أو لصحابته. فإذاً الاستحسان بالعرف أن أعدل بالمسألة عن حكم نظائرها اتباعاً للعرف، لكن أي عرف هل أي عرف يقضي؟ لا، العرف المضطرد الذي يغلب على الظن أنه كان في عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو على الأقل في عصر صحابته.

يمثلون لذلك -أيها الأحبة- استئجار الحمامات للاغتسال بمبلغ معين من دون تحديد أو اتفاق على كمية الماء التي ستستخدم في هذه الحمامات. ما صورة هذه المسألة؟ الآن الحمامات السورية موجودة عندنا؛ الحمامات تكون في المرافق العامة والأماكن العامة، الإنسان فيها يتروش ويأخذ شيئاً من الاغتسالات، وأحياناً تكون فيها أشياء وإضافات أخرى، ثم بعد ذلك يخرج ويعطي صاحب الحمام أجرة معينة متفقاً عليها مسبقاً، صحيح؟ يعني معروف، تلاقوا أحياناً عروضاً، أنه يأخذ حماماً سورياً أو دمشقياً بعشرة دنانير، ممتاز؟ طب أنت لما تدخل على هذا الحمام أنت الآن ستدفع عشرة دنانير، الأجرة معلومة، لكن قدر الماء الذي ستستهلكه في أثناء اغتسالك، هل هو معلوم؟ والله لتر أو لترين أو ثلاثة؟ لا، ما معلوم.

وهذا خلاف الأصل في عقود الإجارة، الأصل في عقود الإجارة أن يكون الثمن معلوماً والمنفعة التي في مقابل هذا الثمن معلومة أيضاً ومحددة. ما الصورة الأصلية في عقد الإجارة؟ الأجرة تكون معينة والمنفعة التي في مقابل الأجرة ينبغي أن تكون معينة ومنضبطة. أنا مثلاً استأجرت سيارة من شخص، الأجرة تكون معينة والمسافة التي ستسير بها بهذه السيارة معينة، أقول والله استأجر منك هذه السيارة من هنا إلى العقبة وأعود، ينبغي أن ينص على المسافة التي ستسلكها هذه السيارة وتقطعها، لا يجوز والله استأجر منك سيارة وخلص انتهى الأمر.

وهذا إذا كانت إجارة على عمل، هناك نوع آخر من الإجارة، الإجارة على زمن، أني أستأجر منك سيارة لمدة ثلاثة أيام، هذا أيضاً يجوز لأنه ضبط من خلال الزمن. أما أن تضبط بالزمن وإما أن تضبط بالعمل. أما أن تقول والله مثلاً هذه الحمامات السورية، أدخل على الحمام وأقول له عشرة دنانير هذه الأجرة، ثم تدخل تفعل ما تشاء وتستهلك ما تشاء من المياه ومن المرافق الموجودة؟ هل يجوز هذا -أيها الأحبة-؟ في الحقيقة نقول الأصل أن تكون هذه العقود غير جائزة، لأن كمية الماء المستهلكة غير منضبطة، فبالتالي هناك نوع من الجهالة ومن الغرر، هذا هو الأصل، لكن عدلوا بحكم هذه المسألة عن نظائرها فقالوا: يجوز أن يستأجر رجل أو أن يدفع رجل أجرة معينة مقابل حمامات الاغتسال من دون تحديد كمية الماء المستهلك، يجوز هذا الأمر. وفي الحقيقة قضية هذه الحمامات الدمشقية والسورية موجودة من أيام الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، فهذه معروفة وليست مسألة حادثة، هي معروفة ونزل فيها أحاديث، وإن كان البعض يتكلم فيها، قال صلى الله عليه وسلم: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخل الحمام إلا بإزار، ومن كانت تؤمن بالله واليوم الآخر فلا تدخل الحمام». فإذاً هناك أحاديث أصلاً وردت في مثل هذه المسألة، مسألة الحمامات العامة الذي يغتسل فيها، وإن كان الكثير منها متكلماً في صحته، لكنه يدل على أن هذه الفكرة بشكل عام كانت موجودة في أيامه، وليست من النوازل المعاصرة.

فنقول: استئجار حمامات الاغتسال بأجرة معينة من دون تحديد كمية الماء المستهلك ومن دون تحديد أيضاً مدة اللبث التي ستبثها هذه الحمامات، مع ما فيه من الجهالة التي يقتضي القياس إبطال العقد بسببها، لكن لما جرت عادة الناس على المسامحة في هذه الجهالة قروناً متطاولة من غير نكير، دل ذلك على مشروعية هذا العقد وأن له أصلاً في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وزمن صحابته. عرفتم كيف نظرة الفقهاء؟ أن هذه الأمور معروفة من القدم، دخول الحمامات، ومعروف من القدم أنه صعب أن صاحب الحمام يقول للذي سيدخل: استخدم فقط لتراً من الماء أو لترين؛ الناس لم تتعامل بهذا على القرون المتطاولة، أو أنك تمكث وقتاً محدداً، وكل دقيقة زيادة تسحب عليك ديناراً زيادة، الناس لا تتعامل بهذا. الناس خلص، ادفع عشرة دنانير وادخل تحمل، بغض النظر عن الكمية، والمدة التي ستجلسها قد يتسامح فيها، ثم تخرج. هذا العقد جرى قروناً متطاولة وتناقلته الأمة جيلاً بعد جيل من غير نكير، فيدل هذا على أن هذه العادة المضطردة هي التي اقتضت العدول بحكم هذه المسألة. ولكن هذه العادة أيضاً كما قلنا فيما يظهر أن لها أصلاً في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، أو على الأقل في زمن صحابته، فهذا يسمى استحساناً بالعرف؛ لأنه هنا -أيها الأحبة- لا يوجد عندنا نص في استثناء، ولا يوجد عندنا قول صحابة، ولا يوجد عندي إجماع حقيقي، لكن يوجد عندي عمل مستقر تناقلته الأمة جيلاً بعد جيل، بحيث يغلب على الظن أنه كان كما قلنا إما في عصر النبي عليه الصلاة والسلام أو على الأقل في عصر الصحابة، فهذا يسمى إذاً استحساناً بالعرف المضطرد على مدار الأجيال.

يمكن نقول: شخص لا يأخذ حكم الإجماع، الإجماع بالمعنى الحقيقي أن العلماء نصوا عليه واحداً واحداً لا، لأنه ما يثبت عندي نقل صريح عن العلماء، لكن تستطيع أن تقول إنه قريب من الإجماع السكوتي، يمكن نقول إنه قريب لأن هناك سكوت عام من العلماء وعدم إنكار لوجود هذه الظاهرة وتفشيها، فيمكن أن نقول: والله هذا العرف المضطرد في حكم الإجماع السكوتي، يمكن أن يناقش بهذه الصورة. طب النوع الأخير: استحسان بالمصلحة، وهذا أخطر الأنواع في الحقيقة، استحسان من خلال المصلحة، وهو أن أعدل بالمسألة عن حكم نظائرها بسبب مصلحة ظهرت فيها تقتضي العدول بها عن حكم نظائرها. بسبب مصلحة ظهرت للإمام -طبعاً- ظهرت للعالم المجتهد المتمكن المتبحر في ملاحظة تصرفات الشارع وطريقته في التشريع، لاحظ مصلحة معينة في هذا الفعل تقتضي أن أعدل به عن حكم نظائره.

ما مثال هذا الموضوع؟ يقولون -أيها الأحبة- كثير من الفقهاء والمذاهب الفقهية تقول: الأجير المشترك يضمن ما يتلف عنده من ممتلكات الآخرين حتى ولو لم يثبت أنه فرط أو تعدى. هناك -طبعاً أيها الأحبة- في الفقه الإسلامي ما يسمى أجيراً مشتركاً وهناك أجير خاص، الأجير المشترك هو الذي يستخدمه أكثر من شخص في نفس الوقت، ومثاله -أيها الأحبة- مثل مصلي الأدوات المنزلية؛ الآن هذا الرجل فاتح مصلحة، وأنا مصلح غسالات وثلاجات وتلفزيونات، جيد؟ فأنا عندي مثلاً تلفزيون معطل، وأنت عندك ثلاجة معطلة، وفلان عنده غسالة معطلة، كلنا نذهب بها إلى هذا الرجل نضعها عنده ليقوم بإصلاحها. فهل هناك شخص استأثر بهذا الرجل لنفسه؟ لا، هذا مشترك بيننا جميعاً؛ أنا استأجرته ليصلح، وأنت استأجرته ليصلح تلفازك، وفلان استأجره ليصلح ثلاجته أو ما شابه ذلك، فهو إذاً أجير مشترك بيننا جميعاً، ولم يستأثر به منا لمدة معينة أو عمل معين ثم بعد ذلك يعود إلى الجميع. فالأجير المشترك يستأجره أكثر من شخص في نفس الوقت، وهو لا يختص بأحد بخلاف الأجير الخاص، أنك تستأجر عاملاً يقوم ببنيان حائط مثلاً، هذا أجير خاص، هذا أخرج لي، لا يجوز له أن يذهب إلى غيري حتى ينتهي من عمله أو المدة المتفق عليها، وهذا درسنا ربما في الفقه الإسلامي في مذهب الحنابلة.

المهم الأجير المشترك، نعود للأجير المشترك، إذاً الأجير المشترك يستأجره أكثر من شخص في نفس الوقت، فلان يضع عنده ثلاجة، وفلان يضع عنده غسالة، وفلان يضع عنده تلفاز ليقوم بإصلاحها. تصوروا هذه المسألة، الآن هذا الأجير المشترك، أنا وضعت عنده الغسالة، وأنت وضعت عنده ثلاجة، وفلان وضع عنده تلفاز أو هاتف، إذا شيء من هذه الأدوات عند هذا الأجير المشترك تلفت؛ يعني أنا أتيت لهذا الأجير المشترك وقلت له: أين ثلاجتي؟ فقال: والله يا شيخ إنها تلفت حقيقة، وصدقني يا شيخ إني ما تعديت ولا فرطت في حفظها، لكن تلفت، جاء القضاء والقدر وتلفت. الآن هل يضمن الأجير المشترك ما يتلف عنده من سلع الآخرين ولا لا يضمن؟

الآن نقول: القاعدة العامة في الشريعة أن الإنسان لا يضمن شيئاً إلا إذا تعدى أو فرط فيه، هذا هو الأصل، أنه أنت لا شيء يتلف عندك وأنت مستأمن عليه إذا كانت طبعاً يدك يد أمان. الآن هناك أنواع من اليد: هناك يد أمان، وهناك يد ضمان. يد الضمان يضمن مطلقاً، هذه مثل يد العارية أو الغصب، من كان مستعيراً لشيء أو غاصباً لشيء في هذه الأمور مطلقاً يضمن، فرط أو لم يفرط، لكن من كانت يده على الشيء ما يسمى يد أمان، الذي يده على شيء يد أمان، هذا -أيها الأحبة- في الفقه الإسلامي قاعدته أنه لا يضمن إلا إذا تعدى أو فرط، إذا لم يثبت أنه تعدى في استخدام هذا الشيء أو فرط في حفظه، لا يوجد عليه ضمان، جيد؟ هذا هو الأصل. فمثلاً أنت أجرت شخصاً شقة أو سلعة أو سيارة ليقوم باستخدامها وكان أجيراً خاصاً -طبعاً- الأصل إذا تلفت هذه السلعة أو هذه السيارة أو كذا، من دون ثبوت تفريط أو تعد من المستأجر، أنه لا يضمنها. فإذاً من كانت يده على السلع أو على الأشياء يد أمان، هذا لا يضمن إلا بتعد أو تفريط.

الآن الأجير المشترك، ما طبيعة يده على هذه السلع التي توضع عنده ليصلحها؟ الأصل أنه لا يضمن، هذه القاعدة، يعني الأصل أن نلحق الأجير المشترك بنظائره، بما أنه يد أمان إذاً هو مثل الشخص الذي مودع عنده، مثله مثل الأجير الخاص، مثله مثل أي شخص يده يد أمان، أن لا يضمن إلا بتعد أو تفريط. لكن رأى كثير من الفقهاء أن الأجير المشترك ينبغي أن نضمنه ما يتلف عنده حتى ولو لم يثبت أنه تعدى أو فرط، فنعدل بحكم الضمان عن حكم نظائره، نعدل بحكمه عن حكم نظائره، لماذا طيب؟ كيف تعدلون وتضمنونه ما يتلف عنده حتى ولو لم يثبت أنه تعدى أو فرط؟ كيف؟ قالوا: ليس عندنا نص ولا إجماع ولا قول صحابي ولا عرف، لكن نظراً إلى مصلحة الناس التي اقتضت العدول بحكمه عن حكم نظائره، النظر إلى مصلحة الناس؛ إن كثيراً من الأجراء المشتركين ممن يعمل هذه الوظيفة من الأجراء.

قد يهمل ويقصر في حفظ أموال الناس التي عنده، فنحن حتى نغلق عليه باب التقصير وباب الإهمال نقول له: أنت ستضمن مطلقاً ما يتلف عندك، وهذا حتى لو لم يثبت أنك تعديت أو فرطت. وهذا سيدفعه إلى ماذا؟ إلى التحري في حفظ أموال الناس التي عنده أكثر وأكثر؛ واضحة الفكرة؟ فنظروا إلى هذه المصلحة، مصلحة حفظ أموال الناس، وهذا أظن أنه نص عليه الشافعي رحمة الله عليه في بعض مصنفاته. فقالوا: المصلحة التي نظرنا إليها، والتي سوغت العدول بحكم الأجير المشترك عن حكم نظائره، هي صيانة أموال الناس أن تتعرض للتلف على يد الأجير السوء؛ معظم جرائم المشتركين كانت أجير سوء مهمل مفرط. وأنتم ترونهم في حياتنا العملية أيها الأحبة، تدخلون عنده على المحل؛ الأدوات فوق بعضها، التلفاز فوق الثلاجة، والثلاجة بجنب الغسالة، والدنيا ممتلئة. طيب يا شيخ، هذه ممكن في أي خطأ بسيط يسقط هذا أو يقع هذا؟ رتب أمورك محافظة على أموال الناس لا تقع على بعضها وتتلف. ففعلاً هذه نظرة مصلحية، الآن طبعاً ليست متفقاً عليها بين الفقهاء، لكن من رأى تضمين الأجير المشترك مطلقاً حتى ولو لم يتعدَّ أو يفرط، هذا استحسنه بالمصلحة؛ ما عنده نص، ما عنده إجماع، ما عنده قول صحابي، لكن عنده إيش؟ مصلحة نظر إليها، فعدل بحكم الأجير المشترك عن نظائره بسببها. ما هي المصلحة؟ صيانة أموال الناس من التلف.

طبعاً الاستحسان بالمصلحة، طب يا شيخ وهكذا مفتوح على مصراعيه؛ أي عالم يرى مصلحة خلص يعدل بحكم المسألة عن نظائرها؟ أي عالم يرى مصلحة في مسألة معينة تقتضي العدول بحكم المسألة عن نظائرها يتبع هذه المصلحة؟ الحقيقة الاستحسان بالمصالح هذا دعونا ننقله معنا إلى ماذا؟ إلى المصدر الرابع المختلف فيه من مصادر التشريع وهو الاستصلاح الذي سيأتي معنا، لأنه ليس حقيقة على إطلاقه يجوز الاستحسان بالمصلحة، هذا سيقتضي بنا أن نذهب به إلى ماذا؟ إلى المصدر الرابع من مصادر التشريع المختلف فيها وهو الاستصلاح، ونعرف تفاصيله بعد أن تعرف ما هو الاستصلاح المقبول شرعاً تطبقه في الاستحسان بالمصلحة؛ فهذا النوع مرتبط بالاستدلال بالمصالح المرسلة التي ستأتي معنا بإذن الله.

جيد أيها الأحبة، هكذا نكون ذكرنا خمسة أنواع من أنواع الاستحسان بالمفهوم الأول الذي طرحناه، والذي ذكر عبد المؤمن البغدادي أنه لا أحد ينكره. ما هو الاستحسان؟ العدول بحكم المسألة عن نظائرها لدليل خاص؛ عرفنا طبعاً ينبغي أن يكون الدليل الخاص أقوى من القياس الذي يقتضي الإلحاق حتى لا يكون العدول بدليل أقوى. وذكرنا نحن الاستحسان بالنص، الاستحسان بالإجماع، الاستحسان بقول الصحابي، الاستحسان بالعرف، والاستحسان بماذا؟ بالمصلحة. طيب، إذا قال عبد الرؤوف البغدادي تعريفه، ثم قال قال القاضي يعقوب الاستحسان من أبو أحمد، إذا هذا عندنا في المذهب، وأنا في الحقيقة وجدت كثيراً من صور الاستحسان في مذهب الحنابلة، لو كان عندنا وقت لذكرت لكم صورها، وعودوا إلى شرح المنتهى وشرح الإقناع تجدون أمثلة عليها كثيرة، وهذا إذا مذهب أحمد؛ إذا أحمد يأخذ بالاستحسان بهذا المذكور هنا وهو أن تترك حكماً إلى حكم أولى منه بدليل خاص. هذا التعريف الذي ذكره هذا تعريف القاضي يعقوب، عبد المؤمن البغدادي هو الذي طوره بالصورة النهائية. جيد، فلا خلاف بين تعريف القاضي وبين تعريف عبد المؤمن، عبد المؤمن فقط قام بتطويره وبيان أنك تترك حكماً إلى حكم بس بدليل خاص، لا ينبغي أن نقول بدليل، ثم قال عبد المؤمن البغدادي: وهذا لا ينكره أحد. ممتاز، إذا عرفنا الاستحسان بهذا المعنى لا ينكره أحد.

ننتقل للمعنى الثاني أو التعريف الثاني للاستحسان، ما هو؟ وقيل هو دليل ينقدح في نفس المجتهد لا يمكنه التعبير عنه، قال: وليس بشيء. إيش يقول عبد المؤمن؟ الاستحسان بهذا المعنى ليس بشيء لا يلتفت إليه. ما هو؟ قال: دليل ينقدح في نفس المجتهد لا يمكنه التعبير عنه. طيب، هذا التعريف الثاني أيها الأحبة، وقيل دليل ينقدح في نفس المجتهد لا يمكن التعبير عنه، وقال عبد المؤمن البغدادي: ليس بشيء، ونأخذ معه التعريف الثالث أيضاً: وقيل في تعريف الاستحسان واستحسنه المجتهد بعقله؛ أي من دون أن يستند في عقله إلى مصدر من مصادر التشريع، هذا المراد بالتعريف الثالث؛ وقيل الاستحسان هو ما استحسنه المجتهد بماذا؟ بعقله، أي بمجرد العقل البشري من دون الرجوع إلى مصدر من مصادر التشريع المعتبرة الكتاب أو السنة أو الإجماع أو القياس؛ لأنه إذا كان العقل استند إلى هذه المصادر فاستنبط منها العدول ما عندنا مشكلة، لكن الكلام هنا استحسان المجتهد بمجرد عقله أي برأيه المحض، بعقله المحض، هكذا نظر في المسألة وقال: أنا شايف يا جماعة الخير أنه هذه نعدل بها عن نظائرها نعطيها حكماً خاصاً بالعقل المحض. جيد؟ أو تستحسن حتى قضية العدول ما ذكرها، يعني هنا على هذا التعريف الثالث ما ذكر قضية عدول؛ فقط المجتهد تأتي عنده مسألة يحكم فيها بمجرد عقله من دون أن يستنير بنور الوحي والشرع.

الآن التعريف الثاني أنه دليل ينقدح في نفس المجتهد لا يمكن التعبير عنه، والاستحسان بالمعنى الثالث ما استحسنه المجتهد بعقله مرفوض أيها الأحبة عند الأئمة، لماذا؟ نذهب إلى التعريف الثاني ثم نعود إلى التعريف الثالث. حينما تقول الاستحسان دليل ينقدح في نفس المجتهد لا يمكنه التعبير عنه، المشكلة أيها الأحبة في هذا التعريف أنه كيف يكون هناك دليل على مسألة شرعية ولا يمكن للمجتهد أن يعبر عنه؟ يعني هو تصور هذه الفكرة هو الذي جعل الاستحسان بهذا المعنى غير مقبول، أنه كيف يكون الدليل لا يمكن للمجتهد أن يعبر عنه؟ لماذا لا تستطيع أن تعبر عنه؟ إذا كان مصلحة بين لنا هذه المصلحة، إذا كان هناك قول صحابي بين لنا، إذا كان إجماع نص بين لنا، إذا لم يكن من هذه الأمور له مصلحة معتبرة شرعاً أو يمكن اعتباره ولا هو عرف ولا إجماع ولا نص ولا قول صحابي إذا الحقيقة أنت أيها المجتهد لا يوجد عندك شيء؛ لو كان هناك شيء قوياً يعني دليلاً واضحاً هو الذي جعلك تحكم على هذه المسألة بهذا الحكم الخاص لكان الأصل أن تعبر عنه.

أما أن يأتيني مجتهد ويقول لي والله هذه المسألة حكمها كذا، ما هو دليلك؟ في داخلي ووجداني لا أستطيع أن أعبر عنه. لو قبلنا الأحكام الشرعية بهذا المنهج سيؤدي هذا إلى تساهل وإلى تميع، صح؟ في النهاية أنا أريد أن أعرف ما الذي جعلك تقول في هذه المسألة بهذا الحكم، ما هو دليل الشريعة الإسلامية؟ تقوم على النقاش والحوار والاستدلال، أن نقبل من مجتهد أو من إنسان يدعي العلم أنه والله أنا أرى هذه المسألة هذا حكمها ولا أستطيع أن أعبر عن دليلي، نقول لا هذا مرفوض؛ أما أن تعبر عن دليلك بكل وضوح وعجزك عن التعبير عن الدليل هو دليل ضعفك، وأنك لم تصل إلى رتبة الاجتهاد. هل ورد عن أبي حنيفة أو عن الشافعي أو مالك أو أحمد أو الأئمة العظام أن أحدهم قال والله هذه المسألة حكمها كذا ولا أقول لكم ما دليلي لأنه شيء بداخلي؟ ما ورد هذا عن الأئمة أيها الأحبة؛ ما في أحد من المجتهدين يقبل لنفسه هذا المنهجية، منهجية أن أفتي في مسألة بحكم ولا أستطيع أن أعبر.

شف أحياناً ممكن يأتي عامي لا يستطيع أن يفهم دليلك فتقول لا أستطيع أن أفهمك الدليل، هذا حقك كمجتهد، يعني يأتيك بعض العوام أيها الأحبة يطالب أحياناً بعض العلماء بالدليل وهذا العامي لا يملك العلم، فالعالم يجد عناء في تفهيمه الدليل وأن المصلحة هنا هناك مصلحة معتبرة وملاحظة مقصود الشارع؛ طب أنت كيف تتكلم مع عامي عن مقصود الشارع والمصالح؟ وهذا الذي جعلني أقول هناك حديث وهناك فعل، فهنا العالم يستطيع أن يقول للعامي لا يصلح أن أحاورك في هذا الدليل لأنه لا يوجد عندك آلة فهم الدليل والوجه للدلالة، لكن نحن الآن نقول العالم هذا جاءه عالم متمكن مثله فسأله عن دليله، فقال هذا العالم دليلي لا أستطيع أن أعبر عنه؛ لا نقول هذا عجز، هذا عجز ولا نقبل هذه المنهجية في إثبات الأحكام الشرعية. فالاستحسان بهذا المعنى بأنه دليل ينقدح يعني كأنه هكذا يأتي في ذهن المجتهد ولا تستطيع أن تعبر عنه، لا نقبله منهجية معتبرة ولا مصدراً من مصادر التشريع.

طيب روح الشريعة يسموه؟ لا، هو عندما تقول روح الشريعة حتى روح الشريعة أو فحوى الشريعة أو ملاحظة مقصود الشارع هذا يعبر عنه؛ أن تقول لا أستطيع أن أعبر عنه هل أنت عاجز؟ هل المفردات العربية تعجز عن التعبير عن الدليل؟ روح الشريعة وملاحظة مقصود الشارع وهذا هو الاستصلاح، النظر في المصالح الشرعية وملاحظة مقصود الشارع وما الذي يريده الشارع منا ونحكم بناءً عليه، وهذا سيأتي معنا أن له ضوابط، لكن هذا يعبر عنه ويبينه المجتهد للعلماء حتى يفهموا وجهة النظر؛ أما أن يكون هناك شيء في نفسي في وجداني لا أستطيع أن أبوح به لا، هنا هذه المنهجية مطاطة كما نقول وستسبب فساد وهرج الأحكام الشرعية، نغلق هذا الباب تماماً في مسائل التشريع، مسائل التشريع تنبني على الوضوح والأدلة والحجج الواضحة باللسان والبيان؛ الله سبحانه وتعالى علمنا البيان والمجتهد عنده أدوات المعرفة التي يتمكن منها من بيان حجته ودليله إن كان صادقاً في وجود الدليل. فإذاً هذه قضية مرفوضة، ومن باب أولى التعريف الثالث أن يكون مرفوضاً، وهو ما استحسنه المجتهد بماذا؟ بمجرد عقله، من غير أن يستند هذا الاجتهاد العقلي على مصادر التشريع العليا؛ من غير أن يعود العقل إذا استنبط الحكم من مصادر التشريع العليا والنظر فيها ما عندنا مشكلة، لكن المشكلة عندما يكون بمجرد العقل، ولو أنه قال بمجرد ما استحسنه المجتهد بهواه ربما كانت أوضح من كلمة بعقله حتى لا يتوهم، إيش المشكلة بالعقل؟ أليست الشريعة تدعو إلى إعمال العقل؟ لا لا، هنا يقصدون بعقله أي العقل المجرد الذي لم يستنِر بنور الشريعة ولم يعد في فهم هذه المسألة إلى مصادر التشريع وملاحظة مقصود الشارع؛ فهذا الاستحسان بهذا المعنى مرفوض تماماً.

وهو الذي شدد فيه الشافعي، فقال الشافعي: من استحسن فقد شرع، إيش يقول الشافعي رحمة الله عليه؟ من استحسن فقد شرع؛ الشافعي أنكر، شف الشافعي أيها الأحبة المشهور في مذهبه أو في نقولاته في الرسالة وفي غيرها أنه يشدد جداً في الرد على من يقول بالاستحسان، يرحمك الله، يشدد جداً ويقول لا يوجد عندنا في الشريعة مصدر من مصادر التشريع اسمه الاستحسان، طبعاً يطلق الكلام الشافعي لا يوجد عندنا مصدر يسمى مصدر الاستحسان يعاد إليه، ويقول الشافعي هكذا عبارته: من استحسن فقد شرع، طبعاً هذه أيها الأحبة مقدمة صغرى قياس اقتراني، هذه مقدمة إيش؟ صغرى، والمقدمة الكبرى إيش هي؟ من استحسن فقد شرع، ومن شرع فقد كفر، قالوا المقدمة الكبرى سكت عنها الشافعي لوضوحها. الشافعي إيش قال برسالته وفي غير مصنفاته يقول: من استحسن، أي من قال بالاستحسان، فقد شرع. طيب يا إمام إيش المشكلة؟ سكت عن المقدمة الكبرى لوضوحها، ومن شرع جعل نفسه يعني جعل نفسه مشرعاً، طيب ومن شرع أي نصب نفسه أنه مشرع لهذه الأمة يشرع بعقله وبهواه قال: فقد كفر؛ لأن التشريع من دون الرجوع إلى الشرع كفر، فبالتالي ماذا ستكون نتيجة هذا القياس بعد حذف الحد الأوسط؟ أنا أستحسن، أنا أشرع، أنا كفرت. ليه الشافعي ذهب بعيداً بنا؟ آه نعم، نقول الشافعي هو يعلم ما يقول، لكن الشافعي إنما يتكلم عن الاستحسان بهذا المعنى، المعنى أن الإنسان يقول بالمسألة الشرعية برأيه المجرد وبهواه وبعقله من دون أن يستنِر بنور الشرع، من دون أن يستنِر بنور الشرع، فهذا النوع من الاستحسان هو الذي ينكره الشافعي ويعتبره من قبيل التشريع بغير ما أنزل الله ويشدد فيه.

يقول الشافعي في رسالته، اسمعوا ماذا يقول الشافعي في رسالتي؟ يقول: الاستحسان تلذذ؛ يعني إنسان يتسلى ويتلذذ في الشريعة بهواه. الاستحسان تردد، ولو جاز لأحد الاستحسان في الدين جاز ذلك لأهل العقول من غير أهل العلم، طبعاً هذه المسألة خاطئة، لاحظوا ماذا يقول الشافعي رحمة الله عليه هذا الإمام الجليل الكبير، يقول: ولو جاز لأحد الاستحسان في الدين جاز ذلك لأهل العقول من غير أهل العلم؛ وهذا أيها الأحبة ما يحدث الآن في الطبقات المعرفية، تجد في وسائل التواصل الاجتماعي وفي المجالس العامة والمنتديات العامة تجد غير الشرعيين، الاقتصاديين والسياسيين والمثقفين، يعطون أنفسهم حق التحدث في الدين وإثبات المسائل الشرعية بهواهم وزبالة عقولهم؛ طب أنت سياسي، أنت اقتصادي، أنت اجتماعي، ما هي علاقتك؟ ما هي قدراتك حتى تتكلم في مسائل شرعية وتبنيها وتؤصل فيها؟ فانظر الشافعي رحمة الله عليه فيقول الاستحسان هو نوع من التلذذ، أن الإنسان يقول في الدين بعقله وبرأيه المجرد؛ ولو جاز هذا المنهج، يقول ولو جاز لأحد الاستحسان في الدين انتهى الأمر، جاز لأهل العقول من غير أهل العلم يعني السياسيين الاقتصاديين أن يتكلموا في دين الله بما يشاءون، وهي خلص ما عاد في استنارة بنور الشريعة وإنما هي عودة للعقل المجرد. قال: ولا جاز أن يشرع في الدين في كل باب، وأن يخرج كل واحد لنفسه شرعاً؛ كلام عظيم أيها الأحبة، لاحظوا ولجاز أن يشرع في الدين في كل باب، وأن يخرج كل واحد لنفسه شرعاً، لاحظوا فساد فتح هذا الباب أنه.

إذا قلنا إن الاستحسان مصدر من مصادر التشريع، وأن الاستحسان هو بمعنى أن يستحسن المجتهد بعقله، أو حتى ترى التعريف الثاني الذي يقول إن الدليل ينقطع في نفس المجتهد ولا يمكن التعبير عنه، هنا ستتميع المسائل. ويصبح كل إنسان يقول: أنا أجتهد بعقلي وبرأيي، أليس هذا مصدراً من مصادر التشريع؟ إذاً ما المانع أن أتدخل بعقلي؟ هل عقل فلان أفضل من عقلي؟ لذلك هذا المصدر مرفوض تماماً.

أو تعريف الاستحسان بهذا المنهج مرفوض تماماً عند جميع الأئمة. انظروا ماذا قال عبد المؤمن البغدادي في بيان تاريخ ثبوت الاستحسان، قال: وحكي عن أبي حنيفة أنه حجة، الاستحسان بهذا المعنى الثاني والثالث ينسب إلى مذهب أبي حنيفة. والحق الذي أدين الله سبحانه وتعالى به أن أبا حنيفة بريء من هذه النسبة هو ومذهبه، وأن أبا حنيفة إنما قصد بالاستحسان أنه مصدر من مصادر التشريع هو التعريف الأول الذي نتفق فيه جميعاً، أنه العدول بحكم عن حكم نظائرها بدليل خاص، ولا يقصد بالاستحسان المعنى الثاني والثالث.

وأبو حنيفة الإمام الأعظم أورع وأجل من أن يقول بهذا المعنى. انظروا ماذا يقول الزركشي في البحر المحيط، يقول: واعلم أنه إذا حُرّر المراد بالاستحسان زال التشنيع، لأن هناك معركة شديدة بين مذهب الشافعي ومذهب أبي حنيفة، خاصة بين هذين المذهبين. مذهب الشافعية يشنون غارات على مذهب الحنفية: أنكم تقولون بالاستحسان والاستحسان تلذذ وهوى وتشريع بغير ما أنزل الله، وكذا وكذا، تجدون هذه الغارات مشلولة داخل كتب من الشافعية. يقول الزركشي من الأصوليين من الشافعية، وهو من المنصفين: واعلم أنه إذا حُرّر المراد بالاستحسان زال التشنيع، وأبو حنيفة براء إلى الله من إثبات حكم بلا حجة. وهذا هو الكلام الصحيح الذي لا يقبل غيره ما قاله الزركشي، وأبو حنيفة براء إلى الله من إثبات حكم بلا حجة.

ويقول أبو المظفر السمعاني، الإمام العظيم صاحب قواطع الأدلة، كان حنفياً وأصبح شافعياً، ماذا يقول؟ يقول: إن كان الاستحسان هو القول بما يستحسنه الإنسان ويشتهيه من غير دليل فهو باطل، ولا أحد يقول به. السمعاني عاصر مذهب الحنفية وكان حنفياً، فلو كان هذا مذهب أبي حنيفة لبينه، قال: ولا أحد يقول بالاستحسان بهذا المعنى الذي يذمه الشافعي. فإذاً خلاصة الكلام أن الاستحسان كمصدر من مصادر التشريع مقبول عند جميع المذاهب ولكن بأي معنى؟ بالمعنى الأول، وأما بالمعنى الثاني والثالث فهو غير مقبول أبداً.

الاستحسان بالمعنى الأول مقبول عند جميع المذاهب، لكن هناك مذاهب تتجرأ وما عندها مشكلة باستخدام لفظ الاستحسان، مثل مذهب الحنفية، حتى عند الحنابلة كثير منهم يستخدم هذا المصطلح ولكن ليس بكثرة الحنفية. الشافعية عندهم تحرج من استخدام هذا المصطلح، لكنهم يطبقونه من دون أن يسموه استحساناً، يطبقون الاستحسان بالمعنى الأول العدول إلى دليل خاص، لكن حينما يطبقونه لا يسمونه استحساناً. ففي الحقيقة تجدون في كتب الأصول خلافاً في حجية الاستحسان، لكن كما قلت لكم الاستحسان بالمعنى الأول لا خلاف فيه، الكل يقول به، لكن هناك من يستخدم هذا المصطلح ويتجرأ عليه كالحنفية في مصنفاتهم، وهناك من يستخدمه بقلة مثل الحنابلة والمالكية، وهناك من يتحرج جداً من استخدامه مثل الشافعية، لكنهم يقولون بمضمونه. الاستحسان بالمعنى الثاني والثالث لا أحد يقول به وانتهى.

دخول الحمام بغير تقدير أجرة وشبهه، هذا مثال على الاستحسان، لكنه مثال ليس على المعنى الثاني والثالث. دخول الحمام من غير تقدير أجرة هذا استحسان من خلال الأعراف المضطردة، فهذا استحسان ليس للتشهي، وليس بما ينقدح في نفس المجتهد، بل استحسان مبني على عرف مضطرد تناقلته الأمة جيلاً بعد جيل. فهذا المثال دخول الحمام من غير أجرة وشبهه مثال على الاستحسان بالمعنى الأول، وهو العدول عن حكم نظائره لدليل. انتهينا من هذا المصدر، نعود إلى المصدر الأخير من المصادر المختلف فيها وهو الاستصلاح. ففي الحقيقة الكلام عن هذا المصدر كلام متشعب، لكننا نحاول أن نهذبه ونشذبه بقدر الطاقة، لأنه في الحقيقة هذا المصدر التشريعي مهم، فهو خطير وسلاح ذو حدين. هناك من يستخدم هواه في تشريع الأحكام ويغلف هذا الهوى باسم المصلحة الشرعية، وهناك علماء معتبرون يبنون الأحكام الشرعية على مصدر الاستصلاح الحقيقي الذي يلاحظ فيه مقصود الشارع حقيقةً من خلال تبحرهم وتأملهم في نصوص الكتاب والسنة.

فهذا المصدر خطورته تكمن في أنه يمكن أن يتجاسر أن يتسلق عليه ضعاف العلم، أنصاف المتعلمين، ويستخدمونه مطية للقول في دين الله سبحانه وتعالى، فتجد بعض الناس في المقابل يجفون، يقولون: بما أن هناك أناساً يستخدمون هذا المصدر وسيلة للطعن في الدين ولتحميل الدين ما لا يحتمل، نغلق هذا المصدر. فالأمر بين الغالي والجافي، لنقل هذا المصدر ينبغي أن يبقى قائماً، ولكن ينبغي أن يُضبط بضوابط وبحدود وبمنهجيات تمنع أنصاف المتعلمين من أن يوظفوه في الطعن في الدين. وهذا المصدر هو الذي عليه ينبني علم مقاصد الشريعة، الذي يسر الله لنا كتابة فيه، تلاحظون أهمية هذا المصدر.

ما هو الاستصلاح؟ هذا المصدر له عدة أسماء في كتب الأصول، هناك من يسميه الاستصلاح، هناك من يسميه الاستدلال المرسل، هناك من يسميه المصالح المرسلة، فستجدون له في كتب الأصول عدة إطلاقات: الاستصلاح، المصلحة المرسلة، أو الاستدلال المرسل. يهمني الكلمة التي ذكرها عبد المؤمن هنا الاستصلاح، الاستصلاح هنا الذي يظهر والله أعلم أن الألف والسين والتاء هنا للطلب على أصلها، وأن المراد طلب الصلاح، استصلحت الشيء أي طلبت صلاحه، والمصدر استصلاحاً. إذاً فالاستصلاح بمعنى طلب الصلاح. ما هو الاستصلاح كمصدر من مصادر التشريع؟

هذا سيقودني أن أعود إلى الوراء قبل أن أتكلم عن الاستصلاح كمصدر من مصادر التشريع المختلف فيها، أذهب أولاً إلى تأصيل مفهوم المصلحة شرعاً، أذهب إلى بيان ما معنى المصلحة شرعاً، بعد أن ندخل في بعض التقاسيم وبعض الأنواع نستطيع أن نصل إلى تحديد ما هو الاستصلاح كمصدر من مصادر التشريع المختلف فيها. رحلة هذه تبدأ بتعريف المصلحة. ما هي المصلحة؟ كلمة مصلحة، صلح يصلح مصلحة، المصلحة تقبل أن تكون مصدراً ميمياً، وتقبل أن تكون اسم مكان، وتقبل أن تكون اسم زمان.

كلمة مصلحة كونها اسم زمان بعيد، تبقى متأرجحة بين هل هي مصدر ميمي أو اسم مكان؟ اسم مكان مصلحة يعني مكان الصلاح، وإذا جعلناها بمعنى المصدر الميمي أنها مصلحة بمعنى الصلاح، فيكون هنا تدل على الحدث وهو نفس الصلاح. إذاً هل نريد بكلمة مصلحة الدلالة على الحدث وهو الصلاح، ولا نريد بكلمة مصلحة الدلالة على مكان وهو مكان وجود الصلاح؟ في الحقيقة كلاهما قريب، وإن كان الأقرب والله أعلم أنها مصدر ميمي. فإذاً أولاً مصلحة نعتبرها مصدراً ميمياً، كما يقال منفعة بمعنى النفع، فيكون مصلحة بمعنى الصلاح، فتكون مصلحة مصدراً ميمياً تدل على معنى المصدر الحقيقي وهو الصلاح.

ما معنى المصلحة إذا قلت معناها الصلاح؟ الصلاح هو النفع، فيكون معنى المصلحة أنها فيها معنى المنفعة. فإذاً المصلحة في اللغة بمعنى المنفعة. يهمني الآن المصطلح الأصولي لكلمة مصلحة، المصلحة عند الأصوليين هي المحافظة على مقصود الشارع. هذا التعريف ضعوه حلقة في آذانكم، احفظوه جيداً، دائماً استحضر أن المصلحة هي المحافظة على مقصود الشارع. أي شيء يكون فيه محافظة على مقصود الشارع يسمى مصلحة. هناك أشياء يتم بها المحافظة على مقصود الشارع، إذاً هذه الأشياء التي يتم بها المحافظة على مقصود الشارع هي المصالح.

فالسؤال الآن: ما هو مقصود الشارع؟ المحافظة على مقصود الشارع يعني المحافظة على مراد الشارع من خلقه للحياة الدنيا. فإذا ما هو مقصود الشارع؟ نقول مراد الشارع بعد أن استقرأه العلماء وجدوه ينحصر في خمسة أشياء: حفظ الدين، وحفظ النفس، وحفظ العقل، وحفظ النسل، وحفظ المال، وزاد الطوفي رحمة الله عليه حفظ العرض. إذاً يكون مقصود الشارع من الخلق خمسة أشياء وزاد الطوفي سادساً. هذه مفاصل مهمة إذا فهمتها الآن تستطيع أن تفهم كلام الأصوليين.

إذاً أي حكم يحافظ على الدين أو على النفس أو على العقل أو على النسل أو على المال أو على العرض يكون هذا الحكم مصلحة، لأنه يحافظ على مقصود الشارع. الأحكام الشرعية كلها مصالح لأنها تحافظ على مقصود الشارع، استخلص العلماء الأحكام الشرعية فوجدوها إما أن تحافظ على مقصود الشارع في الدين أو في النفس أو العقل أو النسل أو المال أو العرض، ما في غير هيك. فالأحكام الشرعية التي شرعها الله في كتابه وعلى لسان نبيه صلى الله عليه وسلم كلها مصالح لأنها كلها تحافظ على مقصود الشارع سبحانه وتعالى. يقولون هذه الأصول الخمسة جاءت الأحكام في كل الشرائع لتحافظ عليها، لكن في كل زمان له شريعة وأحكام تناسبه تختلف عن الزمان الآخر. أي شيء يحافظ على هذه الأصول الخمسة أو الستة بعد زيادة الطوفي يسمى مصلحة.

أي شيء يساعد على حفظ هذه الأمور يسمى مصلحة، لأن المصلحة هي المحافظة على مقصود الشارع. وأي شيء يسبب خللاً لواحد من هذه الأمور يسمى مفسدة؛ لأن المفسدة هي مقابل المصلحة، فإذا كانت المصلحة هي المحافظة على مقصود الشارع، فالمفسدة هي ما يؤدي إلى خلل في مقصود الشارع. فكل شيء يحافظ على واحد من هذه الأمور يسمى مصلحة، وكل شيء يسبب خللاً في واحد من هذه الأمور يسمى مفسدة.

الآن سأنتقل بكم إلى سؤال مهم ومحوري، كيف يتم المحافظة على مقصود الشارع؟ بعبارة أخرى، من الذي يحدد أن هذا الأمر مصلحة يتم من خلالها المحافظة على مقصود الشارع، وأن هذا الأمر ليس مصلحة يتم من خلالها المحافظة على مقصود الشارع؟ هذا الذي أحاول الوصول إليه؛ من الذي يحدد المصلحة؟ من الذي يحدد أن هذه الوسيلة أو هذا الحكم هو المحافظة على مقصود الشارع؟ هل الاقتصادي والاجتماعي والمثقف وكلهم لهم الأحقية في بيان ما هي الوسائل التي يتم بها المحافظة على مقصود الشارع؟ هل المرجع في ذلك إلى عقول البشر يحددون الوسائل التي يتم بها المحافظة على مقصود الشارع، فهل هم من يحددون المصلحة؟ هذا هو السؤال الذي أريد أن أجيب عنه الآن.

نقول: هذا السؤال، من الذي يحدد المصلحة؟ من الذي يحدد كيف يحافظ على مقصود الشارع؟ وأن هذه الوسيلة تحافظ أو لا تحافظ؟ سيقودنا إلى تقسيم المصالح إلى ثلاثة أقسام. فنقول أيها الأحبة: تنقسم المصالح بحسب اعتبار الشارع لها إلى ثلاثة أقسام. القسم الأول: المصلحة المعتبرة شرعاً. ما معنى المصلحة المعتبرة شرعاً؟ قالوا: المصلحة المعتبرة شرعاً هي المصلحة التي شهد لها الشارع بالقبول. يعني بعبارة سهلة: الشارع الحكيم في الكتاب أو في السنة هو الذي قال لنا إن هذا الحكم مصلحة أو هذا الشيء مصلحة يتم به المحافظة على مقصودي. فإذا كان هناك شاهد حكم الشارع أخبرنا أنه هو الذي به يتم المحافظة على مقصوده، إذاً هذا الشيء يكون مصلحة قطعاً؛ لأنه الشارع هو الذي شهد له، وليست عقولنا البشرية هي التي شهدت له.

أنا أحاول أن أسهل لكم هذه المصطلحات، أفهمها بالشكل السهل حتى عندما تقرأ كلام الأصوليين تفهم، فلذلك حاول أن تفهم معي جيداً. حينما أقول مصلحة معتبرة شرعاً، يعني شهد لها الشارع بالقبول، يعني الشارع الحكيم هو الذي أخبرني وأخبر البشرية جمعاء أن هذا الشيء وهذه الوسيلة أنا أعتبرها وبها يتم المحافظة على مقصودي، أما في حفظ دين أو في حفظ نفس أو في حفظ عقل أو نسل أو مال. فهذه لا خلاف طبعاً في اعتبارها؛ لأن الشارع هو الذي اعتبرها، فلا بد أن يعتمدها الجميع. الشارع بين بها صراحة أن هذه المصلحة تحقق مقصوده.

وكيف نحدد هذه المصلحة؟ يعني ما هي المصالح التي تعتبر شرعاً؟ الأصوليون عندهم تقاسيم للمصالح المعتبرة شرعاً، فيقسمونها إلى مرتبتين: المرتبة الأولى أقوى مرتبة المؤثر، والمرتبة الثانية هي مرتبة الملائم. طبعاً مرتبة الملائم فيها تفاصيل طويلة جداً أيها الأحبة لن نذكرها هنا، وإنما ربما يتطرق إليها في المطولات، وفيها دقة عالية. هذا المبحث بشكل عام هو مبحث دقيق؛ مبحث المصالح وفهم كيف ترتب الأمور من المباحث التي تحتاج إلى شيء من التركيز من طالب العلم حتى يفهم الترابط فيما بينها.

إذاً هناك مرتبتان للاعتبار الشرعي: مرتبة المؤثر ومرتبة الملائم. ما معنى المؤثر؟ المؤثر أيها الأحبة يعرفه الأصوليون بأن يأتي عندنا نص من الشارع في الكتاب أو في السنة أو إجماع على اعتبار وصف معين يتضمن مصلحة في حكم معين. نأخذ مثالاً حتى نقرب الصورة بقدر الإمكان. قلنا ما مقصود الشارع من الخلق؟ خمسة أشياء، أن يحفظ دينهم أو أنفسهم أو عقولهم أو نسلهم أو مالهم. نقول عندنا مقصد من مقاصد الشارع وهو حفظ المال، والمصلحة دائماً هي المحافظة على هذا المقصد. فقلنا أي حكم يحافظ على مقصود الشارع في الدين أو في النفس يسمى هذا الحكم مصلحة. إذاً حفظ المال الله سبحانه وتعالى شرع أحكاماً عديدة لحفظه.

هناك نوازل جديدة في الوقت المعاصر لم يأتِ فيها نص من الشارع لا في القرآن ولا في السنة، نحن نحتاج أن نعرف ما حكم هذه النوازل الجديدة؟ عندما نعطيها أحكاماً، ينبغي أن تكون هذه الأحكام أيضاً تساعد على المحافظة على مقصود الشارع. الله سبحانه وتعالى شرع العديد من الأحكام في كتابه لحفظ المال، مثل وجوب قطع يد السارق، لماذا أوجب الله قطع يد السارق؟ حفظاً للمال. إذاً إيجاد قطع يد السارق فيه حفظ للمال. نأخذ حكماً آخر وهو وجوب الولاية على مال اليتامى، من الأحكام الفقهية المعروفة أن اليتيم تجب الولاية على ماله، هذا الحكم يصب في مصلحة حفظ المال لهذا اليتيم حتى لا يضيع، إذاً وجوب الولاية على مال اليتامى يؤدي إلى المحافظة على مقصود الشارع في حفظ المال.

نحن عندما نجتهد في مسائل تتعلق بالمال يجب أن يكون الحكم الذي نصل إليه يصب في المحافظة على هذا المقصد. الأحكام الشرعية كلّها مصالح سواء كانت وجوباً أو تحريماً أو كراهةً أو ندباً أو إباحةً؛ لأن كلّها تؤدي إلى حفظ مقصد من المقاصد. الآن نبدأ نتعمق أكثر، لماذا أوجب الله الولاية في مال اليتامى؟ المقصد العام كما قلنا هو حفظ المال، لكن لماذا هذا الحكم بحد ذاته يؤدي إلى حفظ المال؟ هنا يأتي التعليل؛ لماذا الولاية على مال اليتيم من طرق المحافظة على مقصود الشارع؟ نقول: لأن اليتيم صغير، والصغر مظنة الضعف البدني والعقلي. فلذلك كان في إيجاد الولاية على ماله مصلحة نحافظ بها على مقصود الشارع في حفظ أموال الناس.

السؤال هنا: من الذي أخبرنا أن إيجاب الولاية على مال اليتيم كان بسبب الصغر؟ إذا كان الشرع هو الذي أخبرنا إما بنص من القرآن أو من السنة أو بالإجماع، نقول حينئذ: هذه مصلحة شهد لها الشارع بالاعتبار، وتكون من قبيل المؤثر. إذاً اعتبار الصغر في ترتيب الأحكام عليه هو مصلحة يسمى من قبيل المؤثر، لأنه كما قلنا، من الذي أخبرنا بصلاحيته لترتيب المصالح عليه للوصول إلى مقصود الشارع في حفظ المال؟ الذي أخبرنا بهذه القضية هو الشارع، فلذلك هذا يسمى المؤثر، وتسمى حينئذ مصلحة معتبرة شرعاً.

تكون مصلحة معتبرة شرعًا. لماذا؟ لأنه مبني على وصف معتبر. طبعًا هناك تفاصيل أكثر في هذا البناء، يعني هو أي حكم تبنيه على هذا يجب أن يكون الحكم بناؤه مع هذا بطريقة معينة متلائمة مع مقصود الشارع. لكن أنا فقط أريد أن أقرب لك الصورة بقدر الإمكان حتى تفهمها، أنه ما معنى مصلحة معتبرة شرعًا.

قلنا هي على مرتبتين: إما بالمؤثر أو بالملائم. المؤثر عرفناه لك قبل قليل: هو وصف ذكر الشارع، أو جاء نص أو إجماع على اعتبار وصف معين له مصلحة في حكم معين. هذا الكلام أيها الإخوة تستطيع أن تفسره بطريقة أخرى سهلة بهذا الأسلوب، يعني أحيانًا بعض التعاريف التي يذكرها الأصوليون تكون غير واضحة المعاني تجد فيها صعوبة، فافهمها بهذا الأسلوب السهل وعبر عنها بطريقتك، أنت غير ملزم بحرفيتها. نحن نقول عندي مقصد حفظ المال، الشارع شرع له أحكامًا عديدة، هذه الأحكام كل حكم منها مصلحة؛ لأنه كل حكم منها يحافظ على مقصود الشارع.

نأخذ حكمًا من هذه الأحكام وهو وجوب الولاية على مال اليتيم، هذا الحكم مصلحة قطعًا؛ لأنه يحافظ على مقصود الشرع. هل هناك حكم جاء اعتباطيًا؟ لا، أي حكم شرعه الله هو للمحافظة على مقصوده، إما في الدين، أو في النفس، أو في العقل، أو في المال، أو كذا. فإذا هذا الحكم يحافظ على مقصوده في حفظ المال في هذا المثال. الآن يأتي السؤال: لماذا إيجاد الولاية في مال اليتامى يحافظ على هذا المقصد؟ هل نحتاج للاجتهاد أن نبدأ نحن نفكر؟ لا، الشارع كفانا، هو الذي أخبرنا لماذا إيجاد الولاية في مال اليتامى؟ جعله وسيلة للمحافظة على مقصد المال، أخبرنا من خلال الإجماع أن اليتيم صغير، والصغر هو مظنة الضعف البدني والعقلي فيناسب ترتيب هذا الحكم عليه.

وهذا الحكم فيه مصلحة تؤدي إلى حفظ مقصد المال أو تحقيق هذا المقصد. وبالتالي فإن ترتيب الأحكام على وصف الصغر شهد له الشارع بالقبول، وليس استنباطات العلماء البحتة، وإنما الشارع هو الذي أخبرنا ودلنا على أني رتبت الحكم على هذا الوصف؛ لأن هذا الوصف فيه كذا وكذا. إذا الشارع هو الذي شهد له بالقبول، الشارع هو الذي شهد له بالاعتبار، فلذلك يسمى حينئذ أي حكم مبني على هذا الوصف بالطرق المعلومة عند الأصوليين مصلحة معتبرة شرعًا. فبناء الأحكام على الصغر تحقيقًا لمقصد حفظ المال، هذا كله يكون من قبيل المصالح المعتبرة شرعًا.

المرتبة الثانية وهي أضعف من الأولى، وهي مرتبة الملائم. وهذه أيضًا تعتبر من قبيل المصالح المعتبرة شرعًا، ولها ثلاثة أقسام: اعتبار جنس الوصف في جنس الحكم، والمرتبة الثانية اعتبار عين الوصف في جنس الحكم، المرتبة الثالثة اعتبار جنس الوصف في عين الحكم. ما هذه الأنواع؟ وما تفاصيلها؟ هذه في المطولات؛ لأنها تحتاج إلى دقة وتمعن، وعبد المؤمن البغدادي ربما تطرق إلى شيء منها في باب القياس؛ لأننا سنستفيد منها أيضًا في باب القياس، ففي باب القياس بإذن الله لعلنا نتطرق إلى شيء منها سريعًا.

النوع الثاني من المصالح: المصالح غير المعتبرة شرعًا. ما معنى مصلحة غير معتبرة شرعًا؟ يعني الشارع هو الذي أخبرنا أنه ألغاها ولم يلتفت إليها، بالتالي قطعًا لا يجوز أن نجعلها وسيلة للمحافظة على مقصوده؛ لأنه هو الذي أخبرنا أن هذا الطريق لا يحافظ على مقصود، لا أريده. بالتالي هل يجوز للبشر أن يجعلوه طريقًا للمحافظة على مقصوده؟ لا يجوز ذلك أيها الأحبة.

نأخذ مثالًا على مصالح غير معتبرة شرعًا، يعني أخبرنا الشارع أنه ألغاها. يقولون أيها الأحبة في أيام الأندلس، المثال المشهور: أحد أمراء الأندلس وطئ جاريته أو امرأته في نهار رمضان. من وطئ في نهار رمضان ماذا عليه؟ عليه كفارة. ما هي كفارة الوطء في نهار رمضان؟ عتق رقبة، هذه أول شيء، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينًا. الآن هذا الأمير دعا يحيى بن يحيى الليثي وهو راوية موطأ مالك، فقال له: ماذا يجب علي؟ أنا وطأت في نهار رمضان. يحيى بن يحيى فكر، الآن ماذا يجب عليك؟ الكفارة، وأول شيء في الكفارة هو تحرير رقبة، وإن لم يستطع يذهب إلى الصيام. الآن هذا خليفة والخليفة ملياردير في أيام الأندلس، فليس عاجزًا. يحيى بن يحيى فكر قال: لو أني قلت له حرر رقبة سيستسهل الموضوع، وتحرير الرقبة خذ مئة رقبة من خزينة الدولة، فسيحرر مئات الرقاب فيسهل الأمر عليه، فبالتالي يمكن أن يجامع مرة أخرى ويقول: اعتق رقبة، فجامع وأعتق. فيحيى بن يحيى أراد أن يشد عليه، فقال: عليك المرتبة الثانية صيام شهرين متتابعين، متجاوزًا النقطة الأولى التي هي عتق رقبة وانتقل إلى النقطة الثانية مباشرة، مع أن الخليفة يستطيع النقطة الأولى بأريحية؛ لأنه رأى أن إيجاد الصيام عليه ابتداء هو المصلحة التي بها يتم المحافظة على مقصود الشارع.

لاحظوا كيف فكر يحيى بن يحيى الليثي في تلك اللحظة. الشارع سبحانه وتعالى من مقاصده أهم مقصد هو حفظ الدين، ولذلك شرع كثير من الأحكام، أي المصالح التي بها يتم المحافظة على الدين، من هذه الأحكام الكفارات، فكفارة الوطء في نهار رمضان حكم شرعه الشارع حفظًا للدين، وبما أنه هذا الحكم فيه محافظة على الدين، إذًا هذا الحكم قطعًا هو المصلحة. كيف شرع الشارع الكفارة في نهار رمضان؟ شرعها على ترتيب معين: عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين، فإن لم يستطع فإطعام ستين. شرعها بهذه الطريقة، إذا هذه الطريقة قطعًا هي المصلحة التي يتم بها المحافظة على مقصود الشارع. لأن أحيانًا أيها الأحبة ترى مقاصد الشارع تتداخل؛ فالشارع هنا يريد حفظ الدين، ولماذا قدم الرقبة؟ قطعًا في تقديمه الرقبة على غيرها أيضًا مصلحة في هذا الموضوع أنه يريد تحرير الرقاب، وتحرير الرقاب فيه حفاظ على النفس.

فالآن يحيى بن يحيى الليثي نظر لجزئية واحدة أنه هذا الخليفة سهل عليه أن يعتق رقبة، فإذا أنا قلت له يجب عليك أن تعتق رقبة، هذا الحكم لا يحقق مصلحة حفظ الدين. يحيى بن يحيى أراد النظر إلى أنه هذا لن يحقق مصلحة حفظ الدين، إذًا ليس هذا هو الحكم الآن في هذه النازلة. رأى أن الحكم في هذه النازلة هو أن يأمر الحاكم بصيام شهرين متتابعين. هذا الحكم في هذه النازلة هو الذي سيحقق مقصود الشارع فهو المصلحة.

فقال: إذًا هذا الحكم هو المصلحة التي تحافظ على مقصود الشارع في حفظ الدين، لأن الخليفة سهل عليه العتق وصعب عليه الصيام. ولكن رد الفقهاء على يحيى بن يحيى الليثي قالوا: المصلحة التي نظرت إليها وجعلتك ترى المصلحة في صيام شهرين متتابعين، لأنها التي يتم بها حفظ الدين لسهولة العتق للخليفة، هي مصلحة ملغاة شرعًا، لا يجوز لك أن تفتي بها. لماذا قال الفقهاء ليحيى بن يحيى الليثي ذلك؟ لأن الحكيم سبحانه عندما أمر بالكفارة على هذا الترتيب، أمر بها على العموم ولم يفصل بين غني وفقير، فدل هذا على أنه ألغى اعتبار الغنى من كل حساباته في هذا الموضوع. لما أنزل الشارع الكفارة على النبي صلى الله عليه وسلم، هل قال عتق رقبة للفقير وصيام شهرين للغني؟ لا، بل أنزلها مباشرة على العموم من دون أن يفصل. لما أنزل الشارع الكفارة على هذا الترتيب ولم يفرق بين غني وفقير، فكأنه ألغى اعتبار الغنى والفقر من هذا الموضوع تمامًا، وكأنه ألغى المصلحة التي التفت إليها يحيى بن يحيى الليثي.

فكأنه نص على ذلك، لأنه لما رتبها ولم يفصل، ترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم، فكأنه قال: هذا الحكم في الكفارة سواء كان المكفر غنيًا أو فقيرًا، فأولًا عتق رقبة، فإن لم يجد فالصيام، فإن لم يجد فالإطعام. فنقول ليحيى بن يحيى الليثي: المصلحة التي نظرت إليها وهي إيجاب الصيام على الغني مثل الخليفة بدلًا من العتق، هذه مصلحة ملغاة شرعًا، الشارع ألغاها. كيف ألغاها؟ لأنهم لما أنزل حكم الكفارة أنزله على العموم ولم يفصل بين غني وفقير، فدل هذا على أنه يلغي اعتبار الغنى والفقر في إخراجها. فهذا نوع من الإلغاء. إذًا هل المصلحة التي اعتبرها يحيى بن يحيى الليثي لتحقيق مقصد حفظ الدين هي وسيلة لحفظ الدين؟ لا، إذًا هي ليست مصلحة؛ لأنه ليس فيها محافظة على مقصود الشارع، وكيف عرفنا؟ الشارع نفسه هو الذي ألغى هذه الوسيلة وهذا الطريق لحفظ الدين.

النوع الثالث من المصالح هو موطن البحث، وهو ما يسمى المصلحة المرسلة. لماذا هي مصلحة مرسلة؟ مصلحة مطلقة، إيش يعني مطلقة؟ يعني لم يشهد لها الشارع لا باعتبار ولا بإلغاء. لم يشهد لها الشارع لا باعتبار ولا بإلغاء، ممتاز، فهذا يسمى مصلحة مرسلة. المصلحة المرسلة هي المصلحة التي لم يشهد لها الشارع لا باعتبار ولا بإلغاء. شفنا نحن في الخطوة الأولى المصلحة المعتبرة، كيف أن الشارع جعل بناء الأحكام على الصغر وسيلة للمحافظة على مقصوده، وشفنا كيف المصالح غير المعتبرة، أن الشارع ألغى اعتبار الغنى سبيلًا في الكفارات ولم يلتفت إليها من أجل المحافظة على مقصوده.

هنا لا، هنا عندنا مسائل شرعية، الفقهاء يقولون: والله تحتمل أن تكون محافظة على مقصود الشارع، ويحتمل ألا تكون فيها محافظة على مقصود الشارع، لم يتأكد ولم يتثبت لنا أن الشارع هل التفت إلى بناء الأحكام أو اعتبار هذه الطريق في بناء الأحكام وسيلة للمحافظة على مقصوده أو اعتبرها، ما ظهر لنا. فهذه تسمى مصالح مرسلة. هل الشارع اعتبر هذه الطريقة في تشريع الأحكام تحافظ على مقصوده ولا ما اعتبرها؟ هنا نقول: إذا كان لم يشهد لها الشارع لا باعتبار ولا بإلغاء، فهي مرسلة.

في المصلحة المعتبرة شرعًا لاحظنا كيف أن الشارع جعل بناء الأحكام على الصغر وسيلة للمحافظة على مقصوده. ولاحظنا كيف أن الشارع جعل تغيير الكفارة في الصيام بناء على الغنى والفقر مصلحة غير معتبرة للمحافظة على مقصوده. المرتبة الثالثة هي المصالح المرسلة؛ طرق لم تأتِ من الشارع شهادة لها بالقبول ولم تأتِ من الشارع شهادة لها بالرفض والإلغاء، فماذا نفعل فيها؟ الآن هذا موطن الكلام عن الاستصلاح، هذا الدليل المختلف فيه: هل يجوز للفقيه والمجتهد هو بنفسه أن يعتبر المصالح المرسلة وسيلة لبناء الأحكام مع أن الشارع لم يوصل اعتبارها، ولا لا يجوز له أن يعتبر المصالح المرسلة وسيلة ومصدرًا تشريعيًا لبناء الأحكام؟

قبل أن أتكلم عن تفصيلها، أذهب إلى تقسيم مهم هو الذي سيساعدنا على حكم الاحتجاج بالمصالح المرسلة. نقول أيها الأحبة، قبل الذهاب إلى الكلام عن حجية المصالح المرسلة، هناك تقسيم مهم بناء عليه نتحدث عن حجية المصلحة المرسلة، وهو أن المصالح الشرعية تنقسم باعتبار درجتها في الأهمية أو باعتبار قوة محافظتها على مقصود الشارع، قل هذا أو هذا، إلى ثلاثة أنواع: مصالح ضرورية، ومصالح حاجية، ومصالح تحسينية.

طبعًا هذا تقسيم آخر للمصالح، قبل قليل قسمنا المصالح باعتبار هل يعتبرها الشارع ولا ما يعتبرها؛ قسمناها مصالح معتبرة، وملغاة، ومرسلة. الآن تقسيم المصالح باعتبار قوة محافظتها.

تنقسم المصالح باعتبار أهميتها في المحافظة على مقصود الشارع إلى ثلاثة أنواع: مصالح ضرورية، ومصالح حاجية، ومصالح تحسينية. وإذا أردنا توضيح ذلك، فنحن نعلم أن مقاصد الشارع من الخلق خمسة، وهي: حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال، والعرض. وهذه المقاصد تُحفظ بوسائل هي المصالح، وقد استقرأ العلماء أن الوسائل التي يُحافظ بها على هذه المقاصد تأتي على ثلاث مراتب من حيث الأهمية.

المصلحة الضرورية هي المصلحة التي لا بد منها في قيام المقصد، سواء كان حفظ دين أو نفس أو عقل أو غير ذلك، بحيث إذا فُقدت لم تجرِ مصالح الدنيا على استقامة، بل على فساد وتهارج يؤدي إلى اختلال الحياة. ومن أمثلة ذلك في حفظ الدين الجهاد في سبيل الله، وفي حفظ النفس القصاص، وفي حفظ العقل تحريم المسكرات، وفي حفظ النسل تحريم الزنا، وفي حفظ المال تحريم السرقة والاعتداء. وهذه المصالح في المرتبة العليا وعادة ما تكون متفقاً عليها بين جميع الشرائع؛ فلا يمكن أن يأتي حكم الشارع بخلافها في أي شريعة من الشرائع.

أما المصالح الحاجية فهي التي يفتقر إليها الناس من أجل رفع الضيق والحرج عن حياتهم، إذ الحياة بدونها تسير بمشقة وعنت، لكنها لا تبلغ في خطرها مرتبة المصالح الضرورية. وتندرج جميع الرخص الشرعية في العبادات والمعاملات ضمن هذا النوع؛ كالرخص للمسافر في قصر الصلاة والفطر، والبيوع التي شُرعت على خلاف الأصل كعقد السلم والاستصناع، فهي تيسير على الناس لئلا يقعوا في المشقة التي قد تؤدي إلى نفورهم من الدين أو اختلال تعاملاتهم المالية.

المصالح التحسينية هي النوع الثالث، وهي مصالح ليست ضرورية ولا حاجية، لكن مراعاتها من محاسن العادات ومكارم الأخلاق. فإذا فوتها الإنسان لن تنهدم المقاصد الخمسة ولن تقع حياة الناس في عنت أو فساد، لكن ستذهب عن حياتهم مكارم الأخلاق. ومن أمثلة ذلك وجوب إزالة النجاسات، فهو حكم شرعي يحافظ على مقصود الشارع في مرتبة التحسين؛ لأن وجود النجاسات يتنافى مع طهارة العبادات ومخاطبة الله سبحانه وتعالى، لكن عدم مراعاتها لا يؤدي إلى التهارج والفساد.

إن هذه التقاسيم مهمة ليعرف الإنسان مرتبة الحكم الشرعي، فلا يعطي مرتبة للضروريات لا تستحقها أو العكس، فإذا تعارض حكم تحسيني مع حكم ضروري قدمنا الضروري. وعلى سبيل المثال، حين يفتي بعض المعاصرين بجواز القروض الربوية من أجل امتلاك البيوت، يجب أن نزن ذلك بميزان المقاصد؛ فتحريم الربا مصلحة ضرورية أو حاجية لحفظ المال، لما يترتب عليه من فساد في أحوال الناس وضيق في معيشتهم، بينما امتلاك البيت في ظل بديل الاستئجار لا يرتقي إلى مرتبة الضروري أو الحاجي الذي يرفع عن الناس الحرج الشديد، فلا يصح تقديم هذه المصلحة على مصلحة ثابتة.

يقول بعض الناس: والله الشيخ الفلاني ما شاء الله سهل في الفتيا؛ أباح لنا أخذ قروض ربوية من أجل امتلاك البيوت والعقارات في أوروبا. هذا الكلام يحتاج إلى توازن في الطرح؛ أنت تقول الربا الذي أذن الله بحرب على فاعله، إذاً قطعاً لا يأذن الله بالحرب والوعيد الشديد على شيء تحسيني! لو كان الربا من قبيل التحسينيات لما وصل به الوعيد إلى هذا الحد، وجعله من كبائر الذنوب. تصنيفه من كبائر الذنوب يجعل الربا من قبيل الضروري أو الحاجي، وامتلاك البيوت لا يصل إلى مرتبة الحاجي أو الضروري. فبالتالي إذا تعارضت هذه المصلحة مع تلك، لا أهدم الضروري أو الحاجي من أجل المحافظة على التحسيني، بل يبقى الضروري والحاجي هو المقدم، والتحسيني يزول من أجل المحافظة على الضروري والحاجي. فهمت كيف هذه المسائل؟ فهذه مسائل خطيرة أيها الأحبة.

عندنا مثلاً مثال؛ أحد الإخوة يناقشني، يقول: أحد الأساتذة عندهم في الجامعة يقول له يجوز للفتيات المسلمات في أوروبا التبرج وكشف الرأس من أجل الذهاب إلى الجامعة. لماذا؟ قال: لأنهم في أوروبا يحتاجون إلى معلمات مسلمات وإلى ممرضات؛ فالحجاب تحسيني، والدراسة الجامعية من أجل إيجاد معلمات وإيجاد ممرضات ضرورية، فبالتالي يجوز أن تكشف المرأة شعرها وتذهب أربع سنوات أو خمس سنوات إلى الجامعة كاشفة عن رأسها حتى تتم الدراسة، ثم بعد ذلك تعود للبس الحجاب. الله! أيها الأحبة هناك نوع من التعجب في فهم الأمور وفي فهم الواقع وفي توصيف الأحكام الشرعية. هو الآن هذا الرجل الذي أفتى بهذه الفتيا، أخذ أن الشاطبي وغيره يقولون إن ستر العورة من قبيل التحسينيات، هم يقولون ستر العورة لو أن الإنسان كشف عورته لن يؤدي إلى تهارج وفساد ولن يؤدي إلى ضيق ومعاناة، لكنه ترك لمكارم الأخلاق ومحاسن العادات. الآن نقول هذا بشكل عام مقبول في تأصيل عام، لكن دعونا نتكلم عن حال المسلمات أو المرأة في أوروبا التي قد يتعرض لحياؤها وشرفها وعرضها. ماذا سيسبب خلع الحجاب لها، وأن تمارس الحياة الأوروبية بأنماطها بالتبرج؟ الفتاة التي تعيش في واقع غير متدين، منفتح تماماً، حينما تصبح مثل هذا الواقع وتخلع حجابها وتذهب وتتكلم مع المجتمع، هل فعلاً فقط خلع الحجاب أدى إلى كشف عورة بهذه النظرة وبالتالي ما حافظنا على تحسينه؟ لا، بل خلعها للحجاب واستمراءها لهذا الأمر خلال أربع سنوات دراسية سيؤدي إلى فساد دينها، وسيؤدي إلى التعرض إليها في الطرقات وغير ذلك.

أظن أنه هناك اعتبارات أخرى أو نظرات أخرى ينبغي أن يتأمل في النظر إليها قبل هذه الفتاوى؛ لأنه قد يكون خلع الحجاب في بيئة معينة وظروف معينة يؤدي إلى فوات مصلحة حاجية أو ضرورية، إذا كان ذلك يعني ضياع الدين برأسه على هذه الفتاة. وقضية تحصيل معلمات ملتزمات أو طبيبات مسلمات في أوروبا، هذا في الحقيقة أيها الأحبة هو التحسيني. لأننا لو نظرنا في فتاوى الفقهاء، لوجدنا أنهم يفتون بجواز كشف العورة في مثلاً حالة الطبيب؛ أليس الفقهاء يقولون بجواز كشف العورة للضرورة؟ إذا كان هناك طبيب مسلم، يجب الذهاب إليه، طبيبة مسلمة. لم يوجد طبيب مسلم، تذهب المرأة إلى مثلاً طبيبة ذمية، هناك فتاوى بذلك عند الفقهاء الأقدمين. أما هل هناك فتاوى عند الفقهاء الأقدمين أن المرأة تخلع حجابها وتسير في الشارع حاسرة الرأس بسبب أنه هناك من يرفض إدخالها لهذا البيئة الجامعية أو إلى مدرسة؟ هل تجد فتاوى بهذا؟ أنت عندما تقرأ الفتوى الآن، هل لو ذهبت المرأة المسلمة إلى طبيبة ذمية كافرة، تخلع حجابها وتسير أربع سنوات من أجل أن نحصل طبيبة مسلمة؟ أنت فهمت كيف المقارنة؟

أنا فقط أناقش حتى تفتح الآفاق أن هناك من يتعجل في إعطاء الأحكام ويوزعها هكذا سريعاً. هل الآن في أوروبا هناك كثير من الطبيبات الكافرات؟ صح، لو ذهبت المرأة المسلمة فكشفت عن عورتها أمام الطبيبة الكافرة للضرورة، هل هذا جائز؟ وهل أفتى الفقهاء بجواز ذلك؟ أفتوا بجواز ذلك ضمن شروط معينة، ألا تجد الطبيبة المسلمة، وما شابه. الآن أنت تريد أن تقول: حتى لا تذهب المرأة المسلمة إلى الطبيبات الكافرات، نحتاج أن تدرس المرأة المسلمة الطب في الجامعات الأوروبية، بالتالي مبيح لها أن تخلع حجابها من أجل أن نحقق هذا المقصد. هل خلع الحجاب أهون من ذهاب المرأة إلى الطبيب الذمي لحالة الضرورة لكشف عورتها؟ هل تخلع الحجاب لمدة خمس سنوات وهي ذاهبة إلى الجامعة ويراها الجميع أهون وأسهل من أن تذهب في لحظات معينة إلى طبيبة كافرة لتعالجها وينتهي الموضوع؟

هل تدرس البنات المسلمات في أوروبا عند من؟ المعلمات ربما مثلاً على أديان غيرهم، على دين النصارى وما شابه ذلك، هل دراستها عندها مدة من الزمن ثم تعود إلى بيتها؟ بل حتى ولو لم تدرس، أنا ليش أقول ليش تذهب حتى ولو لم تدرس؟ ووالدها ووالدتها هم الذين قاموا بتدريس البنات في بيوتهن بدلاً من أن تذهب إلى المدارس. ألا يقول لك الشيخ: إذا ذهبت إلى مدارس النصارى أو المعلمات النصرانيات ستلوث العقيدة؟ يقول: الله! فعلاً ممكن تلوث العقيدة. طيب هل التعليم في المدارس مصلحة حاجية أو ضرورية؟ ما في داعي، تكون مصلحة تحسينية؛ إذا مصلحة تحسينية يدرسها والدها في بيتها. أصلاً لماذا أنت تقيم في تلك البلاد؟ هذا هو السؤال أصالةً. يقول: يا شيخ أنا حاجتي وضرورتي لا أستطيع أن أتخلى. إذا كنت لا تستطيع وأنت صادق أن تتخلى عن الإقامة في تلك الديار، فلا تأتي إلى البلاد المسلمة التي يجتمع لك فيها ممارسة شعائرك الدينية بكل حرية. إذا لم تستطع ذلك، فلا تشترط على الشرع أن يفتح لك الأبواب؛ أنا أريد أن أعلم بنتي في المدرسة، وأريد أذهب إلى الجامعة، أيها المشايخ يلا افتحوا لي أبواب الشريعة، تخلع الحجاب وتذهب وتمارس كل الأمور من أجل تحقيق مصالح تحسينية بل أقل من ذلك في بعض الأحيان. وللأسف بعض أهل العلم أو من ينسب نفسه إلى العلم يلبس هذا الرداء ويتبنى الدفاع عن حقوقهم، فيبدأ يحلل هكذا وهكذا يميناً وشمالاً من دون أن يراعي مقاصد الشارع العليا، وأن ينتبه في موازنته، ولا يستعجل باقتطاف بعض كلام الأئمة. هكذا الحجاب مصلحة دينية بناء على أن ستر العورة تحسين والذهاب إلى المدارس والجامعات ضروري أو حاجة؛ هذه الفتاوى ينبغي أن تضبط أكثر وأكثر.

أعود أيها الأحبة إلى ربما استطردت في هذا الموضوع، لكن شعرت بأهمية التنبيه إليه لأنه كثير من الناس يدس السم في العسل وهو لا يشعر. أعود إذاً فأقول: تقسيم المصالح من حيث درجتها في المحافظة على مقصود الشارع تنقسم إلى ضرورية، ثم حاجية، ثم تحسينية. الآن بعد أن عرضنا هذا التقسيم، نعود إلى الكلام عن المصلحة المرسلة، وهل يجوز أن نعتمد عليها في بناء الأحكام الشرعية ولا لا يجوز؟ نحن قسمنا قبل قليل المصالح من حيث مصلحة معتبرة شرعاً، ومصلحة ملغاة، ومصلحة مرسلة. هل يجوز الاعتماد على المصلحة المرسلة في بناء الحكم الشرعي؟ وهل تعتبر مصدراً من مصادر التشريع؟ نقول اختلف العلماء في هذه المسألة، وتحليل موطن النزاع يتطلب منا أولاً هذا التقسيم. نقول إذا كانت المصلحة المرسلة في مرتبة الضروريات بحسب هذا التقسيم، إذا كانت المصلحة المرسلة التي لم يشهد لها الشارع بالقبول ولا بالإلغاء مصلحة ضرورية، وبفواتها يحدث تهارب وفساد، نعم يجوز اعتمادها في تشريع الأحكام الشرعية، وتعتبر مصدراً من مصادر التشريع.

ذهب الإمام مالك وبعض الشافعية والحنابلة إلى أنها حجة في الأحكام الشرعية، والتمسك بها. طيب ما هو الدليل؟ دليل مالك وبعض الشافعية والحنابلة، قالوا: الدليل أن المجتهد إذا استقرأ موارد الشرع ومصادره، فأفضى النظر إلى القطع لأن الشريعة راعت هذه المصلحة في جزئياتها وكلياتها، فبالتالي هذه المصلحة تعتبر حيث وجدت؛ لأننا نجزم أن جنسها مقصود للشارع. طبعاً هكذا يقولون تعليلاتهم الأصولية، لكن أنا أحب أن أعلل أحياناً بعبارتي، الآن أيها الأحبة إذا كان عندنا مصلحة مرسلة وضرورية على الشاهد، صح؟ من الذي سيصنفها لأنها ضرورية ومرسلة؟ المجتهد، ليس المثقف، ولا العالم، ولا نصف المتعلم؛ المجتهد، يعني قد يكون شخصاً بلغ مرتبة الاجتهاد. أما إذا تقصد بالعالم المجتهد، ما عندي مشكلة؛ الذي يجعل ويحكم بأن هذه المصلحة في مرتبة الضروريات، هو المجتهد الذي استقرأ موارد الشرع ومصادره، ولاحظ تصرفات الشارع واستشربها، هذا الذي يستطيع الحكم بأن هذه المصلحة في مرتبة الضروريات أو الحاجيات أو التحسينيات. ليس الشخص المندفع أمام الغرب، ولا الشخص الضعيف، ولا المتلكئ. الذي يحدد هو الشخص المجتهد الحر في اتخاذ رأيه الذي يخاف الله سبحانه وتعالى ويخشاه، هو الذي يحدد أن هذه المصلحة المرسلة في مرتبة الضروريات.

فإذا كان عندي مجتهد استقرأ موارد الشرع ومصادره، وقرأ النصوص، وتبحر في الفقه، واستوعب تصرفات الشارع في التشريع، فجاء إلى مصلحة مرسلة ورآها في مرتبة الضروريات، فيقول المالكية وبعض الشافعية والحنابلة: يجوز أن يحكم هذا المجتهد بالحكم الشرعي المبني على هذه المصلحة المرسلة الضرورية اعتماداً فقط على باب الاستصلاح. يجوز أن يعتبرها وسيلة للمحافظة على مقصود الشارع في حفظ الدين ويبني عليها الأحكام الشرعية. فإذاً إذا مجتهد لاحظ مصلحة مرسلة ضرورية، يجوز أن يعتبرها ويبني عليها ماذا؟ الحكم الشرعي.

أعطيك مثالاً ربما قد يكون مناسباً لهذه القضية؛ يقولون مسألة جمع المصحف في عهد أبي بكر ثم في عهد عثمان بن عفان. الآن الله عز وجل أمر كما قلنا بالمقصد العام حفظ الدين، صح؟ هل الشارع الحكيم نص في كتاب أو في سنة على أن مقصد حفظ الدين يتم من خلال جمع المصحف في مكان واحد؟ حفظ الدين سيتم من خلال عدة أحكام، لكن جمع المصحف في مكان واحد من المصالح التي يتم بها حفظ الدين. هل نص الشارع في القرآن أو نص النبي صلى الله عليه وسلم لذلك الصحابة أن حفظ الدين يتم من خلال جمع المصحف في مكان واحد أو بين دفتين؟ لم يأت نص من الشارع ولم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة بجمع المصحف بين دفتين. لكن الصحابة وأبو بكر الصديق وعمر بعد ذلك، اتفقوا لما رأوا اختلاط العرب بالعجم وبدأ ظهور اللحن في اللسان، وبدأ كثير من الناس يقرؤون القرآن بشكل خاطئ، رأوا أن القرآن يمكن أن يضيع بهذا النفس وبهذا الأسلوب بترك القرآن مفرقاً لم يكتب في مكان واحد على الوجه الصحيح الذي سمعوه من النبي صلى الله عليه وسلم، فاجتمعوا واتفقوا في خلاصة أمرهم -قصة طويلة- اجتمعوا على ماذا؟ على أنه يجب أن نكتب المصحف، وأن كتابة المصحف وجمعه بين دفتين وسيلة للمحافظة على مقصود الشارع في حفظ الدين.

الآن الصحابة رأوا أن هذه المصلحة مصلحة ضرورية، وإلا لو أننا تركنا الأمور هكذا لضاع كتاب الله سبحانه وتعالى، وبضياعه انعدام الدين؛ إذا ضاع كتاب الله ضاعت الأحكام وضاع المنهج وفسد الدين. أليس كذلك؟ فرأوا أن جمع المصحف في مرتبة المصالح الضرورية، وإذا لم نتخذ هذا القرار سيؤدي هذا إلى ماذا؟ إلى فساد في الدين. فمصلحة جمع المصحف هذه مصلحة، فرأى المجتهدون من الصحابة أنها مصلحة ضرورية لحفظ الدين، فقاموا باتخاذ هذا القرار وقاموا بجمع المصحف. فهنا اتخاذ قرار جمع المصحف كان بناءً على ماذا؟ على مراعاة مصلحة ضرورية مرسلة. لماذا مرسلة؟ لأن الشارع لم يشهد لها باعتبار بحد ذاتها، لم يشهد لها بالاعتبار ولم يشهد لها بالإلغاء. صحيح النصوص عامة في الشريعة تأمر الصحابة بحفظ الدين وكذا، هي نصوص عامة، لكن أنا أتكلم عن هذه المسألة بحد ذاتها، جمع المصحف، هل شهد لها الشارع باعتبار؟ لم يشهد لها الشارع باعتبار، وإنما رآها الصحابة من قبيل المصالح المرسلة الضرورية.

طيب، هناك قول آخر في المسألة أنه المصالح المرسلة الضرورية ليست بحجة، وتنسب هذا الرأي إلى أكثر الفقهاء والأصوليين. طيب، هؤلاء الفقهاء وهؤلاء الأصوليون الذين يقولون إن المصالح المرسلة الضرورية ليست حجة، يعني لا يرجع إليها في بناء الحكم الشرعي، ليست مصدراً من مصادر التشريع، ما دليلهم؟ قالوا: الشريعة لم تدع مصلحة إلا أشارت إليها، ولم تدع مفسدة إلا نهت عنها، فالقول بالمصالح المرسلة فيه استدراك على الشرع. ماذا يريدون أن يقولوا؟ في الحقيقة رأيهم...

قد يكون استوعب وفهم. هؤلاء الذين يقولون لا يجوز الاعتماد على المصالح الضرورية، يقولون: هل هناك مصلحة ضرورية فعلاً كما تقولون أيها المجيزون؟ هل هناك مصلحة ضرورية لم يعتبرها الشارع؟

هل هناك مصلحة ضرورية تصل إلى مرتبة الضروري لم يعتبرها الشارع؟ نازعوا في هذا؛ قالوا: لو كان كما تزعمون أن هناك مصلحة في مرتبة الضروريات لنص الشارع عليها. هكذا يقولون: لو كان هناك مصلحة فعلاً في مرتبة الضروريات لنص الشارع عليها، فبما أن الشارع لم ينص عليها ولم يجد لها بالاعتبار، إذا هي قطعاً لم تصل إلى مرتبة الضروريات، وجعلكم لها من مرتبة الضروريات نوع من الاستدراك على الشارع. كأن الشارع أغفل هذه الجزئية وأنتم تنبهتم إليها، فلا نقبل هذا المنهج.

فإذا هؤلاء ينازعون أصلاً في وجود مصلحة ضرورية لم ينبه ولم ينص الشارع عليها من قريب أو من بعيد. إذاً يصبح النزاع أيها الأحبة قائماً: هل هناك مصلحة ضرورية مرسلة لم ينص الشارع عليها، أم فعلاً لا توجد أبداً أي مصلحة تصل إلى مرتبة الضروريات لم ينص الشارع عليها؟ هنا يبدأ النزاع والنقاش بينهم.

نأتي إلى المصلحة المرسلة إذا كانت في مرتبة الحاجيات أو التحسينيات؛ يقول الغزالي في المستصفى وابن قدامة تبعاً له في الروضة: المصلحة المرسلة إذا كانت حاجية أو تحسينية، لا خلاف بين العلماء في أنه لا يجوز الاعتماد عليها في بناء الحكم الشرعي. يقولون لا خلاف أنه إذا كانت المصلحة المرسلة مصنفة ضمن الحاجيات أو التحسينيات فلا يجوز اعتمادها في بناء الحكم الشرعي أبداً. قالوا لماذا؟ قالوا لأنهم يرون لهم مقصداً جيداً نوعاً ما؛ ماذا يقولون؟ يقولون إننا لو فتحنا هذا الباب على مصراعيه، وقلنا أي مصلحة حاجية أو تحسينية لكم أن تبنوا الحكم الشرعي عليها وتضعوا أحكاماً عليها، فقد فتحنا باب التشريع على مصراعيه للكل، وأصبح التشريع بالرأي هو السائد والدائر بين الناس. إن الأحكام ستبنى كثيراً من الأحكام ليست على نصوص الكتاب والسنة والإجماعات والقياس، أنت ستبنيها فقط على ماذا؟ على أن هناك فقيهاً رأى أن هذه مصلحة فأوجب بها حكماً أو حرم بها حكماً، وهذه مصلحة حاجية طبعاً أو هذه مصلحة تحسينية، خلاص قولوا بوجوب كذا أو بتحريم كذا أو بالنهي عن كذا بناءً على رأيه أن هذه مصلحة تحسينية أو بناءً على رأيه أن هذه مصلحة حاجية.

أيها الأحبة، طب يا شيخ هذا ممكن يحدث في الضروريات؟ لا، نقول لما نقول إنه مصلحة ضرورية، هنا يكون هذا الأمر نوعاً ما مركوزاً عند الجميع وملاحظاً بقوة أن هذه المصلحة ضرورية، وأن الشارع يريد قطعاً اعتبار الحكم، يعني المصلحة الضرورية يصعب أن تخفى على المجتهدين، صح؟ لكن المصالح الحاجية والتحسينية هذا باب واسع لا سد له ولا مغلق له، أن تكون مصلحة تحسينية تزيينية، هذه أبواب واسعة جداً، والمصالح الحاجية أبوابها واسعة جداً، بينما المصالح الضرورية أبوابها ضيقة، يعني هذه الأشياء كذا وكذا وكذا معروف أنها مصلحة ضرورية. أما المصالح الحاجية واسعة والتحسينية أوسع وأكثر، فلو أننا فتحنا باب التشريع بناءً على مجرد النظر في مصلحة تحسينية ومصلحة حاجية سنجد أن هناك سيحدث اعتماد التشريع على الرأي بشكل مكثف.

ونحن نريد أن نغلق الأبواب، نغلق أبواب الهوى ونجعل الأمور منضبطة بحكم الكتاب والسنة وما ينبني عليهما خاصة. وإذا جوزنا التشريع بناءً على المصلحة المرسلة الضرورية هو فقط استثناء مراعاة لضروريتها خشية من فوات فائدتها العظيمة، وأما ما سوى ذلك لا، نريد أن نبقى على سكة الكتاب والسنة والنظر الاجتهادي متعلق بهما يحوم حولهما، لا نريد فتح باب الاجتهاد وتشريع الأحكام بناءً على المصالح التي تطرأ في ذهن المجتهدين هكذا في الحاجيات والتحسينيات؛ لأن هذا باب فتح لن يغلق. فاعتبار المصالح الضرورية تستطيع أن تقول إنها شبه استثناء خاص بها لخطرها، أنت عارف خطرها قديش عظيم، أما تلك الأمور ما وصلت لدرجتها في الخطورة، فنقتصر على المصالح العادية والتحسينية التي اعتبرها الشارع، وما هو في حكم المنصوص عليه من حيث القياس، وأما هكذا مصلحة تحسينية جديدة أو حاجية جديدة لا يجوز أن نبني عليها أحكاماً.

طبعاً الشيخ محمد الأمين الشنقيطي استدرك في مذكرته على روضة الناظر أنه لا خلاف في أن المصالح الحاجية والتحسينية لا يصح بناء الأحكام الشرعية عليها، وقال للظاهر من مذهب المالكي -رحمة الله عليهم- يقول الشيخ بمفهوم كلامه ليس بعبارته إن مذهب مالك في الحقيقة مذهب المالكية يعتبر المصالح المرسلة في الحاجيات كما يعتبرها في الضروريات. فإذاً الشيخ محمود الشنقيطي يدلنا على أن الإجماع وعدم الخلاف عند الغزالي والقدامى منقوض، وأن مذهب المالكية يعتبر المصالح الحاجية في بناء الحكم الشرعي. طبعاً ما مستندات المالكية وما نقاشاتهم؟ أظن هذا شعب سيتشعب كثيراً، فلا أريد أن أطيل عليكم الكلام.

لكن باختصار، إذا عرضنا المصلحة المرسلة الضرورية، هناك خلاف قوي في الاعتماد عليها، وأما الحاجية والتحسينية فالبعض نقل الاتفاق على عدم جواز الاعتماد عليها، وإن كان الشيخ الشنقيطي ينقل عن المالكية جواز الاعتماد عليها. لكن أريد أن أعطيكم خلاصة نهائية، أقول هكذا يقرر أكثر الأصوليين الخلاف في صحة الاحتجاج بالمصالح المرسلة، لكن ذهب طائفة من المحققين إلى عد هذا الخلاف صورياً لا حقيقة له من الناحية التطبيقية، وأنه ما في خلاف حقيقي.

يقول العلامة القرافي -رحمة الله عليه-: المصلحة المرسلة عند التحقيق في جميع المذاهب، يعني المصلحة المرسلة إذا نظرنا إليها جميع المذاهب تعتبرها، جميع المذاهب تعتبرها. قال لماذا؟ قال لأنهم يقيسون ويفرقون بالمناسبات، ولا يطلبون شاهداً بالاعتبار، ولا يعني بالمصلحة المرسلة عند التحقيق في جميع المذاهب إلا ذلك. ويقول ابن دقيق العيد وهو صديق القرافي -كلاهما تتلمذ على العز بن عبدالسلام-: ماذا يقول؟ يقول نعم، الذي لا شك فيه أن لمالك ترجيحاً على غيره من الفقهاء في هذا النوع، ويليه أحمد بن حنبل ومذهب الحنابلة في الاعتماد على المصالح المرسلة، قالوا ولا يكاد يخلو غيرهما عن اعتباره في الجملة.

المشكلة أننا رجعنا الآن أن القرافي وابن دقيق العيد ينسفان كل طريقتنا السابقة في بيان حجية هذا المصدر، أنه ينقسم لمصلحة ضرورية هناك من يقول بها وهناك من لا يقول بها، والمصلحة الحاجية والتحسينية يقول الغزالي لا خلاف في عدم الاعتماد عليها. هذه الطريقة هي التي هي مشهورة عند الأصوليين في الكلام عن هذا المصدر عن الاستصلاح، لكن القرافي وابن دقيق العيد وبعد ذلك نجم الدين الطوفي اتخذوا مسلكاً آخر في الكلام عن حجية هذا المصدر. ما هو هذا المسلك الآخر؟ أظن أنه يصعب علينا أن نتحدث عنه في هذا اليوم، نؤجله إلى محاضرات أخرى، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.