دخولتسجيل الدخول

الدرس 35 - الأصلُ الرّابع «الاستصحاب» - الأصول المختلف فيها(١)

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين ومحجة للسالكين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا مباركًا إلى يوم الدين.

حياكم الله أيها الأحبة في مجلس جديد نعقده في شرح كتاب قواعد الأصول ومعاقد الفصول للإمام عبد المؤمن البغدادي رحمة الله تعالى عليه. وقد انتهى بنا المطاف إلى الدليل أو المصدر التشريعي الرابع، وهو الاستصحاب. الاستصحاب هو المصدر الرابع الذي نتكلم عنه بإذن الله في هذه الدورة المباركة من مصادر التشريع.

ونعود أيها الأحبة إلى عبد المؤمن البغدادي في مطلع هذا الكتاب حين بدأ بتقسيم مصادر التشريع إلى مصادر تشريع متفق عليها ومصادر تشريع مختلف فيها. وقلنا عبد المؤمن جعل مصادر التشريع المتفق عليها ثلاثة سمعية وواحد عقلي، فقال: الكتاب والسنة والإجماع هذه مصادر تشريع متفق عليها وهي سمعية نقلية، وجعل المصدر الرابع المتفق عليه من مصادر التشريع الاستصحاب وقال: وهو عقلي. فبالتالي نحن اليوم نتكلم عن الاستصحاب، وعده عبد المؤمن البغدادي من قبيل مصادر التشريع العقلية وليس السمعية، يعني مبناه على العقل.

وسيظهر لكم أيها الأحبة أن هذا الاستصحاب ربما نقول بعض أنواعه، وهي في الحقيقة أكثر من غيرها، مبنية على العقل. ولكن هناك بعض أنواع الاستصحاب لا نقول إنها مبنية على النقل وتقبل النقاش، هي الفكرة بشكل عام وراء أنها تقبل النقاش. هناك نوع نعم نوع عقلي، لكن هل الأنواع الأخرى التي سنتعلمها اليوم من الاستصحاب توجد من قبيل العقل أو النقلي؟ في الحقيقة هي تقبل النقاش.

طيب، إذا المصدر الرابع من مصادر التشريع المتفق عليها على طريقة عبد المؤمن البغدادي الاستصحاب؛ لأن هناك كما سيأتي معنا بإذن الله من لا يعد الاستصحاب من مصادر التشريع المتفق عليها، هناك كثير من الأصوليين لا يعدون الاستصحاب من مصادر التشريع المتفق عليها. بل الأكثر، أنت إذا ذهبت إلى كتب الأصول حينما يعدون مصادر التشريع المتفق عليها، يقولون: كتاب، سنة، إجماع، قياس. هذه طريقة الأكثر. عبد المؤمن البغدادي وابن قدامة تبع الغزالي في عدِّه لمصادر التشريع المتفق عليها الكتاب، السنة، الإجماع وهذه نقلية، والمصدر الرابع جعله عقليًا وهو الاستصحاب.

طيب، ما هو الاستصحاب؟ ما فكرة هذا المصدر؟ ما أنواعه؟ هذا موضوع الدرس اليوم بإذن الله مع ما سنلحقه من الحديث عن التشريع المختلف فيها. ما هو الاستصحاب؟ نبدأ ابتداءً، الألف والسين والتاء تدل على الطلب، أقول: استصحب يعني طلب الصحبة، كيف نقول استسقى؟ لأنه طلب الماء، استوقف؟ يعني طلب الوقوف. استصحب: إذا طلب الصحبة، ألف وسين وتاء هذه من فوائد المصادر، استفعل من أشهر معانيها الطلب. فإذا استصحب الشيء أي طلب صحبته، هذا معنى الكلمة من حيث الدلالة اللغوية.

أما الاستصحاب من الناحية الأصولية فيعرفه كثير من الأصوليين بأنه استدامة إثبات ما كان ثابتًا، واستدامة نفي ما كان منفيًا. أعيد: الاستصحاب عند الأصوليين هو استدامة إثبات ما كان ثابتًا، واستدامة نفي ما كان منفيًا. فالاستصحاب إما أن يكون من جهة الإثبات وإما أن يكون من جهة النفي. من جهة الإثبات يكون عندي شيء ثابت أستديم هذا الثبوت، أو شيء نفي مسبقًا أستديم وأستبقي هذا النفي.

البعض يزيد على هذا التعريف: حتى يأتي الناقل. وهذه الزيادة الأخيرة جيدة في الحقيقة، البعض يستغني عنها والبعض يثبتها وما عندي إشكالية ووضوح التعريف، لكن الإثبات أفضل. فنقول إذا في النهاية الاستصحاب استدامة ما كان مثبتًا ونفي ما كان منفيًا حتى يأتي الناقل. إذا جاء الناقل الذي ينقلنا عن هذا الإثبات أو عن هذا النفي نتبع الناقل، لم يأتِ الناقل فنستديم إثبات ما كان ثابتًا ونفي ما كان منفيًا.

الآن بعد أن عرفنا تعريفه، نأخذ مثالًا عليه. لو أننا كنا نعيش مثلاً في غابة من الغابات ووجدنا عشبة جديدة، هذه العشبة أول مرة تكتشف على وجه الأرض لم يعرفها أحد قبلنا، هل هذه العشبة معلومة الحكم في القرآن الكريم أو في السنة النبوية؟ لا. طيب ما حكم تناول هذه العشبة؟ هنا العلماء يقولون لا يوجد عندنا نص في الكتاب في حكم تناولها، ولا يوجد عندنا نص في السنة في حكم من تناولها، ولا يوجد عندنا إجماع. ماذا نفعل؟ في النهاية لا بد من حكم، أي تصرف من تصرفات المكلفين له حكم.

فيقولون أيها الأحبة هنا نستصحب الأصل في المطعومات، فنقول: الأصل في المطعومات أنه إباحة التناول، الأصل الذي أخبرنا الله عز وجل به عمومًا في كتابه حين قال: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: 29]، وقال في موضع آخر: ﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ﴾ [الجاثية: 13]. فنقول الأصل في المطعومات وفي النباتات إباحة التناول. فاستصحب هذا الأصل معي في هذه العشبة الجديدة، فأقول إذا هذه العشبة الجديدة هي من قبيل المطعومات، فاستصحب فيها ذاك الأصل المعلوم مسبقًا وهو جواز تناول المطعومات حتى يأتي النص المحرم.

هذا هو الأصل في المطعومات: إباحة التناول حتى يأتي النص المحرم. فبالتالي استصحب هذا الأصل في هذه العشبة الجديدة فيكون حكمها بالتالي الإباحة. ما دليلك على أن تناول هذه العشبة الإباحة؟ أقول: استصحاب الأصل. ما هو الذي استصحبته؟ الأصل في المطعومات الإباحة حتى يأتي الناقل، وهنا لم يأتِ عندي شيء ناقل، فاستصحب هذا الأصل فيها.

بعد أن عرفنا الاستصحاب دعونا ننتقل إلى أنواعه، لكن قبل أن ننتقل إلى أنواع الاستصحاب سأقرأ ما قال عبد المؤمن معلقًا على ما يمكن التعليق عليه. قال عبد المؤمن البغدادي: وأما الأصل الرابع، لاحظ ماذا قال: وأما الأصل الرابع لأننا تكلمنا عن الكتاب ثم تكلمنا عن السنة ثم تكلمنا عن الإجماع، الآن سيدخل في المصدر أو الأصل الرابع من مصادر التشريع المتفق عليها على طريقته. قال: وهو دليل العقل في النفي الأصلي، فهو أن الذمة قبل الشرع بريئة من التكاليف فيستمر حتى يجد ما يغيره، ويسمى استصحابه.

في الحقيقة هذا التعريف هو تعريف لنوع من أنواع الاستصحاب، لذلك التعريف الذي ذكره للاستصحاب هو تعريف لنوع من أنواع الاستصحاب وهو استصحاب البراءة الأصلية، ونحن الآن نريد أن نعرف الاستصحاب كدليل جملة تحت أنواع، وليس فقط أريد أن أتكلم عن استصحاب البراءة الأصلية. البراءة الأصلية هذا نوع من أنواع الاستصحاب، لذلك لا نقول الاستصحاب كمصدر من مصادر التشريع هو استدامة إثبات ما كان ثابتًا ونفي ما كان منفيًا حتى يأتي الناقل، ثم بعد ذلك ندخل في أنواعه، فيكون النوع الأول هو استصحاب البراءة الأصلية الذي عرفه عبد المؤمن.

فإذاً نبه: عبد المؤمن البغدادي لم يعرف الاستصحاب جملة، وإنما بدأ بتعريف نوع من أنواع الاستصحاب، وهو استصحاب البراءة الأصلية. طبعًا هو الأهم، وأنا مدرك وباقي الأنواع أيضًا مهمة، لكن المقصود أنه هو الذي يظهر فيه أثر الاستصحاب أكثر من غيره من الأنواع. لذلك يهتم الأصوليون بتعريف استصحاب البراءة الأصلية أكثر من غيره من أنواع الاستصحاب، لأن أثر الاستصحاب وفائدته تظهر في هذا النوع أكثر من غيره.

الآن إذاً أعطانا عبد المؤمن سيعودنا إلى الحديث عن أنواع الاستصحاب، فنقول أيها الأحبة: الاستصحاب على أربعة أنواع. النوع الأول من أنواع الاستصحاب: ما يعرف عند الأصوليين باستصحاب البراءة الأصلية المعلومة بدليل العقل. لذلك ماذا قال عبد المؤمن البغدادي؟ وأما الأصل الرابع وهو دليل العقل.

تذكروا أيها الأحبة في بداية هذا الكتاب حينما تكلمنا: هل العقل دليل مصدر للتشريع؟ ماذا أجبنا عن هذا السؤال؟ العقل يصلح دليلاً في تشريع الأحكام؟ ذكرنا هذه المسألة سابقًا، وقلنا العقل دليل على نفي الأحكام، في النفي وليس دليلًا في الإثبات. فقلنا العقل يصلح أن يكون دليلاً، نعم يصلح أن يكون دليلاً، لكن في جزئية واحدة وهي في نفي الحكم والدلالة على براءة الذمة. لذلك نقول: العقل يصلح دليلاً على النفي، ولا يصلح دليلاً على الإثبات. العقل لا يوجد لديه القدرة على إثبات أحكام تكليفية، هذا مرجعه إلى الكتاب والسنة والإجماع والقياس.

نحتاج أن نوظف هذا الكلام هنا في فهم النوع الأول من أنواع الاستصحاب، وهو استصحاب البراءة الأصلية الثابتة بدليل العقل. ما معنى استصحاب البراءة الأصلية الثابتة بدليل العقل؟ نقول أيها الأحبة، العقل يدل على أن كل شيء لم يتعرض له الشرع ويثبت له حكماً فهو باقٍ على النفي الأصلي أو على البراءة الأصلية. لذلك يقول الأصوليون: العقل دليل على نفي الأحكام الشرعية وليس دليلًا على ثبوتها.

العقل يدل على أن الشيء الذي لم يتعرض له الشارع بالحكم فهو باقٍ على البراءة الأصلية، أو على النفي الأصلي، يعني نفي الحكم. لذلك ما قلت لكم أي شيء جديد نكتشفه، أي شيء يوجد ولم نجد الشارع نص على حكمه، فإننا نقول: الأصل أنني بريء من التكليف فيه. هذا في الأشياء، مثلًا في العبادات هل هناك إذا جاء شخص يثبت عليه عبادة جديدة؟ أقول: هل الشارع أمرني بهذه العبادة وهناك نصوص تدل عليها؟ إذا لم يأتِ هذا الذي يثبت العبادة الجديدة بنصوص من الشارع تدل على وجود هذه العبادة، أؤكد ذلك فأقول: والله الأصل براءة ذمتي من هذه العبادة حتى يأتي الدليل.

فلذلك عندما تنظرون في كتب الفقه، يقولون: الأصل براءة الذمة من صلاة سادسة حتى يثبت الدليل بوجود صلاة سادسة. نحن كم الصلوات التي عليها؟ خمس. لو جاء شخص يثبت صلاة سادسة، أنت بماذا تجيبه في هذه الصلاة؟ بالبراءة الأصلية الثابتة بدليل العقل، تقول له: هل عندك نص؟ ما عندك نص. إذًا الأصل براءة الذمة. هكذا تتعامل مع هذا الدليل. وهذا هو الاستصحاب: استدامة البراءة الأصلية الثابتة بدليل العقل حتى يأتيني النص المكلف، ما جاء النص أستصحب وأستديم هذه البراءة الأصلية التي أثبتها لي دليل العقل. هكذا تقول دائمًا أيها المكلف، استصحب في حياتك البراءة الأصلية، يعني أنت بريء أصالة من التكاليف.

من التكاليف والأحكام. هذه البراءة من الذي أثبتها لك؟ تقول دليل العقل. لو جاء شخص وقال لك فسر لي أكثر ووضّح لي، تقول له: العقل يدلنا على أن أي شيء لم يتعرض له الشرع ببيان حكم إثبات، فالأصل أني بريء منه. بهذا المفهوم هكذا تفهم البراءة الأصلية؛ لأنه كثير من الطلبة أجده عندما تخاطبه أو تكلمه بهذا الدين لا يفهم معنى البراءة الأصلية. عليك أن تفهم جيداً ما معنى علمت أني بريء أصالة، وأن هذه البراءة ثبتت بدليل العقل. ولا تخشَ، فدليل العقل كما ذكر المسلم هو العقل دليل على، وهنا استخدم للنفي وليس للإثبات، فلا إشكال في ذلك. وهذا النوع كما قلنا هو الذي تكلم عنه عبد المؤمن البغدادي أولاً، حين قال: واما الأصل الرابع قال: وهو دليل العقل في الأصل، هو يتكلم عن النوع الأول من أنواع الاستصحاب.

تعرف أيش قال؟ دليل العقل في النفي الأصلي أو قل على النفي الأصلي، وهي نفس اللي أنا كنت تكلمت فيها قبل قليل، وهو أن الذمة قبل الشرع، يعني قبل مجيء خطاب الشرع، بريئة من التكاليف، فيستمر، فتستدام هذه البراءة حتى يرد ما يغيره، يعني حتى يأتي النص المكلِّف، صح؟ حتى يأتي النص الذي يكلّفنا. واضح ولا في غموض في الجزئية؟ وهذا النوع إذاً، هذا هو النوع الأول أيها الأحبّة من أنواع الاستصحاب، ويسمى استصحاب البراءة الأصلية، وبه ننفي وجوب صلاة سادسة، به ننفي وجوب صيام يوم غير رمضان، به ننفي وجوب زكاة في غير الأموال الزكوية المعروفة، به ننفي كثير من الأمور التي مقابلون مخالفون في مذاهب أخرى ليثبتوها علينا.

فإذا جاء الحنفية فأثبتوا صلاة سادسة واجبة وهي مثلاً الوتر، عليهم هم أن يأتوا بالدليل، أما نحن فنستدل على عدم وجوب الوتر بماذا؟ بالبراءة الأصلية الثابتة بدليل العقل، أنه لا عندنا صلاة سادسة حتى تأتوا بماذا بالدليل الذي يوجبها. نحن ننفي وجوب صيام غير رمضان، فمن يوجب أن هناك يوم يجب صيامه غير رمضان، يوم عرفة يوم عاشوراء، هو الذي عليه أن يأتي بالدليل، وإلا الأصل براءة الذمة من التكليف بصيام غير رمضان حتى يأتي النص المكلِّف. فهذا إذاً منهج على طالب العلم وعلى المستدل وعلى الفقيه أن يستخدمه دائماً في مقابلة أي شخص يريد أن يفرض أو أن يوجب تكليفاً على المكلّفين، أن نقول: الأصل براءتنا حتى يأتي النص الذي يكلّفنا.

الآن هذا النوع أيها الأحبّة مجمع على الاحتجاج به، أجمع الأصوليون على اعتبار هذه الطريقة وهذا المنهج أو هذا الأسلوب كمصدر من مصادر التشريع، وهو جواز الاعتماد على البراءة الأصلية التي دل عليها العقل لنفي الأحكام حتى يأتي النص المغير. اتفقوا على الاستدلال بهذا المنهج، وإن اختلفت عبارة الأصولية في التعبير عنه؛ لذلك يقول أبو الطيب الطبري: وهذا حجة بالإجماع، وكذلك الزركشي في البحر المحيط نقل عن ابن كدجة قوله: إنه صحيح لا يختلف أهل العلم فيه؛ فهذا يدل على أن هذا النوع الأول من أنواع الاستصحاب، وباستصحاب البراءة الأصلية لا إشكال عند الأصوليين في اعتباره والذهاب إليه.

نذهب الآن إلى النوع الثاني من أنواع الاستصحاب. النوع الثاني أيها الأحبّة هو استصحاب الدليل حتى يرد الناقل، اكتبوا عندكم: النوع الثاني استصحاب الدليل الشرعي حتى يأتي الناقل. فنقول أيها الأحبّة ما معناه هذا النوع الثاني؟ الآن لا نتكلم عن براءة أصلية ثبتت بالعقل، لا لا خلاص انتقلنا لجزئية أخرى، المرحلة الثانية أو النوع الثاني من أنواع الاستصحاب، يأتي عندنا دليل في الكتاب الكريم يثبت حكماً، أو دليل من السنة المطهرة يثبت حكماً، أو إجماع، جيد؟ يأتي عندنا دليل يثبت حكماً، فنقول: كل دليل -اكتبوا عندكم- كل دليل أثبت حكماً يجب التمسك بدلالته على الحكم حتى يثبت خلاف ذلك، جيد؟ يقول: كل دليل أثبت حكماً يجب التمسك بدلالته على الحكم، واستدامة دلالته على الحكم، على الاستدامة الاستصحاب، استدامة دلالته على الحكم حتى يثبت خلاف ذلك.

وبناءً على ذلك اكتب: وبناءً على ذلك فيجب التمسك بنصوص الكتاب والسنة حتى يرد الناسخ، ويجب التمسك بالنص العام حتى يأتي المخصص، ويجب التمسك بالنص المطلق حتى يأتي المقيد. جيد؟ بناءً على هذه الفكرة أنه إذا جاء عندي دليل يثبت حكماً، فاستديم دلالة هذا الدليل على الحكم، أبقى مستديماً لهذه الدلالة حتى يأتي الناقل. فإذا جاء عندي نص يثبت حكماً، أبقي على هذا الحكم مثلاً حتى يأتي الناسخ، ما بصير أرفعه وما عندي ناسخ. إذا كان عندي نص عام عليّ أن أستديم دلالته والله حتى يأتي المخصص، هل يجوز أن أخصصه هكذا من عندي، أو أن أبطل دلالة العام، أو أن أخصصه من دون مخصص؟ لا. إذا جاء عندي مطلق، أستديم إطلاقه في جميع أفراده حتى يأتي المقيد.

طيب نأخذ مثالاً أيها الأحبّة، الله سبحانه وتعالى ماذا قال في سورة البقرة؟ قال سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: 221]، أليست هذه بسورة البقرة؟ ﴿وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ﴾، الآن لا تنكحوا المشركات، المشركات جماعة اقترن بـ "أل" الاستغراقية، إذاً هو صيغة من صيغ العموم، لا تنكحوا أيها الأحبّة أي مشركة، لا يجوز نكاح أي مشركة حتى تؤمن، ويدخل ضمن هذا العموم اليهود لأنهم مشركون، ويدخل أيضاً النصارى لأنهم مشركون، فإذاً نقول: هذه الآية ﴿وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ﴾ دلت بعمومها على عدم جواز نكاح أي مشركة، ومنهم اليهود والنصارى. الآن ماذا فعل الصحابة؟ ماذا كان ينبغي على الصحابة أن يفعلوا؟ أن يستديموا دلالة هذا النص، الاستدامة، يجب أن يبقى هذا النص على عمومه، نستديم هذا العموم ولا نخرج أي فرد من الأفراد.

إلى متى يستديمونه؟ يبقى هذا العموم مستداماً إلى أن يأتي المخصص، إذا لم يأتي مخصص أستديم العموم، إذا جاء مخصص أتبع التخصيص، جيد؟ هذا معنى استصحاب الدليل الشرعي حتى يرد الناقل، استصحبت دليل العموم وبقيت أعمل به إلى أن جاءني، لم يكن المخصص، يجب أن أبقى مستديماً لدليل العموم، هذه هي الفكرة. الآن هل هذه الآية بقيت على عمومها ﴿وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ﴾؟ ولا وقع فيها تخصيص؟ وقع فيها تخصيص، أن الله سبحانه وتعالى في سورة المائدة أباح نكاح الكتابيات المشركات، فقال سبحانه: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ ۖ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ ۖ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: 5]، ففي سورة المائدة جاءني المخصص، هنا فأتبع التخصيص، وأخصص عموم آية البقرة.

المطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء، يجب أن أستديم هذا النص العام في كل مطلقة حتى يأتي المخصص، فكل مطلقة، حامل، غير حامل، مهما كان مدخول بها، غير مدخول بها، يجب أن أستديم هذا النص العام في حقها، فأقول: عليك عدّة إذا طلقت ثلاثة قروء. الآن أبقى أستديم هذا النص حتى يأتي المخصص، فجاء المخصص: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: 4]، طبعاً يعني أنا أمثل لكن لا تغفلوا عن الفكرة السابقة، أنه إذا عمل بالنص العام، واستقر العمل به ثم جاء المخصص، فهنا في الحقيقة المخصص يقوم بعملية نسخ للبعض وليس عملية تخصيص، لذلك أما إذا جاء النص العام ثم جاء المخصص قبل أن يستقر العمل بالنص العام، حينئذ نقول هناك تخصيص.

الفكرة السابقة انتبهوا عليها، إذاً فهذا إذاً هو ما يسمى استصحاب الدليل الشرعي حتى يأتي الناقل، وبناءً عليه كما قلنا يستصحب النص حتى يأتي الناسخ، ويستصحب العام حتى يأتي المخصص، ويستصحب المطلق حتى يأتي المقيد. طبعاً هذا النوع هل هناك خلاف بين الأصوليين في اعتباره؟ هذا النوع أيضاً لا خلاف في الاحتجاج به بين الأصوليين أيها الأحبّة، فكل الأصوليين يقولون إذا جاء عندنا دليل شرعي كان عاماً كان مطلقاً بأي صورة جاء، جاء دليل شرعي يجب أن نستصحب على الحكم حتى يأتي الدليل الناقل. طيب، هل هناك مناقشة في هذه القضية؟ يعني خلونا نتناقش في مسألة أنه هل هذا النوع أيها الأحبّة بنظرة بعيدة هل هذا النوع مصدر من مصادر التشريع؟ يعني هل هناك مصدر مستقل من مصادر التشريع اسمه استصحاب دليل الشرعي المثبت للحكم حتى يأتي الناقل؟

في الحقيقة بعض الأصوليين ينازع في جعل هذا النوع مصدراً من مصادر التشريع، يقول: هذا النوع من الاستصحاب لم يثبت لنا حكماً، هو ليس مصدراً من مصادر التشريع، لماذا؟ لأن الحكم أيها الأحبّة، الحكم في الحقيقة وبماذا ثبت؟ الحكم بماذا ثبت؟ يعني قلنا مثلاً المطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء، جميل؟ يجب أن نستصحب هذا العموم حتى يأتي المخصص، الآن هل هناك مصدر تشريعي اسمه استصحاب الدليل الشرعي حتى يأتي الناقل؟ طب الحكم في هذه الصورة، وبماذا ثبت الحكم؟ وبماذا ثبت؟ وثبت بالنص من الكتاب، وثبت بالنص من السنة، وثبت بالإجماع، وأنت تستصحب النص المثبت للحكم، ففي الحقيقة الاستصحاب هنا لم يثبت حكماً حتى نعتبره مصدراً من مصادر التشريع.

الاستصحاب هو استصحاب الدليل الذي أثبت حُكمه، عرفت؟ يعني الاستصحاب هنا هل هو مصدر من مصادر التشريع برأيكم؟ هل هو دليل من الأدلة الإجمالية؟ يعني نستطيع أن نقابل به الكتاب والسنة والإجماع، أو هو في الحقيقة وظيفته هو استصحاب ما دل عليه الكتاب، استصحاب ما دل عليه السنة، استصحاب ما دل عليه، يعني باختصار هل هو يستصحب ما دل عليه المصدر التشريعي وليس هو بذاته المصدر التشريعي؟ صح؟ يعني هيك لو نظرنا بنظرة متزنة بعيدة هادئة نجد أن هذا النوع لن نثبت حكماً، هو يستديم ما ثبت بالمصادر التشريعية الأخرى، يستديم ما ثبت بالمصادر التشريعية الأخرى حتى يأتي الناقل، أليس كذلك؟ لذلك نازع بعض الأصوليين في عدّ هذا النوع مصدراً من المصادر التشريعية، كالجويني مثلاً.

الإمام الجويني في البرهان، بعد ما تكلمت عن عبقرية أبو المظفر السمعاني في قواطع الأدلة، من أفضل كتب أصول الفقه، قواطع الأدلة كما ذكر ذلك السيوطي في شرحه على كوكب، يقول: من أفضل كتب أصول الفقه قواطع الأدلة لأبي المظفر السمعاني، هذان الإمامان قالوا: أو قال الحكم الشرعي في هذه الصورة ثابت بالنص الشرعي لا بالاستصحاب، وهذا الواقع فعلاً، الحكم هنا ثابت بمصادر التشريع الأخرى، والاستصحاب هنا فائدته فقط استدامة ما ثبت بالمصادر التشريعية الكتاب أو السنة أو بالإجماع حتى يأتي الناقل، لذلك إذا وجدت نزاعاً في بعض كتب الأصول في هذا النوع، هو نزاع في عدّه هل هذا النوع مصدر من مصادر التشريع، أو هو ليس مصدراً، وإنما هو استدامة لمن ثبت بالمصادر التشريعية؟

ستجد هذا الخلاف وأنا بالحقيقة ربما أميل إلى طريقة الجويني في فهم الموضوع، أنه هنا الاستصحاب لم يثبت حكماً أستطيع أن أعدّه مصدراً مستقلاً من مصادر التشريع، وإنما الاستصحاب اعتمد على ما ثبت بالمصادر التشريعية السابقة، بل سيأتي معنا ربما في آخر كلامنا عن الاستصحاب أن جميع أنواع الاستصحاب في الحقيقة هي ليست مصادر تشريعية مستقلة، إنما هي استدامة لما ثبت من المصادر التشريعية بجميع أنواعه، وهذا هو الصحيح، يعني هذا لا يتعلق فقط بالنوع الثاني، بل جميع أنواع الاستصحاب حتى المختلف فيها إنما هو استدامة لما ثبت بالمصادر التشريعية الأخرى، لذلك عدّ الاستصحاب مصدراً من مصادر التشريع مستقلاً أرى أنه يحتاج إلى نقاش، ولذلك ناقشه كثير من الأصوليين في السابق، وبعضهم كما قلت لكم، بل أكثر الأصوليين عندما يتكلمون عن المصادر المتفق عليها ترى لا يذكرون الاستصحاب.

لماذا؟ لأنهم لا يعدّونه مصدراً مستقلاً بنفسه يدل على الحكم، وإنما هو يأخذ من المصادر التشريعية الأخرى ويطلب الاستدامة، لذلك عدّوه مصدراً مستقلاً على طريقة عبد المؤمن وابن قدامة والغزالي، أظن أنه فيه شيء كبير من النقاش. طيب، بعد ما عرفنا النوع الثاني، ننتقل إلى النوع الثالث من أنواع الاستصحاب، وهو استصحاب، لاحظوا ماذا سأقول في النوع الثالث، استصحاب الوصف المتعلق به أحكام شرعية حتى يثبت زوال هذا الوصف، هذا النوع الثالث، أعيد: استصحاب الوصف المتعلق به أحكام شرعية، أوصاف تتعلق بأحكام شرعية، أستصحب هذه الأوصاف، استصحاب الوصف المتعلق به أحكام شرعية حتى يثبت لنا زوال هذا الوصف.

نأخذ مثالاً يتضح المقال إن شاء الله، سهل الموضوع أيها الأحبّة، قالوا: الحدث، أسباب الطهارة حدث أصغر وحدث أكبر، الآن الحدث الأصغر والأسباب التي تؤدي إليه معلومة لديكم في نواقض الوضوء، جميل؟ الحدث الأصغر وصف يقوم ببدن الإنسان حينما يقوم بشيء من الأشياء من نواقض الوضوء بفعل الأفعال التي تنقض الوضوء، مثل النوم، مثل الذهاب إلى الغائط أو ما شابه ذلك، صح؟ إذاً الحدث وصف يقوم بالمكلف في أحوال معينة، الآن هذا الوصف، الحدث، إذا قام بالمكلف تتعلق به أحكام، أليس كذلك؟ مثل إيش؟ عدم جواز الصلاة، عدم جواز مس المصحف، عدم جواز الطواف، إذاً عندي وصف تتعلق به أحكام، إذا قام هذا الوصف وهو الحدث بالمكلف أستديم ثبوته حتى يأتي عندي ما يدل على زواله، إذا قام هذا الوصف بالمكلف فإنني أستديم ثبوته حتى يأتي المكلف أو تظهر دلالة أو مؤشر على زوال هذا الوصف.

فالآن كما قلت: فلان من الناس ارتكب ناقضاً من نواقض الوضوء فقام به وصف الحدث، وصف الحدث تترتب عليه أحكام معلومة، كما قلنا في الصلاة وقراءة القرآن والطواف، نقول: هذا الوصف نستديم ثبوته في فلان الفلاني.

حتى يقوم هذا الشخص بما يزيل هذا الوصف. مثل ماذا؟ يقوم يتوضأ؛ إذا قام هذا الشخص بالوضوء حينئذ نقول زال عنك هذا الوصف. فكرتها سهلة صح ولا لا أيها الأحبة؟ يعني استدامة الوصف حتى يأتي ما يدل على زواله. طيب نأخذ مثالاً آخر.

أنا والشيخ خالد قمنا بعملية بيع وشراء، هو باعني سلعة، بعني هذه السيارة؛ اشترت السيارة منه ودفعت له المال. الآن السيارة أصبحت ملكاً لي. الآن الملك يكون وصفاً، مثله مثل وصف الطهارة، لماذا؟ تملك هذه السيارة وصف يتعلق بي، كيف ثبت؟ من خلال قيامي بعملية البيع والشراء ثبت هذا الوصف وهو ملكي. نستديم هذا الوصف للانتفاع بهذه السيارة؛ بالتالي كل الأحكام التي تتعلق بملكي لهذه السيارة تبقى: يجوز لي أني أبيعها، يجوز لي أني أهبها، يجوز لي أني أرهنها، يجوز لي أني أفعل فيها ما أشاء، أني أخرج فيها وقت ما أشاء، أعود فيها. كل الأحكام الشرعية التي تنبني على ملكي لهذه السيارة يحق لي أن أفعلها. أليس كذلك؟ حتى يأتي ما يثبت زوال هذا الوصف، أي زوال ملكي للسيارة، كيف ذلك؟ أعطيكم هذه القصة، من خلال القصص تصبح الأمور واضحة.

كما قلت لك أنا اشتريت هذه السيارة من الشيخ خالد وأصبحت مالكاً لها، يحق لي أني أروح فيها وأمشي وأذهب للمسجد فيها وأذهب وارهنها وأهبها وأعيرها لأي شخص. صحيح؟ يوم من الأيام أنا ماشٍ في هذه السيارة أوقفني رجل فقال لي: ترى هذه السيارة اللي تنزل منها لي، بدأ نقاش ونزاع واجتمعت الحارة والتزمت الدنيا، المهم وصلت القضية للمحكمة، وصل الأمر إلى المحاكم، نسأل الله العافية. الآن القاضي ماذا طلب مني؟ طلب مني مثلاً الوثيقة التي تثبت أني أملك هذه السيارة، صح؟ فأنا أتيت بهذه الوثيقة التي تثبت أني اشتريت السيارة من الشيخ خالد وقلت: هذه الوثيقة تثبت أني أتصف بهذا الوصف وهو أني مالك لهذه الدابة لهذه السيارة. الآن القاضي سيطلب من الرجل الآخر: أعطني وثيقتك التي تثبت أنك أنت الذي تملك. ذاك الرجل ما عنده وثيقة تثبت أنه مالك لهذه السيارة. فالآن القاضي ماذا سيفعل؟ سيستديم الملك؛ لأن عنده شيء يثبت حقيقة السيارة، سيستديم اتصافي بملك هذه السيارة حتى يأتي الرجل الآخر بدليل بوثيقة تثبت زوال ملكي لهذه السيارة. فهذا ما يسمى عند الأصوليين استدامة الوصف، يستديم الوصف أني مالك حتى تأتي القرينة الواضحة البينة الحجة الواضحة على زوال هذا الوصف عنه.

جميل، الآن القاضي مثلاً طلب من هذا الشخص وثيقة، ذاك الشخص جاب وثيقة تثبت أنه بعد أنا، يعني تاريخ ملكي أنا للسيارة مثلاً كان شهر عشرة، ذاك الشخص يثبت أنه تملك السيارة بشهر اثنا عشر. إذاً عنده وثيقة أقوى من وثيقتي؛ أنا وثيقتي بشهر عشرة أني أنا ملكتها بشهر عشرة، هو يثبت أنه تملكها شهر اثنا عشر، طبعاً أنا أمثل بمثال، أنا أقول لك أصل الفكرة أن ذاك الرجل عنده وثيقة تثبت زوال اتصافي بملك السيارة. إذاً هو عنده وثيقة تثبت زوال اتصافي بهذا الوصف أني مالك للسيارة. الإجراءات القضائية، فأنا فقط أريد أن أوضح لكم هذه الفكرة؛ ما معنى هذا النوع الثالث من أنواع الاستصحاب، وهو استصحاب الوصف المتعلق به أحكام شرعية حتى يثبت زواله، ومثلنا له بقضية الحدث في العبادات وقضية الملك في المعاملات. واضح فكرتها؟

وهذا النوع أيضاً أيها الأحبة لا خلاف بين الأصوليين في الاحتجاج به، لكن نفس القضية هو يختلف؛ هل هو مصدر من مصادر التشريع؟ هل هذا النوع مصدره مصادر التشريع في الحقيقة أيضاً جعل لهذا النوع مصدر من مصادر التشريع أظن يحتاج إلى نقاش، لأن الوصف الذي ثبت ثبت بناء على تصرفات حكم بها الشارع مثلاً أنها تثبت أوصافاً مثل بيع، شراء، مثل نواقض الوضوء؛ تثبت أوصافاً. أنا هنا أستديم إثبات هذه الأوصاف التي ثبتت بطرق الإثبات الشرعية السابقة، فبالتالي هل هذا نوع من مصادر التشريع أو استدامة ما ثبت مسبقاً؟ الذي يظهر أيضاً مثل النوع السابق أنه استدامة ما ثبت مسبقاً، أما ببيع أو شراء أو بالشارع مثلاً أخبر أن الحدث يأتي بنواقض الوضوء، فإذا أنا ارتكبت ناقضاً من نواقض الوضوء قام بالحدث أستديم هذا الحدث؛ فالحدث ليس الاستصحاب هو الذي أثبته، وإنما الذي أثبت الحدث ارتكابي لناقض من نواقض الوضوء التي عدها الشرع سبباً في وقوع الحدث. وإنما أنا استدمت الوصف الذي ثبت بطرق من طرق أسباب الشرع، فجعل هذا النوع مصدراً من مصادر التشريع أيضاً فيه نقاش.

النوع الرابع والأخير من أنواع الاستصحاب هو النوع الذي فيه النزاع المشهور في علم الأصول، وهو ما يسمى أيها الأحبة استصحاب الإجماع في محل النزاع. هذا هو النوع الرابع. طبعاً سامحوني أنا أرتب الأفكار التي تكلم بها عبد المؤمن؛ أن عبد المؤمن في هذا الباب أدخل صوراً في بعضها فأحتاج إلى هذا التحرير، فنقول النوع الرابع: استصحاب الإجماع في محل النزاع. ما صورة هذا النوع أيها الأحبة؟ اكتبوا عندكم سريعا، نقول صورة هذا النوع أن يكون العلماء أجمعوا على حكم شرعي في حالة أو صورة معينة، وقع إجماع من العلماء على حكم شرعي في صورة معينة تماماً، ثم تتغير هذه الصورة التي وقع عليها الإجماع، تأتي عندنا مسألة أخرى صورة جديدة، أو تأتي صورة جديدة لهذه المسألة لم يقع عليها إجماع. ممتاز؟

إذاً أجمع العلماء على حكم شرعي لمسألة في صورة معينة، تتغير صورة هذه المسألة، هذه الصورة الجديدة للمسألة لم يقع عليها إجماع، فينشأ خلاف بين العلماء في الحكم الشرعي لهذه الصورة الجديدة للمسألة؛ ما حكمها الشرعي؟ فتستدل طائفة، فتقوم طائفة من العلماء بالاستدلال بماذا؟ فقالوا يستدل من يريد إبقاء الحكم الشرعي لهذه المسألة بصورتها الجديدة على الحكم الشرعي الذي كان ثابتاً قبل تغير الصورة. إذاً يستدل من يريد إبقاء الحكم الشرعي لهذه المسألة بصورتها الجديدة على ما كان عليه الحكم الشرعي على الصورة القديمة، طبعاً الصورة القديمة الحكم الشرعي بإجماع. فهناك من يريد إبقاء هذه المسألة بصورتها الجديدة على ذاك الحكم السابق، فماذا يفعل؟ يقولون يستصحب الإجماع الذي وقع على الصورة السابقة في هذه الصورة الجديدة المتنازع فيها.

فلذلك سُمي استصحاب الإجماع في محل النزاع؛ فيقول هذا المستدل مثلاً: الحكم كان مجمعاً على أنه كذا في الصورة السابقة، فالأصل أنه يبقى على هذا الحكم في الصورة الجديدة حتى يأتي ما ينقضه. عرفتم ماذا سيكون المستدل باستصحاب الإجماع في محل النزاع؟ يقول: الحكم الشرعي كان مجمعاً على أنه كذا وكذا في الصورة السابقة، فالأصل أن يبقى هذا الحكم ثابتاً في الصورة الجديدة حتى يأتي ما ينقضه. فهذا يسمى استصحاب الإجماع في محل النزاع. إذاً فكرتها أيها الأحبة كما قلت لكم؛ عندنا العلماء أجمعوا على حكم شرعي في مسألة شرعية إذا كانت بصورة معينة، أجمعوا على الحكم، الآن تغيرت صورة هذه المسألة، تغيرت الصورة فأصبح عندها صورة جديدة، هذه الصورة الجديدة لم يتفق العلماء على حكمها، تنازعوا.

فقالت طائفة منهم: نحن نستدل باستصحاب الإجماع في محل النزاع. قلنا لهم: ما معنى أنكم تستدلون باستصحاب الإجماع في محل النزاع؟ قالوا: نقول حكم هذه المسألة بصورتها الجديدة هو الحكم السابق قبل تغيرها إلى هذه الصورة الجديدة، نفس الحكم الذي كان ثابتاً في الصورة السابقة. لماذا؟ يقولون الحكم الذي كان مجمعاً على أنه كذا في الصورة السابقة يجب أن يبقى ثابتاً في هذه الصورة الجديدة حتى يأتي ما ينقضه. واضح الكلام؟

طيب، نأخذ مثالاً، الآن أيها الأحبة العلماء يقولون: إذا الشخص كان فاقداً للماء، دخل عليه وقت الصلاة، بحث عن ماء لم يجد ماء، قام فتيمم ثم صلى وسلم من الصلاة؛ بمجرد أن سلم من صلاته وانتهى من الصلاة إذا والماء حاضر، هل صلاته التي صلاها صحيحة ولا باطلة؟ صحيحة باتفاق العلماء بالإجماع؛ لأنه رأى الماء بعد انقضاء الصلاة. رجل كما قلنا دخل عليه وقت صلاة الظهر، بحث عن ماء، بحث عن ماء، خشي فوات الوقت، قال: يا شيخ ما وجدنا ماءً، فقام فتيمم فصلى وانتهى من الصلاة، بعد أن انتهى وإذا الماء والصهاريج والحمد لله البلدية فتحت وجاء الماء. الآن صلاته صحيحة بالإجماع؛ لأنه متى وجد الماء؟ بعد انقضاء الصلاة. جميل، إذاً نقول الصورة المتفق عليها بين العلماء، حتى الإنسان يرتب أفكاره، الصورة المتفق عليها أو الحكم المجمع عليه: أجمع العلماء على صحة صلاة المتيمم إذا رأى الماء بعد انقضاء الصلاة. هكذا نقول: أجمع العلماء على صحة صلاة المتيمم إذا رأى الماء بعد انقضاء الصلاة.

طيب، الآن اختلفت صورة المسألة؛ رجل دخل عليه وقت الظهر لم يجد ماء، قلنا له تيمم، تيمم، قال: الله أكبر، شرع في صلاة الظهر، أثناء صلاة الظهر وهو يصلي، ابنه يصرخ: يا أبتِ، البلدية جابت الماء الحمد لله، أثناء الصلاة. الآن ماذا يفعل هذا الرجل؟ هل صلاته صحيحة يكملها لأنه شرع فيها؟ أو نقول: لا، صلاتك انتهت وبطلت، عليك أن تذهب تتوضأ بمياه الحكومة ثم تأتي لتصلي؟ فالآن أيها الأحبة هذه الصورة وهي ما يسمى: إذا وجد الماء في أثناء الصلاة هل تبطل صلاته أو هي صحيحة؟ فيها نزاع بين العلماء، لاحظوا، هذه الصلاة فيها نزاع، فمن يصحح، من يريد أن يصحح هذه الصلاة من العلماء، قال على أن الصلاة صحيحة ولا عليه أن ينقض صلاته ويذهب يتوضأ، يقول: الصلاة في صحيحة يكملها. الذي زعم أن هذه الصلاة صحيحة بماذا استدل؟ استدل بماذا؟ باستصحاب الإجماع في محل النزاع.

كيف؟ قال: نحن أجمعنا على صحة صلاة المتيمم إذا وجد الماء بعد فراغه من الصلاة، صح؟ قلنا له: صحيح. فقال: أنا أستصحب هذا الإجماع في محل النزاع في هذه الصورة الأخرى التي نختلف فيها، فأقول: إذاً الأصل أن الإنسان إذا تيمم وبدأ في الصلاة أيضاً تكون صلاته صحيحة، حتى لو وجد الماء في أثناء الصلاة، وكيف؟ قال: استصحاباً للحكم الذي أجمعنا عليه مسبقاً. نحن أجمعنا على صحة صلاته إذا وجد الماء بعد الصلاة، فاستصحب هذا الحكم الشرعي وهو صحة الصلاة إذا وجد الماء أيضاً في أثناء الصلاة. الآن ما رأيكم أيها الأحبة بهذه المنهجية في التفكير؟ انظر ماذا فعل الذين يرون أن المتيمم إذا وجد الماء في أثناء الصلاة صلاته صحيحة، من أشهر أدلتهم استصحاب الإجماع في محل النزاع، يقول: نحن أجمعنا على صحة صلاته إذا وجد الماء بعد الصلاة، فاستصحب هذا الحكم -ما هو الحكم الذي استصحبه؟ استصحب الحكم وهو صحة الصلاة- استصحب هذا الحكم في محل النزاع، جميل.

استصحب هذا الحكم فقال: الصلاة صحيحة. أيضاً استصحبنا، يقولون: كيف استصحبت هذا الحكم في محل النزاع؟ قال: لأنه أجمعنا سابقاً. نقول له: الصورة السابقة كيف ثبتت الصحة فيها؟ هذا السؤال. الصورة السابقة كيف ثبتت الصحة فيها؟ ما دليل الإجماع؟ إذاً صحة صلاة المتيمم إذا وجد الماء بعد الصلاة فيها إجماع، ممتاز؟ هذه الصورة الجديدة كيف أنت تأتي لها بهذا الحكم الشرعي وهو صحة الصلاة الذي هو كان مبني على الإجماع، مع أن هذه المسألة الجديدة أو الصورة الجديدة لا إجماع فيها؟ عرفتم كيف النقاش سيتم؟ أنه أنت تريد أن تقول أني أنا استصحبت الحكم الشرعي وهو صحة الصلاة في هذه الصورة المتنازع فيها، ولماذا يريد أن يستصحب؟ حتى يقول لمن يبطل الصلاة هذه: أنت عليك أن تأتي بالدليل على أن الصلاة باطلة، أما أنا قمت بالاستصحاب، أنا أستصحب الصحة حتى أنت الذي تأتي بالدليل الذي يدل على بطلان الصلاة. قلنا له: من أين أتيت أن الأصل الصحة؟ قال: إننا أجمعنا في الصورة السابقة على صحة الصلاة، فاستصحب هذا الحكم في صورة النزاع. فيكون له مخالف، صورة النزاع لا إجماع فيها، يعني كيف أنت تستصحب إجماعاً في محل نزاع؟ طب ما هو له إجماع في محل النزاع.

طيب، إيش رأيكم أيها الأحبة؟ متفاهمين الآن، أين المشكلة صارت؟ ولا فيه إشكال في الغموض؟ أعيد ترى ما عندي مشكلة، بس في جزئية... جميل، طيب أقفل السبورة، ربما أحياناً مع الحركة تتحرك العقول، الآن صورة مجمع عليها، وهي ماذا؟ صحة الصلاة إذا وجد الماء بعد الصلاة، صح؟ الحكم الشرعي هو صحة الصلاة إذا وجد الماء بعد انقضاء الصلاة، ممتاز، الآن الصورة المتنازع فيها.

ما الحكم إذا وجد الماء في أثناء الصلاة؟ الآن من يرى أن الحكم أيضًا الصحة، فالموصلات صحيحة ولا يجب أن يبطل صلاته وينقضها ويذهب يتوضأ، هذا هو القول الأول. والقول الثاني ما فيه نزاع. من قال إنها صحيحة ما دليله؟ قال: أستصحب الإجماع السابق في محل النزاع، وهذا محل نزاع؛ فهذه الصورة محل نزاع، والإجماع وقع على الصورة السابقة التي هي إذا وجد الماء بعد الصلاة. وأما صورة إذا وجد الماء في أثناء الصلاة فهذه صورة متنازع فيها ولم يتنازع فيها.

قلت: لا، إذا وجد الماء في أثناء الصلاة فهذه متنازع فيها. فمن يرى أن صلاته صحيحة إذا وجد الماء في أثناء الصلاة لماذا استدل بالإجماع الذي وقع على الصورة السابقة؟ قال: أنا أستصحب الإجماع إلى محل النزاع. في الحقيقة هذه المسألة أيها الأحبة من المسائل التي لست أفكر فيها، يعني هل من قال بذلك من الأصوليين هل هو يقصد أنه الإجماع الذي وقع في الصورة السابقة سآتي به بنفسه كمصدر تشريعي وآتي به إلى هذه الصورة المتنازع فيها؟ هل هذا الذي يقصده مع أنه ظاهر عبارة كثير من الأصوليين أنه يأتي بالإجماع فيفرضه في محل النزاع؟ فنرد عليه أن هذه الصورة نتنازع فيها فكيف تفرض فيها إجماعاً؟ ليس منطقياً أن نقول هذه العبارة غير مريحة بالنسبة لي، غير مريحة.

هؤلاء أيضاً أصوليون الذين قالوا باستصحاب الإجماع في محل النزاع، هم ليسوا مبتدئين في طلب العلم؛ هو يدرك أن هذه الصورة المتنازع فيها ليس فيها إجماع ويدرك أنها صورة نزاع، فما معنى أنه يستصحب الإجماع في محل النزاع؟ برأيكم ما معنى أنه يستصحب الإجماع في محل النزاع؟ في الحقيقة هذه العبارة هي استصحاب الإجماع في محل النزاع التي يعبر بها كثير من الأصوليين، هي التي تسبب الإجمال في فهم هذه المسألة؛ لأنه في الحقيقة هو لا يستصحب نفس الإجماع في محل النزاع، هو يستصحب حكم الإجماع. الحكم الذي ثبت بالإجماع يستصحبه في محل النزاع.

فيقول إذا وجد الماء هنا في أثناء الصلاة هو يوقر المتنازع فيها وليس يقول لك فيها إجماع، يعلم ذلك، يكون الحكم الذي ثبت إجماعاً في الصورة السابقة وهو صحة الصلاة، هذا الحكم هو نفسه فقط هو الذي أتى به واستصحبه في صورة النزاع. فأقول للمخالف: هذه الصلاة التي رأى فيها الماء في أثنائها أيضاً صحيحة، حتى تأتي أنت بالدليل الناقل أنها باطلة. ما الذي يفعله هذا؟ الآن بناء على هذه الفكرة في الحقيقة لا أجد كلام هذا الرجل غير منطقي، أجده منطقياً نوعاً ما. قد لا أوافقه بالكلية، سنناقش الآن لكن منطقياً مقبول أنه يقول: هذه المسألة ما عندك فيها دليل من القرآن أنها باطلة الصلاة؟ قال: لا. طيب عندك دليل من السنة أنها باطلة؟ قال: لا. عندك إجماع أنها باطلة؟ قال: لا. قال: إذاً خلاص، أنا أستصحب أنها صحيحة حتى تأتي أنت والله بدليل يثبت أنها باطلة. فقل له: من أين استصحبت الصحة؟ وقل له: أنا استصحبت الصحة من الصورة السابقة، نحن أجمعنا في الصورة السابقة على صحة صلاته فاستصحبت، فأقول: الأصل أيضاً صحة الصلاة في هذه الصورة المتنازع فيها حتى يأتي المخالف بما يدل على بطلان الصلاة.

إذاً هو عندما استصحب، هو لم يستصحب نفس الإجماع، فالتعبير بأنه استصحاب الإجماع في محل النزاع قد يكون مشوشاً للطالب، أنه كيف الإجماع ويأتي به في محل النزاع؟ طب ما هو محل النزاع مختلف فيه، كيف يأتي بإجماع فيه؟ طب ما هو لا يقر بإجماع، لنكن دقيقين حقيقة، وأنا وجدت ابن القيم كان دقيقاً في إعلام الموقعين حينما تكلم عن هذه المسألة، وقال: هؤلاء يستصحبون الحكم الذي ثبت بالإجماع، يستصحبون هذا الحكم في محل النزاع وليس نفس الإجماع هو الذي يؤتى به في محل النزاع. يعني ليس منطقياً أن يقول الأصولي أو الفقيه: إذا وجد الماء في أثناء الصلاة فالحكم الصحة، والدليل على ذلك الإجماع؛ طبعاً أي إجماع؟ طب ما هي مسألة فيها خلاف أصلاً، ليس منطقياً وهو يدرك ذلك. فالاستصحاب إذاً هو للحكم، الاستصحاب هو للحكم في محل النزاع، جميل؟ طيب الآن دعونا نناقش هذه النظرة ونرى من قال بها، الآن إذا ذكرنا هذه المسألة واضحة، انكشفت النقطة التي كانت غامضة وعرفت وين الإشكال؟

الآن جمهور الأصوليين على عدم صحة هذا النوع الرابع من الاستصحاب. نعود لنقول: إذاً ما هي أقوال الأصوليين في هذه المسألة؟ جمهور الأصوليين على عدم صحة الاستدلال بهذا النوع من أنواع الاستصحاب، على بطلان هذا النوع من أنواع الاستصحاب. ما دليله؟ الدليل الأول قال: الإجماع في موضع الوفاق وقع على صفة معينة، وقد تغيرت هذه الصفة في موضع الخلاف، فكيف يستصحب الإجماع فيها؟ ماذا يريد أن يقول؟ يقول الإجماع في موضع الاتفاق وقع هذا الإجماع بناء على صورة معينة، صح ولا لا؟ أنه رأى الماء متى؟ بعد الصلاة، جميل. الآن تغيرت هذه الصورة في مسألة النزاع، مسألة النزاع أنه رأى الماء متى؟ في أثناء الصلاة، فكيف تستصحب الإجماع فيها؟ فهذا الاستنكار كيف تستصحب الإجماع فيها مبني على أنه هذا المستدل هو يتصور أن من يقول بهذا الدليل يستصحب نفس الإجماع في محل النزاع.

ففي الحقيقة أنا أرد على هذا المستدل، أقول هو لم يستصحب الإجماع على هذه الصفة المختلف فيها، هو استصحب الحكم الذي دل عليه الإجماع في الصورة السابقة، وأما الإجماع هو يعلم أنه لا يوجد إجماع في هذه الصورة، وقطعاً لن يقول هناك إجماع أيضاً في هذه الصورة حتى يأتي المخالف بدليل آخر، كيف تقول أن هناك إجماع في هذه الصورة؟ يدرك ذلك. يعني إذا ثبت أن هناك بعض من قال في هذا النوع الرابع يقول: لا، أنا نعم أقول هذه الصورة نتنازع فيها، أثبت فيها إجماعاً حتى يأتي الخلاف، أقول نعم، ردوا عليه بهذا المنهج. لكن هل هناك من قال بهذه الطريقة أصلاً وهل هذه الطريقة مقبولة فكرياً عند الأصوليين؟ يعني كيف أنت تقول هناك إجماع وهي صورة متنازع فيها؟ لا أظن أن أصولياً متمكناً في هذا العلم يقول ذلك، وإنما هم يقصدون والله تعالى أعلم أنهم استصحاب لحكم الإجماع، الحكم الثابت بالإجماع وليس للإجماع نفسه في صورة نزاع.

الدليل الثاني قالوا: القول باستصحاب الإجماع يؤدي إلى تكافؤ الأدلة، لماذا؟ قال لأن ما من أحد يستصحب حكم إجماع إلى موضع النزاع إلا ولخصمه أن يستصحب حكم إجماع آخر معاكس له إلى موضع النزاع نفسه. أعيد: القول باستصحاب الإجماع يؤدي إلى تكافؤ الأدلة، يعني تصطدم الأدلة ببعضها، كيف؟ قال لأنه ما من أحد يستصحب حكم إجماع إلى موضع نزاع إلا ولخصمه أن يستصحب حكم إجماع آخر معاكس له إلى موضع النزاع نفسه. كيف ذلك أيها الأحبة؟ صورته في المسألة التي عندنا: نحن قلنا إذا رأى الماء بعد الصلاة أجمع العلماء على صحة صلاته، وموضع النزاع إذا رأى الماء في أثناء الصلاة. الآن من يرى صحة صلاته يقول: أنا أستصحب حكم الإجماع في الصورة السابقة إلى موضع النزاع هذا، صح؟ الآن المخالف له الذي يرى أن الصلاة باطلة إذا رأى الماء في أثناء الصلاة يقول: وأنا سأستصحب لك حكم إجماع آخر معاكس لإجماعك في موضع النزاع نفسه. ما هو؟ قال: هذا المخالف الذي يرى البطلان قال: لو أن هذا الشخص تيمم وقبل أن يقول الله أكبر بلحظة صاح ابنه جاءت بيت البلدية، الآن هل يصح له أن يصلي؟ باتفاق الجميع لو صلى صلاته باطلة، لأنه رأى الماء قبل الصلاة. فنقول: أجمع العلماء على أن المتيمم إذا رأى الماء قبل شروعه في الصلاة فتيممه باطل وإذا صلى صلاته باطلة. جميل؟ فأنا سأستصحب لك هذا الحكم الذي وقع عليه الإجماع، وهو بطلان صلاة من رأى الماء قبل الصلاة، أستصحب هذا الحكم وهو البطلان إلى موضع النزاع نفسه، فأقول: استصحب هذا الحكم إلى موضع النزاع فالأصل بطلان صلاة من رأى الماء حتى في أثناء الصلاة حتى يأتي المخالف بالدليل.

بالتالي في موضع النزاع، من رأى صحة الصلاة لمن وجد الماء في أثناء الصلاة استدل باستصحاب حكم الإجماع في موضع النزاع، والمخالف له أيضاً استدل باستصحاب حكم إجماع آخر معاكس لإجماعه في موضع النزاع، فأصبح الكل يستدل باستصحاب الإجماع وحكم الإجماع إلى موضع النزاع، فتتكافأ الأدلة، وعندما تتكافئ الأدلة تتساقط، لأنه هنا تكافؤ ولا يرجح هذا إجماع هذا أولى من إجماع ذاك، فبالتالي لماذا نمنع استصحاب حكم الإجماع في موضع النزاع؟ لأنه ما من أحد يستصحب حكم إجماع إلى موضع نزاع إلا ولخصمه المقابل أن يستصحب حكم إجماع آخر معاكس له إلى موضع النزاع نفسه، فتتكافأ الأدلة وتتعارض وتتساقط جميعاً، فبالتالي لا فائدة من استصحاب الحكم الإجماعي إلى موضع النزاع. هذا الدليل الثاني أجده قوياً، فهمتم كيف الدليل الثاني وفكرته؟ إذاً هذا هو رأي جماهير الأصوليين أن لا يصح استصحاب الإجماع في موضع النزاع، وعرفتم أيها الأحبة أن الذي أذهب إليه أنهم يقصدون استصحاب حكم الإجماع وليس الإجماع نفسه.

إذاً هذه أربعة أنواع من أنواع الاستصحاب: النوع الأول استصحاب البراءة الأصلية التي ثبتت بدليل العقل. النوع الثاني استصحاب الدليل الشرعي حتى يأتي الناقض. النوع الثالث استصحاب الوصف الذي تتعلق به أحكام شرعية حتى يأتي ما يزيله. النوع الرابع استصحاب حكم الإجماع في موضع النزاع.

ننظر ماذا قال عبد المؤمن البغدادي؟ قال: وأما الأصل الرابع وهو دليل العقل في نفي الأصلي، قلنا هذا أول نوع من أنواع الاستصحاب، قال: فهو أن الذمة قبل الشرع بريئة من التكاليف فيستمر حتى يأتي ما يغيره، ويسمى استصحاباً، في الحقيقة لا تكتفِ بقول يسمى استصحاباً فقط، تقول يسمى استصحاب البراءة الأصلية العقلية، هذا النوع الأول، ثم قال: وكل دليل فهو كذلك. ما معنى وكل دليل فهو كذلك؟ الآن النوع الأول استصحاب البراءة الأصلية ثابت بأي دليل؟ بدليل العقل، فيريد أن يقول عبد المؤمن البغدادي: وكل دليل أيضاً شرعي فهو كذلك، يعني يجب استصحابه حتى الناقض، عرفت ما يريد أن يقول؟ يعني كما أن دليل العقل الذي دلنا على براءة الذمة يجب استصحابه حتى يأتي ما يغيره، كما أن دليل العقل الذي دل على براءة الذمة من التكاليف يجب استصحاب ما دل عليه حتى يأتي ما يغيره، كذلك كل دليل أو مصدر من مصادر التشريع يجب استصحاب ما دل عليه حتى يأتي ما يغيره، وهو بهذه العبارة يشير إلى النوع الثاني من أنواع الاستصحاب، وهو استصحاب الدليل الشرعي حتى يأتي الناقض عنه. لذلك مثل له بماذا؟ قال: فالنص يجب استصحابه حتى يرد الناسخ، العموم يجب استصحابه حتى يرد المخصص.

أما الملك حتى يرد المزيل، هو قليلاً كما قلت لكم كلامه فيه نوع اختلاط، الملك حتى يرد هذا انتقال إلى النوع الثالث من أنواع الاستصحاب، وهو استصحاب الوصف الذي تتعلق به أحكام شرعية حتى يأتي الدال على زواله مثل استصحاب الملك حتى يأتي المزيل. والنفي حتى يرد المثبت، هذا أيضاً من قبيل النوع الثالث، وهو استصحاب الوصف الذي تتعلق به أحكام شرعية حتى يأتي المزيل، وهذه مهمة جداً في الأقضية الشرعية، الأصل أني أنا ما آخذ منك مصاري، الأصل أني أنا ما تداينت منك، الأصل أني أنا بريء من كذا، بريء من كذا، من يدعي علي حقاً من الحقوق أنه والله هو داينني وأعطاني وأعارني هو الذي عليه الإثبات، هو الذي عليه البينة، فنقول: الأصل النفي حتى يرد المثبت. ثم مثل لأمثلة قال: ووجوب صلاة سادسة وصوم غير رمضان ينفى بذلك، يعني بواسطة هذا الدليل، طبعاً بأي نوع من أنواع هذا الدليل بأي صورة من الصور الثلاث السابقة، فهذا مثال وجوب صلاة سادسة ووجوب غير رمضان ينفى بذلك، أنه الأصل أن العقل دلنا على عدم وجوب صلاة سادسة وأننا بريئون من صلاة سادسة حتى يأتي الدليل، العقل دلنا على عدم وجوب صوم يوم غير رمضان وأننا بريئون من ذلك حتى يأتي الدليل، فالعقل دليل، العقل دليل على نفي الحقوق.

أما النوع الرابع والأخير قال: وأما استصحاب الإجماع، لاحظوا كيف يعبرون بالاستصحاب بالإجماع وأنا قلت لكم حتى نكون دقيقين أكثر استصحاب حكم الإجماع، لأنه الإجماع نفسه كيف تستصحبه في محل نزاع؟ فاستصحاب الحكم الذي.

بالإجماع، قال: وأما استصحاب الإجماع في مثل قولهم: الإجماع بالتمثيل الذي أتيت به على السبورة. الإجماع على صحة صلاة المتيمم. فإذا رأى الماء في أثناء الصلاة، فالإجماع على صحة صلاة المتيمم إذا رأى الماء بعد الصلاة، اكتبوا عندكم؛ ترى العبارة غير واضحة، تمثيله: الإجماع على صحة صلاة المتيمم، اكتبوا بعدها إذا رأى الماء بعد الصلاة؛ هذه الصورة المجمع عليها.

الآن سيذكر الصورة المختلف فيها التي فيها النزاع: فإذا رأى الماء في أثناء الصلاة لم تبطل صلاته استصحابًا لأيش؟ للإجماع، ونكون دقيقين: استصحابًا لحكم الإجماع. أما هو كيف استصحب الإجماع وهو موضع النزاع؟ فهذا النوع قال: فاسد عند الأكثرين. لكن ترى هو ما ناقش ولا شيء، لذلك نحن احتجنا إلى شيء من المناقشات. قال: فهذا النوع فاسد عند الأكثرين، وعرفنا أدلتهم.

الدليل الأول: أنه كيف تستصحب إجماعًا في موضع نزاع؟ وعرفنا أن هذا الدليل ليس بتلك القوة، أن هو لا يستصحب إجماعًا وإنما يستصحب الحكم الثابت إجماعًا. الدليل الثاني وهو الأقوى لفساد هذا النوع وهي قضية تكافؤ الأدلة، قضية أن استصحاب الإجماع وحكم الإجماع في موطن النزاع مما يقول أو ما يسميه الأصوليون تكافؤًا في الأدلة، أن الخصم أيضًا هو يستطيع أن يستصحب حكم إجماع معاكس لإجماعك؛ فيأتي بالتالي تناقض. من الذي قال به؟ فالخلاف الذي شاق له هذا من الحنابلة، ابن شاقلا من الحنابلة وبعض الفقهاء. تمام؟ فقال: فهذه الأصول الأربعة لا خلاف فيها.

الآن يريد أن يقفل باب مصادر التشريع عليها، ولاحظ أنه جعل النوع الرابع من مصادر التشريع المتفق عليها. لكن كما قلت لكم هي العبرة الذي أعتقده وأذهب إليه أن هذا النوع الرابع هو الاستصحاب ليس مصدرًا مستقلًا من مصادر التشريع. وهذه النظرة التي أقولها ليست من بنات أفكاري وإنما ذكرها كثير من الأصوليين سابقًا، وهنا أنقل لكم كلام الإمام الكبير أبي المظفر السمعاني في قواطع الأدلة.

قبل أن أنقل كلامه، موجود هنا كلامه في النص الذي نقلته، لكن قبل أن أنقل كلامه أريد أن أثبت لكم هذه النظرية في النوع الأول أيضًا، يعني أنا أثبتت أن النوع الثاني استصحاب الدليل في الشريعة، التقليد الناقل، ليس مصدرًا من مصادر التشريع، وهذا الاستصحاب وإنما هو يعتمد على مثابة مصادر التشريع. كذلك هذا الوصف الذي يتعلق به أحكام حتى يأتي المزيل، هذا ليس مصدرًا من مصادر التشريع وإنما هو يعتمد على غيره.

كذلك النوع الأول أيها الأحبة وهو دليل العقل، استصحاب دليل العقل الدال على براءة الذمة، أنا في الحقيقة الاستصحاب هنا لم يثبت حكمًا؛ الاستصحاب هو استصحاب أيضًا لمصدر مقبول شرعًا، وهو العقل، لكنه مقبول وين؟ وأنا أركز: مقبول في النفي، فحينما نقول استصحاب البراءة الأصلية حتى أكون دقيقًا في التعبير، أنا هنا استصحبت ما دل عليه العقل، استصحبت دليل العقل.

كيف أنا في النوع الثاني أستصحب ما دل عليه الكتاب أو السنة أو الإجماع حتى يأتي الناقل؟ كذلك أنا أستصحب ما دل، ما ثبت بدليل العقل حتى يأتي الناقل. ايش الذي ثبت بدليل العقل؟ لو سألتك كيف ثبت بدليل العقل؟ بماذا تجيب؟ تقول: ثبت بدليل العقل أن الذمة بريئة من التكاليف حتى يأتي الناقل. فأنا أستصحب ما دل عليه العقل؛ فإذا هذا الحكم هو ثابت بدليل العقل، حكم براءة الذمة، وأنا أستصحب ما دل عليه العقل.

فإذا في النوع الأول أنا أستصحب الدليل العقلي، في النوع الثاني أنا استصحبت الدليل الشرعي، في النوع الثالث لو استصحبت الوصف الذي ثبت بطرق الإثبات الشرعية، حتى في النوع الرابع المتنازع فيه وهو استصحاب حكم الإجماع في محل النزاع، نحن اعتمدنا على ماذا؟ على الإجماع، فاستصحبنا حكمه في موطن النزاع؛ فليس الاستصحاب في جميع هذه الصور مصدرًا مستقلًا، وإنما هو يبني على غيره.

لذلك يقول أبو المظفر السمعاني رحمة الله عليه: أنكر القول بالاستصحاب جملة، بل ونسب ذلك إلى مذهب الشافعي، ثم يقول: أما في استصحاب العام والنص قبل الخاص والناسخ، لاحظوا كيف سينقل، هذا النوع من اللف والنشر المرتب، أما في استصحاب العام والنص قبل الخاص والناسخ، لأنه الخاص يتعلق بالعام والناسخ يتعلق بالنص الشرعي عمومًا.

أما في استصحاب النص؛ النص المراد به هنا طبعًا النصوص عمومًا، نصوص الكتاب والسنة، وليس النص بالمعنى الأصولي هو الذي لا يحتمل إلا معنى واحدًا، نريد بالنص هنا الإطلاق الثاني، نصوص الكتاب والسنة. أما في استصحاب العام والنصوص قبل الخاص والناسخ قال: فليس ذلك استصحابا؛ أنقل أبو المظفر لماذا قال؟ لأن الدليل قائم وهو نفس العام، وهو النص العام.

وأما استصحاب دليل العقل في براءة الذمة، الآن كلام طويل، ثم قال: وأما استصحاب دليل العقل في براءة الذمة، ذكر كلامًا هنا، دليل العقل قائم أيضًا في موضع الخلاف، كالعام والنص، فوجب الحكم به. وأما استصحاب الإجماع؛ فالإجماع الذي كان دليلًا على الحكم قد زال في موضع الخلاف ووجب طلب دليل آخر، وهو يرى أنه بهاي الفكرة أنه نفس الإجماع هو الذي استصحب فبالتالي زال في موضع النزاع.

وأنا قلت لكم ليس الإجماع هو الذي استصحب، وإنما استصحب حكمه، لكن ربما كان نص منقول باقتطافات منه، أنا لما أقوله كامل هو يقول إذا دليل العقل هو الذي استدللنا به في المسألة الأولى، وفي الصورة الثانية نحن استدللنا بالدليل الشرعي، وفي المسألة اعتمدنا على الوصف الثابت وطرق الإثبات، وإنما قمنا فقط بعملية استصحاب ما ثبت. استصحاب ما ثبت؛ فالاستصحاب ليس هو المصدر التشريعي وإنما هو باختصار استدامة لما ثبت بالمصادر التشريعية.

فنذهب الآن إلى المصادر المختلف فيها. كم ذهب من الوقت؟ سبع عشرة دقيقة كما، مش عارف اليوم يصير؛ طيب، نذهب إلى المصادر. المصادر المختلف فيها الجيد فيها أن عبد المؤمن البغدادي اقتصر على تعريفها، وعلى بيان حكمها جملة، ولم يتطرق إلى تفاصيلها. فقال رحمة الله عليه: الآن أيها الأحبة في رحلة جديدة في المصادر التشريعية المختلف فيها، هل يرجع لها في استنباط الأحكام الشرعية أو لا يرجع لها؟ هذا ما سيهتم عبد المؤمن البغدادي في إثباته.

قال: اختلف في أصول أربعة أخر وهي: أولًا شرع من قبلنا، وهو شرع لنا، الآن خلاص يعطيك وجهة نظر الحنابلة مباشرة، شرع من قبلنا. ما رأي الحنابلة فيه؟ قال: هو شرع لنا، لم يجد نسخه في إحدى الروايتين عن أحمد بن حنبل، وهذه الرواية التي هي أنه شرع لنا نعتمدة اختارها التميمي وهي قول بعض الحنفية وبعض، والرواية الأخرى أنها ليست شرعًا لنا وهي قول الأكثرين. انتهى كلامه عن هذا المصدر.

لكن نحن لم ينتهِ كلامنا، نبدأ أيها الأحبة، يعني الكلام المختصر جدًا ينبغي للطالب أن يفهم أيها الأحبة، ترى ليس المقصد أن الإنسان يسير ويقطع وهو ليس على غير دراية بما يقول العلماء. ينبغي أن تقف مع العبارة وتأخذ هذه العبارة وقتها من التفكر والتأمل والتدبر، لأن المقصد أن يتعلم الإنسان وأن يفهم وأن يصل إلى نتائج وأن يثمر هذا العلم في الواقع.

وأما فقط قضية ختمنا دورات وختمنا مصنفات ثم لا نجد أثرًا لهذا والطالب لا يفهم ولا يستطيع أن يعبر عن الأفكار بشكل صحيح، فهذا مضيعة للأعمار. طيب. ما صورة هذا الدليل؟ هذا المصدر الجديد من مصادر التشريع، شرع من قبلنا، صورته أيها الأحبة أنا ألخص لكم الأفكار حتى تكتبوا بشكل مختصر، أقول صورته: أن الأحكام التي شرعها ربنا سبحانه وتعالى للأمم السابقة في كتبهم أو على ألسنة أنبيائهم ورسلهم، هل هي شرع لنا يلزمنا العودة إليها والاحتجاج بها؟ أو لا يلزمنا العودة إليها ولا يجوز أصلًا أن نحتج بها؟

أعيد سريعًا، الأحكام التي شرعها ربنا سبحانه وتعالى للأمم السابقة في كتبهم التي أنزلها عليهم، في التوراة، في الإنجيل، في الزبور، في صحف إبراهيم، أو على ألسنة أنبيائهم ورسلهم، هل هذه الأحكام التي للأمم السابقة هل هي شرع لنا لأمة محمد صلى الله عليه وسلم؟ يلزمنا العودة إليها والاحتجاج بها أو لا يجوز لنا أن نعود إليها ولا نعتبرها من قبيل التشريع لنا؟ واضحة الفكرة.

طيب الآن قبل أن نعطي الحكم النهائي لهذا المصدر، علينا أن نقوم بما يسميه الأصوليون تحرير محل النزاع، أن هذه الصورة ترى صورة مجملة فيها مواطن متفق عليها ومواطن مختلف فيها، فينبغي أن نقوم الآن بما يسمى بتحرير محل النزاع.

فنقول: هناك صور لهذه المسألة أيها الأحبة، ينبغي أن نحرر محل النزاع وننظر في مواطنها. الصورة الأولى نقول: أولًا الأحكام هكذا تقول: أولًا الأحكام التي شرعت للأمم السابقة، وقد جاء في شرعنا ما يدل على نسخها وإبطالها، فهذه بالاتفاق لا يجوز الاحتجاج بها والالتفات إليها. الصورة الأولى: الأحكام التي جاءت للشرائع السابقة وجاء في شرعنا ما يدل على نسخها وإبطالها، فهذه قطعًا لا نقاش لا يجوز الاحتجاج بها والالتفات إليها.

نأخذ مثالًا على ذلك، نأخذ مثالًا على ذلك في قصة يوسف عليه السلام، لما دخل على أبويه لما دخل أبواه عليه في مصر ايش قال سبحانه وتعالى: ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَىٰ يُوسُفَ آوَىٰ إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ * وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ [يوسف: 99-100]. الآن أنا ما بدي أتناقش مع إخوان المفسرين، على رأي المفسرين الذين يقولون إنه كان حقيقيًا، وأن إخوة يوسف سجدوا ليوسف في ذاك الموضع سجودًا حقيقيًا بوضع الجبهة على الأرض، قال العلماء: هذا كان جائزًا في شريعة يوسف وفي شريعة يعقوب، هذا كان جائزًا في شريعته.

وأما في شريعتنا فقد جاء نص الشرعي بتحريم السجود قطعًا لغير الله سبحانه، قال صلى الله عليه وسلم: «لا يصلح لبشر أو لأحد أن يسجد لأحد»، فبالتالي نقول: نعم هذا شرع من قبلنا، جواز السجود كان في شريعة يوسف وشريعة يعقوب، يجوز للإنسان أن يسجد للإنسان ثم نسخ هذا بشريعتنا ودلت الشريعة المحمدية على بطلانه. فهل يجوز أن يأتي شخص يستدل بقصة يوسف على جواز سجود المخلوقين؟ لا، نقول إن شريعتنا أبطلته. إذا هذه الصورة لا نقاش فيها.

طب نذهب إلى الصورة الثانية، الأحكام التي وردت في شرع من قبلنا، وقد جاء في شرعنا ما يدل على أنها أيضًا شرع الله، على أنها أيضًا شرع لنا، أحكام وردت في شريعة من قبلنا، وجاء في شريعتنا نصوص تدل على أن هذه الأحكام أيضًا شرع لنا؛ فهذا النوع لا نزاع بين أهل العلم في الرجوع إليه والاستدلال به. ولكن في الحقيقة هل نستدل به بناءً على أنه من شرع من قبلنا ولا نستدل به أن نصوص شريعتنا هي التي أمرتنا بالاتباع؟ أيش رأيكم؟ الثاني في الحقيقة في هذه الصورة نحن لا نستدل بهذه الأحكام بناءً على أنها من شرع من قبلنا، نحن نستدل بها لأن شريعتنا هي التي أمرتنا بالذهاب إليها. ففي الحقيقة الاستدلال هنا بنصوص الكتاب والسنة، وليس بشرع من قبلنا، واضح؟

مثال ذلك الله سبحانه وتعالى لما أخبرنا في سورة المائدة: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنفَ بِالْأَنفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: 45]، صح؟ هذه الآية مشهورة، ما معنى وكتبنا عليهم فيها؟ الله يخبرنا في كتابه أنه كتب على اليهود في التوراة أن عليهم القصاص في هذه الأمور، أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن، جميل؟

الآن النبي صلى الله عليه وسلم لما كسرت الربيع بنت النضر ثنية جارية، فجاء أنس بن النضر، طلبوا القصاص، فجاء الربيع أنس بن النضر رضي الله عنه الصحابي الجليل فقال: يا رسول الله، أتكسر ثنية الربيع؟ فصارت القصة الطويلة، النبي صلى الله عليه وسلم ماذا قال لأنس بن النضر؟ قال: «يا أنس، كتاب الله القصاص، كتاب الله القصاص»، يعني حكم الله الذي أخبرنا به أنه القصاص، إن من انكسرت ثنية شخص يقتص منه، الثنية سن، من كسر سنًا يقتص منه إذا لم يعفُ أولياء أو المصاب، إذا لم يعفُ فله القصاص.

أليس كذلك؟ الآن قال العلماء: أين النص الشرعي الذي يخبرنا الله سبحانه وتعالى فيه أن في كسر السن القصاص؟ قالوا في آية المائدة: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنفَ بِالْأَنفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾، النبي صلى الله عليه وسلم هنا يستدل بآية قرآنية تتحدث عن حكم أنزله الله على اليهود في التوراة، ويستدل بها لشريعتنا أيضًا، فإذا هنا النبي صلى الله عليه وسلم يخبرنا أن هذا الحكم الذي لشريعة اليهود في التوراة كان نازلًا في شريعتهم وأيضًا حكم لكم يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم.

جميل، فإذا نقول هذا الحكم الذي ثبت في سورة المائدة أن الله أنزله على اليهود في التوراة، جاء في شريعتنا ما يدل على أنه شرع لنا أيضًا، وأمثل بهذه القصة التي ذكرتها لك، واضحة القصة هذه يا مشايخ؟ إذا وقع بعدين قصة طويلة. طيب نذهب إلى الحالة الثالثة، الحالة الثالثة الأحكام التي وردت في شرع من قبلنا، لكن ماذا أقول؟ ركزوا، الصورة الثالثة: الأحكام التي وردت في شرع من قبلنا، لكنها لم تصل إلينا عن طريق الكتاب أو السنة أو على لسان من أسلم من أهل الكتاب.

أما ما وجدناه في الكتب المبثوثة بين أيديهم التي وقع فيها التحريف، فهذا النوع نسميه في علم التفسير الإسرائيليات. يجب على الطالب أن يفرق بين الإسرائيليات وبين شرع من قبلنا. الإسرائيليات هي أحكام أو قصص نجدها تتحدث عما حدث في أيام موسى وعيسى وما شابه ذلك، لكنها لا تنقل لا في الكتاب ولا في السنة، ولا على لسان من أسلم من الثقات منهم، وإنما نجدها في الكتب المحرفة الممدودة بين أيديهم.

هذا النوع لا يصح الاحتجاج به باتفاق أهل العلم؛ لأننا لا ندري عن صحته أو كذبه، ولما وقع فيها من تحريف. يقول الهراسي رحمه الله فيما نقله عنه البحر المحيط: المراد بشرع من قبلنا ما حكاه الله ورسوله عنهم، أما الموجود بأيديهم من الكتب المحرفة فممنوع اتباعه بلا خلاف. وقد أضاف الطبري رحمه الله ومن أسلم منهم من الثقات، كعبد الله بن سلام وكعب الأحبار.

سنأتي الآن إلى الصورة الرابعة، وهي المصدر الذي يتحدث عنه الأصوليون، وهي التي ينطبق عليها أنها شرع من قبلنا. وهي أحكام وردت في شرع من قبلنا، وبلغتنا عن طريق الكتاب أو السنة أو عمن أسلم من الثقات، ولم يرد في شرعنا ما يدل على أنها شرع لنا، ولم يرد أيضاً ما يبطلها. هذا النوع هو موطن النزاع بين الأصوليين، وهو المقصود حينما نقول: هل شرع من قبلنا مصدر من مصادر التشريع؟

فهل يجوز لنا أن نستدل به؟ مثلوا لهذه القضية بقصة أيوب عليه السلام مع امرأته حين حلف أن يضربها مائة جلدة، فأمره الله في سورة ص أن يأخذ ضغثاً فيضرب به زوجته ضربة واحدة، وتقوم هذه الضربة مقام المئة. فهل يجوز في شرعنا أن نطبق هذا الحكم إذا حلف شخص بيمين كهذه؟ هنا وقع الخلاف، والقول الأول أن شرع من قبلنا في هذه الصورة شرع لنا أيضاً، وهو رأي جماهير أهل العلم من الحنفية والمالكية والحنابلة، وهو المعتمد في مذهب الحنابلة.

مثال آخر عند الحنابلة، ذكره الحجاوي في الإقناع، أن من نصب شبكة صيد وهو حلال ثم أحرم، فإنه لا يضمن ما تلف بذلك ما لم يكن حيلة. فإذا كان قد نصبها قبل إحرامه ليصيد وهو محرم، فهذا يشبه قصة أصحاب السبت الذين احتالوا على الصيد يوم السبت بنصب الشباك قبل يومه. قال الشيخ منصور البهوتي في تعليقه: إن كان حيلة ضمن هذا الصيد، وشرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد في شرعنا ما ينسخه.

بالمقابل، هناك من يرى أن شرع من قبلنا ليس شرعاً لنا؛ لقوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: 48]. فهذه الآية تدل على أن لكل أمة شريعتها الخاصة بها. وعلى الرغم من محاولة البعض جعل الخلاف في هذه المسألة لفظياً، إلا أنه خلاف حقيقي؛ لأن من لا يقول بحجية شرع من قبلنا لا يستند إلى أقوال عبد الله بن سلام وكعب الأحبار كمصدر للتشريع ابتداءً، بينما يرى القائلون بحجيته أن ما ثبت عن هؤلاء الثقات من شرعهم فهو حجة لنا ما لم ينسخه شرعنا.

عبد الله بن سلام وكعب الأحبار هذه النظرة الأولى. ثانياً أصلاً هي القضية هذه تحتاج لإثبات ممن يزعم أن الخلاف لفظي. ممن يزعم أن الخلاف لفظي عليه أن يثبت باختصار، عليه أن يثبت لنا أن من لا يأخذ بشرع من قبلنا يستدل بقصة أيوب وأصحاب السبت وغيرها من القصص الواردة في الكتاب وهو في السنة عن الشرائع السابقة، يستدل بها على أنها شرع الله؛ هل ثبت هذا عنهم في أسلوبهم الفقهي؟ إذا ثبت هذا عنهم فعلاً، يمكنك نوعاً ما أن أتقبل أن تقول أن هناك خلافاً لفظياً، لكن إذا لم يثبت هذا أصلاً فأظن أن الخلاف في النهاية خلاف معنوي؛ هل يستدل بقصة أيوب؟ هل يستدل بقصة أصحاب السبت؟ ولا لا يستدل؟

عرفتم أنا كيف أناقش من يزعم أنه خلاف لفظي؟ النقاط في جزئيتين: ماذا ستفعل بعبد الله بن سلام وكعب الأحبار؟ ثانياً عليك أن تأتي لنا بأدلة من كلام الفقهاء الذين يرفضون أن شرع من قبلنا شرع لنا، يستدلون بأدلتهم بقصص في شرع من قبلنا لكن يستدلون بها على أنها وردت في الكتاب أو في السنة، وليس لأنها شرع من قبلها. إذا أثبت لنا ذلك نستطيع أن ننتقل معك أو قول أن الخلاف لفظي. لا أريد أن أطيل أكثر من ذلك في هذه الأدلة، أنا فقط وضحت مواطن النزاع وعرفت النقاش وأخذنا مثالاً.

ننتقل إلى المصدر الثالث من مصادر التشريع وهو قول الصحابي. فقال عبد المؤمن البغدادي: قول الصحابي إذا لم يظهر له مخالف روي أنه حجة، يقدم على القياس ويخص به العموم، وهو قول مالك، وقديم قول الشافعي وبعض الحنفية، ويروى في مذهب الحنابلة عن أحمد بن حنبل ويروى خلافه، وهو قول عامة المتكلمين. لاحظوا كيف يقحم المتكلمون هنا مع أنهم ليسوا من الفقهاء، نحن نقول قول عامة المتكلمين، يقصد المتكلمون هنا الذي يظهر أنه لا يقصد المدرسة الأصولية المتكلمة، لا يقصد متكلمين علماء العقيدة. وهم أصلاً هؤلاء لا يقبلون أخبار الآحاد إلا في مسائل معينة، فكيف سيتعاملون مع أخبار الصحابة وأقوالهم؟ يعني من باب أولى ألا يأخذوا بها.

قالوا: ويروى خلافه وهو قول عامة المتكلمين، وجديد قول الشافعي واختاره أبو الخطاب. هناك قول ثالث أنه يؤخذ قول الخلفاء الأربعة، وهناك قول رابع أنه يؤخذ قول أبي بكر وعمر فقط. قال: فإن اختلف الصحابة على قولين لم يجز للمجتهد الأخذ بأحدهما إلا بدليل، وأجازه بعض الحنفية والمتكلمين ما لم ينكر على القائل قوله.

هذا الدليل الثالث، نقول قول الصحابي مصدر جديد من مصادر التشريع المختلف فيها. علينا أيها الأحبة حينما نتكلم عن قول الصحابي على أنه مصدر من مصادر التشريع، علينا أولاً أن نحرر موطن النزاع في هذه. أولاً ما صورة هذا الدليل؟ نتكلم على التصوير ثم نتكلم عن تحرير موطن النزاع. صورة هذا الدليل: نقول ما أثر عن صحابي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير؛ لاحظوا نفس تقسيم السنة. ما أثر عن صحابي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير في مسألة لم يرد فيها كتاب ولا سنة ولا إجماع. لاحظوا أين الحديث؟ في مسألة لم يرد فيها كتاب ولا سنة ولا إجماع، لأن إذا جاء نص الكتاب ونص السنة أو الإجماع، قول الصحابي الذي يعارضه لا يلتفت إليه قطعاً، لكن الكلام عن مسألة فيها أثر عن الصحابة أو عن صحابي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذه المسألة لا يوجد فيها نص ولا إجماع ولا سنة. فهل قول الصحابي مصدر من مصادر التشريع يجوز الاحتجاج به لإثبات الأحكام الشرعية أو لا يجوز؟ هذه مسألة أصولية مهمة نتكلم عن مصدر تشريعي قائم.

نقول تحرير موطن النزاع في هذه المسألة: أولاً أيها الأحبة اتفق العلماء على ماذا؟ اتفق العلماء على أن الصحابي ليس حجة على صحابي آخر؛ إذن هذا المصدر كونه مصدراً من المصادر التشريعية أصلاً هو يتعلق في من بعد الصحابة. أما الصحابة فيما بينهم فليس قول أحدهم حجة شرعية على صحابي آخر، وإنما مرجعية هذا المصدر هي تتعلق في من جاء بعد الصحابة من التابعين وتابعيهم إلى يوم القيامة. فاتفق العلماء على أن قول الصحابي ليس حجة على صحابي آخر، فقول أبي بكر ليس حجة على عمر، وقول عمر ليس حجة على ابن عباس، وقول ابن عباس ليس حجة على علي أبداً؛ هذا باتفاق العلماء، ممن حكى هذا الاتفاق القاضي الباقلاني ومن عقيل الحنبلي رحمة الله عليهم، نقلوا هذا الاتفاق.

الصورة الثانية: إذا كان قول صحابي عندنا مسألة قال فيها الصحابي قولاً، إذا كان قول الصحابي مما لا مجال فيه للاجتهاد البشري، وإنما هو أمره أنه مأخوذ عن غيب فهذا لا بد أن الصحابي قاله ونسبه إلى نفسه، لكن هذا الكلام يستحيل أن يكون الصحابي توصل إليه باجتهاده ومن أمور الغيبيات أو من الملاحم والفتن التي تقع في آخر الزمان. فإذا جاء عن صحابي أثر ينسب إليه قال أبو بكر كذا قال عمر كذا قال ابن عباس كذا، وكان هذا الذي قاله مما لا قدرة للصحابي على الاجتهاد لأنه يتعلق بالغيبيات، وهنا ندرك أن الصحابي لا بد وأنه وقف على شيء وأن هذا القول الذي نسب إليه أخذه عن النبي صلى الله عليه وسلم، فنعطي قول الصحابي هذا حكم الحديث المرفوع؛ فيعامل على أنه من قبيل السنة النبوية وليس على أنه قول صحابي، لأننا نجزم أنه إذا صح السند إلى الصحابي في مسألة لا مجال فيها للاجتهاد فقطعاً إنما أخذها عن النبي صلى الله عليه وسلم.

لكن يستثنى من هذا ايش؟ قالوا يستثنى الصحابة الذين عرف عنهم الأخذ عن الإسرائيليات، فهؤلاء إذا نسب إليهم آثار تتكلم عن غيبيات أو عن آخر الزمان أو ما شابه ذلك لا نستعجل في الحكم على آثارهم بأنها في حكم المرفوع، لأنه يحتمل أن يكون مما أخذ عن الإسرائيليات، وهذا يكثر مثلاً فيه ابن عباس وفي عبد الله بن عمرو بن العاص؛ يكثر فيهم لأنهم قالوا وقفوا على شيء من الإسرائيليات، أما غيرهم من الصحابة الذين لم يقفوا على الإسرائيليات إذا أخبروا عن ما لا مجال للاجتهاد فيه، فهنا نجزم أن هذا له حكم مرفوع لأنه يستحيل أن يكون قولاً من بنات أفكارهم أو من اجتهادهم.

طيب نذهب إلى الصورة الثالثة: إذا قال الصحابي قولاً في مسألة اجتهادية وانتشر هذا القول بين الصحابة ولم يعرف له مخالف، فهذا ماذا نسميه أيها الأحبة برأيكم؟ صحابي قال قولاً في المسألة انتشر وسكت الباقون ولم يعرف له مخالف. هذا إيش يسمى؟ هذا الإجماع السكوتي، وهذا عن الخلاف السابق الذي تكلمنا عنه؛ منهم من يرى أنه حجة، ممن يرى أنه لا إجماع ولا حجة، ومنهم من يرى أنه حجة لكنه ليس بإجماع، أو خلاف ثلاثي. وضابطه كما قلنا أن يقول الصحابي قولاً في مسألة وينتشر، هذه قضية الانتشار هي المحور، وينتشر ويسكت الباقون ولا يعرف له مخالف؛ فهذا إجماع يدرس في باب الإجماع وليس هو قول الصحابي المختلف في حجيته.

الخلاف أين يا شيخ؟ هي الصورة الرابعة والأخيرة: إذا قال الصحابي قولاً في مسألة اجتهادية ولم يعرف انتشاره. وهنا زاد عبد المؤمن البغدادي أيضاً قيد، إيش قال؟ ولم يظهر له مخالف ولم يظهر له مخالف. الآن قضية ظهور مخالف وعدم ظهور مخالف هل هذا مشترط ولا لا؟ هذه مسألة نزاعية، لكن على طريقة عبد المؤمن البغدادي، دعونا الآن نسير على طريق عبد المؤمن البغدادي: إذا قال الصحابي قولاً في مسألة اجتهادية لكن لم يعرف انتشاره، هذا هو القيد، هذا هو القيد المهم؛ لم يعرف انتشاره، لأنه إذا عرف انتشاره خلاص أصبح إجماعاً سكوتياً، فالمهم أنه لا يعرف انتشاره ولم يعرف للصحابي مخالف، فهل قول الصحابي هذا يعتبر مصدراً من مصادر التشريع يرجع إليه في استنباط الأحكام ولا لا يعتبر؟ هذا هو موطن النزاع.

عرفنا إذاً عبد المؤمن يسرد سريعاً لا يبين موطن النزاع، لكن ينبغي أنت أن تفهم أن موطن النزاع في قول الصحابي الذي لم يعرف انتشاره ولم يعرف مخالف، هناك تعددت الأقوال. القول الأول أيها الأحبة في هذه المسألة: القول الصحابي حجة، ذكر عبد المؤمن قال: روي أنه حجة تقدم على القياس ويخص به العموم. هذا قول من أيها الأحبة؟ هذا القول هو الرأي المعتمد في الحقيقة على مذهب الحنابلة، وهو قول أكثر الحنفية والمالكية، وهو قديم مذهب الشافعي رحمة الله تعالى عليه، ويهمني الآن أن أقرر مذهب الحنابلة، وبين ذلك ابن القيم بوضوح في إعلام الموقعين لما تكلم عن أصول مذهب أحمد، فذكر قول الصحابي.

طبعاً لو تكلمنا هكذا سريعاً ما الدليل على أنه قول الصحابي مصدر من مصادر التشريع برأيكم؟ ما الدليل على أنه مصدر من مصادر التشريع؟ الأدلة عند هؤلاء: أولاً الآثار العامة التي تدل على عدالة الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، وأن الله عدلهم من فوق سبع سماوات، قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: 100]، وهذا التعديل يدل على أن أقوالهم ينبغي أن تكون مقبولة كما قال بعضهم، على أن أقوال الصحابة ينبغي أن تكون مقبولة يرجع إليها. طبعاً هل هذا الاستدلال من القوة بمكان؟ في الحقيقة أظن أن يعني فيه نوع من العمومية، يعني الدلالة على فضل الصحابة هذا لا أحد يناقش فيه، لكن هل فضيلتهم تستلزم أن يكون قولهم حجة للمصادر التشريعية؟ أنت عرفت ممن ذا الحجية المطلقة؟ يعني أنت تقول النصوص الدالة على فضيلتهم وهذا لا يناقش فيه مسلم على فضلهم، لكن هل هذه تستلزم أن أقوالهم حجة؟ هذه القضية، فضلاً عن أنكم أنتم تقولون قول الصحابة ليس حجة على صحابي آخر، تموت الحجية على من بعد الصحابة، طيب يكون مصدراً تشريعياً، حجيته متوقفة على من بعد الصحابة فقط، هنا تبدأ حجيته. يعني مصادر التشريع نيتنا قائمة من امتداد البعثة صح، الإجماع نقول بعد موت النبي عليه الصلاة والسلام، لكن غير الإجماع هل يصلح أن نقول هناك قول الصحابة تبدأ حجيته فيما بعد عصر الصحابة؟ هل يصلح أن نكون مصدراً تشريعياً بهذه المنهجية أنه تبدأ حجيته بعد عصر الصحابة؟ يعني هذه نقطة من النقاط أنا أثيرها لا أريد أن أحسم فيها الأمور، لكن أريد أن ينتبه الطالب إلى مواطن ينبغي أن تثار عنده في التفكير، أنه مصدر تشريعي يبدأ بعد عصر الصحابة.

الدليل الثاني: أن الصحابة شهدوا التنزيل، رأوا النبي صلى الله عليه وسلم كيف يشرع، شاهدوا مقاصده وأفعاله، فبالتالي هم أعرف الناس بأسلوب الشارع، فأقوالهم بناء على هذا تكون حجة. عرفت كيف إيش وجهة نظرهم؟ أنهم هم الذين شاهدوا التشريع من النبي عليه الصلاة والسلام، بالتالي هم أدرى الناس بمقصود الشارع. الآن لا أنازع أبداً في أنهم أعرف الناس بمقصود الشارع، وأنه أفضل الناس وأفضل الناس اجتهاداً وعلماً وحكماً، وهذه الأفضلية لا ينازع فيها مسلم، لكن الكلام عن جزئية أخرى: أنكم تجعلونه مصدراً من مصادر التشريع، حجة شرعية؛ كل الكلام، هل مشاهدتهم للتنزيل ومقاصد الشريعة وأنهم أدرى يجعل أقوالهم حجة تشريعية يجب المصير إليها؟ لا أناقش أنها هي الأولى وهي التي ينبغي أن تُتّبع، وهذه لا يناقش فيها أصولي، لكن الكلام عن القول بأنه حجة، أن الله فرض علينا الرجوع إلى أقوالهم واستنباط الأحكام منها كما نعود إلى الكتاب، إلى السنة، إلى الإجماع، إلى القياس، هناك شيء يسمى قول صحابي تعودون إليه وتستخلصون منه الأحكام.

الكلمة الذي يجعلنا نتوقف ونتمهل هو حجمها الكبير. حين تقول أنه مصدر من مصادر التشريع، وجماهير أهل العلم على هذا، وبالتالي مستنداتهم وآراؤهم نتبعها حتى يظهر لنا ما يخالف ذلك، حتى يظهر لنا ما يخالف ذلك، يعني أحمد بن حنبل لما اتبع قول الصحابي وهو يدرك ما يقول، ومالك وأبو حنيفة، فلذلك نتبع ما قاله الأئمة في رأي الجمهور. وهناك طبعاً آراء أخرى من ذهب إلى مسألة خلاف واسع جداً، لكن على الطالب أن ينتبه، أنا كيف أكون؟ أحياناً تنبه الطالب على أمور يجب أن يفكر فيها فمباشرة صحيح كونه ليس بحجة، لأني نبهته على مواطن النزاع، مباشرة يأخذ الموطن الآخر. لا أقول ليست بحجة يا شيخ قطعاً، كيف يجعلونه مصدراً من مصادر التشريع؟ هم بشر، أنت لما تتكلم أحمد بن حنبل أبو حنيفة مالك، يعني ينبغي أن تضع كل السوابق أمامك وتفهم أنك تريد أن تفهم ماذا جعلوه مصدراً، لأنه ممكن أن تقتنعوا فعلاً يكون كلامهم صحيحاً، وهذا الذي نتبعه في الحقيقة ونفتي به الآن، اتباع أقوال الصحابة فيما لم يظهر له مخالف ولم يعرف انتشاره. لكن ما حجم هذا الدليل من الوثوق به كمصدر من مصادر التشريع؟ هذا الذي ينبهك عليه.

إذا قلنا أن قول الصحابي حجة، مصدر من مصادر التشريع، ماذا سينبني على هذا؟ سينبني أن قول الصحابي مما يخصص به العموم، ولذلك تذكرون لما ذكر ابن عبد المؤمن البغدادي المخصصات المنفصلة للعام ذكر منها إيش؟ قال: وقول الصحابي إن كان حجة، قيدها يعني إن كنت ممن ترى، فهنا جاء الموطن أنه قول الصحابة عند من يرى حجيته مخصص للعموم. قول الصحابة عند من يرى حجيته الآن هل يقدم على القياس أو لا يقدم؟ أكثرهم يقدمه على القياس.

ولا يستلزم ذلك إذا قلت إن قول الصحابي حجة، هل يلزم وجوباً للعقل أن نقدمه على القياس؟ لا، لا يلزم أن تقدمه على القياس، وممكن تكون حجة ويقدم القياس عليه. لكن أكثر من قال إن قول الصحابي حجة يقدمه على القياس، لذلك الحنابلة يقدمون قول الصحابي على القياس، والحنابلة يخصصون العام بقول الصحابي. وهو قول الشافعي في الجديد، فيما هو مشهور عن الشافعي في الجديد أن قول الصحابي ليس بحجة على من بعده ويجب المصير إليه، هذا ما ذهب إليه الشافعي في الجديد.

لكن هنا في الحقيقة الزركشي أنبه لأقوال الزركشي في البحر المحيط، يقول هذه النسبة، هو هذا نص، يقول الزركشي رحمة الله عليه في البحر المحيط، بعد أن تكلم عن هذه النسبة المشهورة أن الشافعي في الجديد يقول إن قول الصحابي ليس بحجة، يحرر هل فعلاً الشافعي يقول قول الصحابي ليس بحجة؟ ماذا يقول الزركشي؟ يقول الزركشي له قولان في الجديد، وأحدهما موافق للقديم، يعني أن قول الصحابي حجة، وإن كان قد غفل عن نقله أكثر الأصحاب. يعني باختصار الشافعي في الجديد له رؤيتان: رأي في الجديد أن قول الصحابي حجة، ورأي آخر أنه ليس بحجة، وأكثر أصحاب الشافعي يعتنون بنقل رأيه الجديد أنه ليس بحجة، لكن في الجديد له قولان في مسألة هل قول الصحابي مصدر من مصادر التشريع.

بالتالي أيها الأحبة إذا ثبت ذلك، فنقول جماهير أهل العلم على أن قول الصحابة مصدر من مصادر التشريع يجب الرجوع إليه، حتى الشافعي في الجديد له قول كما ذكر ذلك الزركشي في البحر المحيط. طبعاً من يرى أن قول الصحابة ليس بحجة، دليله يحوم حول أن الصحابة ليسوا بمعصومين، وأنهم بشر، وإذا كانوا يخطئون ويخطئ بعضهم بعضاً، وكان قوله ليس حجة على بعضهم، فبالتالي يصعب علينا أن نرتقي بأقوالهم إلى مرتبة الحجية، وأنها مصدر من المصادر التشريعية، وإن كنا لا نخالف في أننا لا نخرج عن أقوالهم، وأننا نتبع منهجهم، وأنه أفضل من غيرهم، لكن لا ترتقي لمرتبة الحجية. هذا هو دليل القول الثاني.

لذلك ماذا قال عبد المؤمن البغدادي؟ قال: وقول الصحابي إذا لم يظهر له مخالف، فروي أنه حجة، وهذا كما قلنا يقدم على القياس عند الحنابلة ويخصص به العموم، وهو أيضاً قول مالك وقديم قولي الشافعي وبعض الحنفية. قال: وخلافه، الرأي الآخر أنه ليس بحجة، وهو قول عامة المتكلمين وجديد قولي الشافعي، واختاره من الحنابلة الخطيب الكرجي. هناك أيها الأحبة من يرى أن الذين أقوالهم حجة الخلفاء الأربعة أبو بكر أو عمر أو عثمان أو علي، هؤلاء هم الذين رأيهم حجة. طبعاً هذه المسألة تختلف عن المسألة التي ذكرناها في الإجماع في نهاية باب الإجماع، أنه قال أحمد: لا أخرج عن أقوالهم. لا، هذه المسألة إذا اتفق الخلفاء الأربعة على رأي لا أخرج عن أقوالهم قال أحمد، لكن هذه مسألة أنه أحد الخلفاء لو قال برأيه هل يجب على الأمة أن تتبعه ويكون رأيه مصدراً من مصادر التشريع؟ إذا انطبق عليه طبعاً أنه قال أبو بكر مسألة ولم يعرف انتشارها ولم يكن له مخالف. فهل أبو بكر حجة؟ هل قول عمر حجة؟ هل قول عثمان أو علي حجة؟ فهناك من يرى أن فقط قول الصحابي حجة إذا كانوا الخلفاء الأربعة، وفي الحقيقة هذا تهجير واسع، هناك من يرى أنه فقط في أبي بكر وعمر، وأيضاً هذه الأقوال كلها في الحقيقة لا يسعفها الدليل.

ثم قال: فإن اختلف الصحابة على قولين لم يجز للمجتهد الأخذ بأحدهما إلا بدليل. لماذا؟ لأنه يقول لك الآن إن قول الصحابي الذي هو مصدر من مصادر التشريع ما شرطه؟ ألا يظهر له مخالف، بالتالي إذا قال ابن عباس رأياً وخالفه علي بن أبي طالب رضي الله عنهما، خلص انتهى هنا القول بحجية قول الصحابي، ونذهب إلى الدليل فلا آخذ برأي ابن عباس كما أشاء أو رأي علي في الهوى، لا، عليك أن تأتي بدليل يرجح رأي ابن عباس أو رأي علي أو العكس. فبالتالي يقول إذا اختلفوا الصحابة خلص انتهى مصدرية هذا المرجع. فقال: لم يجز للمجتهد الأخذ بأحدهما إلا بدليل، نبحث عن دليل خارجي. وأجازه بعض الحنفية والمتكلمين ما لم ينكر على القائل، ما معنى هذا الكلام؟ أنه بعض الحنفية وبعض المتكلمين قالوا: لا، حتى لو اختلف الصحابة على قولين يجوز لك هكذا من دون البحث عن مرجح، يجوز لك أن تأخذ بأي القولين شئت، قالوا وأجازه بعض الحنفية يعني أجازه أن تأخذ بأي القولين شئت حتى ولو لم تبحث عن دليل. لذلك قلت لكم البعض لا يقيد هذا، لماذا؟ ما نحن قلنا في البداية إن البعض لا يشترط في حجية قول الصحابي أن لا يظهر له مخالف، فالبعض يقول حتى لو ظهر له مخالف يبقى حجة، وهؤلاء هم هؤلاء القوم الذين يرون أنه إذا اختلف الصحابة على قولين يجوز أن آخذ بأي قول شئت حتى ولو لم أبحث عن مرجح، بناءً على أنه لا يشترط في قول الصحابي كونه مصدراً من مصادر التشريع عدم ظهور المخالف، حتى لو ظهر له مخالف يبقى مصدراً من مصادر التشريع فيجوز أن آخذ بقول ابن عباس أو بقول علي كما شئت لأنها في النهاية كلها مصدر من مصادر التشريع.

لكن في الحقيقة هذا الرأي قد ينتقد، فهو من حيث إذا قال ابن عباس حرام وقال علي حلال، معقول يكون الاثنان مصدراً من مصادر التشريع؟ صح؟ فيه تناقض، إذاً فيه واحد صار خطأ، مستحيل يكون اثنان مصدراً من مصادر التشريع، ففعلاً إذا اختلف الصحابة علينا أن نبحث عن دليل خارجي يرجح أحد القولين، وهل يجوز أن يحدث قول ثالث؟ هذه درسناها في المسألة السابقة وقلنا الصحيح لا يجوز إحداث قول ثالث، إلا إذا كان القول الثالث غير خارق، فهذه مقبولة إذا كان لا يشبعه وبينا في نهاية المحاضرة السابقة. فإذا أجاز بعض الحنفية والمتكلمين أن نأخذ برأي أي من شئنا إذا اختلف الصحابة بناءً على أنه الصحابي يبقى حجة حتى ولو ظهر له مخالف، بالتالي يجوز أن تأخذ برأي أي واحد منهم في حال الخلاف من دون البحث عن دليل. وهذا كما قلنا ليس بذاك القول القوي، لأن حجيتهم فعلاً تقف حينما يحدث خلاف بينهم، خلص حالة خلاف، فالحجية تقف هنا ونبحث عن دليل خارجي. لكنه قيد الحنفية والمتكلمين بقولهم ما لم ينكر على القائل قوله، يعني إذا كان الصحابي أنكر عليه مذهبه والصحابة خالفوه وقالوا لا هذا كلام لا يصح وكذا، فهنا هذا أمر التضعيف لقوله، فحينئذ لا تذهب إليه، يعني حتى الحنفية هؤلاء الذين وسعوا الأمور وقالوا خذ برأي من شئت في الخلاف، قالوا بشرط أن لا ينكر على القائل قوله، لأنه إذا أنكر الصحابة عليه قوله معناه في شيء، في شيء ليس بصحيح.

أما إذا لم ينكر عليه، يعني ابن عباس قال رأيه ما أحد أنكر عليه، وعلي رضي الله عنه قال رأيه ما أحد أنكر عليه، هنا عند بعض الحنفية خذ برأيه ما شئت، أما إذا جاء الصحابة وقالوا لابن عباس لا رأيك لا نقبل وأنكروا عليه وشددوا عليه، فهنا ابن عباس لا تأخذ به، هذه وجهة النظر، ولكن كما قلت لكم في الحقيقة مذهب الأفضل والمتزن أن نقول إذا اختلف الصحابة فعلينا أن نبحث عن دليل يرجح أحد القولين ولا نأخذ هكذا كما شئنا، بل علينا أن نرجع إلى الدليل.

نقف هنا أيها الأحبة، وإن شاء الله في الدرس القادم نتكلم عن الاستحسان والاستصلاح، نسأل الله أن يعلمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.