دخولتسجيل الدخول

الدرس 34 - الأصلُ الثّالث«الإجماع»

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، ومحجة للسالكين، نبينا وحبيبنا وقرة عيننا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.

حياكم الله أيها الأحبة في مجلس جديد نعقده في شرح كتاب قواعد الأصول ومعاقيد الفصول للإمام عبد المؤمن البغدادي رحمة الله تعالى عليه. وقد انتهى بنا الحديث إلى مصدر جديد من مصادر التشريع، ألا وهو الإجماع، وهذا سيعود بنا أيها الأحبة إلى مطلع كتاب عبد المؤمن البغدادي حينما تكلم عن الأدلة المتفق فيها وقسمها إلى أدلة سمعية وأدلة عقلية، وذكر في الأدلة السمعية الكتاب والسنة والإجماع، وذكر الدليل العقلي المتفق عليه في نظره وهو الاستصحاب. هذه طريقة عبد المؤمن البغدادي في التقسيم.

في رحلتنا الطويلة التي مرت سابقاً، درسنا أول مصدر من مصادر التشريع وهو الكتاب، وعرفنا تعريف الكتاب والمسائل التي تتعلق به من حيث المحكم والمتشابه، ومن حيث ما يتعلق ببعض المسائل كالحقيقة والمجاز، أيضاً درسنا الحقيقة والمجاز، درسنا بعد ذلك المصدر الثاني من مصادر التشريع وهو السنة المطهرة على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم، وعرفنا تقسيم السنة إلى قولية، تقريرية، أحكام السنة القولية، أحكام السنة الفعلية، أحكام السنة التقريرية. ثم بعد ذلك أخذنا عبد المؤمن البغدادي في رحلة مطولة في دلالات الألفاظ، وهذا المبحث وهو من أهم وأخطر مباحث علم أصول الفقه، ووضع دلالات الألفاظ له تعلق مباشر بهذين المصدرين الكتاب والسنة، إن مبناهما النص، فأنت ينبغي أن تعرف كيف تتعامل مع النص، ما دلالات النص، وعرفنا الأمر، النهي، العام، الخاص، المطلق، المقيد، ثم انتقلنا إلى المفاهيم، وختمنا آخر مسألة تتعلق بهذين المصدرين وهي مسألة النسخ.

اليوم أيها الأحبة بإذن الله ننتقل إلى المصدر الثالث من المصادر المتفق عليها في الجملة، وأنا أقول في الجملة لأنه هل هذا المصدر فعلاً متفق عليه تماماً، لم يسمع بمخالف أو هناك من خالف واعتبرت مخالفته شاذة فلم يعتد بها، هذا هو موطن النقاش الذي يمكن أن نشير إليه سريعاً. المهم المرء في جمهور كتب الأصوليين يقولون المصدر الثالث من مصادر التشريع المتفق عليها الإجماع. ما هو الإجماع؟ ما مسائل الإجماع؟ هذا موضوع درسنا اليوم بإذن الله. قال عبد المؤمن البغدادي رحمة الله عليه: والإجماع وأصله الاتفاق، وهو اتفاق علماء العصر من الأمة على أمر ديني.

الآن أيها الأحبة أولاً ما هو الإجماع لغة؟ قال واصله الاتفاق، يقصد أصله اللغوي، فأشار عبد المؤمن في هذا المقطع إلى المعنى الأول للإجماع لغة، واصله أي واصله في اللغة العربية، أصل المعنى كلمة الإجماع من أين أخذت؟ قال من الاتفاق، هذا هو المعنى المشهور. تقول أجمعت أو اجمعنا على الذهاب إلى المسجد، أي اتفقنا، اجمعنا على دراسة الاختبار، أي اتفقنا. فالإجماع هو المصدر للفعل الرباعي أجمع، أجمع يجمع إجماعاً، فهو المصدر، وما معنى الفعل أجمع؟ اتفق. لكن هذا الفعل يتعدى بـ "على" إذا كان أجمع بمعنى اتفق، ركزوا إذا كان أجمع بمعنى اتفق، اجمعنا على الدراسة، أي اتفقنا على الدراسة، اجمعنا على الذهاب إلى المحاضرة، أي اتفقنا على الذهاب.

المعنى الثاني لأجمع أن يكون بمعنى العزم والتصميم المؤكد، وفي هذه الحالة يكون أجمع إما متعدياً بنفسه أو متعدياً بـ "على"، فأقول أجمعت الأمر، إذا قلت أجمعت الأمر إذاً هنا قطعاً أجمع بمعنى عزمت، وأقول أجمعت على أمري بمعنى أيضاً عزمت على الأمر. فباختصار أجمع إذا كانت بمعنى اتفق تتعدى بـ "على"، وأما أجمع إذا كانت بمعنى عزم على الشيء وصمم عليه هنا يجوز أن تتعدى بـ "على" ويجوز أن تتعدى بنفسها.

خلاصة الكلام الفعل أجمع له معنيان؛ يأتي بمعنى التصميم والعزم المؤكد، ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ [يونس: 71]، فأجمعوا أمركم، يعني صمموا واعزموا أمركم. وأما أجمع التي بمعنى الاتفاق فهي كثيرة، كما قلت لكم اجمعنا على الذهاب إلى المحاضرة، واجمعنا على الدراسة، واجمعنا على كذا وكذا، إلى غير ذلك من الأمور التي يتفق عليها، هذا معنى الكلمة لغة.

أما التعريف الاصطلاحي فنقول أيها الأحبة أنا يهمني كتابة التعريف على السبورة لأني سأقسمه إلى أجزاء، كل جزء في الحقيقة هو شرط في الإجماع، فنقول الإجماع كمصدر من مصادر التشريع هو: اتفاق مجتهدي الأمة في عصر من العصور بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم على أمر ديني.

هذا هو الإجماع، اتفاق مجتهدي الأمة في عصر من العصور بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم على أمر ديني. لنناقش سريعاً هذه القيود حتى نفهم ما هو الإجماع، وكل المسائل التي سندرسها في باب الإجماع هي تتعلق بأحد مفردات هذا التعريف. نبدأ بالكلمة الأولى: اتفاق، إذاً الإجماع هو اتفاق، سندرس إن شاء الله من المسائل التي معنا: هل هذا الاتفاق يشترط أن يكون من الكل ولا يكفي أن يتفق الجمهور؟ هذه مسألة ستأتي معنا إن شاء الله. حينما نقول الإجماع هو اتفاق، هل المراد بالاتفاق اتفاق الكل بحيث إذا خالف شخص واحد ما عاد فيه إجماع؟ ولا يكفي أن يتفق الأكثر والجمهور؟ هذه مسألة. إذاً الإجماع هو الاتفاق، بالتالي إذا كان هناك خلاف منتشر بين العلماء إذاً يستحيل أن يكون هناك إجماع، أليس كذلك؟ إذا قلنا الإجماع هو الاتفاق إذاً متى ما كان هناك خلاف منتشر إذاً ما عندنا إجماع، انتهى الأمر، فلابد من الاتفاق، لكن الجزئية التي سنبحثها أنه هل تضر مخالفة الشخص أو الشخصين ولا تضر، هذه مسألة تدرس إن شاء الله.

القيد الثاني: اتفاق المجتهدين. هل يعتبر في إجماع عوام المسلمين؟ على الصحيح من كلام الأصوليين أنه لا يعتبر قول العوام، ولا طلبة العلم، ولا المثقفين، ولا السياسيين، ولا الاقتصاديين، الإجماع هو اتفاق المجتهد. من هو المجتهد؟ هذا سندرسه إن شاء الله في نهاية الكتاب؛ من تملك آلة العلم نحواً وصرفاً وبلاغة وأصولاً ومنطقاً ومقاصد وفقهاً واعتقاداً وتفسيراً. هذا هو المجتهد، فليس أي شخص له الأحقية في أن يتكلم في أمور الدين، بل الذي له الأحقية في التعبير عن الحكم الشرعي والإدلاء به من وصل إلى مرتبة الاجتهاد، وغيرهم يرمى بأقوالهم عرض الحائط. إذاً اتفاق مجتهدين، هذا قيد أخرج العوام وطلبة العلم وكل من لم يبلغ مرتبة الاجتهاد على الصحيح من كلام الأصوليين.

القيد الثالث: الأمة. هذا القيد يخرج به ماذا أيها الأحبة؟ قالوا اتفاق المجتهدين من غير أمة محمد صلى الله عليه وسلم، أي من الأمم السابقة. فإذا نقل إلينا اتفاق علماء اليهود في زمن موسى على قضية، أو نقل إلينا اتفاق علماء في زمن عيسى على قضية، هل اتفاق علماء الأمم السابقة حجة؟ على الصحيح أنه ليس حجة على أمة محمد صلى الله عليه وسلم. طيب هل هو كان حجة في عصرهم؟ أم مصدر الإجماع كمصدر من مصادر التشريع مما خصت به الأمة المحمدية؟ عرفتم السؤال؟ هذا فيه خلاف بين الأصوليين، وفي الحقيقة يصعب أن نصل إلى نتيجة واضحة أو إجابة واضحة لهذا الاستشكال. إذاً اتفاق مجتهدي الأمة، المراد الأمة أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فبالتالي هنا "ال" التي في كلمة الأمة هي للعهد الذهني، أي أي إنسان سامع يدرك أن مرادك بالأمة هي أمة محمد صلى الله عليه وسلم.

القيد الرابع: في عصر من العصور. هذا القيد أيها الأحبة في الحقيقة أستطيع أن أقول هو قيد توضيحي أكثر من أنه قيد إخراجي. ما معنى قيد توضيحي؟ أنه ليس المراد اتفاق مجتهدي الأمة على المسألة من أيام النبي صلى الله عليه وسلم إلى قيام الساعة، المراد اتفاق المجتهدين الموجودين في العصر. وإلا لو قلنا إن المراد اتفاق مجتهدي الأمة، أي أن المسألة لا نقول إن فيها إجماعاً إلا بعد أن يتفق جميع مجتهدي الأمة، معنى هذا الكلام أنه بدنا ننتظر مجتهدي القرن الخامس عشر والثالث عشر والرابع عشر حتى يتوافقوا مع مجتهدي القرن الأول والثاني والثالث. يعني إذا اتفق مجتهدو الأمة من أيام النبي صلى الله عليه وسلم إلى قيام الساعة والمسألة حينئذ بنقول إنه وقع عليها إجماع، وهذا غير معقول، صح ولا لا؟ أي مسألة لا نقول فيها إجماع حتى يتفق عليها جميع مجتهدي الأمة! لو قلنا اتفاق جميع مجتهدي الأمة وسكتنا، قد يفهم من ذلك، طبعاً الإنسان ذهنه متوقد لن يفهم، لكن قد يفهم بعض من لم يفتح الله عز وجل عليه في هذه الجزئيات، قد يتصور أن مراد اتفاق مجتهدي الأمة أنه يجب أن يتفق المجتهدون في جميع العصور على حكم المسألة بعدئذ نقول فيها إجماع. وهذا في الحقيقة لو قلنا بهذا المعنى إحنا بنلغي الإجماع، لأنه بدنا نستنى العلماء اللي في القرن الأخير قبل قيام الساعة حتى يجيئوا يتفقوا على هذه المسألة، وبعدين ما استفدناش برأيهم. فإذاً هذا هو قيد توضيحي واضح للطالب النبيه، ولكن قد يخفى على من لم يتبصر في هذه المسائل، لذلك قلنا اتفاق مجتهدي الأمة، المراد المجتهدون الموجودون في عصره من العصور.

القيد الخامس: بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم. الآن هذا القيد لإخراج اتفاق مجتهدي الأمة في عصر من العصور إذا كان هذا العصر هو عصر البعثة، عصر النبي عليه الصلاة والسلام. الآن الصحابة كان منهم من بلغ مرتبة الاجتهاد وعنده قدرات على الاجتهاد في زمن النبي عليه الصلاة والسلام، أليس كذلك؟ لكن هل يسأل الصحابة عن رأيهم الفقهي في مسألة مع حضور النبي عليه الصلاة والسلام؟ والله يأتي رجل بديش أسأل النبي عليه الصلاة والسلام، بدي أسأل عمر بن الخطاب؟ طبعاً لا، أليس كذلك؟ لأنه مصدر التشريع هو محمد عليه الصلاة والسلام في عهده، بعد وفاته يقبل الاجتهاد، تقبل الآراء الاجتهادية. الآن بالطبع النبي عليه الصلاة والسلام كان يعلم الصحابة الاجتهاد، وشاور عمر بن الخطاب وشاور أبا بكر في أكثر من قضية، يدربهم يعلمهم، لكن في النهاية كما قال العلماء الله سبحانه وتعالى إما يصوب هذا الاجتهاد أو يخطئ هذا الاجتهاد، ففي النهاية في عصر النبي صلى الله عليه وسلم لا يتصور وقوع الإجماع لأن النبي عليه الصلاة والسلام هو الحجة، فيرجع إليه مباشرة ولا حاجة لهذا المصدر، أليس كذلك؟ يعني النبي صلى الله عليه وسلم موجود عندهم يخبرهم عن الله، لا داعي إذاً للرجوع إلى أقوال مجتهدي الصحابة إذا كانت الحجة موجودة بالنبي عليه الصلاة والسلام، لذلك الإجماع لا يتصور إلا بعد وفاته صلى الله عليه وسلم.

القيد السادس والأخير: على أمر ديني. هذا هو القيد الأخير من قيود الإجماع، أن الإجماع هو اتفاق مجتهدي الأمة في عصر من العصور بعد وفاة النبي عليه الصلاة والسلام على مسألة شرعية. وأما اتفاقهم على مسألة حياتية عرفية فهذا لا يعتبر إجماعاً شرعياً يجب الالتزام به. فلو أجمع علماء الشريعة على وجود ضخ المياه من حوض الديسي إلى عمان، هذه مسألة من أمور الحياة، هذه ما لهم علاقة فيها المجتهدون، صح؟ المجتهد ليس له علاقة بالأمور الحياتية. فحتى لو اتفقوا جميع المجتهدين وصرحوا برأيهم في مسألة من أمور الدنيا فهذا على الصحيح لا يسمى إجماعاً شرعياً ملزماً للأمة، لأن هذا ليس من شأن العلماء أصلاً أن يتحدثوا به، لذلك قيدنا أن يكون اتفاقهم على مسألة دينية.

واضح التعريف أيها الأحبة؟ إذاً هي ستة في التعريف على الطالب أن يتقنها حتى يتصور ما هو الإجماع. إذاً تصورنا الإجماع اتفاق مجتهدي الأمة في عصر من العصور بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم على أمر ديني. الآن طبعاً أنا هذا نوع من التعديل أجرِيته على تعريف عبد المؤمن البغدادي لأن عبد المؤمن اختصر بعض النقاط، وهذا بشكل عام سوق الاختصار، عبد المؤمن قال: هو اتفاق علماء، العلماء بمعنى المجتهدين، ما في فرق، قلت علماء أو قلت مجتهدين كلاهما صحيح، يعبر لأنه الأقدمون حينما يقولون العالم يقصدون المجتهد، فلا فرق بيننا في هذا التعبير. إذاً اتفاق علماء العصر من الأمة على أمر ديني. ما القيد الذي أسقطه؟

أذكر أنني ذكرت قيدًا واحدًا فقط، فقد أسقطوا نقاطًا أخرى ذكرها العلماء؛ فالعصر ذكرها، وأن الأمة ذكرها، والأمر الديني ذكرها، فهو ذكر خمسة. هناك نقطة مهمة ما هي؟ هي بعد وفاة النبي عليه الصلاة والسلام. لم يغفل ذكر ذلك لوضوحه، ليس لأنه ليس عالماً كبيراً، فهو عبد المؤمن ويدرك ذلك، لكن بعض الأمور عندما تكون واضحة لا يحتاج إلى ذكرها؛ فمعلوم أن الإجماع لن يقع في عهد النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأنه صلى الله عليه وسلم هو الحجة.

ثم ذكر تعريفاً آخر: وقيل هو اتفاق أهل الحل والعقد على حكم الحادثة قولاً. ما رأيكم بهذا التعريف الثاني؟ قال: اتفاق أهل الحل والعقد. الآن من يقصد بأهل الحل والعقد؟ إذا كان يقصد بأهل الحل والعقد ما هو أعم من المجتهدين، بحيث يدخل فيهم أصحاب الرأي ووجهاء العشائر ونحوهم، فهذا في الحقيقة رأي لبعض الأصوليين لكنه ليس مقبولاً؛ لأن الإجماع مختص باتفاق المجتهدين فقط. هناك رأي لبعض الأصوليين يقبل رأي أهل الحل والعقد بالمعنى العام.

الآن إذا كان يقصد بأهل الحل والعقد المجتهدين، فليس عندنا مشكلة سوى الخلاف في التعبير. لكن إذا كان يقصد بإدخال أهل الحل والعقد من الدولة، من الوزراء ووجهاء العشائر ورؤوس الناس، فهؤلاء في الحقيقة إذا لم يكونوا من المجتهدين فلا يُعتبر برأيهم. وهذا يكون على رأي طائفة من الأصوليين التي تعتبر اتفاق هؤلاء وتدخله مع اتفاق المجتهدين، لكنه كما قلنا ليس عليه العمل.

المشكلة الثانية في هذا التعريف بعد مشكلة أهل الحل والعقد، أنه قال على حكم الحادثة: قولاً. لاحظت القيد؟ قولاً. الآن أيها الأحبة ربما هذا يقودنا سريعاً إلى مسألة، وهي: هل الإجماع المعتبر هو أن يصرح المجتهدون بأقوالهم في حكم المسألة، أم يكفي لو أن المجتهدين فعلوا هذه المسألة جميعاً؟ يعني باختصار: هل الإجماع المعتبر هو أن يكون اتفاقاً بالقول، ولا يُقبل اتفاقهم بالفعل؟

يعني عندنا مسألة جميع مجتهدي العصر يفعلونها يومياً، هل فعل جميع المجتهدين في العصر لهذه المسألة يجعلنا نقول إن هذه المسألة فيها إجماع حتى ولو لم يصرحوا بأقوالهم، أم يشترط في الإجماع أن يكون اتفاقاً بالقول؟ لا يكفي أن يفعلوه، بل لا بد أن يصرحوا بأقوالهم في حكم المسألة. الآن على تعريف عبد المؤمن البغدادي الثاني، وهو اتفاق أهل الحل على حكم الحادثة قولاً، كأنه يشترط في الإجماع أن يكون اتفاقاً بالقول، وأنه لا يوجد هناك إجماع بالفعل، أي أن المجتهدين كلهم يفعلون هذا الفعل فنقول والله هناك إجماع على هذه المسألة، إجماع فعلي؛ لأن الكل يفعل حتى ولو لم يصرحوا برأيهم.

التعريف الثاني لا يدخل هذه الصورة: صورة الإجماع الفعلي. لكن في الحقيقة هذه تعتبر من صور الإجماع؛ لو أن جميع المجتهدين يفعلون فعلاً، وقد ثبت لنا أنهم يفعلون فعلاً ولم تظهر قرينة الإجبار والإكراه لهم على هذا الفعل، ففعلهم لهذه المسألة جميعاً مع عدم قرينة الإكراه هو نوع من الاتفاق، ولكنه اتفاق فعلي ويعد إجماعاً. فهذا التعريف الثاني فيه هاتان المشكلتان: مشكلة التقييد بأن يكون قولياً، وتقييد "أهل الحل والعقد" بدل التعبير بـ "العلماء".

ممتاز. الآن بعد ذلك سيبدأ عبد المؤمن البغدادي بسرد مسائل هذا الباب، لكن قبل أن ندخل في سرد مسائل هذا الباب، في الحقيقة أحتاج أن أتكلم: من الذي خالف في حجية الإجماع؟ ربما هي مسألة لم يذكرها. الجماهير يأخذون بحجية الإجماع ويقولون بها، وإن كان بينهم اختلاف في جزئيات تعتبر إجماعاً أو لا تعتبر، فهذا لا ينقض أصل الاتفاق على أن الإجماع مصدر من مصادر التشريع. فهناك اتفاق عام من العلماء، أو شبه اتفاق، على أن الإجماع مصدر من مصادر التشريع، لكنهم يختلفون في التفاصيل، فلان يعتبر هذه الصورة إجماعاً وفلان لا يعتبرها.

إلى من يُنسب الخلاف؟ في الحقيقة يُنسب الخلاف بشكل واضح إلى النظام من المعتزلة، ويُقال إن النظام المعتزلي هو أول من خالف في حجية الإجماع. النظام سَمَّى الإجماع وقال: هو كل قول ظهر مستنده. فالنظام يقول الإجماع ليس هو اتفاق المجتهدين في عصر من العصور كذا وكذا، بل يقول: الإجماع هو كل قول ظهر مستنده ودليله. ويدعي أن هذا ما يُسميه إجماعاً، أما ما تقولون به من أن اتفاق المجتهدين في عصر من العصور على أمر ديني هو مصدر من مصادر التشريع، فهذا لا يعتبره مصدراً. النظام يستخدم كلمة الإجماع، ولكن ما مفهوم الإجماع عنده؟ يقول إن الإجماع هو كل قول ظهر مستنده وكل مسألة شرعية ظهر مستندها ودليلها، فهذا مصطلح خاص به، وينكر الإجماع بمفهومنا، وهو اتفاق المجتهدين في عصر من العصور.

في الحقيقة هناك شخص آخر أجده وألمح في كلامه منازعة في الإجماع، وهو الشوكاني رحمة الله عليه في "إرشاد الفحول". الشوكاني عندما ناقش أدلة حجية الإجماع كمصدر من مصادر التشريع، وهّنها وضعفها، وتشم من كلامه رائحة عدم الاقتناع بحجية الأدلة التي يذكرها ويسردها الأصوليون لمصدر الإجماع. وفي أكثر من مقتطف في كتابه قال: "وهذا إن كان الإجماع حجة"، "وإن قلنا بحجية الإجماع"، لاحظ كيف يقول: "وإن قلنا"، أي إذا قلنا بأنه حجة فيكون كذا. فتلمح من عباراته فعلاً -وأنا حين قرأت ما ذكره في إرشاد الفحول شعرت، وأظن أن غيري شعر بذلك- أن الشوكاني رحمة الله عليه كأنه يقول: الإجماع ليس هناك دليل قطعي يدل على أنه مصدر من مصادر التشريع، وكل ما يُذكر من الأدلة على حجيته أدلة عامة لا تسلم من الانتقاد.

لذلك، كثير من الأصوليين تَبَعاً للمتقدمين يذكرون من خالف في حجية الإجماع، فيذكرون النظام، لأن كتب الرازي والغزالي ومن بعده كلها كانت قبل الشوكاني، فالمخالف كان هو النظام. لكن الشوكاني يُعتبر من المتأخرين جداً، لذلك لا يُذكر الشوكاني في الكتب القديمة. فعندما تقرأ في الكتب الأصولية إلى نهاية القرن العاشر الهجري، ينسبون الخلاف إلى النظام، لأن الشوكاني جاء بعد ذلك وناقش أدلة الإجماع ونقدها وجعلها أدلة لا تسلم من النقد. هو لم يصرح صراحة بإبطال هذا المصدر، لكنه ضمنياً في كلامه يشير إلى عدم حجية هذا المصدر، أو عدم قطعيته، ويجعلها من مسائل الخلاف، فلو قلت إن الإجماع ليس مصدراً من مصادر التشريع عند الشوكاني لا يرى ضيراً في ذلك.

هذا هو الخلاف: النظام والشوكاني في غاية كلامه. طب الجمهور أيها الأحبة بماذا استدلوا على حجية الإجماع؟ طبعاً هذا ليس بحثنا، لكن سريعاً أسرد لكم أدلة عامة للجمهور، وهي أدلة لها حظها فعلاً من النظر.

الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: 115]. وجه الدلالة أن الله توعد بالنار كل من اتبع غير سبيل المؤمنين، وهذا يوجب علينا اتباع سبيل المؤمنين، ومن سبيل المؤمنين ما أجمعوا عليه، فيكون اتباع إجماعهم واجباً. فمفهوم المخالفة أن الذي يتبع سبيل المؤمنين هو في الاتجاه الصحيح؛ لأنه غير متوعد بجهنم، فسبيل المؤمنين قطعا صحيح. والإجماع بالبداهة هو سبيل المؤمنين؛ لأنه اتفاق مجتهدي الأمة، إذاً ينبغي أن يكون الإجماع صحيحاً وموافقاً للحق الذي يريده الله سبحانه وتعالى.

الدليل الثاني: الأحاديث والآثار المتواترة تواتراً معنوياً، لا يوجد عندي حديث واحد تناقلته الأمة جيل بعد جيل، عندي أحاديث آحاد متفرقة لكنها تشترك في فكرة أساسية وهي عصمة هذه الأمة من الزلل في حال اجتماعها، كقوله صلى الله عليه وسلم: «لا تجتمع أمتي على ضلالة»، وقوله: «سألت الله ألا يجمع أمتي على ضلالة»، وقوله: «من سرّه بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة»، وقوله: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين»، وقوله: «عليكم بالسواد الأعظم»، وقول ابن مسعود: «ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن». يقول الشافعي في رسالته الأصولية: ومن قال بما تقول به جماعة المسلمين فقد لزم جماعتهم، ومن خالف ما تقول به جماعة المسلمين فقد خالف جماعتهم التي أُمر بلزومها، وإنما تكون الغفلة في الفرقة، أما الجماعة فلا يمكن فيها غفلة عن معنى كتاب ولا سنة ولا قياس إن شاء الله.

الدليل الثالث والأخير: ما ذكره ابن تيمية رحمة الله عليه نقلاً عن أبي بكر عبد العزيز غلام خلّال من الحنابلة. ابن تيمية رحمة الله عليه يقول: نتيجة الجماعة رحمة الله ورضوانه وصلواته وسعادة الدنيا والآخرة وبياض الوجوه، ونتيجة الفرقة في المقابل عذاب الله ولعنته وسواد الوجوه وبراءة الرسول صلى الله عليه وسلم منه. قال: وهذا أحد الأدلة على أن الإجماع حجة قاطعة، فإنه إذا اجتمعوا كانوا مطيعين لله بذلك مرحومين، فلا تكون طاعة الله ورحمته بفعل لم يأمر الله به من اعتقاد أو قول أو عمل، فيستحيل أن تكون طاعة الله ورحمته المنبثقة عن الاجتماع وائتلاف الكلمة تكون بفعل لم يأمر الله به. فلو كان القول أو العمل الذي اجتمعوا عليه لم يأمر الله به، لم يكن ذلك طاعة ولا ثواباً، فثبت أن الاتفاق رحمة وخير، إذاً لا يمكن أن يكون الاتفاق في شيء يغضب الله سبحانه وتعالى. فلولا أن الله ضمن العصمة في اتفاق مجتهدي الأمة لما كان الاجتماع دائماً محموداً، فلما أطلق الله محبة الاجتماع من المجتهدين ولم يقيدها، دل ذلك على أن إجماعهم واتفاقهم لا يكون إلا موافقاً للحق. هذا مجمل كلام ابن تيمية، وهذه هي أدلة حجية الإجماع: النص القرآني والآثار المتواترة.

هذه الأمة. وما ذكره ابن تيمية عن أبي بكر ابن عبد العزيز غلام الخلال في ذكره لهذه المسألة، وأبو بكر عبد العزيز رحمة الله عليه. الآن بقيت المسألة الثالثة قبل أن أعود إلى عبدي المؤمن البغدادي. هذه المسألة أيها الأحبة هي إذا ثبت أن الإجماع حجة بناءً على هذه النصوص، فهل هو حجة قطعية يحرم مخالفتها ويكفر المخالف فيها، أم هو حجة ظنية؟ الآن هذه المسألة باختصار لا أريد أن أطيل عليها.

هناك صور من الاتفاق جميع العلماء يسمونها إجماعاً ويعتبرونها من قبيل الإجماع، وهناك صور من الاتفاق البعض يعده إجماعاً والبعض لا يعده إجماعاً. واضح كذا؟ هناك صور من الاتفاق الكل مقر أنها تسمى إجماعاً، وهناك صور من اتفاق مجتهدي الأمة ستأتي معنا ونناقشها، البعض يوافق على تسميتها إجماعاً والبعض ينازع في تسميتها إجماعاً. الآن إذا كانت صورة الاتفاق مما اتفق العلماء جميعاً على تسميتها إجماعاً ونقل هذا الاتفاق إلينا نقلاً متواتراً، في هذه الحالة نقول الإجماع حجة قطعية يكفر مخالفها.

إذاً حتى يكون الإجماع حجة قطعية هناك شرطان باختصار: ما هما؟ الشرط الأول أن تكون صورة الاتفاق تسمى إجماعاً عند جميع العلماء، والشرط الثاني أن تنقل هذه الصورة من الاتفاق إلينا نقلاً متواتراً. جميل، إذا وجد هذان الشرطان يكون الإجماع حجة قطعية يكفر المخالف له. وهذه في الحقيقة أيها الأحبة باجتماع هذين الشرطين هو ما يسمى بعلم المسائل المعلومة من الدين بالضرورة، هذه صورتها لأن هذه التي يكفر المخالف بها حقيقة. وأما غير ذلك من الصور، وأما غير ذلك من المسائل، فيصعب أن نقول إن هناك إجماعاً احتوى على هذين الشرطين. ما سوى المسائل المعلومة من الدين بالضرورة يصعب فيها أن نتيقن من اجتماع هذين الشرطين؛ لأنه أولاً الصورة المتفق على تسميتها إجماعاً عند جميع العلماء صورة صعبة الحصول، في عصر الصحابة ممكن، وأما في غير عصر الصحابة فهي صعبة.

ما هي هذه الصورة؟ هذه الصورة أيها الأحبة أولاً نحصر جميع المجتهدين في العصر بحيث لا يعزب عنا مجتهد واحد، بدك تتأكد أنه ما في أي مجتهد خرج من دائرة الحصر، جمعناهم في صعيد واحد ونتأكد أنه ما في أحد فلت من هنا أو هنا، الكل موجود، ثم يُسألون عن المسألة فيصرح كل منهم برأيه أو بفعله، حتى الفعل هذا ممكن يقول فيها خلاف، والأقوى أن يصرح كل واحد برأيه وينتهي اجتماعهم وانفضاضهم على حكم هذه المسألة. الآن الحنابلة لسا في عندهم صورة ما اتفقتش، لسا هذا مش صورة متفق عليها، بعد أن انفض اجتماعهم هناك من يستقر قراءة العصر الحنابلة كما سيأتي معنا، لابد ينقرض العصر والكل متفق على هذه المسألة ولا يوجد أحد تراجع، بعد صعوبة وقوع هذا الأمر، يعني الصورة المتفق عليها صورة صعبة.

بعد ذلك أيها الأحبة حينئذٍ نقول هذه المسألة وقع فيها إجماع، إذا جميع المجتهدين ما في أحد ضاع، والكل صرح برأيه في المسألة، وانقرض العصر ولم يوجد تراجع من أي شخص منهم. وهذه صورة متفق عليها، طبعاً هذه الصورة بعد عصر الصحابة هل يمكن أن نجزم بوقوعها؟ صعب جداً. طبعاً نحن ما بدنا نقول إنه ما في إجماع أو كذا حتى بعض الناس ما تختل، لكن أنا أتفهم الشوكاني في ضيق التفكير، أتفهم ما الذي جعله يتصور صعوبة الإجماع؛ لأنه فعلاً الذين يقولون بحجية الإجماع، الإجماع عندكم حجة قطعية في صورة واحدة، وتقولون حجة قطعية فيما اتفقت الأمة على تسميته إجماعاً، وأما الصور التي فيها نزاع على تسميتها إجماعاً من يرى أنها إجماع يقول هي ظنية؛ لأن هناك من يخالفني بتسميتها إجماعاً.

فلا بد أن تكون أولاً إجماعاً متفقاً على تسميتها، بعد ذلك الخطوة الثانية الأصعب: أن هذا الإجماع ينقل إلينا متواتراً وليس آحاداً، طريق وصوله إلينا ليس هو في كتاب من الكتب وجدناه مثل كتاب القطان أو في مراتب الإجماع لابن حزم، لا بد أن يكون إجماعاً نقل إلينا متواتراً. حينئذٍ باجتماع الشرط الأول مع الثاني نقول الإجماع حجة قطعية يكفر مخالفها. لذلك قلت لكم هذا في الحقيقة قد أجده صعباً إلا في المسائل التي تسمى عند العقديين المسائل المعلومة من الدين بالضرورة، وهذه المسائل المعلومة من الدين بالضرورة الإجماع لا يكون هو الدليل الوحيد عليها، بل هو مسبوق بأدلة القرآن المتظاهرة وأدلة السنة المتظاهرة، ويذكر الإجماع بعد ذلك كتأييد لتلك الأدلة.

لذلك مثلاً تجد ابن رشد في بداية كتاب الصلاة والصيام والزكاة وفي نهاية المقتصد يقول مثلاً البيع دل عليه الكتاب والسنة والإجماع، طيب ما فائدة الإجماع إذا كان الكتاب والسنة؟ هذا يسمى تضافر الأدلة، أنه يريد أن يعزز أدلة هذا الأصل بشيء من كتاب الله وسنة رسوله وإجماع على مشروعيته، بالتالي هذا معلوم من الدين بالضرورة. فلو جاء شخص فقال البيع أصلاً كله محرم هذا يكفر، لماذا؟ لأن جواز البيع أصبح من المسائل المعلومة من الدين بالضرورة، وقل ذلك في الزنا وشرب الخمر وغير ذلك من الأمور التي نقلت نقلاً متواتراً وأجمعت الأمة جيلاً بعد جيل عليها.

وأما ما سوى ذلك أيها الأحبة من صور الإجماع فحجيتها حجية ظنية، يعني أنا عندي صورة من صور الاتفاق أسميها إجماعاً، لكن أنت أيها المخالف لا تسميها إجماعاً، تقول والله هذه الصورة أنا لا أسميها إجماعاً، هناك شرط اختل فيها، ما أسميه إجماعاً أقول هذا الإجماع حجته ظنية، ما بصير أقول حجة قطعية؛ لأنه هناك من الأئمة من يخالفني. فمثلاً الإمام أحمد يشترط انقراض العصر، غيره من الأئمة ما يشترطون انقراض العصر، بالتالي إذا حصل الإجماع في لحظة معينة ولم ينقرض العصر بعد، هذا الإجماع عند من يقول به يكون حجة ظنية. لماذا؟ لأنه الحنابلة يتبعون إمامهم فيقولوا لسا الإجماع ما استقر، إنه ما انقرض العصر، أنتم وقع عندكم الإجماع لأنكم لا تشترطون الانقراض، أما إحنا ما زلنا ننتظر انقراض العصر.

بالتالي قبل الانقراض هو إجماع عند من يرى عدم اشتراط العصر، لكنه إجماع ظني، ما بيجي واحد يكفر الحنابلة؛ لأنه الحنبلي يقول لك أنا لسا ما أراه إجماعاً، ويحق له أن يخالف هذا الإجماع قبل انقراض العصر لأنه لا يراه إجماعاً، لكن من يراه إجماعاً هل له أن يخالف؟ لا. عرفتم أيش فائدة الإجماع الظني؟ أنه في النهاية عند من يراه إجماعاً هو مصدر من مصادر التشريع، لكنه مصدر ظني. بما أنه ظني أهم نقطة عندنا أنه لا يكفر المخالف لهذا الإجماع أو الذي يفعل خلاف هذا الإجماع، لأنه في النهاية هذا الإجماع ظني ولم يصل إلى درجة القطع، فلا يكون الإجماع قطعياً يكفر مخالفه إلا بهذين الشرطين، وكما قلت لكم هذا يصعب إلا في المسائل المعلومة من الدين بالضرورة.

فإذا عرفنا ما هو الإجماع القطعي وما سوى ذلك من الإجماعات ظنية، لذلك لا يستعجل طالب العلم، كثير من طلبة العلم أجد لهم مجازفات في كتبهم أو أقوالهم أو كذا، أو يستعجل يقول والله هذه مسألة إجماعية هكذا بكل سهولة، طيب حتى لو كانت إجماعية هل هي من صورة الإجماع القطعي؟ يعني قبل أن تستعجل وتحكم على المخالف بأنك خالفت الإجماع وخالف الإجماع كافر، اهدأ انتظر، هل هذا الإجماع الذي أنت تزعمه من صورة الإجماع القطعي ولا من الإجماع الظني؟ إذا كان إجماعاً ظنياً ليس لك أن تكفر المخالف ولا أن تحكم عليه، فهو في النهاية قد لا يراه إجماعاً، وأنت لا تستطيع أن تجبر الآخرين على أن يعتقدوا رأيك، إذا كان مما هو معلوم من الدين بالضرورة؟ أي نعم هذه مسألة أخرى، لكن المسائل التي يراها بعض الأئمة إجماعاً ولا يراها البعض إجماعاً ليس لك أن تلزم المخالف لك على تقبل الإجماع فيها.

الآن أعود إلى عبد المؤمن البغدادي بعد هذه الرحلة بحجة الإجماع وما هو الإجماع القطعي والظني، نعود لمناقشة مسائل تباعاً ذكرها رحمة الله عليه. المسألة رقم واحد، أنا أحب الطالب أن يهذب المسائل دائماً، يقول المسألة واحد، حتى المراجعة يكون الكتاب مقسم عنده مسائل يعرف بداية المسألة ونهاية المسألة، هذا كتاب اسمه قواعد الأصول ومعاقد الفصول، ينبغي أن تحسن حرق هذه المعاقد، هذه المسألة بدايتها من هنا ونهايتها هنا، الآن مسألة جديدة، ولا الطالب الذي يقرأ لا يعرف متى بدأت المسألة ومتى انتهت. والله هذه المسألة التي يليها تتعلق بالمسألة السابقة، أن الكتاب يستفاد منه بالشكل الصحيح.

المسألة رقم واحد قال: واجماع أهل كل عصر حجة، خلافاً لداود الظاهري، وقد أومأ أحمد إلى نحو قوله. المسألة الأولى تتعلق بأنه هل عندما نقول الإجماع مصدر من مصادر التشريع، فهل نقصد اتفاق مجتهدي الأمة في كل عصر من العصور إلى قيام الساعة، ولا الإجماع الذي هو حجة ومصدر من مصادر التشريع هو اتفاق مجتهدي الأمة في عصر الصحابة فقط؟ من خلال التاريخ أنتم عرفتم أن الإجماع هو اتفاق المجتهد في كل عصر من العصور وليس منحصراً في اتفاق الصحابة، لكن هناك من رأى أن الإجماع إنما هو حجة في اتفاق الصحابة فقط، من هو الذي رأى ذلك؟ داود الظاهري المدرسة الظاهرية.

لذلك قال: وإجماع أهل كل عصر حجة هذا هو الصحيح، خلافاً لداود الظاهري الذي يرى أن الإجماع الذي هو حجة والذي دلت الأدلة على حجيته هو إجماع عصر الصحابة فقط، وأما إجماع التابعين ومن بعد ذلك إلى قيام الساعة فلا يسمى اتفاق مجتهدي العصر في عصرهم إجماعاً. طيب أيش دليل داود الظاهري؟ وهناك إيماء من أحمد بن حنبل إلى هذا الرأي، ولكن المنصوص في المذهب والمعتمد هو قول الجمهور أن الإجماع معتبر في كل عصر وليس خاصاً بعصر الصحابة.

داود الظاهري الذي جعله يقول بأن الإجماع الذي هو مصدر للشريعة فقط هو إجماع الصحابة، أن النصوص التي جاءت لتدل على الإجماع كان الخطاب فيها للصحابة، فقوله تعالى ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: 115] المراد هنا بسبيل المؤمنين سبيل الصحابة. والأدلة التي قالت ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن ولا تجتمع أمتي على ضلالة وكذا، يقول هذا في عصر الصحابة قبل أن تنتشر الفتن وتنتشر البدع وتدخل الفرق. أما بعد أن انتشرت الفرق وظهرت البدع والفتن وتفرقت الأمة فلم يعد هناك ما يسمى إجماعاً، أنا وجهة نظره طبعاً في النهاية نستطيع أن نقول هو تخصيص بغير مخصص، فتخصيص أدلة الإجماع على أنها خاصة بالصحابة فقط ولا تشمل غيرهم هو الذي يحتاج إلى دليل من قبل داود الظاهري. هذه المسألة الأولى لا نطيل فيها أكثر من وضوحها، انتقل للمسألة الثانية.

المسألة الثانية إجماع التابعين على أحد قولي الصحابة اعتبره أبو الخطاب والحنفية، وقال القاضي وبعض الشافعية ليس بإجماع. المسألة الثانية التي فيها النزاع، لاحظوا هذه كلها صور مختلف فيها، صور مختلف في تسميتها إجماعاً، إذا كان الإجماع وقع بعد عصر الصحابة، يعني إجماع العصر الثاني أو الثالث أو الرابع، هل يسمى إجماعاً ولا لا؟ عندنا مخالف داود الظاهري ورواية عن أحمد بن حنبل، طيب المسألة الثانية أيها الأحبة، اختلف عصر الصحابة وهم مختلفون فيها على رأيين، واضح تصور المسألة؟ مسألة فقهية الصحابة اختلفوا فيها على رأيين، مات الصحابة وانقرض عصرهم، جاء التابعون بعد ذلك فاتفق علماؤهم على أحد قولي الصحابة، قالوا خلاص هذا هو القول الذي نعتمده ونلغي القول الآخر، هل اتفاق التابعين بعد عصر الصحابة على أحد أقوال الصحابة يسمى إجماعاً ولا لا يسمى إجماعاً؟

ها هنا في خلاف، أبو الخطاب الكلوداني والحنفية قالوا يسمى إجماعاً، القاضي وبعض الشافعية قالوا ليس بإجماع. الآن هذا يعود إلى مسألة مهمة، وهي هل المذاهب تموت بموت أربابها أيها الأحبة؟

هل المذاهب والأقوال تموت بموت أربابها؟ الصحابة رضوان الله تعالى عليهم انطرحت مسألة فقهية في زمنهم، فاختلفوا فيها على رأيين، وانتهى العصر والكل مختلف على رأيه، هناك من ينحى هذا النحو، وذهب من ينحى النحو الآخر. فهل إذا جاء بعد ذلك عصر التابعين فاتفقوا على أحد أقوال الصحابة، هل يعتبر القول الآخر انتهى تماماً ولا عبرة به بناء على أن إجماع التابعين وقع على أحد قولي الصحابة، فإذن القول الآخر انتهى ولا يجوز القول به، بل يجب الأخذ بإجماع التابعين، ومات هذا القول بموت صاحبه؟

هذه مسألة خلافية، والأظهر أيها الأحبة أن المذاهب لا تموت بموت أربابها؛ فحتى لو وقع اتفاق في العصر اللاحق على مسألة اختلف فيها في العصر السابق، لا يعد هذا الاتفاق مبطلاً لقول المخالف، ولا يسمى إجماعاً شرعياً. لماذا؟ لأن اختلاف الصحابة على قولين وانقراض العصر على هذا الخلاف هو بحد ذاته إجماع على جواز الأخذ بأي قول جئت، أليس كذلك؟ اختلاف الصحابة على قولين ثم انقراض العصر على هذا الخلاف هو بحد ذاته إجماع على جواز القول بأحد الرأيين، فلا يعارضه إجماع لاحق بعد ذلك، ومن هنا سيصطدم إجماع بإجماع.

رأيتم موطن الإجماع؟ الإجماع على جواز الأخذ بأحد الرأيين، لأنهم ما أجمعوا على رأي واحد، فلما ماتوا وهم يقولون برأيين أو ثلاثة، إذاً هذا إجماع منهم على جواز القول بأحد هذه الآراء، فلا يصح أن يصدم هذا الإجماع بإجماع بعده في عصر التابعين أو تابع التابعين أو غير ذلك. هذا هو الحق الذي نراه في هذه المسألة، وإن كان الحنفي وأبو الخطاب يريان أن هذا من قبيل الإجماع. هذه المسائل كما قلت لكم نتصورها تصوراً ونعرف مآخذها سريعاً ولا نريد الإطالة فيها، لأنها في الحقيقة طويلة الذيل على أرض الواقع.

ثم قال: والتابعي معتبر في عصر الصحابة عند الجمهور، خلافاً للقاضي وبعض الشافعية، وأومأ أحمد إلى القولين. هذه المسألة الثالثة: التابعي معتبر في عصر الصحابة. الآن أيها الأحبة بعد وفاة النبي ﷺ، كل من ولد بعد وفاة النبي ﷺ ولم يره، ماذا يسمى عندنا في علم السير وفي علم الشريعة الإسلامية؟ مسلمين تابعين، صح؟ لم يرَوا النبي ﷺ، وطبعاً أيضاً لم يره من كان في عصر النبي ﷺ ولم يره يسمى تابعي، فالتابعي يشمل من ولد بعد النبي ﷺ وكان مسلماً، أو من كان في عصر النبي ﷺ مسلماً ولم يره، ككثير من الناس كانوا في اليمن مسلمين بس ما شافوا النبي ﷺ، يسمى هنا تابعياً.

الآن دعونا على الصورة الأولى، مات النبي ﷺ وولد كثير من المسلمين بعد وفاته، هؤلاء يسمون تابعين، هم الآن يعيشون في عصر الصحابة، لكنهم تابعون. الآن وقعت مسألة في عصر الصحابة بعد وفاة النبي ﷺ، وقعت مسألة في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أحد التابعين في عهد عمر بن الخطاب كان قد بلغ مرتبة الاجتهاد، هو تابعي لكنه تأهل وبلغ مرتبة الاجتهاد، هذه المسألة التي وقع فيها الخلاف في زمن عمر بن الخطاب، هل يجوز للتابعي أن يبدي فيها رأيه كاجتهاد كما يبدي الصحابي رأيه؟ أم نقول للتابعي: لا، رأيك غير معتبر، فقط الصحابي هو الذي يجوز أو يحق له أن يبدي رأيه في المسألة؟

تصورت القضية؟ المسألة في عهد عمر بن الخطاب وقعت، وهناك مجتهدون من الصحابة وهناك مجتهدون من التابعين أيضاً، فهل نقول للتابعي: لا، أنت لا تبدي رأيك، الأحقية في إبداء الرأي لمجتهدي الصحابة، ولا نقول: لا، بما أنه مجتهد حتى لو كان من التابعين فهو مجتهد في النهاية، له الأحقية أن يبدي رأيه، والاجتهاد قائم على أصول الكتاب والسنة، وله حتى أن يخالف الصحابة، وبما أنكم متفقون على أنه بلغ مرتبة الاجتهاد، إذاً له الأحقية أن يبدي رأيه في المسألة.

البعض الذي يقول لا يحق له أن يبدي رأيه، كأنه توهم أن شرف الصحبة يؤثر في إبداء الرأي، أن شرف الصحبة للصحابة يجعل لهم هم الأحقية في إبداء الرأي، ومن يعاصرهم من التابعين لأنهم أدنى منزلة من الصحابة فإبداء الرأي لهم مرفوض الآن، وبعد موت الصحابة خلص أدوا آراءكم. هذه في الحقيقة نظرة ليست بسديدة، والله تعالى أعلم؛ فشرف الصحبة له فضيلته وله أثره، نعم، لكن لا يؤثر في المسائل الشرعية، شرف الصحبة لا يؤثر على الحكم الشرعي، في المسائل الشرعية المرجع فيها الاجتهاد المنبني على أصول الكتاب والسنة، فإذا جاء مجتهد وأبدى رأياً ينبني على أصول الكتاب والسنة فلا نلغيه بحجة شرف الصحبة، هذا نظرة أظن أنها نظرة قاصرة وليست بتلك القوة. قال: والتابعي معتبر، لاحظوا أن عبد المؤمن هو مع هذا الرأي حين قال والتابعي معتبر في عصر الصحابة عند جماهير العلماء خلافاً للقاضي أبي يعلى وبعض، وأومأ أحمد إلى القولين. طبعاً إيماءات أحمد روايات أحمد هذا فن، ربما من طالع بداية شرح «أخصر المختصرات» سيجد مقدمة أو مدخلاً إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل أشرنا فيها إلى تفريق بين نص الإمام وبين إيماء الإمام، وما هي التعابير التي يقول عنها الأصحاب أنها إيماء، وما هي التعابير التي تسمى نصاً من الإمام؟ فهنا لا يهمني تحليل مثل هذه العبارات، ويهمني أن تعرف أن المعتبر عند الحنابلة أن التابعي معتبر في عصر الصحابة عند الحنابلة وعند الجمهور.

المسألة الرابعة: ولا ينعقد الإجماع بقول الأكثرين. خلافاً لابن جرير الطبري إمام المفسرين صاحب «جامع البيان في تأويل القرآن»، وأومأ إليه أحمد وقال: «أجمع أهل المدينة حجة»، يعني هذه مسألة إجماع أهل المدينة وحجة، أما أن تجعلها مسألة منفردة وإما أن تلحقها بسابقتها لأنها تتعلق بها. الآن: «ولا ينعقد بقول الأكثرين»، المسألة التي قلت لكم على السبورة عندما عرفت الإجماع أننا سنأتي إليها، وهو حينما نقول في تعريف الإجماع أنه: اتفاق مجتهدي الأمة، هل المراد اتفاق جميع المجتهدين واحداً واحداً؟ أو يكتفى باتفاق الجمهور بحيث لو خالف شخص أو مجتهد أو مجتهدان لا يؤثر؟

هل نقول الإجماع هو اتفاق الجل الغالب من العلماء؟ أو هو اتفاق جميع العلماء بحيث لو خالف عالم واحد انتهى الاتفاق ولا يوجد عندنا إجماع؟ الآن المجتهد أيها الأحبة عند الأصوليين هو أن الإجماع الذي هو مصدر من مصادر التشريع يشترط فيه اتفاق جميع المجتهدين، بحيث لو خالف ولو مجتهد واحد فقط انتفى الإجماع، ولم يعد هناك مصدر من مصادر التشريع يسمى إجماعاً في هذه المسألة. هناك رأي آخر أيها الأحبة ذهب إليه ونهجه ابن جرير الطبري رحمه الله عليه، يرى أن الإجماع مصدر من مصادر التشريع حتى ولو وقع الاتفاق من جمهور العلماء، فيصح أن نقول وقع إجماع.

الرأي الآخر يُنسب لابن جرير الطبري ويُنسب إلى أبي بكر الرازي وبعض الأصوليين، يرون أن الإجماع مصدر من مصادر التشريع حتى ولو لم يقع من الجميع، بل يكفي فيه أن يقع الاتفاق من الأكثر والجل الغالب، لكن جمهور الأصوليين على خلاف هذا الرأي، يقولون: لو خالف شخص واحد لم ينعقد إجماع. ابن جرير الطبري ومن ذهب إلى مدرسته قد يكفي اتفاق الأكثر. الآن هذا سيقودنا إلى أمر مهم، وهو أن طالب العلم عندما يقرأ في تفسير ابن جرير الطبري -التفسير المشهور- ينقل لك الإجماع في مسائل، عليك أن تنتبه، ابن جرير الطبري منهجه في الإجماع أنه ينعقد بقول الأكثر، فهو يسمي قول الأكثر إجماعاً، فليس كل إجماع نقله ابن جرير الطبري هو إجماع معتبر عند الأصوليين، لأنه يسمي قول الأكثرين إجماعاً.

بالتالي علينا أن نحذر حينما ننقل إجماعات ابن جرير الطبري التي تكررت في تفسيره وفي غيرها من المصنفات، حينما ينقل إجماعاً علينا أن نعرف مصطلح ابن جرير الطبري، أنه يسمي قول الأكثرية إجماعاً. وفي الحقيقة الصواب الذي عليه جماهير أهل العلم أن الإجماع كمصدر من مصادر التشريع لا بد فيه من اتفاق الجميع. لماذا؟ لأن العصمة التي ثبتت بالنصوص لهذه الأمة إنما ثبتت لها جميعاً، صح؟ النصوص التي ذكرناها هي التي أثمرت العصمة للأمة جميعاً، فبالتالي إذا كان هناك مسألة قال فيها تسعة وتسعون مجتهداً برأي، وقال فيها مجتهد واحد بخلاف رأيهم، ما وقع الاتفاق. هذا هو الصحيح لأن العصمة التي ثبتت بالنصوص ثبتت للأمة بمجموعها لا للأكثرية.

الأصل هذا، لكن هناك تفصيل بديع ربما يسعفني أن أنقله هنا، وهو مسألة في هذه المسألة بحد ذاتها؛ لأن هذه المسألة ربما تأتي في عصرنا على قضايا أحداثها مهمة. الآن أيها الأحبة قلنا الأصل الذي نسير عليه فعلاً أنه لا بد من اتفاق الجميع، لكن اسمع ماذا سأقول: إذا كانت مسألة معاصرة وقعت، وجميع العلماء المعتبرين أبدوا رأيهم فيها، وكان رأيهم مثلاً التحريم، ووجد مجتهد أو وجد اثنان خالفوا ما عليه العلماء المعتبرون وقالوا بأن هذه المسألة حلال، الآن نريد أن ننتظر قليلاً، ما بدنا نستعجل ونقول خلاص ما في إجماع إذا نشأت مسألة اجتماعية فيها خلاف، لا بدنا ننتظر، ليه؟

ننظر هؤلاء الذين خالفوا، هل دفعوا نصاً جلياً واضحاً بناء عليه أجمع الأكثر أو اتفق الأكثر، ودفعوا برأيهم هذا النص الجلي الواضح؟ أم المسألة فعلياً هي من مواطن الخلاف والاستنباط، وهؤلاء الاثنان أو الثلاثة الذين خالفوا خلافهم مبني على قواعد شرعية لا تصطدم مع النصوص؟ لأنه في عصرنا هذا تكثر الشذوذات، وتجد عندما نقول إن هذه المسألة لها إجماع وأنه لم يخالف فيها، تجد البعض ينقل لك قول فلان وفلان، وقول فلان وفلان في الحقيقة هو دفع للنصوص الشرعية. قد يكون فلان وفلان نعم ممن عُرف بالعلم أو التصنيف أو كذا وكذا، جيد، لكن فلان وفلان هل قوله يصطدم بالنصوص الشرعية؟ إذا كان قول فلان وفلان يصطدم بالنصوص الشرعية فبالتالي لا أعتبر خلافهم قادحاً في الاتفاق الذي عليه العلماء المعتبرون، ولا نأتي ونطبق والله على رأي الأصوليين أنه إذا كان اتفاق أكثر ليس إجماعاً، بل أقول هناك إجماع، ورأي فلان وفلان يُرمى به عرض الحائط إذا اصطدم بالنص الواضح البين.

أما إذا كان خلاف فلان وفلان مبنياً على قواعد شرعية وأدلة فعلاً استنباطية، ولا يصطدم بالنصوص ويلغيها، حينئذ أقول فعلاً خلاف فلان وفلان معتبر، بالتالي المسألة لا يوجد فيها إجماع. فأرى هذا التفصيل، وهذا التفصيل كما يقول بركة العلم قد ذكره الشيخ صفوان الداودي حفظه الله تعالى في كتابه «قواعد فنون الفقه وتطبيقاته»، وأنا في الحقيقة أتجه مع هذا الرأي حتى لا يتلاعب بالأحكام الشرعية في الوقت المعاصر. كلام الشيخ صفوان الداودي هنا رائع ومتزن، أنه ينبغي أن ينظر في حال المخالف، وليس كل شخص يشذ لنا برأيه كل يوم نقول رأي معتبر، لا، انظر، قال فلان خالف قطعياً دينياً، رأيه لا يصطدم بالنصوص الشرعية؟ إذاً لا أجعل والله رأيه ناقضاً للإجماع والاتفاق الذي وقع من العلماء المعتبرين. فهذا اكتبوه عندكم هذا القيد حتى نفهم واقعنا المعاصر كما ينبغي.

المسألة التي تليها هي مسألة مهمة وهي مسألة ما يسمى إجماع أهل المدينة، هل اتفاق أهل المدينة المنورة على رأي فقهي يسمى إجماعاً؟ إذا اتفق العلماء المجتهدون في المدينة النبوية على مسألة فقهية، كلهم قالوا برأي فيها واتفقوا، هل يعد اتفاقهم إجماعاً ملزماً للأمة؟ ما يُنسب إلى مذهب مالك أنه يعتبر اتفاق علماء المدينة النبوية إجماعاً ملزماً للأمة، هذا الذي ينسب إلى مالك، لكن في الحقيقة هذه المسألة تحتاج إلى تفصيل. فنقول أيها الأحبة -اكتبوا عندكم هذا التفصيل سريعاً- نقول: إجماع أهل المدينة على مراتب.

إجماع أهل المدينة على مراتب. المرتبة الأولى ما يجري مجرى النقل عن النبي صلى الله عليه وسلم، ما معنى هذا الكلام؟ هناك أمور أيها الأحبة لا مجال فيها للاجتهاد، وإنما مبناها على النقل عن المجتمع الذي كان يحيا فيه النبي عليه الصلاة والسلام.

مثال ذلك قدر صاع النبي عليه الصلاة والسلام. الآن المرجع في هذا إلى من؟ هل المرجع لأهل العراق ولا الأندلس ولا مصر؟ ولا هذا مرجعها إلى أحفاد الصحابة والتابعين الذين كانوا يحيون في المدينة النبوية وتناقلوا هذه الأمور؛ الأب يعطي الابن والابن يعطي من بعده. المرجع في هذا إلى أهل المدينة؛ لأن هذا الأمر مجراه النقل وليس مجراه العقل.

مثال كما قلت لك قدر صاع النبي عليه الصلاة والسلام، يمثلون لذلك وإن كان هذا فيه نزاع، مثل صيغ الأذان. هل المرجع فيها إلى أهل الاجتهاد علماء العراق أو الأندلس أو اليمن؟ أم من يثبت لنا صيغ كيف كانت في عهد النبي عليه الصلاة والسلام؟ هم أهل المدينة الذين يسمعون الأذان آباء وأبناء جيلاً بعد جيل من أيام النبي عليه الصلاة والسلام. فالصيغ المثبتة للأذان والصيغ المثبتة للإقامة والمقادير والمكايير، هذه مجراها النقل. ومثل هذه الأمور إذا اتفق علماء المدينة فيها على رأي، في الحقيقة يعتبر اتفاقهم إجماعاً ليس عند المالكية فقط، بل كما ذكر كثير من الأصوليين أنه حجة باتفاق العلماء. البعض يقول حجة باتفاق العلماء، وإذا لم تكن حجة باتفاق العلماء فهو حجة عند رأي جماهير العلماء، كما اتفق عليه أهل المدينة وقد خرج مخرج النقل، هذا حجة عند جميع العلماء من الحنابلة والمالكية والشافعية والحنفية على الصحيح وليس رأياً للمالكية فقط.

ثانياً المرتبة الثانية: العمل القديم بالمدينة قبل مقتل عثمان، فهذا حجة في مذهب المالكية والمنصوص عن الشافعي وظاهر مذهب أحمد وحكي عن أبي حنيفة أيضاً. العمل القديم هذا اسم يطلقه العلماء على العمل الذي وقع في المدينة قبل وقوع الفتنة، أي مقتل عثمان، فما استقر عليه العمل في المدينة النبوية قبل مقتل عثمان وثبت أنه كان يعمل به بغير نزاع في المدينة النبوية؛ فحتى لو كانت هذه المسألة ليست من مسائل النقل بل من مسائل الاجتهاد، ولكن ثبت أن جميع الصحابة في المدينة كانوا يعملون على هيئة معينة، فظاهر المذاهب أو قل جمهور المذاهب ينسب إلى جماهير المذاهب أنها تعتبر اتفاق أهل المدينة على العمل القديم صفة شرعية.

اتفاقهم لاحظوا على ماذا؟ على العمل القديم. إذا كان علماء أهل المدينة، وطبعاً علماؤهم سيكونوا كبار الصحابة الذين كانوا في المدينة النبوية، يتفقون على مسألة معينة حتى لو كانت مسألة فقهية على أن العمل بها كذا وكذا، فاتفاق هذا يعد إجماعاً معتبراً وحجة يرجع إليها عند جماهير المذاهب الفقهية. طبعاً في النهاية هو سيكون إجماعاً ظنياً، أنا أقول لك من حيث درجات الإجماع القطعي لكنه إجماع يسمى إجماعاً.

المرتبة الثالثة: قالوا إذا تعارض في المسألة دليلان، أن هذه مسألة -أظن أنها على الهامش لكنها قالوا هي مرتبة الآن- مرتبة ثالثة مسألة شرعية تعارضت فيها الأدلة، لم نستطع الجمع ولم نستطع النسخ ذهبنا إلى الترجيح. هل يعتبر اتفاق أهل المدينة طريقاً من طرق الترجيح؟ في الحقيقة عند جماهير الفقهاء اتفاق أهل المدينة على أحد القولين يعتبر وسيلة أو طريقة من طرق الترجيح. طبعاً هذا ليس له علاقة بكونه إجماعاً، وإنما قضية أنه اتفاق أهل المدينة نعتبره طريقاً من طرق الترجيح في حال تعارض دليلين ولم نستطع الجمع ولا النسخ. نعم، حتى في ظاهر مذهبنا، نعم، حتى في ظاهر مذهب الحنابلة أنه يعتبر طريقة من طرق الترجيح؛ الحنابلة يلتفتون إلى هذا المأخذ أنه أهل المدينة اتفقوا، هذا مأخذ يقوي أحد الأقوال، فتقوية أحد الأقوال باتفاقه في المدينة هذا عليه جماهير الفقهاء.

الحالة الرابعة والأخيرة هي التي فيها النزاع، وهي العمل المتأخر بالمدينة. ما معنى العمل المتأخر بالمدينة؟ يعني العمل المتأخر بالمدينة متى؟ بعد مقتل عثمان؛ هل العمل الذي ثبت في المدينة النبوية متأخراً بعد قتل عثمان يكون حجة على الأمة ولا ليس حجة؟ الآن لماذا النقاش في العمل المتأخر وليس المتقدم؟ هم يقولون أيها الأحبة الصحابة إنما انتشروا في الأقطار وتفرقت السبل متى؟ انتشار حقيقي مجتهدو الصحابة متى توزعوا؟ وخرج علي بن أبي طالب إلى الكوفة وذهب ابن عباس متى توزعت وتشتت الأمور؟ بعد مقتل عثمان، تفرق الصحابة وانتشروا في الآفاق، بالتالي لم يعد اتفاق أهل المدينة يعني اتفاق العلماء من أهل المدينة يعتبر مصدراً شرعياً من مصادر التشريع، أو لا نسمي اتفاق علماء المدينة إجماعاً يجب الرجوع إليه؛ لماذا؟ لأنه في الحقيقة هناك صحابة منتشرون في غير المدينة المنورة، هناك صحابة في الكوفة وهناك صحابة في البصرة، فرأيهم معتبر. فاتفاق المجتهدين في المدينة النبوية بعد مقتل عثمان ليس مصدراً شرعياً للتشريع، يستأنس به للترجيح نعم ما عندنا مشكلة، لكن تسميته إجماعاً يجب الرجوع إليه؟ لا.

هذا رأي من؟ رأي جماهير العلماء. الآن هنا بهذه الصورة ينسب إلى مذهب مالك أنه يرى حتى العمل المتأخر أو اتفاق أهل المدينة المتأخر على مسألة شرعية مصدراً من مصادر التشريع ويسميه إجماعاً، هذا ينسب إلى المالكية. لكن الشيخ ابن تيمية رحمه الله يقول ماذا يقول؟ يقول: العمل المتأخر بالمدينة ليس حجة وهو قول المحققين من أصحاب مالك. إذاً ابن تيمية ينسب إلى المحققين من المالكية أنهم لا يقولون إن العمل المتأخر بالمدينة أو اتفاق أهل المدينة المتأخر مصدر من مصادر التشريع، وإنما قال هذا ينسبه بعض المغاربة المالكية إلى مذهب مالك ولكن ليس هو قول المحققين من المالكية. وفي الحقيقة فعلاً عندما تعود إلى أبي الوليد الباجي وطائفة كبيرة من المحققين المالكية تجدهم يصرحون أن الإجماع الذي يسميه مالك إجماع أهل المدينة الذي يسميه إجماعاً هو ما كان مجراه مجرى النقل أو كان على العمل القديم. وهذا في الحقيقة كما قلنا وظهر لنا أنه ليس من خصائص مذهب مالك، بل ما هو عليه جماهير الأصوليين وجماهير المذاهب. وما ينقل أن العمل المتأخر للمدينة أيضاً يعتبره مالك إجماعاً، هذا رأي ينسب إلى مذهب مالك حقيقة ويوجد في كتب المالكية، لكنه ليس قول المحققين من المالكية والله تعالى أعلم. فهذا تفصيل المسألة المتعلقة بإجماع أهل المدينة.

ثم مسألة جديدة: انقراض العصر شرط في ظاهر كلامه، أي كلام الإمام أحمد، وقد أومأ إلى خلافه، فلو اتفقت الكلمة في لحظة واحدة فهو إجماع عند الجمهور واختاره أبو الخطاب. ما معنى هذه المسألة الجديدة؟ هذه المسألة من أهم المسائل التي ندرسها اليوم أنها تتعلق بشيء خالف فيه الحنابلة الجمهور. الحنابلة يخالفون الجمهور في مسألة الإجماع في قضية ما هي؟

الآن تصوروا أيها الأحبة معي هذا التصور؛ مسألة وقعت في عصر الصحابة -دائماً التمثيل بعصر الصحابة سهل- مسألة وقعت في عصر الصحابة، فاجتمع مجتهدو الصحابة جميعاً، وسألهم عمر بن الخطاب أو عثمان عن رأيهم فأبدوا رأيهم في المسألة. جميل، إذا اجتمعوا هل بمجرد اتفاقهم على الرأي في هذه المسألة نقول انعقد الإجماع ولا نقول لا؟ الآن صحيح الجميع اتفقوا على رأي واحد في المسألة لكن لا يستقر الإجماع ولا نقول أن هناك إجماعاً وقع حتى ينقرض عصر الصحابة قبل أن يراجع شخص منهم. بالتالي إذا وقع الاتفاق على المسألة، فالحمد لله الكل أبدى رأيه وكلهم اتفقوا على رأي واحد، بعد خمسة أيام بعد شهر بعد شهرين أحد العلماء الذين اجتهدوا وكان من ضمن المتفقين تراجع عن رأيه، هل نعتبر تراجع عن رأيه ونقول والله لسا الإجماع ترى ما وقع بعد؟ الإجماع لا يقع في لحظة الاتفاق بل لابد أن ينقرض العصر، بعد ذلك نقول وقع إجماع.

هذه المسألة هي التي ندرسها الآن، جماهير أهل العلم من المالكية والشافعية والحنفية يقولون الإجماع يقع في لحظة الاتفاق عند الجمهور في لحظة الاتفاق. بمجرد أن جاء الصحابة واجتمعوا والكل أبدى رأيهم واتفقوا على حكم معين انتهى وضع الإجماع، ولا يجوز بعد ذلك لأحد الصحابة أن يخالف بعد ذلك؛ يعني بعد شهر بعد شهرين أحد الصحابة قال أنا أريد أن أتراجع عن رأيي، هل له أن يخالف ويترك الإجماع أو ينقض الإجماع؟ ليس له أن يخالف.

الحنابلة عندهم وجهة نظر أخرى لا، قالوا إذا اتفق العلماء المجتهدون على الحكم في مسألة معينة برأي معين لا ينعقد الإجماع بمجرد الاتفاق. ولا كيف؟ قالوا ننتظر حتى ينقرض العصر. إذا انقرض العصر ولم يتراجع أحد العلماء المجتهدين عن رأيه، في هذه الحالة أيها الأحبة الحنابلة يقولون وقع إجماع. إذا أحد العلماء المجتهدين تراجع عن رأيه قبل انقراض العصر بطل الإجماع عند الحنابلة. فهذه المسألة المشهورة في علم أصول الفقه: مسألة هل يشترط انقراض العصر أو لا يشترط انقراض العصر؟ الحنابلة يشترطون انقراض العصر حتى يسمى الاتفاق إجماعاً، ففرق بين لابد أن يستقر الاتفاق، ويشترطون استقرار الاتفاق واستقرار الاتفاق عند الحنابلة يكون بانقراض العصر. الجمهور يقولون يستقر الاتفاق في لحظة وقوعه متى ما وقع انتهى الأمر ولا ننتظر انقراض العصر.

الآن في الحقيقة لو نظرنا من ناحية واقعية، قد يكون رأي الجمهور فيه قرب إلى الصواب أكثر من رأي الحنابلة. ما هو السبب؟ السبب في ذلك أيها الأحبة أن قول الحنابلة يلزم عليه ألا يقع إجماع لو اشترطنا في هذا العصر؛ هل تعرفون لماذا الحنابلة يقولون متى نسمي الاتفاق إجماعاً؟ الآن الصحابة اتفقوا، كما وقعت المسألة عمر جمع علماء الصحابة وعلماء الصحابة اتفقوا لهم على حكم معين، الآن هل بمجرد اتفاق وقع إجماع عند الحنابلة؟ لا، لابد ينقرض عصر الصحابة.

الآن بعد أن اتفق الصحابة على هذا الحكم المعين، هناك أحد التابعين الصغار تربى وتعلم على أيدي الصحابة وأصبح مجتهداً، ثم سُئل عن هذه المسألة التي اتفق عليها الصحابة فأبدى رأياً آخر مخالفاً له. لا، لسا ما انقرض العصر؛ ما زلنا في عصر الصحابة. الصحابة في عصرهم كان يوجد تابعون، أليس كذلك؟ وجد تابعون في عصر الصحابة تربوا ونشأوا، يعني قبل أن ينقرض عصر الصحابة أكيد كان هناك تابعون تربوا ونشأوا وتعلموا على يد الصحابة وصاروا مجتهدين، مثل أبي سلمة بن عبد الرحمن وسعيد بن المسيب وغيرهم. هؤلاء التابعون الذين أصبحوا كباراً وسئلوا عن المسألة هل لهم أن يخالفوا اتفاق الصحابة؟ الآن سُئلوا عن المسألة وما زال عصر الصحابة لم ينقرض، سُئلوا عن هذه المسألة، هل لهم أن يبدوا رأياً مخالفاً لما وقع عليه اتفاق الصحابة؟ عند الحنابلة ما عندهم مشكلة؛ لماذا؟ لأن الحنابلة يقولون لم يقع الإجماع بعد، فيحق لهم أن يخالفوا. ما وقع الإجماع بعد فيحق لهؤلاء التابعين الذين كبروا أن يبدوا رأيهم حتى ولو خالفوا، لسا ما وقع إجماع.

عند الجمهور لا، ليس لهؤلاء التابعين الذين كبروا وأصبحوا مجتهدين بعد وقوع الاتفاق أن يخالفوا؛ لماذا؟ لأن الإجماع عند الجمهور يحدث في لحظة الاتفاق، وأما عند الحنابلة يحدث بعد انقراض العصر. بالتالي عند الحنابلة حتى لو وقع اتفاق على مسألة، إذا نشأ مجتهد بعد عشرة أو خمسة عشر سنة، وحتى ينتقض الاتفاق لا يشترط أنه فقط أحد الذين اتفقوا يتراجع عن رأيه، بل على رأي الحنابلة لو أن تابعياً كبر وتعلم وأصبح مجتهداً ثم خالف ما اتفق عليه الصحابة قبل انقراض عصر الصحابة، وهذا في الحقيقة مشكل؛ لأنه بالتالي لن يستقر إجماع، لأنه في كل عصر قبل فراغه يكون هناك مجموعة من المجتهدين الجدد تصدروا ووصلوا، فإذا خالفوا وأبدوا رأياً جديداً معناها نقضوا الاتفاق السابق، معناها ما في إجماع ونأتي للعصر الذي يليه.

نصل إلى مرحلة معينة نشعر فيها أن هناك إجماعاً مستقراً؛ لأنه أي إنسان مجتهد يمكن أن ينشأ ويخالف ويبدي وجهة نظر. ومن لا يوجد عنده حد فاصل في انقراض العصور، فما عندي ولا مصدر أكون انقرض العصر، ففي أي عصر يوجد هناك اندماج مع آخر العصر السابق مع أول العصر اللاحق، ويوجد هناك اختلاط. فعلى رأي الحنابلة في الحقيقة سيحدث صعوبة كثيرة في تصور الإجماع.

أما على رأي الجمهور نفسه، فإذا خلص واتفقوا وقع إجماع، لا يصير أحد يخالف بعدين، حتى لو جاء مجتهد جديد ونبغ وأصبح مجتهداً ليس لك أن تخالف؛ لأن الإجماع وقع في لحظة الاتفاق. واضح أيها الأحبة؟ لذلك ربما في هذه المسألة -طبعاً أحمد بن حنبل له رواية يومئ فيها- رواية إيمائية يتفق فيها مع رأي الجمهور، ولكن في التحقيق ظاهر مذهبه والروايات الأخرى في مذهبه أنه يشترط انقراض العصر ليقع الإجماع.

هل وجد من التابعين من خالف إجماع الصحابة؟ الآن هل وقعت هذه المسألة ولم تقع؟ هذا يحتاج إلى بحث، لا تسأل عن الوقوع أنت، هل تحتاج إلى بحث؟ مسألة نتأكد أن الصحابة... يرى الحنابلة -هم يقولون الحنابلة في هذه المسألة- أنه في أيام عمر بن الخطاب... ربما نسيت المسألة عودوا إليها بروضة الناظر، ذكروا مسألة الحنابلة، يعني ابن قدامة استدل للمذهب بأدلة: أنه عمر بن الخطاب استشار الصحابة في إحدى مسائل المواريث فاتفق الصحابة على الرأي، ثم في خلافة علي بن أبي طالب، علي بن أبي طالب كان من المجتهدين الذين شاورهم عمر، وكان رأيهم مع عمر ومع الصحابة. في عهد وفي خلافة علي بن أبي طالب عم يتراجع عن رأيه الذي أفتى به أيام عمر ووافق فيه الصحابة، فقالوا لعلي بن أبي طالب: رأيك مع الجماعة أحب إلينا من رأيك منفرداً. فكثير من التابعين لم يقبلوا انفراد علي، قالوا: رأيك مع جماعة الصحابة أولى وأحب إلينا مما تفردت به.

الآن الحنابلة قالوا في النهاية إذا حق لعلي أن يخالف، يعني علي لو كان يعلم أن ذاك إجماع لا يجوز مخالفته هل خالف؟ لا، طب إيش اللي جره على أنه يخالف؟ مع أنه وقع الاتفاق في عهد عمر على حكم المسألة؛ أنه يرى أن ذاك الاتفاق لا يمنعه من أن يتراجع، وأن ذاك الاتفاق لا يسمى إجماعاً، صح؟ اللي خلى علياً خالف رضي الله عنه أنه رأى ذاك الاتفاق غير ملزم له ولا يمنعه من التراجع مرة أخرى، لماذا؟ فسر الحنابلة أنه بسبب عدم انقراض العصر، فات جيد؟

الآن طبعاً الجمهور كيف يردون على هذه القصة؟ الجمهور يردون على هذه القصة يقولون: أصلاً عمر لما شاور في هذه المسألة لم يشاور جميع مجتهدي الصحابة، فلم يقع أو الأصل لم يقع إجماع، فصارت نقاشات، وهل وقع أصلاً اتفاق عمر؟ هل عمر فعلاً جمع جميع الصحابة وسألهم جميعاً فوقع الإجماع فعلاً؟ أو لم يقع؟ الجمهور يعتبرون أن ما فعله عمر أول الاتفاق لكل الصحابة، ثم علي خالف بعد ذلك في خلافته، فاستدلوا على اشتراط انقراض العصر. الجمهور قالوا: هذه القصة لا تدل على ذلك، لماذا؟ لأنه ما وقع في عهد عمر بن الخطاب لا يسمى أصالة إجماعاً؛ لأنه لا يوجد دليل على أن جميع الصحابة اجتمعوا وأبدوا رأيهم في المسألة، فلا ننقض به أصلنا، وقد يكون فعلاً كلام الجمهور أدق هنا؛ لأنه أنت أولاً ينبغي أن تثبت أن عمر استشار جميع مجتهدي الصحابة واتفق الجميع على رأيه، ثم بعد ذلك أثبت مخالفة علي بن أبي طالب رضي الله عنه لهذا الاتفاق. أما مجرد أن نقول أنه وقع اتفاق من الجميع ثم خالف علي، أظن دعوى تحتاج إلى تحرير.

انتهينا من هذه المسألة، مسألة جديدة: وإذا اختلف الصحابة رضي الله عنهم على قولين، لم يجز إحداث قول ثالث عند الجمهور، وقال بعض الحنفية والظاهرية يجوز. هذه مسألة أيها الأحبة فيها شيء من التفصيل، الصحابة لا من يمثل أصل الصحابة لأنهم أسلم، وهكذا هو يفعل، يعني بعصر الصحابة، أنا أفعل ما يفعل؛ لأنه هو في الحقيقة الإجماع المتصور حقيقة هو إجماع الصحابة، ما بعد ذلك يتعذر أن ننقل إجماعاً قطعياً، وإن كنا قد نقول إجماعات سكوتية.

إذا اختلف الصحابة على قولين لم يجز إحداث قول ثالث عند الجمهور، مسألة فقهية وقعت في عصر الصحابة، الصحابة اختلفوا فيها على قولين، هل يجوز للتابعين الذين جاءوا بعد الصحابة أن يحدثوا في المسألة قولاً ثالثاً أم لا يجوز؟ ممكن الطالب في البداية يقول: طب شيخ إيش علاقة هذه المسائل بالإجماع؟ مسألة وقعت في عصر الصحابة، الصحابة اغتنموا فيها على رأيين فقط، هل يجوز للتابعين بعد عصر الصحابة، يعني هل يجوز العصر التالي أن يحدث قولا ثالثاً في المسألة لم يقل به العصر السابق؟ هذه المسألة باختصار موطن النزاع فيها هو: هل اختلاف الصحابة على قولين فقط -ركزوا ماذا سأقول- اختلاف الصحابة على قولين فقط، إجماع منهم على عدم الجواز بقول ثالث، هل يتضمن الإجماع على عدم جواز القول الثالث؟ هل اختلاف الصحابة بينهم على قولين فقط يتضمن إجماعاً واتفاقاً يسمى إجماعاً، قل كما تشاء، هل يتضمن إجماعاً أو اتفاقاً يسمى إجماعاً على عدم جواز إحداث قول ثالث، أم اختلافهم على قولين لا يتضمن إجماعاً على عدم جواز إحداث قول ثالث؟

الآن جماهير الأصوليين يقولون اختلاف الصحابة على قولين يتضمن إجماعاً على عدم جواز إحداث قول ثالث، وفي الحقيقة في هذه المسألة أنا لا أريد أن أبحث عنها من ناحية إجماع وليس بإجماع، بل هناك وجهة نظر منطقية، وهي أنه إذا قلنا أيها الأحبة بجواز إحداث قول ثالث، معناها أن هذا القول الثالث يمكن أن يكون صواباً ويمكن أن يكون خطأ؛ لأنه اجتهاد في النهاية، الصحابة اختلفوا على قولين، جاء العصر التالي عصر التابعين، أحدثوا قولاً ثالثاً في المسألة، هذا القول الثالث الذي حدث في عصر التابعين يمكن أن يكون صواباً ويمكن أن يكون خطأ. طب إذا كان صواباً، ماذا يدل ذلك؟ يدل على أنه في عصر الصحابة لم يكن أحد قائلاً بالحق، وهل يجوز أن يخلو عصر الصحابة من رجل أو عالم قائل بالحق؟ في الحقيقة لا يجوز ذلك.

عرفتم ماذا يستلزم جواز إحداث قول ثالث في العصر اللاحق؟ أنه يستلزم أنه لو كان هذا الرأي الثالث صواباً، سيلزم من هذا أنه في العصر السابق لا يوجد أحد قائل بالحق في هذه المسألة، وبالتالي اتفق أهل العصر السابق على ماذا؟ على الباطل، صح؟ معناها أننا العصر السابق الكل يقول بالقول الباطل، وإن كان هم معذورون لعدم وصولهم، لكن في النهاية في الواقع الكل بالباطل، والصواب وصل إليه العصر اللاحق عصر التابعين، وفي عصر الصحابة لا يوجد أحد يقول بالحق الصواب، وهذا لا يمكن أيها الأحبة، لذلك ذهب الجمهور إلى المنع من إحداث قول ثالث بعد انقراض العصر السابق. هناك من ذهب إلى الجواز مطلقاً وهو منسوب إلى الظاهرية وبعض الحنفية محتجاً بأن إحداث القول الثالث ليس فيه خرق لإجماع سابق. هؤلاء يرون أن الاختلاف في عصر الصحابة على قولين لا يتضمن في ذاته إجماعاً على عدم جواز إحداث قول ثالث، هذه وجهة نظرهم باختصار.

الظاهرية ماذا يقولون؟ يقولون إذا الصحابة اغتنموا في هذه المسألة على قولين، هذا ليس فيه إجماع على عدم جواز إحداث قول ثالث ولا يدل على جواز إحداث قول ثالث في عصر التابعين، لكن الجمهور لا يرون أن هذا إجماع على عدم جواز إحداث قول ثالث. إذاً هو -لاحظوا زاوية النقاش أين هي- هل اتفاق اختلافهم على قولين فقط يتضمن إجماعاً أو لا يتضمن إجماعاً على جواز إحداث قول ثالث؟ الجمهور قالوا: يتضمن إجماعاً، الظاهرية قالوا: لا، اختلافهم على قولين لا يتضمن إجماعاً على عدم جواز إحداث قول ثالث. واضح دليل الظاهرية؟

هناك قول ثالث لم يذكره عبد المؤمن البغدادي لكن له حظ من النظر، وهو التفصيل في المسألة، أن نقول: إذا كان القول الثالث الذي يحدثه التابعون يتضمن إلغاءً للقولين السابقين الذين في عصر الصحابة، فعلاً لا يجوز إحداث قول ثالث، لكن إذا كان الرأي الثالث الذي يحدثه التابعون لا يتضمن إلغاءً لأقوال الصحابة، وإنما يتضمن العمل بكلا القولين لكن كل واحد منهم في موضع، فهنا إحداث القول الثالث جائز، إذا القول الثالث هو قول تفصيلي؛ ينظر إلى طبيعة القول الثالث الذي سينتج للمسألة في عصر التابعي، إن كان ملغياً للأقوال السابقة تماماً لا يجوز إحداث قول ثالث، إن كان لا يلغي الأقوال السابقة تماماً بل يأخذ بها ولكن يوظف أحد القولين في جزئية ويوظف القول الثاني في جزئية أخرى، قالوا في هذه الحالة يجوز إحداث قول ثالث.

طيب يا شيخ إيش ضابط ما يعد خرقاً وما لا يعد خرقاً؟ بل ما هو القول الثالث الذي يجوز إحداثه وما هو القول الثالث الذي لا يجوز إحداثه؟ ربما الزركشي في البحر المحيط ذكر ضابطاً فقال: إذا تعلق الحكم بمحل واحد، فقالت طائفة بالمنع فيه، يعني مجموعة من الصحابة عندنا مسألة حكم ما يتعلق بمحل واحد فقط فقالت طائفة من الصحابة بالمنع، وقالت طائفة أخرى بالجواز، فإحداث قول ثالث في المسألة يكون خرقاً لاجماع الصحابة على عدم جواز القول الثالث، لأنه كما قلنا يتضمن اتفاقهم على قولين إجماعاً على عدم جواز إحداث قول ثالث. فالآن إذا كانت المسألة عبارة عن حكم يتعلق بمحل واحد، مجموعة من الصحابة قالت بالجواز، ومجموعة من الصحابة قالت بالمنع، إذاً هنا لا يجوز إحداث قول ثالث؛ لأنه أي قول ثالث سينتج بما أن الحكم يتعلق بمحل واحد، أي قول ثالث سينتج سيكون ماذا؟ سيكون إلغاءً للأقوال السابقة، وبالتالي إلغاء للإجماع المتضمن، وهو إجماع الصحابة على عدم جواز إحداث قول ثالث.

إيش المثال على ذلك؟ لاحظوا ماذا سنمثل، لقد اختلف العلماء المتقدمون في حكم الجد مع الإخوة في الميراث على قولين، مسألة إذا كان إنسان مات عنده جد ترك جد وترك إخوة، إنسان مات وترك جد وإخوة، جميل. الآن إيش حكم الجد مع الإخوة؟ قالت طائفة من الصحابة: يشارك الجد الإخوة ويقاسمه، المقاسمة، الميراث يقسموه بينهم، الجد مع الإخوة بيتقاسموا، قالت طائفة أخرى: يسقط الجد الإخوة، أنه الميراث كله يستحوذ عليه الجد، والإخوة حجبهم الجد. في هذه الحالة لاحظوا عندي حكم يتعلق بمحل واحد، فلا يمكن أن ننتج قولاً ثالثاً تفصيلياً من دون إلغاء الأقوال السابقة، فلا يصح إحداث... هل يجوز مثلاً الآن ما هو القول الذي يمكن أن ينتج؟ الإخوة اللي اختلفوا الصحابة عليهم عرضوا عليهم فقط، قول قال إن الجد يشارك الإخوة، وقول ثاني إيش قال؟ أنه الجد يحجب الإخوة، ومات الصحابة على ذلك. هل يحق للتابعين أن يحدثوا قولاً ثالثاً فيقولون بالعكس، أن الإخوة يحجبون الجد؟ لو جوزنا في الحقيقة هذا القول الثالث هو إلغاء للقولين السابقين تماماً، صح؟ إلغاء للقول الأول وإلغاء للقول الثاني. أن يكون التابعون بعد ذلك بقول ثالث وهو أن الإخوة يسقطون الجد، هذا قول ثالث خارج عن القولين السابقين، فيكون إلغاءً لما أجمع عليه الصحابة من عدم جواز إحداث قول ثالث؛ لأن اختلافهم على قولين كما قلنا يتضمن إجماعاً على عدم جواز القول الثالث.

لكن إذا كان الحكم لا يتعلق بمحل واحد، المسألة التي عندنا عندنا حكم لا يتعلق بمحل واحد بل يتعلق بمحال متعددة، أريد أنقل لك عبارة الزركشي، قال: أما إذا تعلق الحكم بمحال متعددة فقال فريق من الصحابة بالمنع في جميع المحال، وقال فريق بالجواز في جميع المحال، فالقول بالجواز في بعضها في بعض المحال والمنع في البعض الآخر ليس خرقاً للإجماع، بل هذا القول الثالث قد هو اعتبار لقول كل طائفة في بعض الصور دون بعض، فلا في الحقيقة قول ثالث وإنما يعتبر هذا القول الذي في ظاهره أنه قول جديد هو قول تفصيلي منزلة بين منزلتين. خذوا هذا المثال: الآن فسخ النكاح بالعيوب الستة، وهي الجنون والجذام والبرص، وجب الفرج والقرن والرتق في الزوجة؛ إذاً الجنون والجذام والبرص والجب في الزوج، والقرن والرتق في الزوجة. هذه جنون جذام برص جب قرن رتق، طبعاً هذه فصولها في الفقه، والقرن والرتق هذا يكون انسداد في فرج المرأة، والجب انقطاع لذكر الرجل، المهم الجنون والجذام والجب بالنسبة للرجل طبعاً، الجب هذا هو الفالق بالرجل، أما الجنون والجذام والبرص متصور في المرأة. لكن إذا الجب فقط هو الذي يتعلق بالزوج، الجنون والجذام والبرص والجب والقرن وإيش؟ هذا ستة ممتاز؟

اختلف فيها على قولين، قول قال: هذه العيوب الستة لا يفسخ بأي واحد منها متى انعقد الزواج، لا يفسخ بأي عيب من هذه العيوب الستة ما دام طبعاً الزوج أعلم بوجوده، أو أحياناً نشأ بعد الزواج، مهو هذه العيوب الستة...

عند الجمهور أو عند كثير من أهل العلم يُفسخ بها النكاح، حتى ولو كانت غير موجودة عند النكاح ثم طرأت بعد ذلك؛ فيُفسخ بها سواء كانت موجودة أو طرأت بعد ذلك. أما إذا لم يعلم الزوج بها غرّة الكل، فهل أنا غُررت؟ جميل. هذه العيوب الستة اختلف فيها على قولين: فقيل لا يُفسخ بأي منها إذا وقعت بعد النكاح، وقيل القول الثاني: يُفسخ بها كلها، فأي عيب منها يقع بعد النكاح يُفسخ به.

الآن انتهى العصر على هذين القولين، قول يقول يُفسخ بها كلها؛ أي واحد منها يقع بعد النكاح -امرأة ربنا ابتلاها بالقرن أو الرتق يفسخ الزوج، أو جنون أو جذام أو برص- فهذه العيوب الستة يُفسخ بأي واحد منها إذا طرأ. الرأي الثاني: لا يصح الفسخ بأي واحد منها. وانقرض العصر على هذين القولين.

في العصر اللاحق أحدث العلماء في هذا العصر الجديد قولاً ثالثاً، لكن هذا القول الثالث في الحقيقة لا يُبطل الرأيين السابقين، بل جاء يعمل بهذا في موضع وهذا في موضع. فجاء العصر اللاحق وقال: بالنسبة للجنون والجذام والبرص لا يُفسخ بها إذا طرأت، وبالنسبة للجب في الفرج والقرن والرتق، فهذه الثلاثة الأخرى يُفسخ بها إذا طرأت. هل هذا القول الثالث يجوز إحداثه؟ بهذه طائفة كبيرة من الأصوليين، وإن لم يكن الجمهور، لكن طائفة كبيرة تقول يجوز إحداث القول الثالث في هذه الحالة؛ لأن القول الثالث في الحقيقة هو ليس قولاً مبتدعاً جديداً، بل هو تفصيل بين الرأيين السابقين، فأنت في الحقيقة تقول برأي كل طائفة في مسألة؛ فقلت بقول الطائفة الأولى في مسألة الجنون والجذام والبرص، وقول الطائفة الثانية في مسألة الجب والقرن والرتق. ففي هذه الحالة يجوز إحداث قول ثالث.

إذاً، ضابط المسألة كما ذكر الزركشي: أن ننظر إذا كان حكم المسألة يتعلق بمحل واحد فقط؛ فأكيد إحداث القول الثالث سيكون إبطالاً للرأيين السابقين فلا يجوز إحداثه. وإذا كان حكم المسألة يتعلق بأكثر من محل، بالتالي يمكن أن يأتي قول ثالث تفصيلي يعمل بكلا القولين لكن يوظف كل قول في زاوية معينة، فلا يكون بالتالي القول ملغياً للأقوال السابقة. وهذا رأي أيها الأحبة أجده مستساغاً؛ ذهب إلى هذا الرأي الطوفي من الحنابلة، والسبكي من الشافعية، وابن الحاجب من المالكية.

انتهينا من هذه المسألة وعرفنا الأقوال الثلاثة التي فيها. ننتقل إلى مسألة جديدة، نعمم لها بالإجماع السكوتي، ما يُعرف عند الأصوليين بالإجماع السكوتي. ما هي صورة المسألة؟ قالوا: إذا قال بعض المجتهدين قولاً وانتشر في الباقين وسكتوا. لاحظوا هذه المسألة، ذكر عبد المؤمن البغدادي قيدين في تصوير المسألة: بعض المجتهدين يقول قولاً، والبعض الآخر انتشر في الباقين وسكتوا. هل يعتبر هذا إجماعاً ولا ليس بإجماع؟ هذه مسألة هي التي تسمى بالإجماع السكوتي. كنت أريد أن أتوسع أكثر فيها، لكن أرى أني أختصر أفضل حتى لا يتشوش الطالب أكثر من ذلك، دعونا نقتصر على ما ذكره عبد المؤمن.

مسألة فقهية وقعت في عصر الصحابة أو في عصر التابعين أو في عصر بعدهم، وهذه صورة مهمة، وهذا هو الواقع في الحقيقة في باب الإجماعات، كما يقول ابن حزم وابن قطان وغيره، وأغلبها إجماعات من هذا القبيل. أن تقع مسألة في عصر الصحابة أو في عصر التابعين، فيبدي بعض المجتهدين حكماً في هذه المسألة. فهؤلاء الذين قالوا قولاً اتفقوا عليه، لكن بعض المجتهدين لم يُبدِ رأيه وسكت، فهنا لا بد أولاً أن ننظر: هل انتشرت الفتيا التي أفتى بها من صرح برأيه من المجتهدين أو لم تنتشر؟ إذا لم تنتشر الفتيا، لا نقول هناك إجماع سكوتي؛ فلا بد من الانتشار. لذلك قال: إذا قال بعض المجتهدين قولاً في مسألة، هؤلاء البعض اتفقوا على رأي معين في مسألة، ثم انتشرت هذه الفتيا؛ لا بد من الانتشار، انتشر بحيث يغلب على الظن أنها وصلت إلى باقي المجتهدين في أرجاء المعمورة. هؤلاء الباقون سكتوا ولم يعترضوا على هذه الفتيا؛ فهل نقول هذا يتضمن إذاً إجماعاً واتفاقاً على حكم هذه المسألة أو لا يتضمن؟ هذا ما يسمى بالإجماع السكوتي.

إذا المسألة: بعض المجتهدين أبدى فيها قوله، انتشر هذا القول وغلب على الظن أنه وصل إلى أرجاء المجتهدين في المعمورة، ولم يبدِ أحد اعتراضاً على هذه الفتيا وسكتوا. فهل يعتبر الساكت في حكم المصرّح؟ أو لا يُنسب إلى ساكت قول؟ نقول: لا، هذا ما صرح، فمعناته ليس موضع اتفاق. من رأى أن الساكت في حكم المصرح قال: هذا إجماع. ومن رأى أن الساكت لا يُنسب إليه قول قال: هذا ليس بإجماع. وهناك من أخذ منهجاً وسطاً فقال: هذا لا أسميه إجماعاً، لكنه حجة. فالأقوال في اعتبار الإجماع هنا ثلاثة: قول يرى أن الساكت في حكم المصرح، فهنا عندنا إجماع وهو حجة شرعية. وهناك من يرى أن الساكت لا يُنسب إليه قول، بالتالي لم يقع اتفاق، بالتالي لا يوجد عندنا لا إجماع ولا يوجد عندنا حتى حجية لما أفتى به البعض. وهناك من سلك منهجاً وسطاً، فقال: بما أن البعض قال والبعض سكت، أنا لا أعتبر الساكت في حكم المصرح، لكن في أقل الأحوال أعتبر سكوته نوعاً من الإقرار، فأقول: هذا حجة شرعية؛ هذه الفتيا التي صدرت من البعض عن الباقين حجة شرعية يجب المصير إليها، لكن لا أسميها إجماعاً؛ لأن شرط الإجماع أن يحدث تصريح من الجميع، وهنا لا تصريح من الجميع والساكت ليس في حكم المصرح.

النتيجة ربما لا تكن واحدة؛ من اعتبر الإجماع السكوتي، يقول: لا يجوز مخالفته. لكن من رأى أنه حجة وليس بإجماع، قال: يجوز معارضته بأدلة أخرى، بما أنه ليس إجماعاً فقط هو حجة شرعية، فمعناته مثل أي نص من نصوص السنة أو من الحجج الشرعية الظنية، يمكن أن يعارض بغيره، انظر أيهما أقوى. لكن من رأى أنه إجماع، يقول: يجب المصير إليه، حتى من اعتبره إجماعاً هو يصرح أنه ليس قاطعاً يكفّر مخالفه لأنه متنازع فيه، لكن يعتبره إجماعاً في النهاية ليس لك أن تخالف، لكن إذا خالفت لا نعتبرك كافراً أو خالفت شيئاً قطعياً يحكم عليك به ويهون أمرك، لكن مجرد حجة وليس بإجماع، لا، هذا الأمر أخف، يجوز أن يعارض بغيره من الحجج.

إذاً، إذا قال بعض المجتهدين قولاً وانتشر في الباقين -وهذا قيد- وسكتوا. في الحقيقة هناك قيد رابع يذكره البعض: وسكتوا ولم تظهر أمارة الخوف في السكوت؛ لأن البعض يقول: في العصور التي انتشر فيها جور الأئمة والسلاطين، قد يكون سكوت البعض بسبب خوف من السلطان، فيجب أن يقيد السكوت بأنه لم تظهر أمارة الخوف عليه؛ لأنه ليس أي سكوت معتبر، سكوت مع عدم ظهور أمارة الخوف. أما إذا كان سكوت مع أمارة الخوف، وهذا يكثر في عصر أئمة الجور، بعض علماء السلطان يفتي برأيه وينتشر هذا الرأي ويذاع ويسكت الباقون ليس رضاً عن هذه الفتيا ولكن خوفاً، فإذا كان السكوت مصاحباً لقرينة الخوف فهذا سكوت لا يعتبر عند الجميع، وبالتالي لا تعتبر المسألة مسألة إجماعية بالاتفاق.

الآن قال: إذا قال بعض المجتهدين قولاً وانتشر في الباقين وسكتوا، فعندهم أي رواية في المذهب أنه إجماع في التكاليف. ما معنى إجماع في التكاليف؟ أي إجماع في المسائل التكليفية، وهذا قيد خامس تستطيعون أن تضيفوه، أنا أحببت أن أذكر القيود، حاولت أختصر لكني أجد عبد المؤمن البغدادي يذكرها تباعاً. إذا قال بعض المجتهدين قولاً وانتشر في الباقين وسكتوا، فإنه إجماع في التكاليف؛ أي إذا كانت المسألة تتعلق بحكم تكليفي بأفعال العبيد، فهو إجماع.

ماذا نعني بحكم تكليفي؟ يقولون: إذا كانت هذه المسألة التي بعض المجتهدين قال قولاً وانتشر في الباقين وسكتوا، إذا كانت لا تتعلق بحكم تكليفي من أفعال العبيد، وإنما كانت تتعلق بمسألة خبرية، مثلاً: هل الصحابي الجليل عمار بن ياسر أفضل من حذيفة؟ هذه المسألة هل ينبني عليها تكليف عمل؟ لا، تتعلق باعتقاد القلب. فالآن لو أن مسألة مثل هذه المسائل الخبرية التي لا يتعلق بها تكليف وعمل، أفتى فيها بعض المجتهدين بقول وانتشر هذا القول وسكت الباقون، هل يعتبر هذا القول الذي أفتى به هؤلاء البعض وسكت عنه البعض إجماعاً؟ الحنابلة قالوا: لا، نحن نعتبر الإجماع السكوتي إجماعاً أو نسميه إجماعاً إذا كان في مسألة تتعلق بأفعال المكلفين، أما إذا كان في مسألة من المسائل الخبرية مثل مسألة أي الصحابة أفضل، أو فلان أفضل من فلان، أو ما شابه ذلك، فلا نعتبر الإجماع السكوتي حجة.

لماذا؟ وجهة نظر الحنابلة أنهم قالوا: يشترط في تسمية الإجماع السكوتي إجماعاً أن يكون في مسائل التكاليف وليس في المسائل الخبرية. قالوا: لأن سكوت الباقين في مسائل التكاليف لا يجوز أبداً إذا كانوا يرون حرمتها، فبالتالي سكوتهم دليل إقرار، أما سكوتهم في المسائل الخبرية فقد تكون المسألة الخبرية كما قلنا لا ينبني عليها عمل، فيرى البعض الذي سكت أنه قد يكون مخالفاً لمن صرح، لكن لا يرى حاجة للتصريح برأيه؛ لأن هذه المسألة لا يتعلق بها شيء من أعمال المكلفين، وإنما هو من فروعيات الاعتقاد التي كما قلنا لا يؤثم من خالفها. فسكوته ليس فيه قرينة قوية على الإقرار، باختصار بما قاله الآخرون: في الأعمال التكليفية لا يسعه السكوت فيها، فسكوته دليل إقرار، وأما الأحكام الخبرية -طبعاً التي تتعلق بالفروع- لا يقصدون مسائل الاعتقاد الأساسية؛ لأن هذه أصلاً إجماعات سكوتية بل هي إجماعات صريحة قطعية، لكن لو فرض أن بعضها وقع فيها إجماعات سكوتية فلا بد أن يعتبر هذا؛ لأن مسائل العقيدة الأصيلة لا يُقبل فيها النقاش. لكن الكلام في الفروعيات الخبرية، فقالوا: هذا لو وقع فيه إجماع سكوتي فلا نسميه إجماعاً. هذا الرأي الأول، وبه قال بعض الشافعية. الرأي الثاني: وقيل حجة، أن نسمي هذا الاتفاق السكوتي حجة لكن لا نسميه إجماعاً. القول الثالث: لا إجماع ولا حجة.

بقي المسألة لما نختمها سريعاً، مسألة جديدة التي بين أيدينا بعد أن فرغنا من نقطة الإجماع السكوتي: ويجوز أن ينعقد عن اجتهاد، ما معنى ويجوز أن ينعقد عن اجتهاد؟ الآن أيها الأحبة، هذه مسألة تتطلب منا أولاً أن نعطيكم إشارة لمسألة تكلمنا عنها سابقاً وهي مسألة أصيلة في الحقيقة، أنه لا إجماع إلا وله مستند، هذه قاعدة اكتبوها واحفظوها؛ لا يقع إجماع إلا ولابد له من مستند واضح. الآن إذا كان مستند الإجماع هو نص من القرآن الكريم أو من السنة النبوية فهذا لا نقاش فيه. الآن إذا كان مستند الإجماع نصاً للقرآن الكريم، أكيد نص القرآن الكريم وصل إلينا، موجود عندنا النص وعندنا الإجماع. إذا كان بالاجماع نص نبوي، هل يجوز أن يُغفل النص النبوي الذي وقع أو الذي كان مستنداً للإجماع، وينقل إلينا فقط الإجماع؟ هذه مسألة وقع فيها نزاع. البعض يقول: لا يصح أن يُنقل الإجماع إذا كان مستنده السنة ولا تُنقل السنة بذاتها؛ لأن هذا فيه تضييع للسنة، كيف ضيعت الأمة السنة وذكرت فقط الإجماع؟ والبعض يقول: لا يمكن أن يكون وقع، كيف نقول اهتمام بنقل الإجماع وأصبح الحديث مشهوراً ولم يهتم العلماء بنقل الحديث بظنهم أن الحديث سيبقى مذكوراً موجوداً في الأجيال، ولكن قدر الله أن الحديث هذا يندرس لسبب من الأسباب لعارض من العوارض. في النهاية طبعاً المسألة هل وقعت لم تقع؟ الله أعلم، ولذلك كما قلت كثير من مسائل الأصول لا أستطيع أن أجزم بوقوعها، هل لنا مثال عملي واقع عليها؟ الله أعلم، وهذا الذي يسبب الجدل: هل أصلاً عندنا مسألة بهذا النمط؟ أنه إجماع على سنة وهذه السنة لا تُنقل؟ والآن هنا من الناحية العقلية لا أجد مانعاً، ولا أجد مانعاً شرعياً، واتهام الأمة بالتقصير في نقل السنة لا أراه اتهاماً في الحقيقة.

يركن المجتهد إلى شهرة الحديث فلا يهتم بنقله اهتمامه بنقل الإجماع؛ لأنه قد يكون له مقصد بنقل الإجماع. وأما السنة فقد يركن إلى ظهورها وانتشارها، ولا ينتبه إلى بداية دروسها، وأن الإجماع فقط هو الذي يوجد. في الحقيقة أظن المسألة تتجاذبها الأنظار. لكن لاحظوا ماذا أقول: يمكن أن يكون إجماع وقع بناء على سنة، تكون السنة موجودة ولكن لا تصل إلينا، ولا نعلم أن هذه السنة هي مستند الإجماع. هل يمكن؟ بقوة أنه الحديث موجود في الكتب التي نقلت إلينا، لكن لم يبلغنا أنه هذا الحديث هو بالضبط وبالتحديد كان مستند الإجماع، وفي الحقيقة كان في القديم هو مستند الإجماع، فهذا ممكن أيها الأحبة.

لكن الآن عرفنا إذا إجماع لابد له من مستند. إذا كان المستند هو القرآن لا إشكال، مستنده سنة لا إشكال. لكن هل يمكن أن يكون مستند الإجماع محض الاجتهاد؟ ليس نصاً من القرآن ولا من السنة، هذا موطن الخلاف. هم قالوا يجوز أن ينعقد عن اجتهاد؛ يعني يجوز أن يكون مستند الإجماع هو الاجتهاد. ما معنى الاجتهاد؟ يعني مسألة تحدث في عصر الصحابة ما عندهم فيها نص في الكتاب ولا في السنة، فاجتهد عمر بن الخطاب واجتهد علي واجتهد الصحابة، وبعد أن اجتهدوا توصلوا جميعاً باجتهادهم إلى أن هذه المسألة حرام، فوقع الاتفاق على ذلك.

هل يصح أيها الأحبة أو لا يصح ذلك؟ هل يعتبر هذا الاتفاق إجماعاً مع أنه استند إلى اجتهاد الصحابة؟ الآن عبد المؤمن البغدادي يقول: ويجوز أن ينعقد عن اجتهاد، وهذا الرأي في الحقيقة هو الصواب. فعلاً لماذا؟ لأن الله ضمن لهذه الأمة العصمة؛ بناء على أدلة الإجماع، أدلة حجية الإجماع، نحن قلنا اتفاق الأمة معصوم عن الخطأ، فحتى لو كان مستند الإجماع هو الاجتهاد، بما أنه اجتهد جميع المجتهدين ووصل اجتهادهم إلى حكم واحد، معنى هذا الحكم هو الحق، لأن هذه الأمة معصومة عن الخطأ، فيجوز أن ينعقد عن اجتهاد، وهذا الرأي هو الصواب.

وأحاله القوم؛ قال قوم مستحيل، لماذا؟ لأنهم قالوا: انظروا ما دليلهم؟ قالوا ليس بإجماع. لا أن تلاحظوا العبارة؛ ترى العبارة دقيقة. قالوا يستحيل أصلاً أن ينعقد أو أن يكون المستند الاجتهاد، قالوا لماذا؟ قالوا لأن الاجتهاد ما هو؟ أشرف ضد الاجتهاد أقرأهم في القياس، صح؟ ممتاز. القياس هل هو أصلاً متفق على حجيته؟ قالوا لا، هكذا قالوا المتأخرون؛ لأن الظاهرية لا تقول بحجية القياس، ممتاز. فإذا نفس الاجتهاد نفسه صورة الأمة مختلفة فيها، فكيف يقع اتفاق على اجتهاد؟ إذا هم نفس الأمة مختلفة في اعتبار هذا اجتهاد أو غير الاجتهاد، أو أنه مسلك من مسالك الاجتهاد أو ليس مسلكاً من مسالك الاجتهاد.

إذا كانت الأمة نفسها مختلفة في عد هذا النوع من الاجتهاد مسلكاً من المسالك المعتبرة، فكيف نقول إن الأمة اتفقت وكان مستندها الاجتهاد؟ فهمتم علي؟ يعني باختصار، حتى هذا الرأي يقول حتى نقول إن الإجماع إذا كان مستنده الاجتهاد إنه يسمى إجماعاً، لا بد أن المسلك الاجتهادي جميع الأمة تعتبره، إذا كان المسلك الاجتهادي جميع الأمة تعتبره، ثم وقع إجماع العلماء بناء على هذا المسلك، حينئذ نقول نعم هذا إجماع مستنده الاجتهاد. لكن لا يوجد عندنا مسلك اجتهادي كل الأمة تعتبره. بالتالي يستحيل أن يقع إجماع من الأمة بناء على الاجتهاد. فهمتم لماذا قالوا بالاستحالة؟ هم ما قالوا ليس بإجماع، لا كلامهم أبعد، أنه مستحيل؛ لأنه لا يوجد مسلك اجتهادي متفق على اعتباره، بالتالي كيف الأمة تقول اتفقت وأجمعت بناء على مستند كذا وكذا الاجتهاد؟ طب هو نفس المستند مختلف فيه، فكيف تتفق على النتيجة عليه؟ أليس كذلك؟ القول إذا صح أنه لا يوجد مسلك اجتهادي متفق عليه له حظه من النظر.

لكن في الحقيقة من المسالك الاجتهادية المتفق عليها، وخلاف الظاهرية خلاف ناشئ حادث بعد عصر الصحابة فلا يلتفت إليه. عرفتم كيف نرد على هذه الشبهة أنه لا هناك مسالك اجتهادية متفق عليها؟ القياس؛ بأننا بنظرنا إلى فعل الصحابة لم نجد مخالفاً من الصحابة يحرم القياس، فرأيناهم كثيراً ما يقيسون، فالقياس لم تظهر المخالفة في اعتباره مسلكاً من مسالك الاجتهاد إلا عند بعض الظاهرية ومن تابعها، وأما الأمة في القديم في العصر الصالح متفقة على الاستدلال بالقياس، فهذا يدل على أنه هناك مسلك اجتهادي متفق عليه، وبالتالي يصح أن يكون القياس والاجتهاد مستنداً من مستندات الإجماع.

واضح هناك قول ثالث جاء في المنتصف، قيل يتصور أن يقع اتفاق على اجتهاد ويصح، ويتصور شرعاً أن يكون مستند الإجماع هو الاجتهاد، لكنه ليس بحجة. قالوا لأن الاجتهاد الأصل فيه أن يفتح باب الاجتهاد، فإذا كان سبيلاً لإغلاق باب الاجتهاد بادعائنا الإجماع لم يعد اجتهاداً. طبعاً هي مسألة ربما فيها شيء من تضييق الواسع. وماذا يقولون؟ يقولون إذا كانت المسألة اجتهادية أصالةً، بما أن المسألة اجتهادية إذاً الأصل فتح باب الاجتهاد، فإذا قلنا إن الاجتهاد قد يؤدي أحياناً إلى اتفاق على هذا الاجتهاد، بالتالي أصبحت المسألة إجماعية وأغلق باب الاجتهاد فيها، قالوا هذا لا يليق بتسميتها ابتداء اجتهادية؛ لأن الاجتهاد الأصل فيه أنه يفتح باب الاجتهاد على مصراعيه.

فبالتالي أن يقع ثم نقول الإجماع والسند الاجتهاد، وبالتالي إذا أصبحت المسألة إجماعية أغلق باب الاجتهاد فيها، هنا الاجتهاد أدى غرضاً معاكساً ضده، وفي الحقيقة هذا الرأي لا أجده متناسقاً؛ لأنه مرت معنا كثير من المسائل، مثلاً إذا اختلف الصحابة على قول، هل يجوز إحداث قول ثالث؟ اختلف الصحابة على قول، وجماهير أهل العلم يرون عدم جواز إحداث قول ثالث، صح ولا لا؟ مع أنه هو اجتهاد، ومنع بعد ذلك من إحداث اجتهاد جديد، صح؟ فإذا القول بأنه إذا فتح الاجتهاد لا يجوز إغلاقه باختصار ليس بصحيح. إذا فتح اجتهاد ثم اتفقت الأمة على اجتهاد معين انتهى الأمر يغلق. ما المشكلة أن يغلق إذا كان الجميع؟ طبعاً أنت الذي عليك أن تتصور دائماً أصل المسألة، يعني بعض الطلاب يجازف في الرد، أنت تصور أصل المسألة: جميع العلماء اجتهادهم أدى إلى نتيجة واحدة، جميعهم، هذا اتفاق، هذا رحمة للأمة، اتفاقهم لا يمكن أن يكون باطلاً، فلا تتصور أنه يا شيخ فعلاً إذا فتح بعض الطلاب إذا فتح باب الاجتهاد كيف نغلقه؟ نعم ممكن أن يغلق بما اتفق عليه السابقون، ولا إشكال في ذلك لا عقلاً ولا شرعاً.

طيب المسألة قبل الأخيرة، قال: والأخذ بأقل ما قيل ليس تمسكاً بالإجماع. الأخذ بأقل ما قيل ليس تمسكاً بالإجماع، هذه المسألة سهلة أيها الأحبة. مسألة من المسائل الشرعية اختلف فيها على ثلاثة أقوال فرطاً. نأخذ مثالاً عليها وحتى من خلال المثال المباشر ننطلق في الفكرة. قالوا مثلاً الاختلاف في دية الكتابي، إذا رجل مات وكان رجلاً من أهل الذمة من أهل الكتاب، ما ديته؟ ذهب طائفة من أهل العلم على أن دية الكتابي الذمي مثل دية المسلم، وقال بعض العلماء لا، دية الكتابي نصف دية المسلم، والقول الثالث بأن دية الكتابي ثلث دية المسلم. إذاً دية الكتابي الذمي كم هي؟ القول الأول أنها مثل دية المسلم بالضبط، القول الثاني أنها نصف دية المسلم، القول الثالث بأنها ثلث دية المسلم. الآن أيش أقل الأقوال؟ أقل ما قيل في المسألة ما من هذه الأقوال الثلاث، ما هو أقل ما قيل؟ يا مشايخ أقل ما قيل هو القول بأن دية الكتابي ثلث دية المسلم.

هل يصح أن نقول إن الأقوال الثلاثة مشتركة في الدلالة على أن الكتابي في النهاية سيأخذ الثلث، ولكن الخلاف وقع في الزيادة على الثلث، فبالتالي هناك إجماع واتفاق على الثلث أنه يأخذه أهل الكتاب؟ طب إذا قلت إنه إجماع على الثلث، معناته أنت بدك تلغي القول الأول والثاني، صح؟ أنتم فهمتم صورة المسألة؟ أنه العلماء اختلفوا في دية الكتابي، البعض قال هو مثل دية المسلم، والبعض قال نصف دية المسلم، والبعض قال ثلث دية المسلم. بالتالي إذا عند الجميع عند الجميع سيأخذ أهل الكتاب الثلث قطعاً، لكن الخلاف هل له زيادة ولا ليس له زيادة؟ القول الأول بده يعطيه الزيادة قطعاً، والقول الثاني بده يزيده حتى يوصل النصف، لكن الجميع مشترك على أنه الثلث مأخذه مئة بالمئة. هل اتفاقهم على أن الثلث سيأخذه قطعاً هو إجماع يسمى إجماعاً ولا لا نسميه إجماعاً؟ الصحيح أنه لا يسمى إجماعاً؛ لأننا إذا قلنا إنه إجماع، بالتالي أصبح الذين يقولون بالقول الثاني مخالفين، والذين يقولون بالقول الأول مخالفين للإجماع، وأن الكل يلزم المصير إلى القول الثالث، فلذلك كما قال: الأخذ بأقل ما قيل ليس تمسكاً بالإجماع. ليس تمسكاً لأننا إذا قلنا إن أقل ما قيل هو إجماع، بالتالي أصبح القول الأول والثاني ملغيين، لا يجوز القول بهما لأنهما مخالفان للإجماع. فإذاً أقل ما قيل، القدر المشترك باختصار بين الأقوال الثلاثة اللي هو أقل ما قيل، ليس إجماعاً أبداً، وهذا هو الصحيح في هذه المسألة والله تعالى أعلم.

طيب قال: واتفاق الخلفاء الأربعة ليس بإجماع. بالتأكيد لأنهم ليسوا كل الأمة، بل هم من المجتهدين قطعاً ويرجح بآرائهم ويقدمون على غيرهم، وجلالتهم وقدرهم محفوظ، لكن عندما نقول إجماع هذه كلمة عظيمة، مصدر من مصادر التشريع له تصور معين، والخلفاء الأربعة ليسوا كل الأمة. والنبي صلى الله عليه وسلم قال: «أفرضكم زيد بن ثابت، وأعلمكم بالحلال والحرام معاذ بن جبل». إذاً بالتالي يوجد عندنا مجتهدون من غير الخلفاء الأربعة، وهذا هو الصحيح، أن اتفاق الخلفاء الأربعة ليس بإجماع، وقد نقل عن الإمام أحمد أنه لا يخرج عن قولهم إلى قول غيرهم، أو اتفاق الخلفاء الأربعة إجماع، سُئل الإمام أحمد، نقل عنه أنه لا يخرج عن قولهم إلى قول غيرهم، وهذا يدل على أنه حجة عند أحمد لا إجماع. يعني قول الإمام أحمد إني إذا وجدت مسألة اتفق الخلفاء الأربعة على القول فيها برأي معين فلا أخرج إلى قول غيرهم، هذا دليل على أن اتفاق الخلفاء الأربعة على مسألة شرعية حجة عند أحمد يجب المصير إليه، لكنه ليس إجماعاً، وهذا الرأي له حظ من النظر.

هكذا نكون إلى هنا انتهينا من الحديث عن مصدر الإجماع، وإن شاء الله في المحاضرة السابقة الكلام عن مصادر التشريع الأخرى. نسأل الله أن يوفقنا إلى الصواب دائماً، وأن يجعلنا على سَنَن أهل العلم في أقوالنا وأفعالنا، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.