حياكم الله أيها الأحبة في هذا المجلس الجديد الذي نعقده في شرح هذا الكتاب المبارك، كتاب قواعد الأصول ومعاقد الفصول للإمام عبد المؤمن البغدادي رحمة الله عليه في أصول الفقه على مذهب السادة الحنابلة رحمة الله تعالى عليهم. كنا انتهينا في المجلس الماضي من الكلام عن القسم الأول من الأحكام الشرعية، وهي الأحكام التكليفية، وختمنا بذكر مسألة مهمة وهي مسألة حكم الأشياء قبل ورود الشرع. وعرفنا أن هذه المسألة في الحقيقة مأخذها عقدي، تختلف فيها الأقوال بسبب اختلاف العقائد بين المعتزلة والأشاعرة وطريقة أهل السنة والجماعة في فهم المصالح والمفاسد وما ترى في التكليف قبل الشرع وبعده. فصلنا الكلام بما يصعب تكراره في هذا المجلس، ولابد للطالب أن يلخص الكلام الذي ذكرناه في المجلس الماضي ويعيد النظر والتكرار، ومثل هذه المسائل الجديدة على الطالب لن تفهمها ولن ترسخ ولن تشعر أنها تخمرت في ذهنك مرة واحدة.
هذه المسائل مسألة حكم الأشياء قبل ورود الشارع ومعرفة المنطلقات العقدية. كون الطالب ربما ليس متخصصاً كثيراً في باب الاعتقاد، وما أصول المعتزلة والأشاعرة وأهل السنة في هذه الأبواب، خاصة في هذه المسائل الدقيقة ربما يحتاج إلى فترة حتى يتصور، فيحتاج إذاً أن يكتب وأن يلخص وأن يدمن النظر، ويسأل الله عز وجل أن يفتح عليه. وكذلك في المسألة التي سبقت وطالنا الحديث عنها في مسألة النهي عن الواحد بالجنس والواحد بالنوع والواحد بالعين، مثل هذه المسألة أنها جديدة على الطالب ونوع هناك نوع غموض يكون عليه في فهم هذه المفردات وفي فهم التقسيمات، فيحتاج إلى أن يلخص وأن يدمن النظر، وإدمان النظر طريقة طرق أهل العلم في الفهم. كان سفيان بن عيينة رحمة الله عليه يقول لتلاميذه: إذا أشكال عليكم شيء فاكتبوه وأحفظوه وكرروه فلعله أن يفتح. فإدمان النظر والتكرار سبيل لفتح ما أغلق من المسائل.
أما اليوم أيها الأحبة بإذن الله نشرع في النوع الثاني. ابن عبد المؤمن البغدادي رحمة الله عليه قسم الأحكام الشرعية، وهي نوعان بناء على التعريف، وهي نوعان: أحكام تكليفية وأخرى وهي الإباحة وأحكام وضعية. سنبدأ اليوم بالقسم الثاني وهو الأحكام الوضعية. نعيد نتذكر ما تعريف الحكم الوضعي؟ الحكم الوضعي أيها الأحبة هو خطاب من الشارع، يعني هو في النهاية حكم شرعي، فلابد تأخذ تعريفه من تعريف الحكم الشرعي؛ خطاب من الشارع يخبرنا. ايش قال؟ يخبرنا. ما قلت يطلب منا؛ لأنه التكليف هو الذي يطلب منا، أما الوضع فهو خطاب من الشارع يخبرنا، لماذا؟ يخبرنا بأنه جعل شيئاً سبباً لحكم تكليفي، أو شرطاً له، أو مانعاً منه، أو دالاً على صحته أو فساده، أو كون هذا الحكم التكليفي رخصة أو عزيمة.
إذاً نعيد، الحكم الوضعي ما هو أيها الأحبة؟ خطاب من الشارع، هو من؟ لأنه حكم شرعي فهو خطاب من الشارع. يخبرنا بأنه جعل شيئاً سبباً لحكم التكليف، أو شرطاً له، أو مانعاً منه، أو دالاً على صحته أو فساده، أو كونه رخصة أو عزيمة. وكل من قبيل الإخبار، إخبار من الله سبحانه وتعالى. بناء على تعريف الحكم الوضعي نريد أن نذكر ثلاثة فروق بين الحكم التكليفي والح الحكم الوضعي، ربما ذكرناها سابقاً ولكن لابد أن نعيد ثلاثة فروق بين الحكم التكليفي والحكم الوضعي. أول فرق لو ذهبت إلى السبورة، تذكر الحكم الشرعي أيها الأحبة قسمه عبد المؤمن إلى تكليفي، وهذا دخل فيه الأحكام الخمسة التي ذكرناها كالإيجاب والتحريم والندب، وحكم وضعي. عرفنا الحكم الوضعي، ممتاز. ما الفرق بين الحكم التكليفي والحكم الوضعي بناء على فهمك السابق؟ تقول أول فرق بينهما الحكم التكليفي قبيل الإنشاء، أنه طلب، طلب فعل أو طلب ترك، بينما الحكم الوضعي من أي قبيل؟ قضية الإخبار، هو مجرد إخبار لا يطلب منك شيئاً. فتقول الحكم التكليفي إنشاء؛ لأنه ينشئ طلب، من يطلب منك، بينما الحكم الوضعي هو يخبرك، هو من قبيل الإخبار. هذا أول فرق.
الفرق الثاني: الحكم التكليفي هو الأصل، والحكم الوضعي هو التابع، كذلك يقولون الأحكام الوضعية تابعة للأحكام التكليفية. لماذا أيها الأحبة؟ لأن فلسفة الحكم الوضعي أنه يضبط ويحدد الأحكام التكليفية. فعندك رب صلاة ربنا عز وجل أمرك بها، جاءت الأحكام الوضعية لتبين لك أسباب الصلاة وشروط الصلاة وموانع الصلاة ومتى تكون صحيحة ومتى تكون فاسدة، ومتى تكون رخصة ومتى تكون عزيمة. فإذاً الأحكام الوضعية جاءت تضبط الحكم التكليفي. وقل ذلك نفس الشيء في الصيام؛ جاء حب الله عز وجل فرض الصيام بعد أن طلب منك الصيام كحكم تكليفي، جاء فضبط لك هذا الحكم التكليفي بضوابط بأسبابه وشروطه وموانعه متى يكون صحيحاً، متى يبطل، متى يكون رخصة متى يكون عزيمة. وقل ذلك في سائر الأمور؛ أن الحكم التكليفي هو المقصود أصالة، والحكم الوضعي تبع جاء ليضبط الحكم التكليفي ويحدده.
الفرق الثالث والأخير الذي يهمني: الحكم التكليفي يكون مقدوراً عليه، الحكم الوضعي لا يشترط أن يكون مقدوراً عليه. الحكم التكليفي أيها الأحبة يتعلق بأفعال المكلفين، صحيح، لكن لابد أن يكون ايش؟ مقدوراً عليه، لابد أن يكون ماذا مقدوراً عليه. فلماذا؟ لأن الحكم التكليفي هو كما قلت لكم يطلب منك شيئاً، أما فعلاً أو تركاً، فلابد أن يكون هذا الشيء المطلوب داخل تحت قدرتك، وإلا لو كان غير مقدور عليه كان ذلك بما لا يطاق، والشريعة لا تكلفك بما لا يطاق. بينما الحكم الوضعي لأنه ليس طلباً، وإنما هو إخبار جاء ليضبط الحكم التكليفي، فيمكن أن يكون هذا الشيء مقدوراً عليه، ويمكن أن لا يكون مقدوراً عليه. طيب، من يعطيني مثال على حكم وضعي مقدور عليه؟ مثلاً الحكم الوضعي المقدور عليه: الآن الوضوء شرط للصلاة، ربنا أخبرنا: لا يقبل الله صلاة بغير وضوء. الآن لا يقبل صلاة بغير وضوء هذا إخبار، هذا النص، هذا الخطاب، هذا الخطاب هذا يسمى حكم وضعي هذا النص. لماذا؟ لأنه يخبرنا أن الوضوء شرط للصلاة. هل الوضوء مقدور عليه داخل تحت قدرة المكلف؟ نعم مقدور عليه. إذاً هنا الحكم الوضعي مقدور عليه.
مثال على حكم وضعي ليس مقدوراً عليه: الله عز وجل يقول: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: 78]. هذا النص يخبرنا أن زوال الشمس سبب في وجوب صلاة الظهر. إخبار إخبار، هذا النص بأن زوال الشمس سبب في وجوب صلاة الظهر، إذاً هذا حكم وضعي. لاحظوا الآية طبعا فيها الآية فيها حكمان؛ فيها حكم وضعي وفيها حكم تكليفي. الحكم التكليفي أقم الصلاة، طلب، بس الحكم الوضعي وين؟ في جملتها مع الإكمال ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾. تخبرنا أننا يجب أن نقيم عند دلوك الشمس. هل دلوك الشمس وإزالتها أمر داخل تحت أيها المكلف؟ قطعا لا، هذا أمر كوني. ﴿صُومُوا لرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ﴾. صوموا هذا فعل أمر، فهو داخل ضمن الحكم التكليفي، يمره بالصيام. لكن الحديث في جملته عبارة عن حكم وضعي ليس حكم تكليفي في جملته، لأنه ايش يخبرنا الحديث؟ يخبرنا أنه يجب علينا الصيام متى رأينا الهلال. ممتاز، إذاً رؤية الهلال سبب في وجوب الصيام. هل طلوع الهلال أن نرى هل طلوع الهلال هلال شهر رمضان داخل في أيدينا؟ وهو بيد الله سبحانه، أمر بيد الله سبحانه وتعالى. نحن نستطيع أن نرى، لكن خروج الهلال وبالتالي ما ينبني عليه من رؤية أمر ليس داخل تحت قدرة المكلف، أمر كوني باختصار.
إذاً الأحكام الوضعية منها ما هو داخل تحت قدرة المكلف ومنها ما ليس داخل تحت قدرة المكلف. بينما الأحكام التكليفية كل هدفنا المكلف، لماذا؟ لأن تقول أن الحكم التكليفي يطلب مني أن أفعل أو أترك، ولا يمكن أن يطلب مني إلا ما أقدر عليه، أما الحكم الوضعي هو لا يطلب مني شيئاً، هو فقط يخبرني بشيء، يعطيني معلومة يخبرني بشيء. وهذا الشيء الذي يخبرني به لا حرج يكون غير مقدور عليه؛ لأني في النهاية لا يلزم أن يكون الشيء الذي يخبرني الله عز وجل به أنه يجب علي أني أفعل أو أمارسه، ممكن يتعلق بقدرته عز وجل المعطاة.
إذاً هذا الفرق الثالث، هذا كان تفريق. الآن ما هي أنواع الحكم الوضعي التي ذكرها؟ أنتم من خلال التعريف الذي ذكرته أيها الأحبة ستستنبطون أنواع الحكم الوضعي. ايش هي؟ نحن قلنا الحكم الوضعي خطاب من الشارع يخبرنا بانه جعل شيئاً سبباً لحكم تكليفي، أو شرطاً له، أو مانعاً منه، أو دالاً على صحته أو فساده، أو كونه رخصة أو عزيمة. بناء على الكلام هذا، بناء على هذا التعريف ايش أقسام الحكم الوضعي ستكون؟ السبب والشرط والمانع هذا بالتأكيد، والصحة والفساد، والرخصة والعزيمة. بناء على هذا التعريف سيكون الحكم الوضعي ما أنواعه؟ الآن حكم التكليف ما أنواعه؟ بتقول لي إيجاب، تحريم، ندب، كراهة، إباحة. الحكم الوضعي ما أنواعه؟ بتقول لي سبب، شرط، مانع، أربعة. زائد خمسة مع بعض: صحة وفساد، ستة. زائد سبعة مع بعضها ايش بتقول لي؟ رخصة وعزيمة، يعني هي سبعة.
ممتاز، عبد المؤمن البغدادي هل التزم هذا الترتيب؟ ولا جاء بترتيب آخر؟ في الحقيقة جاء بترتيب آخر يتضمن هذا الكلام، لكن زاد فيه أشياء. عبد المؤمن البغدادي ايش يقول؟ والأحكام الوضعية ايش قال؟ أربعة، جعلها أربعة. كيف قسمها إلى أربعة؟ الآن بعد ما ذكرت التقسيم هذا التقسيم الذي ذكرته أول هو الذي تريد أن هو الذي تريد أن تعتمده، أنه هو الأشهار. عبد المؤمن في الحقيقة جاء تقسيم آخر، وانفرد بشيء، لا أقول انفرد لأني لم استقرئ كل كتب الأصول، لكن الكتب المشهورة كتب أساطير هذا العلم لا يذكرون ما يذكره عبد المؤمن البغدادي. جاء بطريقة مميزة، إن لم أقف عند غيري، لم أقف عليها عند غيري. فإذا كان هناك بعض كتب الأصول الحواجي أو الكتب التي يعني غير مشهورة ذكرت تقسيم عبد المؤمن قد يكون، لكن الكتب المشهورة في هذا العلم لا تذكر هذا التقسيم بهذه الطريقة. المهم نأخذ تقسيمه ندرس كتابه، فليقول عبد المؤمن البغدادي جعل الأحكام الوضعية بهذه الطريقة: النوع الأول ما يظهر به الحكم.
أدخل تحت ما يظهر به الحكم أربعة أشياء: العلة، السبب قال ويتبع العلة والسبب جعلها في قبض التوابع، الشرط والمانع. عنده أول نوع من أنواع الأحكام الوضعية وقال الوضعية أربعة. ايش هي الأربعة؟ أولاً ما يظهر به الحكم، وادخل تحت ما يظهر به الحكم أشياء عند سبب، شرط، مانع. ممتاز، إذاً أولاً ما يظهر به الحكم، ثانياً الصحة والفساد، وثالثاً وهذا الذي انفرد به شيء سماه المنعقد، وهذا سندرسه إن شاء الله ونبين في الصحيح أنه ليس نوعاً مستقلاً، وإنما هو تابع للصحة والفساد، لكن عبد المؤمن عذبونا وأن مستقلاً برأسه، رابعاً العزيمة والرخصة.
الإمام عبد المؤمن البغدادي في كتابه، نعم لا النفود مع الصحة والفساد ما عنده مستقلاً، جيد، فالحكم الوضعي عده أربعة، هو قال ابتداء أربعة، ايش هي الأربعة بهذا المنهج؟ النوع الأول ما يظهر به الحكم، وأدخل في ضمنه أربعة أشياء: العلة، السبب، الشرط، المانع. ثانياً: الصحة والفساد، وفي ضمن الصحة والفساد ذكر الأداء والإعادة والقضاء. ثالثاً: المنعقد. رابعاً: العزيمة والرخصة. الآن في النهاية هي قضية اصطلاحية، يعني لا يترتب عليها في رواية وأمري تخطئة أو ما شابه ذلك، لكن فيها ربما نسميه مخالفة أولى يمكن أن نقول لا والله يؤخذ على هذا التقسيم. قضية أنك جعلت المانع تنقسم برأسه، مع أنه في الحقيقة هو تابع للصحة والفساد كما سيرى معنا إن شاء الله.
لكن أنا أرييدك باختصار تفهم طريقته، طريقته التي سنشرح بناء عليها، ممتاز. إذاً شغل عبد المؤمن البغدادي أيها الأحبة، ووضعية وهي أربعة، اعرف يعني إيه الأداة الأربعة؟ هذه هي الأربعة. جميل، أحدها ما يظهر به الحكم. نبدأ بالقسم الأول مع عبد المؤمن البغدادي، نمسح الأقسام الأخيرة الكلام ده يا إمام دروس الأحكام وقبل كده ودرسنا. الأحكام التقليدية في واحد واحداً سندرس الأحكام الوضعية واحداً واحداً. النوع الأول ما يظهر به الحكم. ما يظهر تستطيع أن تبدلها فتقول ما يثبت به. يمكن أن تستبدلها بعبارة أوضح بالنسبة لك أيها الطالب فتقول ما يثبت به الحكم، وقلنا كم سيذكر تحت هذا القسم؟ أربعة أشياء؛ العلة والسبب والشرط والمانع. هذه الأمور إذا اجتمعت بها يثبت الحكم. يعني إذا حصلت العلة وسندرك العلاقة الآن العلة والسبب في الحقيقة مصطلحان متداخلان، وسنعرف العلاقة بينهما. فمتى ما اجتمعت العلة ووجد الشرط وانتفى المانع يثبت الحكم.
وأنا أحب هذه الرسمة ارسموها حتى تعقدوا الموضوع. الحكم التكليفي متى يضحك؟ يعني متى يثبت؟ إذا وجد السبب وتحقق الشرط وانتفى المانع يثبت الحكم التكليفي. لذلك سماه قد ما يظهر به الحكم، أي ما يثبت به الحكم. أي حكم تكليفي كيف يثبت؟ ها شوفوا السهم نازل، وجود السبب ومجيء الشرط وانتفاء المانع. الصلاة لابد يأتي سبب دخول الوقت، وتتحقق الشروط من ستر العورة والطهارة إلى آخرها، وانتفي المانع من الحيض والإغماء وما شابه ذلك. الصوم يجب أن يتحقق صومه رؤية الهلال، لابد توجد شروطه من النية وما شابه ذلك، ولابد انتفي المانع من الحيض. وخذ ذلك في الزكاة وخذ ذلك في الحج وخذ.
في سائر الأمور. فأي حكم تكليفي؟ ها؟ أي حكم تكليفي متى يثبت؟ متى يظهر؟ إذا ولد السبب وتحقق الشرط وانتفى المانع. ممتاز، سنبدأ الآن ندرسها وندرس إلى ما هو السبب؟ ما هو الشرط؟ وما هو المانع؟ وعندما ندرس السبب سندرس قبل مصطلح العلة ونعرف العلاقة بين مفهوم العلة ومفهوم السبب. فأول شيء بدأ به رحمة الله تعالى عليه، ما هو العلة؟ العلة في اللغة أيها الأحبة، ما معنى العلة في اللغة؟ العلة في اللغة هي المرض الشاغل، وقد تكون مثلا العلة هي خروج البدن عن حالة الاستقامة وحالة الصحة والسلامة تسمى علة، فالمرض الزكام علة، لأنه خروج للبدن عن حالة الاستقامة. باختصار العلة هي الشاغل يكفيني، أنا ما أريد الآن تحرير المعاني اللغوية بدقة، ستجدون معاني كثيرة للعلة في الحقيقة أوسع من هذا، لكن نذكر معنى ثم ننتقل. إذا العلة في اللغة هي المرض الشاغل.
العلة في الاصطلاح الآن أيها الأحبة في الحقيقة، والعلة كمفهوم أنواع، هناك علة عقلية، مثل ماذا؟ أو يعرفها: العلة العقلية هي التي تنتج معلولها عقلا، أو هي التي توجب معلولها عقلا -نفس الشيء- أو هي التي توجب مع الملائم عقلا، أي من جهة العقل، مثال ذلك: الكسر علة ينتج معلوله وإلى ماذا يؤدي؟ ماذا يوجب الكسر الآن؟ الانكسار صحيح؟ فالكسر علة للانكسار. طيب كون الكسر علة للانكسار، تأدية هذه العلة لمعلولها، من الذي حكم به؟ العاقل هو العقل، هو الذي يقول إنه إذا وقع كسر فهذه علة للانكسار.
مثال آخر: التسويد. التسويف إذا سودت شيئا فلونته باللون الأسود، فإنه ماذا سيؤدي التسويد؟ التسويد سيؤدي إلى السواد، أن يصبح الشيء الأمامي ايش لونه؟ أسود صحيح، إذا التسويد علة لحصول السواد، صفر شيء يصبح أصفر، التصفية إلى الصفار. ممتاز؟ كون التسويد علة تنتج معلوله وهو السواد، اه هذا الإنتاج أن التسويد إلى السواد، من الذي حكم به؟ العقل هو الذي يحكم أني إذا سودت شيئا فهذا سيؤدي إلى أن يصبح أو سينتج في السواد. شوف الرابط بين العلة والمعلول، الرابط ايش؟ عقلي، العقل هو الذي من سود شيئا سيصبح أسود، العقل هو الذي يحكم أن من كسر شيئا سينكسر، فهذه تسمى العلة العقلية هي التي توجب معلولها من جهة العقل.
ما معنى من جهة العقل؟ أي أن العقل هو الذي يحكم بأنه هذه العلة تؤدي هذا المعلول، تنتج هذا المعلول. والعلة العقلية أيها الأحبة لا تتخلف أبدا، هذه اكتبوها: العلة العقلية لا يتخلف عنها معلولها أبدا، لأن هذا من جهة العقل، العقل هو الذي حكم بها، والأحكام العقلية لا تتخلف. مثال ذلك: إذا كسرت شيئا خلاص لينكسر صح ولا لأ؟ يقول يا شيخ ممكن ما ينكسر؟ لا، ما هو بقول لك أنت كسرته خلص، تفاهم علي؟ يعني بعض الناس إذا فضل لك أقول شيء أنت كسرته، إذا ماذا سيحدث فيه؟ انكسار، انتهى الأمر مستحيل يتخلف ذلك الشيء. أنت سودته، ماذا سيصبح في العقل؟ أسود، هل يمكن ما يصبح أسود؟ يصبح أبيض؟ مستحيل، لأن هذه علة عقلية، العقل هو الذي يحكم أن التسويد يؤدي إلى السواد ولا يؤدي إلى البياض أو إلى شيء آخر، العقل هو الذي يحكم أني إذا كسرت شيئا فقد انكسر. جميل، العلة العقلية هي ما أوجبت معلولها عقلا، أي أن العقل هو الذي يحكم أن هذه العلة تنتج هذا المعلول.
هناك علة النوع الثاني العرفية، هي التي تنتج معلولها أو توجب معلولها -خلينا نقول نفس الشيء- توجب معلولها من جهة العرف والعادة. العلة العرفية هي التي تنتج معلولها من جهة العرف والعادة، يعني العادة هي التي تقول إن هذه العلة تؤدي إلى هذا المعنى. مثال ذلك: كون الأكل يؤدي إلى الشبع، تناول الطعام يؤدي للشبع، من الذي يحكم أن تناول الطعام علة للشبع؟ تناول الطعام يؤدي إلى ماذا؟ الشبع. تناول الطعام علة إذا في حصول المعلول وهو الشبع. من الذي حكم أن تناول الطعام علة للشبع؟ هل العقل؟ ليس العقل يحكم، هل في العقل الداخلي أني إذا أكلت لابد أشبع؟ ولا العادة تعامل الناس وتجاربهم هو الذي أثبت لهم أن تناول الطعام يؤدي إلى الشبع؟ نعم، في الحقيقة هذه هي التي أثبتت ذلك، لأن العقل لا يحكم بذلك، المهم العاقل يقول ممكن إنسان يأكل طعام وما يشبع؟ ممكن صح ولا لا؟ فبهي أنه العقل لا يجزم بذلك بحدوث المعلول، إذا كون تناول الطعام وسيلة للشبع هذا حكم بالعادة ثبت وليس بالعقل.
وإذا كان الحكم ثبت بالعادة هل يمكن للعلة أن لا تؤدي معلولها؟ هل يمكن؟ نعم، يمكن، لذلك بعض الأحوال المرضية العارضة يتناول ولا يشبع، لكن هذا على خلاف ايش؟ المعتاد. جميل، فاذا العلة العرفية هي التي تنتج معلولها وكونها تنتج معلولها هذا من جهة العرف والعادة هو الذي ألحقنا بذلك. أعطيكم مثال آخر: كون الضرب يؤدي إلى الألم، هذا من الذي حكم به؟ هل هو العقل؟ ولا تجربة الإنسان المتكررة والعادة؟ العادة المتكررة للإنسان هي التي أفهمنته أنه إذا ضربت فإنه سيؤدي إلى ذلك إلى وقوع ايش؟ ألم. لكن العقل كعقل بالنسبة إله ما في حكم عقلي يقتضي ذلك، لذلك يمكن يتخلف ذلك، أنك تضرب إنسان ما يتألم، ممكن صح؟ يكون مثلا ما شاء الله ممكن، لكن الأصل العادي المعتاد أن العقل أن الضرب يؤدي إلى معلول وهو الألم، وهذه العلة العرفية.
الان بقي علينا أن نقول باء ألف، بقي علينا جيم: العلة الشرعية. العلة الشرعية هي التي -ما فيش وسع نكتب تحت، بس الآن سنقولها فوق- هي التي تنتج معلولها أو تثبت معلولها أو توجب -ما عندي مشكلة- هي التي توجب معلولها من جهة ايش؟ الشرع، يعني الشرع هو الذي حكم أن هذه العلة تؤدي إلى هذا المعلول. من الذي حكم أيها الأحبة أن الإسكار يؤدي إلى تحريم الخمر؟ من أين أتينا بهذا؟ هل هو العقل؟ هل هو عرف الناس هو الذي حكم بذلك؟ أم الشارع الحكيم هو الذي أمر بذلك؟ الشارع الحكيم سبحانه صحيح؟ من الذي حكم أن السرقة علة في ثبوت القطع لليد؟ أن العقل هو الذي حكم؟ قطعا لا. هل عرف الناس؟ لا. الشرع صحيح. من الذي جعل الزنا علة في وقوع الرجم من الأعمال الجارية؟ الزنا علة في وقوع معلول هو الرجم، من الذي؟ هل العقل هو الذي حكم أو العرف؟ لا. الشرع. فهذه هي العلة الشرعية هي التي توجب معلولها من جهة الشرع، يعني الشرع هو الذي حكم أن هذه العلة لابد أن تنتج هذا المعلول، هذه العلة لابد أن تنتج هذا المعلول.
فكل العلل التي تدرسونها في باب القياس عندنا في الأصول، مش لابد نأتي بأصل له علة؟ كون العلة هذه تؤدي إلى حكم الأصل أحفظها، من الذي أوجب ذلك؟ الشرع، أنها علة شرعية، مش علة عقلية ولا علة عرفية، إذا العلة الشرعية هي التي توجب معلولها شرعا، وأذكر لها مثال ايش؟ الإسكار يوجب تحريم الخمر من جهة الشرع، الزنا يوجب حد الرجم من جهة الشرع، الشرع هو الذي جعل هذا يؤدي إلى هذا. ممتاز، الآن نعود إلى عبد المؤمن البغدادي ولا لا نعود؟ ايش رأيكم؟ الآن ساذهب إلى العلة الشرعية فأذكر لها ثلاث تعريفات أو ثلاثة تعريفات عند الأصوليين وخاصة الحنابلة، يهتمون بإيراد هذه التعريفات الثلاث. إذا انتهينا عرفنا العلة العقلية والعلة الشرعية. الآن الكلام اللي عنده ايش؟ طبعا إذا هذه العلة الشرعية هل يمكن بناء على الكلام الذي ذكرته أيها الأحبة؟ العلة العقلية توجب معلولها لا محالة صح، العلة العرفية لا، يمكن يتخلف عنها معلولها، والعلة الشرعية على نوعين: نوع يمكن أن يتخلف عنه معلوله، ونوع لا يمكن أن يتخلف عنه معلوله، هذا هو الأصل.
لكن المشهور العملي، أنا بدي أياك ناحية عملية قل لا، العلة الشرعية مثل العلة العادية يمكن أن يتخلف عنها معلولها، إذا مثلا ايش؟ إذا انتفت بشرط أو وجد مانع كما سيتضح معنا، فالأصل هكذا، فالأصل هكذا يكون، الأصل أن العلة العقلية هي التي تقتضي معلولها لا محالة، والعلة العرفية والشرعية لا تقتضي بعضها لا محالة، هي تقتضي معلولها لكن لا نقول لا محالة، لأنه يمكن أن يتخلف معلولها لأمر خارجي، بينما العلة العقلية لا يمكن أبدا أن يتخلف عنها معلولها.
نبدأ بالعلة الشرعية، أنواع العلة الشرعية. هلا عنا الشرعية أيها الأحبة، وهذا طبعا من درس معنى المنقح الصغير واضح أنتم، نحن بينا أنواع العلة الشرعية لكن أنا الآن أعيد دراسة المنقح الصغير الأصل أن هذا يعتبر مراجعة وإعادة تكرار. هلا أنت الشرعية الأصوليين تطلق على ثلاثة أشياء، لها ثلاث إطلاقات خمسة، لأن الشرعية ثلاثة إطلاقات، الإطلاق الأول يطلقونها العلة الكاملة. العلة الكاملة أيها الأحبة اكتب تعريفها ما فيش داعي بين خطين، هي ما أوجبت العلة الشرعية كأن هي ما أوجبت حكما شرعيا لا محالة.
إذا العلة الشرعية لها ثلاث إطلاقات، الإطلاق الأول: العلة الشرعية الكاملة، ايش تعريفها؟ هي ما أوجبت حكما شرعيا لا محالة، يعني إذا وجدت لابد يوجد الحكم الشرعي ولا يمكن أن يتخلف، اه هاي بهذا المنهج وبهذا المعنى هي تشبه ايش؟ اه بهذا المعنى أشبهت العلة العقلية، لأنه الأصل أن العلة العقلية هي التي توجد لا محالة. واحنا قلنا العلة الشرعية في الحقيقة لها عدة أنواع، هناك علة شرعية باطلاق تشبه العلة العقلية تقتضي معلولها لا محالة، وهناك علة شرعية يعني إطلاق ثاني وثالث لظل الشرعية لا سيكون وجود معلولها معها ليس لا محالة بل يمكن أنه يتخلف معلولها لأمر من الأمور الخارجية، فباختصار العلة الشرعية لها إطلاقات، الإطلاق الأول العلة الكاملة، والعلة الكاملة هي التي توجب حكما شرعيا لا محالة، وبهذا الإطلاق تكون العلة الشرعية تشبه العلة العقلية في أنها تستلزم معلولها ولا يمكن أن يتخلف.
طيب ايش هي العلة الشرعية الكاملة؟ التي توجب حكما شرعيا لا محالة، هي ما اجتمع فيها أربعة أشياء، وهي ما اجتمع فيها أربعة أشياء حتى تكون كاملة وتجتمع فيها الأشياء: وجد المقتضي، المقتضي هو الوصف الذي يتعلق به وجود الحكم، الوصف الذي به يتعلق ثبوت ووجود الحكم، مثال المقتضي ايش؟ مثلا اوقات الصلوات، اوقات الصلوات هي عبارة عن أوصاف يتعلق بها ثبوت الحكم ابتداء فهي وسنعرف هي نفسها السبب، لازم نعرف أنها هي نفسها السبب. إذا المقتضي هو الوصف أو المعنى الذي علق عليه الحكم، اثنين: وجود الشروط وانتفاء الموانع، ثلاثة: وجود المحل، أربعة: وجود الشخص المؤهل.
لاحظتم إذا وجد المقتضي -يعني المعنى الذي من أجله شرع الحكم، تستطيع أن تقول النقطة دي ممكن تقول المعنى- مش معنى كمقتضي اقتضى يقتضي أهل الطلب، المعنى الطالب للحكم، يعني المعنى الذي شرع له الحكم أو علق عليه الحكم، زي ما بدك باختصار الوصف، خلاص قلت هذا الوصف الذي علق عليه الحكم. المقتضي هو الوصف الذي علق عليه الحكم، ووجد المقتضي ووجدت الشروط بعد ذلك جميعا وانتفت جميع الموانع ووجد المحل وهو الفعل الذي ستفعله، ووجد الشخص المؤهل وهو المكلف الخالي عن الموانع الشرعية، فإذا اجتمعت هذه الأمور ووجد المقتضي ووجدت الشروط وانتفت الموانع ووجد الشخص المؤهل ووجد المحل، هنا قطعا سيوجد الحكم الشرعي لا محالة.
نطبق مثال نطبقه، نقول أيها الأحبة: ولد المقتضي وهو زوال الشمس، ووجدت جميع شروط الصلاة وانتفت جميع الموانع، ووجد عند المكلف المؤهل للقيام، ووجد الفعل، هل بقي شيء؟ خلاص أنتجنا الحكم الشرعي وهو، فلابد إذا على الإطلاق الأول للعلة الشرعية أن العلة الكاملة وهي ما أوجبت حكما شرعيا لا محالة، أن الحكم الشرعي يوجد لا محالة لابد من تحقق هذه العناصر الأربعة: وجود المقتضي وهو المعنى الذي يتوقف عليه الحكم أو يتعلق به الحكم، وجود الشروط وانتفاء الموانع اثنين، وجود المحل وهو الفعل أن يوجد المحل، رابعا وجود الشخص المؤهل الذي يفعل هذا الفعل.
هذا هو الإطلاق الأول، وفي الحقيقة إطلاق العلة الشرعية على هذا المعنى قليل ليس هو المشهور، قليل في الحقيقة يعني لا نتعامل نحن في أبواب الفقه وفي أبواب القياس لا نتعامل مع العلة الشرعية بهذا المعنى، وهي العلة الشرعية الكاملة التي توجد حكما شرعيا لا محالة، لا نتعامل إلا على وجه القلة، هذا هو الإطلاق الثاني. طيب الإطلاق الثاني أيها الأحبة، الإطلاق الثاني للعلة الشرعية تطلق العلة الشرعية على المقتضي فقط. الله العلة الشرعية الإطلاق الثاني لها أن تطلق على المقتضي فقط. قبل شوي كانت النقطة بمعنى أحد أجزاء العلة الشرعية، في العلة الشرعية الكاملة كانت تتكون من المقتضي مع الأمور الأربعة أو الثلاثة الباقية، الإطلاق الثاني وهو أشهر في الحقيقة أن تطلق العلة على المقتضي فقط. قبل شوي ايش قلنا؟ المقتضي ايش تعريفه؟ المعنى الذي علق عليه الحكم ممتاز. لكن الآن لا بدي أعيد تعريفه وأذكر لكم شوي من الخلافات في تعريف المقتضي. المهم إطلاق أهل العلة أن تطلق العلة على المعنى المقتضي للحكم من دون وجود الشروط وانتفاء الموانع والمحل والآلة. فقبل قليل كان المقتضي هو أحد أوساط أحد أقسام العلة على الإطلاق، هذا لا العلة هي فقط النقطة.
هذا ما هو المعنى العلة بهذه الإطلاقات؟ ما معنى المقتضي الآن؟ عبد المؤمن البغدادي رحمة الله عليه ذكر تعريفين للمقتضي بمعنى العلة بهذا الإطلاق الثاني. العلة بالإطلاق الثاني ذكر عبد المؤمن لها تعريفين، وأنا أريد أن تكتب على الكتاب عندما تعليق تقول: هذان التعريفان اللذان
عبدالمؤمن البغدادي تعريفان للعلة، على الإطلاق الثاني لها وهو إطلاقها على المقتضي فقط؛ فهو الآن يفسر: ما معنى أن العلة هي المقتضي؟ ما معنى المقتضي، جميل؟ هذا ما سنشرع في توضيحه.
ما معنى أن العلة هي المقتضي؟ ما معنى المقتضي بعبارة أخرى؟ الآن أيها الأحبة أذكر الخلاف الوارد في تفسير المقتضي، وهذا الخلاف له جذور عقدية، لهم جذور عقدية. القول الأول في تفسير: ما معنى المقتضي؟ لأن العلة هي المقتضي، ما معنى المقتضي؟
أقول هناك تفسيرات بمعنى المقتضي؛ التفسير الأول: أما بمعنى المعرف، الوصف المقتضي والوصف المعرف بوجود الحكم، وهذا هو منهج الأشاعرة رحمة الله تعالى عليهم، أن المقتضي عندهم ما هو؟ هو الوصف المعرف، لاحظوا الكلمة: المعرف بوجود الحكم. وعندهم أيها الأحبة، السكر أعطيكم مثال أول، السكر عندهم احنا نقول الإسكار ايش؟ علة تحريم الخمر، ممتاز. خذ دائما في باب القياس لما يقول لك علة معناه مقتضي، دائما في باب القياس لما يطلقون مصطلح العلة فيقصدون به الإطلاق الثاني.
نطلع في الأول، العلة كاملة، يقصد به الإطلاق الثاني العلة بالمعنى المقتضي. فعندما تقول الإسكار علة للقياس على طريقة الأشاعرة، وهذا كما قلنا طريقة الأشاعرة، على طريقة الأشاعرة الإسكار علة للقياس، ما معنى علة؟ يعني مقتضي، ما معنى مقتضي؟ على تعريفهم يعني الإسكار وصف يعرفنا بوجود تحريم الخمر، لاحظوا العبارة، وصف يعرفنا يعني ليس عندهم وصف أثمر، أدى، تسبب في تحريم الخمر لا، وإنما هو وصف معرف بمعنى وجود الإسكار يعطي علامة، يعطيك إيش؟ علامة على وجود حكم، وهو إيش؟ تحريم الخمر.
إيش معنى هذا الكلام يا شيخ؟ الأشاعرة لو قلنا لكم في الدرس الماضي عندهم مسألة عقدية، وهي مسألة تتعلق في التحريم والإيجاب، أن الله عز وجل لا يحرم شيئا لمصلحة، ولا يوجب شيئا لمصلحة، ولا يحرم شيئا لمفسدة هكذا يقولون. وإذا أوجب شيئا فإنما أوجبه لأنه يريد أن يوجبه هكذا، وإذا حرم شيئا فإنما حرمه لأنه يريد أن يحرمه، فنفوا أن هناك عفوًا مصالح هي التي جعلت هذا الفعل واجب، وأن هناك مفاسد هي التي جعلت أو جعلت الشارع يجعل هذا الفعل محرم، جميل. لأنهم، طب لماذا هم يقولون ما بيصير نتكلم بهذه الطريقة؟ يقولون نحن ننزه الله عز وجل أن يكون هناك شيء بعثه على أن يوجب أو على أن يحرم، هذا أمر لابد نكرره عند دراسة علم أصول الفقه حتى تفهم المنطلقات العقدية. أنت في النهاية ستختار المنهج العقدي الذي تدين الله عز وجل به تلقى به الله، لكن أنا اريدك أن تفهم المسألة الأصولية وأنها تأتي من منطلقات عقدية، أنت من المنهج العقدي الذي الناس تتبناه تقف عنده، لكن أريدك أن تفهم ما معنى الكلام، لأنه للأسف هناك من تختلط عنده الأمور فيستخدم هذا المصطلح وهو لا يعرف أنه على منهج غيره، فافهم المصطلح.
الأشاعرة يقولون أيها الأحبة: لا يوجد شيء هو سبب في ايجاد شيء، ولا يوجد شيء هو سبب في تحريم شيء، وإنما الشيء إذا حرم لماذا؟ لماذا؟ لأن الله يريد أن يحرم فقط، والشيء إذا أوجب لماذا؟ لأن الله عز وجل يريد أن يوجبه. طيب أيها الأشاعرة، طب هذا الكلام ايش يقتضي منكم؟ يقتضي منكم أنكم تلغوا باب القياس بالكلية، صح ولا لا يا مشايخ؟ يقتضي أنكم تلغوا باب القياس بالكلية، لأنكم أنتم في باب القياس لما تجوا على الخمر كيف ستقيسوا عليها النبيذ؟ إذا أنتم تقولون إن الخمر لا يوجد سبب أو علة من أجلها حرمت، صح؟ هكذا ستقولون، الربا لا يوجد شيء بسببه حرم. طب أنتم ماذا تفعلون في باب القياس؟ لا نقول، يقولون: نحن نقول بالقياس. طب فهمونا كيف فلسفة القياس عندكم؟ إذا أنتم تقولون إن الأوامر الشرعية التي جاءت بالقرآن ليست بسبب مصالح، والنواهي ليست بسبب مفاسد، وإنما مجرد أمر الله ونهي الله، من أين أتيتم بالعلل؟ قالوا: نحن نفهم العلة بمفهوم يختلف عن مفهومكم. قلنا: كيف تفهمون العلة؟ قالوا: العلة عندنا ليست هي المصلحة التي من أجلها أوجب الله الحكم، أو الشيء الذي من أجله حرم الله، لا. العلة عندنا هي علامة، كيف علامة الطريق؟ يعني علامات الطرق؟ علامة، مؤشر على وجود حكم، فهمتم؟ العلة عندنا مؤشر على وجود حكم أيها الأحبة.
الإسكار عند الأشاعرة -يا مشايخ- كأنها إشارة تقول لك: قف هناك حكم هنا يسمى تحريم الخمر. مثلاً أنت مثلاً عند الحنابلة الوزن والكيل هو سبب في إيش علة تحريم الربا صح؟ أو في التأثير، فيقول الأشاعرة: الوزن عبارة عن إشارة، تقول لك: قف هنا يوجد تحريم الربا. فعندهم الإسكار ليس سببًا باعثًا على تحريم الخمر، وإنما الإسكار إشارة تقول لك: قف هنا يوجد عندي حكم في قربي اسمه تحريم الخمر. طب لماذا جعلتم هكذا الأمر؟ قالوا: لأن الأحكام عندنا لا توجد علل -عفوًا- لا توجد يعني عندما أوجب مثلاً تحريم الخمر، ليس الباعث على تحريمه الإسكار، وإنما الذي حرمه هو الله عز وجل فقط، أمر الله. طب والإسكار إيش هو؟ طب لماذا حرمه الله؟ يقولون: لأنه يريد أن يحرم، لا تعللوا بمصالح ومفاسد.
طب إذا سينتفي باب القياس؟ قالوا: لا، نحن في باب القياس سنستعين حتى تبقى الشريعة مستدامة، سنقول هذه المعاني المناسبة مثل الإسكار للخمر هي معاني مناسبة، لكن -هم لاحظوا حتى لا نلمظهم- يقولون: الإسكار معنى مناسب -لاحظوه حتى لا تظلمهم، هم إيش يقولون؟- الإسكار معنى مناسب، لكن ليس بسببه التحريم الخمر، وإنما الإسكار فقط معنى مناسب يأتي معرفًا علامة تقول له: جانب تحريم الخمر. لذلك يقولون عن العلة هي المعرف، والبعض يقول: علامة، والبعض يقول -وهذا مصطلح ثالث مهم كثيرا ما ستجدوه-: أمارة، ألم تسمعوا هذا المصطلح؟ أمارة على تحريم الخمر، لأنه خلص الأمارة العلامة المعرف، هذه المصطلحات الثلاث هي التي تكثر على منهج، لماذا؟ لأن العلة عندهم ليست من أجلها أمر الشارع بهذا الشيء، وليس من أجلها حرم الشارع هذا الشيء، وإنما هي عبارة عن إشارات مرورية، إشارات تقول لك: قف عندي تحريم للخمر، إشارة أخرى: قف عندي إيجاب لكذا، أما أنا لست الذي سببت هذا الحكم، فهمتم وجهة نظر الأشاعرة وبناء على المنهج العقدي؟
آه، هذا الرأي الأول وفهمنا هذا التفصيل، النمط الصغير كنا نسير ولا نذكر، أنتم الآن في مرحلة متوسطة، عليكم أن تحسنوا القراءة في كتب الأصولية، لأنه يهمني في الحقيقة أن أصنع طالب العلم الواعي في القراءة، أنا لا يهمني أن تقرأ وتعد الكلام هذا وتجمع وأنت لا تفهم الفرق بين هذا المصطلح وهذا المصطلح وهذا المصطلح، ما منبعه وهذا المصطلح ما منبعه. في الحقيقة أنت لم تستفد شيئًا، أنت في النهاية ستبقى تقرأ مثلك مثل غيرك من دون فهم، من دون تحليل، من دون عمق النظر، من دون تصويب ومناقشة وتقطيع. فهذه التحليلات نعم تحتاج لذهن، تحتاج طالب يكتب ويتأمل ويفهم ويعرف مآخذ الأقوال.
الإطلاق الثاني: الغزالي. الغزالي أيها الأحباب معتقده أشعري، لكنه في الحقيقة جاء بتعريف للعلة يتطابق مع تعريف أهل السنة الذي تبناه. إيش يكون الغزالي رحمة الله تعالى عليه؟ الغزالي يقول أيها الأحبة: العلة هي الوصف -طبعا هذا كله ذكره السبكي في جمع الجوامع- العلة يكون الغزالي: العلة هي الوصف المؤثر في الحكم بإذن الله وإرادته. جميل هكذا أنا نقلت الرسوم والبسط مؤثر في الحكم بإذن الله.
آه جميلة أيها الأحبة، إذن الغزالي رحمة الله عليه كيف ينظر إلى العلل؟ العلة الشرعية للمفهوم المقتضي، العلة بالمطلق الثاني -خلص النقطة الأولى- القياسية اللي بنتعامل معها كقياس. العلة يكون الغزالي هي الوصف المؤثر، ما قال المعرف أو علامة أو أمارة، لا، قال: العلة هي الوصف المؤثر، إذا الغزالي يثبت لها إيش؟ تأثيرًا، أثبت لها إيش؟ تأثيرًا. لكن هل تأثير آه هذا الوصف لذاته لعينه؟ ولا لأن الله سبحانه وتعالى هو الذي جعله مؤثرًا؟ لأن الله هو الذي جعله مؤثرًا. فالغزالي يقول: العلة هي أوصاف مؤثرة في إنتاج الأحكام، فالإسكار هو الذي أثر وأنتج تحريم الخمر، والوزنية والكيلية هي التي أثرت في تحريم الربا وعلى ذلك فقس. لكن الغزالي يريد أن ينبه، لماذا قال بإذن الله؟ لأن الغزالي يريد أن يخالف المعتزلة، أحسنت، المعتزلة يرون -قول ثالث يمكن نذكره بعد ذلك- يرون أن العلة الشرعية هي وصف مؤثر بذاته من دون إرادة الله عز وجل، وهذا كلام خاطئ مئة بالمئة، كلام المعتزلة.
فالغزالي لا يريد أن ينحى منحى الأشاعرة بالضبط، يكون معرض الغزالي كأنه تحرج من تعريفهم، يا جماعة مستحيل أن تكون الإسكار فقط إشارة تقول بجنبي حكم، لابد الإسكار هو أثر، لابد له المفعول، لكن مفعول الإسكار في إنتاج تحريم الخمر بفعل من؟ بفعل الله سبحانه وتعالى.
الآن الأشاعرة رحمة الله عليهم كيف نظروا إلى تعريف الغزالي وهو من أساطين الأشاعرة؟ الأشاعرة تحرجوا من تعريف الغزالي فحاولوا أن يصرفوه عن ظاهره. وهنا سانقل لكم كلام البناني في حاشيته على جمع الجوامع حين علق على تعريف الغزالي. ماذا قال؟ مئتان وواحد وتسعين.
طيب يقول البناني في تعليقه على تعريف الغزالي هذا، نعم البناني آه في حاشية للبناني من أشهر الحواشي وهي من أفضلها على جمع الجوامع، إيش يقول؟ يقول: الصفحة مئتان وتسعين قال: ليس المراد منه أي من تعريف الغزالي ما يفيده ظاهره من أن التأثير بقدرة خلقها الله فيها. أعيد النص، يقول: ليس المراد من كلام الغزالي ما يفيده الظاهر. ما هي العبارة الغزالية إيش؟ أنه هذه أوصاف مؤثرة، شيء جعله الله عز وجل فيها، صحيح؟ هيك فهمنا، ويقول لك: لا، هذا المفهوم الظاهر من عبارة الغزالي ليس هو المقصود، ليس هو الظاهر. يقول: ليس المراد ما يفيده ظاهره أي ظاهر هذا التعريف من أن التأثير بقدرة خلقها الله عز وجل فيها، فهو يريد أن ينفي ظاهر عبارة الغزالي. ظاهر عبارة الغزالي أن العلة عبارة عن وصف مؤثر وتأثيره كان بإرادة الله، الله هو الذي جعله مؤثرًا. يقول: لا، ليس هذا المراد الغزالي، أن العلة عبارة عن وصف مؤثر بقدرة خلقها الله عز وجل فيه. قال: لماذا؟ قال: لأن هذا المعنى لا يكون به أهل السنة، والغزالي منهم من أهل السنة من الأشاعرة. إذا رأيتم إيش مشكلته مع الغزالي؟ مشكلته أنه هذا المعنى نحن لا نقول به الأشاعرة، وأنت أيها الغزالي ممن؟ من الأشاعرة سموا أنفسهم أهل السنة في هذا المعنى.
جميل، فإذا لكن أنا في الحقيقة أقول: تعريف الغزالي للعلة هو المطابق لما يدين به أهل السنة والجماعة الحقة، وهذا هو المعنى الصحيح المطابق لمن؟ للعقل والمطابق للشرع ولمن استقرأ القرآن يعلم والشرع وكلام الأئمة الأقدمين. الصحيح أن العلة الشرعية هي وصف مؤثر، لكن الذي جعله مؤثرًا هو الله سبحانه وتعالى، وليس هو بذاته الحكم، لا نقول كما يقول المعتزلة: المعتزلة يقولون: بل هي وصف مؤثر بذاته، وليس لأن الله أراد. لا، نحن نقول: العلة وصف مؤثر لكن لأن الله أراد أن يكون مؤثرًا.
وقولكم أيها الأشاعرة إننا لا يجوز أن نعلل التحريم بعلل ولا الإيجاب بعلل، وأن هي محض إرادة الله، وأن هذا فيه آه آه يعني تحكم على الله أن هناك شيئًا بعثه، نحن نقول: انتظروا قليلاً، نحن عندما نقول إن هذه الأحكام كانت لها علل مؤثرة بإرادة الله، نحن ننزه الله سبحانه وتعالى أنه يأمر من دون أي شيء وينهى من دون أي شيء، بل نحن من نزهنا في الحقيقة وأثبتنا أن أفعال الله من الأوامر والنواهي إنما تخرج من باب الحكمة والعلم والبصيرة وليسوا من باب العبث والتحكم. وأيما أولى بالتنزيه أيها الأحبة، من الذي نزه الله؟ نحن ننزه أفعال الله من عيد أوامره ونواهيه أن تكون خرجت هكذا من دون أي حكمة عبثًا ومن غير بصيرة، نحن نقول: الله عز وجل إذا حرم فإنما يحرم لحكمة، وإذا أوجب إنما يوجب لحكمة، أدركتها عقولنا أو لم تدركها لكن هي موجودة، وهذا ليس فيه إجبار على الله، نحن لا نقول كما يقول المعتزلة: إن المصلحة تجبر الإله، كلام خطير في هاي الجزئية، المعتزلة يقولون: المصلحة تجعل فرضًا واجبًا على الإله أن يجعل هذا الشيء، ووجود المفسدة تجعل هذا هذا، وجود المفسدة تجبر الإله توجب الإله بأن يجعل هذا الشيء حرامًا. نحن لا نقول كما يقول المعتزلة: إن هناك شيئًا يفرض على الإله، لكن نقول: الله عز وجل الحكيم في تصرفاته، عندما بعلمه المحيط السابق والازلي الذي لا يحيط به أحد من خلقه، عندما علم يعلم أن في هذا المصلحة فأوجبه ليس فرضًا عليه، ليس وجود المصلحة أووجبت على الله، لكن المصلحة أو ناسبت أن يوجب الله عز وجل هذا الحكم، المصلحة والمفسدة ناسبت أن يحرم الله عز وجل هذا الحكم.
ونحن باستقرائنا لنصوص الشريعة عرفنا أن الله منزه عن العبث، وأنما يفعل الشيء لحكمة هو أخبرنا بذلك، فكيف أقول إنه أمر بالشيء هكذا لأنه أمر؟ وكيف أقول إنه نهى عن الشيء هكذا لأنه يريد أن ينهى؟ بل هو في أقواله سبحانه وتعالى وأفعاله في هذا الكون دلنا على أن على أنه سبحانه لا يأمر إلا بمصلحة ومنفعة وحكمة، ولا ينهى إلا لمفسدة آه ومضرة على العباد، فنحن نقول بهذا المعنى، لكن لا نقول إن المصلحة توجب يجبر الرب على شيء سبحانه حاشاه، لا يوجد شيء يفكره أو أن النفس لا تجبره، لكن نقول: المصلحة تصلح لأن يجعل الله عز وجل هذا.
شيء واجبا أو مندوبا، والمفسدة تصلح لأن يجعل الله عز وجل هذا الشيء محرما أو مكروه. هكذا نفهم أهل السنة قضية المصلحة والمفسدة، ونحن نوافق الخزانة في هذا التعريف.
القول الثالث هو الذي أخرج السبكي عن صמته، اقرأ رأي الآمدي أيها الأحبة، وهذا القول ذات الرأي العام الذي يريدك أن تركز عليه؛ لأن عبد المؤمن البغدادي ذكره في كتابه وإن لم ينسبه إلى الآمديين. الرأي الثالث هو أيضا لرجل أشعري، الآمدي ماذا يقول؟ يقول: العلة هي الوصف الباعث على تشريع الحكم. الحمد لله، ماذا يقول العلة ايش بدو يقول؟ هي الوصف الباعث. استخدم كلمة أعمق من كلمة المعرّف وأخطر على منهج الأشاعرة. مع أنه ايش منهج الأمة دي؟ ايش حيحكي؟ لكنهم في باب اضطر هو والغزالي أن يخرج من أشعريته العقدية، وأن يتكلم مع واقع حقيقي، لا يمكن أن نقول بهذا المعنى أنها معرّف على ما لم يقتنعا بهذا المعنى، فقالوا: العلة هي الوصف الباعث.
ما معنى الوصف الباعث؟ يعني الوصف المشتمل على حكمة تبعث على تشريع الحكم، هذا معنى وصف الباعث. وصف الباعث هو الوصف المشتمل على ماذا؟ على حكمة. والحكمة هي إما مصلحة إما مفسدة، هادي هي الحكمة. الوصف الباعث يعني الوصف المشتمل على حكمة تبعث الشارع الحكيم على تشريع الحكم. ما معنى تبعث؟ أي تصلح لأن يعلق الشارع الحكيم الحكم بها بهذا الوصف. تبعث أي تصلح لأن يعلق الشارع الحكيم الحكم بهذا الوصف.
انظروا ماذا يقول تاج الدين السبكي ما بدو يقول عن كلام الآمدي، قال المصنف تاج الدين السبكي قال: ونحن معاشر الشافعية، وفي الحقيقة كان ينبغي أن يقول: ونحن معاشر الأشاعرة؛ لأن هذا ليس رأي الشافعية بمجمعهم، وإنما رأي من وافق من الشافعية منهج الأشاعرة، لكنه طبعا هو أشعري فنسبه إلى الشافعية هكذا. قال: ونحن معاشر الشافعية، إنما هو الآن يعلق على كلام الآمدي، إنما نفسر العلة بالمعرّف ولا نفسرها بالباعث أبدا، ونشدد النكير على من فسرها بذلك. قال: لأن الرب تعالى لا يبعثه –شوف كلمة الباعث ايش احتاجت عند السبكي من ضجيج؟– قال: لا يبعثه شيء على شيء. كلمة البعث كلمة عميقة، يعني نحن أصل معتقدنا كأشاعرة أن الله يأمر لأنه يأمر وينهى لأنه يريد أن ينهى، ما في شيء أبدا يبعثه على أن يأمر وعلى أن ينهى، هو فقط يريد أن يأمر لأنه يريد أن يأمر. فقال: إن الرب لا يبعثه شيء على شيء.
ثم أراد أن يعدل الموضوع، قال: ومن عبر من الفقهاء عنها بالباعث –شف كيف أراد أنه الآن من أساطينهم فلا بد إذا أن نحاول نبط الموضوع– ايش أراد بالباعث؟ قد أراد بالباعث ليس أن هذا الوصف بعث الله أو جعل الله يشرع هذا الحكم، المراد بالباعث أنه باعث للمكلف على الامتثال، أنه يرى أنه معنى كلام الآمدي أن العلة هي الوصف الباعث على رجحان الحكم أنها تبعث ليس الله على التشريع، وإنما تبعث المكلف على أن يمتثل التشريع. البعث إذا يتعلق بمن؟ ليس بالله بل بالمكلف. فمعنى أنها باعثة عندما قال أنها باعثة تبعث المكلف. طبعا هذا لم يقل إن مقالة السبكي في تفسير قول الآمدي وقول كل من قال من الأشاعرة بأن العلة هي الباعث. إذا لاحظتم أيها الأحبة، إذا هناك جدال عقدي الآن، نحن الآن ندرس أتكلم من جمع الجوامع ومن شروحه وهي كتب أصولية ومناقشة الآن تتعلق بأمم عقدية، المصطلح خطير عندهم لابد أن تحدده. قال: ونحن معاشر الشافعية نفسر العلة بالمعرّف، اللي هو الإطلاق الأول الذي ذكرته لكم، لا الإطلاق الثاني والثالث، لا رأي الغزالي عندهم محمود ولا رأي الآمدي عندهم محمود. طبعا هم أولوا كلام الغزالي بتأويل حتى وبعد أن أولوه لم يرتضوه، لكن المهم أن يبعدوا عن الغزالي رحمة الله عليه وصمة أن يقال إنه وافق أهل السنة في هذه المسألة.
الرأي الرابع، أكتب ولا راك تشوف، رأي المعتزلة ذكرته كثيرا، ايش رأي المعتزلة أن العلة ايش عندهم؟ وصف مؤثر بذاته في تشريع الحكم، وليس لان الله هو الذي جعله مؤثرا. أذكروا نستفيد منه الطالب. المعتزلة تقول العلة بمعنى المقتضي هي ماذا؟ الوصف المؤثر بذاته في تشريع الحكم. هو أنا فاهم الدرس الماضي؟ وماذا قلنا من منهج المعتزلة؟ أن المعتزلة يقولون إن العقل إذا أدرك مصلحة في شيء، فإن هذا الشيء إذا كانت مصلحة خالصة يكون هذا الشيء واجبا، واجبا عند من؟ عند الله. طيب كيف؟ لانهم للاسف يقولون -وهذه ما ذكرتها في الدرس ما مذكورة الآن حتى تكتمل المسورة- يقولون بالإجبار.
ايش الإجبار؟ يقولون إذا أدرك العقل مفسدة -عفوا- مصلحة خالصة في شيء، فيجب على الله أن يجعل هذا الشيء واجبا، وإذا أدرك العقل مصلحة أو -عفوا- مفسدة خالصة في شيء، فيجب وجوبا على الله أن يجعل هذا الشيء حراما. لماذا؟ لأن هذه الأوصاف عندهم هي مؤثرة بذاتها في الحكم وليس بإرادة الله، هذه الأوصاف التي هي مثلا قد تكون مصلحة خالصة هي بذاتها تطلب الحكم وليس بإرادة الله. فالله يعني حاشا الله عز وجل هذا الكلام هو الذي يجب عليه أن يتبع هذه المصلحة وليس الأمر باختياره. العلة مؤثرة بذاتها في الإيجاب في المصلحة، مؤثرة بذاتها في التحريم في المفسدة. والله عز وجل يجب أن يراعي المصلحة ويجب أن يؤمن بها، ويجب أن يبعد العباد عن المفسدة فيحرمها.
وهذا كلام لا يليق بالله، لا يوجد شيء يفرض على الله عز وجل أبدا، لكن نحن نقول: الله عز وجل حكيم فيراعي المصالح فيأمر بتحصيلها، ويحذر من المفاسد فينهى عنها. عرفتم؟ فلا نحن نوافق المعتزلة في هذا الكلام، ولا نوافق الأشاعرة أيضا في إلغاء مفهوم المصالح والمفاسد وكأنها إشارات طرق بالموضوع، وإنما ما قاله الغزالي هو الرأي المعتدل المنصف للحقيقة. أن العلة ما هي؟ احفظ هذا التعريف: نعتمد تعريف الغزالي بمعنى المقتضي، اللي ايش؟ الوصف المؤثر في الحكم بإذن الله. ولو أنك اخترت تعريف الآمدي لا أشكال بالفهم وبالمعنى الصحيح. بمعنى كلام الغزالي أنه الباعث على تشريع الحكم، يعني الوصف المؤثر في تشريع الحكم. فكلام الآمدي والغزالي نوعا ما مقبول على طريقة أهل السنة والجماعة، وأما كلام الأشاعرة فلا نقبله، وكلام المعتزلة لا نقبله. إذا هذه أربعة أقوال أيها الأحبة.
نعود إلى عبد المؤمن البغدادي الآن، طبعا وهذا كله تحليل للإطلاق الثاني للعلة، وهو ايش؟ المقتضي فقط، هذا كله تحليل بمعنى المقتضي فقط. ايش معنى المقتضي؟ عندنا أربعة أقوال، والرأي الذي تبناه رأي الغزالي والآمدي.
الآن سأعود إلى عبد المؤمن البغدادي ماذا يقول في قواعد الأصول وضعية وهي أربعة، أول ما يظهر بها الحكم يعني كل ما يثبت به الحكم بدأ بها قال: وهو نوعان، وهو في الحقيقة ليس نوعان وسيذكر أربعة ما يثبت به الحكم سبب شرط مانع. لكنه هو اعتبر العلة والسبب أصولا، والشرط والمانع تبع، واعتبر العناصر العلة والسبب أصولا والشر والشروط والموانع التابعة للأصول. باختصار هو عدها أربعة، سمى نوعان أصول ونوعان سماهما أو عدهما من التوابع.
إذا علة ثم بدأ بتفسير العلة. عبد المؤمن البغدادي ذكر للعلة نوعين: العقلية والشرعية، ولم يذكر العلة العرفية، فأنا أضفت هذا التقسيم أن هناك علة عقلية وعرفية وشرعية. العلة العقلية مثل لها بمثال مباشر، ما ذكر أي تعريف أي اشي، قال: كالكسر للانكسار. ونحن فهمنا أن العلة العقلية هي التي توجب معلولها عقلا وأنها لا تتخلف أبدا.
ثم قال، لما بدأ في الشرعية أراد أن يعرف ما هي العلة الشرعية؟ لما عرف العلة الشرعية ذكر الإطلاق الثاني مباشرة وبدأ يفسر فيه، ولم يذكر الإطلاق الأول للعلة الشرعية أنها تطلق على العلة كاملة: وجود المقتضي مع الشروط وانتفاء الموانع مع وجود الأهل، هذا هو الإطلاق الأول للعلة. طبعا لماذا لم يذكروا أيها الأحبة؟ لأنه قليل وغير مستعمل كناحية عملية الإطلاق الأول؛ لأن العلة الكاملة غير مستعملة. أما الإطلاق الثاني أن العلة بمعنى المقتضي هو المستعمل في علم أصول الفقه في الحقيقة وينطرد في باب من الأقيسة، لذلك شرع مباشرة.
لذلك أنا في الحقيقة أُحاول أن أُرتب لك أفكار عبد المؤمن، يذكر مسائل هكذا، فاهم؟ ونحن نحاول أن نجعل لمسائله منهجية تنطلق من خلال هذه الخارطة في الفهم. فالمهم إذا، عندما بدأ في العلة الشرعية، بدأ بالإطلاق الثاني للعلة الشرعية أو المقتضي فقط، أن العلة بمعنى المقتضي وذكر تعريفين للمقتضي. ايش التعريف الأول؟ أو شرعية قيل، الآن هذا تعريف للعلة الشرعية بالإطلاق الثاني.
التعريف الأول: قيل هي المعنى الذي علق الشارع الحكم عليه، المعنى يعني الوصف، المعنى أشعر بالمعنى الوصف، الوصف فالقصد الوصف هكذا. هذا معنى كلمة المعنى يعني الوصف، مثل الإسكار معنى صح ولا لا؟ وصف. المعنى الذي علق الشارع الحكم عليه. الآن كلمة التعليق أيها الأحبة هنا هي قريبة من كلمة المعرّف والعلامة والأمارة، أنت في إيش؟ طب ما هي مش واضحة أنا أقول بها، يعني التعريف يحتمل: هل هو تعليق بحيث إنه المؤثر؟ ولا تعليق على أنها لا معرفة فقط؟ فكلمة التعليق في الحقيقة فيها نوع إجمالي، ما معنى أن الوصف أو المعنى الذي علق الشارع؟ ما معنى التعليق؟ هل تقصد كما يقصد الأشاعرة بالتعليق أن الوصف هو عبارة عن فقط معرف وعلامة؟ ولا تقصد بالتعليق له معنى أدق أن الوصف مؤثر له تأثير بقدرة الله؟ فقلت لكم هذا التعريف يبقى فيه شيء من الإجهاد.
إذا المعنى الذي علق الشارع الحكم عليه. وقيل، ذكر تعريف آخر قريب من تعريف الآمدي ايش قال؟ وقيل إن العلة يعني الباعث له لمين؟ للشارع، باعث له على إثباته، على إثبات ايش؟ الحكم. فإذن التعريف الثاني للعلة لو أردت أن أتحلل تعريف عبد المؤمن الثاني: العلة هي الوصف الباعث له أي للشارع على إثبات الحكم، هذا تفسير الضمائر. الوصف الباعث للشارع على إثبات الحكم، ايش قال بعد ذلك عبد المؤمن؟ وهذا أولى.
فعبد المؤمن يقول إنه لا تعريف فهذا يدل على أن معنى التعليق الذي قَصَدَهُ في التعريف التعريف أنه معرف أو علامة وأمارة أنه يرجح التعريف الثاني. وعندكم آآ أنا حتى هنا عبد الله الفوزان جيد قال: وهذا أولى. لماذا التعريف الثاني أولى؟ قال: لأن الأول مبني على قول المتكلمين أن الأحكام الشرعية لا تعلل بالأغراض، أي أنها لم تشرع لأغراض ولا لأهداف، وإنما هي عبارة كما قلنا عن معرّفات وعلامات. فإذن لماذا عبد المؤمن البغدادي رجح التعريف الثاني؟ أن التعريف الثاني يدلل على أن العلة ليست مجرد فقط معرف أو علامة، أو مجرد أي تعليق تعليق عام، لا العلة هي باعثة للشارع على تشريع الحكم وليست مجبرة المعتزلة مجبرة. باعثة يعني أن الشارع يراعي المصلحة فيأمر بها، ويراعي المفسدة فينهى عنها بهذا المعنى.
بقي علينا الإطلاق الثالث والأخير. كم بقي ذا من الوقت؟ الآن نذهب إلى الإطلاق الثالث، حللنا تعريف عبد المؤمن البغدادي المقتضي وقلنا تعريفه الثاني للمقتضي نرتضيه للعلة بمعنى المقتضي هي النقطة دي فقط. ما معنى مقتضي؟ أو ما معنى العلة بالاطلاق الثاني؟ نقول: الباعث على تشريع الحكم. سواء قلت مقتضي أو قلت مباشرة العلة هي الحكم ما في عندي مشكلة. المهم أن تفهم أن هذا المعنى الثاني هو المقبول والاوضح، وأن كلام الأشاعرة أنه اصطدم -أنت في كل كتب الأصول تشكو الكتب في جمهور كتب الأصولية- ستصطدم أنك تقرأ مع الأشاعرة إذا ستجدهم يقولون والعلة علامة أو معرّف أو أمارة. فأريدك أن تفهم ما معنى هذا الكلام وهذا يحتاج من هذه القصة بالقضية.
طب نادي للإطلاق الثالث للعلة وهو إطلاق قليل أيضا، هو إطلاق قليل أيضا. الإطلاق الثالث للعلة أن تطلق ويراد بها الحكمة التي شرع الحكم أصالة من أجلها. الإطلاق الثاني أن تطلق العلة بمعنى الحكمة، عم تطلق العلة بمعنى ماذا؟ بمعنى الحكمة. وهنا سأجلس أن هناك أفكار أريد أن أذكرها لكم حتى تفهموا الفرق بين الإطلاق الثاني والإطلاق الثالث.
الإطلاق الثالث العلة بمعنى ايش؟ حكمة الحكم، الحكمة من الحكم. وقلنا الحكمة هي المصلحة والمفسدة، الحكمة أما أن تكون مصلحة واما أن تكون مفسدة. جيد طبتم الآن أيها الأحبة، انتبهوا معي على هذا التأصيل وحاولوا أن تفهموا وتركزوا. الآن كثير من الأحكام الشرعية أو لنقول الأحكام الشرعية تنقسم إلى قسمين: أحكام يمكن أن ندرك المعاني والمناسبات التي من أجلها شرعت، وأحكام لا نستطيع أن ندرك المعاني والمناسبات التي من أجلها شرعت.
الأحكام الشرعية التي لا نستطيع أن ندرك المعاني والمناسبات التي شرعت من أجلها ماذا تسمى؟ أحكام تعبدية، يعني لا نعرف لماذا شرعت، وهذه في الحقيقة محدودة في الشريعة، وأكثر الأحكام من الطرف الثاني وهي الأحكام التي نستطيع أن ندرك المعاني والمناسبات التي من أجلها شرعت هذه الأحكام. فلو سألتك: الزكاة كحكم شرعي لماذا شرع؟ ستؤمن معنا، ما المناسبة التي ولّدها شراع؟ ستؤمن: والله شرع لسد حاجات الفقراء وتحقيق التكافل الاجتماعي وتسهل لي في تلك فوائدها، صح.
لو قلت لك مثلا البيع والنكاح لماذا شرع؟ ما المعاني والمناسبات؟ ستأتي وستذكر لي كثيرا من المناسبات. والله النكاح فيهما الله عز وجل زرع فينا الشهوة، وهذه الشهوة لا تستطيع أن يطرأها الإنسان ويدفعها إلا من خلال النكاح.
وفي النكاح تأصيل لعفة الإنسان، وفي النكاح تحصيل للنسل وابقاء للنوع الإنساني وتكثيره لسواد المسلمين. وتبدأ بذكر حكم كثيرة لو ذكرت لك البياع ستبدأ تذكر، صحيح؟ فكثير من الأحكام نستطيع أن ندرك المعاني والمناسبات التي من أجلها شرعت.
ونحن كما قلنا عن طريق أهل السنة أن الأحكام الشرعية شرعت لتحقيق هذه المعاني والمناسبات التي أدركناها، فما كان فيه مصالح، المصالح التي ندركها، الأحكام الشرعية التي شرعت؛ شرعت في تحقيق هذه المصالح. فمتى وجدت هذه المصالح الأصل أن يوجد الحكم الشرعي، ومتى لم توجد هذه المصالح؟ الأصل أن ينتفي الحكم الشرعي. وكذلك الحال في المفاسد.
لو قلت لك لماذا حرم الله الزنا؟ ما المعنى المناسب لتحريم الزنا؟ ستبدأ تتكلم أن الزنا فيه اختلاط الأنساب واعتداء على الفروج وتبدأ بذكر المفاسد. هذه المفاسد هي المعاني والمناسبات التي من أجلها حرم الشارع الزنا، وقل ذلك في الربا، وقل ذلك في الحدود. لو سألتك لماذا أوجب الله الحدود؟ تقول: تبدأ بذكر المناسبات لتقليل الجريمة في المجتمع والحد من انتشارها. ستبدأ تذكر هذه المناسبات، كما قلنا، هي التي من أجلها شرعت الأحكام، وهذه المعاني من المناسبات هي التي تسمى حكمة.
لكن في الحقيقة أيها الأحبة، صحيح هذه الحكم هي التي من أجلها شرعت الأحكام، لكننا من الناحية التطبيقية العملية في كثير من الأحيان لا نستطيع أن نعلق الحكم –وهنا ركزوا حتى تفهموا– لا نستطيع أن نعلق الحكم وجودا وعدما بوجود الحكمة وعدمها. لماذا؟ لأن كثيرا من الحكم غير منضبطة الجوانب، أو عبارة عن معاني ومناسبات غير منضبطة، يعني نسبية تختلف من حال إلى حال ومن زمن إلى زمن ومن واقع إلى واقع، ومن شخص إلى شخص.
هذا المعنى افهموه أكثر، كثير من الحكم غير منضبطة، لا يوجد هناك حد واضح لها يحدها من جميع الجوانب، بل تكون نسبية تختلف من شخص إلى آخر. طيب، الأحكام الشرعية يجب أن تكون منضبطة، صحيح؟ لا يجوز أن تكون متباينة هكذا ضائعة تائهة، كل شخص له حكم على تفصيله على حاله. الأحكام الشرعية يجب أن تكون مضطردة، قواعد عامة للأمة. فقال العلماء: بما أن كثير الحكم التي لا تكون منضبطة وغير محددة وغير واضحة المعالم ونسبية، لا نستطيع أن نعلق الحكم بها وجودا وعدما، بحيث نقول: إذا وجدت الحكمة وجد الحكم، وإذا انتفت الحكمة انتفى الحكم، لا نستطيع. لماذا؟ لأن الحكم كثير منها مش منضبطة نسبية تختلف من شخص إلى آخر.
طيب، بماذا سنعلق الحكم؟ قالوا: نأتي إلى أوصاف ظاهرة منضبطة، هذه الأوصاف الظاهرة المنضبطة عادة ما توجد الحكمة مقارنة لها. قالوا: نذهب ونبحث عن أوصاف ظاهرة منضبطة محدودة المعالم عادة ما توجد الحكمة مقارنة لها. طيب، شيخ وضح لي الكلام: اذهب معي أيها الحبيب إلى السفر الآن، حكم قصر الصلاة في السفر، مش الصلاة يجوز قصر الصلاة في السفر، بل وسام قصر في السفر، وكذلك الفطر في السفر. لو قلت لك أيها الحبيب: القصر والفطر في السفر، ما الحكمة التي من أجلها شرع هذا الحكم؟ لست تقول لي: الحكمة رفع المشقة عن المكلف. جميل، اذهبوا إلى اللوح، قصر الصلاة في السفر، ما الحكمة التي من أجلها أنت تفكر، لماذا ربنا سبحانه وتعالى شرع لنا أن نقصر الصلاة في السفر؟ ما هي الحكمة؟ ما هي المناسبة؟
بتفكير سهل وبسيط ستقول: لرفع المشقة عن المكلف. ممتاز. الآن إذا كانت الحكمة التي نجدها شرعا هي رفع المشقة، ايش ستقول؟ ستقول: إذا قصر الصلاة، الحكمة منه رفع المشقة. ممتاز؟ هل يمكن أن أعلق قصر الصلاة في السفر مباشرة برفع المشقة، فأقول: متى ما وجدت المشقة وجد قصر الصلاة، ومتى ما انتفت المشقة انتفى قصر الصلاة في السفر؟ ممكن الحكم مباشرة على الحكمة، والتي هي رفع المشقة، فأقول: متى ما وجدت المشقة سمح لك بقصر الصلاة في السفر، ومتى ما انتفت المشقة لا يسمح لك بقصر الصلاة في السفر؟ الفقهاء قالوا: هذا لا يصلح. لماذا؟ لأن المشقة هذا الوصف مش منضبط، يختلف من شخص إلى آخر، من مسافة إلى أخرى، من وسيلة نقل إلى وسيلة نقل أخرى. فهي أوصاف ايش قلنا؟ غير منضبطة.
فلان يسافر بالطائرة، إنسان آخر قل له: سافر بالسيارة من الأردن للسعودية، أخف عليه من أنك تقول له: سافر بالطائرة. إذا طلع بالطائرة يصيبه كرب، معدته تقلب، غثيان وإسهال، دورات المياه، يسعى بمشقة لا يعلم بها إلا الله، وقل له: سافر بالسيارة مع كل هذه المسافة ولا تريح لي، صح؟ ولا بالعكس لا، الطائرة أريح، السيارة أريح. في واحد بقول لك: أنا والله مسافة ثمانين كيلو ما بتعبني، شخص آخر: والله أنا مسافة مية كيلو ما بتتعبني أكثر، شخص خامس: أنا مسافة خمسين كيلو بتتعبني. لاحظوا، إذا قضية المشقة تختلف، أصبحت من شخص إلى آخر، من وسيلة نقل إلى وسيلة نقل أخرى، من حال إلى حال. فيصعب، الشريعة تقول: لا، إذا الحكم لا يصلح إذا تركناه للناس؛ كل واحد على مشقته وعلى مزاجه، لأن هنا الحكم لن ينضبط، وسيصبح الناس يتلاعبون، أي الناس أحكام منضبطة، يتلاعبون! بدكش تلاعب، لما تكون متعلقة على أوصاف غير منضبطة، فلا يصلح تعليق الحكم على الحكمة مباشرة. لماذا؟ لأن الحكمة هنا، وهي رفع المشقة، وصف غير منضبط.
طيب، ايش العلماء قالوا؟ قالوا: بدنا نضبط قضية قصر الصلاة في السفر، لازم تضبط، فإيش نفعل؟ قالوا: ابحثوا عن وصف ظاهر منضبط، هذا الوصف الظاهر المنضبط عادة عادة ما تكون الحكمة، وهي المشقة، موجودة معهم. فمن أين سيبحث عن هذا الوصف؟ ليس من جيوبهم، بل كتب السنة والقرآن الكريم، يشوفوا ايش أكثر وصف كان مقارنا لقصر الصلاة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم. فلاحظوا أنه أكثر وصف ظاهر منضبط يمكن تعليق حكم قصر الصلاة عليه هو وصف السفر مسافة واحد وثمانين كيلو. تلكأ، قالوا: السفر بمسافة واحد وثمانين كيلو هذا الوصف، السفر مسافة واحد وثمانين كيلو هو الذي يعلق عليه حكم قصر الصلاة وجواز الفطر. لماذا؟ قالوا: لأن هذا الوصف، لاحظوا، منضبط، مسافة واحد وثمانين كيلو، بغض النظر ايش كانت وسيلة النقل، بغض النظر عن طبيعة الإنسان، وجد هذا الوصف، اللي هو السفر مسافة واحد وثمانين كيلو، مباشرة يوجد الحكم؛ قصر الصلاة والفطر في رمضان. لم يوجد عندي هذا الوصف، إذا لا يوجد عندي قصر ولا فطر. لاحظوا كيف ضبط الموضوع، انضبط.
طب من أين أتيتم بهذا الوصف الظاهر المنضبط؟ قالوا: من استقراء نصوص السنة، أفعال النبي صلى الله عليه وسلم، أفعال الصحابة. وجدنا أن الأغلب يقول: بعض الآثار النبوية والأحاديث، وإن كان في بعضها ضعف، أنه لا تقصر الصلاة في أقل من أربع برد. يعني هم أنفسهم العلماء وجدوا أن الشريعة وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم تدلهم على هذا. أححاديث النبي صلى الله عليه وسلم تدلنا على تعليق الأحكام بالأوصاف الظاهرة المنضبطة، ولا نعلق الأحكام على الحكم، لأن الحكم ليست منضبطة، ليست أوصافا ظاهرة تظهر لجميع المكلفين. هناك مكلف ساذج لا يستطيع يفهم الحكمة أصلا ولا يعرفها في حاله، فأنت تحتاج خلص قاعدة مطردة. لذلك أيها الأحبة، هذا المفهوم مهم جدا.
الآن في مسألة شائكة في الوقت المعاصر، كثير من الناس تتجاذب آرائهم فيه؛ قضية سفر المرأة إلى الخارج. الآن كثير من الآراء أصبحنا نسمع آراء يقول لك والله حكم سفر المرأة من دون محرم إلى الخارج، ايش حكمة هذا الأمر؟ حكمته الحفاظ على المرأة، يعني لماذا حرمت الشريعة المرأة أن تسافر من دون محرم؟ رقاب بتيجي تاع الحكم الأصولية، شو الحكمة؟ الحكمة صيانة للمرأة خشية عليها من تعرض البطالين وقطاع الطرق والظالمين عليها من دون محرم لها، والمرأة ضعيفة لا تستطيع أن تدافع. ستبدأ تتكلم أنت عن الحكم التي من أجل وجودها هذا الحكم.
فأصبح كثير من المعاصرين يقولون: آآ والله هذه الحكمة يجب أن نعلق الحكم هذا إذا على الحكمة، متى ما وجد الخوف على المرأة واحتمال وجود بطالين وقطاع طرق، متى ما وجدت هاي الحكمة، يوجد الحكم وهو تحريم السفر من دون محرم. متى ما انتفت هذه الحكمة، يعني الحمد لله المرأة الآن في أمان وتستطيع أنها تحمي نفسها وكذا وكذا، إذا لا يوجد هذا الحكم؛ تحريم السفر من دون محرم، لها أن تسافر. فأصبح كثير منهم يفتون في هذه المسائل بماذا؟ أنه والله إذا كان، يقول لك، انظر بعض ماذا سمعنا، ونقول: إذا كانت المرأة كبيرة نوعا ما في السن، وراجحة العقل، ومعتدلة الأخلاق، والبلد الذي ستسافر إليه مأمون، فلها أن تسافر من دون محرم.
بالله عليك، ما هذا الحكم؟ وكيف يمكن أن يضبط؟ من، يعني كيف سأعرف؟ يعني هل أنا كمفتي مسؤول آتي إلى كل امرأة أبدأ أنظر في أخلاقها وفي صفاتها وهل هذه المرأة يمكن أن يرغب بها البطالون وهذه المرأة ليست عاقلة؟ كيف ينضبط الحكم؟ والله وهذا البلد، لا، هذا البلد فيه الآن أزمة، هذا البلد ليس فيه أزمة، هذا البلد يمكن أن يخشى فيه، والله هذا البلد ظهرت فيه ظاهرة الهجرة ويخشى عليها من كذا. لاحظوا كيف الأحياء بدأت ايش؟ بعدت تنضبط، إذا ساعلق الحكم وجودا وعدما على حكمة، هنا سيضيع الحكم وتتيه، لأنه الحكمة، قضية صيانة المرأة وعفتها وألا يعتدى عليها، هذه الحكمة، لكنها أوصاف غير منضبطة تختلف ربما من حال إلى حال ومن جهة إلى جهة، فيصعب تعليق الحكم بها؛ لأنه تعليق الحكم بها سيؤدي إلى تلاعب، يؤدي إلى مفاسد.
تأتيني امرأة تقول لي: يا شيخ، أنا امرأة الحمد لله عاقلة، ولا أجد في نفسي رغبة في الأمور المحرمة وكذا، إذن أريد أن أسافر إلى الدول الغربية لتحقيق بعض المصالح، بينما فلانة الفلانية لا تسمح لها، لأن فلانة الفلانية تلعب قليلا. طب ما الذي يضمن لي أنك فعلا أنت امرأة عاقلة وتلك امرأة فاسدة؟ قد يكون العكس! نظرة الفساد والصلاح في هذا الوقت أصبحت نظرات مختلطة، ومعيار المرأة العاقلة من غير العاقلة هذا كله معايير منفتحة غير منضبطة. فالشريعة أيها الأحبة، أو أصبحت تعلق حكم المرأة بالسفر على ماذا؟ على أوصاف ظاهرة منضبطة. لا نستطيع أن نعلق ونقول: السفر القصير المحدود للمرأة أن تسافر من دون محرم، السفر الطويل لا تسافر المرأة من دون محرم. انتهى الأمر. فقل لبلد أمان والله بلد اه لا يوجد فيه، أنا امرأة عاقلة مش عاقل، أنا أعطي حكم لجميع الأمة، ولا يمكن للمفتي أن يبدأ ينظر في كل فتوى في وضعها ويبدأ يأخذ سيرة حياتها واللستة ويبدأ يفتي، هذا سيؤدي إلى خلل إلى مفاسد.
وإياك أيها المفتي أن تتجرأ وتقول هذا على وسائل الإعلام للمرأة، تقول: إذا رأيت من نفسك أنك عاقلة –هكذا بعضهم يقول: إذا رأيت من نفسك أنك عاقلة والبلد الذي ستذهبين إليه فيه أمان ولا تشعرين بشيء من الخوف اذهبي– يعني أنت تفوض المرأة أن تحكم على نفسها بأنها عاقلة! إنما هي امرأة ستجيب عن نفسها أنها والله ليست عاقلة وأنها، يعني هذه الفتاوى التي تخرج الآن في الوقت المعاصر حقيقة بعيدة عن منهج الأصوليين، منهج الفقهاء الذي يقوم على تعليق الأحكام بأوصاف ظاهرة منضبطة.
تقول لي يا شيخ: ممكن توقع –يعني ممكن شخص يقول لك: طب يا شيخ، أنتم الآن علقتم قصر الصلاة في السفر على مسافة ايش؟ مسافة واحد وثمانين، طب ممكن واحد يروح مسافة واحد وثمانين وما يكون في جهد؟ مش مشكلة، بقول له: ما في مشكلة، لأن هذا الوصف نحن لم نقل إنه دائما إذا وجد توجد الحكمة معه، بل يسمى وقلة وجود الحكمة، لذلك يسمونها هذه الأوصاف مظنة، يعني نحن نظن أن هذا الوصف إذا وجد وجدت معه الحكمة. فلو فوضت حالات قليلة وجد هذا الوصف ولم توجد معه الحكمة، فإننا نطبق، الوصف مؤثر في الحكم حتى تبقى الأحكام مطردة، ولا نلتفت إلى أنه في هذه الحالة لم توجد الحكمة.
طبعا هذا الكلام: لا نلتفت في هذه الحالة إلى أنه لم توجد الحكمة، في خلاف أصولي دعه في موضعه. لكن باختصار، نحن عندما وضعنا وصفا ظاهرا منضبطا، ما اخترنا وصفا ظاهرا منضبطا الحكمة قليلة الوجود معه، لا، نحن اخترنا وصفا ظاهرا منضبطا الحكمة كثيرة الوجود معه، وتخلفها قليل نادر، والقليل النادر نقول لا حكم له، فيلحق بالكثير الأعمى.
إذن، بالنسبة للسفر، قضية الحكمة الآن فهمناها، ما هي الحكمة؟ أن الحكمة لا يمكن أن يعلق الحكم عليها، فتأتون إلى ماذا؟ إلى أوصاف ظاهرة منضبطة. ما هي الأوصاف الظاهرة المنضبطة التي توجد معها الحكم في العادة؟ ما هي؟ هي النقطة دي التي ذكرناها في الإطلاق الثاني. أفهمتم الآن أن لقطة الإطلاق الثاني الثالث بالثاني؟ لو سألك سائل: طب يا شيخ، ما هي هذه الأوصاف الظاهرة المنضبطة التي تعلقت الحكم عليها وجودا وعدما، وهذه الأوصاف هي التي توجد الحكمة في ضمنها أو هي متضمنة وجود الحكمة؟ أقول لك: هذه الأوصاف الظاهرة المنضبطة هي المقتضي الذي ذكرناه قبل قليل، وهو الذي سماه الأشاعرة ايش؟ معرفا، وسميناه نحن وصفا مؤثرا، وسماه مؤثرا بقدرة الله، وسماهم المعتزلة وصفا مؤثرا بذاته. كل ما ذكرته في المقتضي، المقتضي هو الوصف الظاهر المنضبط الذي يضبط لي الحكمة. أختم فأقول: إذا العلة تطلق على الحكمة، لكن إطلاقها على الحكمة كناحية أصولية تطبيقية لا يفيد.
صحيح؟ إن في النهاية أنا كان عندي وصولي ما أنه الحكمة لن أُعلق الحكم عليها وجوداً وعدماً. ففي النهاية يبقى أثرها كناحية فكرية، لكن كناحية تطبيق وإنتاج أحكام، الحكم ينتج من الوصف الظاهري المنضبط الذي هو المقتضي، الذي هو الإطلاق الثاني للعلة.
أختم فأقول: إذا كانت الحكمة هي بذاتها وصفاً ظاهراً منضبطاً، فإن الحكم سيعلق بها مباشرة. هذا أختم به الكلام في هذه الجزئية؛ إذا كانت الحكمة هي في ذاتها وصفاً ظاهراً منضبطاً، فإن الحكم سيعلق بها مباشرة؛ لأنه ابتداءً هي الحكمة هي المقصودة. صحيح؟ نحن لماذا لم نعلق الحكم بالحكمة؟ لم نعلق؛ لأن الحكمة في كثير من الأحيان تكون غير منضبطة وغير ظاهرة. لكن إذا كانت الحكمة هي بذاتها وصفاً ظاهراً منضبطاً، فخلاص لماذا لا نعلق الحكم عليه؟ خلاص نعلق الحكم عليها.
وهنا ستصبح الحكمة تُسمى حكمة وتُسمى في نفس الوقت، ففي هذه الحالة ستشترك الحكمة مع المقتضي. يصبح الحكمة هي المقتضي، ويشترك الإطلاق الثالث مع الإطلاق الثاني، في هذه الحالة نحاول تكون الحكمة هي بذاتها وصفاً ظاهراً منضبطاً.
طيب إذا هكذا أيها الأحبة عرفنا أن العلة لها كم؟ ثلاثة إطلاقات. الإطلاق الأول: أن تُطلق العلة على اجتماع أربعة أمور: المقتضي مع وجود الشروط وانتفاء الموانع، ووجود المحل والأهلية. وإذا اجتمعت هذه الأمور الحكم الشرعي يوجد لا محالة، وهنا العلة الشرعية أشبهت العلة العقلية. وهذا الإطلاق قليل.
الإطلاق الثاني: أن تُطلق العلة على المقتضي، وعرفنا ما هو المقتضي؟ هو الوصف المؤثر، جميل بتقدير الله عز وجل. الوصف المؤثر في إنتاج الحكم، أو على تعريف عبد المؤمن البغدادي الذي اختار الوصف الباعث للشارع على تشريع الحكم. وهذا الوصف بناءً على الكلام الأخير الذي قلناه يجب أن يكون وصفاً ظاهراً منضبطاً، صح؟
الإطلاق الثالث: للعلة أن تُطلق على الحكمة، وكما قلنا أيضاً إطلاق العلة على الحكمة إطلاق قليل وليس له ناحية عملية. فالذي يهمنا باختصار في النهاية من إطلاقات العلة الثلاثة هو أي إطلاق؟ الإطلاق الثاني، العلة بمعنى المقتضي.
ما معنى المقتضي؟ الوصف الباعث للشارع على تشريع الحكم. أن هذا الوصف الباعث للشارع لتشريع الحكم الظاهري المنضبط هو الذي سنعلق عليه الأحكام وجوداً وعدماً، وهو الذي سنستخدمه في القياس إذا أردنا أن نقيس فرعاً جديداً على أصل قديم. كم بقينا من الوقت؟ آخر فكرة أخذت وقتها.
إذاً اليوم أنهينا مفهوم العلة بتشعباته وتفريعاته، الدرس القادم إن شاء الله نتكلم عن السبب والشرط والمانع ونحاول أن ننهي موضوع الصحة والفساد. هذا والله تعالى أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل