بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي عنا بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم، أحمد سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين للسالكين، وممهداً لقواعد الفقه في الدين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
حياكم الله أيها الأحبة في هذا المجلس الجديد الذي نعقده في شرح كتاب قواعد الأصول ومعاقل الفصول للإمام عبد المؤمن البغدادي رحمة الله تعالى عليه. وقد انتهى بنا المطاف للحديث أو في الحديث عن الأحكام التكليفية، عرفنا أن عبد المؤمن رحمة الله عليه قسم الحكم الشرعي إلى حكم شرعي تكليفي، وإلى حكم شرعي وضعي، ثم بين القسم الأول الحكم الشرعي التكليفي، فعرفنا أنه قسمه إلى خمسة أنواع هي المشهورة عند علماء الأصول.
الحكم الشرعي التكليفي ما أقسامه؟ نريد الآن عبارتي الأصولية لا أريد عبارة عبد المؤمن البغدادي، الحكم الشرعي التكليفي أقسامه خمسة: إيجاب وندب وتحريم وكراهة وإباحة. هذه الألقاب مهم أن تربطها أن هذه هي أسماء أنواع الحكم التكليفي، وهناك من يعدد هذه الأسماء: واجب، مندوب، مباح، حرام، مكروه. قلنا الصحيح أن هذه ليست هي أسماء هذه الأنواع، وإنما هي أفعال التي وقع عليها الحكم الشرعي. فالواجب هو الفعل الذي وقع عليه الحكم الشرعي، المندوب هو الفعل الذي وقع عليه الندب، المكروه هو الفعل الذي وقع عليه الكراهة، وعلى ذلك فقس.
وانتهى بنا الكلام إلى النوع الخامس، ذكرنا المباح وهو ختمنا به المجلس الماضي، عرفنا أن المباح أيضاً خطاب من الشارع، أن المباح هو ماذا؟ هو خطاب من الشارع يتعلق بأفعال المكلفين على أي وجه؟ على وجه التخيير بين الفعل والترك، هذا هو المباح بتعريفه الخاص. وعرفنا أن هذا المباح بهذا التعريف يسمى ماذا؟ تسمى الإباحة الشرعية.
وقلنا أن هناك نوعاً آخر يذكره الأصوليون ويتميز به أكثر شيء هو المعتزلة، وهو ما يسمى الإباحة العقلية، وعرفنا أن الإباحة على نوعين: إباحة شرعية وإباحة عقلية. وقد يتضح معنى الإباحة العقلية اليوم أكثر حينما نتكلم عن مسألة من الأشياء قبل ورود الشرع. عرفنا أيضاً في نهاية المجلس الماضي أن من أسماء المباح: الجائز والحلال، وعرفنا أن كلمة الجائز وكلمة الحلال في الحقيقة لها استخدام عام ولها استخدام خاص.
فالحلال أحياناً يستخدم -بل هو الغالب في استعماله- أن يستخدم بما يقابل الحرام، فاذا استخدمنا الحلال بما يقابل الحرام فحينئذ يكون يشمل الواجب والمندوب والمباح والمكروه، كلها تسمى حلالاً. وأن الجائز في الحقيقة كثير ما يستخدم بمعنى ما جاء متابعة للشرع، أو ما جاء موافقاً للشرع، والذي جاء موافقاً للشرع يشمل الواجب والمندوب والمباح. فإذا في الحقيقة الجائز في كثير من استعمالاته أعم من المباح، يشمل ثلاثة أنواع من الأحكام الشرعية، والحلال أعم من المباح يشمل أربعة أنواع من الأحكام الشرعية، لكن أحياناً في سياقات معينة يستخدم مصطلح الحلال بما يراد به الإباحة، وفي بعض السياقات يستخدم مصطلح جائز بما يراد به الإباحة، وهذا الذي أراد به عبد المؤمن البغدادي كون الجائز والحلال من أسماء المباح.
اليوم أيها الأحبة قلنا سننتقل إلى مسألة يذكرها الأصوليون عادة في نهاية كلامهم عن الإباحة، وهي مسألة في الحقيقة دخل فيها الأثر العقدي واختلط فيها كلام الأصوليين بسبب اختلاف منطلقاتهم العقدية. لذلك ينبغي على الطالب أن يفهم هذه المسألة على الوجه الصحيح، وأن يعرف ما هي عقلية الأصولي الذي يتكلم بها، لأن معرفة عقل الأصولي الذي يتكلم بها: هل هو معتزلي، أو هو أشعري، أو هو مثلاً على مذهب مثبتة الصفات من طريقة أهل السنة والجماعة؟ فهذا أيها الأحبة مهم جداً حتى تفهم تفصيل هذه المسألة وما حدث بها من خلط. واستعين الله سبحانه وتعالى في محاولة توضيح هذه المسألة وبيان آراء المذاهب فيها المذاهب العقدية، حتى لا يختلط عليك الأمر حين تقرأ كتب الأصوليين.
كل أصولي تجده يعمم لهذه المسألة بطريقة، يتكلم عنها بطريقة ربما تلتبس الأمور حين تقرأها عند أكثر من أصولي، لكن سنحاول قدر الامكان أن نوضح المقال فيها فنذهب إلى السبورة أيها الأحبة. هذه المسألة ايش قال فيها عبد المؤمن البغدادي؟ قال: وقد اختلف في حكم الأعيان المنتفع بها قبل الشرع. هذه المسألة أيها الإخوة ما هي؟ مسألة حكم هكذا ترجمها عبد المؤمن البغدادي: ما حكم الأعيان المنتفع بها قبل الشرع؟
انظروا ترجمة البغدادي مهمة أنك تراجع المختلف. قال عبد المؤمن: وقد اختلف في حكم الأعيان المنتفع بها قبل الشرع. الآن أنا أفهم عبارة عبد المؤمن وأعرف ما فيها من تجوز، لكن أريدك أن تتقن قضية قلناها سابقاً وأكررها في هذا المجلس، أن الحكم -وقال اختلف في حكم الأعيان- ونحن بينا أن الحكم الشرعي لا يتعلق بالاعيان وإنما يتعلق بماذا؟ بفعل المكلف الذي يتوجه نحو الأعيان، يعني فعلي مع العين، أما الحكم الشرعي لا ينصب على العين بذاتها. لماذا أيها الأحبة؟ قابل السبورة الآن، هذه بينتها وأعيد بيانها حتى يتضح لك الأمر أن هناك نوع من الخلاف لكن الجمهور على هذا.
الحكم الشرعي ماذا عرفنا أيها الأحبة؟ الحكم الشرعي قلنا خطاب الشارع المتعلق لماذا؟ بأفعال المكلفين، على وجه القضاء أو التغيير أو الوضع، اكملوها أنتم. فلاحظوا اشتركوا في الحكم الشرعي خطاب الشارع المتعلق بماذا؟ هل قرأ المتعلق بالأعيان؟ ما قال المتعلق بالأعيان الأصوليون، قالوا خطاب الشارع المتعلق بأفعال المكلفين، هذا هو الحكم الشرعي، حاول أن تستحضر هذا. فقلت والله الحكم الشرعي ينصب على الأعيان مباشرة يعني لا لا يشترط أن يكون على الأفعال، لكان قلنا في تعريف الحكم الشرعي أنه خطاب الشارع المتعلق بالأعيان حتى نقول أن هناك حكم شرعي يتعلق بالأعين.
لذلك قلت لكم في الدرس الماضي: الميتة عندما نقول الميتة محرمة، هل معناها محرمة لذاتها لعينها؟ لا، المحرم هو فعل المكلف الذي يتوجه نحوها، ايش فعل المكلف الذي يتوجه نحوها؟ الأكل، البيع، وما شابه ذلك. كذلك الخمر، الخمر هل هي محرمة بعينها؟ هي نجسة بعينها نعم، النجاسة تسقط على الأعين، لكن النجاسة لا تعتبر من الأحكام الشرعية، ولكن هي بعينها أم المحرم هو فعل المكلف الذي يتعلق بها من تناولها وشربها وبيعها؟ المحرم هو فعل المكلف، لماذا؟ اضبط المسألة، لأن الحكم الشرعي خطاب من الشارع يتعلق بفعل المكلف، يتعلق بفعل المكلف، خطاب يسقط على فعل المكلف، ولم تقل خطاب الشارع المتعلق بالأعيان.
لذلك أيها الأحبة لا نقول الأحكام الشرعية تتعلق بالأعيان، لا نقول والله هذه العين محرمة لعينها، وهذه مباحة لعينها، لا، نقول المباح التعامل معه: الأكل، الانتفاع، الشرب. الحرام: الأكل، الشرب. المباح الذي يتوجه إلى هذه الأرض. فهذا تأصيل مهم، لذلك عندما قال عبد المؤمن البغدادي: وقد اختلف في حكم الأعيان، كأن العبارة فيها نوع من أن الحكم يسقط على الأعيان: اختلف في حكم الأعيان، والعبارة الأدق في الحقيقة هي عبارة الطوفي رحمة الله عليه وذكرها غيره لأنها عبارات دقيقة أخرى أفضل من عبارة عبد المؤمن، أنا أختار لكم عبارة الطوفي رحمة الله عليه.
ماذا يقول الطوفي؟ قال: وقد اختلف في حكم الانتفاع بالأعيان. إذا أول شيء نتكلم فيه أن هذه مسألة ترجمتها، لماذا نترجم هذه المسألة؟ بماذا نعول لها؟ لماذا نعنن لهذه المسألة؟ أقول عنوان هذه المسألة الدقيق: حكم، لا تأخذ حكم الأعيان لأنه كما قلنا الحكم لا يتعلق بالعين وإنما يتعلق بالفعل، فنقول حكم الانتفاع بالأعيان، حكم الانتفاع، الانتفاع أيوه هذا فعل المكلف، الانتفاع هو فعل المكلف ينتفع بها أكلاً، شرباً، بيعاً، وما شابه ذلك. حكم الانتفاع بالأعيان. الآن هذه المسألة أيها الأحبة أقسم الكلام عنها إلى حكم الانتفاع بالأعيان قبل ورود الشرع، هذه المسألة التي تكلم عنها، وهناك مسألة ثانية وهي حكم الانتفاع بالأعيان بعد ورود الشرع.
الآن أيها الأحبة هذه مسألة نبدأ بها: حكم الانتفاع بالأعيان قبل ورود الشرع. جيد، سنبدأ بالقسم الأول وسيأخذ مساحة، لذلك سأحدث المسألة الثانية ما بعد ورود الشرع. حكم الانتفاع بالأعيان قبل ورود الشرع، دعونا نتصور هذه المسألة: ما معنى قبل ورود الشرع؟ قبل ورود الشرع أيها الأحبة نذكر لها موضعين. الموضع الأول في أزمان الفترات، الآن بين عيسى وبين النبي صلى الله عليه وسلم كانت هناك سنوات طويلة، مئات السنين، صحيح؟ هذه الفترة من موت عيسى، فمن رفع عيسى عليه السلام إلى السماء إلى موعد محمد صلى الله عليه وسلم لم يكن هناك أنبياء، فتسمى ماذا في علم العقائد؟ تسمى زمن الفترة، هذا زمن الفترة لا توجد فيه شريعة أنزلت على العباد، لم توجد هناك شريعة، بقي بقايا من بني إسرائيل ممن عندهم علم بالكتاب، لكن ساد هذا الزمن زمن فترة، زمن انقطاع عن وجود شرائع من أنبياء ورسل تبعث إلى الخلق.
فهذه المسألة تتعلق في زمن الفترات. أقول الآن مثلاً محل المسألة، الموضع الأول زمن الفترات، وهذه لا تشترط فقط أن تكون بين عيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم، بل أي فترة بين نبيين، أي فترة فترة انقطاع بين نبيين، وجدت أمة لم يصلها شرع، ما حكم انتفاع هذه الأمة بالأعيان التي خلقها الله سبحانه وتعالى؟ مثلاً هناك نباتات وأشجار، هناك حيوانات وبهائم، هناك معادن في الأرض، هناك مياه جارية. هذه الأمة هي في زمن فترة لا يوجد عندها شرع، فهي لا تعرف حكم الانتفاع بهذه الأعيان التي تراها أمامها. هي في زمن فترة منقطعة، لا يوجد شرائع، لا يوجد نبي يخبرها عن الله سبحانه وتعالى.
فنبحث الآن، نحن نريد أن نبحث معهم ما حكم الانتفاع بالأعيان التي تراها أمامها من دواب، من شجر، من مياه، وما شابه ذلك؟ هل يباح لها أن تنتفع بهذا فنحكم بحكم الإباحة؟ أم نقول حكم انتفاع هذه الأمة بالأعيان بالتحريم؟ أم نقول قول ثالث آخر؟ هذه مسألة مهمة. إذاً المحل الأول زمن الفترات، كذلك أيها الأحبة كما يقول أبو الخطاب الكلوذاني من صور تصوير هذه المسألة حتى بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: في الغابات البعيدة والادغال التي لم يصلها شيء من شعاع النبوة. يعني هذه هل يمكن أن تتصور هذه المسألة في زمننا هذا؟ نقول نعم. أي نقول في الغابات البعيدة، ربما نقول غابات إفريقيا العميقة التي لم يصلها أبداً أي شيء عن العالم الخارجي، ما زالت تحيا الحياة القديمة، بعض ربما الجزر التي تقع في القطب الشمالي والقطب الجنوبي.
فإذاً نستطيع أن نقول ما هذه المسألة إلا زمن الفترات بين انقطاع النبيين. والمحل الثاني في الغابات والمواطن البعيدة عن الشرائع، يعني قد يكون هناك نبي موجود معه شريعته، النبي صلى الله عليه وسلم كان موجود معه شريعته، لكن قطعا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم كان هناك أناس ربما في غابات أدغال إفريقيا، ربما غابات قبل أن تكتشف أمريكا الجنود الحمر، ربما في القطب الشمالي والجنوبي. هؤلاء الناس يعيشون ولم يصلهم أي شيء عن وجود شرائع، عن وجود إنسان يبلغ عن الرب سبحانه وتعالى، وهم في النهاية يرون أعيان أمامهم، يرون كما قلنا الدواب هل يجوز لهم أن يأكلوها أو لا؟ يرون نباتات، يرون بحاراً وانهاراً وأسماكاً وأصدافاً ومعادن.
فلو أننا داخل الفقهاء بدأوا يبحثون هذه المسألة: ما حكم انتفاع الناس في زمن الفترات؟ وما حكم انتفاع الناس الذين يحيون في هذه المواطن، ما حكم انتفاعهم بالأعيان قبل أن يصلهم شرع؟ ما حكم انتفاعهم بالأعيان؟ الآن أيها الأحبة إذا عرفنا موطن المسألة وتصورها نريدك أولاً أن تتصور المسألة، تفهم ايش معنى الكلام كله ابتداءً: أن هناك أعيان من دواب، نباتات، معادن، وما شابه ذلك بين يدي أناس لم يصلهم شرع، فالآن الفقهاء يبحثون: ما حكم انتفاع هؤلاء الأناس لما بين أيديهم من الأعيان؟ فبماذا قال الفقهاء؟ الآن نرى عبد المؤمن البغدادي ايش قال؟
عبد المؤمن البغدادي رحمة الله عليه -يعني سأرجع- قال: واختلف في حكم الأعيان المنتفع بها قبل الشرع. فهمنا ترجمة المسألة. قال: فعند أبي الخطاب والتميمي الإباحة كأبي حنيفة، وعند القاضي وابن حامد وبعض المعتزلة الحظر، وتوقف الجبائي وأكثره. ذكر ثلاثة أقوال، ذكر قول بالإباحة، ذكر قول بالحظر، وذكر قول بالتوقف.
لكن في الحقيقة هناك مشكلة أيها الأحبة، أنت تصور كثير من الأصوليين لهذه المسألة، ما هي المشكلة؟ فالمشكلة أيها الأحبة أننا نقول: ما حكم -صحيح؟- أننا نقول ما حكم الانتفاع بالأعيان قبل ورود الشرع؟ جميل، كلمة حكم، ايش تعريف الحكم؟ الحكم ما تعنيه أيها الأحبة؟ أليس الحكم هو خطاب الشارع المتعلق بأفعال المكلفين؟ أليس هذا هو الحكم؟ حققناه كثيراً في الحكم، تقول: الحكم هو خطاب الشارع المتعلق بأفعال المكلفين. إذاً الحكم هو خطاب من الشارع.
وصورة المسألة: حكم الانتفاع بالأعيان قبل ورود الشرع، يعني قبل ورود خطاب من الشارع، صحيح؟ فإذاً أنت الآن وحدك أريدك أن تتصور المسألة وتفهمها قبل أن آتي إلى ذكر الأقوال، نحن نقول الحكم هو ماذا؟ خطاب من الشارع متعلق بأفعال المكلفين. طيب، قبل ورود الشرع، وهذا تصور المسألة حكم الانتفاع قبل ورود الشرع، قبل ورود الشرع هل يوجد عندي خطاب من الشارع؟ يعني هؤلاء الأناس الذين يحيون في غابات إفريقيا، والأناس الذين يحيون في زمان الفترات هل عندهم خطابات من الشارع؟ لا يوجد عندهم خطابات من الشارع.
إذن المنطق والعقل يقول ايش؟ لا يوجد لهم حكم شرعي، لا يوجد في حقهم حكم شرعي. أنت كيف تقول لهم هؤلاء الذين يحيون في إفريقيا وخلونا نبحث ايش حكم انتفاعكم بهذه الأعيان؟ فتأتي والله هناك من يقول: إن حكم انتفاعكم بهذه الأعيان حظر، وهناك من يقول: لا، حكم انتفاعكم بهذه الأعيان الإباحة. أقول لك: انتظر، انتظر.
قليلاً، أنت عندما تقول كلمة حكم، ماذا تقصد بالحكم؟ تقول: بالحظر أو بالاباحة. حكم الله وحكم الشريعة هو عبارة عن خطاب من الشارع، وهؤلاء الأناسي لا يوجد بين أيديهم خطابات من الشارع أصلاً. مو هذا تصور المسألة. تصور المسألة: أن هذه الأعيان وجدت بين يدي أناس في زمن فترات لا يوجد عندهم خطابات من الشارع، ما عندهم شريعة، أو أناس يحيون في الغابات البعيدة لا يوجد عندهم شيء، ما وصلهم أصلاً شعاع من الشرع.
فكيف أوجه إليهم الأحكام؟ آه، كيف توجه إليهم الأحكام وهم ليس بين أيديهم أحكام؟ صحيح؟ هنا الإشكال الذي.. طيب، طيب، ما حل هذا الإشكال؟ إذاً كيف ينقل عبد المؤمن البغدادي؟ لأن عبد المؤمن البغدادي يقول: حكم الانتفاع بالأعيان قبل ورود الشرع.. ذكر ثلاثة أقوال، امسح محل المسألة. ما هي الأقوال التي ذكرها؟ نعود لتحديد عبارة عبد المؤمن ثم نبين وجه الخوض في هذه المسألة.
عبد المؤمن يقول لك: حكم الانتفاع بالأعيان قبل ورود الشرع؛ عندنا ثلاثة أقوال للعلماء: هناك من يقول أن الأصل الاباحة، هناك من يقول أنها على الحظر أنه يحظر الانتفاع بها، وهناك من يتوقف. إذاً يقول لك عبد المؤمن: هناك ثلاثة أقوال في حكم الانتفاع بالأعيان قبل ورود الشرع، منهم من العلماء من قال: يباح الانتفاع بالأعيان قبل ورود الشرع. طب مو ايش؟ يباح؛ أيش الاباحة؟ اليست الاباحة هي خطاب من الشارع يتعلق بأفعال المكلفين على وجه التخيير، صحيح؟ طب أنت كيف تقول للناس الذين لم يصلهم شرع؟ يعني أنت معهم يعني هكذا تتصور، أنت تحيا مع أناس، أنت معهم، أناس اليوم في منطقة لا يوجد عندهم شرع، كيف نقول؟ أو كيف كيف يفكرون؟ يعني كيف يصلون إلى هذه النتيجة؟ أما انتفاعهم بهذه الأعيان مباح، ولا يوجد عندهم خطاب شرعي، وأنت تقود خطاب شرعي، وهؤلاء لا يوجد عندهم أي خطاب شرعي، فكيف يتصورون أن الأمر على الاباحة؟
المهم، القول الأول: أن الأمر على الاباحة، وبماذا علموا الاباحة؟ يعني ماذا ما دليلهم على أنها للاباحة؟ قالوا: بأنه يستحيل على الله أن يخلق هذه الأشياء عبثاً. دليل القول الأول الذي يرى الاباحة: يقول الله عز وجل خلق الماء والحيوانات والاشجار وغير ذلك، لا يمكن أن يكون خلقها عبثاً، بل إنما خلقها لينتفع بها من لينتفع بها؛ الإنسان. لذلك نقول: إذاً الأصل في التعامل معها أنه يباح للإنسان أن ينتفع بها. فهمتم دليل الاباحة؟ أن الله خلق هذه الأمور والله عز وجل منزه عن العبث، فلماذا خلق الله الحيوانات والاشجار والمياه والمعادن؟ حتى ينتفع الإنسان، إذاً فنقول: الأشياء أو حكم الانتفاع بالأعيان قبل ورود الشرع الاباحة. جميل.
لاحظوا هنا أن الاباحة هنا؛ هل اخذوها من خطاب شرعي؟ ولا من تحليل وإدراك وتصور عقلي؟ يعني هذا الدليل، هذا تصور عقلي عندهم هو الذي أقادهم إلى القول بالاباحة. طيب.
القول الثاني: الحظر. من قال: حكم الانتفاع بالأعيان قبل ورود الشرع الحاضر؟ يعني لا يجوز لك أن تنتفع بالأعيان قبل ورود الشرع. لا تأكل حيوان، لا تقرب إلى نبات، لا تستخدم معدناً؛ لأنه حكم انتفاعك بالأعيان قبل ورود الشرع الحظر. قلنا له: لماذا الحظر؟ ما دليله؟ قال: لأنه يقبح بالانسان أن يتصرف في ملك الغير من دون اذنه. يقبح بالانسان أن يتصرف في ملك الغير بدون اذنه، والكون هذا بنباتاته ودوابه وحيواناته وما شابه ذلك من كل ملك لله سبحانه وتعالى، فيقبح بك أيها الإنسان أن تتصرف في ملك الله عز وجل من دون أن تأخذ الأذن منه، وأنت في فترة لا يوجد عندك أذن من الشارع، ما عندك خطاب شرعي، أو أنت في غابات ما عندك إذن، فيجب أن نقول: يحرم عليك أن تنتفع بهذه الأعيان.
القول الثالث: قال بالتوقف. طب لماذا نتوقف؟ هناك الآن التوقف على نوعين. هناك توقف يقول: الله أعلم لا نعرف حكم هذه المسألة. إذاً التوقف على نوعين: طائفة من العلماء توقفت، قالت: الأدلة محتملة، فلا يوجد عندنا شيء نجزم به، تحتمل الاباحة وتحتمل الحظر فنتوقف. الطائفة الثانية قالت: لا نتوقف لأنه.. أو ما المقصود بالتوقف عنده؟ المراد بالتوقف عدم وجود حكم شرعي، بعبارة أخرى: لا حكم لها قبل الشرع، ومن لا حكم لها ندركه نحن، لكن لها حكم عند الله، كما سأوضحه في النهاية.
إذاً الذين قالوا بالتوقف طائفة قالت بالتوقف لماذا؟ نظرت في أدلة القول الأول وأدلة القول الثاني، وجدت الأدلة فيها نوع تكافؤ، فقالت: الله أعلم، لا يوجد، نحن متحيرون تحيراً. وطائفة أخرى توقفت، قالت ماذا؟ انظروا إلى هذه الطائفة التي توقفت، قالت: نتوقف؛ لأنه لا حكم قبل مجيء الشرع، وهذه الطائفة هي صاحبة القول الصحيح، وهي صاحبة القول الذي يططرب مع القواعد التي نؤصلها. الطائفة الثانية اللي توقفت، ايش قالت؟ لا حكم قبل ورود الشرع، فلا يصح لنا أن نقول والله: حكم الانتفاع بالأعيان قبل ورود الشرع، ونبدأ نعطي أحكام وضع حظر أو اباحة، قالت: لا حكم قبل الشرع، وهذا الذي يتناسق مع التقعيد؛ أن التقعيد ايش هو التقعيد؟ الحكم الشرعي: ما خطاب من الشارع يتعلق بأفعال المكلفين، وقبل ورود الشرع لا يوجد خطاب من الشارع.
صحيح؟ فكيف والله أصف، أقول: الله حكماً انتفاع بالأعيان الاباحة، والاباحة هي خطاب من الشارع؟ أو كيف أقول: حكم الانتفاع بالأعيان هو الحظر، والحظر اللي هو التحريم هو خطاب من الشارع، ألم نعرفه كذلك في الدرس الماضي؟ إذاً كيف نثبت أحكاماً شرعية قبل ورود الشرع؟ هذا نوع تناقض، اليس كذلك؟ هذا الذي يريدون قوله هذه الطائفة، وهذه الطائفة هي المصيبة. لكن اريد أن أعطي القضية من أين أتت هذه الاقوال؟ يعني هل هم كثير من الأصوليين لا يعرفون هذا الأمر؟ لا، اريدك أن تعرف أيها الحبيب الآن شيئاً: أن القول بالاباحة أو بالحظر؛ هذان القولان إنما أتيا من المعتزلة، يعني هذان القولان يتفقان مع أصول المعتزلة.
لماذا المعتزلة أيها الأحبة الآن أعطيك قاعدة: أن المعتزلة يراهم أن العقل يستطيع أن يثبت حكماً شرعياً قبل مجيء خطاب من الشارع عند المعتزلة. المعتزلة يعظمون العقل جداً ويعطونه أكثر من حده. المعتزلة ايش يقولون؟ يقولون: العقل.. يريدك أن تفهم المعتزلة أيضاً حتى لا نخطئ عليهم؛ لأن هناك من أخطأ عليهم وقال: المعتزلة يقولون العقل يشرع. لا، المعتزلة لا تقول العقل يشرع. وجه لها، ايوا، المعتزلة لا يقولون العقل مشرع، انتبهوا فبعضهم حملهم ما لا يحتمل كلامه. المعتزلة لا يقولون العقل مشرع، ماذا يقولون؟
المعتزلة يقولون: الأحكام الشرعية أيها الأحبة، يقولون: أي شيء من الأحكام الشرعية له مصالح، صحيح؟ مصلحة من أجلها شرع هذا الحكم. الأحكام التي شرعها الله؛ هل الله سبحانه وتعالى جل في علاه يشرع الأحكام من دون هدف أو مقصد أو غاية أو مصلحة مرجوة منها؟ تعالى الله عن ذلك. الأحكام التي يشرعها الله عز وجل في العبادات المعاملات لها مصالح وحكم من أجلها شرعت. جميل، المعتزلة يقولون: العقل البشري يستطيع أن يدرك هذه الحكم وهذه المصالح بنفسه من دون حاجة إلى نبي مبلغ.
ماذا تقول المعتزلة؟ العقل يستطيع الوصول وأن يدرك المصالح والمفاسد بنفسه، جميل؟ إذا كان العقل يستطيع أن يدرك المصلحة بنفسه ويستطيع أن يدرك المفسدة بنفسه، ونحن نقول: رب أكيد يريد منا أن نجلب المصالح وأن ندرأ المفاسد، فانظر ماذا قالت المعتزلة: إذا أدرك العقل المصلحة في شيء، فهذا يفرض على هذا الإنسان الذي أدرك المصلحة أن يكون هذا الشيء الذي فيه المصلحة إما مباحاً، وإما أن يكون.. وإما أن يكون واجباً بحسب حجم المصلحة. وإذا أدرك العقل البشري المفسدة في شيء، إذا أدرك العقل البشري المفسدة في شيء؛ فإنه أيها الأحبة هذا الشيء الذي أدرك مفسدته إما أن يكون حراماً، إما أن يكون مكروهاً طبعاً على قواعد عندهم، يعني ايش الفرق بين الحرام والمكروه؟ أنه ما تكون مفسدته راجحة، وهناك ما تكون مفسدته ليست راجحة، مفسدته متحتمة. إذا كانت المفسدة متحتمة هذا حرام، إذا كانت المفسدة راجحة هذا مكروه.
نأتي للمصالح، يقول: إذا أدرك العقل البشري مصلحة كاملة فهذا واجب، إذا أدرك له مصلحة راجحة ولكنها ليست كاملة فهذا يكون مندوباً، إذا تساوت المصلحة والمفسدة فهذا عندهم المباح. فباختصار أيها الأحبة المعتزلة يرون أن العقل البشري وحده استقلالاً لا يحتاج إلى نبوة، النبوة هي زائد هي مؤكد، العقل البشري وحده يستطيع أن يدرك المصالح في هذه الحياة الدنيا ويستطيع أن يدرك المفاسد. فما أدركه العقل على أنه مصلحة فإما أن يكون واجباً إذا كان مصلحة خالصة، وإما أن يكون مندوباً إذا كان مصلحة راجحة ليست خالصة، وإما أن يكون مباحاً إذا المصلحة مع المفسدة. وإذا أدرك العقل البشري المفسدة في شيء، فهذا يجعل هذا الشيء ماذا؟ إذا كانت المفسدة خالصة يجعل هذا الشيء حراماً، وإوة كانت المفسدة آه راجحة ليست خالصة فهذا يجعل هذا الشيء مكروهاً.
آه، إذاً المعتزلة يقولون: إدراك العقل البشري للمصالح يجعل هذه الأشياء التي أدرك مصالحها لها حكم من حيث الإيجاب أو بالندب أو بالاباحة. وإدراك العقل البشري للمفاسد يجعل هذه المفاسد لها حكم من حيث التحريم والكراهة حتى ولو لم يأتي خطاب شرعي. لذلك الحكم عند المعتزلة ليس مثل تعريف نادي الحكم الشرعي؛ نحن عرضنا الحكم الشرعي بأنه خطاب الشارع المتعلق بأفعال المكلفين، لكن المعتزلة لا، المعتزلة عندهم الحكم الشرعي لا يحتاج إلى خطاب شارع، العاقل وحده يستطيع الوصول إلى الحكم الشرعي. طبعاً اريدكم أن تفهموا؛ المعتزلة لا يقولون العقل هو الذي يشرع، لا، أنتم ماذا يقولون؟ يقولون: العقل يستطيع أن يدرك المصالح التي يريدها الله، ويستطيع أن يدرك المفاسد التي يريد الله عز وجل أن نجتنبها.
فإذا توصل العقل البشري إلى.. أصبح في فعل هذا الفعل يصبح واجباً، ويصبح هذا حكم الله سبحانه وتعالى وإن لم يأتي خطاب من الله. طب كيف عرفتم أن هذا حكم الله؟ يقول: العاقل وصل إلى إدراك المصلحة، والله عز وجل يريد منا المصلحة، إذاً هذا واجب، هذا حكم الله فيه. وإذا أدرك العقل المفسدة في شيء يقولون: الله لا يريد الفساد، وهذا الشيء فيه مفسدة، إذاً هذا الشيء حرام. فعندهم هذه الفلسفة العقلية في طبيعة الحكم الشرعي أن العقل يستطيع أن بنفسه أن يدرك المصالح والمفاسد، وإذا أدرك العقل مصلحة في شيء فإن هذا يوجب عليه حكماً شرعياً، وإذا أدرك المفسدة فهذا يوجب عليه حكماً شرعياً.
بالتالي جاؤوا إلى هذه المسألة، هذا من فروع معتقدهم، من معتقدهم العقدي أن العقل.. بيسمها مسألة، طبعاً التحسين والتقبيح العقلي، وقاعدة بتدرس في المطولات؛ مسألة التحسين والتقبيح العقلي التي يقوم بها المعتزلة. فجاؤوا إلى هذه طبقوا عليه قاعدتهم، قالوا: حكم الانتفاع بالأعيان قبل ورود الشرع. ايش حكم الانتفاع بالأعيان؟ قالوا: إنسان يعيش في الغابة، ينظر في أعيان أمامه، يمكن أن يستفيد منها. يعني هم أنفسهم الآن المعتزلة اختلفت وجهة نظرهم، والذين يقولون أن العقل وفي أن يدرك الحكم قبل مجيء الشرع هو نفسه اختلاف.
طائفة من المعتزلة تقول: هذا الإنسان الذي يعيش في الغابات والادغال بين يديه ايش؟ بين يديه نبات وحيوانات، فالعقل البشري يبدأ الآن، العقل البشري عنده بماذا سيفكر؟ ماذا سيكون؟ العقل البشري بطبعه سيكون: هذه أشياء وجدت لمصلحة ولم تخلق عبثاً، إذاً إذا وجدت لمصلحة ولم تخلق عبثاً، ما هي المصلحة؟ أن أنتفع بها. إذاً، هاه، العقل البشري أدرك المصلحة في هذه الأعيان، أدرك المصلحة في هذه الأعيان، فحكم العقل.. آه، هو ليس حكماً منه، والعقل يقول: هذه الأشياء لم تخلق عبثاً، خلقت لمصلحة وما هي المصلحة؟ أن أنتفع بها.
إذاً ما حكم الانتفاع بهذه الأشياء؟ حكم الله بالانتفاع بهذه الأشياء الاباحة. هل آتاك خطاب من الشرع قال لك: أن حكمي بالانتفاع الاباحة؟ يقول لك المعتزلة: لا، لم يردني خطاب من الشرع، لكن عقلي أن يدرك المصلحة التي يريدها الله، وإذا أدرك العقل المصلحة التي يريدها الله فهذا إدراك بحد ذاته يجعل هذا الفعل مباحاً. الطائفة الأخرى من المعتزلة نظرت، قالت: الإنسان الذي يعيش هذا وحده في الغابة، بماذا سيفكر باتجاه هذه الأمور؟ الأعيان التي بين يديك، سيكون العقل البشري: هذه الأعيان التي بين يدي ليست ملكاً لي، وبما أنها ليست ملكاً له بل هي ملك للرب سبحانه وتعالى، إذاً التصرف في ملك الغير من دون أذنه هذا مفسدة. آه، إذاً حكم الانتفاع بهذه الأعيان ايش؟ الحرمة التحريم الحظر.
لاحظوا من أين حكموا بالتحريم؟ بأن العقل أدرك المفسدة في التعامل مع هذه الأشياء، والقاعدة عندهم: إذا أدرك العقل مفسدة شيء فإن هذا الشيء يكون محرماً عند الله. فإنهم يعتبروا هذا الحكم في النهاية حكم شرعي، لكن من أين وصلوا إلى هذا الحكم الشرعي؟ ليس من الشارع، بل من إدراك عقولهم للمفسدة، كما أنهم في الاباحة اخذوها ليس من خطاب الشارع، بل من إدراك عقولهم للمصلحة.
فإذاً القول بحكم الانتفاع بالأعيان قبل ورود.. أنه على الاباحة أو على الحظر، هذا الخلاف في الحقيقة لا يجري إلا على طريقة المعتزلة الذين يسمحون للعقل أن يشرع قبل ورود الشرع، يعني قبل ورود خطابات الشرع. كيف يشرع العقل؟ هل بنفسه بأن يحكم كما يشاء؟ لا، هم لا يقولون هذا نسب إليهم أنهم يقولون: العاقل يحكم بما يشاء، لا، هم يقولون العقل.. معنى تشريعي للعقل أن العقل يدرك المصلحة التي يريدها الله.
يكون هذا الفعل الذي فيه المصلحة واجباً أو مندوباً على ما قدمنا تفصيلاً، أو يدرك المفسدة التي يريد الله اجتنابها فيحكم بأنها إذا الله عز وجل أراد أن هذا الشيء حرام أو الله يريد أن هذا الشيء مكروه، لا أتاح إلى خطاب، أنا بعقلي أستطيع أن أدرك أحكامك يا الله.
باختصار هكذا يقولون: أنا بعقلي أستطيع أن أدرك أحكامك يا الله من خلال إدراكي للمصالح والمفاسد، فجعلوا إدراكهم للمصالح والمفاسد وسيلة لإثبات الحكم الشرعي قبل ورود الشرع.
لكن هذا قول من؟ المعتزلة.
هذا قول المعتزلة.
الطائفة الثانية أيها الأحبة: الأشاعرة.
الأشاعرة أيها الأحبة تجد عندهم نوع من الاضطراب بين أصول الدين وأصول الفقه في تأصيل هذه المسألة، الأشاعرة يقولون: الأحكام الشرعية التي من الواجبات أو المحرمات ليست لها مصالح، ليست لها مصالح، وهذا قول كما شنعه عليه كثير من المتأخرين أن هذا غير مقبول بالسبل والعبد، لكن هذا كلام في أصول الدين، يقولون: الأشياء التي أوجبها الله عز وجل علينا لم يوجبها لمصالح، هم يقولون: نريد أن ننزه الله عز وجل عن أنه إن هناك شيئاً بعثه لأن يشرع، نريد أن ننزه الله، فنقول: الشيء الذي أوجبه الله أوجبه لأنه أمر به فقط ليس فيه، والشيء الذي حرمه حرمه لأنه طلب منا أن نكف عنه فقط وليس لأن هناك فيه مفسدة تقتضي أن يحرمه.
فالأشاعرة أيها الأحبة يرون أن الأشياء التي أوجبها الله وحثنا عليها إنما حثنا عليها فقط من خلال الأوامر، الشيء الذي أوجبه أوجبه من خلال الأمر، قال: افعل، والشيء الذي حرمه حرمه فقال لنا: لا تفعلوا.
لكن هل هناك مصلحة في هذا الشيء الذي قال لنا افعلوه؟ وهل هناك أن الله عز وجل قال افعلوه حتى نحقق هذه المصلحة؟ وهل هناك مفسدة في هذا الشيء الذي حرمه الله، فهذه المفسدة هي التي جعلت الله عز وجل يقول لنا لا تفعلوا هذا الفعل لأن فيه مفسدة؟ قالوا: لا، نحن ننزه الله عز وجل عن أن شرع لأغراض ولمصالح، وهذا في الحقيقة كلام فاسد أيها الأحبة يعني من نظر فيه وتأمله يجد بطلانه وفساده.
الله عز وجل سبحانه وتعالى إنما أوجب أموراً لمصالح وإنما حرم الأشياء لما فيها من مفاسد، نعم، الله عز وجل له الحكم المطلق، نحن لا نقول إن هناك شيئاً أوجب على الله عز وجل أن يجعل هذا واجب أو أن هذا حرام، لا يوجد شيء يوجب على الله، الله عز وجل هو المتصرف الحاكم كما يشاء لا حاكم إلا هو، لكننا ننزه الله عز وجل في نفس الوقت يعني كما أنه المشرع المطلق في نفس الوقت ننزهه سبحانه أن يوجب أشياء هكذا من دون أي مصالح، له الحكم في ذلك.
فمن نظر في الآيات القرآنية والأحاديث النبوية وما فيها من التعاليم تؤكد أن الله عز وجل حكيم لا يفعل أي فعل عبثاً، فما أوجه علينا إنما أوجه لمصالح تضمنته، وما نهانا عنه وحرمه فإنما فيه مفاسد تضمنته، فالقول بإلغاء المصالح والمفاسد في ضمن الأحكام الشرعية هذا قول لا يصح بحال.
لكن كما قلت هذا يؤصلونه في أصول الدين، لكن عندما يأتون إلى أصول الفقه يأتون إلى باب الأقيسة، طيب الآن القياس ما مبناها أيها الأحبة؟ القياس مبناها على إدراكنا لعلة في الأصل نعدي هذه العلة إلى الفرع، عندما نقول لماذا الخمر حرام؟ ايش تقول العلة؟ الإسكار، إذاً هذه بحد ذاتها هي التي من أجلها حرم الله الخمر، ثم يقال: النبيذ محرم قياساً على الخمر بجامع وجود الإسكار.
قد تقول: أليس هذا تناقض يعني أنتم في باب القياس تثبتون عللاً لأحكام الشريعة ثم تقيسون على هذه الأحكام من خلال العلل، وهذه العلل هي المصالح والمفاسد، فكيف بأصول الدين تقولون: والله الله عز وجل إذا أوجب أو إذا حرم ليس لمصلحة ولا لعلة ولا لشيء أوجب ذلك؟ إذا أوجب شيئاً فلأنه أمر، وإذا نهى عن شيء فلأنه نهى، من دون وجود أي مصلحة تبعثه على الأمر أو أي مفسدة تبعثه على النهي، هذا كلام من انتبه إليه؟ الشاطبي رحمة الله عليه في الموافقات، ففي مقدمة الموافقات بين أن هناك نوعاً من التعارض بين التأصيل العقدي وبين التطبيق الأصولي، أنكم في التأصيل العقدي تقررون لا مصالح ولا مفاسد، وإنما الشيء أمر به من أجل الأمر، ونهي من أجل النهي، ثم في باب الأقيسة تأتون وتذكرون أننا نعدي أحكام الله، فأنتم هكذا تثبتون المصالح، فما هذا التعارض؟
المهم فقط هذه جولة سريعة في فكرة الأشاعرة.
بناءً على قول الأشاعرة أيها الأحبة أن الشيء إنما يكون واجباً أو مندوباً لأن الله أمر به فقط وليس لشيء آخر، ليس لمصلحة هي التي تجعله واجباً أو مندوباً، والشيء إنما يكون حراماً لأن الله نهى عنه فقط لأن الله نهى عنه فقط، ليس لمفسدة فيه جعلته حراماً.
هل يمكن على أصول الأشاعرة أن يكون هناك حكم للانتفاع بالأعيان قبل ورود الشرع بالاباحة أو بالحظر؟
مستحيل، لأن الحظر عندهم في التحريم هو مجرد نهي الله من دون وجود أي شيء يبعث على الحظر، وهل هناك قبل الشرع نهي من الله؟ لا يوجد نهي من الله، لأن نهي الله هو خطاب من الله، ولا يوجد هذا قبل الشرع، طيب هل يمكن أن يقولوا بالإباحة؟ لا يمكن على أصولهم، لأن الإباحة هي خطاب من الله، فقط يقول لي: افعلوا أنتم مخيرون بين الفعل والترك من دون أي مصلحة، هو فقط الأمر له سبحانه وتعالى من دون أي مصلحة أو مفسدة مراعاة.
فبالتالي أيها الأحبة على أصول الأشاعرة، على أصول الأشاعرة ايش يقولون؟ لا حكم للأعيان قبل ورود الشرع أبداً، لا حكم للأعيان قبل ورود الشرع أبداً، فإذاً الأصل أن يكونوا مع مين؟ مع المتوقفة الذين يقولون لا حكم للأعيان قبل ورود الشرع، وهنا سانقل لكم نقلاً للباقلاني رحمة الله عليه يؤكد لكم هذا التأصيل الذي أصلته على الأشاعرة، نذهب إلى الكتاب هناك مكوته نقلاً.
ينقل السيوطي عن الباقلاني رحمة الله عليه، أبو بكر الباقلاني رحمة الله عليه من كبار أئمة الأشاعرة رحمة الله عليهم، يقول الباقلاني -انظروا إلى هذا النقل- يبين خطأ والزلل الذي وقع فيه بعض الأشاعرة حينما وافقوا المعتزلة في هذه المسألة وأصبحوا يبحثون حكم الانتفاع بالأعيان قبل ورود الشرع (يعني بعض الأشاعرة قال: حكم الانتفاع بالأعيان قبل ورود الشرع إباحة، وبعضهم قال: الحظر)، لكن الباقلاني يقول لهذه الطائفة من الأشاعرة: أنتم أخطأتم، وافقتم المعتزلة من حيث لا تشعرون.
فماذا يقول؟ يقول السيوطي: نقل عن الباقلاني: قول بعض فقهائنا كابن أبي هريرة بالحظر يعني للأعيان قبل ورود الشرع، وبعضهم بالإباحة في الأفعال قبل الشرع، إنما هو ولغفلتهم (نقول العبارة): إنما هو لغفلتهم عن تشعب ذلك عن أصول المعتزلة.
لاحظتم كيف الإنسان يمكن أن يخطئ ودخل عليه الخطأ من حيث لا يشعر؟ الباقلاني يبين أن كل من قال إن حكم الأعيان قبل ورود الشرع هو الحظر أو الإباحة، فإما هو معتزلي أو وافق أصول المعتزلة خطأ من حيث لا يشعر، فأخطأ كل أشعري وافق المعتزلة في هذا المبحث، وبدأ يقول الله (ومنهم من يقول بالحظر، ومنهم من يقول بايش؟ بالإباحة)، لاحظوا كيف الإنسان يمكن أن يخطئ من حيث لا يدري.
طيب أيها الأحبة ذكرنا مذهب المعتزلة، ذكرنا مذهب الأشاعرة، إذاً مذهب المعتزلة أن أحكام الله عز وجل لها... (أريدك أن تختصر هذا في كتاب تختصره، تقول: مذهب المعتزلة أن أحكام الله عز وجل إنما أتت لتحقيق مصالح ودرء مفاسد، والعقل يستطيع أن يدرك المصالح التي يريدها الله من دون نبوة، ويستطيع أن يدرك المفاسد التي يريد الله اجتنابها من دون الحاجة إلى نبوة وإلى خطاب، فإذا أدرك العقل المصالح فهذا يجعل الفعل الذي فيه المصلحة واجباً أو مندوباً، هذا التفصيل الذي ذكرناه، وإذا أدرك العقل المفسدة فهذا يجعل هذا الفعل الذي فيه مفسدة محرماً أو مكروهاً من دون حاجة إلى خطاب الشارع، نقول: خالص الأحكام هكذا تفرض ولو لم يأت خطاب من الشارع، هكذا يفهمون الأحكام الشرعية، فباختصار الحكم الشرعي عندهم لا يشترط أن يكون خطاب من الشارع).
نأتي إلى الأشاعرة، الأشاعرة على النقيض تماماً، طبعا هذا أمر مضطرب أيها الأحبة لأن أبو الحسن الأشعري رحمة الله عليه كان معتزلياً في بداية أمره ثم ترك مذهب المعتزلة وبدأ يرد عليهم على معتقداتهم، لذلك عادةً ما ترى أن كثيراً من آراء الأشاعرة إنما هي ردة فعل حادة باتجاه المعتزلة، تذهب المعتزلة أقصى اليمين، يذهب الأشاعرة أقصى الشمال، لأنها كما قلنا إنما هي بالعبارة يعني في بداية أمرها هي كانت ردود من أبي الحسن الأشعري على المعتزلة عندما تركهم وبين فساد عقيدتهم، فكانت في أغلبها ردود فعل، ورد الفعل إن لم ينضبط ويضبط بفهم صحيح من أصول الشريعة كتاباً وسنة يذهب بصاحبه إلى ماذا؟ إلى النقيض.
فلاحظ دائماً الفِرق الإسلامية: خوارج وقبلهم مرجئة، قدرية وقبلهم جبرية، شيعة يقابلهم النواصب، دائماً النقيض إلى أقصى الأطراف، والاعتدال والتوسط طريقة أهل السنة والجماعة.
فماذا نقول؟ إذا عرفنا طريقة المعتزلة، الأشاعرة ماذا يقولون؟
الأشاعرة يقولون: لا، أحكام الشريعة هذا طبعا تقعيدهم في أصول الدين، أحكام الشريعة التي شرعها الله لا نقول إن لها مصالح أو مفاسد (يعني لا نقول إن الله عز وجل أوجب شيئاً أو ندب لمصلحة في الفعل، ولا نقول إنه حرم شيئاً أو كرهه لمفسدة في الفعل أبدا)، وإنما نقول: أوجب لأنه أمر، وندب لأنه أمر، بمجرد الأمر فقط أراد هكذا فكان هكذا، وحرم لأنه يريد أن يحرم فنهانا فانتهينا، وكره شيء جعله مكروهاً لأنه يريد أن يجعله مكروهاً، ولا نقول إن هناك مصالح ومفاسد.
الآن نأتي إلى المذهب الذي ندين الله عز وجل به، المذهب الذي ندين الله عز وجل به هو مذهب وسط بين الطائفتين، وهو أن نقول: نعم الشارع الحكيم إذا أوجب شيئاً أو ندب شيئاً فإنما لمصلحة فيه، فنثبت المصلحة، وإذا حرم شيئاً أو كره شيئاً فلمفسدة فيه، فالله سبحانه وتعالى حكيم لا يوجب أشياء ولا يندب إليها إلا بمصلحة فيها، ولا يحرم أشياء ولا يكرهها إلا لمفسدة فيها.
سواء -انتبهوا لهذا- سواء أدركنا وجه المصلحة أو لم ندركه، أو أدركنا وجه المفسدة في الفعل أو لم ندرك، أدركنا أو لم ندرك هذا شيء يعود إلى ضعفنا وعجزنا، ولكن نوقن ونجزم بأن الله إنما يوجب أو يندب أو يحرم ويكره لمصلحة أو لمفسدة.
جميل، هذا إذا وافقنا فيه المعتزلة في هذه القضية، لكن بماذا نخالف المعتزلة؟
نقول: لكن عقلنا إذا أدرك وحدها المصلحة في شيء فإن هذا لا يعني ولا يفرض أن يصبح هذا الشيء واجباً أو مندوباً فنثبت حكماً شرعياً، وعقلنا إذا أدرك المفسدة في شيء فانه لا يفرض أن يصبح هذا الشيء حراماً أو مكروهاً، بل لابد من مجيء شرع يؤكد حكم العقل وما وصل إليه العقل من إدراك المصالح والمفاسد، فالمراد في إثبات الأحكام الشرعية في النهاية إلى ماذا؟ إلى خطاب الشرع، إلى ورود الشرع، وما يقاس على خطاب الشرع.
أليست هي في الحقيقة أنك تدرك وجه المصلحة في شيء؟
أقول: نعم لكني عرفت أن الشارع جعل هذا الشيء مصلحة وأنه يريد مني أن أقول بإيجابه قياساً على مصلحة أثبتها في خطاب سابق، فأنا أقيس على خطابات الشرع التي وردت علي، وليس فقط عقلي المستقل من دون خطابات وأصول أرد إليها يحكم بأن هذا الشيء واجب، وليس بعقلي المستقل من دون خطابات شرعية أقيس يحكم بأن هذا الشيء حرام.
فباختصار حتى لا تتشتت الفكرة، ماذا نقول أهل السنة؟
نقول: كل شيء يشرعه الله إما لمصلحة فيه أو لمفسدة يريد اجتنابها، والعقل يستطيع، ليس يستطيع، في كثير من الأحيان أن يدرك المصالح، ويستطيع في كثير من الأحيان أن يدرك المفاسد (يعني أخي الكريم ألا تدرك مفسدة الزنا؟ ألا تدرك مفسدة الخمر؟ ألا تدرك مفاسد السرقة؟ أنت تدركها. ألا تدرك مصالح البيع ومصالح النكاح؟ قطعا أدركها بعقلي).
لكن إدراك عقلي لها قبل ورود الشرع، قبل مجيء خطاب من الشرع لا يجعل هذه الأشياء واجبة أو مندوبة أو محرمة أو مكروهة، بل هذه الأحكام حتى تفرض لابد من مجيء خطابات من الشرع هي التي تخبرنا بذلك أو نقيس على خطابات الشريعة التي أتتنا.
أما لا يوجد خطابات أبداً للبشر يعني هذا الإنسان الذي يعيش في الغابات الإسكندنافية يريد بعقله أن يدرك مصلحة، وإذا أدرك المصلحة نقول خلاص أصبح هذا الشيء واجباً لأن عقلك أدرك مصلحته؟ يصعب علينا أن نفرض عليه هذا الأمر وأن نقول والله أنت هذا الشيء أدركنا مفسدته، إذاً هذا الشيء أصبح حرام عليك، لأنه ايش المشكلة؟
يعني المعتزلة أيها الأحبة يقولون: هذا الشخص الذي يعيش في الغابات الإسكندنافية وفي الإسكيمو في المناطق تلك التي لا يوجد فيها شرع إذا أدرك مصلحة الشيء أصبح واجباً عليه، وإذا لم يفعل سيحاسب يوم القيامة وهو آثم، وإذا أدرك مفسدة شيء بعقله ثم ارتكبه يعني مخالف وارتكب الآن، إذا أدرك مفسدة شيء بعقله على طريق المعتزلة سيصبح حرام، فإذا ارتكبه وخالف يوم القيامة وهو آثم وسيحاسب عليه.
فإذاً الناس في أزمان الفترة وفي المناطق المنقطعة عند المعتزلة هم يستطيعون أن يدركوا بعقولهم المصالح والمفاسد، وإدراكهم هذا بعقولهم يوجب عليهم أحكاماً شرعية يحاسبون عليها عند الله، نحن...
قل لا، هذا لا يصلح. نحن نقول نعم صحيح، الله عز وجل بكرمه أعطى عقولنا قدرة على إدراك المصالح والمفاسد، لكنه بعفوه سبحانه وتعالى أعطانا قاعدة، إيش قال؟ ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ [الإسراء: 15]. فأخبرنا أن الحساب والعذاب والعقاب والمؤاخذة إنما تكون بعد بعثة الرسل وبعد وصول خطابات الشريعة. هذه رحمة منه سبحانه، أنه لم يحاسبنا كبشر على عقولنا من دون أن ياتينا شيء من نور النبوة.
لذلك ماذا يقول فقهاؤنا فيمن مات في زمن الفترات، ولم يصله شيء من نور النبوة، ولم يعرف شيئاً عن وجود إله أو بعثة رسل أو ما شابه ذلك؟ أن هؤلاء يختبرون يوم القيامة، ولا يحاسبهم الله عز وجل على مجرد قوة عقولهم؛ لأن الله عز وجل رحيم العباد كريم، يحاول أن يتلطف بهم ويتكرم عليهم إلى آخر لحظاته. حتى إننا مع أنه يعذبهم فهو عادل سبحانه؛ لأن عقولهم فيها من إدراك الخالق عز وجل والفطر التي تقود إلى الله كثيرة، لكن رحمةً بهم لا يريد أن يحاسبهم على ما ركزه في عقولهم وفي طرائقهم، بل أراد أن يحاسبهم بعد وصول الشرائع إليهم، بالمعجزات الباهرة واليقين الواضح وإقامة الحجة عليهم. بعد ذلك يحاسبهم، فإذاً أيها الأحبة، هذه ثلاثة أقوال؛ عرفنا رأي المعتزلة، وعرفنا رأي الأشاعرة، وعرفنا رأي الوسط.
يهمني أن تعرف الرأي الوسط الذي ندين الله عز وجل به: أن إدراك المصالح والمفاسد نعم، هناك أولاً أحكام الشريعة لها مصالح ومفاسد، لا نقر الأشاعرة على ما يقولونه في أصول الدين، ونحن بعقولنا نستطيع أن ندرك كثيراً من المصالح وكثيراً من المفاسد. ولكن لماذا نخالف المعتزلة؟ إن إدراكنا للمصالح لا يجعلها حكماً شرعياً مفروضاً علينا أن نحاسب عليه عند الله حتى يأتي خطاب الشارع، فقبل الشرع لا حكم.
وكذلك إدراكنا للمفاسد لا يجعلها محرمة علينا حتى يأتي خطاب الشرع، فقبل الشرع لا حظر. الحظر والإباحة والإيجاب والندب والكراهة هي خطابات من الشارع تتعلق بأفعال المكلفين. إذاً أيها الأحبة، رأينا هذه القضية كم هي قضية شائكة، وأن ما يحدث في كتب الأصول فيه خلط بين آراء عقدية متنوعة، وهناك من لا يتبنى طُرُق المعتزلة ومع ذلك كما ذكر الباقلاني يثبت أقوالهم ويناقشهم، بل يتبنى آراءهم، وهذا خلط أيها الأحبة ينبغي على طالب العلم أن يتحرى وأن يدقق في كلام الأصول. جميل؟
إذاً، حكم الانتفاع بالأعيان قبل ورود الشرع؛ نذهب إلى عبد المؤمن ماذا قال؟ إن عبد المؤمن رحمة الله عليه ممن كما قلنا انجر واقفاً يعني لم يحرروا الكلام في المسألة، ولم ينبه على هذا الأمر؛ أما لغفلة منه، وأما لما ذكره الباقلاني لغفلته أن هذه المسألة أصول المعتزلة. فعندما يقول: وقد اختلف في حكم الأعيان المنتفع بها قبل الشرع.
طبعاً أيها الأحبة هنا قيد يعني ربما غفلت عن ذكره في البداية: حكم الانتفاع بالأعيان. انظر ايش قال: الأعيان المنتفع بها؛ لأنهم في الحقيقة حكم الانتفاع بالأعيان قبل ورود الشرع الإباحة والحظر والتوقف، هم يتكلمون عن الأعيان التي ظهرت منفعتها، أما الأعيان التي ظهر أنها ضارة فالكل يجتنبها؛ لأن الإنسان بفطرته يجتنب الضار. لذلك هذه المسألة كما قال تتعلق بأي أعيان؟ الأعيان المنتفع بها. أما الأعيان الضارة فإن الإنسان بطبيعته يجتنبها.
يعني أنت رأيت شيئاً ساماً أكيد ستجتنبه من دون حاجة إلى كثرة كلام، وإن كانت أيضاً دخل فيها شيء من الخلط في هذه المسألة. لكن حتى الأشياء الضارة لو واحد قال لك: حتى الأشياء الضارة هل لها حكم شرعي قبل مجيء الشرع؟ إيش تقول؟ لا، أقول أنا أجتنبها بفطرتي كإنسان، لكن قبل مجيء الشرع لا يوجد لها نقول: يحرم عليك أيها الإنسان الذي تعيش في الغابات أن تتناول الأشياء الضارة.
يعني هو الآن هكذا يقول: كيف أعرف أن هذا الشيء حرام؟ ما عندي خطابات. فالانسان من فطرته يجتنب الأشياء الضارة، لذلك صورت المسألة في المنتفع بها؛ لأنها هي التي يتصور أن يقبل الإنسان عليها، أما الأشياء الضارة فالإنسان بفطرته يبتعد عنها. صحيح إلى مناقشة إيش حكم الشارع فيها؟ هل هي في النهاية تخضع لنفس القانون؟ هي تخضع لنفس القانون، لا استطيع أن أثبت لها حكماً قبل وجود الشرع، نفس القانون، فالقضية ليست نفياً قطعياً للمنتفع بها وأن الأعيان الضارة لها حكم، حتى لا يلتبس الأمر عليه. لكن لماذا يبحثون في الأعيان المنتفع بها؟ لأنها هي التي يتصور أن يتجه الإنسان نحوها، أما الأعيان الضارة فالإنسان بطبعه يجتنبها، وإن كانت تخضع لنفس القانون أنه لا حكم لها قبل ورود الشرع على طريقة أهل السنة.
طيب، المهم أن عبد المؤمن يقود الخلاف، قال: اختلف في حكم الأعيان قبل الشرع؛ فالرأي الأول قال: فعند أبي الخطاب. طيب أبو الخطاب الكرماني رحمة الله عليه، هؤلاء هل هم من المعتزلة؟ ليسوا من المعتزلة، لكن كما قلت لكم هذه المسألة للأسف حدث فيها خلط بين الطوائف وفي كلام الأصوليين، حتى تنبه إليه النهاية كثير منهم، منهم الباقلاني ومن بعده ومن قبله، يعني كثير منهم تنبهوا أن هناك خلطاً، هناك خلط في الكلام، فقبل أن قال: فعند أبي الخطاب القاضي أبو الخطاب متى توفاه الله عز وجل؟ خمس مئة وعشرة هجرية. قال: والتميمي، التميمي أيضاً من أئمة الحنابلة، وعبد العزيز بن الحارث التميمي من أكابر علماء الحنابلة، إلا أنه اتهم بالوضع، فنسأل الله السلامة، يعني فيه نوع هو يعني جرح بهذه القضية أنه نسب إلى أنه يضع الحديث، وهذا يعني كما ذكروه في التراجم، لكن الله عز وجل أعلم بذلك. فإذا كانت ثبتت فيه هذه الصفة المثلبة فنسأل الله السلامة.
توفى الله عز وجل عام واحد وسبعين وثلاث مئة للهجرة، هذان العالمان في الحقيقة ليسوا من المعتزلة، ومع ذلك قال: فعند أبي الخطاب والتميمي الإباحة، بحكم الأعيان قبل ورود الشرع إيش؟ الإباحة. وهذا كما قلنا إذا كان تبناه هؤلاء الأئمة فهذا خطأ في أصولهم، أن هذا لا يجعل أبا الخطاب درستها معتزلياً، أنت أقرب إلى المفوضة، أنت على مذهب المفوضة. عرفوا كذلك التميمي لسنا معتزلين فما علاقتك أن تقول بالإباحة وأنت أصلاً لا ترى أن هناك حكم شرعي قبل ورود الشرع؟ ثم انظروا ماذا بعد ذلك.
يعني الرأي الأول للإباحة كان عند أبي الخطاب والتميمي، ثم الإباحة كأبي حنيفة. نسبه إلى أبي حنيفة، ولكن نسبة هذا إلى أبي حنيفة ففيه نظر أيها الأحبة. وفي الحقيقة عودوا إلى كتب الحنفية ستجدون الخلط أيضاً عند الحنفية، لماذا؟ لأن الحنفية نفس الشيء، منهم من كان معتزلياً، ومنهم من كان أشعرياً، ومنهم من لم يكن مركوناً على طريقة أهل السنة.
فاذاً أيها الأحبة هذا الخلط العقدي عرفت إلى مذاهب فقهية وفي الحقيقة من ليس له علاقة بالمذاهب الفقهية، وإنما منشأه الخلاف العقدي السابق. لذلك كثير من الأحيان قاعدة قدوة في أصول الفقه تنسب أقوال إلى أئمة ولا يوجد فيها تحري أبداً وإنما هكذا تنسب بطرف الأقلام. ذكر أحد حنفية المعتزلة أن هذا لأبي حنيفة فنسبه إليه، يأتي حنفي أشعري فينسب لأبي حنيفة النقيض، ثم بعد ذلك تجد هذا منتشر في كتبهم.
فأنا عندما وقفت على كتب الحنفية وجدت طائفة الحنفية تقول بالإباحة، وفي طائفة من الحنفية تقول بالحظر، ووجدت منهم من حرر المسألة فبيّن له أن المسألة على التوقف وأنه لا حكم قبل الشرع، وهذا ذكره طوائف من الحنفية. فإذاً القضية في الحقيقة لا تنسب إلى أشخاص وإنما تنسب إلى مذاهب عقدية.
طيب، والقول الثاني؟ لكن فوضى تقول القول الثاني انظر ماذا قال؟ قال اه فعند أبي الخطاب والتميمي الإباحة كأبي حنيفة. انظر إيش قال بعدها؟ قال: فلذلك أنكر بعض المعتزلة إيش؟ شرعيته. إيش يعني فلذلك أنكر بعض المعتزلة؟
الآن أيها الأحبة، طبعاً نحن الآن نتكلم عن مسألة، هذه المسألة ذكرناها ضمن الكلام عن الحكم الخامس من الأحكام الشرعية، وهي إيش؟ الإباحة. نحن قلنا أيها الأحبة أن الإباحة على نوعين: هناك إباحة عقلية، وهناك إباحة ايش؟ شرعية، اليس كذلك؟
إيش الاباحة الشرعية؟ الاباحة الشرعية توجه إلى السبورة، يعني حتى يتضح له؛ لأن هناك بعض الأمور على الطالب أن يتقنها بدقة حتى لا تكون واضحة الأمور عنده إن شاء الله بحكم التباعد والورود الشرع، عرفنا المسألة، وعرفنا الخلاف، وعرفنا المنطلقات فيها.
الإباحة أيها الأحبة التي يتكلم عنها الأصول نوعان الإباحة، يعني هذه حكم عليها المنتفع بها دورها بعد قليل، لكن انتبهوا معي هنا الإباحة، هناك إباحة شرعية وهي التي نتكلم عنها ضمن كلامنا عن الأحكام الشرعية الخمسة: إيجاب تحريم ندب كراهة إيش؟ إباحة.
الإباحة الشرعية إيش هي؟ خلاص، هي خطاب من الشارع متعلق بأفعال المكلفين على وجه التخيير صح، هذه الإباحة الشرعية هي من ضمن الحكم الشرعي خطاب من الشارع مثلها مثل أي حكم شرعي.
هناك إباحة عقلية، الآن ما هي الإباحة العقلية؟ الإباحة العقلية في هذا النوع على طريقة سوف أتكلم عن طريقة أهل السنة ثم أتكلم عن طريقة المعتزلة. على طريقة أهل السنة أيها الأحبة الإباحة العقلية لا يوجد عندنا، أولاً الإباحة العقلية عندنا تكون أيضاً بعد ورود الشرع، تكون أيضاً بعد ورود الشرع، الآن بعد أن ورد الشرع وهذه سنتكلم عنها حين نتكلم عن حكم الانتفاع بالأعيان بعد ورود الشرع.
الآن الله عز وجل، يعني حتى تفهم الإباحة العقلية لا وتمثل؛ الله عز وجل عندما جاءت الشريعة المحمدية خاطبنا في كتابه العزيز، فإيش قال لنا؟ قال في سورة البقرة: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً﴾ [البقرة: 29]. كذلك أيها الأحبة، طب دعونا أن نعود إلى هذا المثال؛ الله عز وجل أعطانا هذا الخطاب العام ممتاز. فالآن ماذا يقول الاصوليون؟ ماذا يقول الفقهاء؟ أي نبات يتم اكتشافه، فالاصل في حكم الانتفاع به بعد ورود الشرع يعني ما حكم الشرع في الانتفاع به ها الآن عندنا جاء الشرع، قبل ورود الشرع هل له حكم؟ لا حكم له. بعد ورود الشرع، الشريعة وجاءت خطابات عامة من الله عز وجل تخبرنا أني أبحت لكم الانتفاع، هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً. جميل؟
جاءت الشريعة، وجاءت الخطابات العامة بالإباحة: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً﴾. فبالتالي الفقهاء والأصوليون، أي باب جديد يكتشف، أي حيوان جديد يكتشف ممتاز، الأصل في حكم الانتفاع به ماذا؟ الإباحة. ما حكم الانتفاع به؟ الإباحة. أي دواء جديد يكتشف؟ إيش حكمه؟ الإباحة.
أي معاملة من معاملات الناس في البيع والشراء والعقود، أليس الفقهاء يقررون قاعدة: الأصل في معاملات الناس الإباحة؟ طيب من أين أخذت إباحة هذا الحيوان؟ الحيوانات الجديدة التي اكتشفناها. من أين أخذت إباحة هذه النباتات الجديدة التي أخذت؟ من أين أخذت إباحة عقود ومعاملات الناس؟ هل يوجد عندنا خطاب شرعي في كل حيوان أو في كل نبات أو في كل عقد أن هذا مباح، هذا مباح، هذا مباح؟ لا يوجد عندنا خطابات شرعية في كل هذه الأشياء بأعيانها، ما عندنا خطابات شرعية، وإنما عندنا خطابات عامة.
فمن أين اخذنا أن هذا النبات الجديد الذي تم اكتشافه مباح؟ من أين أخذنا أن هذا الحيوان مباح؟ من أين أخذنا أن هذه العقود التي نتعامل بها أنها مباحة؟ يقولون: من البراءة الأصلية.
من البراءة الأصلية، إيش البراءة الأصلية؟ البراءة الأصلية أن الأصل، البراءة الأصلية تسمى هذه؛ لأن الأصل أن الأصل في النباتات وفي الحيوانات وفي العقود الإباحة. من أين أخذت هذه البراءات؟ هذه البراءة الأصلية من الخطابات المجملة في الشريعة، من خطابه: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً﴾ [البقرة: 29] و﴿سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ﴾ [الجاثية: 13].
فأي باب جديد، أي حيوان جديد يكتشف، أي عقد من عقود الناس، نقول: الأصل فيها أنها مباحة، وتسمى هذه الإباحة إباحة عقلية. لماذا سميت عقلية؟ ليس لأن العقل هو الذي حكم بها، بل لأن العاقل يقول: الله عز وجل يعني طريق الوصول إليه عقلي، أن الله عز وجل أخبرنا أنه أطلق التعامل في هذه الأرض والانتفاع بها، وهذا الشيء الجديد من حيوان أو نبات أو هذه المعاملة هو من ضمن الأشياء المنتفع بها التي جاءت ضمن الإطلاق العام للشريعة بحكم الانتفاع.
صحيح، فإذاً لاحظوا أن طريقة الوصول هي فيها نوع من التدخل العقلي، أن هذا النبات وهذا الحيوان لا يوجد فيه نص خاص، فالعقل يقول: نعم، فيهم أشخاص، لكن البراءة الأصلية أننا بريئون، أننا لسنا مكلفين بحظر في هذا الشيء. البراءة الأصلية.
إن الله عز وجل أعطانا الإذن المطلق، وهذه الأشياء هي داخل ضمن هذا الإذن المطلق حتى يأتي ما يخرجها. الآن ممكن يأتي شيء، حيوان تكتشفه، وأيام النبي صلى الله عليه وسلم، يا حيوان يكتشفه الصحابة فيلقون فيها على الأبهاء حتى يأتي ايش؟ خطاب من الشارع يقول: لا، هذا ليس من ضمن الأشياء التي تدخل ضمن الأمر العام بالانتفاع، بل هذا الشيء بحد ذاته محرم. نعم، هنا جاء خطاب خاص ينقل هذا الحيوان إلى التحريم، أو جاء خطاب خاص يقول: إذا قرار، أو إلى ما شابه ذلك.
فنقول: طيب أن هناك إباحة عقلية، كيف نفهمها نحن الإباحة العقلية؟ أن عندنا باختصار الآن الإباحة العقلية تتعلق بالأعيان التي لم يرد خطاب خاص من الشريعة في حكمها، فنقول إنها مباحة بناء على الخطابات العامة التي أذنت لنا بالانتفاع بما على وجه هذه الأرض. بهذه الطريقة هذا طريقة استنباط عقلي صحيح، لذلك سميت إباحة عقلية، واضحة القضية هذه نحاول نوصلها قدر الإمكان. لكن المعتزلة يفهمون الإباحة العقلية بنوع أوسع، لماذا؟ فإن المعتزلة عندهم الإباحة العقلية يمكن أن تثبت قبل ورود الشارع. أليس كذلك؟
فيقولون: إذا أدرك العقل تساوي المصلحة في شيء مع المفسدة فهذا الشيء يسمى ايش؟ مباحاً. خلص يأخذ حكمه اسمه الإباحة عند الله عز وجل هو مباح. من أين أخذت هذه الإباحة؟ قالوا: أخذناها من أين؟ هذه الإباحة؟ قالوا أخذناها من عقولنا، لأن العقل عندنا يستطيع أن يدرك المصالح والمفاسد، ويستطيع أن تساويها، فمتى أدرك العقل تساوي المصلحة مع المفسدة تصبح هذا الفعل الذي، أو الشيء، أو الذي أدركنا فيه المصلحة مع المفسدة، يصبح مباحاً حتى قبل ورود الشرع. فالإباحة العقلية عندهم فعلاً عقلية بحته، مرد هذا العقل، لكن لا، عندنا عند أهل السنة عندما نقول إباحة عقلية أو نريد أن نفهِم بيننا أن نحن نقر بوجود إباحة عقلية، لكن لا نفهمها كما يفهمها المعتزلة.
المعتزلة يفهمون الإباحة العقلية أن العقل يستقل بإدراك تساوي المصلحة مع المفسدة، فمتى أدرك العقل تساوي المصلحة مع المفسدة فهذا مباح، حتى ولو لم يوجد عندي أي خطاب شرعي. نحن نقول: لا، الإباحة العقلية نقر بها، لكنها لابد أن تتفاعل وأن تنسجم مع نصوص عامة في الشريعة، فالإباحة العقلية نفهمها نحن بأنه بعد ورود الشرع أصلاً، عندنا ليست قبل الشرع كما يقول المعتزلة. فبعد ورود الشرع جاءت نصور عامة تأذن لنا الانتفاع بالارض، يوجد عندنا نباتات جديدة، حيوانات جديدة، أدوية جديدة، عقود جديدة، لا يوجد فيها خطابات إباحة خاصة، فنقول: هذه النباتات والحيوانات والعقود مباحة، وإن لم يوجد فيها خطابات خاصة لكنها مباحة بالإباحة العقلية.
ماذا نصل بالإباحة العقلية؟ أن العاقل يقول: الله عز وجل أذن لنا الانتفاع بما على وجه الأرض، هكذا العقل يقول بالنص الشرعي، ليس بإدراك العقل المحض، بالنص الشرعي. وهذه الأمور النباتات العقود من الأشياء المنتفع بها، فالأصل أنها على الحكم العام، أنها على الإباحة، جميل، حتى يأتي الناقل عن ذلك. فهذا معنى الإباحة العقلية عندنا ونخالف فيه المعتزلة، جميل. المعتزلة، طبعا، كل هذا أيها الأحبة حتى تفهم كلام عبد المؤمن البغدادي، أنا لا أريد أن أقفز على الجملة وأنت لا تتصورها نوع تصور. أنا أدرك هذا الكلام يحتاج إلى تمرس، إلى قراءة كثيرة، وإلى إعادة نظر وتأمل، لكن استعن بالله، للخص المعلومة، واسأل إن حدث لك استشكال.
الآن ايش أقول لعبد المؤمن البغدادي؟ نعود إلى أصل المسألة، اختلف في حكم الأعيان قبل الشرع. القول الأول قول من؟ والتميمي وأبي حنيفة، أن حكم الأعيان ايش؟ قبل ورود الشارع ايش؟ الإباحة. قالوا فلذلك رأيوا أن يتفرع، إذا قلنا إن هناك إباحة قبل ورود الشرع ايش يتفرع على وجود إباحة قبل الشرع؟ يريد أن يفرق عبد المؤمن على كلام المعتزلة، قال: فلذلك أنكر بعض المعتزلة شرعيته. ايش يريد أن يقول؟ شرعيته يعني أنكر بعض المعتزلة، بعضهم مش كلهم ترى، أنكر بعض المعتزلة أن المباح حكم شرعي.
ما معنى أن حكم شرعي حتى تفهم؟ والأنكر أن الإباحة تتوقف على خطاب من الشرع، هذا الذي أنكره. أنكر بعض المعتزلة شرعيته، الضمير شرعيته يعود على المباح. يعني أنكر بعض المعتزلة أن المباح شرعي، شو يعني؟ يعني يتوقف على خطاب من الشرع، بل قالوا الإباحة عقلية. لذلك ستجد في كتب الأصوليين أن هناك خلاف دائماً بين الأصوليين والمعتزلة، أن المعتزلة يقولون الإباحة عقلية، والأصوليون يقولون لا الإباحة شرعية. وفي الحقيقة، نعم، يكون هناك إباحة عقلية لكن بمفهوم أهل السنة.
هناك إباحة شرعية التي تتوقف على خطاب خاص من الشرع. فعندنا إباحة شرعية، هناك خطابات من الشرع، النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إن شئت فصم وإن شئت فافطر». هذه إباحة شرعية نص من الشريعة. يقول لنا الله عز وجل يقول مثلاً: ﴿أُحِلَّ لَكُم صَيدُ البَحرِ﴾ [المائدة: 96]، هذا خطاب من الشرع يتعلق بماذا يفعل المكلفين على وجه التخيير؟ إباحة شرعية، ما تحتاج إلى عقد. أُحِلَّت بهيمة الأنعام، إباحة شرعية. وهناك إباحة عقلية بالمعنى الذي ذكرناه، أنه ما لم يرد فيه نص خاص، مثل أُحِلَّت لكم بهيمة الأنعام، هذا إباحة شرعية لأن هنا نص خاص في بهيمة الأنعام. أُحِلَّ لكم صيد البحر، نص خاص في ايش؟ في صيد البحر. لكن هناك أشياء ما جاءت فيها هذه النصوص الخاصة بالإباحة، فمن أين نأخذ إباحتها؟ من النصوص العامة، وهذا فيه نوع إباحة، هذا النوع نحن نسميه إباحة عقلية، لأن العقل هو الذي يستنبط أن هذه الأمور الجديدة مباحة بردها إلى النصوص العامة.
أما المعتزلة، مشكلتهم كما قلنا، أنهم يرون أن العقل يستقل، لا يحتاج حتى إلى نصوص عامة، لا يحتاج شريعة، يستطيع العقل وحده أن يدرك تساوي المصلحة مع المفسدة فيصبح هذا الفعل مباحاً بمجرد العقل. هذه الطائفة من المعتزلة قالت: لا نحتاج إلى إباحة شرعية، باختصار لا نحتاج إلى إباحة مصدرها الخطاب الشرعي لأننا بعقولنا ما استطعنا في هذه المسألة، استطعنا بعقولنا أن ندرك الإباحة، فإذاً لا معنى لوجود إباحة شرعية. وهذا الكلام خاطئ ايها الأحبة، هذا الكلام خاطئ ومردود. هناك إباحة شرعية بالنص وهناك إباحة عقلية ترد إلى النصوص الشرعية أيضاً. أما إباحة عقلية مستقلة بالعقل تفرض حكماً تفرض حكماً نسميه الإباحة فهذا لا نوافق عليه المعتزلة.
يريدك أن تفهم الطائفة التي قالت، وما معنى قول عبد المؤمن البغدادي: فلذلك أنكر بعض المعتزلة شرعيته؟ لماذا أنكر هذه الطائفة المعتزلة شرعية الإباحة؟ فقالوا: لا يوجد عندنا إباحة شرعية بل كل الإباحة عقلية. قالوا: لأن العقل يستطيع أن يدرك تساوي المصالح والمفاسد، وتساوي المصالح والمفاسد سيجعل الحكم هو الإباحة، فإذاً لا داعي لوجود إباحة شرعية، خلص العقل وحده يستقل. جيد، إذاً هذا هو القول الأول.
القول الثاني، قال: وعند القاضي، من يقصد بالقاضي إذا أطلق قاضي اليهود بالحنابلة؟ القاضي أبو يعلى الحنبلي رحمه الله عليه، توفاه الله عز وجل أربع مئة وثمانية وخمسين للهجرة. ومن حامد، ابن حامد رحمه الله عليه، من هو الإمام الحامد؟ نعم، ابن حامد هذا الحنبلي أيضاً هو نيم ابن حامد رحمه الله عليه، هذا يمثل نهاية طبقة المتقدمين عند الحنابلة. طبقة المتقدمين عند الحنابلة تنتهي بوفاة ابن حامد أربع مئة وثلاثة أجي، وهو صاحب كتاب تهذيب الأجوبة، وهو أقدم كتاب أصولي عند الحنابلة، كابن حامد يمثل نهاية الطبقات المتقدمين. بعد ابن حامد تبدأ طبقة المتوسطين، فأبو يعلى وأبو الخطاب الكروداني وابن عقيل من طبقة المتوسطين عند الحنابلة.
المهم، فالقاضي أبو يعلى وابن حامد، مع أن الأصل أن يقتل ابن حامد في البداية ثم يثني بأبي يعلى لأن ابن حامد قبل، لكن لأن أبو يعلى وأبو الخطاب وابن عقيد مرد علم الأصول عند الحنابلة إلى هؤلاء الثلاثة فدائماً يبدأون بهم، القاضي خلاص أو يعلم وابن الخطاب، مرد علم الأصول التي نحن مذهب الحنبلي إلى هؤلاء الثلاثة. المهم القول الثاني قال: وعند القاضي وابن حامد، قال: وبعض المعتزلة الحذر. أن ما حكم في الأعيان المنتفع بها قبل الشرع؟ الحظر. وهذا أيضاً لا يستقيم على أصول القاضي وابن حامد لأن هؤلاء ليسوا معتزلة، فكيف يقرون الحظر في الأشياء قبل الشارع وهم يرون أن الحكم يحتاج إلى خطاب شرعي؟ فهذا كما قلنا يعني إما غفلة وإما يعني يحتاج إلى توضيح من هؤلاء الأئمة في الحقيقة.
القول الثالث، قال: وتوقف الجزري والأكثرون، وهذا هو مذهب الحنابلة على التحقيق، أكثر الحنابلة منه الإمام الجزري. الإمام الجزري طبعا بالتجويد. وأبو الحسن أحمد بن نصر بن محمد البغدادي الحنبلي الفقيه الأصولي، صاحب أماله النجار، وتوفي رحمه الله عليه عام ثمانين وثلاث مئة، ثلاث مئة وثمانين للهجرة. فالجسري وأكثر الحنابلة لأنهم أدركوا أن هذه تتفرع على أصول المعتزلة، ايش قالوا؟ قالوا: حكم الأعيان قبل ورود الشرع، أو حكم الانتفاع بالأعيان قبل ورود الشرع، هو التوقف. وليس توقفهم للتحير، بل توقفهم لأنهم يرون أنهم لا حكم للأعيان قبل ورود الشرع، لأنه لا إلا بخطاب شرعي.
لذلك يقول ابن قدامة، وهو من كبار متوسطي الحنابلة، ماذا يقول ابن قدامة؟ يقول: وهذا القول الذي هو التوقف قال هو اللائق بالمذهب، إذ العقل لا مدخل له في الحظر والإباحة. أعيد كلام ابن قدامة حتى تدونوه، يقول ابن قدامة: وهذا القول، أي التوقف، هو اللائق بمذهب مذهب الحنابلة، أن الحنابلة أصول مرفوعة لا علاقة لهم بالمعتزلة، وهذا القول هو اللائق بالمذهب، لماذا؟ قال: لأن العقل لا مدخل له في الحظر والإباحة. فنحن نسلك المعتزلة نقول العقل يوجب ويبيح ويحظر؟ لا، العقل لا مدخل له في الحظر والإباحة بتاتاً.
إذن انتهينا من حكم الأعيان قبل ورود الشرع، بقي عليه أن يتكلم عن الحالة الثانية، وهي حكم الانتفاع بالأعيان بعد ورود الشرع، ادب إلى السبورة، حكم الانتفاع بالأعيان بعد الشرع. هنا، نعم، عندنا شريعة جاءت، فهل استطيع أن أدرك حكم الأعيان؟ نعم، استطيع أن أدرك حكم الانتفاع بالأعيان بعد مجيء الشرعي لي. في أن الشرع إما بخطابات خاصة عن حكم هذه الأعيان، وإما بخطابات عامة عن حكم هذه الأعيان. فنقول حكم الانتفاع بالأعيان بعد الشرع فيه نفس الخلاف، طب ايش هو حكم الانتفاع بالأعيان بعد الشرع؟
أولاً حتى تتصوروا محل النزاع في المسألة: حكم الانتفاع بالأعيان بعد الشرع، أن الشريعة جاءت وجاء النبي صلى الله عليه وسلم وانتشر العلم جميل، وجد عندنا شيء جديد من نبات أو دواء أو حيوان أو معاملة، لا يوجد فيها خطاب شرعي خاص، هذي صورة المسألة. يعني حكم الانتفاع بالأعيان بعد الشرع؟ ممكن الطالب يقول لي: طيب، شيخ، إذا جاء الشرع خلص الشرع نص على حكمها. أقول: لا، مش كل شي الشرع نص على حكمه بخطاب صحيح، في أشياء أُحِلَّت لكم بهيمة الأنعام هذه نص على حكمها انتهى، أُحِلَّ لكم صيد البحر انتهى. لكن هناك نباتات وحيوانات وأشياء جديدة تكتشف يوم بعد يوم، فالناس على مدار الزمان يحتاجون إلى معرفة حكم الانتفاع بالأعيان بعد ورود الشرع، ويقصدون الأعيان التي لم يرد بها حكم شرعي خاص بها، فعليك أن تقيد حكم من كتاب الآية بعد الشرع، المقصود الأعيان التي لم يأتي نص خاص بحكمها، إنه العيان التي جاء بها وسخ خاص بحكمها انتهى الأمر.
إيش اختلف فيها؟ خلاص فيها حكم، لكن المراد: ما حكم الانتفاع بأي عين لا يوجد عندي نص خاص بحكمها؟ نبات جديد، حيوان جديد، هل يجوز أكله؟ معاملة من معاملات الناس، هل يجوز أن نتعامل بها؟ ما حكم الانتفاع بعد مجيء الشرع؟ اه، نقول ايها الأحبة، هنا في خلاف وهنا خلاف سلف. الرأي الأول أن الانتفاع حكم الانتفاع بالأعيان بعد الشرع الإباحة. ما هو الدليل على أن حكم الانتفاع بأي عين جديدة الإباحة؟ نقول الدليل أن الله، عفواً، الدليل الدليل أن الشرع هكذا تقول، لما جاء أخبرنا انه أباح لنا الانتفاع بكل ما في السماوات والأارض حتى يأتي ما يمنع الانتفاع. فالذين قالوا بالإباحة قالوا: ايش دليلنا؟ قالوا دليلنا أن الشرع لما جاء، الآن بعد الشرع القضية صارت تصور المسألة بعد الشريعة.
فلما جاء الشرع الحمد لله أخبرنا الشارع أنه أباح لنا أن ننتفع بكل ما في السماوات والأرض حتى، يعني إلا إذا جاء دليل خاص ينهى عن الانتفاع بهذا الشيء، إذا لم يأتي الدليل الخاص بعدم جواز الانتفاع نبقى على الأصل العام بجواز الانتفاع. طيب أين هذا؟ من أين أخواننا الشرع أنه أباح لنا الانتفاع بكل ما في السماوات والأرض؟ في الآيات القرآنية: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً﴾ [البقرة: 29]. وقالت مغرب آخر: ﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ﴾ [الجاثية: 13].
من ايها الأحبة أنبهكم على قضية مهمة في كتب الأصول، بل حتى كان عند كثير من المعاصرين ستجدون خلطاً، يستدلون بهذه الآيات على أن الحكم حكم الأعيان المنتفع بها قبل ورود الشرع الإباحة. انظر كيف الخوف من الاستدلال؟ كثير من الأصوليين ستجدونها خاصة عند المعاصرين الذين لا يحررون المسائل يقولون: حكم الانتفاع بالأعيان قبل الشراكة الرأي الأول الإباحة، وما الدليل على أنها إباحة؟ أن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً﴾. ما رأيكم بهذا الاستدلال؟ أليس لأن تصور المسألة في أناس يعيشون في أدغال إفريقيا وفي العلماء الاسكندنافية، لا يعرفون أن الله عز وجل قال: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً﴾. فكيف تستدل بهذه الآية على أن الحكم في الأشياء قبل شرع الإباحة؟ نتكلم في قول الشرع في زمن فترات، في زمن بين عيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم، هل كانت هذه الآية موجودة: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً﴾؟ حتى نقول الأصل في الأعيان قبل ورود الشيخ.
لم تكن موجودة، ما في أصل شرع؛ فكيف تستدل بآية شرعية، والشرع لم يأتِ؟ هذا نوع من التناقض والخلط في الاستدلال. فالاستدلال بهذه الآيات -وهو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا وما شابهها- أين يكون؟ يكون في حكم الانتفاع بالأعيان بعد الشرع. فنقول: الرأي الأول الإباحة، والرأي الثاني الحظر.
ورأيت هذا القائل بالحظر قال: بما أنه لم يأتِ عندي حكم شرعي، فالأصل أن أمتنع حتى يأتي، يعني هذا تعليله نوعاً ما عقلي. قال: الحظر -مقارب لتعريف الحظر قبل ورود الشرع- قالوا: الحظر لأن الله عز وجل هو المالك المتصرف، فإذا لم يأذن لي أن أتصرف، فالأصل أن أتوقف حتى يأتي منه إذن خاص بماذا بالتصرف؟ والرأي الثالث هو التوقف، نفس القضية، لكن هنا لماذا؟ للتحير، ليس لأنه لا حكم، لا، للتحير، قالوا: نحن مترددون بين الحظر وبين إيش؟ الإباحة.
والذي عليه الجمهور أن حكم الأعيان المنتفع بها بعد الشرع ما هو؟ الإباحة. والقول بالعضل قول نوعاً ما فيه ضعف، وأما التوقف فهو أضعف وأضعف، وهذا رأي الحنابلة وجماهير أهل العلم. حكم الأعيان المنتفع بها بعد الشرع ما هو؟ هو الإباحة للنصوص العامة الصحيحة. نعود لذلك أيها الأحبة، مثلاً أنا في الشرح الذي بين يدي "تيسير الوصول" مثلاً، عندما قال: ذكر حكم الأعيان قبل الشرع، حتى تعرف كيف بيحدث خلط حتى عند بعض المعاصرين.
أه، يقول: أه، هذا القول الأول أن حكم الأعيان المنتفع بها قبل الشرع الإباحة، قالوا: ودليله إيش دليل القول الاول الذين يرون الإباحة؟ قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً﴾ [البقرة: 29]. ما ينفع هذا الدليل أصلاً القول الأول! أنت تتكلم عن حكم الأعيان قبل الشرع، فكيف تستدل بالقرآن والسنة وتصور المسألة أصلاً قبل مجيء كتاب وسنة في زمن الفترات؟ فكيف نستدل على الإباحة بشيء بعد الشرع؟ هذا في الحقيقة خلط في الاستدلال، ينتبه على أن ما ذكره من الأحاديث والكتاب هي تصلح لحكم الأعيان بعد الشرع؛ أن تثبت لي أن الشريعة عندما جاءت أخبرتنا أني أنني أباحت لكم الانتفاع بالأعيان، فكل شيء لم أنص على حكمه بخصوصه فهو اجعلوه على الأصل على الإباحة العقلية، التي قلنا عنها القضية جعلوها على الإباحة العقلية، أنه مرده إلى الانتفاع العام حتى يأتي النااقد.
هذا من الخلط المستدل، كما قلنا بنصوص الكتاب والسنة على مسألة قبل مجيء لاحظ المستوى. آخذ معنا ساعة، صحيح؟ ساعة ونصف، ما شاء الله! بعد المؤصل في مسألة واحدة، لكن أظن أنها احتاجت إلى مثل هذا يعني، حتى يتضح الخلط أين يعمل في الكتب الأصولية. نحن هكذا انتهينا عن الكلام عن الحكم الشرعي التكليفي. في الدرس القادم إن شاء الله نتكلم عن الحكم الشرعي الوضعي.
لكن قبل أن أنهي الكلام، هناك بعض الإخوة لم يتضح لهم أه قضية ما ذكرنا في الواجب. نعود إلى حتى نختم الكلام عن عن الإيجاب بالضبط، قضية ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. ذكر أه الشيخ عبد المؤمن البغدادي قضية لو اشتبهت أخته بأجنبية، أو اشتبهت ميتة بمزكاة، وجب الكف تحرجاً عن مواقعة الحرام. قال: فلو وطئ واحدة أو أكل يعني واحدة فصادف المباح، لم يكن مواقعاً للحرام باطناً، لكن ظاهراً لفعل ما. عندما قلنا يعني أن هناك نظراً في عبارة عبد المؤمن البغدادي أنه لا يكون واقعاً للحرام باطناً لكن ظاهراً، ما فهموا وجه الاشكال والاعتراض الذي اعترضنا به على عبد المؤمن؟
فهنا ساذهب إلى السبورة لعلي أُوضح الأمر بقدر استطاعتي مع وجه الاعتراض على عبد المؤمن رحمة الله عليه في هذا الكلام. أيها الأحبة، إيش صورة المسألة كانت؟ صورة المسألة: رجل يعيش في قرية فيها عدد من النساء محصور، فيها نفرض مثلاً، طبعاً، قرية فيها خمسة نساء، جميل؟ أو فيها خمس نساء وأخته هي السادسة، إذن كم أصبح في القرية؟ ستة. اشتبهت أخته بالنساء الأجانب، اشتبهت أخته بالنساء الأجانب، فهو لا يدري الآن أي واحدة منها أخته وأيهن أجنبية. هل يجوز له أن ينكح من هؤلاء النسوة الست؟ إيش قلنا؟ لا يجوز له أن ينكح. لماذا؟ لأن ترك الحرام واجب، أليس كذلك؟ ترك الحرام واجب، ممتاز.
وفي هذه الصورة -صورة هذا الرجل الذي اشتبهت أخته بأجنبية- كيف يستطيع أن يؤدي هذا الواجب؟ ترك الحرام. إيش هو؟ إيش الحرام في صورة مسألتنا؟ الحرام أن تنكح أختك، نكاح الأخت محرم، صحيح، من أعظم المحرمات اتجاه المحارم. تارك الحرام تارك نكاح الاخت بهذه الصورة -صورة اشتباه واختلاط أخته بالنسوة الخمس- كيف يمكن أن يشتبه بترك الحرام؟ كيف يمكن أن نترك الحرام في هذه الحالة؟ كيف يمكن أن يترك وطء أخته؟ ما هو ما هي الوسيلة المتاحة له؟ الوسيلة الوحيدة المتاحة له حتى يترك الحرام بهذه الصورة أن يترك جميع هؤلاء النسوة، ما عنده طريقة أخرى؛ لأنه أخته اشتبهت بهن ولا يستطيع التمييز أين الاخت واين الأجنبية، ما استطاع يميز.
فالوسيلة الوحيدة لهذا الرجل حتى يترك الحرام -ما هو الحرام؟ نكاح الأخت- ما هي الوسيلة الوحيدة حتى يترك مواقعة هذا الحرام؟ الوسيلة الوحيدة له حتى يترك هذا الحرام أن يترك وأن يكف عن النساء جميع القرية، الجميع نساء القرية، جميل. فهنا إذاً هذا يتفرع، نقول: ترك الحرام، وهو نكاح الأخت مثلاً، نقول: نكاح الأخت واجب، ترك الحرام وهو نكاح أخت واجب، ولا يتم هذا الواجب إلا بالكف عن جميع نساء القرية، فيصبح الكف عن جميع نساء القرية إيش مطلوب؟ واجب. كيف أصبح الكف عن جميع نساء القرية واجب؟ هل ارفع ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب؟ ترك الحرام هو نكاح الأخت واجب، ولا وسيلة له في ترك هذا الحرام إلا من خلال الكف عن جميع نساء القرية، وما لا يتم الواجب إلا به فهو إيش؟ واجب عند جميع نساء القرية. هذه صورة المسألة.
الآن عبد المؤمن يقول: هذا الرجل الذي قلناه يا عمي لا يجوز لك أن تنكح أي امرأة من القرية، يجب عليك أن تكف عن جميعهم. ما اقتنع، فجازف، فذهب فاختار واحدة منهن للاسف مع وجود الاشتباه. قال: في البطيخة قال: اختار أي واحد ما تيجي، اختار واحد من هالنساء ووطئها، اختار واحدة ووطئها. الآن إيش يقول عبد الوهاب؟ -عبد المؤمن- ما الحكم في حقه؟
عبد المؤمن جعل له حكمين، يقول: لو أن هذه المرأة -اختار امرأة هكذا بالقرعة، المهم أخذ امرأة فوطئها- يقول: لو صادف في علم الله سبحانه وتعالى، والآن لا يعرفه أصلاً، لكن في علم الله، لو صادف في علم الله أن المرأة التي اختارها ليطأها من هؤلاء النصف الست هي أجنبية فعلاً، لو صادف أنه فعلاً وكت أجنبية وهو احتمال كبير صحيح، لماذا؟ لأن الرياضيات احتمال واحد من ستة تطلع أخت، فاحتمال كان أخذ امرأة منهن فوطئها، وطئها فصادف أنها في علم الله أنها امرأة أجنبية يحل له أن يطأها. ما الحكم ابن أه عبد المؤمن؟ جعل حكمين؛ حكم قال: في الباطن مباح، وفي الظاهر حرام. ونحن قلنا هذا لا يصلح. لماذا؟ خليني أزيل هذا حتى نفهم لماذا هذا الكلام لا يصلح بمعنى قاعدة الصلاة في بداية الدرس.
لماذا هذا الكلام لا يصلح أيها الأحبة؟ لأن الحرام ما هو؟ هل الحرام عين الأخت، ولا الحرام هو الفعل الذي ستقوم به وهو الوطء؟ الحرام ما تعريفه؟ أو التحريم نقول: أليس هو خطاب من الشارع متعلق بأفعال المكلفين بطلب الترك على وجه الإلزام؟ المعرف التحريم بهذا التعريف التحريم هو خطاب من الشرع يتعلق بماذا؟ بفعل المكلف. ركزوا، لا يتعلق بماذا؟ بعين لا يتعلق بعين أخته، وإنما التحريم يتعلق بماذا؟ بالفعل الذي سيفعله، وهو ماذا؟ الوطء أو النكاح.
جميل، فالآن إذن التحريم خطاب يتعلق بفعل مكلف وليس بأعيان. بناء على هذا دعونا نطبق في هذه المسألة مسألة اشتباه أخته بأجنبية. لما اشتبهت أخته بالأجنبية، الفعل الذي سيقوم به، وهو النكاح أو الوطء، هل هو حرام أم حلال؟ بناء على التقعيد السابق أنه حرام، الفعل وهو النكاح ما حكمه في هذه الصورة أتكلم؟ في صورة اشتباه أخته بالأجنبيات، إيش حكم نكاحه من هذه الطائفة؟ الفعل وهو النكاح خطاب أنه محرم بناء على القاعدة السابقة أنه محرم.
فالآن نقول: نكاحك من هؤلاء النسوة إيش؟ محرم، هذا خطاب الشرع في فعله. فإذا أخذ أي واحدة منهن فقام بنكاحها، هل فعل المحرم؟ فعل المحرم الآن، نكاحك من هؤلاء النسوة حرام، أخذ امرأة منهم بغض النظر من هي، ففعل النكاح إذاً هو فعل الفعل المحرم. صحيح، قضية أنه هناك أجنبية يحل له نكاحها، وهناك وهي أخته التي يحرم نكاحها، هذه أيها الأحبة ما عاد لها أثر؛ لأننا نتكلم الآن عن واقعة معينة اشتبهت أختك بالأجنبية. الفعل نكاح إيش حكمه؟ خلاص، فعل النكاح حكمه حرام، فلا يمكن أن والله حراماً، ثم إذا تجاوزت وفعلت المخالفة فصادفت أن في علم الله أنك وطأت أجنبية أن نقول: أنت في الباطن فعلت مباحاً! هذا تناقض.
يعني كيف في الباطن أن هو أخذ امرأة، خالف فأخذ امرأة فوضعها، فصادفت في علم الله أنها امرأة أجنبية، كيف يكون فعل مباحاً في الباطن؟ وفي الظاهر فعل حراماً! أليس هذا تناقضاً؟ وإذا قلت عن مباح، المباح خطاب بجواز الفعل عن التخيير. وإذا قلت حرام، خطاب شرعي بطلب الترك على وجه الإلزام. فكيف يكون فعله هذا في نفس الوقت مباحاً وحراماً؟ هسه هذا مستحيل يكون الفعل بنفس الوقت مباحاً وحراماً. طيب كيف جعل عبد المؤمن مباحاً وحراماً؟ على طريقة بعض الذين يقولون له: العين هي المباحة وهي المحرمة، العين هي المباحة وهي المحرمة وليس الفعل.
فإذا قلنا: العين هي المباحة وهي المحرمة، أصلاً سيختلف تعريف الحكم ليصبح الحكم هو خطاب الشارع المتعلق بالأعيان التي يقصدها المكلفون وليس بالأفعال. هذا أول انتقام، يجب أن يتغير تعريف الحكم.
ثانياً: إذا قلنا بناءً على رأي بعض الحنفية: إذا قلنا أن هناك الحكم الشرعي يتعلق بالأعيان، إذاً هناك عين وهي أخته، وهناك أُعيُن مباحة وهي باقي النسوة، صحيح؟ فهكذا بناءً على عقل عبد المؤمن البغدادي: هناك عين مباحة، عفواً، عين محرمة وهي أختك، وهناك أعيُن مباحة وهي باقي النسوة. إذا أنت اخترت واحدة هكذا، ففعلت معها النكاح، قد تكون صادفت عين مباحة، فإذا صادفت العين المباحة نقول: أه، فعلك مباح. وهذا في الحقيقة أيها الأحبة يعني لا يصلح، لا ينفع أن نقول: والله اصادف المباح بعض؛ لأن التحريم والاباحة والايجاب لا يتعلق أبداً بالأعيان، عرفتم؟ يتعلق بالأفعال. فعبد المؤمن عندما تصور نوع تصور أو ليكون سابق النظر أن الشيء يمكن أن يكون هناك عين مباحة وعين محرمة، فتخالف تشتبه العين المحرمة بالمباحة، فأنت تتجاوز وتذهب إلى اغتيال إحدى هذه الأعيان، فتصادف المباح أنك تكون خلص فعلت شيئاً مباحاً في الباطن، مع أنك كنت في الظاهر منهية عن عن القرب المباح والحرام.
فهذا فيه نوع بعد، فيه خوض في التنظير في الحقيقة، والأصل أن يضبط وينضبط الموضوع، ما في عندي لا عين مباحة والله وعين محرمة، ثم بعد ذلك تقول: إذا أصبت العين المباحة فرضاً في علم الله بأنك في الباطن تكون مباح وفي الظاهر حرام. إن هذا نفسه فيه خطأ في عملية التنظيم وتصور المسائل. طب إذا كانت هي العين العين هي المباحة والعين هي المحرمة، فاخترت واحدة فصادقت المباحة، خلاص اجعلني فعلت مباحاً، لماذا تجعلني حراماً في الظاهر؟ قولك بأني فعلت في الظاهر حراماً فيه عود إذا جعل التحريم يتعلق بالفعل، وقولك بأن في الباطن مباح فيه جعل التحريم يتعلق بالعين.
فأنا أُريد منك أن تبين لي: هو التحريم يتعلق بالعين، ولا التحريم يتعلق؟ إذا كان التحريم يتعلق بالعين، فإذا صادفت المباحة فقد أنا فعلت مباحاً، وإذا صادفت المحرم في علم الله فأنا آثم. إذا كان التحريم علق بالفعل، فلا يوجد فرق بين أني وقعت مع أجنبية أو وقعت مع أختي، فالكل الآن كففععل محرم ها، فعليك أن تفرق. إذا قلت أن التحريم بالعين لا يوجد أن يطهر الباطل، خلاص صادقت المباح ومباح، صادقت المحرم ومحرم. إذا قلت التحريم يتعلق بالفعل وهو الصحيح، لا يوجد عندي إلا فعل واحد حكمه في هذه الحالة التحريم، فمع أي واحدة فعلته أنا فعلت الحرام ظاهراً وباطناً.
فهذا نوع تقليل أكثر للمسألة، وأسأل الله العظيم أن تكون الطرح ما قالوا فيها، وما علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا. وإن شاء الله في الدرس القادم أيها الأحبة نبدأ الحكم الوضعي. يحتاج الأمر إلى مذاكرة، وإلى دراسة، وإلى تلخيص، وإلى إعادة نظر حتى تتضح الأمور أكثر وأكثر، وإذا كان هناك أسئلة فنحن على استعداد، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل