بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، أحمده سبحانه وتعالى عند الذاكرين الشاكرين. وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين ومحجة للسالكين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين. حياكم الله أيها الأحبة في مجلس جديد نعقده بشرح كتاب "قواعد الأصول ومعاقد الفصول" للإمام عبد المؤمن البغدادي رحمة الله تعالى عليه.
وقد انتهى بنا المطاف في هذا الكتاب إلى باب النسخ، وكنا في المحاضرة السابقة قد شرعنا في شيء من هذا الباب، فعرفنا أن النسخ بمفهومه هو رفع الحكم الثابت بالخطاب المتقدم بواسطة خطاب متأخر متراخٍ عنه. فعندنا حكم خطاب متقدم، يأتي خطاب متأخر متراخٍ عن الخطاب الأول يقوم برفع هذا الحكم؛ فإذا النسخ هي عملية رفع لحكم ثابت بواسطة خطاب متأخر متراخٍ.
طبعاً درسنا تعريف المعتزلة وعرفنا ما عليه من انتقادات، ثم انتقلنا إلى بعض المسائل التي تتعلق بالنسخ، وأشهرها كانت مسألة: هل الزيادة على النص تعتبر من قبيل النسخ أو لا تعتبر من قبيل النسخ؟ وبيناها بالتفصيل. نريد أن ننجز حتى ننتقل إلى مبحث جديد، فانتبهوا إلى ما درسناه في المحاضرة السابقة، ودعونا اليوم نكمل ما يتعلق بمسائل النسخ.
فقال عبد المؤمن البغدادي رحمة الله عليه: "ويجوز إلى غير بدل وقيل لا". هذه مسألة جديدة من مسائل النسخ أيها الأحبة، تتعلق بماذا؟ تتعلق بأنه هل يجوز أن يرفع الله الحكم الثابت بالخطاب المتقدم بواسطة خطاب متأخر ولا يكون هناك بدل لهذا الحكم؟ أم إذا رفع الحكم المتقدم ينبغي أن يأتي الله سبحانه وتعالى بحكم آخر بدلاً منه؟ فهذا يسمى هل يجوز النسخ إلى غير بدل؟ هل يجوز أن يرفع الحكم الثابت بالخطاب المتقدم ولا يأتي حكم جديد مكانه؟
يقول عبد المؤمن: "ويجوز إلى غير بدل"، يعني يجوز أن ينسخ الحكم الثابت بالخطاب المتقدم ولا يأتي حكم جديد بدل من الحكم السابق. هذا معنى النسخ إلى بدل أو إلى غير بدل؛ فالنسخ إلى غير بدل يرتفع الحكم السابق ولا يأتي حكم جديد مكانه، والنسخ إلى بدل يرتفع الحكم السابق ويأتي حكم جديد مكانه.
فمثلاً أعطيك مثالاً على النسخ إلى بدل حتى تفهم النسخ إلى غير بدل: النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي هو والصحابة إلى بيت المقدس ستة عشر شهراً أو سبعة عشر شهراً، والآن رفع هذا الحكم، لكن الله سبحانه وتعالى أتى بدله بحكم آخر وهو التوجه إلى الكعبة. فحينما رفع حكم التوجه إلى بيت المقدس حل بدله حكم آخر وهو وجوب التوجه إلى الكعبة.
من يعطينا مثالاً آخر على النسخ إلى بدل؟ نأخذ آية المصابرة؛ قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ ۚ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ۚ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ﴾ [الأنفال: 65]. هذه الآية أوجبت على الصحابة ابتداءً وجوب ثبات الشخص الواحد أمام عشرة، ولا يحل له أن يفر منه. كان هذا هو الحكم ابتداءً؛ وجوب ثبات الصحابي الواحد أمام عشرة من الكفار في المعركة، ولا يحل له أن يفر، أما إذا كان الصحابي الواحد أمامه أكثر من عشرة، أحد عشر أو اثنا عشر أو عشرون أو مئة، يحل له في هذه الحالة أن يعود أدراجه.
ثم الله سبحانه وتعالى خفف عن الصحابة هذا الحكم، فماذا قال في الآية التي تليها؟ قال الله تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا ۚ فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: 66]. فهذه الآية خفف الله عنكم ورفعت الحكم الثابت بالآية السابقة وهو وجوب مصابرة الواحد أمام عشرة، وأتت بحكم جديد وهو وجوب مصابرة الواحد أمام اثنين. فقال الفقهاء: الله سبحانه وتعالى نسخ الحكم الأول وجوب مصابرة الواحد أمام عشرة، وأتى بدله بحكم جديد وهو وجوب مصابرة الواحد أمام اثنين. إذاً هذا هو الدأب العام في باب النسخ: أن يرتفع الحكم المتقدم ويأتي مكانه حكم جديد.
الآن هناك صورة تسمى النسخ إلى غير بدل كما قلت لكم، هل هذه الصورة جائزة ولا غير جائزة؟ وهي أن يرتفع الحكم المتقدم ولا يأتي مكانه حكم جديد. هل هذا واقع؟ يقول الفقهاء أو كثير من الفقهاء أنها مسألة خلافية. الصحابة في بداية أمرهم ألزمهم الله عز وجل إذا أرادوا مناجاة النبي عليه الصلاة والسلام أن يقدموا بين يدي المناجاة صدقة؛ أي يذهب أحدهم يتصدق ثم يأتي ليناجي النبي عليه الصلاة والسلام. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَأَطْهَرُ ۚ فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [المجادلة: 12]. هذه الآية أوجبت على الصحابي الذي يجد إذا أراد أن يناجي النبي عليه الصلاة والسلام أن يتصدق ثم يأتي للمناجاة.
الآن هذه الآية نسختها الآية التي تليها: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ ۚ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المجادلة: 13]. قالوا هذه الآية الناسخة خفف الله عز وجل فيها على الصحابة، وعفا عن هذا الحكم وتاب عليهم، فلا يلزمكم أن تقدموا صدقة إذا أردتم أن تناجوا النبي صلى الله عليه وسلم.
هل أتت بحكم جديد بدل الحكم الذي أبطلته؟ الحكم السابق كان وجوب تقديم صدقة قبل المناجاة، وهذا الحكم ارتفع، فهل حل محله حكم جديد؟ في الحقيقة نعم، ارتفع الحكم السابق ولم يأتِ النص الناسخ بحكم جديد، وإنما عاد الأمر إلى البراءة الأصلية؛ البراءة الأصلية تقتضي عدم وجوب تقديم الصدقة أمام المناجاة. فهذا يسمى صورة نسخ إلى غير بدل، أن يرتفع الحكم السابق ولا يأتي النص القرآني أو النبوي الناسخ بحكم جديد، وإنما يعود الأمر إلى البراءة الأصلية.
هل هذا جائز ولا غير جائز؟ الجمهور يجوزون هذا أيها الأحبة، لذلك قال عبد المؤمن: "ويجوز إلى غير بدل"، وقيل: "لا". وقيل لا، أي لا يجوز النسخ إلى غير بدل، ولاحظوا كيف عبد المؤمن عبر عن هذا القول "وقيل لا" كأنه يضعف هذا الرأي الثاني، وهذا الرأي هو المنسوب إلى الظاهرية. إذاً المذهب الظاهري أنهم لا يجوزون النسخ إلى غير بدل. لماذا؟ قالوا لأن الله سبحانه وتعالى قال في آية النسخ: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: 106]. فكيف إذاً يجوز النسخ إلى غير بدل؟
في الحقيقة ما رأيكم كيف نرد على هذا الاستدلال؟ هذه الآية في ظاهرها قوية، استدلال الظاهرية أن الله يقول: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾. نحن نقول: وهل الخيرية تقتضي إتيان حكم جديد؟ هل هي تستلزم وجوب الإتيان بحكم جديد؟ أم أن الخيرية قد تكون بإعادة الأمر إلى البراءة الأصلية؟ الله سبحانه وتعالى حينما قال: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا﴾ ما قال بشرط أن يكون هناك حكم جديد خير منه. يمكن أن تكون الخيرية أن يرتفع الحكم السابق ويعود الأمر إلى البراءة الأصلية ولا يأتي حكم جديد، ألا يمكن أن تكون هذه هي الخيرية لهذه الأمة؟
في الحقيقة حينما قال سبحانه: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا﴾، الخيرية أيها الأحبة مفهوم عام، يمكن أن تكون الخيرية الإتيان بحكم جديد بدل الحكم السابق، ويمكن أن تكون الخيرية هي خلاص رفع الحكم السابق وعدم الإتيان بحكم جديد وترك الأمر على البراءة الأصلية. فإذاً في الحقيقة مفهوم الخيرية الذي في الآية ينبغي أن يعمم أكثر، وتكون وجهة النظر في فهمه أوسع من وجهة نظر الظاهرية الذين قصروا الخيرية على الإتيان بآية تثبت حكماً جديداً. نحن نقول: لا، مفهوم الخيرية أعم، فقد يكون الخير الذي أتى الله عز وجل به هو أن يرفع الحكم السابق ويعود الأمر إلى البراءة الأصلية من دون الحاجة إلى الإتيان بحكم جديد بدل الحكم المرفوع. فبالتالي الاستدلال بهذه الآية ليس بتلك القوة.
هناك ردود أكثر على استدلالات الظاهرية بهذه الآية، ولكن أنا لا أريد أن أتعمق في عملية الاستدلال في هذه المرحلة. الشافعي رحمة الله عليه أيها الأحبة نُسب إليه أنه قال: "وليس ينسخ فرض أبداً إلا أثبت مكانه فرض". ظاهر عبارة الشافعي ماذا تفهم منها؟ أنه إذا نُسخ فرض يحل محله فرض آخر. فظاهر عبارة الشافعي كأنها توافق مذهب الظاهرية أنه أي حكم يرتفع يجب أن يأتي محله حكم آخر.
لكن في الحقيقة في "إرشاد الفحول" نوقشت عبارة الشافعي رحمة الله عليه، وعبارة الشافعي لو تأملنا فيها لا تقتضي فعلاً أن يكون موافقاً للظاهرية. لماذا؟ أريدكم أن تتأملوا قليلاً؛ ماذا نقول حينما نقول النسخ إلى غير بدل؟ نحن نقول إننا نرفع الحكم السابق ولا يأتي محله حكم جديد. طيب لما يرفع الحكم السابق، هذه المسألة ماذا أصبح حكمها؟ أنت ما أتيت بحكم جديد، لكن قطعاً ماذا صار حكمها؟ العودة إلى البراءة الأصلية، عاد حكمها إلى ما كانت عليه قبل أن يأتي الحكم السابق.
الله عز وجل أوجب تقديم صدقة قبل مناجاة النبي صلى الله عليه وسلم، الآن ارتفع هذا الحكم وهو وجوب تقديم الصدقة قبل المناجاة، الآن حينما يرتفع ماذا أصبح حكم هذه المسألة؟ عاد حكمها إلى براءة أصلية، والبراءة الأصلية تقتضي الإباحة. فإذاً في الواقع حينما نقول النسخ إلى غير بدل، هذا لا يعني أن الحكم الذي ارتفع لن يكون هناك حكم آخر مكانه، بل سيكون حكم آخر مكانه وهو العودة إلى البراءة الأصلية.
إذاً إذا ارتفع الفرض السابق سيحل مكانه حكم. لكن طيب يا شيخ إذا كان سيصبح مكانه بدل كيف تقول النسخ إلى غير بدل؟ نحن نقصد بالنسخ إلى غير بدل أن النص الناسخ لا ينص على حكم جديد بدل الحكم الأول. هذا معنى النسخ إلى غير بدل: أن النص الناسخ لا يأتي ليثبت لنا حكماً جديداً بدل الحكم الذي تم رفعه. وأما أن هذه المسألة سيبقى حكمها على البراءة الأصلية فهذا لازم لها؛ لأنه ما من تصرف من تصرفات العبيد إلا وله حكم شرعي.
فإذا ارتفع الحكم الثابت بالخطاب السابق والناسخ لم يثبت لنا حكماً جديداً، فماذا سيصبح حكم المسألة؟ العودة إلى البراءة الأصلية، وفي النهاية البراءة الأصلية تقتضي الإباحة العقلية. ففي النهاية المسألة لها حكم، لكن هذا الحكم هل أخذناه من النص الناسخ الجديد أم بالعودة إلى البراءة الأصلية؟ بالعودة إلى البراءة الأصلية، لذلك قلنا إنه نسخ إلى غير بدل.
فإذاً بدنا نفهم قضية النسخ إلى غير بدل بشكل أعمق قليلاً: أنه حينما نقول إن الحكم السابق ارتفع، ننظر في الناسخ؛ هل الناسخ أثبت حكماً جديداً؟ إذا لم يثبت حكماً جديداً فحكم المسألة السابقة سيعود إلى البراءة الأصلية، سيكون لها حكم لكن بالعودة إلى البراءة الأصلية وليس لأن النص الناسخ أثبت لي حكماً جديداً. أما إذا كان النص الناسخ هو الذي أثبت حكماً جديداً فحينئذ نقول هذا نسخ إلى بدل. واضحة ولا فيها؟ إذاً أيها الأحبة هكذا، لو قلنا على السبورة سريعاً.
عندي حكم سابق منسوخ وعندي ناسخ. الآن أيها الأحبة، إذا الناسخ أثبت بنفسه حكماً جديداً للمسألة، أصبح هذا نسخاً إلى بدل؛ مثل آية المصابرة، فالآية الثانية أثبتت وجوب مصابرة الواحد أمام اثنين، إذاً هي أثبتت حكماً جديداً. كذلك المثال الأول على القبلة؛ النص الناسخ قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فولي وجهك شطر المسجد الحرام، نسخ الحكم السابق وأثبت حكماً جديداً، فهذا كله نسخ إلى بدل.
أما إذا جاء الناسخ أيها الأحبة فلم يثبت حكماً جديداً ولم يتضمن حكماً جديداً، وإنما كانت وظيفة الناسخ فقط أنه رفع الحكم السابق، إذا كانت وظيفة الناسخ فقط رفع الحكم السابق، فالآن هذه المسألة ماذا سيصبح حكمها بعد رفع الحكم السابق؟ سيصبح حكمها العودة إلى البراءة الأصلية، والبراءة الأصلية تقتضي الإباحة، فإذاً مسألة المسألة إذاً لها حكم بالنهاية، يعني بعد المسألة لها حكم وهو الإباحة بالبراءة الأصلية.
إذاً أستطيع أن أفهم كلام الشافعي بناءً على ضوء هذا الكلام؛ أنه حينما يقول: لا ينسخ فرض إلا أن يحل محله فرض. طبعاً هو لا يقصد بالفرض الوجوب، هو يريد هنا بالفرض بشكل عام الحكم، يعني لا ينسخ حكم إلا أن يحل محله حكم آخر. الآن هذا الكلام صحيح حتى على النسخ إلى غير بدل؛ لأنه إذا ارتفع الحكم السابق ينبغي أن يحل محله حكم جديد، لكن إذا كان الحكم الجديد هو العودة إلى البراءة الأصلية فهذا نسخ إلى غير بدل، وإذا كان الحكم الجديد أثبته الناسخ فهذا نسخ إلى بدل.
فعبارة الشافعي ليست قطعية في الدلالة على مذهب الظاهرية، ليست قطعية أنه يقول لا يرتفع حكم إلا يكن مكانه قطعاً مئة بالمئة سواء إلى بدل ولا غير بدل؛ إذا ارتفع الحكم السابق المسألة لم تصبح من دون حكم هكذا في الفراغ، ينبغي أن يثبت لها حكم، لكن إذا كان الحكم ثبت بالناسخ الجديد فنقول إلى بدل، إذا كان الحكم هو العودة إلى البراءة الأصلية لأن الناسخ لم يثبت لنا حكماً جديداً فهذا ما يسمى نسخاً إلى غير بدل، فهذا قضية النسخ إلى بدل تفهم بهذه الصورة، وبناءً عليها نفهم كلام الشافعي، فلا نقول والله الشافعي مع مذهب الظاهرية، وإن كان البعض هي مسألة خلافية هل الشافعي وافق الظاهرية؟ عبارة محتملة.
لكن الشافعي كما قال الشوكاني لا يخفى عليه كثير من صور النسخ التي وقعت، بل بعض صور النسخ التي وقعت تم فيها نسخ إلى غير بدل، فكيف تقول إنه لا ينسخ فرض إلا إذا أثبت مكانه فرض؟ فهذا توجيه جيد لكلام الشافعي رحمة الله عليه أنه فعلاً ما من حكم ينسخ إلا يحل محله حكم آخر، بغض النظر كان إثبات الحكم الآخر من خلال الناسخ الجديد وبالتالي هذا نسخ إلى بدل، أو من خلال العودة إلى البراءة الأصلية وهذا يكون نسخاً إلى غير بدل. إذاً أثبتنا وجود جواز النسخ إلى غير بدل، ومثلنا له بآية مناجاة النبي صلى الله عليه وسلم، فالمناجاة كانت واجبة، ثم جاءت الآية نسخت وجوبها فعاد حكمها إلى الإباحة، الإباحة ليس النص الناسخ هو الذي أثبتها، وإنما بالعودة إلى البراءة الأصلية، فلذلك قلنا هذا نسخ إلى غير بدل، انتهينا من هذه المسألة، ننتقل إلى المسألة الجديدة.
قال: وبالأخف والأثقل، وقيل بالأخف. ممتاز، المسألة التي معنا الآن هي إذا كان النسخ إلى بدل، إذا كان النسخ إلى بدل فهل يجوز أن يكون هذا البدل الجديد أخف من الحكم السابق ويجوز أن يكون أثقل منه؟ ولا يجب أن يكون البدل الجديد دائماً أخف من الحكم السابق؟ يعني حينما ينسخ الله حكماً متقدماً هل يجب أن ينسخه إلى بدل؟ وهل يجوز أن يكون هذا البدل أثقل من الحكم السابق أو أخف منه، ولا يلزم أن يكون البدل دائماً أخف من الحكم السابق؟ هذه المسألة التي معنا، فقال: ومن أخف والأثقل. يعني يجوز أن يكون النسخ بالأخف، يعني انتقالاً إلى الأخف، ويجوز أن يكون انتقالاً إلى الأثقل. هناك رأي أتى به بصيغة التضعيف قال: وقيل بالأخف، هناك من يرى أنه إذا نسخ الله حكماً سابقاً يجب أن يكون أخف من الحكم المنسوخ، وفي الحقيقة لا يوجد شيء يلزم بذلك، يمكن أن يكون البدل أشد من الحكم السابق، ويمكن أن يكون أخف من الحكم السابق.
متى ينبغي أن يكون أخف؟ لماذا ما يكون أثقل؟ طيب نأخذ أمثلة على مدى الأخف كما مر معنا قبل قليل، مثال على مدى الأخف آية المصابرة، كان ابتداءً على الصحابة يجب على الرجل الواحد من الصحابة أن يثبت أمام عشرة من الكفار، نسخ هذا الحكم إلى أخف فأصبح يجب على واحد من الصحابة أن يثبت أمام اثنين، هذا نسخ إلى أخف. طيب يا شيخ الخلاف إذاً في النسخ إلى أثقل، آه هنا موطن الخلاف، هل يجوز أنه يرتفع الحكم الأسهل ويحل محله حكم أثقل؟ جماهير الفقهاء قالوا يجوز، ومثلوا لذلك بآية الصيام، الله سبحانه وتعالى ماذا قال في آية الصيام: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ ۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۚ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: 183-184].
قال علماء التفسير والفقه كان الأمر في بداية التشريع أول ما شُرع شهر رمضان كان الأمر على التخيير في صيامه، فكان يجوز للصحابي أن يصوم وإذا لم يرد الصيام عليه أن يطعم مكان كل يوم مسكين، فكان صيام رمضان في ابتداء الأمر على التخيير، أول ما فرض الله شهر رمضان فرضه على الصحابة على التخيير، فقال: من أحب أن يصوم يصوم، ومن أراد ألا يصوم عليه أن يطعم مكان كل يوم مسكيناً، لذلك قال سبحانه وتعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: 184] في حالة عدم صيامها، من كان قادراً على الصيام واختار ألا يصوم عليه أن يطعم مسكيناً، هكذا كان الحكم ابتداءً، قال العلماء ثم بعد ذلك نُسخ هذا الحكم وألزمهم الله بالصيام، ألزم كل قادر على الصيام مطيق للصيام ألزمه الله بالصوم في الآية التي تليها: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ ۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: 185].
نعم قوله تعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: 185]، هذا النص قال العلماء قوله فمن شهد منكم الشهر فليصمه ناسخ للتخيير الذي ثبت بالآية السابقة، الآية السابقة أثبتت التخيير؛ من كان مطيقاً للصيام له أن يصوم وله أن يطعم مسكيناً بدل كل يوم، الآية التي تليها ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: 185]، فهذه الآية أوجبت صيام رمضان على كل قادر مطيق للصيام. الآن هل هذا النسخ إلى أثقل أم إلى أخف؟ هذا إذا أثقل، لأن الحكم ابتداءً الحكم المرفوع كان على التخيير، حبيتوا تصوموا صوموا، ما بدك تصوم أطعم، ثم بعد ذلك ألزمهم الله بالصيام، فهذا إذاً انتقال من أخف إلى أثقل، انتقال من أخف إلى أثقل.
لذلك في الحقيقة شواهد النسخ تثبت أن النسخ يجوز أن يكون إلى أخف وأن النسخ يجوز أن يكون إلى أثقل، وذهب البعض كما قلنا إلى أن النسخ لا يكون إلا إلى ماذا؟ إلى أخف. طبعاً برأيكم إيش دليلهم هؤلاء الذين يقولون النسخ ينبغي أن يكون إلى أخف؟ ما هو دليلهم؟ قالوا إن الله أراد أن هذه الشريعة أدلة عامة، أنه هذه الشريعة شريعة التيسير، وأن الله سبحانه وتعالى إذا رفع حكماً فإنما يريد بذلك التخفيف عن العبيد والتوسعة عليهم، فلا يرفعه إلى ما هو أثقل وأشد عليهم، في الحقيقة هذه تعليلات عامة، أنه الشريعة هي شريعة تيسير وأن الله سبحانه وتعالى رحيم بالعباد فلا ينقلهم إلى ما هو أصعب عليهم وأثقل بل ينقلهم إلى ما هو أسهل وأخف عليهم، نقول هذه تعليلات عامة لا تصلح لرد ما هو ثابت عندنا، ثبت عندنا بالأدلة النسخ إلى أثقل، فلا أبطل النسخ إلى أثقل بتعليلات أن الشريعة هي شريعة التيسير.
وأكيد الشريعة شريعة التيسير وشريعة التخفيف، لكن لما الله سبحانه وتعالى ينقل للعبيد من الأخف إلى الأثقل هو قطعاً لمصلحة تتعلق بهم أن المصلحة أن ينتقلوا إلى الأثقل، وهذا فيه خير، وعندما ينقله من الأثقل لا ينقلهم إلى ما فيه الإصر والإخلال عليهم والشدة والضيق، بل ينقلهم إلى ما هو رحمة بهم، والرحمة لا يلزم أن تكون بالأخف، والمصلحة لا يلزم دائماً أن تكون بالأخف، قد تكون المصلحة والرحمة بالعبيد بالأثقل، فلذلك التعليل أنه يجب أن يكون النسخ إلى أخف دائماً لأنه الشريعة الإسلامية شريعة التيسير والانتقال إلى أثقل لا يتلاءم مع هذا، هذا في الحقيقة تعليل عام لا يصلح للخصم في هذا الباب.
شو ممكن يقال؟ نعم، أنه التيسير بالأثقل قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185]، أحسنت، يعني أنت من خلال الآية، قال الله عز وجل في هذا الناسخ مع أنه إلى الأثقل ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185]، يمكن يعني من الاستنباط من هذه الآية أن ينبهنا الله سبحانه وتعالى أن إلزامكم أيها الصحابة ومن بعد الصحابة بالصيام هو اليسر هو الخير هو الرحمة بكم، فكما قلت لكم القول بأن النسخ لا يكون إلا إلى أخف هو اللازم وأنه لا يصح النسخ إلى الأثقل قول لا يقوم عليه دليل، يستحق أن نقول والله فعلاً نبحث في هذه المسألة.
إذاً نذهب إلى مسألة جديدة، إذا انتهينا من مسألة جواز النسخ إلى غير بدل عرضنا جوازاً، عرفنا إذا نسخ إلى بدل يجوز أن يكون البدل أخف ويجوز أن يكون البدل أثقل، طب بقي سؤال هل يجوز أن يكون البدل مساوياً؟ هذه ما تكلمنا عنها السورة، نعم يجوز أن يكون البدل مساوياً بالاتفاق، وأشهر أمثلة على البدل المساوي أن يكون الحكم الجديد مساوياً للحكم القديم لا هو أخف ولا هو أثقل، قالوا نسخ القبلة، القبلة الصحابة كانوا يتوجهون إلى بيت المقدس، أمروا بالانحراف إلى باتجاه الكعبة، هذا قالوا الانحراف من بيت المقدس إلى الكعبة لا هو أثقل ولا هو أخف فعلياً، نسبياً لا يعتبر أخف ولا يعتبر أثقل، يعتبر مساوياً.
فإذاً هذه فائدة؛ يجوز أن يكون هنا البدل أخف، ويجوز أن يكون أثقل، ويجوز أن يكون مساوياً، لذلك الطلاب الذين يحبون التشجيرات تستطيعون أن تشجروا المسألة هكذا سريعاً وتقولون: النسخ يجوز أن يكون إلى غير بدل، ويجوز أن يكون إلى بدل، إذا كان إلى بدل يجوز أن يكون البدل أثقل، يجوز أن يكون البدل أخف، ويجوز أن يكون البدل مساوياً، هكذا تضبط المسألة بهذا التشجير الجيد، النسخ يصح إلى غير بدل ويصح إلى بدل، إذا كان إلى بدل له ثلاثة أحوال: مساوٍ وأخف وأثقل.
ننتقل إلى مسألة جديدة، قال عبد المؤمن البغدادي: ولا نسخ قبل بلوغ الناسخ، وقال أبو الخطاب: كعزل الوكيل قبل علمه به. جميل، هذه المسألة الجديدة ما هي؟ هل يثبت النسخ في حق المكلفين قبل بلوغ الناسخ لهم؟ الصحابة رضوان الله تعالى عليهم بعضهم كان في القرى التي حول المدينة المنورة، وفي أقاصي المدينة يسكن النبي عليه الصلاة والسلام، نزل عليه نص الناسخ، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة الذين حوله بأنه هنا وقع نسخ، أن الله سبحانه وتعالى أنزل نصاً ناسخاً لحكم معين.
الصحابة الذين في أقاصي المدينة وفي القرى التي حول المدينة لم يبلغهم بعد هذا الناسخ، لم يصل إليهم الخبر، فهل نقول النسخ يثبت في حقهم؟ في حق هؤلاء الصحابة الذين يعيشون في أطراف المدينة وحولها حتى قبل بلوغ الناسخ؟ أو نقول النسخ لا يثبت في حقهم حتى يبلغهم النص الناسخ؟ الآن يا شيخ إيش أثر هذه المسألة؟ هذه المسألة أثرها مهم، وهو أن هؤلاء الذين يعيشون في أقاصي المدينة إذا فعلوا فعلاً، ركزوا معي، إذا فعلوا فعلاً بناءً على الحكم السابق، وكان الحكم السابق فعلياً مرتفعاً، لكن من الذي عرف ارتفاعه؟ اللي في منتصف المدينة اللي عند النبي عليه الصلاة والسلام، وأما اللي في أقاصي المدينة.
لم يبلغها الحكم، فكانوا يقومون بهذا الحكم الذي هو منسوخ عند الصحابة، لكنهم يفعلونه ويؤدونه لأن النسخ لم يبلغهم بعد. فلو وصله بعد ذلك أن هذا الحكم الذي فعلتموه قبل قليل قد انتسخ، وأنتم كنتم تفعلونه وهو منسوخ، فهل نبطل هذا الحكم الذي فعلوه قبل أن يصلهم الناسخ؟ أم نقول لا، أنتم صحيح فعلتموه، وقد بلغ النبي صلى الله عليه وسلم الناسخ، لكن عندما كنتم تفعلونه لم يبلغكم الناسخ بعد، فنصححه لكم؟
الآن نضرب مثالاً واقعياً عملياً أكثر. الصحابة الذين كانوا في قباء، النبي عليه الصلاة والسلام كان يحيا في المدينة المنورة ويصلي في مسجده. نعتبر هذا مسجد النبي عليه الصلاة والسلام، المسجد النبوي، وهناك صحابة كانوا في منطقة قباء. ذكر علماء الحديث أن النبي عليه الصلاة والسلام نزل عليه نسخ القبلة، متى؟ قالوا وهو في صلاة العصر. نزل عليه قبل صلاة العصر، واختلفوا هل أول صلاة صلاها النبي صلى الله عليه وسلم كانت الظهر أم العصر؟ المهم أن النبي عليه الصلاة والسلام أول صلاة صلاها إلى الكعبة كانت صلاة العصر.
فالنبي عليه الصلاة والسلام في مسجده، المسجد النبوي، بلغه الناسخ؛ جاءه جبريل فأخبره أن الله يأمرك بالتوجه إلى الكعبة، فتحول النبي من بيت المقدس إلى الكعبة، وصلى أول صلاة إلى الكعبة، أي صلاة العصر. الآن الصحابة الذين كانوا في قباء ما بلغهم النسخ، فصلوا العصر باتجاه بيت المقدس، وصلوا المغرب باتجاه بيت المقدس، وصلوا العشاء باتجاه بيت المقدس، ما عرفوا بالنسخ، ما عرفوا أنه وقع نسخ، وما عندهم وسائل اتصال، لا تليفون ولا غيره، ومحتاج رجل يأتي على قدميه من المسجد النبوي يصل إلى مسجد قباء، وهذا الرجل ما جاء.
فصلى الصحابة في مسجد قباء العصر باتجاه بيت المقدس، والمغرب باتجاه بيت المقدس، والعشاء باتجاه بيت المقدس. متى وصلهم البريد كما نقول؟ وصلهم وهم يصلون الفجر، أثناء صلاة الفجر وهم قاموا ومتوجهون إلى بيت المقدس أتاهم كما جاء في الحديث الصحيح عند البخاري، فقال إن النبي صلى الله عليه وسلم قد أمر بالتوجه إلى الكعبة. فهم في أثناء الصلاة انحرفوا؛ كانوا متوجهين إلى بيت المقدس فتوجهوا إلى الكعبة. المهم وهم في أثناء صلاة الفجر تحولوا، وكانوا يصلون باتجاه بيت المقدس فاتجهوا نحو الكعبة.
الآن أيها الأحبة، هل الصلوات التي صلاها أهل قباء؛ صلاة العصر وصلاة المغرب وصلاة العشاء لما صلاها أهل قباء إلى بيت المقدس فعلياً، كان الحكم قد انتسخ؟ وكان النبي عليه الصلاة والسلام يصلي العصر والمغرب والعشاء باتجاه الكعبة. فهل نقول إن النسخ ثبت في حق أهل قباء عند صلاة العصر التي صلى فيها النبي صلى الله عليه وسلم باتجاه الكعبة؟ أم النسخ لم يثبت في حقهم شرعاً إلا عند صلاة الصبح عندما وصلهم البريد؟ الصحيح كما ذكر عبد المؤمن أن النسخ في حق أهل قباء لا يثبت حتى يبلغهم الناسخ. متى بلغهم؟ الصبح. بالتالي الصلوات التي صلوها باتجاه بيت المقدس صلوات صحيحة؛ لأنه لم يحدث نسخ في حقهم، النسخ كان في حق الصحابة الذين في المسجد النبوي، أما الصحابة الذين كانوا في قباء لم يبلغهم الناسخ. فالأفعال التي فعلوها قبل بلوغ الناسخ لهم أفعال صحيحة شرعاً.
لذلك ماذا قال عبد المؤمن البغدادي؟ لا نسخ قبل بلوغ الناسخ. نحتاج أن نعدل هذه العبارة حتى تكون أوضح لكم: لا يثبت النسخ في حق المكلفين قبل بلوغ الناسخ لهم. ومثال على ذلك أشهر مثال قصة أهل قباء، أنهم صلوا العصر والمغرب والعشاء باتجاه بيت المقدس، مع أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يصليها باتجاه الكعبة وكان التوجه إلى بيت المقدس انتسخ، لكنه لم يثبت في حق المكلفين الذين يصلون في مسجد قباء حتى بلغهم النسخ. قبل ذلك لا يثبت في حقهم، بالتالي ما فعلوه من الأفعال قبل بلوغ الناسخ لهم تعتبر أفعالاً صحيحة شرعاً. هذا هو القول المشهور في المسألة أيها الأحبة.
أعطيكم، قد يقول قائل: يا شيخ، أحياناً أحب أن أوسع الفكرة، هل لها تطبيق في وقتنا المعاصر؟ كيف؟ أن يظن مكلف في مسألة أنه يفعل هكذا، وهي في حكم الله غير ذلك، ثم بعد ذلك يتبين له أنها منسوخة. أحد الفقهاء المجتهدين في عصر تابعي التابعين، كان يظن أن حكم الله عز وجل في المسألة كذا وكذا، فكان يفعل بناء على هذا. ومجتهد وعالم بحث وما وصل إلا أن حكم الله في المسألة كذا وكذا. الآن بعد عشر سنوات بلغ هذا الإمام حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، هذا الحديث يدل على نسخ الحكم الذي يفعله الإمام، وثبت عند الإمام أن هذا الحديث متأخر أيضاً، فبالتالي هو ناسخ للحكم الذي يفعله. فانتقل الإمام من الحكم الذي يفعله، عرف أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قد نسخه، فانتقل الإمام من هذا الحكم إلى الحكم الجديد الذي يثبته الناسخ. الآن الأفعال التي كان يفعلها الإمام على الحكم الأول قبل أن يبلغه الناسخ، هل نعتبرها باطلة ولا نقول صحيحة؟ نقول صحيحة. نقول ما فعلته أيها الإمام قبل بلوغ الناسخ لك أفعال صحيحة، والنسخ في حقك لم يثبت حتى وصلك الناسخ.
فهذه مسألة، نعطيك مثالاً آخر ربما أيها الأحبة، حديثان تعارضا لا يمكن الجمع بينهما. ما استطعنا أن نجمع بأي طريقة من طرق الجمع، نتحول إلى النسخ، صح؟ طيب ما عرفنا أيهما متقدم وأيهما متأخر، ننتقل إلى الترجيح، أليس هذه خطوات التعامل مع النصوص؟ ننتقل إلى الترجيح، فأنا رجحت أحد النصين على الآخر لأني ما استطعت أن أجمع وما عرفت زمن النصين، فانتقلت إلى ماذا؟ إلى الترجيح، فرجحت أحد النصين على الآخر. بعد مدة وصلت إلى معلومة، وصلت إلى تحديد زمن النصين، وبعد فترة من كثرة الاطلاع والقراءة، وصلت إلى معلومة تتعلق بزمن النصين، وعرفت أن أحدهما متأخر والآخر متقدم، وهنا سأعود من الترجيح إلى النسخ لأني عرفت المعلومة، عرفت أن أحدهما متأخر وهذا قطعا نزل متأخراً، وهذا نزل مبكراً، فإذاً الثاني ناسخ للأول. بالتالي هنا سأعود من الترجيح إلى النسخ، فأنسخ أحد النصين وأقول هنا نسخ.
بالتالي لو أن النص الذي كنت رجحته أنا هو المنسوخ، ففعلته بناءً على أنه هو الراجح لي، ثم ثبت لي في المستقبل أن هذا الذي أنا رجحته من حيث الترجيح كان منسوخاً، وأن النص الآخر كان متأخراً فبالتالي هو الناسخ، ما كنت أفعله ابتداءً بناءً على اعتقادي أنه الراجح من حيث الترجيح لا يبطل؛ لأنني لم يبلغني الناسخ بعد. متى ما بلغني الناسخ يجب علي أن ألتزم به، قبل أن يبلغني الناسخ لا يلزمني أن ألتزم به. فإذاً لها تطبيقات هذه المسألة، وليس فقط في عصر الصحابة. لذلك فهو لا نسخ قبل بلوغ الناسخ، أي لا يثبت النسخ في حق المكلف قبل أن يبلغه الناسخ، هذا هو القول الأول في المسألة.
القول الثاني قول أبي الخطاب الكلوذاني. يا شيخ، نحن فكرنا القول الأول هو القول الوحيد. ترى فعلاً عبد المؤمن يوهم كلامه أن قول أبي الخطاب كأنه يتعلق بالمسألة السابقة، أنه على هذا الرأي لا يثبت النسخ في حق المكلف حتى يبلغه الناسخ، لكن لا، ابن الخطاب الكلوذاني بالتمثيل الذي مثل به، كعزل الوكيل قبل علمه به، يشير إلى رأي ثانٍ في المسألة، وهو أن النسخ يثبت في حق المكلف قبل أن يبلغه النسخ. كيف؟ الآن ماذا قال ابن الخطاب الكلوذاني؟ قال: كعزل الوكيل قبل علمه به. الآن الحنابلة -رحمهم الله- أيها الأحبة في باب الوكالة من أبواب الفقه، يكون في مسألة عزل الوكيل؛ أنا وكلت الشيخ خالد في أن يشتري لي سيارة. أثناء ذهاب الشيخ خالد أنا قلت لأحد الأصدقاء الذي بقربي: ترى أنا عزلت الشيخ خالد عن الوكالة، لا أريده أن يشتري لي سيارة. لسا ما خبرتك على الهاتف أني أنا عزلتك، أنا فقط قلت أريد أن أعزل الشيخ خالد، الجماعة الذين كانوا جالسين معي عرفوا هذا الموضوع، لكن الوكيل الذي هو الشيخ خالد الذي ذهب ليشتري السيارة لم يعلم بعد.
هل يثبت فسخ الوكالة قبل بلوغ الفسخ إلى الوكيل ولا لا يثبت فسخ الوكالة حتى يبلغ النسخ إلى الوكيل؟ الحنابلة يرون أنه يصح فسخ الوكالة حتى ولو لم يبلغ الفسخ الوكيل. بالتالي لو الشيخ خالد اشترى السيارة وهو لم يبلغه بعد أني فسخته، لا يعتبر عند الحنابلة شراؤه للسيارة. ماذا سينبني لو أنه اشترى قبل العلم أو ما شابه ذلك؟ هذه فروض تتعلق بالمذهب، نلبسها إن شاء الله عندما ندرس كتاباً في المذهب الحنبلي. لكن أصل الفكرة هو هذا الذي يريد أن ينظر له ابن الخطاب؛ يريد أن يقيس هذه المسألة -مسألة النسخ- على مسألة عزل الوكيل، يريد أن يقيس مسألة أصولية على مسألة فقهية.
فماذا يقول أبو الخطاب الكلوذاني؟ كما أنكم أيها الحنابلة نعتقد ثبوت فسخ الوكالة حتى ولو لم يبلغ الوكيل الفسخ، فكذلك يثبت النسخ في حق المكلف حتى ولو لم يبلغه النسخ. فهمتم كيف القياس؟ يعني كما أن فسخ الوكالة يثبت في حق الوكيل ولو لم يبلغه نص الفسخ، فالحنابلة يرون ذلك، وابن الخطاب الكلوذاني حنبلي. فماذا يقول أبو الخطاب؟ كما أن فسخ الوكالة يثبت حتى ولو لم يبلغ الوكيل الفسخ، كذلك النسخ يثبت في حق المكلف حتى ولو لم يبلغه الناسخ.
بالتالي بناءً على رأي ابن الخطاب، الأفعال التي فعلها المكلف قبل بلوغ الناسخ له -يعني الحكم كان منسوخاً لكن المكلف لا يدري بذلك ووصله الناسخ متأخراً- بناءً على رأي أبي الخطاب الأفعال التي كان يفعلها المكلف قبل بلوغ الناسخ حكمها باطلة، ستُبطل؛ لأنه يرى ثبوت النسخ في حق المكلف حتى قبل أن يبلغه الناسخ. بالتالي الأفعال التي فعلها قبل بلوغ الناسخ له ستكون باطلة، لأنه النسخ ثابت في حقه حتى ولو لم يبلغه الناسخ. لكن هذا فيه مشقة الحقيقة، أنك ستبطل أفعالي قبل أن يبلغني الناسخ؛ معناه أنني يمكن أن أكون مستمراً على الفعل سنة أو سنتين وبعد ذلك بلغني الناسخ. ما هو ما ظهر لي الآن؟ ماذا سينبني على ذلك؟ أبو الخطاب ماذا سيفعل في هذه الحالة؟
في الحقيقة قصة أهل قباء هي التي ترشد إلى القول الأول؛ أن النسخ لا يثبت في حق المكلف حتى يبلغه الناسخ؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام لم يأمر أهل قباء أن يقضوا صلاة العصر أو صلاة المغرب أو صلاة العشاء التي صلوها باتجاه بيت المقدس. فإذاً عرفنا القول الثاني، وكيف أشار إليه عبد المؤمن، أنه قال: أبو الخطاب كعزل الوكيل قبل علمه به. يعني قبل علم الوكيل بالعزل، هل يثبت عزل الوكيل قبل علم الوكيل بالعزل؟ الحنابلة يرون ذلك، نعم، أن عزل الوكيل يثبت حتى قبل أن يعلم الوكيل أنه انعزل. التصرفات التي يفعلها بعد عزله وقبل علمه بالعزل باطلة، وبالتالي قال أبو الخطاب: أنا أقيس النسخ على مسألة عزل الوكيل. إذاً الصحيح في هذه المسألة هو القول الأول؛ أنه لا يثبت النسخ في حق المكلفين قبل بلوغ الناسخ لهم.
طيب، ننتقل الآن إلى مسألة ما هو الناسخ؟ وهذه مسألة تحتاج إلى شيء من التفصيل، ما يصح أن ينسخ وما لا يصح أن يكون ناسخاً. قال عبد المؤمن: ويجوز نسخ القرآن والسنة المتواترة والآحاد بمثلها، والسنة بالقرآن، لا هو بها. يعني لا ينسخ القرآن بالسنة، في ظاهر كلامه، أي في ظاهر كلامه، خلافاً لأحمد بن حنبل وبعض الشافعية. فأما نسخ القرآن ومتواتر السنة بالآحاد، فجائز عقلاً ممتنع شرعاً إلا عند بعض الظاهرية، وقيل يجوز في زمنه صلى الله عليه وسلم. وما ثبت بالقياس إن كان منصوصاً على علته فكالنص، ينسخ.
يلصق به وإلا فلا. وقيل: يجوز بما جاز به التخصيص. انتهى باب النسخ عند هذه المسائل، وهي مسألة: ما الذي يصح أن يكون ناسخًا؟
إذاً أيها الأحبة، هذه مسألة جديدة وهي: ما الذي يصح أن يكون ناسخًا وما الذي لا يصح أن يكون ناسخًا؟ وهي مسألة في الحقيقة كما يعبرون مسألة محورية في باب النسخ. ما هو الشيء الذي يقوى على النسخ؟ ما هو الشيء الذي يستطيع أن يكون ناسخًا؟ هنا أيها الأحبة لا بد أن أذهب إلى السبورة لأقسم تقسيمًا وافيًا إن شاء الله لهذه المسألة. ربما علاء الدين المرداوي أدخل المسائل مع بعضها في هذا الباب، فنقول أيها الأحبة: عندنا هنا منسوخ وعندنا ناسخ، نحاول أن نرتب الأفكار لأن ترتيب الأفكار هو المنطلق دائمًا في فهم المسائل. طالب العلم الذي لا يرتب الأفكار تجد المسائل عنده متداخلة ولا يعرف من أين تؤكل الكتف، فدائمًا عليك أن ترتب الأفكار حتى تعرف كيف تصل إلى حكم المسألة أصوليًا وفقهيًا ونحويًا وبلاغيًا، وقس على ذلك في سائر العلوم.
المنسوخ والناسخ؛ المنسوخ إما أن يكون قرآنًا، أو سنة متواترة، أو سنة آحاد. أليس كذلك؟ طيب، هل هذا هو المنسوخ؟ الآن إذا كان المنسوخ قرآنًا فالناسخ كم احتمال له؟ نتكلم عن الاحتمالات الموجودة عندنا، إما أن يكون الناسخ قرآنًا أيضًا، أو يكون الناسخ سنة متواترة، أو يكون الناسخ سنة آحاد. صحيح؟ طيب. إذا كان المنسوخ سنة متواترة، ما هي الاحتمالات الموجودة؟ إما أن يكون الناسخ قرآنًا، أو يكون الناسخ سنة متواترة، أو يكون الناسخ سنة آحاد. ممتاز. إذا كان المنسوخ سنة آحاد، ما هي احتمالات الناسخ عندنا؟ قرآن، متواترة، آحاد. هذه الأقسام الموجودة عندنا أيها الأحبة في علاقة القرآن مع السنة في باب النسخ. يعني كل منسوخ إما قرآن أو سنة متواترة أو آحاد، فإذا كان المنسوخ قرآنًا عندنا ثلاث احتمالات، وإذا كان سنة متواترة ثلاث احتمالات، وإذا كان سنة آحاد أيضًا هناك ثلاث احتمالات. ممتاز.
علينا أن ندرس كل احتمال من هذه الاحتمالات؛ هكذا يدرس الأصوليون. طبعًا البعض يستغرق جميعها، والبعض يقفز، والبعض يأتي بها. المهم عليك أن تدرس جميع هذه الصور حتى تكون ضبطت المسألة بالكامل، فنبدأ أولًا بدراسة أول صورة: هل القرآن ينسخ القرآن؟ نبدأ بأول صورة من هذه الصور. هل القرآن يستطيع أن يكون ناسخًا للقرآن؟ هذه الصورة أيها الأحبة متفق على جوازها. يصح أن يكون القرآن ناسخًا للقرآن، وهذه الصورة متفق على جوازها؛ لأن القرآن قطعي الثبوت والناسخ أيضًا قطعي الثبوت فلا إشكال. من صور نسخ القرآن بالقرآن بنعطي أمثلة: آية المصابرة التي مرت معنا، أولًا الله سبحانه وتعالى بالقرآن أوجب مصابرة الشخص الواحد لعشرة، ثم بالقرآن نسخ هذه المصابرة، وألزمنا بوجوب مصابرة الشخص أمام شخصين فقط، فهذا نسخ قرآن بقرآن. الإمام مالك بن أنس في موطئه يقول: آية وجوب الوصية للوالدين والأقربين التي في سورة البقرة: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 180]. هذه الآية التي دلت على وجوب الوصية للوالدين والأقرباء، قال الإمام مالك: نسختها آية المواريث التي في سورة النساء، فآيات المواريث هي ناسخة لآية وجوب الوصية للوالدين والأقربين التي في سورة البقرة، فهذا نسخ قرآن بالقرآن ولا إشكال في هذه الصورة.
طيب، نأتي للصورة الثانية: هل السنة المتواترة تنسخ القرآن؟ مذهب الحنابلة أن السنة المتواترة لا تنسخ القرآن، هذا هو المذهب عند الإمام أحمد بن حنبل، في ظاهر مذهبنا أن السنة المتواترة لا تنسخ القرآن، بخلاف رأي جماهير أهل العلم، يجوزون أن تكون السنة المتواترة ناسخة للقرآن. لماذا الحنابلة يرون أن السنة المتواترة لا تنسخ القرآن؟ قالوا لأن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: 106]. فالإمام أحمد فهم من هذا النص أن القرآن لا ينسخ إلا بالقرآن، ولا ينسخ القرآن بالسنة المتواترة. طبعًا إذا كان القرآن لا ينسخ بالسنة المتواترة عند الحنابلة، إذا المسألة الثالثة بالتأكيد أنه يكون سنة الآحاد أيضًا لا تنسخ القرآن، انتهت زاوية النظر عند الحنابلة ما هي عند الإمام أحمد؟ أن القرآن لا يرفعه إلا قرآن مثله، ولا ترفعه السنة بنوعيها.
الآن كما قلت لكم بالنسبة للسنة المتواترة وتنسخ القرآن، الحنابلة يرون أنها لا تنسخ، ولكن جماهير أهل العلم يرون أنها تنسخ. لكن في الحقيقة القول بأن جماهير أهل العلم يرون أنها تنسخ يحتاج إلى شيء من النظر في مذهب السادة الشافعية، إنما العادة أن الشافعي في رسالته له منهج في قضية النسخ وهو منهج متزن ويدل على عمق نظره رحمة الله عليه. الشافعي يقول: القرآن إذا جاءت سنة، سواء متواترة أو آحاد، هكذا يقول طبعًا بتلخيص كلامه ليس بنصه، الشافعي يقول: إذا جاء ما يدل على أن هناك سنة متواترة أو آحاد تنسخ القرآن، فلا بد من مجيء نص قرآني، هو في الحقيقة الذي نسخ القرآن، وتكون السنة المتواترة والآحاد عارضة له. أما أن يكون عندنا سنة متواترة أو سنة آحاد تنسخ القرآن ولا يوجد نص قرآني يعضد عملية النسخ فهذا لا يقبل عند السادة الشافعية عند الإمام الشافعي رحمة الله عليه.
فالشافعي إذا قد نقول قد نقول هو في الحقيقة ليس قول الحنابلة لكن هو يشترط حتى إذا كان المنسوخ قرآنًا، يقول الشافعي: إذا كان المنسوخ قرآنًا وكان ظاهره أن هناك سنة متواترة أو آحاد تنسخ هذا القرآن، لا بد من وجود آية في القرآن تدل على هذا النسخ، فبالتالي القرآن يكون نسخه في الحقيقة عند الشافعي: قرآن آخر، وعضد هذا القرآن الآخر السنة المتواترة أو سنة الآحاد، فبالتالي كأنه يقترب قليلًا من الحنابلة، كأنه في نوع اقتراب من الحنابلة، فيقول إنه لا بد من قرآن هو الذي ينسخ القرآن ويكون هذا القرآن يعضده سنة متواترة. أما هكذا فقط سنة متواترة وآحاد تنسخ القرآن، الشافعي في الرسالة نص على عدم وجوده وصحته، فبالتالي قد نقول إنه يقترب إلى مذهب الحنابلة في هذه الزاوية.
إذا نحن الآن مقارنة بالحنابلة قلنا: إذا الصورة الأولى أن القرآن ينسخ القرآن هذه جائزة باتفاق. سنة متواترة تنسخ القرآن عند الحنابلة هل تجوز؟ لا تجوز. صحيح؟ عند الجمهور جائزة. طب نأخذ مثالًا عليه عند الجمهور يرون، هل هناك مثال عليه عند الجمهور؟ انظروا عبارة الشافعي رحمة الله عليه في الرسالة، أنا كتبتها هنا، انظروا عبارة الشافعي في الرسالة فيما يتعلق بنسخ السنة للقرآن، يقول الشافعي رحمة الله في رسالته الأصولية: "وأبان الله لهم أنه إنما نسخ ما نسخ من الكتاب بالكتاب، وأن السنة لا ناسخة للكتاب، يعني لا تنسخ الكتاب، وإنما هي تبع للكتاب بمثل ما نزل نصًا أو مفسرًا، بمعنى ما أنزله الله مجملًا". ثم قال في كتاب الله تعالى دلالة عليه، قال الله: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: 106]. فأخبر الله أن نسخ القرآن وتغيير إنزاله لا يكون إلا بقرآن مثله.
فهذا النص من الشافعي في الرسالة يظهر أن الشافعي قريب من مذهب الحنابلة، بل قد تقول إنه متقارب جدًا، إن لم نقل هو مذهب الحنابلة أن القرآن لا ينسخ بالسنة. طبعًا هؤلاء ما هي زاوية نظرهم؟ مهم هنا تنظر في زاوية نظرهم حتى تفرق بينهم وبين الأقوال الأخرى من المتأخرين. ما هي زاوية نظر أحمد بن حنبل والشافعي؟ زاوية نظر أحمد بن حنبل والشافعي أن الله سبحانه وتعالى في كتابه نبهنا على أن القرآن لا يرتفع إلا بالقرآن من خلال النص القرآني: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾، والسنة ليست بخير من القرآن، فإذا لا يمكن أن تكون السنة ناسخة للقرآن بهذا النظر. أنه الله قال: إذا أرسلنا آية نأتي بخير من الآية أو مثل الآية، والسنة ليست بخير من القرآن وليست مثل القرآن؛ لأن القرآن أرفع من السنة. جيد؟ طبعًا هذه زاوية النظر، هل تقبل عند غير الحنابلة أو عند غير الإمام الشافعي؟ ولا يردها أن يقول مثلًا: لا، طب السنة في النهاية هي من الله، هي صحيح نحن نقر أن القرآن هو المرتبة الأولى بالاحتجاج؛ لأنه كلام الله بلفظه، في النهاية أيضًا السنة وحي من الله ولا مانع أن ينسخ وحي الله الوحي، لكن هذا وحي لفظًا ومعنى، وهذا وحي معنى فقط. ففي الحقيقة هذه زاوية النظر تقبل المداولة والنقاش، يعني لا نريد أن نقول هي وجهة نظر محسومة، وجهة نظر الحنابلة والشافعي في رسالته لا نزعم أنها وجهة نظر محسومة، لأنه هناك من يخالفهم، جيد؟ لكن هذه زاوية نظرهم، أن الله بين في كتابه أن السنة لا تقوى على رفع القرآن.
ليست وجهة نظر الحنابلة أو الشافعية وأصل المتقدمين عن أحمد بن حنبل والشافعي، ليست وجهة نظره في المسألة كما يظن البعض أن القرآن قطعي وأن السنة ظنية. ليست هذه زاوية نظرهم، ليست قضية القطعية والظنية. زاوية النظر أن الله هو الذي أخبرنا أنه: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾، والسنة ليست بخير من القرآن وليست مثل القرآن، فبالتالي لا تقوى على رفع القرآن. وليست وجهة النظر هي قضية القطعية والظنية، أنه القرآن قطعي والسنة متواترة وآحاد تبقى طريق ثبوتها أضعف أو ظني، فبالتالي لا تقوى على رفع القرآن. طبعًا هذا في السنة المتواترة ممكن يقول: طب الشيخ السنة المتواترة قطعية أصلًا، الطريق مثلها مثل القرآن. أنا فقط أردت أن أبين زاوية النظر أنه زاوية نظر أحمد بن حنبل والشافعي هي قضية النص القرآني هو الذي يدل على ذلك وليس مسألة طريق الثبوت أو أنه قطعي أو ظني. أنا فقط أنبه على هذه المسألة.
وأقرب دليل على بيان كلام الشافعي الذي سبق هو أنه لا يجوز أن تأتي السنة ناسخة للكتاب من غير أن تأتي آية أخرى تدل على هذا النسخ، كما قلت لكم: إذا جاء ما ظاهره أن السنة تنسخ القرآن، يقول الشافعي: لا بد أن هناك نص قرآني هو الذي نسخ الآية، وتكون السنة تعضد هذا النص وتتكاتف معه، ولا تتجرد وحدها في نسخ النص القرآني. طيب الآن نذكر مثالًا تطبيقيًا، الآن كما قلنا جماهير أهل العلم لا يوافقون الحنابلة ولا يوافقون الشافعي في هذه المسألة، فيقولون القرآن الكريم يمكن أن ينسخ بالسنة المتواترة. طب ما هو الدليل على أن القرآن... أعطونا مثالًا على نص قرآني نسخ بسنة متواترة. الآن الراجح في تفسيره، يقول الله عز وجل في سورة الأنعام: ﴿قُل لَّا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: 145]. فالآن هذه الآية بمنطوقها الذي يفيد الحصر ماذا تدلنا؟ تدل على أنه لا يوجد شيء محرم من المطعومات إلا هذه الأنواع الأربعة التي استثناها الله؛ لأنه ماذا قالت الآية القرآنية؟ ﴿لَّا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ...﴾، هذه الأربعة إذاً الآية تقول: لا يوجد هناك شيء محرم من المطعومات إلا هذه الأربع، وغيرها من المطعومات يجوز تناولها. ممتاز.
الآن هذا المفهوم الذي دلت عليه الآية، وهو أن المحرمات من المطعومات محصور في هذه الأربعة، نسخ، فالذي نسخ من هذه الآية ايش هو؟ الحصر، الحصر الذي دلت عليه الآية أنه قالت لا أجد إلا كذا وكذا وكذا، أربع أشياء، فإذا هناك مفهوم حصر في الآية، مفهوم الحصر الذي في الآية نسخ، وجاءت سنة متواترة تدل على أن هناك شيء خامس أيضًا يحرم على طاعم أن يطعمه، ما هو الحديث؟ قالوا جاء بالسنة المتواترة تحريم شيء خامس، عن أبي ثعلبة الخشني قال رسول الله ﷺ: «كل ذي ناب من السباع فأكله حرام». هذا الحديث جاء ناسخًا للحصر المفهوم من الآية، ناسخ للحصر فقط، أنه الآية دلت على الحصر في الأربع، حديث أبي ثعلبة الخشني فيه أن كل ذي ناب من السباع أيضًا يحرم على المكلفين أن يأكلوه، هذا حديث قالوا متواتر، كما ذكر ذلك الطحاوي في شرح معاني الآثار، قال حديث أبي ثعلبة الخشني حديث وصل إلى التواتر، في تحريم أكل... طبعًا تواتر معنوي يقصد، حديث وصل إلى حد التواتر أي التواتر المعنوي في تحريم أكل كل ذي ناب من السباع، جميل. فحديث أبي ثعلبة الخشني حديث متواتر تواترًا معنويًا نسخ الحصر الذي دلت عليه الآية القرآنية. إذا يمكن نقول هذا شاهد للجمهور في جواز نسخ القرآن بالسنة المتواترة، لكن طبعًا الحنابلة يناقشون مثل هذه الأمثلة مناقشات طويلة، أنه هون أصلًا الآية لا... أولًا حديث أبي ثعلبة الخشني هل ثبت أنه متواتر؟ هذا أولًا. ثم هل فعلًا نسخ الحصر هو نسخ مقصود ولا ليس مقصودًا؟ وهل يوجد هناك قصد للنسخ ولا لا يوجد قصد للنسخ؟
هذه الآية فعلاً أرادت الحصر، أم هنا آية جاءت على العموم الذي يقبل التخصيص فيما بعد؟ المهم مناقشات طويلة يريدها الحنابلة في هذا المقام، ليس هذا بحثها، لكن أنا أعطيتك مثالاً لأصل الفكرة؛ كيف أن القرآن ينسخ وسنة متواترة؟
نذهب إلى المسألة الثالثة وهي أن ينسخ القرآن بالأحاد. عرفنا إذاً؛ هل ينسخ القرآن بالسنة المتواترة عند أحمد بن حنبل؟ والظاهر من قول الشافعي أنه لا يجوز، ولكن الجمهور يجوزونه. نذهب إلى الثالثة وهي نسخ القرآن بأحاديث الآحاد؛ هل يقرأ القرآن على أن ينسخ بأحاديث الآحاد؟ هل تقوى أحاديث الآحاد على نسخ القرآن؟
ربما هنا ستأتي معنا مسألة التفاوت في القطعية والظنية. سيأتي معنا مسألة التفاوت في ماذا؟ في القطعية والظنية. إنه القرآن قطع الثبوت، وسنة الآحاد عند جماهير المذاهب يعتبرونها ظنية الثبوت، ظنية الطريق. فهل يقوى الظني على أن ينسخ القطعي؟ هكذا يقولون.
فنقول القول الأول أيها الأحبة: جماهير أهل العلم من المذاهب ترى أن سنة الآحاد لا تنسخ القرآن؛ لماذا؟ لأن القرآن قطعي والآحاد ظني، والظني لا يقوى على أن يرفع، هكذا يقولون. إذاً القول الأول في هذه المسألة، هل الآحاد ينسخ في القرآن؟ ذهب الجمهور إلى المنع مطلقاً؛ فقالوا إن جماهير المذاهب من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة -بل حتى نقل بعضهم الإجماع على ذلك- يرون أن سنة الآحاد لا تنسخ القرآن لهذا المأخذ؛ أنه سنة الآحاد ظنية الثبوت والقرآن قطعي الثبوت، فبالتالي سنة الآحاد لا ترفع القرآن؛ لأنه عندهم يشترط في الناسخ أن يكون في مرتبة المنسوخ من حيث القوة أو أقوى منه، أما أن يكون الناسخ أضعف من المنسوخ فهذا الرأي الصحيح.
القول الثاني قول الظاهرية، ذهبوا إلى الجواز مطلقاً، ونص على ذلك ابن حزم رحمه الله؛ حيث نص على أن سنة الآحاد تقوى على نسخ القرآن. يقول ابن حزم الظاهري: «والقرآن ينسخ بالقرآن وبالسنة، والسنة تنسخ بالقرآن وبالسنة». وبهذا نقول وهو الصحيح، وسواء عندنا السنة المنقولة بالتواتر والسنة المنقولة بأخبار الآحاد، كل ذلك ينسخ بعضه بعضاً.
فابن حزم الظاهري في هذا النص الذي بين أيدينا يبين أن القرآن ينسخ بالسنة سواء كانت السنة متواترة أو سنة آحاد. فالمذهب الظاهري يرى جواز نسخ القرآن بحديث الآحاد، ولم ينظروا إلى مسألة القطعية والظنية، وإن كان القرآن قطعياً والسنة الآحاد ظنية؛ قالوا: الشرع تعبدنا بالظن كما بالقطع، ألسنا نقول ذلك في كثير من المسائل أن الشرع تعبدنا بالظن؟ لماذا هنا تشترطون أن يكون الناسخ في قوة المنسوخ أو أقوى منه؟ إذا كان الحديث صحيحاً يفيد الظن، فما المانع أن ينسخ الظن القطعي؟ هل هناك مانع عقلي يمنع أن الله تعبدنا بالظن ويأمرنا أن ننسخ بحديث ثبت عندنا ظناً؟ لا مانع في الحقيقة من ذلك.
وقضية القطع والظن وتأثيرها في مسائل أصول الفقه في الحقيقة مسألة تحتاج إلى دراسة؛ لأن بعض الأقوال نشأت عن أفكار خاطئة، وهذه المسألة من هذه الأقوال فيما أرى؛ أن الظن لا يقوى على أن ينسخ القطع أو على أن يرفعه، هذه مبنية على طريقة المتكلمين في التفريق بين مسألة القطع والظن، وأنه ينبغي أن يكون عمل الظن في زوايا معينة ولا يؤثر على القطع.
قضايا القطعيات والظنيات في الحقيقة هذه من المسائل التي دخلت على أصول الفقه من مناهج المتكلمين، وأما في عهد الصحابة رضوان الله تعالى عليهم فما كان يعرف عندهم التفريق بين أن نقول هذا قطعي وهذا ظني. الصحابة الذين كانوا في مسجد قباء وكانوا يصلون إلى بيت المقدس، كانت الصلاة إلى بيت المقدس عندهم ثابتة بالتواتر. كل أهل المدينة يعرفون أن الصلاة إلى بيت المقدس في أول الهجرة.
لما جاءهم صحابي واحد في صلاة الصبح وهم يصلون، قال لهم: جاء ناسخ إلى النبي ﷺ فأمر بالتوجه إلى الكعبة؛ هل قالوا لهذا الصحابي: لا ترى ما نأخذ قولك لضعف الدلالة لأنك آحاد، فتحتاج أن تأتي معنا بمجموعة من الصحابة تثبت لنا أنه نزل الناسخ؟ هكذا قالوا؟ لا، بل المباشرة قبلوا قوله وتوجهوا إلى الكعبة. الصحابة الذين كانوا في قباء، كيف تعاونوا مع هذا الآحاد الذي أخبرهم بالنسخ؟ لقد قبلوا قوله مباشرة؛ لأن الرجل من الصحابة عدل ثقة، والأصل في المسلمين العدالة، أخبرهم بوقوع النسخ فاتبعوه. هل قالوا: أنت آحاد الدلالة ونحن عندنا تواتر إلى بيت المقدس قطع الدلالة، فلا نرفع توجهنا إلى بيت المقدس حتى تأتينا بمتواتر بالنسخ؟ لم يلتفتوا إلى هذه الجزئيات.
ففي الحقيقة مسألة أنه لا يقبل في الشرع إلا القطعي، وأن الظني لا يقوى على رفع القطع أو ما شابه ذلك، هذه تحتاج إلى بحث من طالب العلم، وكثير منها دخل على أصول الفقه من طريق المتكلمين، وليس هو فعلاً المنهج الذي كان على عهد الصحابة والسلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم، فلذلك أنبهك على هذا المأخذ.
إن تقول إن القرآن الآن لو علمت بآية أخرى... مثلاً أحمد بن حنبل يرى أن القرآن لا ينسخ بالسنة، لكن ما مأخذ أحمد بن حنبل؟ النص قال إنه الآية تنسخ بغير منها أو مثلها، والسنة ليست بخير من القرآن. والشافعي أيضاً، هل الشافعي قال: والله أنا لا أنسخ القرآن بالسنة لأن السنة ظنية؟ ترى ما تطرق لهذا أبداً في رسالته الأصولية، وإنما قال إن وظيفة السنة أن تكون مفسرة للقرآن، تابعة للقرآن، فلا يصلح أن تكون رافعة للقرآن. إذاً هو ينظر من ناحية وظيفة السنة وعلاقة السنة بالقرآن، هي التي جعلت الشافعي يقول إن السنة لا ترفع القرآن لأنها تابعة له، مبينة، مخصصة، تفك الإجمال، أما أن تكون رافعة فلا تقوى. هذه وجهة نظر الشافعي وليست قضية القطعية والظنية.
قضية التعليل بالقطعية والظنية هذه عند الأصوليين المتوسطين والمتأخرين عندما ظهرت المدارس الكلامية؛ فأنبه الطالب أنك لا تقبل دائماً هذا التعليل: أن القرآن مقطوع به وسنة الآحاد ظنية بالتالي لا يرفع المقطوع بالظن. وإن كان يقولون إن مذهب الحنابلة وكذا على هذا الرأي، نحن مذهب الحنابلة أن القرآن لا ينسخ بالسنة مطلقاً، متواتر أو آحاد، وعرفنا وجهة نظر الإمام، لكن...
أن أحد الأصحاب قال لنا إن القرآن لا ينسخ بالآحاد، لأن الآحاد ظني. في الحقيقة هذه العلة لا أتوقف عندها ولا أثبتها لأحمد بن حنبل مذهباً؛ هذا التعليل بحد ذاته جيد.
الآن نحن نتكلم عن مسألة نسخ القرآن بسنة الآحاد، أليس كذلك؟ ما القول الأول؟ جماهير المذاهب الأربعة على أنه لا ينسخ القرآن بالآحاد، لأن القرآن قطعي والآحاد ظني. الظاهرية يرون أن القرآن ينسخ بالآحاد، لا إشكال في ذلك.
القول الثالث في هذه المسألة هو قول الغزالي وأبو الوليد الباجي والقرطبي، ذهبوا إلى التفصيل. انظروا إلى هذا القول الثالث وأشار إليه عبد المؤمن؛ قالوا: يجوز أن ينسخ القرآن بأحاديث الآحاد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وأما بعد النبي صلى الله عليه وسلم فلا يجوز أن يثبت عندنا نسخ للقرآن بأحاديث الآحاد. عرفتم وجهة نظر الغزالي؟ الغزالي والباجي من المالكية، والغزالي الشافعي ذهبوا إلى التفصيل.
كيف ذلك؟ الغزالي والباجي في الحقيقة كأنهما اصطدما بقصة قباء؛ اصطدما بأنه كان التوجه إلى بيت المقدس متواتراً، فجاء رجل واحد من الصحابة أخبرهم بالناسخ، فنسخوا ما كان متواتراً عندهم. يعني ما كان قطعياً عندهم نسخ بخبر آحاد؟ هكذا فعل الصحابة. اصطدموا بهذه الجزئية، أنه هذا مثال واضح متفق عليه، لا تستطيع أن تلغيه. فقالوا: إذاً نسخ القطعي سواء كان قرآناً أو سنة متواترة، هذا نفس المفهوم؛ هذا الخلاف الدائر في القرآن دائر في السنة المتواترة. نسخ القطعي بأخبار الآحاد في زمن النبي صلى الله عليه وسلم جائز، أما بعد وفاة النبي عليه الصلاة والسلام فلا يجوز لأحد العلماء المجتهدين أن يثبت أن نصاً قرآنياً نسخ بخبر آحاد.
الآن أيها الأحبة، أريدكم أن تفهموا قضية، هناك أمور ثبت عندنا نسخها بأعيانها، يعني نقل إلينا الناسخ والمنسوخ وقصة النسخ من أيام النبي صلى الله عليه وسلم. فهناك صور نسخ ثبت النسخ فيها نقلاً في السنة، أن السنة تخبرنا أنه كان الصحابة يتوجهون إلى بيت المقدس ثم بعد ذلك نسخ ذلك وتوجهوا إلى الكعبة. لكن هناك طريقة أخرى للنسخ، هي أن السنة لا تخبرنا بوقوع النسخ، لا ينقل إلينا وقوع نسخ؛ فماذا يحدث؟ يكون عندنا نصان متعارضان ولا نستطيع أن نجمع بينهما، حاولنا أن نجمع فلم نستطع الجمع، وعرفنا أن هذا النص جاء متأخراً عن هذا النص، فنحكم بالنسخ.
هذا نوع آخر وشكل آخر من أشكال النسخ؛ هناك شكلان للنسخ. الشكل الأول: أن كتب السير وكتب الأحاديث تنقل إلينا أن الصحابة كانوا يفعلون شيئاً ثم النبي صلى الله عليه وسلم نسخ لهم هذا الشيء وأصبحوا يفعلون شيئاً آخر. هذه صور من صور النسخ نقل فيها قصة النسخ برمتها، نقل الناسخ والمنسوخ وكيف انتسخ هذا الحكم، فنحن أخذنا المسألة جاهزة.
هناك صورة أخرى من صور النسخ، أن يكون عندنا حديث أو آية قرآنية يعارضها حديث أو آية قرآنية أخرى؛ وما تطرقت كتب السير إلى وجود نسخ، فقط عندنا حديثان أو آية وحديث تعارضا، حاولنا فلم نستطع الجمع، فعرفنا المتقدم والمتأخر فحكمنا بالنسخ. فهنا حكم النسخ جاء من قبل العالم المجتهد، وليست كتب السير هي التي نقلت لنا أن النبي عليه الصلاة والسلام نسخ هذا الحكم للصحابة، مثل ما صار في قضية قباء؛ فقضية قباء كتب السير هي التي نقلت لنا النسخ.
فالغزالي والباجي يقولون: نسخ القرآن بالآحاد هذا ثابت في النوع الأول، الذي هو النسخ الذي نقل لنا في كتب السير والذي وقع في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يقبل نسخ القرآن بالآحاد بالنسبة إلى المجتهدين الأئمة؛ النسخ الذي يحكم به الأئمة المجتهدون، أراد أن يقول: والله حديثان تعارضا لا يمكن الجمع بينهما ننسخ، نقول لهؤلاء الأئمة: لا تنسخوا القرآن بالآحاد. وأما ما ثبت لنا في السيرة أنه انتسخ في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، أصلاً وليس النسخ جاء من حكم الأئمة الفقهاء، وإنما هو أصل منقول في كتب السير، هذا قال الغزالي: يقبل فيه أن يكون الآحاد رفع ما هو قطعي بالقرآن أو بالسنة المتواترة.
فهمتم أين المكان الذي يجوز فيه الغزالي أن هناك نوعين من النسخ؟ نسخ نقلته لنا كتب السير، يعني ليس المجتهد هو الذي وصل إليه باجتهاده، الحكم وصل إلينا جاهزاً عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه منسوخ. وهناك نسخ نحن نحكم به كمجتهدين، أنه يتعارض عندنا نصان لا يمكن الجمع ونعرف المتقدم من المتأخر، فنحكم بالنسخ باجتهادنا. هذا النوع الآخر الذي يقوم باجتهاد الأئمة في حالة عدم القدرة على الجمع يقول الغزالي: لا ينسخ فيه القرآن بالآحاد. أما الصورة الأولى من النسخ، الذي يصلنا جاهزاً في كتب السير وفي كتب الأحاديث أن النبي عليه الصلاة والسلام هو الذي نسخ ونحن نأخذ الحكم جاهزاً مباشراً، هذا النص يقول الغزالي: يجوز فيه أن ينسخ الآحاد القرآن أو ينسخ الآحاد المتواتر.
لماذا أيها الغزالي؟ يقول الغزالي: في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، انظروا وجهة نظر الغزالي، يقول في عهد النبي صلى الله عليه وسلم حتى لو نزل نص قرآني أو كانت هناك قضية متواترة، الأحكام غير مستقرة، لأن النبي عليه الصلاة والسلام ما زال حياً؛ فيقول الغزالي: الأحكام غير مستقرة لأنها تقبل النسخ في أي لحظة، فالأحكام حتى لو نزلت بالقرآن أو نزلت بالسنة المتواترة أحكام غير مستقرة من جهة أنه يمكن أن ينزل ناسخ بها.
الآن بما أن النبي صلى الله عليه وسلم موجود، ألا يمكن في أي لحظة ينزل جبريل على النبي عليه الصلاة والسلام ويقول له انسخ الحكم الذي دلت عليه الآية القرآنية؟ ممكن، أو انسخ الحكم الذي دل عليه الحديث المتواتر أو ما تواتر عندكم. الآن الصلاة لبيت المقدس لم تكن متواترة عند الصحابة؟ الكل يعرفها، الصحابة في المدينة والأحياء التي حول المدينة كلها تتوجه إلى بيت المقدس. الآن هذا التوجه إلى بيت المقدس كان حكماً مستقراً نهائياً؟ لا، لأنه يقبل النسخ، وفعلاً انتسخ في النهاية وجاء جبريل وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الله يبارك التوجه إلى الكعبة.
فالغزالي يقول: الأحكام التي تثبت بالقرآن أو بالسنة المتواترة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم هي أحكام غير مستقرة، فهي تقبل النسخ؛ وبما أنها غير مستقرة فهي ظنية. هي ظنية ليست من حيث الثبوت، لا، ظنية من حيث أنها تحتمل الارتفاع في أي لحظة، فهي ليست أحكاماً قطعية محسومة، بل المضمون أن الحكم سيبقى هكذا إلا أن يأتي جبريل ويرفع؛ فبما أنها ظنية في عهد النبي صلى الله عليه وسلم أنها تقبل الارتفاع، لو جاء آحاد فأخبر بارتفاعها يقبل، لأنه حينئذ ظني بظني. هذه وجهة نظر الغزالي.
لكن بعد وفاة النبي عليه الصلاة والسلام الأحكام التي ثبتت بالقرآن أو بالسنة المتواترة انتهت، استقرت، إذاً أصبحت قطعية، إذا كان طبعاً الحكم ثابتاً بالنص القطعي. يعني باختصار لو أن الصلاة لبيت المقدس ما انتسخت أيام النبي، أصبح حكمها الآن قطعياً؛ لأنه توفي النبي صلى الله عليه وسلم وهم يصلون إلى بيت المقدس، ومش ممكن الآن ينسخ لأنه مات النبي عليه الصلاة والسلام، إذاً أصبح التوجه إلى بيت المقدس قطعياً. إذاً في هذه الحالة بعد وفاة النبي عليه الصلاة والسلام لو جاءنا رجل من الصحابة فقال: النبي صلى الله عليه وسلم صلى إلى الكعبة، لن نقبله.
الغزالي إذاً على وجهة نظره، لو أن النبي عليه الصلاة والسلام مات والصحابة يصلون إلى بيت المقدس، ثم بعد وفاة النبي عليه الصلاة والسلام جاء أحد الصحابة فقال: صلى النبي صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة في آخر عمره، الآن الغزالي ماذا سيتعامل في هذه الحالة؟ لن يقبل حديث الآحاد، لن يقبله؛ لماذا؟ يقول: لأنه التوجه إلى بيت المقدس أصبح الآن مستقراً لأنها توفي النبي عليه الصلاة والسلام، ولا يعرف أن هناك نسخاً، فتوفي النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة كلها تصلي إلى بيت المقدس. يأتي رجل واحد من الصحابة أو رجلان يقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم صلى إلى الكعبة، لا، هذا لا نقبل أن نرفع به ما هو ثابت بالتواتر. لكن في عهد النبي لو كان هذا قبل وفاة النبي عليه الصلاة والسلام، فهو مقبول؛ لأن الأحكام حتى لو كانت متواترة أو بالقرآن ما زالت متأرجحة غير مستقرة لاحتمالية نسخها بسبب وجود النبي عليه الصلاة والسلام، فبالتالي هي ظنية، فيقبل الآحاد الظنية.
طبعاً أيها الأحبة، مناقشات كلام الأصوليين تأخذ المجالس، لذلك أنا لا أريد أن أغوص كثيراً حتى نقطع في هذا الكتاب، لكن أنا أنبه إلى مآخذ الأصوليين حتى يبدأ الطالب يفكر ويحلل كيف يفهم المسائل، ولماذا اختلف الأصوليون؟ أحياناً زوايا النظر هذه بالطريقة، وهذاك عالم ينظر بطريقة أخرى، وهذا ينظر بطريقة مختلفة، فاختلفت الفروع الفقهية. فالمسألة ليست بالهينة، علم أصول الفقه علم دقيق، علم عقلي فهمي، يتكلم عن احتجاجات وأدلة، وكل عالم يحاول أن يقوي وجهة نظره بحجاجات عقلية ونقلية وشرعية، يحتاج إلى بذل من طالب العلم. إذاً بالنسبة لنسخ القرآن بأحاديث الآحاد عندنا ثلاثة أقوال؛ القول الأول: قول الجمهور امتناع نسخ القرآن بالآحاد. القول الثاني: جواز نسخ القرآن بأحاديث الآحاد وهو مذهب الظاهرية. القول الثالث: قول تفصيلي وهو قول الغزالي، أنه يجوز أن ينسخ القرآن بحديث الآحاد في عهده صلى الله عليه وسلم، وأما بعد مماته فلا يجوز للعالم المجتهد أن يحكم بأن نص آحاد نسخ قرآناً. هذا باختصار.
ننتقل للحالة الثانية؛ إذا عرفنا إذا كان المنسوخ هو القرآن، ننتقل إذا كان المنسوخ السنة المتواترة. الآن نسخ السنة المتواترة بالقرآن ما رأيكم بها؟ جماهير الأصوليين يجوزونها، لأن القرآن قطعي والسنة المتواترة قطعية أصلاً؛ فحتى الذين يفرقون بين القطع والظن يقبلون هذه الصورة، لأن الحديث المتواتر قطعي الثبوت والقرآن قطعي الثبوت، فبالتالي القرآن يقوى على رفع السنة المتواترة، يعني الناسخ باختصار ليس أضعف من المنسوخ. ولا يوجد نص قرآني يمنع أن يكون القرآن ناسخاً للسنة، لكن الشافعي رحمه الله عليه عنده وجهة نظر أيضاً، مثل وجهة النظر المتقدمة التي مرت معنا؛ الشافعي يرى أن السنة لا تنسخ بالقرآن فقط، بل إذا جاءت سنة في الظاهر ناسخها قرآن، لا بد أن يكون هناك سنة أيضاً تعضد القرآن في نسخ السنة المتقدمة.
فباختصار السنة لا تنسخ إلا بالسنة عنده، والقرآن والسنة يتعاضدان على نسخ السنة المتواترة. كيف مر معنا قبل قليل أنه يرى أن القرآن لا ينسخ بالسنة المتواترة إلا بشرط أن يأتي هناك نص قرآني يدل على النسخ؟ كذلك طبقها بالعكس؛ إذا كان عندنا سنة فالقرآن وحده لا يرفعها، ينبغي أن تأتي سنة أيضاً تعضد القرآن في الدلالة على نسخ السنة المتواترة. فباختصار السنة المتواترة عند الشافعي ينسخها قرآن زائد سنة، ولا يصلح القرآن وحده أن ينسخها، كما أنه القضية بالعكس، القرآن إذا نسخت السنة ما يصلح، القرآن ينسخ بالقرآن زائد سنة.
هذه وجهة نظر الشافعي، فكان الشافعي يحدث ارتباطاً بين القرآن والسنة، ولا يريد أن يفك هذا الارتباط. وأنا أحيل على الذهاب إلى رسالة الشافعي وقراءة هذا المكان، لأنه علم له تعليلات ومناقشات طويلة في بيان وجهة هذه النظر، وهذه وجهة نظر فيها تعليلات بديعة في الحقيقة تلفت نظر القارئ. لكن المهم جماهير الأصوليين يجوزون نسخ السنة المتواترة بالقرآن.
هل هناك مثال على ذلك؟ لماذا يقول الشافعي هنا؟ يقول الشافعي: لا تنسخ السنة إلا بالكتاب والسنة معاً، لتقوم الحجة على الناس بالأمرين معاً، ولئلا يتوهم متوهم انفراد أحدهما عن الآخر، فإن الكل من عند الله. انظروا يعني من وجهة نظر عميقة، يقول لك لا تنسخ السنة إلا بالكتاب والسنة، أي سنة تكون منسوخة، ترى سنة متواترة أو آحاد، نفس المنهج الشافعي؛ أي سنة منسوخة لا تنسخ إلا بتعاضد الكتاب مع السنة. أما بكتاب فقط ما ينفع، طب سنة بسنة فقط؟ ينفع ما عندنا مشكلة، لكن سنة بكتاب لا، لا بد تأتي سنة تعضد الكتاب. فيقول: لا تنسخ السنة إلا بالكتاب والسنة معاً، قال لتقوم الحجة على الناس بالأمرين معاً، ولئلا يتوهم متوهم انفراد أحدهما عن الآخر، فإن الكل من عند الله.
يعلق الزركشي في البحر المحيط ويقول: وهذا النص من محاسن الشافعي الذي لم يسبقه غيره إلى الإفصاح به. في الحقيقة أنا وعدتكم بالعودة إلى الكتاب حتى تتبصروا علل الشافعي في هذا الموضع. المهم، نريد مثالاً تطبيقياً يا شيخ على سنة متواترة نُسخت بالقرآن.
يقولون: كان الكلام في بداية الإسلام جائزاً في أثناء الصلاة. كان الكلام في أثناء الصلاة جائزاً في بداية الإسلام؛ صح؟ كان الصحابة يتكلمون، الواحد وهو يصلي يكلم صاحبه بحاجة، يقول: ناولني كذا. كان ذلك جائزاً في أول الإسلام. قال زيد بن أرقم: كنا لنتكلم في الصلاة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، يكلم الواحد منا صاحبه بحاجته، حتى نزلت ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَىٰ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: 238] أي خاشعين. قال: لما نزلت هذه الآية نُسخ جواز التكلم في الصلاة، وأخبرهم النبي عليه الصلاة والسلام أن هذه الآية تدل على انتهاء جواز الكلام في الصلاة، وأن عليكم أن تسكتوا وتنتهوا عن الكلام. لذلك قال: فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام لما نزلت هذه الآية. فالآن الكلام أثناء الصلاة كان مشهوراً بين الصحابة، مشهوراً بالتواتر، معروفاً عندهم، لذلك قال: كنا لنتكلم؛ تدل على أنه لم يتكلم شخص واحد، بل كان معروفاً عند الصحابة، متواتراً بينهم الكلام في أثناء الصلاة، ثم ما الذي رفع هذا الحكم؟ الآية القرآنية ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَىٰ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾. إذاً هذه آية قرآنية نسخت ما هو متواتر عند الصحابة، فقالوا: هذا مثال على نسخ السنة المتواترة بالقرآن.
مثال على الحالة الثانية: نسخ سنة متواترة بسنة متواترة. وهذا النوع أيها الأحبة لا خلاف فيه بين الفقهاء والأصوليين، أن السنة المتواترة تنسخ السنة المتواترة، لأنه لا توجد فيه الإشكاليات المطروحة؛ القطعية والظنية هنا لا تتصادم، ومشكلة الإمام أحمد رحمه الله عليه في أن القرآن لا يُنسخ بالسنة أيضاً غير واردة هنا، ومشكلة الشافعي أيضاً غير واردة. فبالتالي كل التعديلات هنا الحمد لله غير واردة، فيجوز أن تُنسخ السنة المتواترة بالسنة المتواترة، وهو من أدق العلم ويحتاج إلى سعة اطلاع ومعرفة بالآثار.
ما المثال على هذه القضية؟ يمثلون لهذه القضية بنسخ النهي عن ادخار لحوم الأضاحي. الآن النبي صلى الله عليه وسلم نهى الصحابة عن ادخار لحوم الأضاحي، قال: إذا ذبحتم الأضاحي كلوها أول يوم، ثاني يوم، ثالث يوم، وبعد ذلك لا تدخروا وتخزنوا؛ وزعوها على كافة من كان قدم إلى المدينة، كان في ناس جاؤوا ضيافة على المدينة. فالنبي صلى الله عليه وسلم أمر الصحابة أن لا يدخروا، وأن يوزعوا لحوم الأضاحي. الآن النهي عن ادخار لحوم الأضاحي ثبت عن تسعة من الصحابة، منهم: علي وعائشة وابن عمر وجابر وغيرهم، ممتاز. قالوا: ثم نُسخ هذا النهي، وأباح النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك للصحابة أن يدخروا من لحوم الأضاحي، والذي نقل الناسخ قالوا أحد عشر صحابياً منهم ابن عمر وعائشة وجابر. فإذاً تسعة من الصحابة نقلوا لنا نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن ادخار لحوم الأضاحي، ثم بعد ذلك أحد عشر صحابياً نقلوا لنا نسخ هذا، وأن النبي صلى الله عليه وسلم جوّز بعد ذلك للصحابة الادخار. فهذا نسخ متواتر بمتواتر؛ ما ثبت متواتراً نُسخ بما ثبت متواتراً؛ لأن العدد كبير في كلتا الحالتين في المنسوخ والناسخ.
إذاً نسخ المتواتر بالمتواتر هذا جائز. طب نسخ المتواتر بالآحاد؟ خلص، من فهم وجهة النظر في المسائل السابقة سيدي؛ الآن المتواتر قطعي والآحاد ظني، فمن لم يُجوّز نسخ القرآن بسنة الآحاد، لن يُجوّز نسخ السنة المتواترة بسنة الآحاد؛ لاختلافهم في المرتبة، أن السنة المتواترة قطعية والآحاد ظنية، والظني لا يرفع القطعي، هذه وجهة نظر جماهير المذاهب الأربعة، جماهير الأئمة في المذاهب الأربعة على هذا الرأي، أن السنة المتواترة لا تُنسخ بسنة الآحاد. طبعاً الظاهرية رحمهم الله عليهم على القول الثاني الذي مر معنا، يُجوّزون نسخ السنة المتواترة بأحاديث الآحاد.
أشهر مثال عليها أيها الأحبة نسخ المتواتر بالآحاد: قصة قباء التي مرت معنا، أن قضية التوجه إلى بيت المقدس كانت ثابتة بالتواتر عند الصحابة، الكل يعلم هذه المسألة، ثم جاء صحابي أخبرهم بوجوب التوجه إلى الكعبة، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بذلك. الآن هذا المثال سيُنتقد علينا، لماذا؟ لأن التوجه للكعبة جاء بأمر النبي عليه الصلاة والسلام.
ترى هناك انتقاد على هذا المثال أصلاً: أنتم كيف تقولون إن التوجه إلى بيت المقدس نُسخ بقول الآحاد بسنة الآحاد؟ في الحقيقة الصلاة إلى بيت المقدس نُسخت بالقرآن، وإنما هذا الرجل مخبر، أليس كذلك؟ يعني أنت لو حررت النظر ستقول: نسخ السنة المتواترة وهي الصلاة إلى بيت المقدس على التحقيق بماذا وقع؟ بالقرآن، بآية ﴿قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ ۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا ۚ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 144]. فإذاً هنا سنة متواترة، لا، كلامكم مش صحيح، لم تُنسخ بحديث آحاد، وإنما نُسخت بالقرآن، فهذا نسخ متواتر بالقرآن، وهذا جائز.
عرفتم كيف سيجيب الجمهور؟ لأنكم أنتم تحكون أن المذاهب الأربعة على أن المتواتر لا يُنسخ بالآحاد، ماذا سيفعلون بقصة قباء؟ هم يوجهونها، هم يقولون قصة قباء: عندنا تواتر، الصحابة كانوا يصلون إلى بيت المقدس بالتواتر، لكن الذي رفع هذا التواتر ليس خبر آحاد، بل القرآن، فهذا نسخ تواتر بقرآن وليس نسخ متواتر بحديث آحاد.
طيب كيف أرد عليهم؟ نقول له: نحن نقر أن نسخ المتواتر هنا بالقرآن، هذا كلام صحيح، لكن هؤلاء هل بلغهم القرآن أصالة؟ أم بلغهم رجل أخبرهم بوقوع النسخ؟ هؤلاء جاءهم آتٍ ما قرأ عليهم القرآن، قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أن يتوجهوا إلى الكعبة، فهم عندما قبلوا النسخ، قبلوه مع أنه جاء وثبت عندهم بطريق رجل آحاد. عرفتم؟ دققوا معي في هذه الصورة، الصحابة الذين كانوا يصلون في قباء كانت الصلاة عندهم إلى بيت المقدس متواترة، إنما جاءهم رجل يخبرهم بالنسخ، هذا الرجل أيها الأحبة هم قبلوا قوله في نقل النسخ مع أنه آحاد، فلو كانت قضية الآحاد وعدم الآحاد تؤثر لما قبلوا قوله حتى قالوا: أثبت لنا أن هذه آية قرآنية ثابتة.
الآن نفكر أكثر مع بعض في تحليل هذه القضية: هؤلاء صحابة كانوا يصلون في مسجد قباء، ممتاز، جاءهم رجل من الصحابة أخبرهم بالنسخ. الآن اعتبروا هذا الصحابي قرأ لهم هذه الآية، اعتبروه قرأها، الآن هذه الآية الناسخة ثبتت لأهل قباء بطريق آحاد، ولم تثبت لأهل قباء بالقطع؛ لأنه صحابي واحد فقط، هي لسا الآية ما تواترت، صحابي واحد هو الذي أخبرهم بهذه الآية، فهم قبلوا قول الصحابي الواحد في نقل الآية إليهم، مع أنه في النهاية الطريق طريق آحاد صحيح. فالقرآن الآن الذي ثبت لأهل قباء على طريقتكم أيها المتكلمون، القرآن هذا النص القرآني عندما بلغ أهل قباء بلغهم بالآحاد ولا بلغهم بالقطع والتواتر؟ بلغهم بالآحاد، فهم قبلوا إذاً خبر آحاد صحيح، خبر الآحاد هنا اعتبروه قرآناً لكنه في النهاية ثبت لهم بطريق الآحاد؛ لأنه صحابي واحد الذي أخبرهم. ولو كان هناك صحابة كثر جاءوا فأخبروهم لقلنا ثبت القرآن لهم بالقطع، لكن الآن الذي جاء لأهل قباء صحابي واحد أخبرهم بتحول القبلة، وبدنا نفترض -طبعاً نص الحديث ما أخبرني أنه قرأ عليهم الآية- لكني أريد أن أفترض فرضاً أنه قرأ عليهم الآية، حتى لو قرأ عليهم الآية هو في النهاية خبر آحاد، ففي النهاية الآية ثبتت عند هؤلاء القوم الذين في قباء بطريق ظني -على طريقة الجمهور- بطريق آحاد، ومع ذلك قبلوها واعتبروها ناسخة. فهذا يدل على أن فلسفة القطع والظني هذه غير واردة عند السلف رحمة الله تعالى عليهم. خلص؛ إذا رجل عدل مقبول، يقبل خبره سواء كان واحداً ولا كان مستفيضاً ولا كان متواتراً، المهم العدالة.
لكن كما قلت لكم، إذا نسخ السنة بالآحاد، أشهر مثال يتداول في هذه القضية قضية أن التوجه إلى بيت المقدس كان متواتراً ونُسخ بخبر الآحاد، فإن اعترض عليك فقيل لك: لا، لم يُنسخ بخبر الآحاد وإنما نُسخ بالقرآن، فبماذا تجيب؟ تقول: القرآن بلغ هؤلاء بالآحاد، إن كان الصحابي الذي بلغهم أخبرهم بنص الآية إذاً هو بلغهم بالآحاد، وإذا كان أصلاً ما أخبرهم بالآية فهذا أكثر وأكثر يدل على جواز نسخ المتواتر بالآحاد؛ لأنهم قبلوا أن ينسخوا ما هو ثابت عندهم بالتواتر من خلال خبر صحابي واحد ينقل لهم الناسخ، ينقل لهم نقلاً ولم يقرأه بلسانه. فعلى كل الأحوال هذا شاهد على جواز نسخ متواتر بالآحاد.
ننتقل إلى الصورة الثالثة والأخيرة، وهي أن يكون المنسوخ خبر آحاد، هل يجوز أن يكون الناسخ قرآناً؟ هذه المسألة لا إشكال فيها عند جماهير أهل العلم، لأن هنا الناسخ أقوى من المنسوخ، لكن طبعاً تأتي وجهة نظر الشافعي، أن الشافعي -ما وجهة نظره بشكل عام في علاقة السنة بالقرآن؟- الشافعي يقول: أي سنة ستُنسخ؟ لا بد إذا كان الناسخ لها في الظاهر هو القرآن، لا بد وجود نص من السنة يعضد القرآن في الدلالة على النسخ، ولا ينبغي ولا يصح أن يكون القرآن فقط وحده هو الدال على النسخ، هذه وجهة نظر الشافعي، أنه إذا كان عندي سنة سواء كانت متواترة أو آحاد، لا يصح أن يكون الناسخ هو القرآن وحده عنده، ينبغي أن توجد سنة تعضد القرآن في الدلالة على نسخ السنة السابقة.
وطبعاً لماذا الشافعي رحمة الله عليه؟ وهذه القضية أنا قبل قليل قرأت لكم -حتى لا يتوهم- ماذا قال قبل قليل: لئلا يتوهموا انفراد أحدهما عن الآخر؛ هو يريد أن يؤكد أنه ينبغي أن تكون العلاقة بين القرآن والسنة علاقة تكاملية، وعلاقة توضيح وتعاضد وليس علاقة تدافع وتضاد. فهو يقول: لو جعلنا القرآن يرفع السنة كان المتوهم قد يتوهم وجود علاقة تنافر، أنه شيء يثبت في السنة والقرآن يرفعه، والسنة ينبغي أن تكون مع القرآن علاقة تكامل وبناء، بالتالي أقول: إذا جاءت سنة وستنسخ هذه السنة، الناسخ لها لا يصلح أن يكون القرآن وحده، مئة بالمئة هناك سنة أيضاً تعضد القرآن في الدلالة على النسخ، حتى تكون علاقة السنة مع القرآن دائماً علاقة تكامل، وليست علاقة شيء يرفع شيئاً آخر، فقد يظن الظان أنه في القرآن تدافعاً للسنة وأن السنة تدافع القرآن. إذا أثبتنا أن القرآن وحده ينسخ السنة، وأن السنة وحدها تنسخ القرآن، قد يتوهم متوهم وجود التدافع، وفي الحقيقة العلاقة بين القرآن والسنة علاقة تكامل. فخلص وضع نظريته العامة، أنه أي آية قرآن تنسخ، ما بصير تكون السنة وحدها ناسختها، ينبغي أن يكون سنة وقرآن ينسخان آية القرآن، والعكس بالعكس، إذا كان المنسوخ سنة لا يصح أن يكون القرآن وحده هو الذي ينسخ، لا بد يكون قرآن وسنة حتى يكون القرآن مكملاً للسنة والسنة مكملة للقرآن، هذه وجهة نظر الشافعي رحمة الله عليه في باب النسخ.
الآن مثال نسخ الآحاد بالقرآن: قيل: نُهي النبي صلى الله عليه وسلم عن المباشرة في ليالي رمضان، ذُكر في بعض الكتب أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن المباشرة في ليالي رمضان، ثم نُسخ ذلك بقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: 187]. فنُسخ بالقرآن الكريم هذا الحديث، أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن المباشرة في ليالي رمضان. كان الصحابة إذا غابت الشمس ونام أحدهم ثم استيقظ قبل أن يفطر، يحرم عليه أن يفطر وعليه أن يواصل إلى اليوم التالي، وعليه ألا يجامع امرأته، جميل؟ فقيل إن النهي عن الجماع أو المباشرة في ليالي رمضان نسخته الآية التي في سورة البقرة: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَائِكُمْ﴾.
لكن هذا مثال في الحقيقة يُنتقد، لأن نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن المباشرة في ليالي رمضان، هل كان ثابتاً عند الصحابة بالآحاد ولا كان متواتراً عندهم؟ القضية هذه، نعم نستطيع أن نقول إنه النبي صلى الله عليه وسلم ما نهى شخصاً من الصحابة، نهى طائفة كبيرة من الصحابة، ليش؟ يعني الصحابة كلهم يعرفون هذا الحكم أصلاً، أنه إنسان منهي عن الوطء في ليالي رمضان، فهنا ارتفع حكم متواتر عند الصحابة بآية قرآنية، فهذا يصلح لأن يكون مثالاً على رفع ما هو متواتر بالقرآن، وليس رفع ما هو آحاد بالقرآن. لكن من ذكر هذا المثال وماذا يريد؟ هو يقول فعلاً يعني الصحابة كان النهي عن الوطء في ليالي رمضان ثابتاً عندهم بالتواتر، لكن الحديث نفس الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الوطء في ليالي رمضان أو المباشرة، كيف وصل إلينا؟ هل ثبت عندنا بالتواتر ولا بالآحاد؟ وصل إلينا بالآحاد.
بالنسبة للمتواتر؛ فبالتالي يصح أن نجعله من قبيل نسخ الآحاد بالقرآن من قبيل هذه الجهة، من قبيل أنه وصل إلينا بالآحاد، فيكون حديث آخر رُفع بالقرآن، من جهة أن الحديث وصل إلينا آحاد، ولا هو ثابت عند الصحابة بالتواتر.
لكن بهذه الزاوية ستكون أيضاً مسألة قباء نفس القضية، لأن حديث عبد الله بن عمر في التوجه إلى أهل قباء إلى بيت المقدس وأيضاً حديث ثبت عندنا آحاد، لكن نحن ندندن أنه كان ثابتاً عند الصحابة. يعني حديث التوجه إلى بيت المقدس؛ حديث أن الصحابة كانوا يصلون إلى بيت المقدس، نحن قبل قليل قلنا حديث متواتر، التواتر ليس في وصوله إلينا، التواتر نقصد بين الصحابة كان متواتراً، الحدث متواتر عند الصحابة، أما من حيث سنده إلينا هو آحاد.
نفس النسخ، ولا نسخ أكيد راح يكون من القرآن على السنة؛ قطعي بقطعي، أو متواتر بمتواتر. أما طريق الوصول هنا هذا المحل وهذا الموضع الذي نتكلم فيه. جيد، وهذا الموضع الذي نتكلم فيه، لكن نحن عندما نتكلم في هذه الصورة وهي أننا نحن من يحكم بالنسخ، لكن عندما يكون النسخ نُقل إلينا عن زمن النبي صلى الله عليه وسلم، أيضاً هذا نسخ. يعني القصة التي ثبت فيها النسخ في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، مثل قصة قباء، هي الآن وصلت إلينا بالآحاد، القصة وصلت إلينا بالآحاد، لكن في الواقع أنا بدي أنتقل للواقع على النسخ لست أنا من حكمت به كمجتهد. النسخ الآن نُقل إلي من كتب أن الصحابة كانوا يصلون إلى بيت المقدس ثم نُسخ بعد ذلك وتوجهوا إلى الكعبة. الآن المنسوخ بالضبط هل هو الحديث نفسه الذي وصل إلينا ولا المنسوخ الذي كان يفعله الصحابة أنفسهم أيام النبي صلى الله عليه وسلم؟
إذاً، ركّز في القضية، أنت فكّر معي الآن حينما نقول إنه ثبت أن الصحابة -حديث البراء بن عازب الطويل في مطلع صحيح البخاري- أن الصحابة كانوا يصلون ستة عشر شهراً أو سبعة عشر شهراً إلى بيت المقدس، ثم أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتوجه إلى الكعبة. الآن الحديث وصل إلينا بالآحاد، جيد، لكن النسخ أين وقع؟ متى وقع؟ وقع في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، نُقل إلينا الناسخ والمنسوخ والقصة برمتها. ففي الحقيقة النسخ ليس نسخاً لحديث الآحاد الذي وصل إلينا، وإنما نُقل إلينا أصلاً الناسخ والمنسوخ وكله نُقل إلينا، قصة النسخ نُقلت إلينا بالآحاد. فنحن عندما نمثل بقصة أهل قباء أنه والله نسخ متواتر بآحاد، لا نقصد بالتواتر طريق وصول الحديث إلينا، نقصد بالتواتر أن مسألة التوجه إلى بيت المقدس كانت متواترة عند الصحابة، ثم نُسخت، ورفعها النبي صلى الله عليه وسلم، عرفت؟ وجاءهم الآحاد وهو رجل واحد فأخبرهم بالنسخ فرفعه.
ممتاز، الآن الصورة الثانية من صور النسخ: أنه ما يثبت عندنا، لم ينقل لنا، كما قلت قبل قليل، أن النسخ يحكم به الأئمة المجتهدون إذا كان النسخ لم يُنقل إلينا من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما كان بحكم الأئمة المجتهدين. إن وُجد عندنا نصان ولم نستطع أن نجمع بينهما فتحولنا إلى النسخ، أحدهما آحاد والآخر قرآن، وعرفنا أن القرآن متأخر عن الآحاد، فنقول هنا القرآن ينسخ الآحاد. بهذه المسألة؛ لأن هناك تفريق بين مسألتين، أنا أجد شيئاً من التخليط في تصور كلام الأصوليين فيهما، تقعد حاسس كل موقف حتى ركبناها من الوقت الآن أيها الأحبة، هناك نوعان من النسخ، هذا جيد أن الطالب يفهمه سيحل له كثيراً من الإشكاليات: هناك نسخ يثبت لنا بالنقل، وهناك نسخ يحكم به الأئمة المجتهدون.
جميل؟ هناك نسخ يثبت لنا بالنقل، يعني السيرة النبوية تثبت لنا أن الصحابة كانوا يفعلون شيئاً ثم بعد ذلك النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم أن يتركوا هذا الشيء ويفعلوا شيئاً آخر، فنحن يصلنا هذا الحديث، وخلص النهاية الحديث وصل لنا بطريق صحيح، بغض النظر وصل لنا هذا الحديث بطريق متواتر ولا وصلت لنا هذه القصة بطريق آحاد؟ إذا كانت وصلت لنا بطريق متواتر بنقول والله هذه قصة النسخ كلها قطعية، إذا وصلت لنا قصة كل هذا الموضوع أنه كان الصحابة يفعلون شيئاً ثم تركوه إلى شيء آخر بحديث آحاد، بنقول أحاديث الآحاد ظنية على طريقة الجمهور التي أسير عليها. جميل، لكن المهم أن القصة برمتها أن الصحابة كانوا يفعلون شيئاً ثم نُسخ وفعلوا شيئاً آخر، هذا كله أين وقع؟ في زمن الصحابة، يعني النسخ ليس من حكم الإمام المجتهد، بل هو وصل إلينا جاهزاً. الصحابة كانوا يصلون لبيت المقدس، تحولوا إلى الكعبة، هل هذا والله من اجتهاد الأئمة؟ لا، هذا نُقل إلينا ووصل إلينا من السير ومن كتب الأحاديث وكتب السير، أنه الصحابة كانوا يصلون إلى بيت المقدس ثم بعد ذلك توجهوا إلى الكعبة.
ممتاز، الآن ما نوع هذا النسخ؟ نقول الصحابة كان توجههم إلى بيت المقدس ثابتاً عندهم عند الصحابة بماذا؟ بالتواتر، فجاء النص القرآني نسخ هذا الحكم في الجملة، وبالنسبة لأهل قباء أول ما ثبت عندهم النسخ ثبت عن طريق هذا الصحابي الذي جاءهم وأخبرهم، فأول ما أخذوا بالنسخ ما أخذوا عن طريق النص القرآني، أخذوه عن طريق رجل من آحاد الصحابة هو الذي أخبرهم. فلما تقبلوا النسخ عن طريق رجل من آحاد الصحابة قلنا: إذاً الصحابة ومنهج الإسلام أن المتواتر يمكن أن يرتفع بالآحاد؛ لأن أهل قباء كان متواتراً عندهم قضية وقبلوا رفعها من خلال خبر آحاد، وإن كان في أصل المسألة أن فعلاً التوجه إلى بيت المقدس ما نسخه بالتحديد هو النص القرآني. فهذه وجهة نظر عندما نقول الناسخ والمنسوخ تتعلق بالصورة الأولى، ما ثبت نسخه بالنقل.
الآن كل قصة النسخ أن الصحابة كانوا يتوجهون وانتسخ الأمر وصار كذا وكذا، كل قصة النسخ وصلت إلينا بحديث في صحيح البخاري، كل القصة من حديث البراء بن عازب، وحديث البراء بن عازب من حيث التصنيف الحديثي يُعتبر آحاداً، فليس متواتراً، فهو ظني، كل قصة النسخ هي أصلاً ظنية، لكن هنا نحن نتكلم عن الناسخ والمنسوخ باعتبار نفس الزمن الذي وقع فيه عملية النسخ.
الحالة الثانية: نسخ يحكم به الأئمة المجتهدون، ما هذا النوع؟ يكون عندنا حكم، هنا أبدأ أبحث في سنده، حكم وصل إلينا بأي طريقة، يمكن يكون وصل إلينا بالقرآن، ممكن وصل إلينا بمتواتر، ممكن وصل إلينا بآحاد، المهم في حكم وصل إلينا، ووُجد عندنا حكم آخر مقابل لهذا الحكم ولا يمكن أن نجمع بينهما، هذا الحكم الآخر ثبت في القرآن أو ثبت بسنة متواترة أو ثبت بآحاد. الآن ما عندنا قضية نسخ أصلاً، ما نُقل إلينا أنه وقع نسخ في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، فقط نُقل إلينا نص قرآني أو سنة حكماً، وأيضاً نُقل إلينا نص قرآني أو سنة متواترة أو آحاد يثبت حكماً آخر، ولم يستطع الفقهاء أن يجمعوا بين هذين الحكمين، فعرف الفقيه أن النص الذي أتى بالحكم الثاني نزل أو جاء بعد النص الذي يثبت الحكم الأول. هذا الحكم رقم واحد، وهذا حكم رقم اثنين، الفقيه توصل إلى نتيجة بعد أن تعذر عليه الجمع أن النص الذي يثبت الحكم رقم اثنين متأخر عن النص الذي أثبته الحكم رقم واحد، بالتالي ماذا سيفعل الفقيه؟ سيحكم بالنسخ.
لكن هنا سيطبق قواعد النسخ، الحكم رقم اثنين بماذا ثبت؟ ثبت في القرآن، طيب الحكم رقم واحد بماذا ثبت؟ ثبت في القرآن أو بالسنة، طيب الحكم رقم اثنين ثبت بالآحاد، وحكم رقم واحد ثبت عندي بالقرآن، لا، ما ينفعش، ما راح يقدر ينسخ الآن؛ لأن الحكم رقم اثنين ثبت عنده طريق وصل إلي بطريق آحاد، وحكم رقم واحد ثابت عنده بالقرآن، وبالتالي مثلاً هو حنبلي، لا ينفع، الآحاد لا تقوى على نسخ القرآن، سيطبق الآن القواعد. جيد، إذاً هذا نوع ثانٍ من نسخ يحكم به الأئمة. نحن عندما مثلنا لمسائل النسخ في الحقيقة عندما كنا نمثل الأنواع كلياتها، كنا نمثل بأمثلة من كلا القسمين، من نسخ يثبت لنا بالنقل أو نسخ يكون مما حكم به الأئمة، أحياناً تمثل بهذا وأحياناً تمثل بذاك، لتلاحظوا الأمثلة كيف كانت متداخلة، فأنا عندما مثلت قضية نسخ متواتر بآحاد أنا مثلت بمثال من القسم الأول، ناسخ ثبت لنا بالنقل أنه كان بين الصحابة ورجل آحاد أخبرهم، أمثل بالقصة نفسها، لا أمثل بأصل الحديث أنه وصل إلي بالآحاد تماماً، أنا أتكلم إذاً عما وقع في زمنهم أنه كان في شيء متواتر مرتفع فيه آحاد، نفس القصة في زمنهم، لكن هي كل القصة وصلت إلي أصلاً بالآحاد. وأحياناً نمثل للنوع الثاني أنه يكون حكم وحكم آخر تعذر أن نجمع، فبدنا يكون الحكم المتأخر ناسخاً للحكم الأول، بدنا نطبق القواعد.
فهنا صورة وهذه صورة، فبالتالي آخر مثال مثلت به وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن المباشرة في ليالي رمضان، ثم جاءت آية قرآنية: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: 187]. الآن لو نظرت من الزاوية الأولى، أنه الآن جاء عندنا أحاديث عن الصحابة تقول إنه كان في بداية الأمر الرجل يُنهى عن الجماع في ليالي رمضان، ثم جاءت الآية القرآنية على جواز ذلك، الآن أقول النهي عن الجماع في ليالي رمضان، بالنسبة للصحابة أنفسهم في عصرهم كان ثابتاً في عصر النبي عليه الصلاة والسلام، كان متواتراً بينهم صح؟ والآية القرآنية التي جاءت ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ﴾ بالتالي تكون رفعت ما هو متواتر بين الصحابة، فبتكون إذاً نص قرآني رفع متواتراً، هذه زاوية في النظر. لكن لو نظرت أنت من زاوية أخرى، وهو أن حديث نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن المباشرة ليالي رمضان نفس هذا الحديث، ووصل إلينا بالآحاد كطريق الوصول إلينا، ستقول إن القرآن نسخ حديث آحاد، لكن في الحقيقة أنا لا أرى وجهة هذه النظر هنا مستقيمة، ليه؟
لأننا ثبت عندنا أصلاً أن كل قصة النسخ ليس للفقيه أو المجتهد هو الذي حكم بها، تعارض عنده حديث نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن المباشرة مع حديث ﴿أُحِلَّ لَكُمْ﴾، ليس الذي وقع؟ الذي نُقل إلينا، كل القصة نُقل إلينا الصحابة، نُقل لنا وإن كان بطريق آحاد أنهم كانوا لا يجامعون في ليالي رمضان، ثم النبي صلى الله عليه وسلم أذن لهم في ذلك من خلال الآية القرآنية، فليس الفقيه تعارض عنده نصان لم يمكنه الجمع فحكم بالجمع، لا الفقيه أصلاً وصلت القصة جاهزة، قصة الناسخ والمنسوخ كان الصحابة يفعلون ابتداءً، ثم على ماذا انتقل الحال؟ فهنا هل نقول إن القرآن نسخ حديث آحاد؟ أنا لا أرى أن هذا هنا يستقيم، لماذا؟ لما قلته لكم إن القرآن نسخ ما هو متواتر عند الصحابة، وحديث الآحاد أخبرنا بالقصة برمتها، فالقرآن نسخ ما كان معلوماً عند الصحابة متواتراً عندهم، وحديث الآحاد أخبرنا بالقصة برمتها أنهم كانوا يفعلون كذا ثم جاء كذا.
لكن لو كان عندي حكم بحديث آحاد ثم جاء بعد ذلك حكم رقم اثنين مخالف للحكم رقم واحد، والحكم رقم اثنين ثبت بالقرآن، ما استطعت أن أجمع بينهما، فهنا حينئذ أطبق قاعدة أنه القرآن نسخ آحاداً، نعم، هنا أطبق قاعدة أن القرآن ينسخ حديث الآحاد؛ لأنه عندي حكم ثبت من حديث آحاد، حكم وصلني لحديث آحاد، وحكم وصلني القرآن، متعذر أن يمكن الجمع بينهما، والقرآن متأخر، فالقرآن ينسخ حديث الآحاد، كنا نقول. لكن في الحالة السابقة أرى أن ما أقول أنا إنه والله القرآن نسخ حديث آحاد، القرآن نسخ ما هو متواتر عند الصحابة، وحديث الآحاد نقل لنا القصة برمتها، صح ولا لا؟ تمام، وجهة نظر، هذا هو التحليل الذي أعتقده في هذه المسألة والله أعلم.
إذاً نسخ الآحاد بالقرآن، هذا جائز كما قلنا عند الجمهور. طيب نسخ الآحاد بالمتواتر، أيضاً هذه الصورة لا خلاف فيها بين العلماء جميعاً؛ لأن المتواتر أقوى من الآحاد فيقوى على نسخ الآحاد. لكن ابن النجار الفتوحي نص في شرحه على مختصر التحرير أن هذه الصورة لا مثال عليها، أنه قد يكون المنسوخ آحاد والناسخ متواتر، هذه الصورة قال لا مثال عليها، قال لم تقع في السنة.
المسألة الأخيرة نسخ الآحاد بالآحاد، وهذا أيضاً جائز أيها الأحبة؛ لأن نسخ ظني بظني، أدلة ظنية تقوى على أن تنسخ أحاديث ظنية، فنسخ الآحاد بالآحاد أيضاً هذا جائز، وهي نسخ سنة بسنة فلا خلاف فيها، وهي صورة ما اتفق العلماء في الجملة على جوازها؛ لأن نسخ الشيء بما هو مساوٍ له في القوة لا محذور فيه.
التطبيق على ذلك رواه البخاري ومسلم عن ابن عمر أن النبي ﷺ أمر بقتل الكلاب، ثم نُسخ هذا الحكم بعد ذلك بما رواه جابر بن عبد الله: «أمرنا النبي ﷺ بقتل الكلاب ثم نهى عن قتلها».
أنا لا أعرف كيف سأحلل هذا النص. الآن حديث جابر «أمرنا النبي ﷺ بقتل الكلاب ثم نهى عن قتلها». الآن بالنسبة لزمن الصحابة، هذا يُعتبر نسخ إيش؟ الآن أمرنا النبي ﷺ بقتل الكلاب ثم نهى عن قتلها، نقول هذا الحديث نقل لنا القصة برمتها، نقل لنا أنه الحكم كان ابتداءً أو متواتراً عند الصحابة أن النبي أمرهم بقتل الكلاب، فكان متواتراً عندهم، معروف عندهم، لذلك قال: «أمرنا»، يعني نتكلم عن الجماعة، أمرنا نحن الصحابة، إذاً هذا أمر معروف عندهم. قال: «ثم نهى عن قتلها». في الحقيقة هنا هذا الحديث جعلوه نسخ آحاد بآحاد، يعني هو ليس نصاً على حادث نسخ نص آحاد، هو الذي وقع النسخ فيه، في الحقيقة أنه النبي ﷺ أمر الصحابة متواتراً بشيء ثم نهاهم بعد ذلك عن شيء.
ففي الحقيقة هناك سنة متواترة رُفعت بسنة أيضاً تواترت. إذا نظرنا إلى عصر الصحابة، أنه ابتداءً كان الأمر بقتل الكلاب، تواتر عند الصحابة، ثم النبي ﷺ أخبرهم أنه «لا تقتلوا الكلاب». الآن أكيد إذا كان صحابي ابتداءً كان بالغاً الأمر المتواتر جواز قتل الكلاب، ثم جاءه رجل فأخبره: ترى النبي ﷺ نهى عن قتلها، هذا الصحابي الذي سيقبل قول هذا الرجل يكون رفع ما هو متواتر عنده من الأمر بقتل الكلاب بخبر آحاد، صح ولا لا؟ والقصة كلها قصة الناسخ والمنسوخ أن النبي ﷺ أمر بقتل الكلاب ثم نهى عن قتلها، هي التي نُقلت إلينا بطريق الآحاد، فأقول إنه والله هنا حديث آحاد رفع حديث آحاد في هذا التمثيل، إلا أنهم يمثلون بهذه القضية، أرى أن هذا التمثيل يحتاج إلى نظر، ويحتاج إلى أن نفرق بين الصورتين: بين أنك بحديث آحاد تنقل لي كل الواقعة ناسخها ومنسوخها وتخبرني بما وقع في زمن النبي ﷺ من النسخ، فهنا ليس حديث آحاد ينسخ حديث آحاد، بل هو حديث آحاد وصل إليه ذكر للناسخ والمنسوخ والقصة، وأن النبي ﷺ أمر بكذا ثم نهى عن كذا.
لكن بدك تمثل لحديث آحاد بحديث آحاد، بدك تمثل لي حكماً ثبت بحديث آحاد لديك، ثم ثبت عندي حكم آخر ثبت بحديث آحاد، والحكمان متعارضان، لا نستطيع أن نجمع بينهما، وعلمنا أن أحدهما متأخر عن الآخر، فحينئذ نقول: والله هنا نسخ بحديث الآحاد حكماً ثبت بحديث الآحاد، هيك صح. أما أن تكون القصة كلها منقولة بحديث الآحاد ناسخها ومنسوخها، ثم تقول لي والله حديث آحاد رفع حديث آحاد، يعني هو ما رفع شيئاً، هو أنت نقلت لي القصة بحديث الآحاد، فهنا أقول: هل أقبل أصل القصة ولا لا أقبلها؟ لأنها جاءت بطريق آحاد، أما لا تقل حديث آحاد رفع حديث آحاد، طيب هذه وجهة نظره تقبل النقاش، لكن هكذا أشعر أن المسألة تكون أوضح في تفاصيلها، حتى نعرف إيش يرفع إيش بالضبط.
لو أحد الصحابة مثلاً جابر بن عبد الله يقول: أمر النبي ﷺ بقتل الكلاب وسكت، ممتاز. ثم يأتي بعد ذلك صحابي آخر ينقل لنا قصة أن النبي ﷺ أمر بقتل الكلاب ثم نهى عن قتلها، الآن مثلاً أن فرضنا مثالاً فرضياً: جابر بن عبد الله قال: أمر النبي ﷺ بقتل الكلاب، ممتاز، ابن عمر يقول لنا: أمر النبي ﷺ بقتل الكلاب ثم نهى عن قتلها، إذاً ابن عمر ينقل لنا كل القصة، وجابر أعطانا الطرف الأول، كأن جابر لما روى هذا الحديث ما وصله أو ما بلغه الناسخ. الآن تتعارض إذاً في تعارض بين حديث جابر وحديث ابن عمر، فحديث جابر يقول: أمر النبي ﷺ بقتل الكلاب، حديث ابن عمر يقول: أمر النبي ثم نهى عن قتلها، طبعاً هنا أيهما المقدم؟ مباشرة بدي أقدم ابن عمر؛ لأنه ابن عمر ينقل ما نقله جابر وزيادة، عنده علم بزيادة، ففي هذه الحالة أنقل ما نقله ابن عمر.
لو كانت القصة هكذا: لو كان حديث جابر وصل إلينا متواتراً، وحديث ابن عمر وصل إلينا آحاداً، في هذه الصورة لاحظوا الصورة صار فيها تداخل شيئين، تداخل موضوعين؛ أنه هنا ابن عمر ينقل القصة كلها الناسخ والمنسوخ لكن وصل إلينا حديث ابن عمر آحاداً، وأما حديث جابر الذي ينقل المنسوخ فقط ولا يدل على وجود نسخ، وصل إلينا بالمتواتر، فأيهما يقدم هنا برأيكم؟ هنا في الحقيقة ستكون مجال البحث للأصوليين، ماذا نفعل؟ شخص ينقل لنا التواتر بحديث صحيح، وشخص ينقل لنا النسخ بحديث صحيح، وهو ابن عمر ينقل لنا النسخ بحديث صحيح لكنه حديث آحاد. عندي جابر ينقل لنا الحكم الأول بطريق متواتر، في الحقيقة هنا يحتمل، هنا سنبدأ شطارة الأصوليين، لماذا يختلف الفقهاء؟ أحياناً مثل هذه الأنظار ماذا نفعل؟ هل نقدم ابن عمر الذي ينقل لنا الناسخ والمنسوخ مع أنه حديث آحاد ولا نقدم حديث جابر؟
الآن من قال إن حديث ابن عمر يُعد ناسخاً لحديث جابر، سيأتي من هذه الجهة لن يقبله؛ لأنه سيقول حديث ابن عمر آحاد وحديث جابر متواتر، مثل جمهور الأصوليين الذين قالوا المتواتر لا يُنسخ بالآحاد، من نظر هيك بهذه الزاوية قال: حديث ابن عمر ينسخ حديث جابر، سيقول إنه لا يقبل النسخ؛ لأن حديث جابر متواتر وحديث ابن عمر آحاد. لكن من نظر أنه هنا ترى ما عندنا آحاد ينسخ، وإنما عندنا آحاد يعطينا قصة نسخ كاملة، ولما مشي الآحاد هو سيرفع الحكم، لا هنا الآحاد عم بيعطينا الحكم كاملاً، أنه فصارت هناك قضية في الصحابة والنبي أخبرهم أنهم يفعلون شيئاً، فقد ينظر من زاوية أخرى أن هنا الآحاد هو في الحقيقة لم ينسخ، أن حديث ابن عمر لم ينسخ حديث جابر، حديث ابن عمر هو أخبرنا كما في حديث جابر وزيادة، يعطينا ماذا حدث، أنه كان هناك شيء ثم انتقل إلى شيء آخر، فهو في الحقيقة ليس ناسخاً لحديث جابر، وإنما هو مخبر، يعطينا صحة حديث جابر ولكنه يعطينا معلومة زائدة عن حديث جابر، أنه فعلاً أمر النبي ﷺ بقتل الكلاب ثم نهى عن قتلها، لو نظرت لهذه الزاوية لن نطبق قواعد النسخ، وسنقول المقدم حديث ابن عمر وإن كان آحاداً؛ لأنه يخبر عما عن النسخ وليس ناسخاً، يخبر عما وقع في زمن النبي ﷺ وليس هو ناسخاً.
بإختصار، ليس الفقيه سيقول حديث ابن عمر ناسخ لحديث جابر، بل الفقيه عندما بلغه حديث ابن عمر، هو وصله الناسخ والمنسوخ، بلغه قصة كاملة في النسخ، فلن يقول والله حديث ابن عمر ناسخ لحديث جابر، فالحديث ابن عمر هو ينقل لنا كل القصة برمتها، فمن هذه الزاوية سيقدم أيضاً حديث ابن عمر؛ لأنه هنا لا يوجد نسخ وإنما هنا يوجد حكاية نسخ، فعلينا أن نفرق بين أن الصحابي ينقل لنا قصة النسخ وحكاية النسخ، وبين أن نقول إن حديث الصحابي ناسخ لحديث آخر، عرفتم؟ هذه مسألة ربما ما وجدت من نبه بهذا المنهج عليها، لكن أرى أنها تستحق الدراسة من طالب العلم، حتى يفرق بين الأمثلة التي يطرحها الأصوليون.
طيب، ننتقل بعد إذا فرغنا من القضايا الثلاث، أن القرآن ماذا ينسخه؟ عرفنا، السنة المتواترة ما الذي يُقبل النسخ بها؟ وما الذي لا يُقبل؟ حديث الآحاد جميل. الآن أقرأ كلام عبد المؤمن سريعاً، قال عبد المؤمن: يجوز نسخ القرآن والسنة المتواترة والآحاد بمثلها، وهذا مر معناه أن القرآن ينسخ قرآناً، والسنة المتواترة تنسخها سنة متواترة، وحديث آحاد ننسخه بحديث آحاد، هذا ما فيه مشكلة. والسنة بالقرآن، هل للسنة عند أهل السنة بالقرآن؟ طبعاً السنة هنا تشمل المتواتر والآحاد، فهل السنة المتواترة أو سنة الآحاد تُنسخ بالقرآن؟ بحثناها قبل قليل على السبورة، فقلنا السنة المتواترة ترتفع بالقرآن، وسنة الآحاد ترتفع بالقرآن، لكن تنبهوا لوجهة نظر الشافعي، تنبهوا لوجهة القرآن لا بد تعضده سنة حتى يكون ناسخاً للسنة، هذه وجهة نظر الشافعي.
إذاً والسنة بالقرآن، لا، هو بها، يعني العكس الذي هو أن القرآن هل ينسخ بالسنة؟ عند الحنابلة، ما وجهة نظرهم؟ لا، وجهة نظرهم أن القرآن لا تنسخه سنة متواترة، ويرى أن بالتالي كذلك القرآن لا تنسخه سنة الآحاد، ووجهة نظر أحمد بن حنبل ما هي؟ الآية القرآنية وليس لقضية التفاوت؛ لأن الآية تقول ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: 106] والسنة ليست بخير من القرآن ولا مثل القرآن، فبالتالي أي آية قرآنية تُنسخ، يجب أن يكون هناك قرآن هو ناسخ لها، فلذلك قال: لا، هو بها، في ظاهر كلامه، أي في ظاهر كلام الإمام أحمد، خلافاً لأبي الخطاب وبعض الشافعية في تجويز نسخ القرآن بالسنة. قال: فإما نسخ القرآن لاحظ ومتواتر السنة بالآحاد، كأنه لما قال نسخ القرآن بالآحاد كأنه قوله في الفقرة السابقة لا هو بها، الآن إذا قلنا لا هو بها يعني لا ينسخ القرآن بماذا؟ بالسنة.
طيب، رجع مرة ثانية يحكي أنه تكرار، فإما نسخ القرآن بالآحاد فجائز عقلاً وممتنع شرعاً، إذاً هكذا أنا بدي أحمل النص، لا هو بها يعني على أنه لا ينسخ القرآن بالسنة المتواترة، لأنه هنا نص على نسخ القرآن بالآحاد، فكأنه هناك كأنه قال لا هو بها، أي لا هو بماذا؟ يعني لا القرآن بالسنة المتواترة، وهذا يسمى عند البلاغيين استخداماً، أن يعود الضمير على السنة لكن يُراد بالسنة هنا معنى أضيق مما أُريد بها أولاً، يُراد بالسنة هنا المتواتر فقط، والذي على القول بالاستخدام أنه سينص على حكم نسخ القرآن بالآحاد جيد، فلا هو بها أي لا ينسخ القرآن بالمتواتر في ظاهر كلامه، فإما نسخ القرآن والمتواتر من السنة بالآحاد، فهذا من حيث العقل جائز وممتنع شرعاً، لقضية كما قلنا عند الحنابلة المتأخرين الذين ساروا على طريقة المتقدمين، على طريقة المتكلمين، أن الآحاد ظني والقرآن والسنة المتواترة قطعي، لكن هذا المنهج كما قلت لك منهج دخل على الأصوليين وعلى المذاهب الأربعة من مناهج المتكلمين، وليس هو المنهج الذي كان سائراً عند السلف، ما كانوا يفرقوا رحمة الله عليهم بين قضية قطعي أو ظني، إذا صح أخذ به بغض النظر قطعي أو ظني، لكن للأسف هذا منهج هو المستقر عند متأخري المذاهب جميعاً حقيقة، ليس فقط مذهب واحد.
إذاً فإما نسخ القرآن وتواتر السنة بالآحاد جائز عقلاً وممتنع شرعاً إلا عند بعض الظاهرية، وقيل يجوز في زمنه ﷺ، هذا رأي من؟ هذا رأي الغزالي، التي قلت لكم قبل قليل إن الغزالي في مسألة نسخ القرآن بالآحاد، وكذلك يضطرب في نسخ السنة بالآحاد، السنة المتواترة بالآحاد يجوز في عصر النبي عليه الصلاة والسلام يقول لعدم استقرار الحكم، وأما بعد النبي عليه الصلاة والسلام فليس للفقيه أن يحكم بأن آحاداً ينسخ متواتراً أو ينسخ قرآناً. طيب، وما ثبت الآن خلاص انتهينا من هذا المبحث، الآن بقي علينا آخر مسألتين أختم بهما اليوم إن شاء الله، قالوا ما ثبت بالقياس، إن كان منصوصاً على علته فكالنص ينسخ ويُنسخ به، وإلا فلا، الآن هي تقريباً المسألة الأخيرة، المسألة التي تليها، الآن أيها الأحبة قضية أن القياس هل يكون ناسخاً ومنسوخاً؟ الآن ماذا قال عبد المؤمن؟ يقول عبد المؤمن القياس أين ذهب القلم؟ يقول عبد المؤمن القياس إذا كان علته نص عليها الشارع فالقياس حينئذ يجوز أن يكون ناسخاً ومنسوخاً.
الآن هي مسألة فرضية في الحقيقة، ونفترضها وننظر، لو أن الشارع قال حرمت خمر العنب بأنه مسكر، هذا نص هنا من الشارع، نص عليه تحريم خمر العنب ونص على العلة ليش؟ لأنه مسكر، بالتالي أيها الأحبة إذا وُجد عندنا خمر تمر، إيش سيكون حكمه؟ خمر التمر ما نص الشارع على حكمه، لكن إيش حكمه بالقياس؟ التحريم، فنقول أيها الأحبة خمر التمر محرم قياساً على خمر العنب، والعلة في هذا القياس يقولون إنها منصوصة، لأن هل نحن عندما قال الشارع حرمت خمر العنب هل العلة بتحريم خمر العنب نحن استنبطناها استنباطاً بأذهاننا ولا الشارع هو الذي أخبرنا؟ فقال لنا حرمت خمر العنب لأنه مسكر، الشارع هو الذي أخبرنا مباشرة وأراحنا، أخبرنا مباشرة.
علة التحريم هي كونه مسكرًا، ثم نحن قسنا على خمر العنب خمر التمر بجامع وجود العلة. انظروا ماذا سيقول الأصوليون، يقولون: لو جاء عندنا نص جديد من الشارع، يقول فيه: «أحللت خمر الذرة المسكر»، هذه مسألة فرضية؛ لأنه لا بد من وجود مثال. نعتبر هذا النص هو الذي نزل أولًا، ثم جاء بعد ذلك النص رقم اثنين.
إذا جاء الشارع وقال: أحللت خمر الذرة المسكر، فبناءً على منهج عبد المؤمن رحمه الله وطائفة كبيرة من الحنابلة والأصوليين، يقولون: هذا النص رقم اثنين هو ناسخ للحكم الذي ثبت بالقياس، فبالتالي القياس هنا أصبح منسوخًا. والذي نسخه هو النص الجديد؛ لأن النص الجديد يقول: أحللت خمر الذرة المسكر، فأحلّه الشارع مع أنه مسكر. إذاً، هذا تنبيه من الشارع على إبطال علة الإسكار، أنها كانت ابتداءً علة مؤثرة في تحريم الأشياء، ثم الشارع بعد ذلك لم يردها علة مؤثرة.
بما أن الشارع أحل خمر الذرة المسكر، قالوا: إذاً هو ألغى أن تكون علة الإسكار علة مؤثرة في الأحكام، وبالتالي يكون مبطلًا لحكم القياس، فيكون القياس منسوخًا. فهنا إذا ثبت وجود قياس منسوخ، والقياس يقبل أن يكون منسوخًا بهذه الطريقة. الحكم الأول من الشارع: حرّمت خمر العنب لأنه مسكر، وينص على العلة، وهذا شرط الحنابلة أن تكون علة القياس منصوصة. ثم أقيس على خمر العنب خمر التمر، فأحرّمه قياسًا على خمر العنب، ثم بعد ذلك يأتي نص جديد من الشارع يقول: أحللت خمر الذرة المسكر، فهنا بما أن الشارع أحل خمر الذرة مع أنه مسكر، إذاً هو ينبهنا على أنه أبطل علة الإسكار التي كانت علة التحريم.
بما أنها ما عادت تسبب التحريم، إذاً ماذا سيحدث في خمر التمر؟ سيصبح حلالًا، فيكون إذاً النص الجديد «أحللت خمر الذرة المسكر» ناسخًا لتحريم خمر التمر الذي ثبت تحريمه بالقياس، فيكون القياس منسوخًا والنص ناسخًا. قد يسأل سائل: ألا ينسخ هذا النص الأول أيضًا؟ أنت قلت إن الشارع بهذا النص الجديد ينبه على أن علة الإسكار ما عادت علة مؤثرة، فإذن هو في الحقيقة ينسخ النص الأول أيضًا.
النقاش هنا دقيق: نحن أمام خمر العنب، وهو محرم؛ لماذا حرّمه؟ لأنه مسكر. قسنا عليه خمر التمر، فقلنا حرام لأنه مسكر. جاء نص جديد من الشارع يقول: أحللت خمر الذرة المسكر. هنا الشارع خص خمر الذرة بالإحلال، وإن كان مسكرًا. إذا رأيت أن الذرة هي مخصوصة بذاتها، فهذا لا يعتبر ناسخًا لخمر التمر ولا لخمر العنب؛ لأن خمر الذرة مقصود لذاته، فهذا أصلاً لا يتعارض مع النصوص السابقة. من رأى أن الذرة هي المؤثرة في الحكم لأنه ذرة وليس غيرها، قال: إذاً هو لا يؤثر في كل الأحكام السابقة. لكن من رأى أن العلة ليست خصوصية الذرة، بل إن الشارع حين قال: «أحللت خمر الذرة المسكر»، أراد أن ينبه على أن علة الإسكار لم تعد علة تؤثر في التحريم، فهذا هو محل النزاع.
أنا كنت دقيقًا في التعبير حين قلت: أراد الشارع أن ينبه بهذا على أن الإسكار لم يعد علة تؤثر في التحريم، وليس لخصوصية الذرة. وهو بهذا النص صراحة أبطل القياس كله؛ أبطل الأصل، وأبطل معه تبعًا الفرع، فهو في الحقيقة لم يبطل القياس فرعًا فقط، بل أبطل الأصل، ولما أبطل الأصل بطل معه تبعًا الفرع.
إذا قلنا إن إحلال خمر الذرة المسكر هو استثناء للذرة بحد ذاتها، فكلامك صح؛ لا نحتاج إلى نسخ، بل نقول: خمر الذرة مستثنى لخصوصيته، أما خمر العنب والتمر فيبقى التحريم فيهما لعلة الإسكار. هذه وجهة نظر جيدة، لكن أنا أفترض في هذه المسألة أن الشارع أراد أن ينبه على أن الإسكار لم يعد علة تصلح للتحريم، وليس هذا مختصًا بالذرة. فبما أن الإسكار لم يعد علة تصلح للتحريم، وهذا مراد الشارع، فإذاً تحريم خمر العنب أصبح أيضًا منسوخًا، وتبعًا لنسخ الأصل نُسخ الفرع وهو القياس. فلذلك عبارة عبد المؤمن أن القياس هنا يكون منسوخًا في الحقيقة؛ فالقياس إنما ينسخ تبعًا لنسخ أصله.
هل ممكن أن يُنسخ فقط الفرع وحده ولا يُنسخ الأصل؟ هناك صورة جدلية يمكن أن ندندن حولها، وهي أن نقول: إن الشارع قال حرّمت خمر العنب لأنه مسكر، فقسنا عليه خمر التمر، ثم بعد ذلك جاء نص يقول: حرّمت خمر الذرة المسكر، ولكن خمر العنب يبقى محرّمًا، لكن لا لعلة الإسكار. هنا في هذه الصورة الجدلية، نستطيع أن نقول: إن تحليل خمر الذرة المسكر ينسخ الفرع المقيس على خمر العنب، بشرط أن يخبرنا الشارع أن الأصل بقي حكمه ثابتًا، وإنما انتسخت العلة. أما إذا كان النص يقول بتحليل خمر الذرة المسكر ولم يقل بأن النص الأصلي بقي ثابتًا على حاله، فإن النص الثاني ينسخ الأصل وينسخ تبعًا معه الفرع.
أما الحالة المعاكسة: أن يكون القياس ناسخًا، فعندي ابتداءً إحلال خمر الذرة المسكر، ثم جاء تحريم خمر العنب لأنه مسكر، ثم قست على خمر العنب خمر التمر، فقلت: إذاً خمر التمر محرم قياسًا على خمر العنب.
ما هو الأصل المنزل الأول؟ تحريم خمر العنب لأنه مسكر. النص الذي نزل ثانياً تحريم خمر العنب لأنه مسكر، ثم قيست على تحريم خمر العنب تحريم خمر التمر بجامع الإسكار. الآن ماذا يقول عبد المؤمن؟ يقول عبد المؤمن يكون القياس -القياس يعني الحكم الذي نتج بالقياس وهو تحريم خمر التمر- ناسخاً للحكم الأول وهو تحليل خمر الذرة المسكر. في الحقيقة ماذا سأقول لعبد المؤمن؟ في الحقيقة هل الناسخ النص الأول هو الفرع الذي نتج بالقياس أم الأصل نفسه؟
في الحقيقة تستطيع أن تقول الاثنين، لكن ما هو الأصل والأقوى؟ في الحقيقة الذي نسخ تحليل خمر الذرة المسكر هو الأصل، تحريم خمر العنب لأنه مسكر؛ لأن هذا نص من الشارع وهذا نص من الشارع. فخمر التمر إنما حرمته قياساً على خمر العنب. هو ماذا يريد أن يقول عبد المؤمن؟ أنتم فاهمين أحياناً ربما بعض الفلسفات تحتاج إلى شيء من التدقيق، لذلك عبد المؤمن دقيق قال: لابد يكون القياس على علته، علته ليست مستنبطة. يقول لأن القياس الذي ينص على علته يكون الفرع كأنه نص من الشارع. إذا أنا عندي النص على علته، الشارع نص على العلة وهذه العلة موجودة قطعاً في الفرع، قال: فكأن الفرع إذا نص الشارع على حكم وإن لم يكن صرح بذلك، خمر العنب لأنه مسكر، وتوجد علة الإسكار في خمر التمر، فكأن الشارع قال: حرمت خمر التمر. فكأن هنا تحريم خمر التمر كأنه في منزلة النص، فبالتالي يقوى على أن يكون ناسخاً.
لكن نحن بدنا نكون أوسع أفقاً، أنه في الحقيقة أنا ليش خمر التمر هو الذي نسخ تحليل خمر الذرة؟ بما أن الأصل عندي موجود، بل أقول: تحريم خمر العنب هو الذي نسخ تحليل خمر الذرة، ما في داعي أقول إن القياس هو الذي نسخ، لكن لو قلت إن القياس هو الذي نسخ ما في مشكلة، بشرط أن تكون العلة منصوصة. أما إذا كانت العلة مستنبطة؟ لا، سيصبح القياس أضعف؛ يعني إذا الشارع قال خمر العنب وما عرفناش ليش، صرنا نستنبط باجتهادنا ووصلنا لعلة، الآن هذه العلة بالنهاية وصلت إلي أنا عن طريق الاجتهاد، معناها ممكن تكون صح وممكن تكون خطأ، لما نبني اجتهاد فهو ظني، فإذا كان الاجتهاد ظنياً إذاً معناه العلة ظنية، إذاً القياس الناتج ظني، وهل يستطيع القياس الظني أن يرفع نصاً قطعياً من الشارع؟ لا.
فلذلك قال عبد المؤمن: إذا كان القياس منصوصاً على علته؛ لأنه يريد أن يقول القياس إذا كان منصوصاً على علته أصبح في مرتبة النص القطعي فيستطيع أن يرفع النصوص. أما القياس إذا كانت علته بالاستنباط، إذاً العلة بالاستنباط إذاً العلة ظنية، إذاً الفرع الناتج فرع ظني، فكيف فرع قياس ظني اجتهادي يرفع نصاً ثابتاً عن الرب أو عن النبي صلى الله عليه وسلم؟ لا يجوز. أما إذا كانت العلة منصوصة صح فكأن القياس في حكم المنصوص، فبالتالي نجوز أن نقول إنه رفع حكم النص، وإن كان التحقيق أن نقول إن الأصل هو الذي رفع الحكم السابق وليس القياس. فإذاً على طريق عبد المؤمن يجوز أن يكون القياس ناسخاً، بناءً على التحليل الذي حللناه على السبورة يجوز أن يكون القياس ناسخاً ومنسوخاً، مع ملاحظة الاعتبارات والانتقادات التي يمكن أن توجه إلى هذا الموضوع.
وأخيراً قال: وقيل يجوز بما جاز به التخصيص. ما معنى هذا؟ يعني وهناك رأي وجاءه بصيغة التضعيف، وقيل هذه صيغة تضعيف، يعني يجوز أن يكون الناسخ كل ما يجوز به تخصيص العام، يجوز أن يكون ناسخاً للحكم الشرعي السابق. وفيما يظهر لي أنه يقصد بالمخصصات المنفصلة وليس المتصلة، فيريد أن يقول عبد المؤمن إن هناك من جوز أن يكون الناسخ كل ما يمكن به تخصيص العموم يمكن أن يكون ناسخاً للحكم المتقدم.
هل هذا الكلام صحيح؟ حتى تعرف لماذا عبد المؤمن ضعف هذا الرأي؛ من قبيل المخصصات التي درسناها سابقاً أيها الأحبة، ماذا درسنا أول نوع من المخصصات؟ درسنا الحس، بعدين درسنا العقل. هل الحس يقبل أن يكون ينسخ نصوص الشارع؟ لا طبعاً. هل العقل ينسخ نصوص الشارع؟ لا، مع أن العقل مخصص للعام، لكن لا يقبل أن يكون ناسخاً. فقول هذا القول إنه يجوز النسخ بكل ما جاز به التخصيص لا يقبل على إطلاقه؛ لأنه يجوز التخصيص بالحس ولا يجوز النسخ بالحس، يجوز التخصيص بالعقل ولا يجوز النسخ بالعقل، كذلك موضوع الإجماع، هذا الإجماع يكون ناسخاً؟ في الحقيقة الإجماع لا يكون ناسخاً، وإنما إذا كان ناسخاً يكون مستنده، فنقول هو أصلاً حتى بالتخصيص هو نص على أن المخصص ليس الإجماع، وإنما المخصص هو مستند الإجماع، فما عندي مشكلة في هذه القضية. لكن المهم الأشهر ما ينتقض به هذا التعميم أن كل ما يمكن أن يكون مخصصاً للعموم يمكن أن يكون ناسخاً للنصوص، أن هناك الحس والعقل مخصصات للعموم ولا يمكن أن تكون ناسخة للنصوص، فهذا لا يقبل على إطلاقه.
بالتالي أيها الأحبة نكون هكذا حصلنا ما يتعلق بمسائل النسخ عموماً. إن شاء الله في المحاضرة القادمة نبدأ بمحاضرة جديدة أو في مصدر جديد من مصادر التشريع وهو مصدر الإجماع، أطلنا عليكم سامحونا.
صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل