دخولتسجيل الدخول

الدرس 26 - بابُ الاستثناء

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم. أحمده سبحانه وتعالى عند الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين ومحجة للسالكين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين. حياكم الله أيها الأحبة في مجلس جديد في شرح كتاب قواعد الأصول ومعاقل الفصول للإمام عبد المؤمن البغدادي رحمة الله تعالى عليه.

وانتهى بنا الحديث أيها الأحبة في آخر كتاب التخصيص، درسنا إذاً مفهوم العام، نحن الآن نتكلم عن العام والخاص والتخصيص، مصطلحات ثلاث ينبغي على طالب العلم في هذه المرحلة أن يتقنها إتقاناً تاماً كمصطلحات. ما معنى العام؟ اللفظ المستغرق لجميع ما يصلح له دفعة واحدة بلا حصر. ما هي الألفاظ التي توصف بأنها عامة؟ ما هي الصيغ التي يكون فيها عموم معنوي؟ ثم بعد ذلك يعرف الخاص؛ اللفظ الذي يدل على ماذا؟ اشتري في الخاص كنا أو فردين فصاعداً مع حصر، صح؟ اللفظ الدال على معين أو على فردين فصاعداً مع حصر. ثم قلنا أو ذكرنا أمثلة عليه، بعد ذلك انتقلنا للتخصيص وقلنا أهم من الخاص، لأن التخصيص ظاهرة عامة يتعرض لها اللفظ العام في الكتاب والسنة، وقل أن ينجو عام من التخصيص، وقل أن ينجو عام من التخصيص. قلنا إيش تعريف التخصيص؟ إخراج بعض ما تناوله اللفظ العام، إخراج بعض ما تناوله اللفظ العام من الحكم المسلط على العام أن تخرج بعض ما تناوله اللفظ العام إلى نقل مسلط على العام.

ثم ذكرنا أن التخصيص في الدرس الماضي قلنا التخصيص على نوعين في الحقيقة، صحيح، هذا هو المشهور عند أكثر الأصوليين الآن، مخصصات متصلة، هناك تخصيص بالمتصل وهناك تخصيص بالمنفصل. قلنا ما معنى أن هذا مخصص متصل؟ لا، المتصل هو الذي يكون يعني متصلاً مع اللفظ العام في نفس السياق، وهي الاستثناء والشرط والغاية والصفة. هذه المخصصات الأربعة تسمى مخصصات متصلة لأنها تكون مع اللفظ العام في نفس المخصص. المنفصل لا، هو الذي يستقل عن اللفظ العام، لا يكون مع اللفظ العام في نفس السياق، بل يكون منفصلاً عنه. عبد المؤمن البغدادي بدأ بأي أنواع من المخصصات؟ المخصصات المنفصلة، فذكر منها تسعة هي التي سردناها في الدرس الماضي، وذكرنا مثالاً مثالاً على كل واحد من هذه المخصصات، عليكم أن تتقنوا الحس والعقل، والنص، وقول النبي صلى الله عليه وسلم، عفواً، وفعل النبي صلى الله عليه وسلم، والتقرير، والمفهوم، والقياس على نص خاص، وايش بقي عندنا؟ بقي اثنان، ذكرنا الحس والعقل والنص الخاص والإجماع، وإجماع قال عبد المؤمن البغدادي: والصحيح أنه دال على المخصص وليس هو المخصص.

فذكرنا الحس والعقل، والإجماع، والنص الخاص، ثم ذكرنا المفهوم، وفعل النبي صلى الله عليه وسلم، وتقرير النبي صلى الله عليه وسلم، وقول الصحابي لمن كان عنده حجة، ثم ختمنا بالقياس على نص خاص. هذه هي التسعة التي اليوم بإذن الله سنختم الكلام المتعلق بالتخصيص وسنتكلم عن الاستثناء، ونحن كما قلنا عند جماهير الأصوليين الاستثناء وما يلحق من الشرط والصفة والغاية تسمى المخصصات المتصلة. لكن سابين لكم في الحقيقة هنا منهج معين سلكه عبد المؤمن البغدادي، تبع فيه ابن قدامة في الروضة، وابن قدامة تبع فيه الغزالي في المستصفى. فهل هم هؤلاء الثلاث عدوا الاستثناء والشرط والصفة وما لحقها مخصصات متصلة، ولا هم أصلاً لم يجعلوها من قبيل التخصيص؟ هذا ما سنبينه اليوم إن شاء الله. لكن دعونا نختم الكلام عن التخصيص، نحن وصلنا في الدرس الماضي إلى قول المصنف: ويجوز تخصيص العموم إلى الواحد.

ويجوز تخصيص العموم إلى الواحد، الآن عبد المؤمن البغدادي رحمة الله عليه يعني ينظر لمذهب الحنابلة رحمة الله عليهم في مسألة معينة وهي هذه المخصية، وهكذا يريد أن يقول: هذه المخصصات المنفصلة التسعة التي مرت معنا، هل تستطيع أن تخصص العام بحيث لا يبقى ضمن اللفظ العام إلا واحد فقط؟ لفظ العهد ولفظ مستغرق لجميع ما يصلح له، صح؟ قلنا يقبل التخصيص وهو إخراج بعض ما تناوله اللفظ العام، هذا هو التخصيص. هل يمكن للمخصصات أن تخرج جميع الأفراد التي تناولها اللفظ العام ولا يبقى اللفظ العام إلا يدل على واحد فقط؟ تصورتوا إيش المسألة؟ العام يستغرق جميع أفراده، هل يمكن أن يأتي التخصيص ليخرج كل الأفراد من اللفظ العام، ويبقى للعام فرد واحد فقط يتناوله؟ عبد المؤمن البغدادي يقول: ويجوز تخصيص العموم إلى الواحد. إذاً المعتمد والظاهر بمذهب الحنابلة أن تخصيص العموم يجوز أن يخصص العام حتى يبقى منه واحد فقط، يجوز أن يخصص العام ويبقى يخصص حتى يبقى اللفظ العام فقط يدل على واحد.

طبعا سيأتي معنا بعد قليل إن شاء الله أن الحنابلة عندهم الاستثناء، حينما ندرس تخصيص العموم بالاستثناء لا يجوز في الاستثناء إلا استثناء الأقل أو النصف، ولا يجوز استثناء الأكثر، بالتالي هذا الكلام يجب أن نخرج منه الاستثناء، ونقول: يجوز تخصيص العموم إلى واحد عند الحنابلة إلا إذا كانت باستخدام الاستثناء، لأنه سيأتي معنا إن شاء الله ستنتبهون أن الحنابلة رحمة الله عليهم إذا كان التخصيص باستخدام ألوب الاستثناء لا يجوز أن يكون المخرج أكثر من النصف، يعني فقط النصف دونه، لا يجوز أن يكون المخرج أكثر من النصف، فما بالك يكون الإخراج لواحد من باب أولى لا يجوز؟ صح؟ فهذه المسألة الحنابلة يستثنى منها التخصيص بالاستثناء، فالتخصيص بالاستثناء كما سيأتي له يجب أن يكون المستثنى من اللفظ العام، يعني المخرج من اللفظ العام هو النصف فأقل، أما باقي المخصصات فيجوز فيها أن تبقى وتخصص اللفظ العام حتى لا يبقى من اللفظ العام إلا واحد.

هذا هو الرأي الأول، الرأي الثاني في المسألة كما عارض عبد المؤمن البغدادي يذكر الآراء الأخرى. طبعا هناك مسائل أيها الأحبة الأصوليون يذكرونها لكن يصعب أن تجد لها مثالاً في الحقيقة، يعني يصعب أحياناً تكون مسألة تنظيرية أنه هل يجوز أن يأتي الشارع بتخصيص يخرج جميع ما تناوله اللفظ العام ولا يبقى للفظ العام إلا فرد واحد؟ يجوز، ما عندنا مشكلة لغوية وشرعية تمنع ذلك، لكن هل وقع مثال؟ هذا هو السؤال، هل وقع مثال على هذه القضية؟ هنا يعني لا أجد ولا مثالاً على هذه القضية، فمن وجد مثالاً فليفتنا بذلك.

الرأي الآخر يقول: وقال الرازي والغزالي إلى أقل الجمع. جميل، الرأي الثاني في المسألة قال الرازي، الرازي هنا ينتبه أيها الأحبة، كثيراً ما يقال الرازي في كتب الأصول، خاصة كتب الأصول المقارنة التي تقارن أقوال العلماء، ونعني به الرازي المشهور فخر الدين الرازي الشافعي، شيخ العقول عند علماء الكلام، والمتوفى سنة ست مئة وستة. آه، أحياناً يطلق الرازي ويراد به الإمام أبو بكر الرازي، وهذا من أئمة الحنفية، أبو بكر الرازي من أئمة الحنفية، توفاه الله عز وجل عام سبعين وثلاث مئة، هو متقدم على فخر الدين الرازي، فخر الدين الرازي سنة ست مئة وستة هجري بعد الغزالي، أما هذا الإمام أبو بكر الرازي من أئمة الحنفية أصولاً وفقهاً وعلماً، رجل علامة أبو بكر الرازي، فهذا كثيراً ما يطلق في كتب الأصول الرازي ويراد به هذا الرجل، أبو بكر الرازي، وهو كما قلنا متوفى سبعين وثلاث مئة هجري وهذا هو المراد هنا، فقوله: وقال الرازي، المراد أبو بكر الرازي الحنفي والقفال.

القفال هذا أيها الأحبة القفال الشاشي من أئمة الشافعية، وكان معتزلاً وترك الاعتزال فيما أذكر، هذا الرجل كان معتزلياً وترك الاعتزال، الشاشي أيضاً من الشافعية، والغزالي من الشافعية. هؤلاء الثلاثة ماذا قالوا؟ قالوا: لا، لا يجوز أن يخصص العموم بحيث يبقى منه فرد واحد، يجوز تخصيص العموم لكن الحد الأدنى الذي يصح أن يصل إليه هو أن يبقى من العموم، أو يعني أن يبقى اللفظ العام دالا على أقل الجمع، عشان تعرفوا إيش مسألة أقل الجمع، لماذا درست؟ أنها ستجتاج إليها، وما هو أقل الجمع عند الجمهور؟ ثلاثة، وحكي عن مالك وقول في الشافعية: اثنان. هنا فائدة الدراسة مسألة أقل الجمع.

فإذاً الرأي الثاني لأبي بكر الرازي الشاشي والغزالي يقولون: تخصيص العام لا يجوز أن يبقى العام يخصص ويخرج منه ويخرج منه حتى يبقى واحد، لا، ما يجوز، يجوز أن يبقى التخصيص للعام، يعني يخصص من العام، يخصص من العام حتى يبقى اللفظ العام يدل على أقل الجمع، هذا هو الحد الأدنى المسموح، ولا يجوز أن يخصص العام بعد ذلك، ولا يجوز أن يخصص العام بعد ذلك. إيش أقل الجمع؟ ثلاثة، فهذا هو الحد الأدنى الذي يجوز أن يصل إليه اللفظ العام، أما أن يخصص العام بحيث لا يبقى يدل بعد تخصيصه إلا على واحد أو على اثنين عند الجمهور، فهذا غير مقبول.

طيب، هناك رأي ثالث لم يذكره عبد المؤمن البغدادي، وهو رأي في الحقيقة تفصيلي جاء في النص، هذا الرأي يعتمد على رأي البستي السابق في صيغ العموم في تصنيفه لصيغ العموم، تذكروا رأي البستي في تصنيفه لصيغ العموم، إيش قال البستي سابقاً بعد كلامنا عن صيغ العموم؟ قال البستي: إن صيغ العموم على قسمين، هناك ما يدل على العموم صورة ومعنى، صح؟ وهو إيش؟ البستي مش قصة بصيغة، صيغ عموم تدل على العموم صورة ومعنى، وهناك ما يدل على العموم معنى فقط، إيش هي؟ جمع الجمع. قال: إذا كانت صيغة العموم صيغة فيها جمع، صيغة جمع، فهذه صيغة الجمع قالوا تدل على العموم لفظاً صورة ومعنى، مثل الجمع المضاف إلى معرفة أو الجمع المعرف بأل الاستغراقية، الجمع المعرف بأل الاستغراقية أو الجمع المضاف إلى معرفة مثل الرجال ورجال مسجدي أو رجال البلد.

الجمع مر معنا أن البستي قال فيه إن عمومه أقوى من غيره لأنه يدل على العموم صورة ومعنى، أما صيغ العموم الأخرى مثل الاسم المفرد المعرف بأل الاستغراقية: ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر: 2]، أو الاسم المضاف إلى معرفة: نعمة الله، أو مثلاً أسماء الشرط مثل: من، وما، وأي، وأيان، وأين، فهي كل مثلاً لفظة كل ولفظة جميع، وإن كان فيها لفظة تلوها جميع، لأنه يعني فيها كلام لأنها في الحقيقة تكون أقوى من الجمع المعرف أو الجمع المضاف إلى معرفة، لأن البعض يجعل كل وجميع من قبيل النص في العام، لكن بشكل عام باختصار، كما قسم البستي سابقاً صيغ العموم إلى ما فيه العموم صورة ومعنى، وهو الجمع، وما فيه كما قلنا معنى فقط، مثل كما قلنا المفرد المضاف إلى معرفة، والذي اقتتحته الاستغراقية، وأسماء الشرط التي أسماء الشرط مشتركة، مثل من، وما، وأي، وأيان، ومتى، فهذه قال توجد فيها العموم معنى كما قلنا ليس صورة.

الرأي الثالث في هذه المسألة إيش يقول؟ يعني أنا ذكرت رأيي أنه سينبني عليه الرأي الثالث لهذه المسألة، الرأي الثالث يقول: يجوز تخصيص العموم حتى يبقى من اللفظ العام واحد إذا كان صيغة العموم ليست على صورة الجمع، أما إذا كانت صيغة العموم على صورة الجمع فهذه يجوز التخصيص فيها حتى يبقى أقل الجمع. فإذاً الرأي الثالث يفصل، يقول باختصار: إذا كان صيغة العموم إما أن تكون فيها العموم صورة ومعنى، وذلك إذا كانت صيغة العموم على لفظ الجمع، لفظها لفظ جمع، واما أن يكون العموم فيها معنى لا لفظ، إذا كان صيغة العموم ليس صورتها أو ليس أو ليست على صورة الجمع. إذا كانت صيغة العموم على صورة الجمع هذا التخصيص فيها يبقى حتى يبقى أقل الجمع، زي رأي الغزالي والقفال. إذا كانت صيغة العموم ليس العموم فيها كما قلنا ليست على صورة الجمع، وإنما العموم فيها معنى لا صورة، مثل كما قلنا المفرد المضاف إلى معرفة والمفرد الذي جرفته، فهذا يجوز أن يبقى يخصص حتى يبقى منه واحد، على رأي الحنابلة، مثل رأي الحنابلة.

فإذاً الرأي الثالث يفصل بين ما فيه العموم صورة ومعنى وبين ما فيه العموم معنى فقط، فما فيه العموم صورة ومعنى يخصص حتى يبقى الجمع، واما ما فيه العموم معنى فقط فهذا يجوز تخصيصه حتى يبقى منه واحد. هذه صورة المسألة دي، إذاً ثلاثة أقوال، والحنابلة يتبنون الرأي العام، جواز التخصيص حتى يبقى من اللفظ العام واحد. قصر العام على بعض الذي يشمله التخصيص، والقابلون لذى تعدد قد ثبت، وجاز للواحد في عام أتى خلاف جمعه، وأقل الجمع في جمع، وقيل مطلقاً له يفي، وقيل بالمنحيل فرداً مطلقاً، وقيل حتى غير محصور بقى، كما ذكر السيوطي في الكوكب الساطع، السيوطي ذكر أربعة أقوال، واحنا ذكرنا منها ثلاثة فقط.

طيب، ننتقل إلى مسألة أخرى، يعني المسألة السالفة كما قلنا جيد أن الطالب يتقنها لكن تفتقر إلى ماذا؟ إلى أمثلة، تفتقر إلى أمثلة من نصوص الكتاب والسنة فيما يظهر لي، يعني نحتاج إلى أمثلة، هل هناك مثال لهذا الموضوع الذي تتحدثون به؟

طيب، ننتقل الآن إلى المسألة الثانية، وهو حجة في الباقي في هذه المسألة الجديدة ننتقل إليها الآن، قال: وهو حجة في الباقي عند الجمهور، خلافا لأبي ثور وعيسى بن أبان. هذه المسألة الجديدة تنبني على المسألة السابقة، ليست بناء كلياً، وإنما مراد أن قلنا ما هو التخصيص؟ التخصيص هو إخراج بعض ما تناوله اللفظ العام من الحكم، جميل، بحيث الآن اللفظ العام إذا خصصت يعني أخرجت منه البعض وبقي فيه البعض، اشهدوا معنى التخصيص أني أخرجت البعض باستخدام المخصص.

فبقي اللفظ العام لا يستغرق جميع الأفراد، وإنما أصبح بعد التخصيص يدل على ماذا؟ على بعض الأفراد، صح؟

فالان هناك خلاف طرا بين العلماء، لكن المخالفون قلة. الآن العام بعد تخصيصه، العام بعد تخصيصه بعد الإخراج منه، هل يبقى حجة في الباقي؟ هل يبقى حجة في الباقي؟ كما يرى الجمهور، أم لا يكون حجة في الباقي ويصبح مجملا؟ وهذا هو الخلاف.

طيب، إيش سبب هذا الخلاف أصالة؟ يعني أعطيك مثال: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: 228]. العقل هنا، المطلقات هذه لفظ عام صح؟ دخله التخصيص، أخرجنا منه ماذا بالتخصيص؟ أخرجنا المطلقات الحوامل، ليست مرادة بهذا العموم هنا. فبقي لفظ المطلقات يتعلق بمن من الأفراد التي بقيت ضمن العموم هذا؟ المطلقات غير الحوامل. هل دلالة هذا العام هو مطلقات على باقي أفراده، وهو مطلقات غير الحوامل، هل يبقى الحكم مسلط عليه أو ليس مسلطا؟

كيف ذلك؟ الآن كما قلنا: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: 228]. الآن هذا لفظ عام، أخرجنا منه بالتخصيص، أخرج منه المطلقات الحوامل، أخرجهن آية سورة الطلاق، فبقي ضمن اللفظ العائش الباقي؟ بقي المطلقات غير الحوامل. ممتاز، بقي المطلقات غير الحوامل. يقولون: هل اللفظ العام يبقى حجة في الباقي وهو مطلقات غير الحوامل، ولا يصبح مجملا؟

طبعا في الحقيقة هو المراد بالإجمال أو الحجة ليس اللفظ العام. يعني باختصار الصيغة الحقيقية أنه: هل يبقى الحكم المسلط على اللفظ العام بعد الإخراج منه، هل يبقى الحكم مسلطا على الباقي ضمن اللفظ العام ولا لا؟ الحكم الآن لا يتسلط على الباقي ضمن اللفظ العام، بل يصبح مجملا. يقول: أنا والله هذا السياق أصبح عندي إجمال، فلا أتسلَّط على الباقي من اللفظ العام؛ لأنه الآن إحنا متأكدين أنه بعد إخراج المطلقات الحوامل هو سيبقى إيش؟ المطلقات غير الحوامل. إن الخلاف إذا: هل سيبقى الحكم المسلط على اللفظ العام سيبقى بعد التخصيص مسلطا على الباقي الأفراد التي ما زالت موجودة ضمن اللفظ العام، ولا لن يتسلط على باقي الأفراد الموجودة ضمن اللفظ العام، أو التي بقيت موجودة ضمن اللفظ؟

طبعا الطالب الآن بقول: مشكلة يعني مش راح يتصور المسألة، معقول يعني يظن الطالب من البداهة أنه إذا أخرجنا المطلقات الحوامل بقي اللفظ العام يشمل المطلقات غير الحوامل، فيكون الحكم في الآية متسلط على هذا الباقي، عدم غير الحوامل. هذا هو التفكير المنطقي عند الطالب، صح؟ ولن يتصور إلا أنه هذا الرأي هو الموجود في المسألة، ولن يتصور أن هناك خلاف بين العلماء أن العام بعد تخصيصه هل يبقى الحكم مسلطا على الباقي منه، ويبقى العام يحتج به في الباقي؟ لا، يبقى العام يحتج به في الباقي بعد التخصيص، والحكم لا يتسلط على هذا الباقي. وفي خلاف المسألة.

إيش سبب الخلاف؟ الآن أيها الأحبة، اللفظ العام، اكتبوا هذا عندكم: اللفظ العام إذا دخله التخصيص أصبح مجازا. لماذا أصبح مجازا اللفظ العام إذا خصص وأخرج منه بعض الأفراد؟ أصبحت اللفظة العامة هي اللفظ المستغرق لجميع ما يصنع له دفعة واحدة بلا حصر. فإذا دخل التخصيص على اللفظ العام فأخرج منه بعض الأفراد، أصبح اللفظ العام مجازا. لماذا؟ لأن اللفظ العام وضع حقيقة ليستغرق جميع الأفراد، فاذا خصص منه، أصبح اللفظ العام ليس مستخدما في جميع الأفراد، وإنما مستخدما في إيش؟ في بعض الأفراد، إذا هو الآن مستخدم في غير ما وضع له، فهو إذا مجاز، صح؟

اللفظ العام إذا دخله التخصيص أصبح مجازا. لماذا؟ لأن اللفظ العام مثل "من" الشرطية، مثل "كل"، مثل "جميع"، مثل المفرد الذي دخلت عليه "أل" الاستغراقية، هي أي صيغة من صيغ العموم هي حقيقة في ماذا؟ يعني وضعت لماذا؟ وضعت لتستغرق جميع ما تصلح له دفعة واحدة بلا حصر، إذن فهي وضعت للاستغراق، فإذا أخرجنا من اللفظ العام بعض الأفراد، أصبح اللفظ العام لم يستعمل فيما وضع له، أصبح مستعملا في غير ما وضع له، اليس كذلك؟ فأصبح مجازا. جميل؟

طيب، إذا هنا منشأ الخلاف أن اللفظ العام إذا دخله التخصيص أصبح مجازا، لأنه الآن لم يستعمل فيما وضع له، لم يستعمل في الاستغراق، بل استعمل في غير ما وضع له؛ لأنه لا يدل على جميع الأفراد. الآن أولا هناك من ينازع في قضية الحقيقة والمجاز، بل يقول: اللفظ العام حتى ولو دخله التخصيص يبقى حقيقة في الباقي ولا يكون مجازا. وهذا رأي الطوفي، وفي الحقيقة يعني فيها نوع من التعسف أو التكلف بوجهة نظره قليلة، لكن يصعب تصورها بالطريقة التي يطرحها الطوفي بهذا المنهج. دعونا على رأي الجمهور، نقول: ما عندنا مشكلة. اللفظ العام إذا دخله التخصيص، أصبح مجازا؛ لأنه لم يستعمل فيما وضع له، بل يستعمل الآن في غير ما وضع له؛ لأنه يستعمل في بعض وليس في جميع الأفراد.

طيب، ما المشكلة؟ يعني حتى لو قلنا إن اللفظ العام أصبح مجازا، يبقى حجة. ليش؟ هي الألفاظ المجازية ليست داخلة ضمن دائرة الحجية؟ الآن المخالف للجمهور: أبو ثور وعيسى بن أبان. أبو ثور من أئمة الشافعية، وعيسى بن أبان من الحنفية. هؤلاء ماذا قالوا؟ انظروا في الاستدلال، وأنت مباشرة فيما يظهر لي سيتبين لك الضعف في هذا الرأي.

الذين يقولون العام إذا دخله التخصيص لا يبقى حجة في الباقي، يقولون: العام إذا دخله التخصيص أصبح مجازا. طيب، قلنا: ما في عنا مشكلة، نعم أصبح مجازا. قالوا: إذا أصبح مجازا -هذا أبو ثور وعيسى بن أبان- قالوا: إذا أصبح مجازا، فانه يصبح مترددا بين الباقي بعد التخصيص وبين أقل الجمع، ولا قرينة تفصل وتحصر، فيصبح مجملا، والمجمل حكمه التوقف. فجعلوا العام بعد التخصيص أصبح من قبيل المجمل -مر معنا معنى المجمل صح؟- وأن حكم المجمل هو التوقف حتى يأتي البيان. لكن بدنا نفهم أكثر وأكثر إيش وجهة نظر أبو ثور وعيسى بن أبان.

نطبق على نفس الآية: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: 228]. فالآن إيش يقولون؟ أنا أتكلم عن رأي أبي ثور وعيسى بن أبان، يقولون: المطلقات هنا دخلها التخصيص، فالباقي يعني ما تدل عليه بعد التخصيص إيش الباقي منها؟ المطلقات غير الحوامل. الآن أبو ثور وعيسى بن أبان يقولون: أي عام دخله التخصيص -وهذا رأي الجمهور حقيقة يقضي ابتداء أنه أي عام دخله التخصيص يصبح العام مجازا-؛ لأن المطلقات هذه اللفظة "المطلقات" وضعت لماذا؟ هذه لفظة عامة وضعت لتستغرق جميع أنواع المطلقات، فإذا أخرجنا منها المطلقات الحوامل، وأصبحت كلمة المطلق معناها في الآية هنا المطلقات غير الحوامل فقط، معناتها أنا هنا استخدمت "المطلقات" في غير ما وضعت له؛ لأنها وضعت للاستغراق وأنا هنا لم استخدمها مستغرقة، استخدمتها في بعض الأفراد. نحن نتفق أن هذا مجاز. جميل.

قالوا: ما جاء على هذه الفكرة، قالوا: فالعام بعد تخصيصه يصبح مجازا، قرأ هنا المشكلة! قالوا: فيصبح مترددا بين الدلالة على أقل الجمع، أو الدلالة على الباقي بعد التخصيص، أو ما بين ذلك، ولا قرينة تحدد هل العام يدل على أقل الجمع أو على الباقي بعد التخصيص، فأصبح اللفظ مجملا.

شوف، يعني يفضل تكتب التفكير، أنه بقول لك: عام دخله التخصيص، يعني أخرجنا بعض الأفراد منه، دلالة العام بعد التخصيص هنا المشكلة هنا في فكره، دلالة العام بعد التخصيص قالوا: أما أن بعد التخصيص إما أن يدل على الباقي بعد التخصيص، وإما أن يدل على أقل الجمع، وإما أن يدل على ما بين ذلك، المسافة اللي بين أقل الجمع والباقي بعد التخصيص. وإذا كان بعد التخصيص إما أن يدل على هذا أو على هذا أو على ما بينهما، ولا توجد قرينة تفصل لنا الموضوع والله العام الآن بعد التخصيص على ماذا يدور الأصبح؟ على أقل الجمع ولا على الباقي بعد التخصيص ولا على ما بينهما؟ ولا توجد قرينة تفصل، إذا أصبح العام بعد تخصيصه مجملا، فيجب أن نتوقف، فبالتالي ليس حجة على الباقي، خلص لا نعتبره حجة.

الان المشكلة في هاي النظرية إيش هي أيها الأحبة؟ أن هو من قال لك إن العام بعد تخصيصه يدل إما على أقل الجمع أو على الباقي بعد التخصيص أو على ما بينهما، بل الظاهر المتبادر إلى الذهن أن العام بعد تخصيصه يدل على ماذا؟ على شيء واحد هو الباقي بعد التخصيص. لماذا أنت جعلت هناك احتمالات متعددة يدل عليها العام بعد تخصيصه؟ أنتم فهمتم وين المشكلة في هذا الرأي؟ أنه يفرض أن العام بعد تخصيصه أصبح هناك عدة احتمالات لمدلوله: إما أن يدل على أقل الجمع، وإما أن يدل على الباقي كل الباقي بعد التخصيص، وإما أن يدل على ما بينهما، يعني محتمل إما أن يدل على أقل الجمع أو على الباقي بعد التخصيص أو على ما بينهما، ولا تحدد لنا ما هي بالضبط دلالة العام بعد تخصيصه، فبالتالي أصبح العام مجملا.

فكيف ترد على هذا؟ تقول: هو من الذي قال إن العام بعد تخصيص له هذه الاحتمالات؟ الظاهر المتبادر إلى الذهن أن المطلقات بعد ما أخرجنا منها المطلقات الحوامل أصابت تدل على إيش هذا؟ المطلقات غير الحوامل، على الباقي بعد التخصيص. لماذا جعلتموه هناك احتمال أن يدل على أقل الجمع فقط، واحتمال أن يدل على شيء ليس هو الباقي بعد التخصيص وليس هو أقل الجمع بل ما بينهما؟ فهنا بدأت تتوسع في الاحتمالات، ولا دليل على هذه الاحتمالات الأخرى التي تقولها.

الظاهر المنطقي المتبادر إلى الذهن أن العام إذا خصص فإنه بعد تخصيصه يدل على ماذا؟ على الباقي بعد التخصيص. وأما الاحتمالات الأخرى التي ذكرتها ثم قلت ولا قرينة تحدد ما هي الماء والاحتمال المقصود؟ لا، في الحقيقة نقول: هذا ليس بصحيح.

الآن هو إيش يريد أن يقول؟ كأنه يريد أن يقول الآن اللفظ العام كالحقيقة لما دخله التخصيص أصبح مجازا، وهناك عدة مجازات -تذكروا قضية لما يكون عندك عدة مجازات محتملة لما ذكرناها في حرمت عليكم الميتة، أنه عدة مجازات محتملة، مستحيل يكون اللفظ على حقيقته، فعندك عدة مجازات محتملة- فقال القاضي وأبو حنيفة: إن هذا مجمل: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: 3]، وقلنا لهم: لا، هناك مجاز أرجح من غيره.

هي الفكرة هنا بطريقة أخرى أن أبو ثور وعيسى بن أبان يقولون: اللفظ العام حقيقة دخله التخصيص أصبح مجازا، طيب، ما هو المجاز الذي يدل عليه؟ إقيل: هناك عدة احتمالات: إما أن يدل على الباقي -هذه طريقتهم في التفكير أنه إذا دخله التخصيص أصبح مجازا- طيب، إيش هو يدل عليه؟ إما أن يدل على الباقي بعد التخصيص، أو يدل على أقل الجمع، أو يدل على ما بينهما -ما بين أقل الجمع والباقي بعد التخصيص- ولا قرينة تحدد لنا أي مجاز هو المراد، فبالتالي أصبح مجملا، ولا قرينة تحدد لنا أي مجاز من هذه المجازات هو المراد، فبالتالي الذي أصبح مجملا.

فنحن نقول لهم: هذا ليس بصحيح. نحن نتفق أن العام بعد تخصيصه مجاز، لكن ما هو المعنى المجازي له؟ سريع، الإجابة منك سريعة، ما هو المعنى المجازي له؟ العام إذا دخل التخصيص أصبح مجازا، لكن ما هو المعنى المجازي له؟ إنه في طبق الباقي بعد التخصيص فقط. أما أن هناك عدة احتمالات للمعنى المجازي، ويحتمل أن يكون المعنى المجازي أقل الجمع، ويحتمل أن يكون الباقي بعد التخصيص أو ما بينهما، هذه احتمالات نحن لا نوافقك عليها أصالة، بل نقول: العام بعد تخصيصه صحيح هو مجاز، لكن مجازه واحد وهو الباقي بعد التخصيص، بغض النظر ما هو الباقي بعد التخصيص. فانت لماذا تريد احتمالات متعددة للمجاز؟ هو معنى مجازي واحد، ولا يوجد هنا مجازات متعددة في هذه الحالة حتى نقول: الموظفين أنها قليلة تحدد لنا المجاز المراد، فأصبح مجملا. فلا يوجد شيء يبرر الإجمال والتوقف. لذلك الجمهور، جماهير أهل العلم أيها الأحبة، أن العام بعد أن يخصص يبقى حجة في الباقي، ويبقى الحكم الذي الحكم المسلط على اللفظ العام يتناول الباقي من اللفظ العام بعد تخصيصه، ويصبح الحكم المسلط على اللفظ العام يتناول الباقي من العام بعد تخصيصه. وضحت هذه الفكرة؟

إذن ذلك وهو اللفظ العام حجة في الباقي عند الجمهور، فبالتالي الحكم المسلط على العام فيكون هذا الحكم مسلط على الباقي من دلالة اللفظ العام بعد تخصيص العام، وعرفنا إيش مشكلة أبو ثور وعيسى بن أبان في قضية أنه اللفظ العام بعد تخصيصه يصبح مجازا، مشكلتهم بالضبط بدي إياك تفهمها أنهم طرحوا عدة احتمالات في المجاز، ولا قرينة تعين الاحتمال المراد بالضبط، فأصبح مجملا. قلنا: لا ما فيش عدة احتمالات، المجاز الظاهر المتبادر أن العام بعد تخصيصه يصبح يدل على الباقي من الأفراد فقط.

طيب، الآن هكذا نكون انتهينا من الكلام عن مسألتين: مسألة تخصيص العام إلى واحد، وعرفنا رأي الحنابلة فيها، وقضية أن العام حجة في الباقي بعد تخصيصه عند جماهير أهل العلم.

الآن ننتقل إلى المخصصات المتصلة، وأنا مصر على تسمية المخصصات المتصلة تبعا للجمهور، فذكر منها عبد المؤمن البغدادي مخصصا واحدا وهو إيش؟ الاستثناء. لكن كما قلت لكم، الذي يظهر لي أيها الأحبة من البحث أن عبد المؤمن البغدادي سلك طريقة ابن قدامة، وابن قدامة سلك طريقة الغزالي، في أنهم جعلوا أو لم يجعلوا الاستثناء والشرط والصفة من قبيل المخصصات المتصلة، لم يجعلوها مخصصة، أو باختصار ما بدي أقول إنهم لا يجعلوها مخصصا، لم يطلقوا عليها اسم التخصيص أنها مخصصة. لماذا؟ الآن من خلال تعريف

ستعرفون لماذا عبد المؤمن البغدادي تبعا لابن قدامة والغزالي لا يطلقون اسم المخصص على الماء والشرط والصفة وما شابه والغاية، هذه الأرواح. لماذا لا يطلقون عليها اسم المخصص؟ انظروا ماذا قال! قال: ومنه الاستثناء. الآن هذه الكلمة: ومنه الاستثناء، هناك خلاف ومشكلة كبيرة في فهم الضمير في منه. ايش يعني ومنه؟ الضمير في منه يعود على ماذا؟ ومنه الاستثناء، ومنه، هذه الهاء في منه تعود على ماذا؟ المتبادر إلى الذهن أن يقول: ومنه أي من أاساليب التخصيص بناء على أنه الاستثناء مخصص، صح؟

إذا قلنا إن الاستثناء مخصص ففعلا يكون منه الهاء تعود على، يعني ومن المخصصات الاستثناء. لكن في الحقيقة من خلال اطلاعي على منهج عبد المؤمن وأنه تبع ابن قدامة، وأنت ستوقف الآن على كلمة يعني بعد قليل أنه سيكون: ويفارق التخصيص، يفارق الاستثناء التخصيص. إذا هو الاستثناء لا يجعله تخصيصا. لاحظوا بعد سطرين: الاستثناء هو قول متصل يدل على أن المذكور معه غير بالقول الأول. ثم قال: فيفارق التخصيص. إذا أنت الاستثناء عندك ليس تخصيصا، لماذا تقارن بين الاستثناء والتخصيص؟ ما قال: الاستثناء يفارق التخصيص المنفصل؟ لا، قال: فيفارق التخصيص، جعل الاستثناء مقابلا للتخصيص، صح؟ إذا هو بالتالي لا يعد الاستثناء من قبيل المخصصات؛ لأنه جعله مقابلا، هو يقارن الآن. قال: فيفارق التخصيص، ويقارن بين الاستثناء والتخصيص، إذا هو لا يجعل الاستثناء تخصيصا، صحيح؟ إذا هذه مشكلة، إذا الضمير منه يعود على ماذا؟ يعني مثلا عبد الله الفوزان في تيسير الوصول يقول: ومنه، يعود الضمير على مطلب مبحث دلالات الألفاظ، أي منه أي من الكلام المفيد.

تعرفون ايش المشكلة؟ هسا عبد المؤمن البغدادي أيها الأحبة يتبع بشدة ابن قدامة في روضة الناظر. وابن قدامة يتبع، هو ابن القدامى، مش اتباع ابن القدامى، هو لخص المستصفى للغزالي. الآن لما نرجع إلى ابن قدامة الذي تبعه عبد المؤمن، وإذا المستصفى للغزالي ما قالوا كلمته منه. الغزالي في المستصفى والآمدي في الروضة ذكروا المخصصات المنفصلة بالضبط نفس طريقة عبد المؤمن البغدادي. ثم قالوا: فصل الاستثناء مباشرة، قالوا: فصل في الاستثناء بعده ذكروا الشرط وكذا. فمباشرة قالوا: فصل الاستثناء والشرط وكذا. صحيح الغزالي لم يسم الاستثناء والشرط مخصصا. وكذلك ابن قدامة وتبعه عبد المؤمن البغدادي لم يسم الاستثناء والشرط والصفة والغاية من المخصصات. جميل. لكن هؤلاء الأئمة الغزالي وابن قدامة ما يقعون في حيرة؛ لأنهم قالوا: خلاص باب الاستثناء، جعلوا بابا جديدا ومنفصلا عن الأبواب السابقة. عبد المؤمن استخدم كلمة منه فأوقعنا في حيرة، هذه لا تعود على ماذا يا عبد المؤمن؟ عرفت؟

قال: الهاء هنا تعود على الكلام المفيد. تذكروا لما عرفنا الكلام قبل قليل في بداية مباحث دلالات الألفاظ؟ لما عرفنا الكلام فهنا يقول: أنا عبد الله الفوزان الضمير في منه يعود إلى ومن الكلام المفيد الاستثناء. لأنه جعل منه، يعني ومن أساليب التخصيص الاستثناء، لا يصلح؛ لأنه بعد قليل سيقول: فيفارق الاستثناء التخصيص، إذا هو لا يجعله تخصيصا. ففي الحقيقة هذه العبارة فيها نوع إبهام، الضمير منه يعود على ماذا؟ أقول: الله تعالى أعلم، ماذا كان في ذهنه بالضبط هنا؟ لأنه لو جعل الاستثناء مخصصا كما هي طريقة الجمهور لقلت مباشرة: منه يعود، يعني من المخصصات. نعم، الفرق بين الاستثناء والتخصيص غيره زيادة عندك، هو عنوان منه. لا، ما عرفهاش، غير عندي اجتهاد وأرى أنهم لم ينتبهوا على هذا المنبع أصلا، ولم يلجئوا على هذا المنبع أن عبد المؤمن يتبع ابن قدامة، وابن قدامة يتبع الغزالي في جعلهم الاستثناء والشرط ليس من المخصصات.

ولكن طب لماذا إذا ليس من المخصصات يا شيخ؟ أنت الآن تقول: الغزالي في المستصفى. طبعا أنت ارجع للغزالي في المستصفى وتتبع، وانظر كيف الغزالي يعني فرق نفس الإشي بين الاستثناء والشرط وبين المخصصات. ما قال: والله أفرق بين المخصص المتصل والمنفصل، لا، قال: ويخالف الاستثناء والشرط التخصيص. والآن سيثبت لكم أكثر وأكثر أنهم لا يرون الاستثناء والشرط مخصصا، وستعلمون لماذا بإذن الله. لكن سيقول القائل: طب يا شيخ إذا كان الاستثناء والشرط عندهم ليس من قبيل المخصصات، لماذا ذكره في هذا الموضع بعد المخصصات المنفصلة؟ لماذا ذكره هنا إذا هي ليست من قبيل المخصصات؟ لماذا ذكر العام ثم ذكر المخصصات المنفصلة ثم يذكر الشرط وذكر بعد ذلك الاستثناء؟ والغزالي طبعا وابن قدامة ذكروا بعد الاستثناء الشرط، لماذا ذكروها في هذا الموضع؟ أقول: لأنها تشابه المخصصات، وتقوم بعمل يشبه المخصصات، ولكن لا تسمى مخصصات. فهمتم لماذا ذكروها هنا؟

الغزالي وابن قدامة وعبد المؤمن هم يتفقون مع الجمهور أن الاستثناء والشرط والصفة والغاية الذي يسميها الجمهور مخصصات متصلة، قالوا: نحن لا نسميها مخصصات متصلة، بل لا نجعلها من قبيل المخصصات، لكنها بعمل مشابه لعمل المخصصات، لذلك نذكرها تبعا للمخصصات وإن لم تكن منها. واضح؟ إذا ذكرها هنا لمناسبة، عبد المؤمن وابن قدامة والغزالي هم يرون أن عمل هذه الأمور: الاستثناء والشرط والصفة والغاية، هو يشبه عمل المخصصات، لكنها لا تسمى مخصصات. ممتاز.

إذا عندنا مشكلة بالضمير منه، يعود على ماذا؟ أقول: هذا غير واضح في الحقيقة، هذا ليس منتظرا. وإن كان عبد الله الفوزان قال: منه الضمير لا يعود على الكلام المفيد (يعني ومن الكلام المفيد)، وهذا بعيد أيها الأحبة، الكلام المفيد قد مر معنا بموضع متقدم جدا، فإعادة الضمير في منه عليه يعني فيه نوع تكلف، فيه نوع تكلف. وإن كان في النهاية يعني كأن الشيخ عبد الله الفوزان يقول: هذا الحل الوحيد، خلاص، نقول إنه يعود عليه. جميل، انظروا وستتأكدون أكثر وأكثر أن الاستثناء ليس من قبيل المخصصات أو لا يطلقون عليه مخصصا عند هؤلاء. أنت مطلق، قالوا: منه أيضا، لا، هو جيد، هو من بداية المبحث وهو يقول: ومنه، ومنه، عرفت؟ هو في الأخير في النهاية، يعني كلام الشيخ الفوزان في جعل ومنه يعود على اللفظ المفيد هو الاحتمال الوحيد الذي أجده هنا، هو الاعتماد الوحيد الذي أجده هنا؛ لأنه أنت لو تتبعت سياق المصنف من البداية، يعني من البداية تكون في مباحث الألفاظ، قال: فإن دل اللفظ... كلياتها بهذه الصيغة، يعني لو أنت تقريبا من أين بدأنا؟ نعم، من بدايتك، الكلام هو منتظم من الأصوات، وخصه اللغة العربية بالكلام المفيد، وهو الجملة المركبة. قال: فإن استعمل، بدأ الكلام، إن استعمل فهو حقيقة، وإن استغنى بغنى وما لَه فهو مجاز. ثم بعد ذلك قال: فإن دل على معنى واحد من غير احتمال فهو نص. من السياق من البداية مبحث دلالات الألفاظ هنا يمكن أن نقول يعني الكلام ضد الخزامة قد يكون هو الحل الوحيد، هو الحل الوحيد في فهم إشكالية الضمير منه، يعني ومنه الاستثناء، يعني قد يكون هو المراد أنه هو من الكلام المفيد أو من الألفاظ المفيدة الاستثناء.

فهذا انتبهوا عليه، أن منه باختصار لا تعود على المخصصات، وإنما أقرب شيء ممكن نرجعها إليه كما قال عبد الله الفوزان، وإن كنت يعني أرى فيها بعدا، لكن هو الحل أن منه تعود على مطلع هذه المباحث جميعها، يعني ومن الكلام المفيد الاستثناء، بناء على طريقة عبد المؤمن في عده ليس من قبيل المخصصات.

الآن انظروا ايش قال: تعرفون تعريف الاستثناء حتى تتأكدوا أنه ليس مخصصا. قال: الاستثناء هو قول متصل يدل على أن المذكور معه غير مراد بالقول الأول. هذا تعريف الاستثناء الذي تبع فيه ابن قدامة، وابن قدامة تبع فيه الغزالي، وهو مخالف للتعريف المشهور للاستثناء عند الأصوليين وعند النحاة. انظروا ماذا قالوا؟ قالوا: ما هو الاستثناء؟ قول متصل يدل على أن... هذا القول المتصل يدل على أن... يعني متصل بماذا؟ متصل بما قبله، تمام. الاستثناء عبارة عن قول متصل، القول المتصل المراد به هنا: إلَّا وما بعدها، حتى أشرح لك بشكل أوضح. قال: الاستثناء قول متصل، القول المتصل هو يقصد القول هنا ما هو القول؟ قال: هو قول متصل، القول يقصد به هنا إلَّا وما... يعني مثلا: ما جاء الطلاب، أو مثلا: جاء الطلاب إلَّا بكرا.

نطبق على هذا: جاء الطلاب إلَّا بكرا. الآن إلَّا بكرا، هذا يسمى... إلَّا بكرا هذا قول، ممتاز. قول متصل، متصل بماذا؟ يعني بما قبله، أي متصل بالجملة قبله. قول متصل، يعني قول القول هو إلَّا وما بعدها من المستثنى، هذا القول يتصل بالجملة التي تسبقه، متصل بما قبله أو هو متصل. على ماذا يدل هذا القول: إلَّا وما بعدها؟ على ماذا تدل؟ يدل على أن المذكور معه، جميل، غير مراد بالقول الأول (يعني بالجملة السابقة). فالآن إلَّا بكرا، على ماذا تدل؟ تدل على أن بكرا ليست مرادة ومقصودة في قولي سابقا: جاء الطلاب. فهمتم الآن؟

إذا حين نقول حتى تفهم تعريف هؤلاء، حتى تفهم تعريف هؤلاء بالاستثناء، ومن خلال فهمك لتعريفهم الاستثناء ستدرك لماذا لم يجعلوا الاستثناء تخصيصا. أنت ستجاري الآن إن شاء الله، هذا الاستثناء قول متصل إلى آخر ما ذكره عندكم في الكتاب، يدل على أن المذكور معه ليس مرادا بالقول الأول. جاء الطلاب إلَّا بكرا، هذا هو القول الأول. جاء الطلاب، القول الأول، أن القول السابق الأول هنا بمعناه ايش؟ القول السابق على أداة الاستثناء إلَّا. فالآن انظروا تعريف الاستثناء عند الغزالي وابن قدامة وعبد المؤمن البغدادي: الاستثناء عبارة عن قول متصل (إلَّا بكرا هذا قول متصل بايش؟ بقول أول أو بكلام سابق أو بجملة سابقة، قل كما تشاء، ما عندي مشكلة)، قول متصل بما سبقه، هيك أحسن مشان عموما. قول متصل بما سبقه، هذا القول وهو إلَّا بكرا، على ماذا يدل؟ يدل على أن المذكور معه وهو بكر ليس مرادا، ليس مقصودا في القول الأول وهو: جاء الطلاب. فالمتكلم حين قال: جاء الطلاب، لم يقصد بكرا. لم يقصد بكرا معهم، طب كيف عرفنا أنه لم يقصد؟ من خلال الاستثناء.

فالاستثناء إذا هو قول متصل دليل على إرادة المتكلم، فالاستثناء قول متصل دلني على أن المتكلم لا يريد أن يدخل المستثنى مع القول الأول ضمن القول الأول. فإذا الاستثناء على هذا الرأي، ركزوا شوي معي، الاستثناء على هذا الرأي لا ينطبق عليه حد التخصيص، أنه ايش التخصيص؟ إخراج بعض ما تناوله اللفظ. صح، التخصيص أيها الأحبة هو إخراج بعض ما تناوله اللفظ العام، ممتاز. الاستثناء مثلا الطلاب مثلا جاء الطلاب إلى الطلاب للطعام صح. هل الاستثناء هو إخراج بعض ما تناوله اللفظ العام عند الغزالي وعبد المؤمن؟ لا؛ لأنه لم يقولوا الاستثناء إخراج بعض ما تناوله اللفظ العام، قالوا: الاستثناء هو قول متصل يدل على أن المذكورة معه، أن المستثنى هو مش لم نخرج من اللفظ العام، هو ليس مرادا ابتداء باللفظ العام.

الاستثناء لماذا لا نجعل الاستثناء تخصيصا؟ لأنه التخصيص، فكرة التخصيص التي مرت معنا: أن يأتي لفظ عام يشمل جميع الأفراد، فآتي فأخرج منه إما بالحس، وإما بالعقل، وإما بالإجماع، وإما بقول الصحابي، وإما بفعل النبي صلى الله عليه وسلم، المهم بمخصص من المخصصات. فالمخصص يقوم بعملية إخراج أفراد من اللفظ العام. الاستثناء عند الغزالي وعبد المؤمن وابن قدامة لم تحدث فيه عملية إخراج، لم تحدث فيه عملية إخراج من اللفظ العام، بل الاستثناء ما وظيفته اللغوية؟ هو يدل على أن الأفراد المستثناة المذكورة معه ليست داخلة أصلا ابتداء في اللفظ العام، فهو لم يترك إخراجها، بل هي ليست داخلة أصلا، فإذا ليس تخصيصا؛ لأن مفهوم التخصيص هو الإخراج، والاستثناء ليس فيه إخراج، بل هو يدل على أن الأفراد المستثناة ليست مقصودة في اللفظ العام، يعني هي لم تدخل في العام حتى تخرج، هي لم تدخل في العام حتى تخرج. وكيف عرفنا؟ بنفس الاستثناء، الاستثناء هو الذي دلنا على أن المستثنى وهو بكر لم يدخل أصلا في اللفظ العام وليس مرادا به.

أما التخصيص لا، التخصيص هو عبارة عن اللفظ العام تناول أفراده ثم نقوم بعملية الإخراج من اللفظ العام، فلذلك فعلا على طريقة الغزالي وعبد المؤمن الاستثناء ليس من قبيل المخصصات. فهمتم لماذا أيها الأحبة؟ لأنه تعريف المخصص كما سبق معنا هو إخراج بعض ما تناوله اللفظ العام، والاستثناء ليس فيه إخراج، الاستثناء بالعكس يدل على أن المستثنى هو لم يدخل ابتداء ضمن اللفظ العام وهو لم يدخل ابتداء ضمن اللفظ العام، فليس الاستثناء تخصيصا.

لكن هنا الإشكال: هل هذا التعريف للاستثناء هو عند الجماهير؟ في الحقيقة لا، المعتمد عند الجمهور في تعريف الاستثناء أنه إخراج. إخراج فرد أو أفراد بإلَّا أو بإحدى أخواتها، بحيث لو لم يخرج لكان داخلا في الحكم الأول. أعيد تعريف الاستثناء عند الجمهور: هو إخراج فرد أو أفراد باستخدام إلَّا أو إحدى أخواتها بحيث لو لم يخرج (يعني بألَّا وأختها) لكان هذا المستثنى داخلا ضمن الحكم الأول. فعند جاء الطلاب إلَّا بكرا، قال: الجمهور ينظرون للاستثناء بنظرة أخرى، الجمهور يرون أن بكرا كان داخل لعموم الطلاب، فجاء الاستثناء فأخرجه من هذا العموم، بحيث لو لم يأتي الاستثناء فيخرج بكرا لكان بكرا داخلا ضمن الحكم الأول وهو مجيء الطلاب، صح؟ لما عرف الجمهور الاستثناء بأنه إخراج، أصبح الاستثناء من قبيل المخصصات؛ لأن التخصيص

إخوان، عرفتم كيف الفكرة هذه؟ الآن الكل متفق أن التخصيص هو إخراج بعض ما تناوله اللفظ العام. الجمهور جعلوا الاستثناء من قبيل المخرجات، جعلوه مخرجاً؛ فقالوا: الاستثناء هو إخراج فرد أو أفراد بـ (إلا) أو بإحدى أخواتها بحيث لو لم يُخرج لكان داخلاً ضمن الحكم الأول. فجعلوا إذاً بالتالي الاستثناء يقوم بالتخصيص والإخراج.

التخصيص الغزالي، عبد المؤمن البغدادي، ابن قدامة، هؤلاء نظروا للاستثناء بنظرة أخرى، قالوا: لا، الاستثناء لا يقوم بعملية إخراج من لفظ، بل الاستثناء بالعكس يدل على أن المستثنى ليس مراداً، ليس داخلاً ضمن اللفظ العام أصالة وابتداءً، فلذلك لا ينطبق عليه حد المخصص. طيب، الآن، أي التعريفين أقوى أيها الأحبة؟ أي التعريفين أقوى؟ هذه الحقيقة، تعريف الاستثناء بأنه إخراج على طريقة الجمهور، هذا سلكه أكثر أئمة اللغة وعلى رأسهم ابن جني؛ ابن جني إمام كبير من أئمة اللغة، صاحب كتاب الخصائص وشرح كتاب تصريف المازني، فابن جني عرف الاستثناء بأنه إخراج، عرف الاستثناء بأنه إخراج، هاي القضية الأولى، إذن تعريف الاستثناء بأنه إخراج ما في مشكلة عند أئمة اللغة المتقدمين.

طيب ايش مشكلة الغزالي وعبد المؤمن البغدادي وابن قدامة في جعل الاستثناء إخراجاً؟ إيش مشكلتهم؟ قالوا: أنت تفهم الآن كيف الأقوال تأتي في العقول، قالوا: جعل الاستثناء إخراجاً سيؤدي إلى التناقض. لماذا؟ قالوا: لأني لو جعلت الآن الاستثناء إخراجاً معناه –انظروا– جاء الطلاب إلا بكراً، معناها بكر لما قلت أنا، لما تلفظت (جاء الطلاب) وقبل أن ألفظ بالاستثناء، كان بكر ضمن طائفته، صح هيك بدكم أنتم أيها الجمهور؟ فبالتالي أنا أثبت لبكر المجيء مع الطلاب، ثم حينما قلت (إلا بكراً) بالاستثناء أثبت لبكر عدم المجيء، فأصبح عندي تناقض. شفتوا كيف الغزالي وابن قدامة بفكروه، عبد المؤمن البغدادي؟ قالوا: تعريف الاستثناء بأنه إخراج سيسبب لنا تناقضاً في الكلام. قلنا لهم: كيف بيصير يسبب لكم تناقضاً؟ قالوا: المتكلم حينما يقول ابتداءً (جاء الطلاب) وقبل أن يلفظ بالاستثناء، وهو داخل ضمن هذا العموم، صح؟ فأثبت له حكم المجيء معهم (فجاء الطلاب إذاً أبو بكر معهم)، إذاً أثبتت له حكماً، مجيء، ثم حين قلت (إلا بكراً) بالاستثناء أثبت له عدم المجيء، إذاً هذا طبعاً يعني الغزالي يقول: لو أننا جعلنا الاستثناء إخراجاً لكان بكر داخلاً ضمن العموم ابتداءً فأثبتنا له المجيء، ثم بالاستثناء أخرجناه من العموم فأثبتنا له عدم المجيء، ففي جملة واحدة أنا أثبت لبكر المجيء وأثبت له عدم المجيء، فهذا تناقض، فبالتالي لا أقول الاستثناء إخراج، بل أقول الاستثناء دلني على أن بكراً لم يكن مقصوداً ابتداءً بالقول الأول بحكم المجيء، وليس كان داخلاً في الحكم الأول ثم أخرج منه.

أنت في الحقيقة لو نظرت ممكن تجد أنه كلام منطقي ابتداءً، لو نظرت قد نجد هناك نوعاً من المنطقية ابتداءً، أنه أنت عندما قلت (جاء الطلاب) بكر قبل أن ألفظ بالاستثناء كان واحد من هؤلاء الطلاب، إذاً أنا ابتداءً أثبت له حكم المجيء، أثبت له الحكم، ثم حين قلت (إلا بكراً) أثبت له عدم الحكم، فأصبح تناقض أنه بكر أثبت له ابتداءً للحكم، بعدين أثبت له عكس هذا الحكم.

فالجمهور ماذا ردوا على هذه النظرة من الغزالي؟ ايش قالوا؟ قالوا: لا، الاستثناء إخراج ولا يلزمنا الكلام الذي تقول به. لماذا؟ قالوا: لأن دخول بكر ضمن العموم ابتداءً ثم إخراجه لا يستلزم التناقض. قلنا لهم: لماذا؟ قال الغزالي له: ولماذا لا يلزم التناقض؟ قالوا: صحيح بكر كان داخل ضمن العموم ابتداءً، لكن دخوله في ضمن العموم كان دخول ايش؟ لفظي وليس حكمياً. الدخول اللفظي هذا هو قال: دخول بكر ضمن عموم الطلاب ابتداءً كان الدخول في ايش؟ من جهة اللفظ وليس من جهة تسلط حكم المجيء عليه، فكان بكر داخلاً ضمن الطلاب لفظاً وليس حكماً، ثم أخرجته من الطلاب بـ (إلا) أو بإحدى أخواتها، وحتى –لاحظوا– وحتى عندما خرجت من الطلاب أنا لم أنه ليس طالباَ لما أنا مخرجه من جيش الطلاب، أنا أخرجت من ايش في الحقيقة؟ أنا أخرجت من تعلق الحكم الذي تعلق بالظلمة به، فبالتالي نقول: بكر كان داخل ضمن العموم، لكن دخوله كان ايش؟ دخولاً لفظياً، يعني لم يسلط الحكم عليه ولكن كان داخل اللفظ، ثم أخرجناه من هذا العموم بـ (إلا) أو بإحدى أخواتها، فتم الإخراج له. فتم الإخراج له، وبهذا الإخراج عرفنا أن الحكم المسلط على الطلاب ليس مسلطاً على بكر، فكان إذاً دخول بكر ابتداءً ثم إخراجه صحيح ما فيه مشكلة ولا تناقض فيه، لأن دخوله ابتداءً دخول لفظي وليس دخول حكمي، فهو لم يتسلط عليه حكم المجيء يثبت له المجيء ثم نفيناه عنه، بل نقول: وكان داخلاً في اللفظ العام لفظاً يعني من جهة عموم اللفظ فقط من دون الحكم، فيسمى هذا دخولاً لفظياً وليس حكمياً، ثم أخرجناه من الحكم المسلط على اللفظ العام من خلال (إلا) وحدها أو أخواتها.

يعني انظروا هنا إذن هذا الدخول دخول لفظي لا معنوي، دخول بكر ضمن اللفظ العام ثم إخراجه منه دخول معنوي، لأن القائل قام الطلاب ثم يريد هو في نيته أن يستثني بكراً، هو يعلم أن بكراً لم يقم، صح؟ يعني أنا لما أقول لك: قاموا الطلاب وأنا بنيتي أني بدي أستثني بكراً منهم، صح؟ وأنا عمتك أنا المتكلم حين قلت (قام الطلاب) وأنا في نيتي بدي أستثني بكراً منهم، صحيح الطلاب هي تشمل يدخل فيها بكر، لكن دخول بكر معهم الآن الآن مع نيتي أن أستثنيه دخول لفظي فقط، لأني أنا ناوي أن أستثني، فدخول بكر مع الطلاب هنا في ابتداء الكلام ليس دخولاً حكمياً لاني أنا بنت –عفواً– من الذي يريد تسليط الحكم على الطلاب؟ أليس المتكلم؟ أنا المتكلم حين قلت (جاء الطلاب) دخل الطلاب، قام الطلاب، أنا في نيتي أني لا أريد تسليط الحكم على بكر مع الطلاب، هذا في نيتي، لكن دخول بكر ضمن هذا العموم وفقط دخول من جهة اللفظ، فلما قلت (إلا بكراً) في الحقيقة نعم أنا قمت بعملية إخراج لبكر من ايش؟ من عموم الطلاب، وهذه العملية عملية إخراج بكر من عموم الطلاب لا تستلزم –هون الغزالي– لا تستلزم أن يكون هو ابتداءً كان مسلطاً عليه الحكم.

هو الغزالي ايش مشكلته؟ الغزالي هكذا يتصور الصورة، يقول: إذا قلت إن بكر تم إخراجه وأن الاستثناء قام بعملية الإخراج معناه أنه قبل الإخراج كان مسلطاً عليه الحكم السابق، فالجمهور يقولون: لا، لا يستلزم أنه كان داخل ضمن العموم ثم أخرج منه أن يكون الحكم السابق كان مسلطاً عليه ثم نفي عنه، بل يمكن أن يكون داخلاً ضمن العموم السابق من جهة اللفظ لا من جهة الحكم، وانتهى الأمر. رأيكم كيف النقاش؟ إذاً هو نقاش مهم جداً، تفاصيل فلسفة الاستثناء والآراء الأصولية هي مهمة جداً.

فخلاصة الكلام: الغزالي وابن قدامة وعبد المؤمن يرون أن الاستثناء ليس تخصيصاً. لماذا تقول؟ لأن التخصيص ما هو عند الجميع؟ هو إخراج بعض ما تناوله اللفظ العام، وعبد المؤمن والغزالي وابن قدامة يقولون: الاستثناء ليس فيه إخراج. ولا ايش هو؟ الاستثناء عندنا هو قول متصل يدل على أن المستثنى ليس مراداً بالقول الأول، فبالتالي أيها الأحبة الفرد أو الأفراد الذين خرجوا بالاستثناء لن يكونوا داخلين في العموم ابتداءً، حتى لم يدخلوا حتى يخرجوا، بل الاستثناء دل على أنهم ليسوا داخلين ابتداءً.

طيب، قولنا للغزالي: ما الذي جعلك تذهب إلى هذا التعريف وتجعل الاستثناء ليس إخراجاً؟ قال: لأن جعلي الاستثناء إخراجاً سيسبب –قلنا ما هو– التناقض؟ قال: التناقض هو أني إذا قلت (جاء الطلاب) أنا أثبت مجيئاً لبكر ولهؤلاء الطلاب، ثم إذا قلت (إلا بكراً) فجعلت والله أخرجت بكراً من الطلاب، يعني جعلت الاستثناء إخراجاً، سيكون المستثنى ابتداءً داخلاً ضمن ما يستثنى منه فيثبت له حكم الجملة، ثم يخرج منه بعد (إلا) فيكون مثبتاً له عكس حكم الجملة، فأكون أثبت للمستثنى حكماً يقيناً بحكم العموم ابتداءً ثم نفيته عنه.

فقلنا له: لا يلزم من جعل الاستثناء إخراجاً أن يكون المستثنى حين كان داخلاً في العموم ابتداءً مراداً بالحكم الأول، بل دخوله في العموم ابتداءً دخوله من جهة اللفظ فقط لا من جهة الحكم، لأن المتكلم هو ابتداءً حينما تكلم فقد جاء الطلاب، هو لا يريد أن يثبت هذا الحكم لمن؟ لبكر، اللي هو المستثنى، فبالتالي قد نكون نسير مع الجمهور فنقول: الاستثناء هو إخراج بـ (إلا) أو بإحدى أخواتها بحيث لو لم يخرج لكان داخلاً في الحكم الأول، إخراج فرد أو أفراد –عفواً– بإحدى أخواتها بحيث لو لم يخرج هذا الفرد أو هؤلاء الأفراد لكانوا داخلين ضمن الحكم الأول، فإذا جعلنا الاستثناء إخراجاً فيعتبر إذاً من قبيل المخصصات.

طيب، إذاً هذا هو النقاش الأول، ولكن الآن سنسير على عبد المؤمن، خلاص عبد المؤمن يقول: الاستثناء قول متصل يدل على أن المذكور معه غير مراد بالقول الأول، وبالتالي ليس الاستثناء بتخصيص لانه ليس إخراجاً، بل هو دلالة على أن المستثنى ليس مراداً بالعموم ابتداءً. ثم الآن سيعقد مقارنة عبد المؤمن بين الاستثناء والتخصيص وبين الاستثناء والنسخ.

قال: فيفارق التخصيص بالاتصال. طبعا التخصيص هنا على طريقتنا على طريقة الجمهور، المراد بالتخصيص هنا ايش عندنا؟ المخصص المنفصل، عرفت؟ لكن هو يسمي المخصصات المنفصلة يسميها مخصصات بس، لا يبخل المنفصل أنه ما عنده مخصص منفصل ومتصل مثل الجمهور، المخصصات عند عبد المؤمن هي فقط مخصصات منفصلة، فلا داعي عنده للتقييد أنه والله مخصص منفصل، أنه هو لا يؤمن أن هناك مخصصاً إلا بالمنفصل، فبالتالي خلاص يكون المخصص، لكن أنا بدي أذكّر تفهم أنه الذي يطلق عليه أنه مخصص، المراد به عند الجمهور ايش؟ المخصص المنفصل، فهمت؟

طيب، فيفارق التخصيص أي المنفصل عند الجمهور بماذا؟ ايش الفرق بين الاستثناء وتخصيص المنفصل برأيك وحدك؟ أن الاستثناء يكون متصلاً باللفظ العام، بينما المخصص المنفصل يكون مستقلاً عن اللفظ العام، أليس كذلك؟ لذلك قال: يفارق التخصيص بالاتصال، هذا أول فرق.

طيب، الفرق: الاستثناء يجب أن يكون متصلاً بالعام، بينما التخصيص –اللي هو تجهيز المنفصل– يكون منفصلاً عن اللفظ العام، أما حس أو عقل أو قياس أو ما شابه ذلك، صح؟ طب الفرق قال: وتطرقه إلى النص كـ (عشرة إلا ثلاثة). التخصيص، الاستثناء أيها الأحبة في الحقيقة إما أن يرد حتى في اللغة العربية إما أن يرد على الأعداد وإاما أن يرد على الألفاظ العامة، ففي الحقيقة الاستثناء ليس مختصاً فقط بالألفاظ العامة بالعمومات، يعني لا يشترط أن يكون المستثنى منه لفظاً عاماً، فيجوز الاستثناء من الأعداد مع أن الأعداد مرة معنا أنها من قبيل ايش؟ الخاص، صح؟ فهذا فعلاً هذا الفرق بين الاستثناء وبين المخصصات المنفصلة، أن الاستثناء إما أن يكون استثناء من لفظ عام وإما أن يكون استثناء من أ الفاظ الأعداد، فأنت تقول: جاء عشرة إلا ثلاثة، هذا استثناء بالعدد، وتقول: جاء الطلاب إلا بكراً وهذا استثناء من عام، صح؟

فإذاً الاستثناء يتطرق إلى الفاظ العموم ويتطرق أيضاً إلى ألفاظ الأعداد وهي من قبيل الخاص، بينما المخصصات المنفصلة أو التخصيص بشكل عام لا يكون إلا لايش؟ للألفاظ العامة، هذا الفرق الثاني.

انتهت المقارنة بين الاستثناء والتخصيص. الآن المقارنة بين الاستثناء والنسخ، قال: ويفارق النسخ لماذا أيضاً في الاتصال؟ لأن المستثنى يجب أن يكون متصلاً بالمستثنى منه وبالجملة، صح؟ وأما النسخ فشرطه الأساسي التراخي، أن يكون الناسخ متراخياً متأخراً عن المنسوخ، لذلك يفارق النسخ بالاتصال، هذا الفرق الأول بين الاستثناء والنسخ.

وبأنه مانع –ها لأ– وبأنه مانع لدخول ما جاز دخوله. الاستثناء ماذا يفعل في الحقيقة؟ يمنع دخول بكر ضمن العموم السابق، وإن كان بكر يجوز دخوله ضد العموم السابق، صح؟ حين قلت: جاء الطلاب إلا بكراً، الاستثناء هنا منع دخول بكر، منع دخول بكر في عموم الطلاب ودل على أن بكراً ليس مقصوداً منهم، صح؟ مع أنه ابتداءً ابتداءً يجوز أن يكون بكر مقصوداً، ابتداءً يجوز أن يكون بكر مقصوداً، لكن الاستثناء منع دخول أبا بكر في العموم ودلنا على عدم إرادته في العموم، فالاستثناء مانع.

والنسخ قال: رافع لما دخل. آه فرق، إذاً النسخ هو يرفع ما دخل ضمنه ويرفع شيئاً داخلياً، صح؟ لأنه ما هو النسخ؟ أن يكون حكم ثابت يعمل به الناس ثم يأتي الناسخ ليررفع هذا الحكم، صح؟ فالنسخ إذاً يقوم بعملية رفع لما ثبت دخوله، واما يقوم بماذا؟ ما مفهومه؟ منع دخول ما جاز دخوله، ففرق بين آلة الاستثناء وآلة النسخ؛ النسخ يرفع شيئاً ثبت دخوله، لما يقول: عشر رضعات معلومات يحرمن، ثم نسخ بخمس معلومات، فالناسخ هنا رفع الاحتياج إلى عشرة، صح؟ رفع الاحتياج إلى عشرة وأثبت فقط الاحتياج إلى خمسة، فالاحتياج إلى العشرة كان داخل كله ثابت، كل العشرة ثابتات، فرفعنا منها خمسة وبقي الاحتياج إلى خمسة، فالنسخ إذاً رفع خمسة وأبقى خمسة، الخمسستين كانوا ثابتات داخلات، أنا في نسخ رفع منها خمسة وأبقى خمسة، بينما الاستثناء لا، الاستثناء يدل على أن ما معه ليس داخلاً أصلاً في القول الأول، لم يدخل حتى يخرج ويرتفع ولم يدخل ابتداءً.

الاستثناء يقولون: مانع، والنسخ رافع باختصار جملة منمقة: الاستثناء مانع والنسخ رافع، كأن الاستثناء يدل على أن ما بعده لم يرد، لم يقصد، لم يدخل أصلاً في القول الأول، وأما الناسخ بالعكس، الناسخ لا بد يكون.

دخل في القول الأول ثم بعد ذلك تم نسخُه. طبعا أنت هنا بدي أياك تفهم أن النسخ كما مر معنا سابقا يمكن أن يكون نسخ الجزء ولا يشترط أن يكون النسخ لجميع الحكم. قد يكون نسخ لماذا؟ لجزء من الحكم. مثل حديث العشر رضعات والخمس رضعات.

حديث العشر ركعات كان ثابتا ثم نسخ بخمس ركعات. فالنسخ في الحقيقة لخمسة شارعين لخمسة وأبقى لنا خمسة. فرفع خمسة والخمسة التي رفعها كانت داخلة ابتداء. صح؟ فالنسخ رَفَعَ بينما في الاستثناء لا يوجد عندنا إخراج ورفع لشيء داخل. لا لا. الاستثناء هو مانع ودال على أن ما بعده ليس داخلا أصالة، إذ فقال وبأنه إذا استثناء مانع لدخول ما جاز دخوله، وأما النسخ رافع لما دخل.

الفرق الثالث وهذا الفرق لن نتفق مع عبد المؤمن علي بأنه قال وبانه رفع للبعض والنسخ رفع للجميع. وهذا رددنا عليه ابتداء حينما فرق بين التخصيص والنسخ ابتداء، قال بين الفوارق وبين التخصيص والنسخ أن النسخ يكون رفع الجميع. وهناك علقنا قلنا في الحقيقة هذا لا يلزم، بل يجوز نسخ بعض الحكم، ولا يلزم أن ينسخ جميع الحكم. ومثلنا لهذا قضية العشر ركعات والخمس ركعات.

فالفرق الثالث بين الاستثناء والتخصيص في الحقيقة عليه انتقاد. قوله بأن الاستثناء رفع للبعض أن النسخ رفع للجميع هذا قلنا منتقد بل يجوز أن يكون النسخ أيضا رفع للبعض، يجوز أن يكون النَسخ رفعا للبعض أيضا. طيب، كم ذهب من الوقت؟ جميل.

الآن بعد أن فرَّقنا بين الاستثناء والتخصيص وبين الاستثناء والنسخ، نذهب إلى شروط الاستثناء عند الحنابلة. ويذكر عبد المؤمن البغدادي ثلاثة شروط. شروط الاستثناء عند الحنابلة، هناك ثلاثة شروط للاستثناء الصحيح عند الحنابلة. ما هي هذه الشروط؟

أولا، الشرط الأول قالوا: وشرطه واحد الاتصال. فلا يفصل بينهما، أو فلا يفصل بينهما سكوت يمكن الكلام فيه. هذا الشرط الأول من شروط الاستثناء أيها الأحبة، وهو أن يكون المستثنى متصلا بالمستثنى منه لم يفصل بينهما فاصل. هذا الفاصل سكوت طويل أو كلام أجنبي، وهو لم ينص على الكلام الأجنبي، لكن من تتبع فقه الحنابلة يقولون: الفاصل الذي يبطل الاستثناء إما أن يكون سكوتا طويلا بين المستثنى والمستثنى منه، وإما أن يكون حديثا أجنبيا توقعه بين المستثنى والمستثنى منه.

ما معنى هذا الكلام؟ حين أقول: جاء الطلاب. لا يجوز أن أقول: جاء الطلاب، وأسكت مثلا خمس دقائق. بعد خمس دقائق أقول: إلا بكراً. لأنه هذا فصل بين المستثنى والمستثنى منه، فصل بينهما بسكوت طويل.

نأخذ مثالا على فاصل أجنبي، حتى ولو لم يكن طويلا يعني الكلام الأجنبي حتى ولو لم يكن طويلا يبطل الاستثناء. لو قلت: الطلاب، ثم سألتك قلت: كيف صحتك؟ كيف أمورك، إن شاء الله أمورك طيبة بخير؟ ثم قلت بعد ذلك: إلا بكرا. وهنا فصلت بين المستثنى والمستثنى منه بكلام أجنبي خارج السياق، فهذا أيضا يبطل الاستثناء.

فإذا لا يجوز أن يفصل بين الاستثناء وبين المستثنى منه فاصل بسكوت طويل أو كلام أجنبي. إذا فصل بينهما فاصل بسكوت طويل أو كلام أجنبي بطل الاستثناء. وهذا علم مفيد جدا. مثلا في الإقرارات الشرعية لو جيء بالقاضي في المحكمة، فقال له القاضي: هل تقر على نفسك بما يدعي عليه صاحبك؟ فقال: والله أقر أن علي مئة دينار. وسكت، ثم بعد ربع ساعة قال للقاضي: اسمع اسمع أيها القاضي إلا عشر الدنانير. كل راحت عليك وثبت عليك الإقرار الأول عليك مئة دينار، لماذا؟ لأنه استثناؤك جاء منفصلا عن المستثنى منه.

أما لو قال ابتداء: أقر أن علي مئة دينار إلا عشرة، آه ننزل فقط بتسعين دينار. لأن هنا الاستثناء جاء صحيحا لأنه جاء متصلا بالمستثنى منه. فإذا شرط الاستثناء أن يكون المستثنى.. ما معنى شرطه؟ ترى كلام عام، الطالب المبتدئ أو غير المتمارس لا يفهم شو يعني هو شرطه الاتصال. المراد بالاتصال أن يكون المستثنى منتصرا بالمستثنى منك. ما معنى الاتصال؟ فلا يفصل بينهما سكوت ينكر الكلام فيه، أو حديث أجنبي. ليس.. يعني قد يكون الفاصل سكوت وقد يكون كلاما أجنبيا.

طيب. هل هناك قول آخر في المسألة؟ هل هناك فعلا من يجوز أن يكون الاستثناء منفصلا عن المستثنى منه؟ نعم، حكي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه عدم اشتراطه. روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه أنه لا يشترط أن يكون الاستثناء متصلا بالمستثنى منه، يجوز أن يكون منفصلا. وفي الحقيقة ابن عباس حينما تكلم، طبعا هذا هو لم يكن يتكلم عن الاستثناء بقلة أو بإحدى أخواتها. الاستثناء الذي تكلم عنه ابن عباس وجوز أن يتأخر عن المستثنى منه، المراد به: إن شاء الله، إن شاء الله رسولنا استثناء، أليس كذلك؟ فابن عباس كان يتكلم في موضوع اليمين.

فلو أن شخصا أيها الأحبة، مثل الأحكام الفقهية المعروفة، أن الشخص لو حلف قال: والله لأفعلن هذا في المستقبل، ثم مباشرة قال: إن شاء الله، لو لم يفعل لا يصح، بسبب استثنائه. طيب، لو نسي أن يقول: إن شاء الله وإخوانها بعد مثلا أسبوع وبعد فترة طويلة، يعني حارس قال: والله لأفعلن هذا الشيء، ثم راح يوم يومين، بعدين تذكر: خلاص حلفت والله لأفعل هذا الشيء، مش قادر أفعله، خليني أستثني بعد يومين، أقول: إن شاء الله. يقولون ينسب إلى ابن عباس رضي الله عنه قال مشروعا أنه يجوز الاستثناء في اليمين حتى لو تأخر، يجوز هذا. وهذا رأي مخالف رأي الجماهير من الصحابة، لكن هذا يلزم إلى ابن عباس أنه يجوز الاستثناء في اليمين أن تحلف على يمين، ثم بعد خمسة أيام ستة أيام تقول ايش؟ إن شاء الله، حتى تنفك من عقدة هذا اليمين ولا يبقى ملزما لك.

طبعا فأنا لا أحبذ الطلبة أن ينشروا هذا القول أو أن يعتمدوه للناس، لأن الناس تتلاعب باليمين من دون هذا القول فما بالك أن يعرفوا هذه الأقوال؟ لكن فقط اعرف هذا القول. من القصص الطريفة في هذا أن أحد وزراء المنصور أبو جعفر المنصور أراد أن يشي بأبي حنيفة للخليفة أبي جعفر المنصور، فإيش قال؟ قال يا أبي عن أبي جعفر المنصور قال: يا أيها الإمام، يا خليفة المسلمين، إن أبا حنيفة يخالف جدك عبد الله بن عباس. منصور من العباسيين، فجدنا عبد الله بن عباس. إن أبا حنيفة يخالف جدك عبدالله بن عباس، فلا يجاور الاستثناء المنفصل. الآن قلنا: أبو حنيفة مثل الحنابلة يقول: يجب أن يكون الاستثناء متصلا.

فهذا الرجل أحد وزراء أبي جعفر المنصور أراد أن يشي، بده يوقع أبا حنيفة مع.. فقال: أيها الخليفة، أبو حنيفة رضي الله عنه لا يوافق ويخالف جدك عبدالله بن عباس في الاستثناء، فلا يجوز أبو حنيفة أن يكون الاستثناء منفصلا، وجده عبد الله بن عباس يجوز أن يكون الاستثناء منفصلا. وطبعا هاي المفكر هذا الزلمة أنه هسه وقعت بين أبو جعفر وبين أبو حنيفة، فأبو جعفر المنصور فعلا غضب، يعني كان عندهم حمية. فدعا أبا حنيفة، فقالوا: يا أبا حنيفة، ماذا تقول في الاستثناء؟ هل يجوز أن يكون.. هل تقول إنه لا يجوز أن يكون منفصلا؟ فقال أبو حنيفة: نعم، لا يجوز أن يكون منفصلا، ثم أضرب إذا كان أبو حنيفة قال: ولو جوزت الاستفتاء المنفصل لما بقيت لك بيعة عند الخلق.

قال: كيف يعني؟ الآن هو بده يلف القضية أنه لو قلت بالاستثناء المنفصل كان بيعة الناس إلك بالخلافة راحت. فقال له: كيف؟ قال: الآن كيف كان يبايعوا زمان؟ كان يحلف يمين عند الحاكم أو خليفة المسلمين بالبيعة له بالسمع والطاعة وكذا وكذا. فالآن ايش يقول أبو حنيفة؟ لو أني جوزت الاستثناء المنفصل، كان كل شخص جاء بايعك على الخلافة وحلف لك الأيمان المغلظة أنه سيمر وسيسمع لك ويطيع، بعد أن يخرج من عندك ويجلس في بيته يقول: ايش؟ إن شاء الله. صح؟

فبالتالي كل شخص بايعك وحلف الأيمان المغلظة، كانت تسمى عندهم أيمان البيعة، لكل شخص حلف أيمان البيعة لك بالسمع والطاعة، بعد أن يخرج من عندك يستطيع أن يقول: إن شاء الله. لأنه يجوز الاستثناء المنفصل، وبالتالي لن يثبت لأحد في عنقه بيعة لك، وأنا بالعكس، قولي يخدمك في بقاء الخلافة لك، أني لا أجوز استثناء منفصلا. إذا تريد أن تستثني، تستثني معك في نفس المجلس، ولا يجوز لك أن تستثني بعد خروجك من المجلس، أو حتى أن يكون منفصلا عن كلامك. فبالتالي أنا أخدمك.

فأبو جعفر المنصور واحد من من ذكاء أبي حنيفة قال له: أبق على قولك رضي الله عنه. خلك على قولك بما أن قولك أحفظ لي بيعتي وخلافتي، اجعلنا على الاستثناء متصلا، حتى لو خالف قول جده ابن عباس.

جميل، فإذا رأي الجمهور لابد أن يكون المستثنى متصلا بالمستثنى منه، لا يفصل بينهما سكوت يمكن الكلام فيه، ولا أيضا كلام أجنبي. ابن عباس لم يشترط ذلك. طبعا بدنا نفهم أن ابن عباس لم يشترط ذلك ولم ينص على الاستثناء بالا وباحدى أخواته. ابن عباس كان يتكلم عن الاستثناء بايش؟ إن شاء الله. وهي نوع من أنواع الاستثناء، لأنه هي بمعنى: إلا أن يشاء الله. يعني أنا أقول مثلا: لأفعلن هذا. ثم أقول: إن شاء الله. فهي بمعنى: إلا أن يشاء الله، فهي تفيد قالوا معنى الاستثناء. فبالتالي استنبطوا استنباطا من كلام ابن عباس أنه يعمم هذا في جميع الاستثناءات. يعني ابن عباس نص على هذا في إن شاء الله وحدها، لكن الأصوليون خرجوا مذهبا لابن عباس كامل، أنه أي أسلوب من أساليب الاستثناء: بإن شاء الله أو بغيرها، بالتالي يجوز عند ابن عباس أن يكون منفصلا.

قال: وعن عطاء والحسن البصري تعليقه بالمجلس. وقد أومى إليه أحمد في اليمين. هناك قول ثالث في المسألة: عطاء، الإمام عطاء وهو تلميذ ابن عباس، والحسن البصري أيضا. عطاء والحسن البصري يقولون: يجوز أن يكون الاستثناء منفصلا بشرط أن يبقيا في نفس المجلس، فإذا تفارقا.. فارقا المجلس لا يجوز أن يكون الاستثناء.. أو لا يجوز الاستثناء المنفصل.

فعند عطاء والحسن البصري يجوز الاستثناء المنفصل بشرط بقاء المجلس. كيف ذلك؟ يعني أنا وياك الآن في مجلس، ممتاز. فقلت لك: لك علي مئة دينار، والمجلس ما زال، والعقد بيني وبينك. بعد خمس دقائق، قبل أن ينفض المجلس، قلت: إلا عشرة. هل يصح هذا؟ إلا عند الجمهور لا يصح، لأنه يجب أن يتصل الاستثناء بالمستثنى منه لفظا، فلا يفصل بينهما بسكوت طويل ولا بكلام أجنبي. عطاء والحسن يقولون: إذا كان المجلس مادام ما زال منعقدا، فقلت لك: لك علي مئة دينار، ثم حتى بعد سكوت طويل أو بعد كلام أجنبي ودردشنا وسولفتنا، قلت لك: إلا عشرة. يصح هذا الاستثناء، يصح هذا الاستثناء.

أما إذا فارقنا المجلس، والله قلت لك: لك علي مئة دينار. بدل كل واحد فينا روح على بيته، اليوم الثاني اجت عليك وقلت لك: إلا عشرة. لأ، في هذه الحالة لا يصح الاستثناء المنفصل. فإذا عطاء والحسن حاولا الوصول إلى حل وسط، فقالوا: يجوز فصل المستثنى عن المستثنى منه مادام المجلس منعقدا، حتى لو فصل بين المستثنى والمستثنى منه كلام أجنبي أو سكوت طويل، لا مشكلة، المهم أن المجلس منعقد. أما إذا انفض المجلس وذهب كل شخص إلى حال سبيله ثم عاد بعد ذلك فلا يصح الاستثناء.

ولكن كما قلنا، رأي جماهير أهل العلم أن المستثنى يجب أن يكون متصلا بالمستثنى منه حقيقة ولا يفصل بينهما بسكوت طويل ولا بكلام أجنبي. طبعا قول عطاء والحسن في قضية التفريق بين المجلس وبينه.. هناك رواية أحمد في اليمين تومئ إلى أنه يتبنى مذهبهما، يعني فيها إيماء. ومَرّة أنا حينما درسنا مدخل لمذهب أحمد.. لأن أحمد رحمة الله عليه.. كيف أصحاب أحمد يأخذون آرائهم الأصولية؟ أما من منصوص كلامه وأما من إيماءاته وإشاراته. يعني أحمد في اليمين في مسألة اليمين قال: يجوز أن الرجل يحلف يمين.

جميل، يجوز أن يحلف الرجل يمينا، وقبل أن يخرج من هذا المجلس يستثني من يمينه فيقول: إن شاء الله. فأحمد بن حنبل لم يكن يتكلم طبعا الاستثناء عموما، كان يتكلم في موضوع اليمين خاصة. ففي إحدى رواياته جوز أحمد أن الإنسان يحلف يمين ثم قبل أن ينفض المجلس يستثني فيقول: إن شاء الله.

فقال أصحاب أحمد بن حنبل: هذه الرواية للإمام أحمد تومئ إيماء وتشير إشارة -وإن لم تكن تصريحا- بأنه يتبنى رأي عطاء والحسن في أن الاستثناء يكون مقبولا مادام في المجلس، فإذا انفض المجلس لا يقبل الاستثناء. لكن هذا كما قلنا بإيمائه، ولكن المشهور عن الإمام أحمد الرأي الأول، وهو أنه يشترط الاتصال بين المستثنى والمستثنى منه.

طيب، الشرط الثاني من شروط الاستثناء أن يكون من ايش؟ من الجنس. ايش معنى أن يكون من الجنس؟ الآن الإخوة الذين.. قطر الندى.. لم نصل إلى هذا. أنتم تعلمون أن الاستثناء على نوعين، هناك استثناء متصل وهناك استثناء منقطع. ايش الاستثناء المتصل؟ وما كان فيه المستثنى من جنس المستثنى منه. جاء الطلاب إلا بكرا، بكر الطلاب. قام الرجال إلا عمراً، عمرو من جنس الرجال.

وهناك الاستثناء المنقطع وهو ما يكون فيه المستثنى ليس من جنس المستثنى منه. يقول: مثل قام الرجال إلا حمارا. فالحمار ليس من جنس الرجال، وقام الرجال إلا هندا ليست من جنس الرجال. فهذا استثناء منقطع، الذي يكون فيه المستثنى ليس من جنس..

المستثنى منه، فالآن الحنابلة ماذا يقولون؟ يقولون: الاستثناء المعتبر في الأحكام الشرعية هو الاستثناء المتصل، وهو ما كان فيه المستثنى من جنس المستثنى منه. وأما الاستثناء المنقطع، وهو: «قام الرجال إلا هنداً» فهذا تسميته استثناء مجاز، وهو ليس استثناءً، فلا يقبل في الحكم الشرعي. الآن هو جائز باسلوب عربي، أن نقول: ما قام الرجال إلا هندا، لكن تسميته استثناء يكون مجازاً، فهو ليس استثناءً وإنما هو في الحقيقة أسلوب من أساليب الاستدراك، فبالتالي لا يقبل عندنا بالأحكام الشرعية. يعني أنت تقول: إيش أثر هذا؟ قالوا: بالتالي لا يقبل في الأحكام الشرعية. لذلك ايش يقول الخرقي في مختصري؟ وأنا أنقل لكم كلام الخرقي، يقول الخرقي، وهو من متقدمي، يعني من سبق في الحنابلة، صاحب المتن المختصر المشهور «متن الخرقي» والذي صنف عليه من قدامى المغني، يقول الخرقي: «ومن أقر بشيء واستثنى من غير جنسه كان استثناؤه باطلاً». لاحظوا العبارة: «من أقر بشيء واستثنى من غير جنسه كان استثناؤه باطلاً». إذاً، هذا إمام من المتون الفقهية يؤكد الأصولي الحنبلي أن شرط الاستثناء المعتبر في الأحكام الشرعية أن يكون استثناءً متصلاً؛ المستثنى من المستثنى منه، فإذا كان المستثنى ليس من جنس المستثنى منه، فهذا لا يعتبر في الأحكام الشرعية، لأن هذا ليس استثناءً حقيقةً، وإنما تسميته استثناءً مجازٌ.

طب ايش أثر هذا؟ أثر هذا أيها الأحبة يظهر بالأحكام الشرعية أين؟ يظهر كثيراً في مسائل الإقرارات. يقول: لو أن رجلاً أقر عند القضاء الشرعي فقال: لفلان علي ألف دينار إلا ثوبه، الآن الثوب ليس من جنس المستثنى منه، صح؟ فعند الحنابلة هذا الاستثناء ملغىً مرفوضٌ باطلٌ، ويلزم هذا الشخص ألف دينار. طبعا لاحظوا، لما يكون الاستثناء خطأً أو باطلاً، الذي يلغى فقط هو الاستثناء، وما قبل الاستثناء يبقى معتبراً. حتى مثلاً في الحالة، مش قلنا الشرط الأول من شروط الاستثناء أن يكون ايش؟ متصلاً، فلو أن رجلاً قال: لفلان علي ألف دينار، ثم بعد خمس ساعات قال: إلا عشرة، نقول: الاستثناء هو الباطل، ونلزمه باقراره الأول بالألف دينار، الذي يبطل هو الاستثناء فقط.

فإذاً، يقول الحنابلة: يشترط في الاستثناء الشرط الثاني أن يكون المستثنى من جنس المستثنى منه، فإذا لم يكن من جنسه كان باطلاً. فلو أن رجلاً قال عند القضاء: لفلان علي ألف دينار إلا ثوب، ماذا يقول الحنابلة؟ هذه «إلا ثوبها» باطلة لأنها ليست من جنس المستثنى منه، ونلزمك بالألف دينار. طيب، وقال ذلك أبو حنيفة وبعض المتكلمين ليس بشرط. مالك وأبو حنيفة وبعض المتكلمين قالوا: لا، عندنا الاستثناء سواء كان المستثنى من جنس المستثنى منه أو لم يكن من جنس المستثنى منه. عند هؤلاء أيها الأحبة إذا قال الرجل عند القاضي: لفلان علي ألف دينار إلا ثوباً، ماذا سيحدث؟ نخرج قيمة الثوب من الألف دينار، فالاستثناء صحيح وإن كان منقطعاً، ونخرج قيمة الثوب من الألف دينار، فنقول: والله هذا الثوب اللي بتكلم عنه كم قيمته؟ والله الاطلاع قيمته عشر دنانير، فنخرج من الألف دينار عشر دنانير، طلع الثوب مية دينار، نخرج من ألف دينار مئة دينار، اللي هي ايش؟ قيمة الثوب. فهنا اعتدلنا بالاستثناء المنقطع فاعتددنا به، لكن عند الحنابلة لا، لا يجوز. لكن الحنابلة يستثنون مسألة واحدة يجوزون فيها الاستثناء المنقطع الذي يكون فيه المستثنى ليس من جنس المستثنى منه، ايش هي؟ قالوا: يجوز أن يستثنى الفضة من الذهب، ويجوز أن يستثنى الذهب من الفضة.

فلو أن رجلاً قال: لفلان علي ألف دينار ذهب إلا خمسين درهماً. الدراهم معروفة طبعا فقهياً قديماً بالدينار، عند الاقدمين الدينار هو الذهب، والدرهم هو الفضة، هذا معروف عرفاً. فلو قال لفلان علي، الأقدمون لو قال لفلان علي ألف دينار إلا خمسين درهماً، معناته أثبت على نفسه ألف دينار ذهبي، واستثنى منها خمسين درهم فضي، وهنا المستثنى ليس من جنس المستثنى منه، صح؟ ولكن هذه صورة تجوز عند الحنابلة استثناءً. قالوا: الورق من الذهب، الورق اللي هو الفضة، واستثناء الذهب من الورق يجوز. لذلك تكملة عبارة الخرقي السابقة: «ومن أقر بشيء واستثنى من غير جنسه كان استثناؤه باطلاً إلا أن يستثني جنساً من ورق، عفواً، إلا أن يستثني عيناً من ورق أو ورقا من عين». العين اسم من أسماء ايش؟ الذهب. فهذا انظروا فائدة تعلم اللغة العربية، فائدة تعلم الأصول، فائدة كذا في توسيع مدارك الإنسان أيها الأحبة، فعلاً أن العلم فيه أجر عظيم للإنسان: «إلا أن يستثني عيناً من ورق أو ورقا من عين». الخرقي يبين أن الاستثناء المنقطع لا يجوز، افتح هذاك الباب، مستثنى مسألة واحدة، وهو يجوز أن يستثنى الذهب من الفضة والفضة من الذهب.

طب لماذا أيها الأحبة برأيكم مع أن الخلاف القياس؟ يعني أنتم القياس عندكم أنه لا يجوز الاستثناء المنقطع الذي يكون فيه المستثنى ليس من جنس المستثنى منه، لماذا هنا عدلتم عن القياس؟ صح؟ عدلتم عن القياس وجوزتم، استثنيتم هذه المسألة. يقول الطوفي رحمة الله عليه: قال هذا استحسان مستثنى من الدليل. لاحظ عبارة الطوفي: استحسان مستثنى من الدليل، يعني أن القياس العام، المسألة هيك أخذت وحدها استحسنت وحدها. وهذا يدل، كلمة الطوفي هذا وهذا استحسان، يدل على أن الحنابلة يأخذون بالاستحسان. وما هو الاستحسان؟ سندرس إن شاء الله هو العدول بالمسألة عن حكم نظائرها لدليل اقتضى هذا العدول؛ العدول بالمسألة عن حكم نظائرها. الآن الأصل أنه لا يجوز أن أستثني الورق من الذهب ولا الذهب من الورق؛ لأنه كلياتها لا تجوز، فلا يجوز استثناء المنقطع، وهذا من قبيل الاستثناء المنقطع، فالاصل أن يلحق باخوانه أنه لا يجوز. لماذا هذه المسألة هي الوحيدة التي استثنيناها وعدلنا بها عن حكم نظائرها؟ الاستحسان، والاستحسان لابد له من دليل. فالطوفي يبين استحساناً في هذه المسألة، لماذا عدلنا بهذه المسألة وعن حكم نظائرها وجوزنا الاستثناء المنقطع هنا؟ يقول الطوفي رحمة الله عليه: لأن الذهب والفضة هما اثمان المبيعات، وقيم المتلفات، ومقاصدهما واحدة، فينزلان منزلة الجنس الواحد. حتى تعرف لماذا وقع استثناء في هذه المسألة بحد ذاتها؟ قال: لأن قديماً أيها الأحبة المعاملات المالية بين الناس كانت بدنانير الذهب ودراهم الفضة، فكان أي شيء يتلف مثلاً يقوم بهذا أو بهذا، التبادل في المبيعات كان بهذا أو بهذا، فمقاصد الذهب والفضة واحدة فكأنهما بمنزلة الجنس الواحد وإن كانا في الحقيقة جنسين مختلفين. فهذا هو سبب الاستحسان لهذه المسألة ولماذا يجوز استثناء الذهب من الفضة والفضة من الذهب. انظر لنا كيف أنت توسع الفكر وتعرف مدارك أهل العلم كيف يؤصل القاعدة ثم يستثنون منها لشيء اقتضى هذا الاستثناء.

طيب، إذاً هذا هو الشرط الثاني، كمذهب من الوقت؟ طيب، وأن يكون، إذا قلنا من الجنس هذا الشرط الثاني، وقال مالك وأبو حنيفة وبعض المتكلمين: لا لا يشترط أن يكون المستثنى من جنس المستثنى منه، عندنا حتى باستثناء المنقطع. الشرط الثالث الآن، إذا عرضنا ما هو الشرط الأول الاستثناء عند الحنابلة؟ أن يكون متصلاً بالمستثنى منها. الشرط الثاني: أن يكون من جنس المستثنى منه. الثالث: أن يكون المستثنى أقل من النصف وفي النصف وجهان. هذا في الحقيقة من المسائل التي يعني يقولون بها فقهاء الحنابلة هم الذين تفردوا باشتراطها بالاستثناء، إذا استثنيت يجب أن يكون المستثنى أقل من نصف المستثنى منه. وإذا كان المستثنى هو نصف المستثنى منه بالضبط عندنا وجهان، في الحقيقة يقبل أيضاً، هذا هو الصحيح المعتمد أنه يقبل أيضاً. وأما إذا كان المستثنى أكثر من المستثنى منه، فهذا لا يجوز عند الحنابلة.

ثم قال: وأجاز الأكثرون الاستثناء بالأكثر. الآن أيها الأحبة، عندنا صور وحالات للاستثناء، في الحقيقة عندنا أربع صور. الصورة الأولى: أن أستثني الكل من الكل، وأقول: لمحمد عشرة إلا عشرة، استنفذت الكل من الكل، هذا لم ينص عليه عبد المؤمن البغدادي، هذا باطل عند الجميع، الذي يبطل الاستثناء. نقول: هذا الاستثناء باطل عند الجميع، فيثبت على محمد عشرة. النوع الثاني: أن أستثني أكثر من نصف المستثنى منه، لمحمد عشرة إلا سبعة، هنا استثنيت أكثر من نصف المستثنى منه، المستثنى منه عشرة، ايش نصفها؟ خمسة، أنا استثنيت سبعة، فالمستثنى أكثر من نصف المستثنى منه، فهذا جائز عند الجمهور باطل عند الحنابلة. الحنابلة إذا قال الرجل: لمحمد عليه عشرة إلا سبعة، يلزمون هذا الرجل بعشرة ويقولون: الاستثناء باطل. الجمهور: لمحمد عليه عشرة إلا سبعة، يلزمونه بماذا؟ لو رجل قال: لمحمد عليه عشرة إلا سبعة، الجمهور يلزمونه بثلاثة، الحنابلة يلزمونه بعشرة لأنهم يريدون السبعة. طيب، استثني نصف المستثنى منه، الحنابلة عندهم وجهان والمعتمد قبوله، المعتمد قبوله. فلو قال رجل عند الحنابلة: نسائي طوالق إن مثلاً رجل متزوج أربع نسوان، رجل عنده أربع نساء، فقال: نسائي طوالق إلا هند وسعاد، نسائي طوالق إلا هند وسعاد، الآن هو كم عدد نسائه؟ أربعة، استثنى منهم اثنين، لو قال مثلاً: النساء الأربع طوالق، خلص بنص على الأربعة، النساء الأربع طوالق إلا هند وسعاد، استثنى اثنتين من الأربع، يعني استثنى النصف، صح؟ هل يصح هذا الاستثناء عند الحنابلة؟ في الحقيقة يصح، وقال عنده وجهان والمعتمد في المذهب أنه يصح. فإذا استثنى نصف المستثنى منه، المعتمد في مذهبنا أنه يصح، فلو قال: نسائي الأربع طوالق إلا هند وسعاد، استثنى النصف، يصح عند الحنابلة فتكون غيرهن وسعاد هن الطوالق، وأما هند وسعاد فلا يطلقن.

الحالة الرابعة: استثنى، طبعا هذا الاستثناء النصف عند الجمهور جائز، الجمهور يجوز استثناء الأكثر فمن باب أولى أن يجوز استثناء النصف. الحالة الرابعة: أن استثني أقل من نصف المستثنى منه، فأقول: لمحمد عشرة إلا ديناراً، لمحمد عشرة إلا ديناراً. هنا نلاحظ أن المستثنى أقل من نصف المستثنى منه، فهذا جائز باتفاق الجميع. فإذاً، هذا الشرط الثالث عند الحنابلة، ويخالفه فيه الجمهور. الحنابلة يقولون: يجب أن يكون المستثنى إما نصف المستثنى منه أو أقل، ولا يجوز له أن يكون أكثر.

طب الجمهور، هل هناك شيء يقوي رأيهم أن يجوز استثناء الأكثر؟ في الحقيقة هناك ما يقوي رأي الجمهور في جواز الاستثناء الأكثر، وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر: 42]، وتقابلها الآية الأخرى: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص: 82-83]. الآن ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ الله عز وجل يخاطب إبلّيس فيقول له: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ ثم استثنى من؟ ﴿إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾. الآن ﴿مِنَ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ يمكن أن يكون الذين اتبعوه أكثر العباد، ويمكن يكونوا نصف العباد، ويمكن يكونوا أقل من نصفهم، صح؟ فهنا المستثنى يحتوي الاحتمالات الثلاثة، لكن تقابلنا بالآية الأخرى على لسان الآية الأخرى بالعكس، إبليس هو الذي يخاطب الله فيقول: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص: 82-83]. الآن العباد المخلصون يمكن أن يكونوا أكثر من المستثنى منه أو النصف أو أقل. لكن لو نظرنا إلى مجموع الآيتين، فإذا، لو نظرنا إلى مجموع الآيتين سنصل إلى نتيجة، وهو أن الاستثناء الأكثر جائز؛ لأنه لابد في إحدى الآيتين وقع استثناء الأكثر، صح؟ لابد أنه في إحدى الآيتين وقع استثناء الأكثر، لأن قضية النصف بالضبط أن المخلصين والغاويين شيء واحد بنفس العدد بالضبط هذا فيه تكلف، صح؟

يعني معقول المخلصين عبر تاريخ الأمة كانوا خمسمייה مليون وخمسمية وخمسين نسمة، خمسمية وخمسمية مليون وخمسمية وخمسين نسمة، يعني بالضبط هذا فيه تكلف. فإذا نقول بشكل عام: إذا قلنا إنه ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾، إذا قلنا الغاوون هم أكثر من المخلصين بالتالي في الآية ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ الغاوون هنا المستثنى أكثر من المستثنى أكثر من نصف المستثنى منه، صح؟ طيب إذا قلنا: لا، الغاوون أقل من المخلصين، وقلنا: ممتاز، إذا كان الاحتمال الثاني أن الغاوون أقل من المخلصين، فبالتالي هذا استثناء أقل من النصف، ستكون الآية الأخرى لسورة ص: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ سيكون العباد المخلصون أكثر من العباد الغاوين، فيكون من استثنى أكثر لأنك هو باختصار: إذا اخترت أن الآية الأولى استثنى فيها الأقل إذاً في الآية الأخرى أنه استثنى أكثر لأنها عكسها، وإذا اخترت في الآية الأولى أنه استثنى أكثر يلزمك في الآية الأخرى أنه استثنى أقل. فه هاتان الآيتان إذا جمعتهما ستكتشف فعلاً أنه في إحدى الآيتين لابد أن يكون استثنى أكثر وفي الآية الأخرى استثنى أقل؛ لأن المعنى متقابل فيهما، وإن كان الحنابلة له ردود على الاستدلال بهذه الآيتين ليس هذا موضع التعقيب عليها.

طيب، ننتقل إلى مسألة، بقي مسألتان في قضية الاستثناء. بعد أن ذكرت شروط الاستثناء الثلاثة خلص انتهينا من شروط الاستثناء عند الحنابلة، أن يكون متصلاً، أن يكون من جنس المستثنى منه، والشرط الثالث هو قضية أن يكون المستثنى النصف فأقل. الآن ننتقل إلى مسألة؛ لدينا المسألة الأولى: إذا تعقب الاستثناء جملاً عاد إلى جميعها عند الحنابلة وعند الجمهور، وأما الحنفية فقالوا: إذا تعقب الاستثناء جملاً عاد إلى الاقرب. الآن ما معنى هذه المسألة أيها الأحبة؟ معنى هذه المسألة أيها الأحبة أولاً لابد أن أحرر موطن النزاع؛ الاستثناء أيها الأحبة إما أن يتعقب، يعني يأتي بعده، إما أن يأتي بعد مفردات، وإما أن يأتي بعد جمل، لكن المراد الاستثناء أيها الأحبة إذا تعقب، إذا كان يعود إلى أشياء سبقت كثيراً، فإما أن يعود.

إلى مفردات وأما أن يعود إلى جمل، يعني لا بأس أن تفهم أن الاستثناء ليس بالضرورة أن يكون بعده مفردات كثيرة، وهل هذا ما خشيت من فهمه أنت؟

أنا أقصده الاستثناء هنا، إذا كان يعود إلى متعدد؛ فإما أن يعود إلى متعدد من قبيل المفردات، وإما أن يعود إلى متعدد من قبيل الجمل، أما الاستثناء ما يكون هناك أصلاً قول وتعدد: «جاء الطلاب إلا بقرة»، ما عندنا مشكلة.

لكن الكلام الآن في الاستثناء، الاستثناء الذي يعود إلى متعدد -فلنقيّد الاستثناء الذي يعود إلى متعدد- إما أن يكون هذا المتعدد من قبيل المفردات، وإما أن يكون هذا المتعدد من قبيل الجمل.

مثال عودة الاستثناء على متعدد من قبيل المفردات: «عاقب السارق والزاني والشارب والقاذف إلا من تاب»، الآن «إلا من تاب» هذا الاستثناء يعود على متعدد، صح؟ على السارق والزاني والشارب والقاذف، «إلا من تاب».

فنقول هنا: الاستثناء جاء بعد مفردات، تعقب مفردات، فهنا شبه اتفاق؛ شبه اتفاق أن الاستثناء إذا تعقب المفردات فإنه يعود لجميع المفردات السابقة، ولا يختص بآخر واحد كان قريب منه.

الآن وقت: «عاقب السارق والزاني والشارب والقاذف إلا من تاب»، هنا «إلا من تاب» هذا استثناء من الجميع، يعني: إلا من تاب من السارق والزاني والشارب والقاذف، ولا يختص بواحد من هؤلاء الأفراد.

الصورة الثانية: أن يكون الاستثناء تعقب جُمَلاً، فأقول لك: «عاقب السارق، وارجم الزاني، واجلد الشارب إلا من تاب»، آه هنا في الحقيقة هي -شف- الجملة السابقة كانت جملة واحدة: «عاقب السارق والزاني والشارب والقاذف إلا من تاب»، فهناك فعلاً كانت (إلا من تاب) جاءت بعد مفردات.

هنا عندي أكثر من جملة، عندي جملة: «عاقب السارق»، هاي جملة مستقلة، «وارجم الزاني، واجلد الشارب إلا من تاب»، فهنا «إلا من تاب» استثناء، لكن هذا الاستثناء تعقب جُمَلاً في هذه الحالة، ولم يتعقب مفردة.

الاستثناء إذا تعقب مفردات قلنا: شبه اتفاق أنه يعود، يعني يكون استثناء من جميع المفردات، لكن الاستثناء إذا تعقب جُمَلاً، هل يكون استثناء من أي جملة؟

آه، الآن جماهير أهل العلم، الآن قضية واضحة، ولم ينص عليها عبد المؤمن البغدادي بوضوحها، الخلاف في المقطع الثاني أو الحالة الثانية من الاستثناء، وهو الاستثناء الذي يعقب جُمَلاً، فعبد المؤمن البغدادي ينص على أن مذهب الحنابلة والمالكية والشافعية أن الاستثناء الذي يتعقب جُمَلاً أيضاً يعود إلى جميع الجمل السابقة، مثله مثل الاستثناء الذي يتعقب المفردات.

الحنفية لا، يقولون: الاستثناء الذي يتعقب جُمَلاً يعود إلى الجملة الأخيرة فقط، آه، الحنفية ايش يقولون؟ الاستثناء الذي يتعقب جُمَلاً يعود إلى الجملة الأخيرة فقط، ولا يعود إلى الجمل إلا إذا جاءت قرينة تدل على ذلك.

الجمهور بالعكس، الجمهور بالعكس ايش يقول الجمهور؟ الاستثناء إذا تعقب الجُمَل فإنه يعود إلى جميع الجمل السابقة، ولا يختص بجملة واحدة منها إلا إذا جاءت قرينة، شفت القرينة دائماً متبعة، لكن ايش هو الأصل؟ هنا الخلاف.

الحنفية الأصل عندهم أن الاستثناء يعود إلى الجملة الأخيرة فقط، والقرينة قد تعمّم، الجمهور بالعكس، أن الاستثناء يعم الجمل السابقة عليه، والقرينة قد تخصّص بواحد، ممتاز.

الآن ايش أشهر مثال على هذه القضية؟ مثال دائماً يتكرر في كتب الأصوليين، قوله سبحانه وتعالى في سورة -في موضوع القذف في سورة النور- الله عز وجل ايش يقول: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: 4]، الجملة الأولى.

﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾، هذا المقطع الثاني.

﴿وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾، الجملة الثالثة، ثم قال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُوا﴾ [النور: 4-5].

الآن الله عز وجل أعطانا ثلاث الجمل؛ ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ عموم الذين يرمون المحصنات على العموم، ثم لم يأتوا بأربعة شهداء، ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ هذا الجزء الأول، ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ أنتم تقبلون شهادتهم، ﴿وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ الحكم عليهم بالفسق، ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النور: 5].

هل يعود على جميع الجمل الثلاث السابقة؟ ولا يعود على الجملة الأخيرة فقط؟

الآن الجمهور ماذا يرى؟ الآن شوفوا بدنا نحدد الجمهور، الجمهور ايش قالوا؟ إن الاستثناء يعود على جميع الجمل السابقة إلا إذا جاءت قرينة، فنقول: الجمهور يقول عود الاستثناء إلى الجملة الأولى؟ مش صحيح، لا يعود إلى الجملة الأولى، لماذا؟ ما يعود إلى الجملة آه، لأنه التوبة حتى لو أن الإنسان تاب هذا لا يسقط عنه حد القذف، لأن هذا حق المقذوف، إذا المقذوف طالب القاضي بإقامة حد القذف فيجب على القاضي أن يقيم حد القذف حتى لو تاب هذا القاذف، حتى لو أن القاضي استتاب واستغفر ربه في النهاية هذا حد وهو حق للمقذوف فيجب أن يقام حتى لو تاب القاذف، فبالتالي جاءت قرينة عند الجمهور تدل على أن استثناء التوبة لا يتعلق بالجملة الأولى.

ممتاز، إذا الجملة الأولى ليست داخلة حتى عند الجمهور، الآن الجمهور قالوا: آه بقي الجملة الثانية والثالثة، فالجمهور قالوا: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ تعود إلى الجملة، استثناء من الجملة الثانية ومن الجملة الثالثة.

فإذا كان الاستثناء من الجملة الثانية، الجملة الثانية تقول: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾، استثنينا الذين تابوا، فالذين تابوا تقبل شهادتهم، ﴿وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ الذين تابوا يرتفع عنهم حكم الفسق، لأن التوبة جاءت استثناء من قبول الشهادة واستثناء من حكم الفسق عند الجمهور، فبالتالي كان الله -كأن الله- قال: لا تقبلوا شهادة القاذف للمحصنات إلا الذين تابوا فتقبل شهادتهم، واحكموا على القاذفين بالفسق إلا الذين تابوا، فكأن هنا ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ تعلقت بالشهادة وتعلقت بالفسق.

الان طب على رأي الجمهور ماذا سيفعلون بكلمة أبدًا مع المواهب القضائية؟ فعلاً الله عز وجل يقول: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ لو كان يريد الاستثناء ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ لما قَيَّد بالتأبيد، آه فقال له، قال الجمهور قالوا: التأبيد ليس المراد به ما داموا أحياء، لا، المراد به أبداً يعني مدة كونهم مصرين على المعصية ولم يتوبوا، فالتأبيد ليس على حقيقته التأبيد المطلق، وإنما المراد بالتأبيد هنا يعني يعني مدة كونهم مصرين على معصيتهم ومستمرين عليها ولم يتوبوا، فأول معنى أبداً هنا.

الحنفية على رأيهم، الحنفية يقولون: الاستثناء إذا تعقب جُمَلاً فإنه يعود إلى الجملة الأخيرة حتى تأتي قرينة تعمم إلى جميع الجمل السابقة، وقالوا: هنا لا توجد عندنا قرينة تعمم الاستثناء إلى جميع الجمل السابقة، فبالتالي يبقى الاستثناء ﴿الَّذِينَ تَابُوا﴾ يتعلق بالجملة الأخيرة فقط.

فايش قال الحنفية؟ الذين تابوا هذا استثناء من الحكم عليهم بالفسق فقط، فهم محكوم على الذين يقذفون المحصنات بالفسق إلا من تاب منهم، فإن الذين تابوا التوبة ترفع فقط حكم الفسق، ولا تعود إلى الشهادة ولا تعود إلى أيضاً حد القذف، فعندهم من آه الذين يقذفون المحصنات عند الحنفية من قذف محصنة فهذا يقام عليه حد القذف، لا تقبل شهادته إلى أن يموت حتى لو تاب، والاستثناء عندهم لا يرجع إليه، وإنما الذي يرفع عنه عند الحنفية فقط حكم الفسق أنه إذا تاب وظهر صلاحه لا نحكم عليه بأنه فاسق، وأما عدم قبول شهادته فهذا مؤبد، وهذا كله بناءً على أن الاستثناء لا يعود إلى الشهادة وإنما يعود إلى الجملة الأخيرة فقط، آه طيب.

إذا هذه الخلافة هي مسألة التعقب بالجملة، عاد إلى الجميع وقال الحنفية إلى الأقرب.

المسألة الأخيرة ونختم بها أيها الأحبة، وهو من الإثبات نفي ومن النفي إثبات، ما معنى هذه المسألة؟ وهو من الإثبات نفي ومن النفي إثبات.

آه مسألة سهلة لكن لها أحكام، الان إذا كانت الجملة قبل الاستثناء منفية إذا كانت الجملة قبل الاستثناء منفية، فقلت: لا رجل في الدار، صح؟ الجملة قبل لا منفية، ثم بعد ذلك اتيت بالاستثناء، فما بعد الاستثناء يكون مثبتاً، فاذا قلت: لا رجل في الدار إلا بكراً.

إيش معنى هذه الجملة؟ أنه الان ما بعد الاستثناء منفي، إذا عفواً ما قبل الاستثناء منفي، فما بعد الاستثناء يكون ايش؟ مثبتاً، فاذا قلت: لا رجلا في الدار إلا بكرا، معناتها بكر وين هو؟

لا، لا رجلا في الدار إلا بكراً، معناتها بكر وين؟ أثبتت أن بكراً في البيت، لا مال له عندي إلا خمسة دنانير، معناتها الخمس الدنانير ايش مالها؟ ثابتة في ذمتي.

فقال: وهو من الإثبات نفي ومن النفي إثبات، أنا بدأت في شرح المقطع الثاني: ومن النفي إثبات.

طب قبلت أشرح المقطع الأول وهو من الإثبات نفي؟ إذا أنا أثبتت فقل: إذا كان ما قبل الاستثناء مثبتاً، لفلان عليه مئة دينار، ممتاز هذا مثبت صح؟ إلا خمسة، الخمسة ايش مالها؟ منفية صح ولا لا يا مشايخ؟ لاحظوا وركزوا ترى القضية سهلة لكن فيها خلاف، لفلان علي عشر دنانير، هذا مطول لنا في الجملة قبل الاستثناء، لو قلت إلا خمسة، الخمسة مليون، الخمسة منفية فبالعكس.

لا مال لفلان علي، قال: قبل الاستثناء منفي هنا؟ إلا خمسة، الخمسة ايش؟ مثبتة مثبتة، أنت ممكن تقول هاي سهلة القضية، لكن فيها خلاف.

الآن قضية أنه آه الاستثناء من الإثبات يعني أن المستثنى يكون منفياً يجعله من الإثبات نفي، يعني أن إذا استثنيت من جملة مثبتة يكون المستثنى منفياً، ومن النفي إثبات ايش معناته؟ إذا استثنيت من جملة منفية يكون المستثنى مثبتاً، مثل الجملة الأولى من الحالة الأولى، وهو من الإثبات نفي، مثل: لا له علي عشرة إلا خمسة، فهنا أنا من إثبات فيكون المستثنى منفي.

مثل الجملة الثانية: ومن النفي إثبات بقولك: لا مال له عليه إلا خمسة، فهذا استثناء من نفي فيكون المستثنى مثبتاً.

الان القضية الأولى متفق عليها، أني إذا استثنيت من جملة مثبتة يكون المستثنى منفياً: له علي عشرة إلا خمسة، الخمسة منفية.

لكن الجزء الثاني فيه خلاف، وهو هل الاستثناء من النفي يقتضي إثبات ذات المستثناة؟ يعني هل إذا قلت: لا مال له عليه إلا عشرة، الان القاعدة عند الحنابلة أن هذه إثبات للعشرة، صح؟ لأن هذا استثناء من نفي، لكن عند الحنفية المشهور عندهم ومما بالنسبة إلى الحنفية أنهم يقولون: إذا استثنينا من نفي فان المستثنى لا يكون مثبتاً بل يكون موقوفاً فالمترددة المجملة، فإذا قلت: لا مال له عليه إلا خمسة، يقول الحنفية ايش؟ الخمسة هذه ليست مثبتة، بل هي متوقف فيها، يمكن تكون مثبتة ويمكن تكون منفية، فهمتم الآن؟

لذلك يقول الحنفية: الاستثناء من النفي ليس إثباتاً بل هو واسطة وهو عدم الحكم، فإذا قلت: لا مال له إلا خمسة، عند الحنابلة والجمهور الخمسة على مثبت مباشرة، لو واحد ذهب إلى القاضي قال: محمد ما اله مال عندي إلا خمسة، آه هنا عند الجمهور يكون هذا المقر ملزوم أنه يدفع خمسة.

عند الحنفي لا، إذا قال: لا مال له عندي إلا خمسة هو لا يقر على نفسه بالخمسة، بل الخمسة هذه يقولون متوقف فيها، قال: كأن استثناها لكن يمكن تكون مثبتة ويمكن أن لا تكون مثبتة، لكن هذا في الحقيقة ضعيف جداً، آه وسبب ضعفه: أنت لو أتيت إلى هذا الكلام إذا كلمة التوحيد: «لا إله إلا الله» لا تدل على التوحيد، صح؟ لأنه هي لا إله بحق هذا نفي، إلا الله عند الجمهور ايش هذا؟ إثبات، أليس هذا استثناء من منفي؟ لا إله بحق إلا الله، هذا استثناء من ايش؟ من نفي، فعند الجمهور الاستثناء من النفي يكون ايش؟ إثباتاً، فيعني المستثنى يكون مثبتاً والجملة التي قبل الاستثناء تكون منفية، فإذا قلت: لا إله يعني بحق إلا الله، عند الجمهور يكون مثبتاً لأنك الجملة التي قبل الاستثناء منفية فالمستثنى يكون مثبتاً.

على طريقة الحنفية لو قلنا إنه الاستثناء من لا يكون فيه المستثنى مثبتاً، لا إله بحق إلا الله، الله ايش راح تكون؟ متوقف فيها، إنه ليست مثبتة ولا منفية، يمكن هكذا ويمكن هكذا، طبعا الحنفية هم لا يلتزمون بهذا اللازم، يعني هذا لازم ومذهبهم لكنهم لا يلتزمون به، هم يقولون إن الله أثبت لكن الإثبات هنا عندهم عن طريق القرينة وليس بأصل المسألة، لكن عند الجمهور يقولون: لا، ليس إثباتاً بالقرينة بل هو أصل المسألة هكذا، أني إذا كان ما قبل الاستثناء منفياً فما بعد الاستثناء مباشرة يكون مثبتاً من دون الحاجة إلى قرينة لتدل على إثباته.

الحنفية يقولون: لا، ما بعد، إذا كان الاستثناء من نفي فما بعد الاستثناء يكون موقوفاً، لا نحكم له بنفي ولا بإثبات بل نحتاج إلى قرينة تحدد لنا هل هو مثبت أو منفي.

إذا القضية واضحة بما أظن، أن المقطع الأول وهو من الإثبات نفي، أنه ما قبل الاستثناء -ما قبل أداة الاستثناء- إذا كان مثبتاً فإذا استثنيت المستثنى يكون منفياً، هذه كلها يتفق عليها: له عليه عشرة إلا خمسة معناها الخمسة منفية باتفاق الجميع.

المشكلة في المقطع الثاني اللي هو إذا كان الأول منفي: لا مال له عليه إلا خمسة، عند الجمهور الخمسة تكون مثبتة مباشرة بمجرد أن استثناها لأن الاستثناء من النفي عند الجمهور إثبات.

الحنفية يقولون: لا، إذا استثنينا من النفي فالمستثنى يكون متوقفاً فيه، لا نثبته ولا ننفيه، بل نتوقف فيه حتى القرينة التي تدل هل هو مثبت أو منفي، وأما نفس الاستثناء فلا يفيدنا إثباتاً، وهذا خلاف رأي الجمهور.

وهذا نهاية الكلام عن الاستثناء، وفي الدرس القادم إن شاء الله نشرح باباً جديداً، وهو المطلق والمقيد. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.