بسم الله الذي هلّ بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، أحمدُه سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين ومحجة للسالكين نبينا وحبيبنا وقرة عيننا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.
حياكم الله أيها الأحبة في مجلس جديد نعقده في شرح كتاب قواعد الأصول ومعاقد الفصول للإمام عبد المؤمن البغدادي رحمة الله تعالى، وقد انتهى بنا الحديث أيها الأحبة في المحاضرة السابقة إلى باب أو إلى الحديث عن مفهوم المخالفة بالتحديد. ومفهوم المخالفة جعله عبد المؤمن البغدادي أحد أقسام باب المفاهيم، عبد المؤمن البغدادي أولاً في دلالات الألفاظ تكلم عن المنطوق وتكلم عن ثم تكلم بعد ذلك عن المفهوم. ما معنى المفهوم أيها الأحبة؟ هم يقصدون بالمفاهيم -على إعادة الدرس الماضي ربما بعبارة أخرى، لكن هناك شيء من المراجعة- هناك أيها الأحبة أحكام شرعية تؤخذ من مفهوم اللفظ وليس من منطوقه.
ما معنى أن الحكم الشرعي أخذ من مفهوم اللفظ وليس من منطوقه؟ معنى هذه العبارة أيها الأحبة -وهذه عبارة ينبغي عليكم أن تفهموها وتستوعبوها تماماً حتى تدركوا الفرق بين الحكم الذي أخذ من منطوق اللفظ والحكم الذي أخذ بمفهوم اللفظ- الأحكام التي تؤخذ من مفهوم اللفظ هي الأحكام التي تؤخذ من المعاني التي تدل عليها النصوص الشرعية بدلالة الالتزام، هذه تسمى ايش؟ أحكام أخذت من المفهوم. نعيد ما هي الأحكام التي تسمى المفاهيم؟ هي الأحكام التي تؤخذ من المعاني التي تدل عليها النصوص الشرعية بدلالة ايش؟ الالتزام. وأما المعاني عفواً، وأما الأحكام التي تؤخذ من المعاني التي تدل عليها النصوص بدلالة المطابقة أو التضمن فهذه تسمى ايش؟ منطوق اللفظ.
إذا أنت حفظت هذه القاعدة بهذا المنهج سيحل لك كثير من الاشكال في عبارات المتقدمين، لأن المتقدمين لا يعبرون بهذه الطريقة التي يعبر بها لك الآن، هم يعبرون بعبارتهم الفخمة التي يدركها أهل عصرهم، أنا أُحاول أن أوظف علم المنطق في فهم كلامهم، هذه محاولة لتوظيف علم المنطق في فهم ما يريدون. حينما يقولون حكم أخذ من المفهوم ويقابل الحكم أخذ من المنطوق، ما معنى أن هذا الحكم أخذ من المفهوم وما معنى أن هذا الحكم أخذ من ايش؟ المنطوق؟ إذا كان الحكم أخذ من المعاني التي يدل عليها النص بدلالة الالتزام نسمي هذا الحكم أخذ من المفهوم، وإذا أخذ الحكم من المعاني التي يدل عليها النص بدلالة المطابقة وأدخل معها دلالة التضمن نقول هذا الحكم أخذ من المنطوق. هذا معنى العبارة المفهوم والمنطوق بهذه الصورة، لأن العبارة عند كثير من الطلبة أيضاً مشوشة، هو لا يدرك ايش يعني منطوق، طب ايش يعني مفهوم؟ طب يا شيخ ما هو كله مفهوم!
لا، هم يريدون مصطلح معين، كلمة مفهوم يريدون بها مصطلح معين، أحكام أخذت من المعاني التي يدل عليها اللفظ بدلالة الالتزام، وهذا من توظيف قواعد علم المنطق التي درسناها سابقاً في فهم كلام الأصوليين: المطابقة والتضمن والالتزام، هذه سبقت دراستها في فهم المنطق. جميل، الآن بعد أن أخذت تعريف المفهوم -أحكام أخذت من المعاني التي يدل عليها النص بدلالة الالتزام- أقول لك عبد المؤمن البغدادي قسم هذه المفاهيم إلى كم نوع؟ على طريقة عبد المؤمن التي تبع فيها ابن قدامة وابن قدامة ابن أبي الغزالی، قسموا المفاهيم إلى أربعة: المفهوم الأول دلالة الاقتضاء، ثم أخذنا دلالة الإشارة، ثم أخذنا مفهوم الموافقة، ثم أخذنا مفهوم المخالفة.
وقلنا في الحقيقة بالنسبة لدلالة الاقتضاء، هل فعلاً دلالة الاقتضاء من قبيل المفاهيم؟ هل الحكم الذي يؤخذ من خلال هذه الطريقة حكم أخذ من معنى يدل عليه النص بدلالة الالتزام، أو دلالة الاقتضاء من قبيل المنطوق؟ لأن المعنى الذي يدل عليه اللفظ بالمطابقة لم يكتمل إلا بعد تقدير اللفظ المحذوف، هكذا تكون النظرة، وإلا إذا ذهبت إليه -يعني هو أميله ما يميله شخصياً، أميل ولا أرجح؛ لأن الترجيح هذا دأب الجهابذة الكبار- وإنما أميل إلى أن دلالة الاقتضاء من قبيل المنطوق، لأن دلالة اللفظ على معنى بدلالة المطابقة لم تكتمل إلا بعد تقدير المحذوف، فبالتالي دلالة الاقتضاء تكون من قبيل المنطوق وليس من قبيل المفهوم؛ لأنها من قبيل دلالة المطابقة للنص، ودلالة المطابقة للنص لم تكتمل إلا بعد تقدير المحذوف.
أما بالنسبة لدلالة الإشارة ففي الحقيقة نعم هناك تتجاذبها الآراء، وقد يكون جعلها من المفاهيم هو الأقرب؛ لأن الحكم في النهاية الذي أخذ من النص ليس لم يوضع النص أو اللفظ لا يدل عليه بالمطابقة وإنما يدل عليه بدلالة الالتزام، ومثلنا بقوله تعالى: وعمره خمسة وثلاثون شهراً. بالنسبة لدلالة الإشارة ثم مفهوم الموافقة ثم بعد ذلك إلى مفهوم المخالفة، ومفهوم الموافقة والمخالفة هذه فعلاً من قبيل المفاهيم لا اشكال في وضوح هذه المسألة، أن مفهوم الموافقة هو قبول المفاهيم وأن مفهوم المخالفة أيضاً من قبيل المفاهيم.
عرف مفهوم الموافقة حتى الآن يستهلكنا الوقت ثم انتقلنا لمفهوم المخالفة، فقلنا ما هو مفهوم المخالفة أيها الأحبة؟ ما هو مفهوم المخالفة؟ مفهوم المخالفة هو الحكم الذي يدل عليه اللفظ -يعني هذا تعبير آخر ربما في المحاضرة السابقة ذكرت وأنا أذكر لك الآن تعابير أنه كلما عبر عن المسألة الواحدة بصور أخرى من التعابير كلما اتضحت ورسخت في ذهن الطالب، أحياناً -يعني هذي فائدة على الهامش- أحياناً مشكلة الطالب مع المصطلح الأصولي أنه يعتمد طريقة واحدة في التعبير عنه، وهذه الطريقة في التعبير التي اعتمدها لا تكن واضحة بالنسبة لديه أصلاً، لا تكن واضحة بالنسبة لديك، في الحقيقة ننبه الطالب وأوجهه أنك لا تقف مع الألفاظ بقدر وقوفك مع المعاني، أصول الفقه علم فهم ووعي أكثر من أنك تقف مع لفظة جامدة تجمد عليها أنه هكذا قال الإمام الرازي، هكذا قال الغزالي خلص أعبر بطريقتي، لا أنت افهم فحوى كلام الغزالي ثم عبر بطريقتك التي تفهمها وتوصل بها الأفكار إلى الآخرين.
أما كثير من الطلبة للأسف بل حتى كثير من الأصوليين المتأخرين حينما جمدوا على عبارة الغزالي والجويني أو غيرهم وهم لم يسبقوها بعبارة توصل الفكرة بشكل واضح لديهم ولغيرهم، أثر هذا على فهمهم للمسائل، فأنا أُحاول أن أطرح المسألة الواحدة بأكثر من طريقة تعبير، خذ هذا وخذ هذا وخذ هذا، المهم أن الفكرة ترسخ وتتضح لديك. فالآن يكون مفهوم المخالفة أيها الأحبة هو الحكم الذي يدل عليه اللفظ بدلالة الالتزام ويكون مخالفا للحكم الذي يدل عليه اللفظ بدلالة المطابقة، تستطيع أن تعبر بهذه الطريقة السهلة أنه ايش ما هو مفهوم المخالفة؟ مفهوم المخالفة حكم يدل عليه اللفظ بأي دلالة؟ نعم، بالتزام، ويكون مخالفا للحكم الذي يدل عليه اللفظ بدلالة المطابقة، هكذا يتضح أمره بإذن الله.
جميل، هذا هو مفهوم المخالفة: أن أخذ من نص حكم لكن أخته منه عن طريق دلالة الالتزام ويكون هذا الحكم المأخوذ بدلالة الالتزام مخالف تماماً للحكم الذي يؤخذ من اللفظ بدلالة المطابقة. جميل، الآن يأتي السؤال بعد أن عرضنا تعريف مفهوم المخالفة يأتي السؤال بقوة: متى يدل اللفظ على حكم بدلالة التزام ويكون مخالفا للحكم الذي يدل عليه اللفظ بدلالة المطابقة؟ ليس هذا سؤال منطقي، أنه الآن هل كل الألفاظ العربية تدل بدلالة الالتزام على حكم مخالف لما يدل عليه اللفظ بدلالة المطابقة؟
هذا هو السؤال: متى يدل اللفظ على حكم بدلالة الالتزام بحيث يكون هذا الحكم مخالفا للحكم الذي يدل عليه اللفظ بالمطابقة أصلاً؟ هل هذه المسألة ثابتة؟ هل فعلاً العرب من عادتهم إذا تكلموا بألفاظ وبجمل وأصدروا أحكام من خلال هذه الجمل يجعلون هذه الجمل تدل بدلالة الالتزام على حكم مخالف للحكم الذي يدل عليه هذه الجمل بدلالة المطابقة؟ هل هذا أصل من أساليب العرب في كلامها؟ الجمهور يقولون نعم، جمهور الأصوليين يقولون.. طبعا هذه مسألة في النهاية في الحقيقة يرجع اليها للغويين، الأصوليون حينما يبحثون في هذه المسألة يبحثون عنها على أنهم لغويون، فيقول الأصوليون: باستقراء كلام العرب، باستقراء كلام العرب وجدنا -هكذا هذه إجابة السؤال السابق متى يدل لفظ الحكم دلالة التزام ويكون مخالفا للحكم الذي يدل عليه بالمطابقة، هذا إجابته- نقول استنبط الأصوليون من خلال الاستقراء قاعدة، وهي أن العرب من عادتها إذا خصت الشيء بالذكر وأثبتت له حكم فإنهم يريدون بذلك نفي الحكم عما عدا هذا الشيء المذكور.
أعيد: استنبط الأصوليون من خلال الاستقراء لكلام العرب أنه من عادتهم إذا خص الشيء بالذكر وأثبتت له حكم فإن هذا يدل -اكتب بين قوسين: بدلالة الالتزام- فان هذا يدل بدلالة الالتزام على إرادة نفي الحكم عما عدا هذا الشيء. موضع العبارة ولا في إشكال، واضح العبارة؟ تمام، لكن هذا الاستقراء ثبت أيها الأحبة هل ثبت في كل أساليب العرب؟ لا، أكملوا الآن العبارة: لكن هذا الاستقراء أثبت هذه القاعدة في أساليب عربية محددة وليس في كل الكلام العربي.
طيب، ما هي الأساليب العربية التي ثبتت فيها هذه القاعدة، وهي قاعدة ايش؟ أن تخصيص الشيء بالذكر واثبات الحكم له يدل بدلالة الالتزام على نفي الحكم عما عداه. هل هذا في كل الكلام العربي؟ لا، في أساليب عربية محددة وجد فيها هذه القاعدة وهي التي سنتعلمها اليوم: أسلوب الشرط، أسلوب التخصيص، أسلوب العدد، ليس في كل الأساليب العربية. وهناك أساليب اختلف هل فعلاً هذه القاعدة تطبق فيها ولا لا تطبق فيها؟ مثل أسلوب ايش؟ اللقب، مفهوم اللقب.
جميل، فعليك أن تكتب إذا نعيد نعيد حتى الطالب تنسخ عنده الفكرة: استنبط العلماء من خلال الاستقراء أن من عادة العرب أنها إذا خصت الشيء بالذكر وأثبتت له حكم، فإن هذا التخصيص يدل بدلالة الالتزام على إرادة نفي الحكم عما عداه، لكن هل أثبتت هذه القاعدة؟ ثبت في أساليب عربية معينة وليس في كل الكلام العربي، وليس في أي شيء ذكر وأثبت له يدل بدلالة التزام، لا، ثبت في أساليب معينة هي التي سينص عليها عبد المؤمن البغدادي اليوم وسنتحدث عنها. لكن جميلة هذه القاعدة ولو عرفنا أنها توجد في أساليب عربية معينة سنتكلم عنها.
لكن في نهاية المحاضرة السابقة ذكرت لكم بأن هذا الاستقراء وهذه القاعدة التي ثبتت يوجد لها شرط تذكرونه أخذها في نهاية المحاضرة السابقة حتى تطبق هذه القاعدة. قال العلماء -لاحظوا ذكرت قاعدة وأنها ثابتة في أساليب عربية معينة- لكن الآن سنذكر شرط لتطبيق هذه القاعدة، وشرط تطبيق هذه القاعدة في هذه الأساليب العربية المعينة وشرط تطبيق هذه القاعدة -قاعدة ايش؟ شرط تطبيق هذه القاعدة في هذه الأساليب المعينة التي سنذكرها- ما هو؟ ألا تظهر فائدة من تخصيص الشيء بالذكر سوى فائدة واحدة، وهي إرادة نفي الحكم عما عداه. فمتى ظهرت فائدة من تخصيص الشيء بالذكر سوى هذه الفائدة لم تعتبر هذه القاعدة، ولم يكن تخصيص الشيء بالذكر يدل بدلالة الالتزام على إرادة نفي الحكم عما عداه.
هذا شرط تطبيق هذه القاعدة في الأساليب التي سنتعلمها اليوم، ما هو الشرط؟ ألا تظهر فائدة من تخصيص الشيء بالذكر سوى إرادة نفي الحكم عما عداه. فإن ظهرت أي فائدة أخرى سوى هذه الفائدة فان هذه القاعدة لا تطبق، وبالتالي يقولون مفهوم المخالفة هو من أضعف دلالات الالتزام بالألفاظ، لأننا لا نذهب إليه حتى نتاكد من عدم وجود فائدة أخرى من تخصيص الشيء بالذكر.
وتكون في نهاية المحاضرة الماضية ذكرت لكم فوائد عديدة تتعلق بتخصيص الشيء بالذكر، من يتذكر هذا الكلام؟ نعم: أن يخصص الشيء بالذكر لأن المنة فيه أكثر، أن يخصص الشيء بالذكر لأنه هو الذي سئل عنه، أن يخصص الشيء بالذكر لأن الواقع والحادثة التي حدثت به، أن يخصص الشيء بالذكر لأنه هو الأغلب في الورود، اليس كذلك؟ لأنه هو الأغلب في الورود ومثلنا: واللاتي في حُجُوركم من نسائكم. هناك أسباب فوائد عديدة من تخصيص الشيء بالذكر سوى فائدة إرادة نفي الحكم عما عداه، فمتى ظهرت لنا فائدة أخرى نتبعها، فإن لم تظهر فائدة سوى هذه الفائدة وهي إرادة نفي الحكم عما عداه حينئذ نتبعها.
الان قمنا بإعادة هيكلة مفهوم المخالفة من حيث التعريف، ومن حيث إثبات هذه القاعدة، ومن حيث أن هذه القاعدة في أساليب عربية معينة، عرفنا شروط هذه القاعدة، إذا بقي علينا اليوم أن نتحدث عن هذه الأساليب العربية. إذاً بقي علينا أن نتحدث عن هذه الأساليب العربية المحددة التي يطبق فيها مفهوم المخالفة، والتي ثبت فيها بالاستقراء تلك القاعدة، ما هي هذه الأساليب؟
طبعاً قبل أن ندخل في هذه الأساليب -آه ما أدري ذكرت ولا ما ذكرت، إذا نسيت أنه ابتداءً- الجمهور هم الذين يثبتون هذه القاعدة أن تخصيص الشيء بالذكر يدل بدلالة الالتزام عليه في الحكم عما عداه في الأساليب. أما الحنفية فلا يثبتونها، لذلك قال عبد المؤمن: خلافا لأبي حنيفة. مذهب الحنفية لا يعتبر أبدا مفهوم المخالفة، ولا يؤمن بالقاعدة التي توصل إليها، وهي أن تخصيص الشيء بالذكر يدل على إرادة نفي الحكم عما عداه. هذه الحنفية لا يؤمنون بهذه النتيجة التي توصل إليها، ويقولون: لا، تخصيص الشيء بالذكر هو فقط يثبت الحكم لهذا الشيء، واما ما عداه فهو مسكوت عنه، فهو مسكوت عنه. ما عدا الشيء المذكور ما حكمه؟ عند الحنفية يقولون مسكوت عنه، نحتاج إلى دليل آخر يدل على حكمه، ولا نؤمن بتلك القاعدة التي وصلتم إليها بطريق الاستقراء؛ لأنها بالنهاية الاستقراء، طبعاً في النهاية هذا استقراء ناقص استقراء الجمهور، يعني الوصول أصلاً للاستقراء اتهام هذا الشيء.
معقد جداً، فأغلب الاستقراءات التي تبنى عليها القواعد الأصولية واللغوية والنحوية والكيميائية كلها لديها استقراءات ناقصة، والاستقراء الناقص في النهاية هو ظن الدلالة وليس قطع الدلالة؛ بالتالي يقبل النقاش ويقبل الخلاف، بشرط أن يكون الخلاف مبنياً على استقراء مقابل وعلى تنظيرات واضحة وقوية ترد ذاك الاستقراء الناقص.
أما مجرد هكذا أن نرد الاستقراء الناقص لأنه ناقص، ليس بأسلوب علمي في النقاش، لكن الحنفية لهم أدلتهم، لهم مناقشاتهم الطويلة في المطولات، ولا يهمني الآن تقرير الخلاف بينهم واستدل بهذا وكيف رد هؤلاء، لكن أريدك أن تعرف أن الحنفية لم يقبلوا النتيجة التي توصل إليها الجمهور.
جميل، الآن قال عبد المؤمن البغدادي هنا: وقفنا في المحاضرة الماضية حين ودرجاته ست. ما معنى درجاته ست؟ يعني مفهوم المخالفة له درجات، الدرجات هي الأساليب المعينة التي ثبت فيها مفهوم المخالفة. أنا قلت لكم قبل قليل: مفهوم المخالفة ليس في كل الكلام العربي، بل في أساليب عربية محددة، ولم يثبت في كل الكلام، ما هي هذه الأساليب؟ هي التي سيتحدث عنها، وهي التي عبر عنها بالدرجات.
لكن لماذا عبر بالدرجات برأيكم؟ لأنه في الحقيقة مفاهيم مفهوم المخالفة من حيث القوة هذه الأساليب العربية التي ثبت فيها مفهوم المخالفة، الأصوليون لهم فيها تقسيم من حيث القوة؛ يقولون مثلاً: مفهوم الغاية هذا أقوى الأساليب التي ثبتت فيها قاعدة مفهوم المخالفة، ثم يأتي بعده مفاهيم الصفة، ثم كذا، ثم كذا، فهي مرتبة على درجات، لذلك لم يسمها عبد المؤمن أساليب، وإنما سماها درجات؛ لأن قوة هذه الأساليب يعني قوة استعمال مفهوم المخالفة في هذه الأساليب متباينة.
فهي في مفهوم الغاية، هذا أقوى مفهوم ثبت فيه اعتبار مفهوم المخالفة، ثم بعد ذلك تأتي درجات تنزل رويداً رويداً، لذلك عبر عنها بالدرجات.
طيب نبدأ، ما هي هذه الأساليب أو الدرجات التي ثبت فيها مفهوم المخالفة؟ قال عبد المؤمن: طبعا هناك تباين في كتب الأصوليين في ذكر هذه الأساليب، في ما هو مثبت، ما هو ليس مثبت، في ذكر الخلاف الواقع فيها، لا أريد أن أقحم نفسي الآن في خلافات، نريد أن نضبط أصل المسألة، نعرف بشكل عام، بشكل عام، ما هي الأساليب التي ثبتت فيها قاعدة مفهوم المخالفة؟
أولاً: قال مفهوم الغاية، أحداها، أولاً: مفهوم الغاية بأدوات الغاية، مثل: إلى وحتى، كقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُوا الصِّيَامَ إِلَى...﴾.
ما معنى مفهوم الغاية؟ هذا أول نوع من أنواع مفاهيم المخالفة. نقول: سأطبق أسلوباً معيناً في التعريف، أطبقه على جميع الأساليب وعلى جميع الدرجات التي سيذكرها. نقول: مفهوم الغاية المراد به أن اللفظ يدل بدلالة المطابقة على ثبوت الحكم الشرعي إلى الغاية، ويدل بدلالة الالتزام على ثبوت نقيض الحكم بعد الغاية، هذا معنى مفهوم الغاية.
أنا بالنهاية أستوحي تعريفه من تعريف مفهوم المخالفة، إحنا عرضنا تعريف المخالفة، الآن من خلال تعريف مفهوم المخالفة سأطبق هذا التعريف على كل الدرجات الست. مفهوم الغاية، نقول: اللفظ يدل بدلالة المطابقة على ثبوت الحكم إلى الغاية، ونفس اللفظ يدل بدلالة الالتزام على ثبوت نقيض الحكم بعد الغاية.
نطبق على الآية، قال تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: 187]. يلا، ما هي دلالة المطابقة للآية؟ دلالة المطابقة يعني المعنى الذي وضع له النص. دلالة المطابقة لهذه الآية: وجوب إتمام الصيام إلى الليل إلى مغيب الشمس. ممتاز.
طيب، هذا اللفظ يدل بدلالة الالتزام على نقيض الحكم الذي يدل عليه في دلالة المطابقة؟ يدل بدلالة الالتزام على إثبات نقيض الحكم بعد ايش؟ بعد الغاية، فنقول: وأتموا الصيام إلى الليل يدل بدلالة الالتزام على أنه لا صيام بعد الغاية بعد غروب الشمس، بعد مجيء الليل، فأعطانا هذا الحكم، وهو ايش؟ بطلان الصيام بعد الغاية، يعني بعد الليل بعد مغيب الشمس.
فإذاً، بدلالة المطابقة وجوب إتمام الصيام إلى الليل، بدلالة المفهوم المخالفة، مفهوم الغاية بالتحديد يدل على نقيض الحكم بعد الغاية، وهو عدم صحة الصيام في الليل.
طيب، قال: وأنكره بعض منكري المفهوم. أنا في النهاية، أي، أكيد بالطبع، أي مفهوم مخالفة هنا من هذه الدرجات الست وقع في نقاش، لذلك أنا لن أركز كثيراً على قوله: وأنكره بعض منكري المفهوم، لا نركز كثيراً على هذه العبارات؛ لأنه ما من درجة من هذه الدرجات إلا وقع فيها خلاف، طبعا الحنفية هم أصلاً يخالفون في كل هذه الدرجات.
الجمهور الآن، هل الجمهور الذين يثبتون قاعدة مفهوم المخالفة متفقون على هذه الدرجات؟ لا، البعض يثبت مفهوم المخالفة في أساليب واحد اثنين ثلاث، والبعض يقول لا، أنا أثبت قاعدة مفهوم المخالفة في أساليب كذا وكذا وكذا؛ فالجمهور الذين يقرون بالمفهوم هم لا يتفقون على إثبات مفهوم المخالفة في جميع هذه الدرجات، البعض ينكرها بأسلوب، والبعض ينكرها بأسلوب آخر. بعض مفهوم المخالفة ثبت عندي في كذا وكذا وكذا من الأساليب، ويأتي آخر من الجمهور يقول: لا، أنا ثبت عندي في كذا وكذا وكذا من الأساليب، فهم يتفقون في القاعدة العامة جملة، ولكن في الأساليب المعينة يوجد هناك شيء من الخلاف.
إذا عرفنا مفهوم الغاية، طيب، ننتقل إلى الثاني، مفهوم الشرط، ننتقل إلى مفهوم الشرط. قال تعالى: ﴿وَإِن كُنَّاتِ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ [الطلاق: 6]. ما معنى مفهوم الشرط؟ بنفس الأسلوب السابق، نقول: مفهوم الشرط، اللفظ يدل بدلالة المطابقة على ثبوت الحكم عند وجود الشرط، ويدل بدلالة الالتزام على ثبوت نقيض الحكم عند انتفاء الشرط.
أعيد سريعاً: مفهوم الشرط، طبعا الشرط هنا مراد به الشرط اللغوي اللي هو أسلوب الشرط اللغوي بإن أو إحدى أخواتها، مفهوم الشرط يكون اللفظ يدل بدلالة المطابقة على ثبوت الحكم عند وجود الشرط، ويدل بدلالة الالتزام على ثبوت نقيض الحكم عند انتفاء الشرط.
نطبق، قال تعالى: ﴿وَإِن كُنَّاتِ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾. يلا، ما دلالة المطابقة لهذه الآية؟ لهذا النص؟ دلالة المطابقة نقول: النص، اللفظ يدل بدلالة المطابقة على وجوب النفقة على المطلقة إن كانت حامل، وسكت، صح؟ هذا دلالة المطابقة: أنفقوا عليهن إن كن أولات حمل، وجوب الإنفاق على المطلقة إن كانت حامل، هذه دلالة المطابقة.
ويدل اللفظ بدلالة الالتزام على ايش؟ على عدم وجوب النفقة على المطلقة إن كانت غير حامل، صح؟ ويدل بدلالة الالتزام على عدم وجوب النفقة على المطلقة في حالة انتفاء الشرط، يعني إذا لم تكن حامل. وهكذا تطبق في جميع المفاهيم.
نذهب إلى المفهوم الثالث، مفهوم التخصيص. أولاً: ما هو مفهوم التخصيص؟ قال: لا، طبعا هو الأفضل كلامكم بعد ذلك أعود إلى تعريفه من التخصيص. فمفهوم التخصيص الآن هنا في مشكلة، هي في الحقيقة ستأتي معنا أنه في الثالث والرابع، أن الثالث والرابع عدهما عبد المؤمن البغدادي نوعين، وفي الحقيقة الجمهور يجعلونهما نوعاً واحداً، النوع الثالث والنوع الرابع، لكن عبد المؤمن جعل ثالث نوع، وجعل الرابع نوعاً آخر مع أنهما متقاربان في المفهوم في الحقيقة.
قال: مفهوم التخصيص باختصار ما هو؟ أن يأتي لفظ عام، ثم هذا العام خصص بصفة، أن يأتي عندي في الجملة لفظ عام، وهذا العام خص بصفة مذكورة عقبه بعده؛ يعني باختصار علق الحكم على عام موصوف بصفة.
هذا هو يعني مدخل ما معنى مفهوم التخصيص؟ عبد المؤمن البغدادي يعني جعل له مفهوماً معيناً، مفهوم التخصيص باختصار أيها الأحبة يكون النص عندي عندي حكم معلق على ماذا؟ على عام موصوف بصفة، حكم علق على لفظ عام لكن ما ضل عاماً، لا، حكم علق على عام موصوف بصفة.
لذلك قال: هو أن تذكر صفة الاسم العام، يعني بعد الاسم العام، في معرض الإثبات والبيان، ما معنى في معرض الإثبات؟ يعني إثبات لحكم شرعي في معرض الإثبات والبيان لحكمه الشرعي؛ فهو معنى ما أذكره لكم أن مفهوم التخصيص عند عبد المؤمن البغدادي هو أن تعلق الحكم في النص على لفظ عام مخصص بصفة وردت عقيبه، أي بعده.
جميل، هذا ما معنى مفهوم التخصيص؟ ماذا يريد بالتخصيص؟ تعليق الحكم على عام موصوف بصفة. لكن تعريفه الآن بالطريقة التي عرفنا بها مفهوم الشرط ومفهوم الغاية، أن نقول: مفهوم التخصيص، اللفظ يدل بدلالة المطابقة على ثبوت الحكم للعام المخصوص، ويدل بدلالة الالتزام على ثبوت نقيض الحكم في خلاف صورة العام المخصوص.
أعيد بنفس الطريقة السابقة: اللفظ يدل بدلالة المطابقة على ثبوت الحكم للعام المخصوص، ونفس اللفظ يدل بدلالة الالتزام على إثبات نقيض الحكم في غير هذا العام المخصوص.
طب، ايش المثال الذي بين أيدينا؟ في الحقيقة سنعدل على المثال. قال: كقوله صلى الله عليه وسلم، انظروا ايش قال عبد المؤمن في المثال؟ في سائمة الغنم زكاة. الحديث الذي اختاره: في سائمة الغنم زكاة. لكن الحديث الذي اعتمده الطوفي العكس: في الغنم السائمة زكاة. ليه أيها الأحبة؟ الآن في سائمة الغنم زكاة، أيهما جاء سابقاً؟ الوصف ولا العام؟ في النص الذي أثبته عبد المؤمن البغدادي: في سائمة الغنم زكاة، أنت يا عبد المؤمن تقول: مفهوم التخصيص أن يأتي عام ثم بعد ذلك يأتي عقيبه صفة تخصصه.
الآن النص الذي أتيت به في الحقيقة أنت عكست، أنت أتيت أولاً بالوصف ثم أجبته إلى اللفظ العام، صحيح؟ أنت أتيت أولاً بالوصف ثم أجبته إلى اللفظ العام، نحن لا نريد هذه الصورة، نريد الصورة المعاكسة: أن يأتي اللفظ العام ثم يأتي بعده الوصف، لذلك الطوفي رحمة الله عليه ذكر الحديث بالصورة التي أقولها لكم: في الغنم السائمة زكاة.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: في الغنم السائمة زكاة. طبعا هل صحت في سائمة الغنم زكاة؟ طب الشيخ، تعتبر من قيمة المفاهيم أنا شايفها متقاربة. أقول: صحيح هي تعتبر، لكن أنا لا أريدك أن تطبق على سائمة الغنم زكاة؛ لأنها مخالفة للتعريف الذي عرف به عبد المؤمن مفهوم التخصيص، وإن كانت في النهاية ينطبق عليها مفهوم المخالفة أيضاً. ينطبق عليها مفهوم المخالفة أيضاً، لكنها أنا فقط لماذا غيرت؟ لأنها لا تتطابق مع تعريف مفهوم التخصيص الذي مشى عليه عبد المؤمن، وهي أن يذكر العام ثم يذكر بعده الوصف.
إذاً، قال صلى الله عليه وسلم: في الغنم السائمة زكاة. أين اللفظ العام؟ الغنم الاستغراقية دخلت على جمع، أليس كذلك؟ أو قل على اسم جمع ممتاز. فإذاً، أل الاستغراقية دخلت على اسم جمع، ممتاز؛ فإذاً لفظة الغنم من صيغ العموم، ثم بعد ذلك هذا العام خص بوصفه، فقال صلى الله عليه وسلم: في الغنم السائمة، فالسائمة هذا الوصف خصص ذاك العموم، وهو من التخصيص بالمتصل.
عبد المؤمن، كما قلنا سابقاً في التخصيص المتصل، لم يتطرق إلا للاستثناء، وهو أصلاً لا يرى أن الاستثناء من قبيل المخصصات أصالة، لما سبق وأنه يراه قيداً متصلاً وليس إخراجاً إلى آخر ما تقدم ذكره. لكن في الحقيقة الجمهور يعتبرون النعت من قبيل المخصصات المتصلة. لا يهمني الآن تقرير هذه القاعدة، أنه جاء لفظ عام ثم جاء بعده وصف.
الآن نقول، نطبق في الغنم السائمة زكاة، نقول: هذا النص يدل بدلالة المطابقة على ماذا؟ بدلالة المطابقة على ثبوت وجوب الزكاة في الغنم السائمة، وهي تدل بدلالة الالتزام على انتفاء الزكاة في ماذا؟ فيما سوى الغنم السائمة، أي في الغنم المعلوفة، فيما سوى العام الذي خصص بهذا الوصف.
لا تدل، ترى هي مسألة دقيقة، هو لا يدل بدلالة الالتزام على نفي الزكاة فيما سوى الغنم كله، لا، مفهوم المخالفة هنا دقيق، هو يدل بدلالة الالتزام على ثبوت عدم وجوب الزكاة في الغنم غير السائمة، وليس على عدم وجوب الزكاة في غير الغنم مطلقاً، وإلا كانت إذن كل الأموال الزكوية ما فيها زكاة، صحيح؟ إذاً هو يدل بدلالة الالتزام على عدم وجوب الزكاة في الغنم غير السائمة اللي هي الغنم المعلوفة، جميل، وليس على عدم وجوب الزكاة في كل ما سوى الغنم، ليس هذا مفهوم المخالفة؛ لأنك إذا قلت إنه يدل بدلالة الالتزام على عدم وجوب الزكاة في كل ما سوى الغنم المعلوفة، ربما يفهم الفهم يعني أنه فقط الزكاة في الغنم السائمة، وغير هيك من الأموال ما فيش فيها زكاة، لا، المراد أنه تدل بدلالة الالتزام على أنه الغنم غير السائمة ما فيها زكاة، فكل الحوار والنقاش دائر بين الغنم السائب والغير سائب فقط. جميل؟
طيب، قال: وهو حجة أيضاً. قال: وهو حجة. قال: ومثله، الآن جعل، يعني أدخل في مفهوم التخصيص قسماً آخر، قال عبد المؤمن: ومثله، أي مثل مفهوم التخصيص، أن يثبت الحكم في أحد فينتفي في الآخر.
آه، هنا أيها الأحبة أنا ساقول لكم قضية، هناك رشح عبد المؤمن البغدادي قال: ومثله أن يتبع مفهوم التخصيص يلحق به أن يثبت الحكم في أحد فينتفي في الآخر. ما معنى أن يثبت الحكم في أحد فينتفي في الآخر؟
هذا في الحقيقة نوع البعض يجعله نوعاً مستقلاً من أنواع مفاهيم المخالفة ويسمونه مفهوم التقسيم، هذا نوع عبد المؤمن ألحقه بمفهوم التخصيص، لكن في الحقيقة هناك من يجعله نوعاً مستقلاً من أنواع مفهوم المخالفة، ويسمونه مفهوم ايش؟
ما معنى مفهوم التقسيم؟ قالوا: وهو أن يأتي النص بوصفين ويخص كل وصف بحكم، ها، أعيد، ما معنى مفهوم التقسيم؟ هذا توضيح عبارة عبد المؤمن؛ لأن فيها اختصار، مفهوم التقسيم الذي جعله عبد المؤمن هو أن يأتي النص بوصفين ويثبت لكل وصف حكم خاص به، فيدل هذا بمفهومه على انتفاء ذلك الحكم عن الوصف الآخر. جميل؟ إذاً أن يأتي النص بوصفين ويثبت لكل وصف حكم خاص به، فيدل هذا التقسيم، لاحظوا كيف قسمت أنت أتيت.
وكل وصف أعطيته حكماً يختلف عن الحكم الذي أعطيته للوصف الآخر، فهذا يدل بمفهومه على انتفاء الحكم عن الآخر. ما معنى هذا الكلام؟ السبورة سريعة الآن. ماذا؟ النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «الأيم أحق بنفسها من وليها، والبكر يستأذن». هنا لا تبحث عن لفظ عام جاء عقيبه بوصف خصصه، فهذه قضية مستقلة. لذلك أنا أفضل أن تجعل هذا نوعاً مستقلاً، ولكن حكم مفهوم التخصيص حتى لا يختلط عليك الباب.
مفهوم التخصيص عند عبد المؤمن عام ذكر بعده وصف. أما مفهوم التقسيم كما قلنا أن يأتي النص بوصفين، أين الوصف الأول؟ الأيم وأما الوصف الثاني البكر، ويثبت لكل وصف حكم مخالف للحكم الذي أثبته للوصف الآخر. فالأيم أثبت لها بحكم أنها أحق بنفسها من وليها، ما معنى أنها في النكاح؟ هي لها الحق أن تقبل، الأيم هي الثيب لها الحق أن تقبل النكاح ولها الحق أن ترفض، الأمر بيدها.
وأما البكر فالفقهاء يقولون يجبرها على النكاح، ولكن يستحسن من الأب أن يستأذنها استئذاناً، أنا على طريقة كثير من الفقهاء أن البكر والدها يجبرها على النكاح، لكن يستحسن بالأب أن يستأذنها وأن يأخذ رأيها. وأما التي هي الأيم فليس لأحد أن يجبرها على النكاح، فإذا الأيم أثبت لها أنها أحق بنفسها، والبكر أثبت لها حكم آخر أنها ليست أحق بنفسها لكن تستأذن تأدبًا. جميل؟
فإذاً عندنا وصفان أثبت لكل وصف حكم يخالف الحكم الذي يثبت الوصف الآخر. فهنا أيها الأحبة نقول اللفظ بدلالة المطابقة دلنا على أن الأيم أحق بنفسها وأن البكر تستأذن، ولكنه يدل بدلالة الالتزام على ماذا؟ على أن الحكم الذي ثبت للبكر لا يثبت للأيم، والحكم الذي ثبت للأيم لا يثبت للبكر. هذا كيف فهمناه؟ بدلالة الالتزام المأخوذة من مفهوم التقسيم. وهذا هو المنطق، أنت قسمت وأعطيت كل وصف حكماً مخالفاً للحكم الذي أعطيته للوصف الآخر.
فإذاً بدلالة الالتزام هذا اللفظ يدلنا على أن الحكم الثابت في الأيم ليس ثابتاً للبكر، والحكم الثابت للبكر ليس ثابتاً للأيم. واضح مفهوم التقسيم؟ مرحباً عبد المؤمن، ربما فيها شيء من الاختصار الزائد حين قال ومثله أن يلحق به أن يثبت الحكم في أحد فينتفي في الآخر. عبارته جداً مختصرة فمثل الأيم أحق بنفسها.
جميل، طبعا هذا هو يعني أقرب فهم أو أقوى فهم لعبارة عبد المؤمن البغدادي في نظر العبد الفقير، وإن كانت عبارة عبد المؤمن أقول وإن كانت عبارة عبد المؤمن يمكن أن يكون قصد بها شيئاً آخر، لكن لا يظهر لي يعني أنه قصد بها شيئاً آخر. قالوا مثل يثبت الحكم في أحد فينتفي في الآخر، أنه مفهوم الصفة الآن سيأتي معنا الرابع مفهوم الصفة وإضاءة مفهوم التخصيص. طب ما هذا النوع الذي انتبه بينهما؟ في الحقيقة ما أجده عند الأصوليين هو مفهوم التقسيم، وهو الأقرب للحديث، أن الأصوليين حينما يمثلون لمفهوم التقسيم يمثلون بهذا، أحق بنفسها من وليها والبكر، فهذا طبق ما أجده يعني موضحاً لعبارة عبد المؤمن في هذا السياق.
طيب أذهب إلى النوع الرابع أيها الأحبة مفهوم الصفة. قلت لكم في الحقيقة أكثر الأصوليين يعد مفهوم الصفة ومفهوم التخصيص شيئاً واحداً، يعني لا يفرقون بين قضية أنه جاء عام ثم خص بوصف، أو جاء الوصف مباشرة من دون أن يسبقه عام. لو الحديث السابق بدل في الغنم السائمة زكاة، لو كان الحديث مباشراً أتَى بالوصف من دون أن يأتي بالعام قبله، لو قال النبي صلى الله عليه وسلم في السائمة زكاة، أصبح مفهوم وصف.
أما إذا أتيت العام ثم ذكرت بعده الوصف أصلاً يكون تخصيصاً، وهكذا تفريق عبد المؤمن في الحقيقة بينهما. تقول: لا، أفهم اللقب، يأتي آخر مفهوم اللقب أن تعلق الحكم على اسم جامد ليس على وصف، اسم جامد محمد رسول الله شيء آخر. مفهوم الوصف باختصار مفهوم الصفة أن يعلق الحكم على الصفة مباشرة من دون أن تسبق بلفظ عام، خذ هذا التعريف: أن يعلق الحكم على الوصف مباشرة من دون أن يسبق بماذا؟ بلفظ عام. بين مفهوم التخصيص وهذه طريقة عبد المؤمن في النهاية، هي الطريقة في التقسيم يعني لا يتفق معه كثير من الأصوليين، يقولون: سواء أتيت العام ثم أتيت بالوصف بعده أو أتيت بالصفة مباشرة، الكل يلقبه بلقب واحد ضد مفهوم صفة.
إذاً مفهوم الصفة نحن طبعا أنظر كيف عبر عن مفهوم الصفة؟ قال مفهوم الصفة: قالوا وهو تخصيصه ببعض الأوصاف التي تطرأ وتزول. يعني تخصيص الحكم ببعض الأوصاف التي تطرأ وتزول، باختصار ما هي الأوصاف؟ الوصف أيها الأحبة يريد الوصف غير الثابت للإنسان، الوصف غير القار، مثل قال الثيب أحق بنفسها. قال لاحظوا الثيب أحق بنفسها وفي المثال السابق في قضية مثال التقسيم ايش قال؟ الأيم أحق بنفسها والبكر تستأذن، فهو نفس الحديث. وفي المثال السابق أتَى به بمفهوم التقسيم، وهذا يدل على أنه لا في المثال حين قالوا مثله أن يثبت الحكم في أحد فينتفي في الآخر، مثل أيم أحق بنفسها هو لم يكمل الحديث ولا هي، فكيف أنت تجعل هذا الحديث نفسه من مفهوم الصفة وققبل قليل أنت تعده من التقسيم صح؟ يعني هو ذكر نفس الحديث وطبقه على نوعين. طب هو من أين هو بالضبط؟ حدد لنا.
حديث كماله الأيم أحق بنفسها والبكر تستأذن مفهوم تقسيم، وأما إذا وقفت فقلت فقط الثيب أحق بنفسها فقط بهذا المقطع نقول نعم هذا مفهوم صفة، لأن هنا النص لم يأتي بوصفين، أتى بوصف واحد وعلق عليه حكم، فنقول اللفظ يدل بدلالة المطابقة على اثبات الحكم عند وجود الصفة، ويدل بدلالة الالتزام على اثبات نقيضه عند ارتفاع الصفة. بهذا النمط هكذا نعرف مفهوم الصفة، اللفظ يدل بدلالة المطابقة على ثبوت الحكم عند وجود الصفة، ويدل بدلالة الالتزام على انتفاء الحكم عند انتفاء الصفة.
الثيب أحق بنفسها، الثيب وصف عرض. نعم؟ قال هل الثيب أو الأيم هل هو اسم لازم للأنثى ولا يختلف باختلاف حالها؟ إذا كانت، وأصبح إذا لم تكن متزوجة ولم تتزوج أصلاً كانت ايش؟ بكراً. فالثيب والبكارة ليست من الصفات الملازمة للمرأة، بل تختلف باختلاف أحوالها، فالمرأة قبل أن تتزوج تكون بكراً، بعد أن تتزوج تصبح ثيباً، وهي في الحقيقة طبعا الثيوبة عندنا في المذهب تثبت حتى ولو بوطء محرم، حتى ولو بوطء زنا تصبح ثيباً، ولا يشترط أن يكون الوطء حلالاً. المرأة التي وطئت أصبحت تسمى ثيباً، لم توطأ تسمى بكراً، فبالتالي وصف البكر ووصف الثيب ليست من الأوصاف الملازمة، فهي أوصاف تطرأ وتزول.
كذلك مثلاً الغنى مثلاً، هل الوصف أنها سائمة أو معلوفة وصف ملازم لها، أو وصف يطرأ ويزول؟ وصف يطرأ ويزول، فلو في السائمة زكاة كان من قبيل الصفة على طريقة عبد المؤمن، لأنه علق الحكم بالصفة مباشرة، والصفة تطرأ وتزول. ولماذا علق أن تكون الصفة غير قارة؟ يعني مما يطرأ ويزول، لأنها إذا كانت جامدة مستقرة في الشيء في الحقيقة هنا تصبح أقرب لمفهوم اللقب منها إلى مفهوم الصفة، إذا كانت وصفاً ملازماً لا ينفك عن الشيء فكأنها أصبحت أقرب إلى مفهوم اللقب الذي سنذكره منها إلى مفهوم الصفة.
جيد. الآن مفهوم الصفة قال وبه قال جل أصحاب الشافعي واختاره التميمي من الحنابلة، أنه ليس بحجة، وهو قول أكثر الفقهاء والمتكلمين. أنا كما قلت لكم سابقاً حقيقة النسَب التي تذكر في كتب الأصوليين فيها تعارض وأحياناً تناقض تام، أحدهم يثبت قول الجمهور هكذا، ولا نثبت أن قول الجمهور كذا، وفي الحقيقة قد يكون هذا سببه ناتج عن عدم الاستقراء الحقيقي، يعني بعض الأصوليين عندما صنفوا مصنفاتهم استعجلوا في النسبة قبل أن يقوموا باستقراء حقيقي للأقوال.
فأرى أن الطالب لا يستعجل في اعتماد نسبة معينة، هنا تجد هناك من يقول قول الجمهور هكذا، في كتاب أصولي آخر تجده يقول لا، قول الجمهور كذا، فأين قول الجمهور؟ حددوا لنا، السبب هو كما قلت لكم عدم وجود استقراء حقيقي، يعني ايش استقراء تام أنه يصعب، لكن استقراء لكتب الأصوليين والوصول إلى خلاصة ايش رأي الجمهور؟ فبعضهم قد يجازف بالنسبة، البعض قد يجازف بالنسبة.
قضيّة البعض وافق على مفهوم الصفة، البعض لم يعتبره، هذا يعود إلى الأصل العام الذي قدمته لكم، أنه هذه الأنواع وهذه الأساليب لم يتفق عليها عند الجمهور، فبعضهم يثبت مفهوم المخالفة في أسلوب، في أسلوبين في ثلاث، وينفيها في أساليب أخرى، البعض يثبتها في تلك الأساليب وينفيها فيما أثبته ذاك، نوع من النقاش بين الأصوليين، ولكن في الحقيقة هذه الأنواع مما عليه الجمهور. الجمهور يعتبرون هذه الأنواع، مفهوم، ايش بدينا بأول نوع؟ الغاية، مفهوم الغاية نعم، مفهوم الشرط، مفهوم التخصيص، مفهوم الوصف، الأكثر يعتبرها، فلا تركزوا كثيراً على النسب المذكورة في الكتاب لأن فيها نظراً.
النوع الخامس قال مفهوم العدد. النوع الخامس مفهوم العدد، ما معنى مفهوم العدد؟ اللفظ يدل بدلالة المطابقة على ثبوت الحكم في العدد المذكور، ويدل بدلالة الالتزام على اثبات نقيض الحكم فيما سوى العدد المذكور، بنفس الطريقة السابقة. إذاً مفهوم العدد، اللفظ بدلالة المطابقة يدل على ثبوت الحكم في ماذا؟ يدل بدلالة المطابقة على ثبوت الحكم في العدد المذكور، ويدل بدلالة الالتزام على اثبات نقيض الحكم فيما سوى العدد المذكور.
مثال ذلك النبي صلى الله عليه وسلم يقول ايش؟ «لا تحرم المصة والمصتان» هذا في الرضاعة. الآن ايش مفهوم المطابقة لهذا النص؟ يلا، مفهوم المطابقة ترى يا إخوان تحديد مفهوم المطابقة والالتزام مهم جداً في تشكيل عقلية الإنسان في فهم النصوص الشرعية. أنا أقول لك حدد مفهوم المطابقة لهذا النص، تقول ايش؟ النص يدل على نفي ثبوت أحكام الرضاعة بالرضعة الواحدة والرضعتين، بالمصة الواحدة والمصتين، هذا دلالة المطابقة. النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تحرم المصة والمصتان»، إذاً لا تثبت أحكام الرضاع، لا تصبح هذه أُمّاً من الرضاعة ولا ذاك أباً ولا أولاد إخوانه من الرضاعة، لا تثبت أحكام الرضاع بالمصة والمصتين.
طيب وعلى ما يدل بدلالة الالتزام؟ ويدل بدلالة الالتزام على النقيض، يدل على ثبوت أحكام الرضاع فيما سوى هذا العدد، يعني أنه فيما سوى هذا العدد يعني في الثلاثة فصاعداً تثبت أحكام الرضاع، ألا يدل على هذا؟ جميل، فإذاً لو اخذنا مفهوم المخالفة لهذا الحديث الحكم سيكون مطابقاً لرأي الشافعية، ايش هو رأي الشافعية؟ أن ثلاث رضعات فأكثر تحرم.
طبعاً الحنابلة ما اخذوا بهذا المفهوم في هذا الحديث بحد ذاته، لماذا نعطيكم يعني على الهامش هذه فائدة كيف يتعامل الفقهاء مع الأحاديث؟ الآن مفهوم المخالفة لهذا الحديث دل على أن الثلاث رضعات فصاعداً مفهوم مخالفة، دل على أن ثلاث رضعات فصاعداً تحرم، أليس كذلك؟ لكن الحنابلة ما اخذوا، مع أنهم يأخذون مفهوم العدد الحنابلة، لكنهم لم يأخذوا بمفهوم هذا الحديث بالتحديد. قالوا لماذا؟ قالوا لأنه قابله منطوق نص آخر دل على أن الرضاع المحرم خمس رضعات، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لامرأة أبي حذيفة أن ترضع سالماً خمس رضعات حتى يحرم عليها. النبي صلى الله عليه وسلم ايش قال لامرأته؟ قال: «أرضعيه خمس رضعات حتى يحرم عليك».
فهنا أيها الأحبة منطوق حديث سالم مولى أبي حذيفة يدل على ماذا؟ منطوق الحديث ذاك يدل على أن الرضاع المحرم خمس رضعات، ومفهوم المخالفة لحديث لا تحرم المصة والمصتان يدل على اثبات أحكام الرضاعة في الثلاث رضعات فصاعداً ولا يشترط الوصول إلى الخمسة. وأيهما يقدم عند تعارض المنطوق مع المفهوم؟ المنطوق هنا تعارض منطوق حديث سالم مولى أبي حذيفة الذي يبين أن التحريم بالخمسة مع مفهوم المخالفة لحديث لا تحرم المصة والمصتان الذي يدل على أن التحريم يكون بالثلاثة ولا يشترط الخمسة، وإذا تعارض نص حكم منطوق مع حكم مفهوم يقدم المنطوق على المفهوم، وبسبب هذا لم يأخذ الحنابلة بمفهوم المخالفة هنا، وليس لأنهم لا يعتبرون مفهوم المخالفة في العدد أصالة. جميل.
قال وبه قال مالك وداود وبعض الشافعية خلافاً لأبي حنيفة. يعني هو تذكر خلافاً لأبي حنيفة، وهو أبو حنيفة لا يقبل كل مفهوم المخالفة يا جماعة، ما في داعي أن ينص على أبي حنيفة مفهوم العدد بحد ذاته، عرفتم ايش المشكلة؟ يعني أنت تنص خلافاً لأبي حنيفة هنا في مفهوم العدد، أبو حنيفة يقبل مفهوم المخالفة بإطلاقه، فلماذا نذكره هنا؟ فلذلك أقول لكم وأكرر اهتموا بالمفهوم أكثر من الاهتمام بالطريقة، لأنه في الحقيقة هنا أحياناً بعض النسب لا أرى لذكرها داعياً.
النوع السادس والأخير قال مفهوم اللقب. ما هو مفهوم اللقب؟ مفهوم اللقب أيها الأحبة قبل أن أدخل في تعريفه، مفهوم اللقب الحكم في النص الموجود عندنا، الحكم معلق على اسم جامد، اسم جامد يعني لا يتضمن، لا يدل، لا يوجد فيه معنى الوصفية.
لا يوجد فيه وصف يعلق الحكم على اسم جامد ولا يعلق على وصف. طيب؛ الآن ايش الفرق بين أن يعلق الحكم على وصف -كما مر معنا قبل قليل، مثل الثيب وحقه بنفسه أو في السائمة الزكاة- وبين أن يعلق الحكم على اسم جامد؟
الآن أيها الأحبة، عندما يعلق الحكم على وصف، تعليق الحكم على الوصف يدل على أن الوصف هو علة الحكم، وهكذا سنأخذ إن شاء الله في باب القياس ربما. تعليق الحكم على وصف؛ الوصف فيه معنى يصلح هذا المعنى أن يكون علة الحكم شرعاً. حينما أنا أقول لك: أكرم العلماء. تعليق الحكم والإكرام على العلماء، ماذا تفهمين؟ أن علة الإكرام ما هي؟ العلم.
عندما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «في السائمة زكاة»، تعليق الحكم على السائمة يدل على أن هذا الوصف هو علة الحكم، وهو السوم هو علة وجوب زكاة بالغنم. حينما يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الثيب أحق بنفسها من وليها»، تعليق الحكم على هذا الوصف يؤذن بعليته، ما يقولون: ما منهم اشتقاق.
الدقيقة، تعليق الحكم هذا الوصف يدل بعليته ما فيه الاشتقاق، أو تعليق الحكم على المشتق يدل بعلية ما فيه الاشتقاق. فالوصف هي ما يتعلق الحكم على الوصف، نقصد أن يعلق الحكم على المشتقات، مثل: اسم الفاعل، اسم مفعول، صفة مشبهة، صيغة مبالغة على طريقة النحاة.
ولأن هذه الأوصاف حينما يعلق الحكم عليها، فإن ذلك يؤذن بعلية ما منه الاشتقاق، اللي هو أن المصدر الذي أخذت منه هذه المشتقة، هذا المصدر هو علة الحكم. لاحظوا كيف تدخل اللغة العربية بقوة في أصول الفقه.
يعني كنت مشتقاً، وما منه الاشتقاق بالمصدر، لأن المصدر هو علة الحكم. يعني: أكرم العلماء، إيش علة الإكرام؟ العلم اللي هو المصدر. اه، في الغنم في الغنم الزكاة، وفي السائمة الزكاة، إيش علة وجوب الزكاة في الغنم؟ السوم، اللي هو المصدر الذي أخذ منه المشتق سائمة. جميل؟
اه، الآن أما إذا علق الحكم على اسم جامد؛ اسم جامد مثل أسماء الأعلام، قلت لك مثلاً: أكرم محمداً. صح؟ أكرم محمداً، أو محمد جاء. اه، تعليق الحكم على الأسماء، الأسماء الجامدة لا تحتوي على معاني تصلح أن تكون علة بالأحكام. الأسماء الجامدة لا تتضمن في داخلها معانٍ تصلح أن تكون علة للحكم الشرعي.
يعني إذا قلت لك: أكل محمد. هل هنا كلمة محمد تشير إلى علة الأكرام؟ لا، لما تبقى تقول لك: أكرم عالماً، قال: كلمة عالم تؤذن أن الإكرام علته العلم، صح ولا لا؟ لاحظ كيف أكرم معنا، وأكرم محمد. كيف عندما علق الحكم على محمد اسم جامد، لم يدل النص على علية الحكم؟ ليش أكل محمد؟ بسأل صح؟
لكن إذا قلت لك: أكرم عالماً، أكرم العالم. لن تسأل: لماذا أكرمن؟ لأن العلة واضحة لديك، بسبب ايش؟ أن تعليق الحكم على الوصف هو بذاته، الوصف يؤذن بعلية. تعليق الحكم على الوصف المشتق يؤذن بعلية ما منه الاشتقاق. جيد.
فإذاً مفهوم اللقب باختصار: إذا أن يعلق الحكم على الاسم الجامد، ممتاز، وليس على الوصف. وطيب، فنقول: مفهوم اللقب، اللفظ يدل بدلالة المطابقة على إثبات الحكم للاسم المذكور، ويدل بدلالة الالتزام على إثبات نقيض الحكم لغير الاسم المذكور. هل فعلا هنا دلالة الالتزام معتبرة؟
هل فعلاً هذه دلالة الالتزام معتبرة؟ هل نقول: إذا علق الحكم على اسم جامد، فإن هنا يوجد دلالة الالتزام، وهي أن نقول لك المطابقة لإثبات الحكم المذكور، ويدل بدلالة الالتزام على إثبات نقيض الحكم لغير الاسم المذكور؟ في الحقيقة الجماهير يقولون: لا.
هذه دلالة الالتزام هنا لا تعتبر. وفي الحقيقة نعم، أو للجمهور جداً منطقي. بتعرفوا ليش المشايخ؟ هذا لأنه في الحقيقة لو اعتبرنا دلالة الالتزام هنا، وهو أن تعليق الحكم على الاسم الجامد يدل بدلالة الالتزام على إثبات نقيض الحكم عما سوى الاسم المذكور، سيؤدي هذا إلى فساد في الكلام العربي.
تخيلوا أنني قلت مثلاً: جاء محمد. هل معنى هذا الكلام أنه غير محمد ما جاء؟ لو قلنا بدلالة الالتزام هنا نعم. عندما أقول: جاء محمد، نقول إذاً هذه الجملة تدل بدلالة الالتزام على أن محمداً لم يأتِ، وفي الحقيقة هذا غير صحيح. أنا عندما أقول: جاء محمد، أنا بقصد، ممكن يكون غيره جاء، أنا ركزت على هاي الفكرة بحد ذاتها.
حينما أقول: قال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ﴾ [الفتح: 29]. هل معنى هذا أنه غير سيدنا محمد ليس رسول الله؟ طب هناك أنبياء ورسل كُثر. جميل، في الحقيقة لا، تعليق الحكم على الأسماء الجامدة لا يدل بدلالة الالتزام على إرادتنا في الحكم عما عداها. لذلك قال: وأنكره الأكثرون.
هذا المفهوم لا يعتبره الأكثرون وهو الصحيح. يعني عبد المؤمن الآن يجزم أن هذا هو الصحيح. طب لماذا أعطاك مسألة واحدة من المسائل التي سينبني عليها إشكال لو اعتبرنا مفهوم المخالفة لمفهوم اللقب؟ ذكر لك مسألة واحدة من المسائل التي سينبني عليها إشكال لو أننا اعتبرنا مفهوم اللقب؛ قال: لمنع جريان الربا في غير الستة، لمنع أي الاستلزام، أي الاستلزام القول بمفهوم اللقب، أنتم اكتبوا حتى تفهموا.
يعني كأنه يريد أن يقول وهو الصحيح لاستلزامه، أننا لو قلنا بمفهوم اللقب هذا سيستلزم منع جريان الربا في غير الستة المذكورة في الحديث. ماذا يقصد؟ ما هو الحديث الذي يشير إليه عبد المؤمن البغدادي؟ الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أيها الأحبة في مسائل الربا يذكر، النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلاً بمثل، سواءً بسواء، يدا بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم».
الآن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر أصنافاً ستة يجري فيها الربا: الذهب، الفضة، البر، الشعير، التمر، الملح. هذه وهل هذه أوصاف؟ أسماء جامدة. هذه أسماء جامدة لأنها أسماء أجناس، هذه ليست أوصافاً. أولاً المشتق. لا، لا، ليست أمور المشتق أبداً.
إيش المشتق اللي أقوله فيه؟ ملح. إيش المشتق اللي أقوله فيه؟ هي أسماء جامدة، أسماء أجناس. علق عليها حكم الربا، وأنه يجب أن حينما يتعامل بها، حينما تتبادل ذهباً بذهب، وحين تتبادل فضة بفضة، وحين تتبادل شعيراً بشعير إلى آخره، يجب التقابض في المجلس، ويجب أيضاً عدم التفاضل، يجب التقابض وعدم التفاضل، فيحرم التأخير ويحرم التفاضل في هذه الأصناف.
جميل، إذاً الآن علق حكم الربا على هذه الأصناف الستة. لو أننا اعتبرنا مفهوم اللقب ماذا سيستلزم ذلك؟ قالوا: لو أننا طبقنا قاعدة مفهوم اللقب سنقول هكذا: اللفظ يدل بدلالة المطابقة على إثبات حكم الربا في هذه الأصناف الستة، ويدل بدلالة الالتزام على عدم ثبوت الربا في غير هذه الأصناف الستة.
فبالتالي لو أننا قلنا هكذا سننسف قول الأئمة الأربعة؛ المذاهب الأربعة أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد. الكل يقول: حكم الربا لا يتعلق فقط بهذه الأصناف، بل يقاس عليها كل ما وجد فيه علتها، صح؟ من الذي التزم بثبوت الربا في هذه الأصناف الستة فقط؟ الظاهرية. الظاهرية هم الذين أثبتوا الربا فقط في هذه الأصناف، قالوا: هذه الأصناف هي المذكورة وغيرها لم يذكر، بالتالي يتوقف الحكم عليها.
فكأن الظاهرية اخذوا لماذا؟ بمفهوم المخالفة هنا. الجمهور قالوا: لا، مفهوم المخالفة للقب لا نعتبره. فهنا لو اعتبرنا مفهوم اللقب، خلاص إذن تكون الأصناف الربوية هي ستة، بالتبعية أيها الأحبة، النقود المعاصرة على رأي الظاهرية لن يكون فيها ربا. لو أعطيتك خمس دنانير وأنت أعطيتني مقابلها عشرة لم يكن فيها ربا، لأنها ليست ذهب ولا فيضة ولا ما شابه ذلك. قديماً لو قلنا هي غطاء عن ذهب وفضة كان يمشي الأمور، أنك تقول والله أصلاً هي حتى عند الظاهرية ستكون فيها الربا لأنها غطاء من ذهب والفضة.
لكن في العام ألف وتسמائة واثنين وسبعين أو خمسة وسبعين -نسيت- أُغي الغطاء من الذهب أو الفضة للأموال النقدية المعاصرة، وأصبحت الأموال النقدية طباعتها تنبني على قوة الدولة اقتصادياً وليس على وجود غطاء لها من الذهب أو الفضة، وعندي مسائل تتعلق بالمعاملات المعاصرة.
فباختصار، قول: لو أننا اعتمدنا مفهوم هذا أن يقول عبد المؤمن: لو أننا اعتبرنا مفهوم اللقب هنا سيؤدي هذا إلى حصر الربا فقط في هذه الأنواع الستة، وبالتالي سيختلف كل القواعد المذاهب الأربعة في أن الربا لا يختص بهذه الأنواع الستة بل يتعداها إلى ماذا؟ إلى غيرها. جميل.
لكن في الحقيقة النقاش في هذا الأسلوب أنا لا أراه ناجعاً. أنت حينما تريد أن تبطل أن مفهوم اللقب من المفاهيم المعتبرة، لا يصلح أن تستدل بمسألة جزئية، صح ولا لا؟ يعني أنا كيف استدل؟ أقول: لا أقول بمفهوم اللقب لأنه سيستلزم أن الربا لا يجري في الأنواع الستة، عفواً، النبي ربا لا يجري في غير الأنواع الستة، لأنه سيستلزم القول به أن الربا لا يجري في غير الأنواع الستة.
فيقول لك مثلاً المخالف: طيب، خلِنا هنا يجري في خلينا على قول الظاهرية، ما المشكلة؟ ما المشكلة أن نجعل الربا يتعلق فقط بهذه الأنواع الستة ولا يتعدى إلى غيرها؟ جميل. الآن سيبدأ هو كأنه يرتكب إلى نقاش: أننا لو جعلنا الشريعة بهذا المفهوم أيها الأحبة، هو في الحقيقة أنا مع عبد المؤمن: المفهوم لا يعتبر، لكن لو جعلنا الشريعة بهذا المفهوم أن فقط الأنواع الستة هي التي يجري فيها الربا وغيرها لا يجري فيها الربا، كأنه يقودنا إلى التفسير، سيقودنا إلى التفريق بين المتماثلات.
صح؟ أنه ليش الربا؟ ليش الشعير والحنطة وليس غيرها من الحبوب؟ ليش الملح وليس لماذا الذهب والفضة ولا يجري في النقود المعاصرة؟ هذا سيؤدي بنا إلى أن الشريعة تفرق بين المتماثلات، وهذا سيؤدي إلى خلل في التشريع، سيؤدي إلى ماذا؟ إلى خلل في مفهوم التشريع؛ أنه هذه الشريعة شريعة تفرق بين الأمور المتماثلة، يكون شيء آخر بالتحديد وبالضبط تعطي الحكم للشيء ولا للشيء الآخر، فهذا تفريق بين المتماثلات، والشريعة لا تأتي به.
وهذا كلام صحيح لو أننا مشينا، يعني أكملنا استدلال عبد المؤمن البغدادي. المشكلة يعني ليست فقط في هذا الميدان بحد ذاته، وإنما المشكلة في هذا الميدان وفي غيره من الأمثلة: أننا لو لم نعتبر مفهوم لو لو اعتبرنا مفهوم اللقب في هذا المثال، فقلنا الربا يجري فقط في هذه الأنواع الستة، معناه أن الشريعة تفرق بين المتماثلات، فتعطي الحكم فقط لهذه الستة مع أن غيرها تشبهها لا تعطيها هذه الأحكام.
وهذا في الحقيقة لا ليس صحيحاً تطبيقه بهذا النظام، لأن الشريعة لا تفرق بين المتماثلات، والأحكام الشرعية إن كان هو متماثل في نظرنا وفي نظر الشريعة، لا، هناك فرق دقيق نحن لم نصل إليه بعد. أما حينما يكون لا، هو تماثل تماثل حقيقي، وكل متفقون على أنه تماثل حقيقي، الشريعة لا تفرق بين المتماثلات.
إذاً، هذه أنواع ستة أيها الأحبة ذكرها عبد المؤمن البغدادي بمفهوم المخالفة، جميعها مقبولة بشكل عام عند الجماهير، وإنما الخلاف وقع في النوع الأخير فقط، وهو في مفهوم اللقب. الصحيح أنه لا يعتبر، هذا ما أو هذا الكلام هو ختام كلامنا أيها الأحبة عن دلالات الألفاظ.
واليوم ننتقل أيها الأحبة إذا الكلام عن النسخ، وبعد النسخ ننتقل إلى مصادر تشريعية جديدة غير الكتاب والسنة بإذن الله. طيب، كم كم من الوقت أيها الأحبة؟ صعب جداً مشروعي.
الآن أيها الأحبة في، الآن انتهينا من دلالات الألفاظ بتماميها على الرقم المنطوق، عرفنا المفهوم، تكلمنا عن العام والخاص، المطلق والمقيد، عن الأمر والنهي، تكلمنا عن المفاهيم بأنواعها، وكنا أصلاً قبل الكلام عن المنطوق والمفهوم أخذنا مقدمة في مباحث اللغة؛ هذه اللغة توقيفية، مسألة الاشتقاق في اللغة، ومسألة الحقيقة والمجاز، مفاهيم مهمة لطالب العلم الذي يريد أن يفهم أسلوب الشارع في الوصول إلى الحكم الشرعي وفي إيجاد الأحكام الشرعية أو توجيه الأحكام الشرعية للمكلفين.
كيف جاءت الشريعة في توجيه أحكام الشرعية إلى المكلفين في نصوص الكتاب والسنة؟ لا يمكن أن تفهم من دون معرفة هذه القواعد التي أخذتها فيما سبق. نسأل الله وأننا على ضبطها وتطبيقها على نصوص الكتاب والسنة. ننتقل إذاً كما قلنا إلى مفهوم جديد، باب جديد وهو باب النسخ، أظن باب متعارف لديكم بشكل عام، مفاهيم العريضة واضحة، ولكن الآن نتكلم بعبارة الأصوليين الدقيقة.
ما هو النسخ؟ قال عبد المؤمن البغدادي: ثم الذي يرفع الحكم بعد ثبوته النسخ. ثم الذي يرفع الحكم بعد ثبوته النسخ. طبعا هو لسه لم لم يدخل في تعريف النسخ، لم يدخل بعد، وإنما هي توطئة. وكأنه الآن بعد أن انتهى من مفهوم المخالفة قفز إلى النسخ، فبدأ بهذا الانطلاق. ثم الذي يرفع الحكم بعد ثبوته.
الذي هنا بماذا يفسرها؟ لا، إذا قلت: النص، كان قال: ثم النص الذي يرفع الحكم بعد ثبوته الناسخ، وليس النسخ. النسخ مصدر، صح؟ لو قال، لو فسرنا الذي أنها بمعنى النص لقلنا: ثم النص الذي يرفع الحكم بعد ثبوته هو الناسخ. هو لم يقل الناسخ، قال النسخ. النسخ هي العملية، نعم. فنقول: الذي هنا، يعني أنا احتاج من سأتساءل في التعبير، أقول: الذي بمعنى العملية، أو أنتم حاولوا أن تجدوا عبارة قليلة الأسلوب التصرف، حاولوا أن تأتوا بمصدر تفسرون به الذي؛ التصرف، أو أسلوب، أو العملية التي يتم بها رفع الحكم بعد ثبوته هي النسخ.
عرفتم؟ أي كلمة تضاهي كلمة العملية، الإجراء، التصرف، الطريقة التي يتم من خلالها رفع الحكم بعد ثبوتك يسمى هذا الإجراء، هذا التصرف، هذه العملية. المهم أن تأتوا بالمصدر، يسمى ماذا؟ يسمى النسخ. وهذا ليس تعريف النسخ، يعني أنا لذلك تساءلت فيها كما قلت لك.
النسخ سنبدأ الآن بتعريفه لغة. قال النسخ وأصله الإزالة. في الحقيقة في كتب الأصوليين هنا خلاف عريض، والسبب في الخلاف العريض الذي يذكرونه أن تعريف النسخ اصطلاحا تأثر بالخلاف في تعريف النسخ لغة. وأنا لن أطنب كثيرا في الخلافات لكن أقول لكم بشكل عام: النسخ قيل إنه حقيقة في الإزالة.
أن معنى النسخ في اللغة حقيقة هو ماذا؟ هو الإزالة. نقول مثلا نسخت الشمس الظل، ما معنى نسخت الشمس الظل؟ قالوا أزالته. طيب نسخت الريح الآثار، ما معنى ذلك؟ أنها أزالت الآثار. فأكثر أهل العلم على أن النسخ حقيقة لغة في ماذا؟ في الإزالة؛ نسخت الشمس الظل ونسخت الريح الآثار. ومجاز في النقل، تستخدم كلمة النسخ مجازا بمعنى النقل، أقول مثلا نسخت الكتاب.
إيش معنى نسخت الكتاب؟ مش معناها أزلته، نقلته. وإن كان طبعا الطوفي هو كان أدق حينما قال إن هنا لا يوجد نقل حقيقي، لأنك أنت في الحقيقة حينما قلت نسخت الكتاب بمعنى نقلته أنت لم تقم برفع ما في الكتاب الذي بين يديك ووضعه في الكتاب الآخر، صح؟ أنت لم تقم بعملية أخذت ونقلت إلى شيء آخر، بقي المنقول مكانه الأول. فهذا سماه الطوفي يشبه النقل، هذا المثال نسخت الكتاب قال هذا يشبه النقل وإن لم يكن نقلا حقيقيا. لأن الشيء المنقول هو أن تأخذ شيئا من مكانه وتضعه مكان آخر، لكن أنت أخذت نفس العبارات التي هنا واستخدمتها في دفتر آخر أو في كتاب آخر، فقال هو يشبه النقل.
الآن أنا لا يهمني كثيرا في هذا الوقت تحرير العبارات غير المؤثرة في المعنى العام الذي نريد أن نثبته. فباختصار إذن النسخ حقيقة بمعنى الإزالة لغة -أتكلم الآن عن النسخ لغة- حقيقة في معنى الإزالة ومجاز في معنى النقل. ومنهم كذلك مثلا في باب مواريث، هناك باب أنه تنتقل الورثة إلى من بعد وإلى من بعد، باب المناسخات، والمناسخات هنا بمعنى النقل أيوا، جميل؟
كذلك أيضا عند بعض الطائف تناسخ الأرواح، يسمون بعض الطوائف التي عندها شيء من الانحراف أو شيء كثير من الانحراف والكفر والزندقة، قضية تناسخ الأرواح أنها تنتقل من بدن إلى آخر، وهذه للأسف يعني انتقلت إلى بعض الطوائف المتأسلمة التي تنسب نفسها إلى الإسلام وهي عقيدة فيها من الكفر شيء كثير والعياذ بالله.
إذن قضية النسخ والقول الأول وهو قول الجمهور أنه حقيقة في الإزالة مجاز في النقل. وموقف المخالف مقابل تماما؛ بالعكس، أن النسخ حقيقة في النقل ومجاز في الإزالة. وهناك قول بالاشتراك اللغوي؛ أن النسخ حقيقة في الإزالة وحقيقة في النقل. كيف لفظة العين حقيقة في الجاسوس وحقيقة في العين الجارية وبالذهب؟ كذلك قالوا النسخ حقيقة في كذا وحقيقة في كذا، المشترك اللغوي. إذن هذه ثلاثة أقوال، والمشهور منها هو القول الأول؛ هو أن النسخ حقيقة في الإزالة ومجاز في النقل. ولماذا هذا القول الراجح؟ عودوا إلى نجم الدين الطوفي في المجلد الثاني على نسخة الرسالة، طبعا ثلاثة مجلدات ستجدون توضيحا لماذا أنه على الصحيح حقيقة في الإزالة مجاز في النقل، لا أريد أن أشغلكم الآن في هذه القضية. لذلك عبد المؤمن مباشرة ذكر المعنى الحقيقي للنسخ لغة ولم يتطرق إلى المجازي، فقال وأصله الإزالة أي في اللغة.
ثم بعد ذلك بدأ بتعريف النسخ في مفهوم الشريعة. ما معنى النسخ في الشريعة الإسلامية؟ قال النسخ هو رفع الحكم الثابت. كل كلمة ترى مهمة الآن، رفع الحكم الثابت بخطاب متقدم بواسطة -هذه بواسطة أضفتها أنا- بخطاب يعني بواسطة خطاب، بخطاب متراخ عنه. هذا مفهوم النسخ في الشريعة، والنسخ هو رفع الحكم أو الحكم الثابت بخطاب متقدم بواسطة ماذا؟ بواسطة خطاب متراخ عنه. لو قلت بواسطة خطاب متأخر متراخ عنه قد تكون أوضح، وكلمة متراخ عنه هي تكفي في الحقيقة، لو كلمة متراخ عنه تستلزم التأخير، تستلزم التأخير، لكن إذا قلت أنت بواسطة خطاب متأخر متراخ عنه هكذا أنت حاولت أن تكشف كل العبارات عن مكشوف.
نبدا بتحليل هذا التعريف. قال عبد المؤمن البغدادي النسخ في الشريعة هو إيش؟ رفع. ما معنى الرفع؟ هو عبد المؤمن وضحها لك، ما معنى الرفع؟ قال الرفع هو إزالة الشيء على وجه -يعني على طريقة- لولاه، أي لولا هذه الإزالة، الضمير في لولاه يعود على الإزالة. يعني إزالة الشيء، المراد بالشيء إيش هو؟ خلينا نحلل كلمة كلمة. الرفع إزالة الشيء، ايش المراد بالشيء؟ المراد بالشيء هو الحكم الأول السابق، الحكم الثابت بالخطاب المتقدم، فكأنه رفع إزالة الحكم بالخطاب المتقدم، لكن اختصارا قال الشيء، واضح؟
إذن كلمة الشيء هنا بمعنى الحكم الثابت بالخطاب المتقدم. إزالة الشيء على وجه، يعني باسلوب بطريقة، لولاه لولا هذه الإزالة لبقي هذا الشيء اللي هو الحكم الثابت بالخطاب المتقدم لبقي هذا الشيء ثابتا. لحد الآن هو يؤكد على مفهوم الرفع، ماذا نقصد أن النسخ رفع؟ ماذا نعني بالرفع؟ نعني بالرفع أنه إزالة لحكم بخطاب متقدم على وجه لولا هذا الرفع لولا هذه الإزالة لبقي ذاك الحكم ثابتا.
أراد بهذا الذي أخذه جنسا في التعريف أراد أن يخرج ماذا؟ انظروا ماذا قال؟ قال ليخرج زوال الحكم بخروج وقته. الان أيها الأحبة، إذا الله سبحانه وتعالى أوجب علينا حكما جميل، أوجب علينا حكما شرعيا أو أعطانا حكما شرعيا وجعله مؤقتا، فقال مثلا عليكم أن تفعلوا هذا الحكم خلال يومين فقط، أعطانا حكما شرعيا مؤقتا، بعد ذلك قال إن هذا الحكم سينجلي. الآن هل انتهاء الحكم عند انتهاء وقته المؤقت له، هل يسمى انتهاء الحكم بسبب انتهاء وقته يسمى نسخا؟ قالوا لا، جميل.
فالقائل هو الآن أراد أن يفرق بين النسخ وبين مفهوم الحكم المؤقت. فيقول عبد المؤمن: الحكم الذي وقته الشارع لنا وقت محدد، قال مثلا هذا الحكم افعلوه إلى كذا، الآن إذا جاء الوقت الذي هو النهاية الغاية النهائية بعدها سينتهي الحكم، هل انتهؤه بسبب انتهاء الوقت يسمى نسخا؟ قالوا لا. لماذا؟ قالوا لأن النسخ له مفهوم محدد هو أن الحكم ابتداء الأصل فيه أنه على الدوام والاستمرار، ليس مؤقتا. النسخ يتعلق بهذا النوع من الأحكام، الأحكام غير المؤقتة بالنسبة لنا، الأحكام التي الأصل فيها أنها على الدوام والاستمرار. ثم هكذا فجأة جاء من الشارع نص يأمر بالتوقف عن هذه الأحكام وفعل أحكام جديدة، فنحن لو أن يأتي هذا النص أتانا نقول بشكل مفاجئ، لو لم يأتي هذا النص ويلغي ويوقف لبقينا نعمل بالحكم السابق، أليس كذلك؟
فهذه هي فكرة النسخ بالتحديد؛ أن هناك حكم ثبت بخطاب متقدم والأصل فيه أنه على الدوام وليس مؤقتا بالنسبة لنا، طبعا الله عز وجل في علمه الأزلي هو يعلم أنه مؤقتا، صح ولا لا؟ هو بالنسبة لنا نحن أقصد نحن المكلفين وبالنسبة لنا على الدوام، لكن في علم الله الله يعلم أنه مؤقت، لكن حكم وجهه الله عز وجل إلينا، فنحن ولم يؤقته لنا، فنحن الظاهر أن هذا الحكم على الدوام. بشكل مفاجئ يأتي نص ينزل نص من الله سبحانه وتعالى يأمرنا بالتوقف عن هذا الحكم وفعل حكم جديد مكانه أو إلى غير بدل إذا كان النسخ إلى غير بدل، المهم أنه يأمرنا بالتوقف عن الحكم الأول، هذا هو النسخ جميل؟
لأنه لو لم يأتي هذا النص المفاجئ لبقينا نفعل الحكم الأول، صح؟ فهذا الفرق بين النسخ وبين الحكم الذي جاء مؤقتا ابتداء. الحكم الذي جاء مؤقتا ابتداء نحن بمجرد أن ينتهي الوقت المؤقت نتوقف عن فعل هذا الحكم من دون حاجة إلى نص جديد من الشارع يأمرنا بالتوقف، أليس كذلك؟ فاذا هذا ما أراده عبد المؤمن من تعريفه حينما قال في تعريف الرفع عفونا بحد ذاته، قال الرفع هنا نقصد به ماذا؟ أن تزيل الشيء اللي هو الحكم السابق بطريقة لولا هذه الإزالة لبقي ثابتا.
فكأنه يريد أن يقول إن النسخ إنما هو في الأحكام التي الأصل فيها الدوام والاستمرار، هكذا ولكن جاء فجأة نص من الشارع أخبرنا أنه خلص توقفوا عن هذا الحكم وافعلوا حكما آخر. وبهذا يخرج ماذا؟ يخرج انتهاء الحكم وزواله بسبب انتهاء وقته المؤقت، فهنا لا يسمى هذا نسخا، لا يسمى هذا نسخا، لأنه الحكم جاء ابتداء مؤقتا بمدة زمنية فحينما انتهت المدة انتهى وحده، فليس الأصل فيه الدوام. فاذا الفرق أن النسخ يأتي لما كان الأصل فيه الدوام، وأن الحكم المؤقت هذا لا يسمى نسخا لأنه ابتداء في حقنا ليس على الدوام.
جميل، انتهينا من تحليل الكلمة الأولى كلمة الرفع، ثم قال رفع ايش؟ رفع الحكم الثابت بالخطاب المتقدم. قال عبد المؤمن: والثابت بالخطاب المتقدم يخرج ماذا؟ يخرج الحكم الثابت بالاصالة. ما معنى الثابت بالاصالة؟ هدي لكم السؤال، ما معنى الحكم الثابت بالاصالة؟ قال وقولي في القيد الثاني رفع الحكم الثابت بالخطاب المتقدم، صح. لماذا قيدته أنه الثابت في الخطاب المتقدم؟ قال حتى أخرج الحكم الذي كان ثبت باستصحاب البراءة الأصلية، مررت معنى البراءة الأصلية وهو أن الأصل براءة الذمة من التكاليف حتى يأتي النص، جميل.
قال حتى أخرج الحكم الذي كان ثابتا بالبراءة الأصلية، لأن رفع -انتبهوا ماذا أقول- لأن رفع الحكم الثابت بالبراءة الأصلية لا يسمى نسخا، العلماء النسخ مفهوم محدد أن يرفع حكم ثبت بنص متقدم. واما ارتفاع الأحكام التي كانت ثابتة بالبراءة الأصلية لا يتم ارتفاعها نسخا في مفهوم العلماء. فمثلا الخمر في ابتداء الإسلام إيش كان حكمها؟ الإباحة. هل جاء نص يقول لهم الخمر مباح؟ عفوا الخمر مباح؟ ما عندنا نص، سكروا ورزقا حسنا.
جيد، لكن هل هذا قال لهم يعني يباح؟ بالعكس قال العلماء حينما فرق بين السكر والرزق الحسن هذا فيه إشارة إلى ذم الخمر أنه ليس رزقا حسنا، أعطي نصا في الكتاب والسنة يدل دلالة واضحة على أن الخمر مباحة؟ هل الشارع قال الخمر مباح ولا سكت عنها الشارع؟ لم سكت عنها وأعطى مؤشرات عامة، قالوا إثمهما أكبر من نفعها، صح؟ ما قال الشارع في نص أن الخمر مباح، إشارات عامة.
الشارع لم يقل مباح لكنه سكت سكت سكت إلى أن جاءت اللحظة فاجتنبوه. فقال العلماء، طبعا هذه مسألة خلافية في الحقيقة، أنا أقر لك أن بعضا يقول إن هذه النصوص دلت على إباحة الخمر بدلالة الالتزام وما شابه ذلك، وأن المراد بها التنصيص على الإباحة فبالتالي يكون فاجتنبوه هي ناسخ. هذا رأي لبعضهم ستجدونه مسطرا في بعض الكتب، لكن الذي أذهب إليه أن النسخ كانت عفونا أن الخمر ثبتت بالبراءة الأصلية إباحتها ثم جاء فاجتنبوه ليرفع الحكم الثابت بالبراءة الأصلية، جميل؟
فليس ارتفاع حكم الإباحة للخمر نسخا، بل هو حكم ثبت بنص ولم يكن رافعا لما هو ثابت بنص سابق، لم يرفع. الآن هل الآية فاجتنبوه رفعت قوله تعالى أو إثمهما أكبر من نفعهما؟ قال رفعتها؟ هل رفعت أن فيه منافع للناس؟ هل رفعتها؟ هي فيها ممكن فيها منافع للناس، مصاري. لكن هي لم ترفعها. سكروا ورزقا حسنا، هل الآية فاجتنبوه رفعتها؟ هي لم ترفع شيئا ثبت بها، فبالتالي هي رفعت حكما ثبت بالبراءة الأصلية بما يظهر.
وفي الحقيقة هي الجميع التكاليف الشرعية التي جاءت مع تشريع الإسلام هي ترفع أحكام ثابتة بالبراءة الأصلية، صح ولا لا؟ يعني أنت لا تأخذ الخمر مثال فقط، يعني أنت بشكل عام أصلا كل التكاليف التي حرمها الإسلام وكانت قبل أن تحرم كانت مسكوتة عنها على الأصل على الإباحة الأصلية، فجاء الإسلام أثبت لها أحكامه. هذه الأحكام الجديدة التي أثبتها الإسلام للأمور المسكوت عنها هذه لا تسمى نسخا، لأنها لم ترفع أحكاما كانت ثابتة بخطاب متقدم، وإنما رفعت الأحكام التي كانت ثابتة بالبراءة الأصلية. فأي نص يأتي ليرفع ما هو ثابت بالبراءة الأصلية لا يسمى هذا النص ناسخا ولا تسمى هذه العملية نسخا، جميل؟ لذلك قال رفع الحكم الثابت بخطاب المتقدم ليخرج الثابت بالأصالة، هاي البراءة الأصلية.
ثم قال بخطاب متأخر. هذا القيد ما فائدته؟ قال ليخرج زواله أي زوال الحكم المتقدم، ليس بسبب خطاب متأخر، بل بسبب زوال التكليف. الآن أيها الأحبة الإنسان يقولون إذا جن أو مات ارتفعت الأحكام الثابتة في حقه بالخطاب المتقدم، صح؟ الإنسان إذا جن زال تكليفه أو إذا مات يقولون ارتفعت الأحكام الثابتة في ذمته بالخطاب المتقدم. وارتفاعها هنا هل هو بسبب طلوع خطاب متأخر ولا بسبب زوال التكليف عن هذا الإنسان؟ قالوا إنما هو بسبب زوال التكليف عن هذا الإنسان، فارتفاع الأحكام الثابتة بالخطاب المتقدم في حالة زوال التكليف ليس بسبب خطاب متأخر متراخ، بل بسبب زوال التكليف عن هذا الإنسان، أليس كذلك؟ بسبب زوال التكليف عن هذا.
بسبب الجنون ربنا خلاص ابتلاه بالجنون ربنا ابتلاه بالموت. وهذا كلنا سنبتلى به. فهذا فعلا الحكم السابق أو الحكم الخطاب المتقدم انتهى في حق هذا الإنسان. انتهى وارتفع، ولكن ارتفاعه ليس بخطاب متأخر وإنما بسبب زوال تكليفه.
فهذا لا يسمى هذا الارتفاع هذا الذهاب الارتفاع لا يسمى ايش؟ نسخاً. جميل؟ بقي القيد الأخير، ايش هو القيد الأخير؟ رفع حكم ثابت وخطاب خطاب متأخر. آه لاحظوا حتى هنا ذكر كلمة متأخر. مع أنه ما ذكر في تعريف سافر وبخطاب متأخر. صح؟ مع أنه هناك في المسألة السابقة.
وفي الأصل التاريخ قبل قليل لم يهدر بالكلمة المتأخر. بالله انظر في النسخة التي بين يديك. ما فيها متأخر، صح؟ جميل. طيب آه ومترَاخٍ عنه القيد الأخير. لماذا قالوا قيده متراخٍ عنه؟ هذا لكم ليخرج ماذا؟ هذا سبق معنا، لماذا قلنا إن يحتاج أن يقيد بقوله متراخٍ عنه حتى نخرج التخصيص للعام والبيان المجمل؟ حتى نخرج ماذا؟ التخصيص للعام والبيان للمجمل. بسم الله.
لماذا؟ لأنه أيها الأحبة الفرق الأساسي أو من الفروق نشوف الفرق من الفروق بين بيان المجمل وتخصيص العام أنه بيان المجمل يمكن أن يكون مقارناً للمجمل ويمكن أن يكون متراخياً. نفس الشيء تخصيص العام مر معنا أنه التخصيص يمكن أن يكون مقارناً للعام ويمكن أن يكون متراخياً. وأما النسخ فلا يكون إلا ايش؟ متراخياً. وأما النسخ فلا يكون إلا ايش؟ متراخياً. طيب يا شيخ بدنا نوقف وقفة. الآن أنت قلت إنه التخصيص ممكن يكون متصلاً وممكن يكون متراخياً.
طيب التخصيص لما يكون متراخياً هل يسمى نسخاً زي ما نعمل كده تعملون إي؟ هذه آية وهذه المسألة وأحاول دائماً أن أذكرك بها. ايش الفرق بين المخصص إذا جاء متراخياً عن العام؟ وبين النسخ إذا جاء عن المنسوخ؟ لماذا هذا نسخ؟ ولماذا هذا تخصيص؟ ومتى تسمي هذا نسخاً؟ ومتى تسمي هذا تخصيصاً؟ تذكر قول الحنفية أنا أعطيت لكم فائدة قلت لكم الحنفية أيها الأحبة يرون أنه أي عام تأخر عن عفواً أن أي خاص تأخر عن العام يسمى نسخاً عندهم.
تذكرون هذا عندما علقته لكم سابقا، لم ينص عليها عبد المؤمن لكن نصصت أنا. وعندهم أي مقيد تأخر زمنياً عن المطلق يكون هذا عندهم، لماذا؟ لأنهم يرون أن الحكم العام إذا جاء عاماً ولم يقارنه المخصص يجب علينا أن نعتقد عمومه، وأن المطلق إذا جاء ولم يأتي معه المقيد يجب علينا أن نعتقد إطلاقه. فإذا جاء بعد فترة التخصيص يكون هذا المخصص قام بعملية نسخ ايش؟ نسخ اعتقاد العموم. والمقيد حينما جاء متأخراً جاء لماذا؟ نسخ نسخ ايش؟ نسخ اعتقاد الإطلاق.
فلذلك عند الحنفية العام المتأخر والمقيد المتأخر يسمى عنده نسخاً. وأما الجمهور قالوا لا، الخاص حتى ولو تأخر والمقيد حتى ولو تأخر لا يسمى نسخاً إلا في حالة واحدة. وهي ماذا؟ إذا استقر العمل بالعموم ثم جاء بعد ذاك المخصص يسمى هنا المخصص ناسخاً لأنه قام بالنسخ. أو إذا استقر العمل بالمطلق ثم جاء بعد كذلك المقيد تكون المقيد ناسخة. أما إذا جاء المخصص متأخراً عن العام ولكن العام لم يستقر عمومه بعد، وكذلك جاء ثم جاء بعد فترة متراخية عنه المقيد والمطلق لم يستقر العمل به بعد، فهذا يسمى هذا تخصيصاً للعام وتقييداً للإطلاق ولا يعد نسخاً.
فهذه مفاهيم مفصلية أيها الأحبة ينبغي أن تتقنها بين التخصيص المتأخر والتقييد المتأخر والنسخ المتأخر حتى لا تتداخل عليك الأبواب وتفهم وجهة نظر الجمهور وجهة نظر الحنفية في هذه الأبواب. فإذا آه هنا قوله ليخرج كما قلنا ليخرج التخصيص ويخرج البيان لأنه بيان المجمل وكذلك تخصيص العام، وفي الحقيقة تخصيص العام يمكن أجعله أصلاً من ضمن البيان لأنه تخصيص العام وتقييد المطلق عند الأصوليين يسمى بياناً أيضاً. يسمى بياناً. ويمكن أن تجعله نوعاً مستقلًّا تقول البيان المجمل والتخصيص للعام. قل كما تشاء أنت أردت أن تدخل أردت أن تفصل لا إشكال عندي، المهم تقول ليخرج البيان لأن البيان المجمل لأنه تخصيص العام لا يشترط فيه أن يكون متراخياً.
طيب إذا جاء متراخياً نقول الفرق هو ما ذكرته لكم قبل قليل أنه العام البيان المجمل وتخصيص العام إذا جاء متراخياً لا يسمى نسخاً آه إذا لم يستقر العمل بالعام بعد. أما إذا استقر العمل بالعام فحينئذٍ يصبح التخصيص التقييد أصلاً فينسخ. واضح الفكرة أيها الأحبة؟ جميل.
آه الآن ننتقل إلى تعريف آخر. الآن ذكر التعريف الذي اعتمده، لا سينتقل إلى تعريف آخر للنص. قال وقيل، وهذا تعريف آخر للنسخ. النسخ هو ماذا؟ كشف مدة العبادة بخطاب ثانٍ كشف مدة العبادة بخطاب ثانٍ. الآن هذا التعريف الثاني كأنه يقول ايش؟ إنه الحكم الثابت بالخطاب المتقدم في علم الله سبحانه وتعالى كان مؤقتاً، صح؟ الحكم الثابت بالخطاب المتقدم الله عز وجل في علمه الأزلي يعلم أنه مؤقت، لكن نحن لم نكن ندري بذلك، فكنا نعتقد أنه على الدوام. اليس كذلك؟ فحينما جاء النسخ النسخ كشف لنا أن العبادة أو الحكم بشكل عام الثابت في الخطاب المتقدم كان لمدة كذا فقط كان لمدة كذا فقط.
الآن الصحابة عندما قدموا إلى المدينة صلوا باتجاه الكعبة ستة عشر شهراً أو سبعة عشر شهراً. صحيح؟ ثم نسخ وبعد ذلك أمروا صلوا راحوا بيت المقدس عفواً الصحابة أول ما قدموا المدينة سلموا راح بيت المقدس كم؟ ستة عشر وسبعة عشر شهراً. ثم بعد ذلك أمروا تحولوا إلى الكعبة. الآن دعونا نطبق التعريف الثاني للنسخ. الله سبحانه وتعالى في علمه الأزلي أعلم أنه التوجه نحو بيت المقدس الصحابة مأمورون به لمدة معينة فقط. صح؟ تنتهي بانتهاء هذه المدة، ستة عشر وسبعة عشر شهر على خلاف المحدثين.
لكن هل الصحابة كانوا يعلمون أن التوجه إلى بيت المقدس كان مؤقتاً بهذا التوقيت؟ لا، صح؟ ما كانوا يعلمون. جاء النسخ بقوله تعالى المسجد الحرام. جاء النسخ الشفاء للصحابة أن التوجه إلى بيت المقدس كان مؤقتاً بهذه المدة المعينة، صح؟ اللي هي ستة عشر وسبعة عشر شهراً. فإذا النسخ يعني هذه زاوية أخرى من النظر إلى مفهومه. النسخ يكشف مدة العبادة، الحكم كان أعم من العبادة أفضل. كشف مدة العبادة وهذا الكشف كيف حصل للصحابة من خلال الخطاب الثاني؟ كشف الخطاب الثاني لهم أن آه مدة التوجه إلى بيت المقدس كانت فقط ستة عشر وسبعة عشر. وهم قبل هذا الخطاب الثاني لم يكونوا على علم بذلك. فإذا هو كشف عملية كشف لما هو في علم الله الأزلي. واضح أيها الأحبة؟
طيب هذا تعريف آخر، وبشكل عام مقبول يعني هو بشكل عام هذا التعريف مقبول في جملته، لكن دعونا ننتقل للتعريف الثالث الذي فيه النقاش المعتزلة. المعتزلة أيها الأحبة عندهم إشكاليتان. في التعريف الإشكال الأول أنظروا في تعريفهم جملة قالوا المعتزلة قالوا النسخ هو الخطاب لاحظوا ايش قال؟ النسخ هو الخطاب الدال على أن مثل الحكم لاحظوا كلمة مثل ضغوا تحتها خطين. مثل الحكم الثابت بالنص زائل على وجه لولاه لكان ثابتاً. الآن عبد المؤمن البغدادي أشار للإشكالية الأولى في هذا التعريف، ايش الإشكالية الأولى برأيكم؟ في إشكالية واضحة حين قالوا النسخ هو الخطاب الدال على أن مثل الحكم الثابت بالنص زائل على وجه لولاه لكان ثابتاً.
إيوا الإشكالية الواضحة تبين أن هذا ليس تعريفا للنسخ، هذا تعريف الناسخ هذا تعريف الناسخ وليس تعريفا للنسخ. النسخ هي العملية الإجرائية وأما الخطاب المتراخي المتأخر هو الذي يسمى ناسخاً ولا يسمى نسخاً. يسمى ناسخاً ولا يسمى نسخاً. فهذه الإشكالية.
الإشكالية الثانية هو ما معنى قول المعتزلة؟ وهذا لم يذكره عبد المؤمن البغدادي أن النسخ قال الخطاب الدال على أن ليس الحكم السابق ارتفع بل على أن مثل الحكم السابق ارتفع. على أن مثل، لماذا قالوا مثل؟ هذه في الحقيقة تعود إلى إشكالية متجذرة عند المعتزلة هي إشكالية أن الأحكام ويسمى عند مسألة التحسين العقلي وهذه مرت معنا مرت معنا سابقاً أيها الأحبة حينما تكلمنا عن حكم الانتفاع بالأعيان قبل ورود الشارع، أن المعتزلة ماذا يرون في قدرات العقل البشري؟ المعتزلة يرون كما ذكرنا سابقاً أن العقل إذا أدرك أن هذه مصلحة خالصة فيجب على الشارع أن يأمر بها أمراً واجباً واجباً وأنها مصلحة راجحة يجب يعني الشارع يأمر بها أمر ندب.
والعقل إذا أدرك أن هناك مفسدة خالصة في فعل ينهى عنها نهي تحريم. وإذا أدرك أن هناك آه مفسدة راجحة في فعل فالشارع ينهى عنها. ما هي قراءة وإذا تساوت مصلحة مع المفسدة فالشارع طبعا بقول هذا عدم الوجوب يعني يجب على الشارع أن يفعل هذه الأحكام بناءً على ما توصل إليه العقل.
جميل الآن هذا ما يسمى التحسين والتقبيح العقلي، أن العقل يحسن ويقبح وبناءً على تحسين العقل وتقبيحه يجب أن تأتي أحكام الشارع. طبعا ما أنا أيها الأحبة كما قلنا طريقة أهل السنة أننا نقول العقل قد يدرك الحسن في أحكام جميل، قد يدرك الحسن لكن إدراك العقل للحسن في بعض الأفعال وإدراكه للمفسدة في بعض الأفعال هذا لا يوجب على الرب سبحانه وتعالى أحكام شرعية، الرب سبحانه له الإرادة الكامنة المطلقة في تحريم ما يشاء وإيجاب ما يشاء ولكن كما قلنا الشارع هو الذي علمنا وأرشدنا إلى أنه يراعي المصالح ويأتي بها ويدفع المفاسد وينفيها. فهذا الفرق يعني جملة. جميل.
فالآن المعتزلة قالوا طبعا يترتب على أقوال المعتزلة في التحسين والتقبيح العقلي يقولون لاحظوا ماذا سيقولون. الحكم الثابت بالخطاب المتقدم أليس حسناً؟ ربنا عز وجل مثلاً أمر بالتوجه إلى بيت المقدس، نطبق على مثال. قالوا الحكم الثابت بالخطاب المتقدم أليس حسناً؟ سنقول لهم قطعا بلى، سنقول لهم بلى هو حسن. قالوا إذا كان حسناً فمعنى إذا قلنا إن النسخ هو يرفع عين الحكم المتقدم معنى أنه رفع عين الحكم المتقدم عيناً جاء بحكم جديد وألغى الحكم المتقدم. إذا هذا معناه أن الحكم المتقدم لم يكن حسناً بل كان قبيحاً، إذ لو كان حسناً لما ألغي.
أنظروا كيف طريقتهم في التفكير، فهمتم من شوية كيف تفكرون في التفكير؟ يقولون الآن الحكم الشرعي الثابت من خطاب المتقدم مثل التوجه إلى بيت المقدس أليس حسناً؟ ممتاز. إذا جاء ناسخ ليرفع هذا الحكم المتقدم الذي قلنا إنه حسن معناه أحد أمرين: يا أنه في الحقيقة لم يكن حسناً وكان قبيحاً والحكم الجديد هو الحسن جميل؟ أو الحالة الثانية أنه لا هو كان حسن وحينما رفعناه أتينا بحكم قبيح. يعني واحد منهم لازم يكون قبيح، يا إما الحكم الأول كان قبيح وأتينا بحسن وهذا حاش لله أن نقوله وهم لا يقولونه أو أنه لا الحكم ذاك كان حسن وأتينا بحكم قبيح. وهذا أيها الأحبة كذلك قالوا باطل.
فبالتالي إذا لا يجوز أن يكون النسخ لعين الحكم المتقدم بل يكون النسخ لمثله، يكون النسخ لمثله. وهذا المثل لم يثبت بعد ويمكن أن يرتفع هذا المثل لم يثبت فيمكن أن ايش؟ أنه يرتفع خطاب متأخر متراخٍ. أنت كيف تجيب عن هذه الشبهة؟ باختصار نقول لهم أيها الأحبة الحكم المتقدم يعني أو أولاً أولاً طريقتكم في التفكير العقلي. العقل أيها الأحبة يمكن أن يدرك الحسن في شيء لكن يدركه بجملته. في كثير من لا تستطيع أن تدرك تفاصيل الحسن بتمامها، الله سبحانه هو الذي يعلم الحسن بكماله.
فهذا الحكم السابق الله سبحانه وتعالى أن الحسن فيه هو أنه مناسب لمدة معينة، الحسن فيه هو فقط لمدة معينة، بعد هذه المدة لا إشكال عندنا كما عبر الطوفي، لا إشكال عندنا أن نقول إنه بعد انتهاء هذه المدة التي يعلمها الله يكون هذا الحكم قبيحاً. في مشكلة عندك؟ الله سبحانه وتعالى بقدير علمه وأزليته يعلم أن هذا الحكم الأول هو حسن لمدة معينة ثم بعد هذه المدة لا يكون هذا الحكم حسناً بل يكون قبيحاً إذا جوزنا التعبير باسلوبهم. أو نقول الشارع أتى.
ما هو أحسن منه. إذا ما بدّي أستخدم كلمة قبيح ترفّعاً، نقول: الشارع يعلم أن هناك ما هو أحسن منه بعد هذه المدة. ما الإشكال في ذلك؟ في الحقيقة لا إشكال. وإنما هي كما قلنا إشكالية التعصب للمبدأ العقدي الخاطئ. لا إشكال أيها الأحبة أن الله سبحانه وتعالى في علمه الأزلي يعلم أن الحكم كان حسناً لمدة، ثم بعد ذلك لن يكون حسناً -أو قل قد يكون قبيحاً هذه المدة، وقد يكون ليس قبيحاً لكن هناك ما هو أحسن منه- ففرضه الله.
فالتوجه إلى بيت المقدس كان حسناً لمدة ستة عشر أو سبعة عشر شهراً، ثم بعد ذلك الحسن الذي يعلمه الله للعبيد هو أن يتوجهوا إلى الكعبة. هل هناك إشكال في هذا التقدير أيها المعتزلة؟ في الحقيقة لا إشكال، ولا يستلزم هذا أن الله عز وجل جعل ما كان حسناً قبيحاً. إنه كيف يا رب ترفع أنت الحكم المتقدم؟ ألم يكن حسناً؟ رفعك له معناه أنه كان قبيحاً! لا، هذا لا يلزم. هذا يلزم لو أننا فرضنا المسألة بعقولنا، أنتم تتحكمون على الله بعقولكم أنه هذا قطعه كان حسناً؛ كيف يا رب رفعته؟ إذاً أكيد أنت ما رفعته، هو أكيد حتى ما يكون قبيحاً أنت رفعت مثله.
لا لا أيها الأحبة، أنتم لا تعلمون أيها المعتزلة الحسن بتفاصيله، هو كان حسناً لمدة معينة لا تعلمونها بعقولكم، والله يعلمها، ثم بعد ذلك جاء ما هو أحسن منه. فلا يعني.. فأنتم حتى كما قلت لكم بناءً على هذه الطريقة العقلية في التفكير عندهم، قالوا: النسخ لا يرفع عين الحكم المتقدم حتى لا نقع في هذا القبح -الذي هم طبعاً تصوّروه بأذهانهم- فنقول: النسخ يرفع مثل المتقدم، وهذا كما قلنا لا أصل له في التفكير العلمي الصحيح الشرعي.
مسألة أيها الأحبة قبل أن ندخل في أحكام النسخ أريد أن أبينها لكم، مسألة أن مفهوم النسخ عند المتقدمين من الأئمة كان يشمل أوسع من دلالته عند المتأخرين. استخدام النسخ بهذا المفهوم، أنه رفع الحكم الثابت بالخطاب المتقدم بواسطة خطاب متأخر عن هذا، تخصيص النسخ بهذا المفهوم فقط هذه طريقة المتأخرين. أما طريقة المتقدمين من السلف -رحمة الله عليهم- فكان النسخ عندهم أعمّ من ذلك، فكان النسخ يشمل -يسمى عندهم تخصيص العام نسخاً، ويسمى تقييد المطلق نسخاً، ويسمى بيان المجمل نسخاً. باختصار: أي بيان من الشارع يسمى نسخاً عندهم.
التخصيصات للعموم، وتقييدات المطلق، والنسخ أيضاً بمفهومه الخاص، كله يسمى نسخاً. فالنسخ عند المتقدمين من الأئمة أعمّ من النسخ عند المتأخرين؛ فالنسخ يطلق على أي بيان جاء من الشارع، سواء كان بيان مجمل، تخصيص عام، تقييد مطلق، رفع حكم ثابت بخطاب متقدم بخطاب متراخٍ، الكل يسمى نسخاً. وأما عند المتأخرين خصصوا النسخ بهذا المفهوم، وهو أنه رفع الحكم الثابت بالخطاب المتقدم بخطاب شرعي متأخر ومتراخٍ عنه.
بقي عندي تعليق على تعريف عبد المؤمن البغدادي للنسخ، عبد المؤمن ماذا قال في تعريف النسخ؟ رفع الحكم. لكن في الحقيقة النسخ ثلاثة أنواع أيها الأحبة: إما.. اكتبوا عندكم النسخ إما أن يرفع الحكم والنص، نسخ للحكم والنص جميعاً. ما مثال هذا أيها الأحبة؟ مثال حديث عائشة: «كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن»، في صحيح مسلم تخبرنا عائشة أنه كان هناك آية في القرآن تخبر أن تحريم الرضاع يكون بعشر رضعات، هذه الآية نسخت بنصها وبحكمها، فهناك نسخ للنص والحكم جميعاً، وجاء نص آخر وبحكم جديد آخر. هذا النوع الأول من النسخ: نسخ الحكم والنص.
النوع الثاني من النسخ: أن ينسخ الحكم فقط دون النص، ففي الحقيقة النسخ هنا يكون لمقتضى النص وليس للنص، أن ينسخ الحكم فقط ويبقى النص موجوداً. ما المثال في القرآن الكريم؟ قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِّأَزْوَاجِهِم مَّتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ [البقرة: 240]. على رأي طائفة من الفقهاء يقولون: هذا النص منسوخ، إنه عدة المرأة المتوفى عنها زوجها سنة، هذا النص منسوخ الذي نسخه الآية التي في الصفحة التي قبلها: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: 234]. فالشريعة ثبتت على أن عدة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشر، فإذاً هذا نسخ لأيش؟ نسخت نص ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِّأَزْوَاجِهِم مَّتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾، هذا نسخ لحكمه وبقي نصه. هذا النوع الثاني من النسخ.
النوع الثالث من النسخ: عكس النوع الثاني، أن ينسخ النص ويبقى الحكم. وهذا مثال: «الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة»، عندما قال إنه هذه كانت آية في كتاب الله سبحانه وتعالى، ثم بعد ذلك ارتفعت، الذي ارتفع ايش؟ نصها وليس حكمها -كما يقول بعض العقلانيين الجدد يخرجون على الإذاعات ويتكلمون من بنات عقولهم أن هذه الآية ارتفعت نصاً وحكماً، بل بعضهم يقول: لا دليل عليها! جيد، هذه الآية ارتفع نصها وبقي حكمها، وعمر في الحديث المشهور في البخاري حين قام على المنبر فقال: "أخاف أن يطول بالناس زمان أن يقول قائل ما نجد الرجم في كتاب الله"، أخبر أن هناك آية في كتاب الله كان فيها الرجم، وأننا فعلناها مع النبي صلى الله عليه وسلم، وأن هذا النص ارتفع نصاً وليس حكماً، فأخشى أن يطول بالناس زمان أن يقول قائل ما نجد الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة-. جميل، فهذا نوع ثالث من النسخ: أن ينسخ النص ويبقى الحكم. هذا النوع الثالث في الحقيقة تعريف عبد المؤمن لا يشمله، لأنه عبد المؤمن ماذا قال؟ "النسخ هو رفع الحكم الثابت للخطاب المتقدم".
لما يقول النسخ رفع الحكم الثابت بالخطاب المتقدم، هذا يشمل رفع الحكم فقط دون النص، ويشمل رفع الحكم مع النص، لكن النوع الثالث والأخير وهو أن يرتفع النص ويبقى الحكم، هذا التعريف لا يشمله، أليس كذلك؟ لأنه قال: "النسخ رفع للحكم"، فقصره بأنه ارتفاع للحكم سواء ارتفع مع النص أو لم يرتفع. طيب الصورة الثالثة يا عبد المؤمن اللي هي صورة ارتفاع النص فقط دون الحكم، هذه الحقيقة لم يشر عبد المؤمن إلى هذا النوع الثالث، ولكنه ثابت على الصحيح من كلام أهل العلم فينبغي عليكم أن تضيفوه عندكم.
الآن أذهب إلى مسائل تتعلق بباب النسخ. المسألة الأولى بعد أن عرضنا النسخ، المسألة الأولى في باب النسخ هي: هل يجوز النسخ قبل التمكن من الامتثال أو لا يجوز؟ قال عبد المؤمن: المسألة الأولى: ويجوز قبل التمكن من الامتثال. ما معنى هذا؟ معنى أن نتصور المسألة، الله سبحانه وتعالى بنص أثبت حكماً ممتاز، ثم ينسخ هذا الحكم عليها قبل أن نتمكن من الامتثال له، هل هذا يمكن أيها الإخوة ولا لا يمكن؟ جاء خطاب من الشارع يثبت حكماً، ثم نسخ هذا الحكم قبل أن نتمكن من الامتثال، هل هذا يجوز؟
الكلام عن الجواز العقلي والشرعي وليس الوقوع، لأن هل وقع ولا ما وقع هذا أمر آخر، الآن نتكلم عن الجواز؛ هل هذا جائز عقلاً وشرعاً؟ عقلاً جائز طبعاً بلا نقاش، إنه العقل لا يمنع ذلك. طب هل هو جائز شرعاً؟ أيضاً يجوز شرعاً، لا إشكال أن الله سبحانه وتعالى ينزل خطاباً ويأمر فيه بحكم، ثم ينسخ هذا الحكم قبل أن نتمكن من الامتثال. طب ممكن يقول قائل: طب يا شيخ شو الفائدة؟ إذا كان الله عز وجل لماذا ينزل الله الخطاب؟ وهذا الخطاب يأمرنا بالحكم وهو سبحانه يعلم أنه سينسخ الحكم قبل أن نتمكن من الامتثال!
نقول مر معنا هذا السؤال سابقاً، وقلنا ما فائدة الحكم؟ ما فائدة هذه المسألة؟ العز، أيوه، أن الله يختبر هل عندما أنزل هذا الحكم هل المكلفون عزموا على الامتثال والانقياد في هذا الحكم؟ جميل، هناك فائدة أخرى وهو أن ينظر الله في مقدار الانقياد عند المكلفين، وهل المكلفون سيعترضون على الله سبحانه وتعالى؟ كيف يا ربنا تنزل حكماً وبعد ذلك ترفعه قبل ما نتمكن من أن نمتثله؟ هل المكلفون عندهم انقياد كامل للرب، وأن الرب له أن يفعل ما يشاء، يأمر ثم قبل أن نبتدئ يرفعه ثم قبل أن.. يعود يأمر، هل هذا التصرف المطلق لله ولا ما زالت القلوب فيها شيء؟
أنه "لا.. بدنا نعترض على الله والعياذ بالله لماذا تنهى ثم تنسخ قبل أن نستطيع؟"، ينظر في مستوى الانقياد عند المكلفين. ففي الحقيقة لا، هناك فوائد عديدة يمكن أن نستنبطها من هذه المسألة، فمن قال إنه لا فائدة منها، لا، نقول لها فائدة. فإذاً هذا بمسألة الجواز الشرعي، إذاً جائز شرعاً، هل وقعت؟ هؤلاء مثال عليها الآن، يذكرون أشهر مثال يذكرونه وهي مسألة نسخ الصلوات الخمسين، لما النبي صلى الله عليه وسلم كان في السماء عند الله سبحانه وتعالى الله فرض عليه خمسين، ثم نزل سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم إلى موسى، موسى قال له: "إن أمتك لا تطيق"، الآن رجع النبي صلى الله عليه وسلم فالله أسقط عشرة، ثم ما زال يسقط يسقط حتى وقفنا على الخمس، جميل؟
الآن إذا الله فرض الخمسين ثم نسخها وبقي ينسخ حتى وصلت الخمس قبل أن نتمكن من الامتثال للخمسين، فهذا نسخ قبل التمكن من الامتثال. طب ايش الفائدة؟ لها فوائد، أن الله يظهر الرحمة، يظهر منّته على عبيده، أنه كانت عليكم الخمسين وأنزلت، فلكز إلى خمسة، وهذا فيه منة من الرب سبحانه وتعالى، هذا كرمه ورحمته ولطفه بالعبيد، ولو أبقانا على الخمسين وشدد علينا كما شدد على الأمم السابقة لما استطعنا ولو وقعنا في العجز، أليس في هذا نسخ للملة؟
أيضاً من القصص التي تذكر وتطبق عليها، وإن لم تكن في شرعنا ولكنها في شرع ما قبلنا، قصة إبراهيم عليه السلام مع إسماعيل، حينما أمر الله بذبح ابنه، ثم قبل أن يتمكن من الامتثال الله سبحانه وتعالى سلبه القدرة على الذبح، ولكن هناك فوائد جلية واضحة، أن الله اختبر إبراهيم وصدقه قبل أن يفعل صح ولا لا؟ وما تمكن من الامتثال، لكنه أخذ بالأسباب وتجهز ونظر وثبت وتيقن ورضي بقضاء الله، فهذا يكفي، أن هذا لهو البلاء المبين، أليس الله قال ذلك في كتابه؟ جيد.
ننتقل أيها الأحبة إلى المسألة الثانية من مسائل النسخ، هي مسألة الزيادة على النص، مسألة الزيادة على النص، هذا المفهوم احفظوه جيداً، مفهوم الزيادة على النص، هذه المسألة فيها تفاصيل في الحقيقة. الزيادة على النص أيها الأحبة، هكذا نقسمها إلى قسمين، طبعاً ما معنى زيادة على النص؟ قبل أن أدخل في التقاسيم، كن عند أيها الأحبة نص سابق يثبت حكماً، عندي حكم ثابت بنص سابق، بخطاب متقدم على طريقة عبد المؤمن، ثم بعد ذلك يأتي عندي خطاب جديد يثبت حكماً جديداً.
الآن ما هي الصور المتوقعة؟ الصورة رقم واحد: أن يكون الحكم الجديد الذي ثبت في الخطاب الجديد ليس له علاقة بالحكم الثابت بالخطاب المتقدم، فبهذه الحالة لا يوجد نسخ بالإجماع، صح ولا لا؟ نزل نص من الله سبحانه وتعالى في بداية الهجرة بوجوب الصلاة والزكاة، ممتاز، ثم نزل نص في العام التاسع من الهجرة بوجوب الحج، الآن هل النص المتأخر له علاقة بالنص المتقدم؟ ليس له علاقة، أليس كذلك؟ بالتالي هذا لا يسمى نسخاً. جميل، هذه أول صورة من صور الزيادة على النص: أن يأتي عندي نص متقدم في بداية الهجرة -في عام اثنين هجري، ثلاث هجري- يثبت حكماً، ثم يأتي نص متأخر -سبعة هجري، ثمانية هجري، تسعة هجري- يثبت حكماً آخر، والحكم الآخر ليس له علاقة بالحكم الأول، في هذه الحالة لا يوجد نسخ بالإجماع. قال عبد المؤمن: الحالة الأولى: "أن لم تتعلق هذه الزيادة بالمزيد عليه، مثال ذلك كإيجاب الصلاة ثم بعد ذلك إيجاب الصيام، في هذه الحالة ليس نسخاً بالإجماع". ممتاز؟
فهذا النوع من الزيادة على النص لا يسمى نسخاً، وأنتم واضح لديكم، أنه هناك نص يتكلم عن موضوع ثم جاء بعد ذلك نص آخر يتكلم عن موضوع جديد، فهذا يثبت حكماً جديداً وهذا يتكلم عن حكم منفصل عنه تماماً، فلا يوجد عملية نسخ بتاتاً.
الآن ننتقل إلى الحالة الثانية، المسألة الثانية من الزيادة على النص: أن يكون النص الجديد يثبت حكماً متعلقاً بالحكم الذي يثبته النص القديم، ويثبت حكماً زائداً، حكماً زائداً يتعلق بالحكم الذي أثبته النص القديم. أعيد الحالة الثانية: يأتي عندي نص قديم أثبت حكماً، بعد مدة يأتي نص جديد يثبت حكماً زائداً، هذا الحكم الزائد يتعلق بالحكم الذي أثبته النص القديم، إلى هنا واضح. لكن ما وجه تعلق هذا الحكم الزائد الذي أثبته النص الجديد بالحكم الذي أثبته النص القديم؟ وهنا وجهان، هنا عندنا تفريع، عندنا وجهان.
الوجه الأول: أن يتعلق الحكم الزائد الثابت بالنص الجديد بالحكم الثابت بالنص القديم لكن لا على وجه الشرطية، يتعلقان ببعضهما لكن لا على وجه الشرطية، يعني الحكم الزائد باختصار ليس هو شرطاً للحكم القديم، الحكم الزائد الذي ثبت في الخطاب الجديد تعلقه بالحكم الثابت بالخطاب القديم ليس على وجه الشرطية، ليس على أنه شرط هذا الحكم الجديد في الحكم القديم، فهذا معنى قول عبد المؤمن: "وإن تعلقت -يعني تعلقت الزيادة- بالمزيد عليه وليست".
بشرط، يعني ليس على وجه الشرطية. هناك علاقة لكن ليس على وجه الشرطية فهذا نسخ عند أبي حنيفة. صورة المسألة أيها الأحبة أن يكون الله سبحانه وتعالى -أعطيكم مثالاً يتضح المقال إن شاء الله- الله سبحانه وتعالى ابتداءً في القرآن الكريم بين حكم الزاني غير المحصن، قال: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: 2]. إذاً الحكم الثابت بالخطاب المتقدم ما هو؟ وجوب جلد الزاني غير المحصن مائة جلدة. ممتاز؟
ثم بعد مدة جاء في السنة النبوية حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام». إذاً الآن تثبت لي حكماً زائداً عن الحكم الثابت بالخطاب المتقدم من نص القرآن. ما هو الحكم الزائد؟ وجوب التغريب أيضاً على الزاني غير المحصن، يعني سنجلده مائة وهناك حكم جديد أنه فوق المائة سنغربه، يعني سننفيه مدة سنة عن وطنه. الآن هل هذا الحكم الزائد الذي جاء بالخطاب الجديد يتعلق بالحكم الثابت للخطاب القديم؟ قطعاً يتعلق به، لأنهما ينصبان على مسألة واحدة، مسألة الزاني غير المحصن. لكن هل تعلق النفي العام بجلد المائة تعلق على وجه الشرطية ولا ليس على وجه الشرطية؟ ليس على وجه الشرطية، فجلد التغريب العام ليس شرطاً في وجوب الجلد بالمائة. صحيح ولا لا؟ يعني هل شرط جلد المائة تغريبه عاماً؟ لا، هذا حكم وهذا عقاب وذاك عقاب.
فابتداءً كان العقاب الثابت هو الجلد، ثم النص الجديد يثبت عقاباً آخر وهو فوق الجلد، هناك تغريب عام. وهذا الحكم مما يتعلق بوجه الشرطية بالحكم القديم، هو يتعلق به لأنهما ينصبان على جريمة واحدة، جريمة الزنا لغير المحصن، فهذا وجه التعلق به لكن ليس هذا التعلق على وجه الشرطية. في هذه الحالة هل نقول هذا النص الذي يثبت النفي يعتبر ناسخاً للآية القرآنية المتقدمة؟ أبو حنيفة يقول نعم، والجمهور يقولون ليس نسخاً.
الآن ما وجهة نظر الجمهور وما وجهة نظر أبي حنيفة؟ الجمهور قالوا: دعونا ننظر إلى تعريف النسخ، ما هو النسخ أيها الأحبة؟ النسخ هو رفع حكم ثبت بخطاب متقدم بخطاب متأخر متراخٍ، أليس كذلك؟ الآن حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام»، هل رفع حكماً ثبت بخطاب متقدم؟ هل رفع حكم جلد الزاني غير المحصن مائة؟ في الحقيقة ما رفع، وإنما زاد عقوبة جديدة عن العقوبة السابقة. في الحقيقة الجمهور يقولون: التغريب الذي ثبت بالخطاب المتأخر لم يرفع الحكم الثابت بالنص المتقدم، وإنما وقعت زيادة عليه، فهناك عقوبة واحدة أصبح عندي عقوبتها، فالحكم الثابت بالخطاب المتقدم لم يرتفع، بل بقي الجلد على حاله.
أبو حنيفة ما وجهة نظره؟ أبو حنيفة يقول: لا يا جماعة، الخطاب المتأخر قام برفع شيء في الخطاب المتقدم. قلنا لأبي حنيفة: ما هو الشيء الذي رفعه؟ قال: استقلالية الجلد هي التي ارتفعت. الخطاب المتقدم على ماذا يدل؟ الآية القرآنية تدل على أن جلد المائة كان وحده كافياً في إيقاع العقوبة بالزاني غير المحصن، كانت وحدها هي العقوبة. لما جاء النص المتأخر فأثبت شيئاً جديداً وهو التغريب العام، أصبحت العقوبة ليست فقط جلد المائة، بل أصبحت العقوبة هي جلد المائة وتغريب العام. فابتداءً كان الجلد مستقلاً بالعقوبة، ثم أصبح في النص المتأخر ليس مستقلاً، أصبحت العقوبة الجلد مع التغريب، فإذاً النص المتأخر رفع استقلالية الجلد التي كانت ثابتة بالنص المتقدم.
أعيد: النص المتأخر، الحديث النبوي، رفع استقلالية الجلد التي كانت بالنص المتقدم. فإذاً حدث رفع، رفع للاستقلالية. طب كيف نجيب؟ في الحقيقة ما نجيب به هو أن رفع الاستقلالية ثابت في الحقيقة، نحن نقر بذلك، لكنه ليس مقصوداً أصالةً بالنص المتأخر، وإنما جاء رفع الاستقلالية على وجه التبع. وهذه فائدة في النسخ، والنسخ لا يسمى نسخاً إلا إذا كان مقصوداً أصالةً، وأما إذا كان على سبيل التبع فلا يسمى نسخاً. هذه فائدة مهمة جداً. فهمتم كيف تردون الحنفية؟ أنه نحن نقر أن الاستقلالية ارتفعت، ولكن هذا ارتفاع الاستقلالية هل النص المتأخر جاء ابتداءً ليرفع الاستقلالية؟ ولا نحن فهمنا ارتفاع الاستقلالية تبعاً لزيادة العقوبة؟ في الحقيقة نحن الذي فهمناه من النص النبوي المتأخر هو زيادة العقوبة، وزيادة العقوبة تتضمن تبعاً ارتفاع استقلالية الجلد التي دل عليها النص الأول. فارتفاع الاستقلالية حصل نعم أيها الحنفي، لكنه حصل تبعاً وليس هو المقصود أصالةً. والنسخ لا نعتبره نسخاً إلا إذا كان النص المتأخر يقصد بمجيئه أصالةً أن يرفع الحكم الثابت بالنص المتقدم، أما إذا فهمت الارتفاع على وجه التبع مثل هذه الصورة، فعند الجمهور قالوا: لا يسمى نسخاً.
الحالة الثالثة: أن يكون هناك زيادة على النص، يكون عندي نص متأخر أثبت حكماً زائداً على حكم أثبته نص متقدم، وكانت هناك علاقة بين الحكم الزائد الذي أثبته النص المتأخر مع الحكم الذي أثبته النص المتقدم، وطبيعة هذه العلاقة هي الشرطية، وهي أن النص أو الحكم الذي ثبت بالنص المتأخر أصبح شرطاً للحكم الثابت بالنص المتقدم. إذاً هناك نص متأخر أثبت حكماً، هذا الحكم يتعلق بحكم ثبت بنص متقدم، وطبيعة التعلق هي علاقة الشرطية. الحكم المتأخر هو زيادة شرط على الحكم الثابت بالنص المتقدم، لذلك كانت العلاقة بين الحكمين هي علاقة الشرطية.
مثال ذلك النية في الطهارة. قال الله سبحانه وتعالى لما أمرنا بالطهارة في آية المائدة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: 6]. أمرنا ابتداءً بماذا؟ بالغسل. فآية المائدة أمرتنا بالغسل، ثم جاء بعد ذلك حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل حديث: «إنما الأعمال بالنيات»، دل هذا الحديث بمفهومه وبدلالاته المتعددة على أنه يجب ويشترط النية قبل العبادات عموماً ومنها الطهارة. النص المتقدم وهو آية المائدة أثبت لي الطهارة، وأنها غسل وجه، وغسل يدين، ومسح رأس، وغسل رجلين، وما ذكر موضوع النية ولم تتطرق إلى موضوع النية أبداً، ثم جاء نص متأخر عن النبي صلى الله عليه وسلم بحكم زائد على الطهارة يتعلق بالطهارة وهو وجوب النية للطهارة.
هذا الحكم الذي ثبت بالنص هو وجوب النية للطهارة، هو حكم زائد على الحكم المتقدم، وطبيعة هذه العلاقة علاقة الشرطية. فهل نقول هنا وقع عندنا نسخ ولا لا؟ أبو حنيفة ومن وافقه، وبعض الذين خالفوه في المسألة الأولى وافقوه في المسألة الثانية، لذلك قيل: فدلالة الشرطية من باب أولى أن تعتبر نسخاً.
الآن ننظر كيف حدث النسخ؟ حينما تقول عندي نص متقدم يثبت حكماً، ثم جاء نص متأخر يثبت حكماً مرتبطاً بالحكم الذي أثبته النص المتقدم والعلاقة بينهما هي الشرطية. فالنص المتأخر يثبت حكماً هو زيادة على الحكم المتقدم. أين النسخ في الموضوع؟ دعونا نطبق تعريف النسخ: هو رفع الحكم الثابت بخطاب متقدم بخطاب متأخر. الآن هذا النص المتأخر ما الحكم الذي رفعه من الخطاب المتقدم؟ الجمهور يقولون: هذا النص الذي أوجب النية للطهارة هو لم يرفع حكماً ثبت بالخطاب المتقدم، بقيت الطهارة على حالها ما زدنا عليها شرطاً فلن يتحقق الرفع.
أبو حنيفة ماذا سيقول؟ يقول: لا، النص المتأخر رفع شيئاً في النص المتقدم. قلنا له: ماذا رفع يا أبا حنيفة؟ قال: رفع الإجزاء. النص المتقدم كان يدل على أن تجزئ الطهارة من دون نية، النص المتقدم لما لم يوجب النية، ما اشترطنا فيها النية، بل أمر بغسل الوجه واليدين ومسح الرأس وغسل الرجلين، كان النص المتقدم حكمه أنه إذا فعلت ما أمر الله به أجزأك وكنت ممتثلاً وانتهى الأمر. لما جاء النص المتأخر فزاد حكماً، أصبح بالتالي الحكم الثابت بالنص المتقدم لا يجزئ وحده حتى تفعل الشرط الذي دل عليه النص الجديد. فبعد إتيان النص الجديد لو أنك فعلت أركان الوضوء من دون نية هل يجزئك؟ لا، لأنه النص الجديد دلني على اشتراط أنه هنا شيء جديد عليك أن تفعله في هذه العبادة وهي أن تنوي أولاً ثم تفعل. فبالتالي الحكم الأول كان مجزئاً وحده، ثم الحكم الجديد دل على أن الحكم الأول ما عاد مجزئاً وحده، بل نحتاج إلى فعل هذا الشرط الذي ثبت بالحكم الجديد حتى يحدث الإجزاء كاملاً.
نقول أيها الأحبة: نفس الأسلوب في الرد، نقول: صحيح أن النص الجديد دلنا على أن الحكم المتقدم ما عاد وحده مجزئاً بل لا بد من إضافة الشرط الذي ثبت بالنص المتأخر، لكن ارتفاع الإجزاء حصل على وجه التبع وليس هو المقصود أصالةً من النص المتأخر. النص المتأخر الذي جاء ليثبت شرطاً زائداً على الحكم المتقدم لم يقصد أصالةً، يعني لم يأتِ أصالةً لينسخ الحكم المتقدم، هو جاء فقط أصالةً ليثبت شرطاً جديداً للحكم المتقدم فقط. نحن فعلاً فهمنا قضية ارتفاع الإجزاء، أنه الحكم الأول كان يجزئ وحده والآن ما عاد يجزئ وحده، أصبح يحتاج إلى توفر هذا الشرط الجديد، فارتفع الإجزاء الذي كان ثابتاً للحكم المتقدم وحده أو باستقلاليته في الإجزاء. إذا أردت أن تعبر: ارتفعت استقلاليته في الإجزاء، أصبح لا يستقل وحده في الإجزاء بل يحتاج إلى الشرط المتأخر. نقول: ارتفاع استقلالية الإجزاء حصلت فعلاً، لكنها حصلت على سبيل التبع وليس هي مقصود النص المتأخر بالأصالة، والنسخ لا نقبله ولا نعترف به على سبيل التبع. هذه وجهة نظر الجمهور.
خلاصة المسألة هكذا تمر على الساحة يا طالب العلم، وهي مسألة سأختم بها، نقول أيها الأحبة: الزيادة على النص، الزيادة على النص إما ألا تتعلق بالحكم الثابت بالخطاب المتقدم أصالةً، يعني عندي عبادة ثبتت بخطاب متقدم، يأتي خطاب متأخر يثبت لي عبادة جديدة، هذه زيادة، كان عليك عبادة والآن صار عليك عبادتين، ولكن النص المتقدم يتكلم عن الصلاة والنص الجديد أثبت لي زيادة عبادة جديدة وهي الصيام، هل هناك علاقة بين الصيام والصلاة؟ لا توجد علاقة، بالتالي لا يسمى هذا نسخاً. الصورة الثانية: أن تتعلق الزيادة الجديدة في الحكم السابق، وفي هذه الحالة عليك أن تتفرع إلى تفريعين، تقول: إما أن يكون التعلق لا على وجه الشرطية، والحالة الثانية أن يكون التعلق بينهما على وجه الشرطية.
الآن أبو حنيفة رحمة الله عليه في كلا الوجهين هنا يرى أن الزيادة على النص تعتبر من قبيل النسخ، لذلك أبو حنيفة يرى أن الخاص المتأخر عن العام ينسخ زيادة على النص، تذكرون حينما قلنا أن المقيد الذي جاء متراخياً عن المطلق اعتبروه نسخاً، لأنه قال زيادة على النص سواء وتتعلق به عند أبي حنيفة، سواء تتعلق على وجه الشرطية أو على غير وجه الشرطية، فمباشرة عنده نسخ. لذلك أبو حنيفة جعل الخاص المتأخر عن العام ناسخاً، وجعل المقيد المتأخر عن المطلق ناسخاً، لأنه زيادة على النص يتعلق بالحكم السابق سواء كان على وجه الشرطية أو على غير وجه الشرطية كله عنده نسخ.
لاحظ كيف التلاؤم والتناغم العام بين آراء أبي حنيفة وتفصيلاته؟ لا تجد عند المعاصرين يقول بقاعدة أصولية وبمكان آخر تجد القاعدة تضرب الأولى، بل فيه تناغم عام. الرجل يقول لك: أنا عندي الزيادة على النص نسخ، بالتالي العام المتأخر عن العام ناسخ، والمقيد المتأخر عن المطلق ناسخ. أما عند الجمهور فلا. لماذا الجمهور لا يرون أن الزيادة على النص من قبيل النسخ؟ لأنهم يقولون: الارتفاع الذي وقع في الحكم المتقدم ارتفاع وقع على وجه التبع، وليس مقصد النص المتأخر أصالةً أن يرفع، ومقصده إحداث حكم جديد وليس مقصده النسخ.
يرفع هذا الارتفاع تبعا في جزئيات، فبالتالي لا نجعل هذا من قبيل النسخ. الآن شيخنا هناك أنا شايف الخلاف وجهة نظر فقط، صح؟ أنتم تقرون برأي الحنفية أنه هناك ارتفاع في الاستقلالية، الحنفية سموها نسخاً وأنتم لا تسمونها نسخاً، ماذا سيؤثر؟ هل هناك أثر لهذا الخلاف؟
من قال إنها نسخ؛ فالزيادة على النص نسخ عند أبي حنيفة، بالتالي ينبغي أن يكون الناسخ في قوة المنسوخ أو أعلى منه، ولا يجوز أن يكون أضعف. ستأتي أحكام النسخ التي ستأتي، من أنه لا يجوز نسخ القرآن بالسنة أو العكس، نسخ السنة بالقرآن.
لن يجوز قبول الزيادة على النص؛ سيأتي معنا في الدرس القادم أحكام النسخ، وهل القرآن ينسخ السنة؟ من قال إن القرآن لا ينسخ السنة، بالتالي إذا جاءت زيادة على النص عنده لن يقبل الزيادة على النص إذا كان النص المتأخر هو القرآن والنص المتقدم هو السنة. لماذا؟ لأن القرآن لا ينسخ السنة، والزيادة على النص عنده من قبيل النسخ، وهذه جاءت في القرآن بالتالي لن تكون صالحة لأن تزيدها على السنة؛ لأن القرآن لا ينسخ السنة.
فإذن الأحكام التي تتعلق بأبواب النسخ من حيث ماذا ينسخ ماذا، ومن حيث قوة الناسخ، كلها ستطبق عند أبي حنيفة لأنه يعتبر المسألة مسألة نسخ. أما عند الجمهور الذين لا يحتملون الزيادة على النص بكل صورها نسخاً، لن يطبقوا أحكام النسخ من حيث ما هو الناسخ والمنسوخ وقوة الناسخ؛ لم يطبقوها على هذا الباب. إذاً المسألة ثمرتها مهمة جداً وخطيرة، وبالتالي ستكتشف لماذا الفروع الفقهية تختلف بين الجمهور وبين الحنفية، في مسائل تعود إلى هذه القضايا. الآن أحكمها يا طالب العلم تفهم ما سر الخلاف؛ أنه كثير من القضايا عند الجمهور هي تخصيص عام أو تقييد مطلق، والنسخ له شروطه وقيوده ولا يقبل إلا بشروط وصفات معينة لم تتوفر، فبالتالي لا نستطيع أن نقول بالنسخ، وأما عند الجمهور فهي من قبيل تخصيصات وتقييدات وما شابه ذلك، فتقبل عندهم بأضعف الأدلة.
مسألة الزيادة على النص حاولت أن ألخصها بشكل سريع، وإن شاء الله أيها الأحبة في الدرس القادم بإذن الله نكمل ما بقي من مسائل في باب النسخ، ونشرع في مصدر جديد من مصادر التشريع وهو الإجماع، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل