دخولتسجيل الدخول

الدرس 11 - الدَّلالةُ وأقسامُها

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم. أحمد سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين ومحجة للسالكين نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين. حياكم الله أيها الأحبة في مجلس جديد في شرح كتاب قواعد الأصول ومعاقد الفصول للإمام عبد المؤمن البغدادي رحمة الله تعالى عليه.

وقد انتهى بنا الحديث أو انهينا في الدرس الماضي الحديث عن القسم الأول من أقسام هذا العلم، وهو الكلام عن الحكم الشرعي بنوعيه التكليفي والوضعي. تكلمنا أيها الأحبة أن تصور الأحكام -لما تكلمنا في مقدمة علم أصول الفقه- أن تصور الأحكام ليس موضوع أصول الفقه على الراجح من كلام الأصوليين، بل هو مما يستمد منه علم أصول الفقه. لذلك أنت إذا ذهبت إلى الكتب التي تحدث عن المبادئ العشرة لعلم أصول الفقه، لما تذكر الاستمداد قلنا: مما يستمد علم أصول الفقه؟ قالوا: من اللغة العربية، وهذا هو أجلّ -يعني جُلّ- علم أصول الفقه مأخوذ من اللغة العربية. ثانياً: من علم الكلام. ثالثاً: قلنا تصور الأحكام.

وقلنا في الحقيقة إن علم أصول الفقه ليس مستمداً كمسائل من تصور الأحكام، وإنما تصور الأحكام -يعني تصور الحكم الشرعي بنوعيه التكليفي والوضعي- هو توطئة ومقدمة تجعل في بداية كتب الأصول عند جميع المصنفين. توطئة تجعل في بداية كتب الأصول، ما الغاية منها؟ الغاية منها أولاً: بيان أن الحكم الشرعي بنوعيه هو ثمرة علم أصول الفقه، فلا بد أولاً أن تعرف هذه الثمرة التي تقصد وحتى تسعى إليها. يعني أنت الآن تريد أن تسير إلى مسجد، أولاً لا بد أن تكون تعرف ما هذا المسجد وأين يقع، ثم بعد ذلك تسير إليه، لا تسير خبط عشواء.

فكذلك أيها الأحبة، علم أصول الفقه الأصولية قالوا: لا بد أن نبين وأن نوضح الثمرة المرجوة من هذا العلم، وهي الوصول إلى الحكم الشرعي بنوعيه التكليفي والوضعي. بعد أن يتصور الطالب هذه الثمرة، بعد ذلك نبدأ ندخل في القواعد الأصولية ومصادر التشريع التي توصل إلى هذه الثمرة. هذه الفائدة الأولى من الكلام عن تصور الأحكام. رأيتم كلاماً شاقاً في تفاصيل وتعاريف: تعريف الإيجاب والندب والإباحة والكراهة إلى غير ذلك، تعريف السبب والشرط والمانع، الرخصة والعزيمة، الصحة والفساد. ايش فائدتها؟ هذه الفائدة الأولى التي ذكرتها.

الفائدة الثانية أيها الأحبة -كما قلنا سابقاً- أن هذه مصطلحات سيستخدمها الأصوليون كثيراً في التمثيل للقواعد الأصولية. الآن عندما نأتي القواعد الأصولية وتطبيقاتها سنستخدم كثيراً لفظ الواجب، المندوب، الصحة، الفساد كأمثلة وكتطبيقات. طيب، إذا الطالب ما بيعرف ما معنى الصحة والفساد، كيف سيفهمها عندما ترد داخل التطبيق الأصولي؟ لن يفهم. فنحتاج إذاً إلى تصور الأحكام، فعلاً تصوراً حقيقياً واضحاً قبل أن نقتحم علم أصول الفقه بقواعده. لذلك القسم الأول من اقسام علم الأصول في جُلّ كتب الأصوليين في الحقيقة هو تصور الأحكام، بعد ذلك ينتقلون إلى موضوع علم أصول الفقه.

ما هو موضوع علم أصول الفقه؟ الأدلة الإجمالية التي هي مصادر التشريع. الأدلة الإجمالية، هذا هو موضوع الأصول -كما تكلمنا- أن مبادئ كل فن عشرة، الحد الموضوع، موضوع أصول الفقه الأدلة الإجمالية. لكن -يعني هذه لفتة سريعة- بعض الأصوليين يرى أن موضوع أصول الفقه هي الأدلة الإجمالية والأحكام. لذلك ايش يقول صاحب مراقي السعود؟ الأحكام والأدلة الموضوعة. وكونه هذه فقط -مسْموع اه- بعض الأصوليين يرى أن موضوع أصول الفقه ليس فقط الأدلة الإجمالية بل حتى الأحكام، لكن الأكثر على أن الأحكام ليست موضوعاً لعلم أصول الفقه، بل هي مقدمة وتوطئة ويذكرونها مما يستمد منه علم أصول الفقه.

جيد، أنا أشرت لك لهذا الخلاف حتى تعرف أهمية الحكم الشرعي وتصوره بنوعيه الذي أسلفنا فيه خلال الدروس العشرة التي مضت، واليوم بإذن الله سنبدأ في موضوع علم أصول الفقه على الحقيقة، وهي مصادر التشريع. هذا نبع أصول الفقه، أو ما نسميه الأدلة الإجمالية، هذا أيضاً تعبير صحيح. لكن قبل أن ندخل في مصادر التشريع هناك بعض التعليقات التي ساعلق عليها فيما يتعلق بأمور سبقت معنا في الأحكام الوضعية، تعليق لي على قضية استعمال الفقهاء للسبب وإطلاقه على أربعة أشياء. الكثير من الإخوة طلبوا -يعني- توضيحاً سريعاً وإعادة سريعة لموضوع أن الشرط ينقسم إلى: شرط حكم، شرط علة، مانع حكم، مانع علة، إعادة توضيح سريع، وتعليق سريع أيضاً على قضية النفوذ؛ لأنه بعض الإخوة اعترض على اعتراضي أنه قال: كيف نكون أن النفوذ هنا بمعنى النافذ، وأن عبد المؤمن عرف النافذ ولم يعرف النفوذ؟ لم تتضح لديهم هذه القضية، فأن شاء الله أنها ما تأخذ وقتاً معنا إن شاء الله.

طيب، نذهب إلى السبورة أيها الأحبة لأتكلم عن النقطة الأولى، ولا ايش هذا بين السبورة؟ بالنسبة للنقطة الأولى أستطيع أن أبينها وأنا جالس، لا، خليني وأنا جالس. اذهبوا معي سريعا أيها الأحبة إلى الكلام عن السبب. اذهبوا إلى الموضع الذي تكلم فيه عبد المؤمن البغدادي عن السبب، ايش قال عبد المؤمن؟ قال: السبب، احنا ايش عرفنا السبب؟ قلنا: السبب لغة ما يتوصل به إلى غيره، وفي اصطلاح الأصول: السبب وصف يلزم من وجوده الوجود ويلزم من عدمه العدم لذاته. عبد المؤمن البغدادي -طبعا- اختصر هذه التعريفات كلها وقال: وقد استعمله الفقهاء في أربعة أشياء، صح؟ قال: وقد استعمله الفقهاء فيما يقابل المباشرة، الحفر مع التردية، في علة العلة، العلة من دون شرطها -احنا بنكمل- ومانعها وكذا وكذا، والعلة الكاملة. ذكر أربعة اطلاقات.

الآن، في الحقيقة من خلال البحث كثيرا -طبعا أكثر المعاصرين أنا ما وجدت إلا من المتواضع والمعاصرين إلا أنهم يفسرون كلمة الفقهاء هنا وقد استعمله الفقهاء بمعنى المذاهب الفقهية، أن هذه الإطلاقات الأربعة للسبب من استخدامات المذاهب الفقهية. وكما ترون مثلاً في الشرح الذي بين أيديكم، ربما شرح عبد الله الفوزان كتاب تيسير الوصول، وحتى شرح الدكتور سعد الشثري أو غيرهم يقولون: وقد استعمله الفقهاء. يقول: الفقهاء يعني بمعنى أصحاب المذاهب، وهذا الذي شرحنا عليه ابتداء.

لكن في الحقيقة ظهر لي شيء آخر، ظهر لي أن مرادهم أن مراد الأصوليين بالفقهاء هنا الحنفية، وهذا ترسخ في ذهني عندما عدت إلى كثير من كتب الحنفية. وانظروا إذا اردتم -من أحب البحث- في كتاب قواطع الأدلة لأبي المظفر السمعاني، الذي كان حنفياً ثم أصبح شافعياً، وألف كتابه قواطع الأدلة الذي وصفه السيوطي بأنه لم يؤلف كتاب على منواله، كتاب عظيم جداً قواطع الأدلة، كذلك اذهبوا إلى أصول السرخسي رحمة الله عليه وانظروا، سيتبين لكم أيها الأحبة أن هذه الإطلاقات الأربعة لم يقصد بها الأصوليون أن هذه اطلاقات في داخل كتب الفقه كما تفهمه ظاهر العبارة -وهذا يعني مشى عليه للأسف كثير من الشراح المعاصرين أن يقولوا: وقد استعمله الفقهاء، يقصدون أن في داخل كتب الفقه وأرباب المذاهب الفقهية يستخدمون السبب بهذه الإطلاقات الأربعة- فالفقهاء هنا في مقابلة الأصوليين، وهذا الكلام ليس بصحيح بعد البحث والنظر فيما والله تعالى أعلم.

الفقهاء هنا المراد بها مدرسة الفقهاء، ونحن قلنا في علم الأصول إذا أطلق الفقهاء كثيراً ما يطلقون ويراد بهم من؟ الحنفية في مقابلة مدرسة المتكلمين، مش قلنا هناك مدرسة المتكلمين، مدرسة الجمهور، ويقابلها مدرسة الفقهاء؟ مدرسة الفقهاء هي مدرسة الحنفية، فقوله: وقد استعمله الفقهاء المراد به استعمله علماء اصول الحنفية. وهذا أيها الأحبة الآن أذهب إلى السبورة، فأقول: من ذهب إلى كتب الحنفية يجدهم يقسمون السبب إلى أربعة أقسام التي ذكرها عبد المؤمن البغدادي. هذا النوع من التقسيم لا نجده في كتب المتكلمين، في كتب الجمهور، كتب الحنابلة والشافعية والمالكية، بل امتازت به مدرسة الأحناف، مدرسة المدرسة الفقهية أو ما يسمى مدرسة الحنفية.

فالحنفية أيها الأحبة عندما تذهب إلى كتب الأصول عندهم ماذا يقولون؟ يقولون: السبب على مراتب، له مراتب. أضعف أنواع السبب السبب الذي يقابل المباشرة، الآن هي المعاني لن تتغير -يعني على ما شرحنا سابقاً، السبب الذي يقابل المباشرة نفس الأمثلة- لكن هو أنا الآن سأبين أن يعني ايش دخلنا الآن أن هذه الإطلاقات الأربعة للفقهاء؟ الآن أدرس نحن كتاب، لماذا يقول: وقد أطلقه الفقهاء؟ وهذا ليس عبد المؤمن البغدادي الذي قال ذلك. اذهب إلى جل كتب الأصول تجد هذه القضية، عند المتكلمين يقولون: وقد أطلق فقهاء السبب على أربعة أمور كذا وكذا وكذا وكذا. لماذا هنا إقحام الفقهاء؟ لأن هنا ليس المراد بالفقهاء فقهاء المذاهب، المراد بالفقهاء هنا مدرسة الحنفية. الأصوليون من الحنفية يقسمون السبب إلى مراتب.

السبب الذي يقابل المباشرة: هذا أضعف أنواع السبب، ولأنه أضعف أنواع السبب لا يعلق الحكم عليه، بل يعلق الحكم على المباشرة. صح؟ ألم نقل ذلك؟ لما قلنا: شخص حفر حفرة في منزله، فجاء رجل آخر يمشي مع صديقه تخاصما فأوقع صديقه في هذه الحفرة، قلنا: حكم القتل والقصاص هنا سيعلق على السبب ولا على المباشر؟ هنا سيعلق على المباشر؛ لأن السبب هنا تأثيره ضعيف جداً جداً. أنا حفرت حفرة في بيتي، ايش دخلني اثنين مشوا كانوا متزاعلين مع بعض، أحدهما دفع صاحبه في الحفرة فمات؟ فهنا السبب لا يعلق عليه الحكم، بل الحكم يعلق على المباشرة، وتسمى المباشرة في هذه الحالة هي علة الحكم ويعلق عليها الحكم مباشرة. إذاً: السبب الذي يقابل المباشرة هو أضعف أنواع السبب عند الحنفية، فلا يعلق الحكم عليه، بل يعلق الحكم على المباشرة.

النوع الثاني -كما قلنا-: علة العلة. علة العلة يسمى النوع الثاني من أنواع الأسباب عند الحنفية، اللي هو علة العلة. ومثلنا له بشخص رمى سهماً فأصاب رجلاً فمات هذا الرجل. هنا أيها الأحبة الرمي سبب صح؟ أنت رميت أصابة، الإصابة أنتجت موتاً صح؟ عندنا رمي أنتج إصابة، والاصابة أنتجت موتاً، فقلنا: الرمي علة الإصابة، والإصابة علة الموت، لذلك الرمي هو علة العلة.

في هذا النوع أيها الأحبة -نعم، في هذا النوع- السبب أصبح قوياً؛ لأنه السبب هو من نفسه أنتج العلة. صح؟ السبب هنا اللي هو هو الذي أنتج العلة التي هي الإصابة، فبالتالي عند الحنفية يعلق الحكم هنا في هذا النوع الثاني على السبب. في هذه الحالة نعم السبب قوي، فبالتالي يعلق الحكم على ماذا؟ على السبب. لكن لاحظوا أن هناك واسطة بين السبب وبين الحكم، أليس كذلك؟ أنه في واسطة اللي هي الإصابة، فالرمي هل مباشرة أنتج القتل؟ لا، في واسطة بينهم اللي هو الإصابة، فالسبب هنا فيه ضعف لكنه أقوى من السبب الأول، لذلك يعلق الحكم عليه.

في الاختبار أيها الأحبة الذي اختبرناه لما قلنا: إذا حفر رجل حفرة في طريق العامة فمشى رجل فسقط فيها، هنا هذا مثال على ماذا؟ هل هو مثال على سبب يقابل مباشرة ولا على علة علة؟ كثير من الإخوة يقال هو السبب مقابل المباشرة. لا، هذا مثال على علة العلة؛ لماذا؟ لأنه هنا أنا حفرت حفرة في طريق العامة، فهذه لأنها في طريق العامة أنتجت سقوط رجل فيها، فهنا لا يوجد مباشر، هنا أنا حفرت في طريق عامة، فلأن هذه الحفرة كانت في طريق العامة سقط رجل فيها فمات، فهي على نظير رمى فأصاب فمات. حفر -طبعا- في طريق العام قيد، لأنه في طريقك الشخصي ما حدا أجبره يمشي في بيتك. حفر في طريق العامة، سقط رجل، مات، هنا يعلق الحكم على الحفر، فبالتالي أنت الذي ستضمن. لماذا؟ لأنه هنا الحفر في طريق العام هو الذي أنتج لدينا السقوط، فانتبهوا للأخوة الذين أخطأوا في هذه القضية.

المرتبة الثالثة أقوى -لاحظوا الحنفية يرتبون السبب من الأضعف إلى الاقوى-: أضعف أنواع السبب السبب الذي يقابل المباشرة، يليه علة العلة، السبب الذي يسمى علة العلة، بعد ذلك في القوة السبب الذي هو علة -الثواب الذي هو العلة نفسها لاحظوا إيه- وهو بمعنى المقتضي، ليس العلة الكاملة، لا، العلة المراد بها السبب الذي هو العلة بمعنى المقتضي، وهو ما عبر عنه ابن البغدادي: العلة بدون شرطها -ونحن كملنا بدون شرطها وموانعها، وجود الأهل والمحل- اللي هو السبب الذي هو علة بمعنى المقتضي وليس العلة الكاملة الذي عبر عنه عبد المؤمن: العلة من دون شرطها.

فالإطلاق الرابع للسبب عند الحنفية أو المرتبة الثالثة: السبب الذي هو العلة مباشرة، وهذا النوع الثالث أقوى من الثاني؛ ليه؟ لأن السبب بمعنى العلة -يعني هنا السبب سينتج الحكم مباشرة ومن دون واسطة- لكن في الحالة الثانية صحيح السبب أنتج الحكم لكن كان هناك واسطة، فالرمي لما أنتج القتل كان بواسطة الإصابة، لكن هنا السبب الذي هو العلة من دون شرطها -طبعا إلى آخره- السبب الذي هو العلة الذي هو بمعنى المقتضي، هنا السبب ينتج الحكم، وهذا هو السبب الأصولي الذي تكلم عنه، وهذا هو أيها الأحبة -كما قلت لكم- هذا هو السبب الذي يتكلم عنه من؟ الجمهور، وأيضاً الجمهور يتكلمون عن السبب الذي هو علة العلة، لكن الجمهور لا يستخدمون هذا التقسيم، فالجمهور عندما يعرفون السبب بأنه وصف يلزم من وجوده الوجود ويلزم من عدمه العدم لذاته، هم يتكلمون عن النوع الثاني والثالث من انواع السبب عند الجمهور، لكن لا يقسمون هذا التقسيم الدقيق الذي يقسمه الحنفية. جميل، فالسبب الأصولي الذي هو يتعلق عليه الحكم، وهو المراد في كتب الأصول عند الجمهور يدخل فيه عندهم.

علة العلة والسبب الذي هو العلة، بمعنى المقتضي. لكن الجمهور خلص يقولون ما في داعي إلى هذا التقسيم الدقيق. الحنفية عندهم تفنن في التقسيمات، يتفننون، انظر في جميع كتبهم، عندهم تفنن في كل أبواب الأصول في التقسيمات، فلذلك قالوا احنا ما بنرضى، لابد يكون عندنا تقسمات دقيقة، فققسموا السبب بهذا التفصيل الدقيق.

النوع الرابع والأخير وهو أقوى أنواع السبب: السبب الذي هو بمعنى العلة الكاملة، وهنا السبب يوجد الحكم لا محالة. في الحالة الثالثة، السبب الذي هو بمعنى المقتضي، هل يوجد الحكم لا محالة؟ السبب بمعنى المقتضي هو مؤثر وطالب للحكم، لكن يبقى علينا التأكد من وجود الشروط وانتفاء الموانع. لكن في الحالة الرابعة، السبب بمعنى العلة الكاملة، قلنا إيش العلة الكاملة؟ وجود المقتضي مع وجود الشروط وانتفاء الموانع والأهل والمحل، اجتمعت الخمس أمور، هاي العلة الكاملة. فإذا أطلق السبب بمعنى العلة الكاملة، هذا أقوى أنواع السبب، وهذا مثله مثل العلة الكاملة، كما أن العلة الكاملة توجد الحكم لا محالة، فالسبب الذي هو بمعنى العلة الكاملة يوجد الحكم لا محالة.

وبالتالي أصبحت مقتنع تماماً أن كلام عبد المؤمن البغدادي يحتاج إلى إعادة مراجعة منه، لأنه هنا عندما يقول: لذلك يطلق على الوصف الذي هو جزء العلة جزء السبب، أو يطلق عليه الوصف من أوصاف الآلة جزء السبب. يعني كلام قليل حقيقة عما يريده الحنفي الآن، يعني ما في داعي لإيراده بهذه الطريقة. نحن قلنا إن هناك احتمالين لفهم كلام عبد المؤمن البغدادي، عندما قال العلة نفسها، وهل أرادوا العلة المرتبة اللي فيها أوصاف؟ ولا أراد العلة الكاملة التي هي بمعنى وجود المقتضي مع الشروط وانتفاء الموانع؟ والذي يتحقق في الحقيقة أحياناً، بعض المصنفين يشدوا بعيدا عما هو لب علم الأصول في هاي القضية.

وبالتالي من عاد إلى كتب الحنفية، وهذا هو المراد بإطلاق الفقهاء، يجد هذا التقسيم الرباعي للسبب: يكون إما سبب مقابل المباشرة، وهذا ضعيف جداً، فلا يعلق الحكم على السبب بل يعلق على المباشرة وتكون المباشرة هي العلة. أو سبب بمعنى علة العلة وهذا يعلق الحكم عليه. أو سبب بمعنى العلة نفسها وهذا يعلق الحكم عليه، والفرق بين الثاني والثالث أن السبب أوجد الحكم بواسطة، وفي الثالث السبب أوجد الحكم مباشرة من دون واسطة. وأما إطلاق الرابع للسبب فهو السبب بمعنى العلة الكاملة، وهذا يوجد الحكم لا محالة. ولكن كما قلنا استخدام الأصوليين للسبب بمعنى العلة الكاملة، بل حتى استخدام الأصوليين للعلة الكاملة في علم أصول الفقه يعني قليل وليس كثيراً، والأكثر هو استخدام العلة بمعنى المقتضي واستخدام السبب بمعنى المقتضي.

لذلك قلنا العلاقة بين السبب والعلة عند الجمهور إيش هي؟ لما قلنا أيها الأحبة، الجمهور يعني الحنابلة والشافعية والمالكية يقولون العلاقة بين السبب والحكم بين السبب والعلة: منهم من يقول الترادف. ومنهم من يقول إن السبب يتعلق بالمقتضي الذي لم يعرف وجه الحكمة فيه، والعلة هي المقتضي الذي عرف توجه الحكمة فيه. فمنهم من ذهب إلى التباين ومنهم من ذهب إلى الترادف. فهذه طريقة الجمهور، خلص الجمهور أما يتكلموا عن السبب وعلاقته بالعلة، إما علاقة ترادف أو تباين، الثاني والثالث.

الحنفية لأ، الحنفية يأتون يقسمون السبب بأربعة أقسام ويأتون بهذه الطريقة. فقول عبد المؤمن البغدادي: وقد استعمله الفقهاء في أي كتاب أصولي تجده، وقد استعمله الفقهاء لا تحمله على ما يقول كثير من المعاصرين، الفقهاء المذاهب الفقهية، هذا ليس بصحيح، هم يريدون بذلك مذهب الحنفية، الأصوليون من الحنفية يقسمون السبب هذا التقسيم الرباعي حتى يتضح أمره عند الطالب، انتهينا من هذه القضية.

الآن أي لبس، انتقل للقضية الثانية التي أعلق عليها، وهي أن كثير من الإخوة طلب توضيح جديد لقولنا تقسيم الشرط: إذا شرط حكم، شرط سبب، وإلى مانع حكم، مانع سبب. فقلنا أيها الأحبة، الشرط عند الأصوليين ينقسم إلى شرط حكم وشرط سبب، أو شرط علة. يعني بقول لي أحياناً بتقول يا شيخ شرط سبب وأحياناً بقول شرط علة، ما هي مشكلة، هي نفسها شرط العلة.

الآن ما هو شرط الحكم؟ انتبهوا أيها الأحبة، شرط الحكم أيها الأحبة وظيفته أنه يقوي حكمة الحكم، أنه يقوي الحكمة التي من أجلها شرع الحكم ويضبطها. شرط الحكم يقوي حكمة الحكم ويضبط هذه الحكمة جميل، وبالتالي انتبهوا لمن أخطأ في الاختبار، وبالتالي يخل فقده بماذا؟ شرط الحكم إيش وظيفته يا مشايخ؟ أنه يقوي حكمة الحكم ويضبطها لنا، بالتالي يخل فقده، يعني إذا فقدناه تختل ماذا؟ حكمة الحكم، وبالتالي يخل فقط بحكمة الحكم. عندما سألت في الاختبار الذي يخل فقده بحكمة الحكم إيش هو؟ شرط الحكم، ما تذهبون لشرط السبب أو مانع الحكم.

ومانع العلة إيش علاقته؟ انتبهوا في التعريف: الذي يخل فقده، يعني شيء إذا فقدناه اختلت حكمة الحكم، إيش هو؟ هو شرط الحكم. وشرط الحكم إيش وظيفته كما قلنا؟ أنه يقوي حكمة الحكم ويضبطها.

الآن سأتي إلى شرط السبب إن شاء الله. شرط السبب هو الذي يقوي حكمة السبب ويضبطها، شرط السبب هو الذي يقوي حكمة السبب، سبب الحكم هو لا يقوي حكمة الحكم مباشرة، لا، هو يقوي حكمة السبب ويضبطها لنا أكثر وأكثر. بالتالي يخل فقده بماذا؟ بالتالي يخل فقده بحكمة السبب. فإذا قلت لك يا طالب العلم ما هو الشيء الذي إذا فقد اختلت حكمة السبب؟ بتقول لي هو شرط السبب، جميل؟ لكن انتبهوا لهذه القضية: شرط السبب يخل فقده بحكمة السبب، فإذا اختلت حكمة السبب سيختل بشكل تلقائي حكمة الحكم.

أليس كذلك؟ إذا اختل شرط السبب يؤدي فقده إلى خلل في السبب، إذا اختل السبب سيختل الحكم تلقائيا. بالتالي بعض الأصوليين يقول ما في داعي لهذا التقسيم، لماذا؟ لأنه الشرط إذا فقد نستطيع أن نقول سيختل الحكم، أما أن يختل الحكم مباشرة وإما أن يختل الحكم بسبب اختلال سببه، مش هذه طريقة واضحة؟ لذلك بعض الأصوليين يقول يا إخوان ما في داعي لكل هذا التقسيم ونقعد نجوش على الطالب، الشرط خلص شرط حكم، ما في داعي نقسمه شرط حكم وشرط سبب. ليش هذول الأصوليين قالوا ما في داعي للتقسيم؟ قالوا لأنه الشرط سواء كان للسبب أو للحكم كلاهما سيؤدي في النهاية إلى خلل في الحكم، أما إذا كان شرط حكم سيؤدي إلى خلل في الحكم مباشرة، وإذا كان شرط سبب سيؤدي إلى خلل في السبب والخلل في السبب سيؤدي إلى خلل في الحكم، فبالتالي هو كله شرط حكم.

لكن الأصوليين يحبون هذا التقسيم، الآن هذا التقسيم أيها الحبيب لن تظهر لك ثمرته إلا إذا كان عندك خبرة بحكمة الأحكام الشرعية وحكمة الأسباب الشرعية، وهذه لها علاقة بعلم المقاصد وتحتاج إلى طالب متضلع في الفقه حقيقة. لماذا كثير من الإخوة أشكل عليهم ذلك؟ لأن ما زال كثير من الإخوة غير متمرس وما عنده تصور لحكمة الأحكام الشرعية ولحكمة الأسباب، لماذا جعل هذا السبب سببا؟ ما الحكمة؟ ما يعرف الطالب المبتدئ، خاصة من لم يمارس الفقه ويعيد النظر في الأدلة والاستدلالات، أئمة الفقهاء ما عنده نظر عميق، بالتالي تبقى بعض هذه العبارات غامضة بين يديه.

الآن أتي بمثال على هذه القضية، نقول أيها الأحبة مثلاً المثال الذي أورده نطبق عليه الصلاة، أخذ مثال صلاة الظهر. الآن صلاة الظهر، ما سبب صلاة الظهر؟ زوال الشمس، زوال الشمس سبب لصلاة الظهر، ممتاز. الآن نأتي للشروط، طب إيه شروط الصلاة؟ أولاً النية، ثانياً استقبال القبلة، والطالب إذا كان عنده فقه يعرف شروط الأحكام، ثالثاً ستر العورة، رابعاً الطهارة من الحدث والخبث. ايش ضل عنا؟ طهارة من الحدث والخبث، واحد اثنين ثلاثة أربعة خمسة، شو ضل عنا؟ أنا بدي أياكم تجاوبوه؛ لأنه هنا أنا الإجابة هاي راح تفهمكم قضية مهمة في الفقه. الفقهاء لما يقولوا شروط الصلاة، إيش يدخلوا معها؟ يقولوا شروط الصلاة: النية، استقبال القبلة، ستر العورة، والطهارة من الحدث، والطهارة من الخبث. الشرط السادس الذي يذكره الفقهاء للصلاة: دخول الوقت.

وهنا ساعطيكم معلومة دونوها واحفظوها: الفقهاء في كتب الفقه لا يفرقون بين السبب والشرط، فيعدون الأسباب شروطاً، فيعدون الأسباب شروطاً. لذلك أنت بتقول لي الآن يا شيخ، أنت علمتني أن دخول الوقت سبب الصلاة مش شرطها؟ أقول هذا تقسيم أصولي دقيق، الفقهاء لا يستخدمون هذا، وهذا سيتضح لكم أيضاً عندما نتكلم عن شروط الزكاة. من شروط الزكاة النصاب، مش أقول لكم شرط الزكاة النصاب كما ذكر في الزاد وفي الأقناع؟ طب أنت بتقول يا شيخ الزكاة النصاب شرط، احنا أخذنا في رؤوسنا سبب، كلامك صح، لكن ذاك تقسيم الأصوليين، أما الفقهاء لا يهتمون بالتقسيم إلى سبب وشرط، الفقهاء يعدون السبب من قبيل الشروط، لذلك لا يشكل عليك ذلك في علم الفقه.

لذلك هنا يقول شيخنا: درسنا في أخصر المختصرات أن شروط الصلاة ستة ومنها دخول الوقت. أقول صح، لكن هذا تقسيم الفقهاء، الفقهاء ما عنده يقول لك وسبب الصلاة دخول الوقت وشروط وكذا وكذا، ما عنده هذا التقسيم، كلها شروط بالنسبة له، أما الأصوليون هم الذين يعتنون بهذا التقسيم فيحددون ما هو السبب بالضبط وما هو من قبيل الشروط، جميل، هذه احفظوها فائدة جيدة حتى لا يختلط الأمر عليكم.

الآن قلنا دخول الوقت مثلاً، اللي هو زوال الشمس سبب لصلاة الظهر. طيب نأتي للشروط، إيش الشروط اللي هي ستر عورة، استقبال قبلة، طهارة من حدث وخبث؟ هذه الشروط الآن بناء على التقسيم السابق أنه شرط حكم وشرط سبب، وين نضعها؟ هل هي شرط وظيفته تقوية حكمة السبب وضبطه، ولا وظيفتها تقوية حكمة الحكم وضبطه؟ أنا باختصار الذي يظهر لي أن كل هذه الشروط وظيفتها تقوية لحكمة الحكم بس؛ لأنه الحكم عنا إيش؟ وجوب صلاة الظهر. شو الحكمة من الصلاة؟ أن يقوي الإنسان صلته بالله عز وجل ويوطن هذه العلاقة ويقويها، مش هيك احنا ممكن نتكلم عن حكم الصلاة؟

الآن لو أنك صليت وعليك نجاسة، هل يصلح أن تناجي الله عز وجل بنجاسة على بدنك؟ أو بحدث قائم فيك؟ لو صليت وأنت عورتك مكشوفة، هل هذا يناسب حكمة الصلاة من المناجاة للرب سبحانه وتعالى؟ ما يناسبها، صح ولا لا؟ فيه قلة من الأدب وشوف الأدب مع الله عز وجل. استقبال القبلة، الله عز وجل هل يحب العبد أن يستقبل القبلة؟ فكأنك لما تذهب يمين أو شمال بعيد عن القبلة كأنك تعرض عن الرب عز وجل، وهذا أيضاً سوء في الأدب يخل بحكمة الصلاة، فجميع هذه الشروط في الحقيقة أضيفها إلى الحكم، فقل كلها شروط حكم ولا يوجد منها شيء يعود إلى شرط السبب، لا يوجد منها شيء يقوي حكمة السبب.

لماذا أيها الأحبة حتى أزيد التأكيد؟ الآن جعل زوال الشمس أصلاً سببا لصلاة الظهر، هل أنت تدرك الحكمة من ذلك؟ ما في حكمة احنا أصلاً مدركيها، لا ندرك حكمة جعل زوال الشمس سببا للظهر، فإذا أنا لم أدرك حكمتها أصلاً، فكيف أجعل هذه الشروط شروطاً للسبب؟ أنا أصلاً مش مدرك حكمة السبب! وهذه فائدة افهموها، لذلك أقول لكم أيها الأحبة، بعض الأسباب قد لا ندرك حكمتها، بالتالي الشروط لا أعلقتها بالسبب؛ لأني إذا أنا لم أطلع على حكمة السبب فكيف سأعرف أن هذه الشروط لتضبط حكمة السبب؟ فأعلق هذه الشروط مباشرة بماذا؟ بالحكم.

إذا أنت لم تعرف حكمة السبب، خلص الشروط كلها علقها بالحكم، أخلص. نحن إذا عرفنا حكمة السبب حينئذ نستطيع أن نقسم والله هذا شرط سبب ولا شرط حكم، فهذه افهموها؛ لأن الطالب يعني هو يحاول في كل مثال يرد في ذهنه أن يصور لهذا الشرط سبب أو شرط حكم، أنا ساقول لك كثير من الأحكام تعبدية وكثير من الأسباب تعبدية. ما معنى تعبدية؟ أننا لا ندرك وجه الحكمة فيها، انتبهوا، لا ندرك وجه الحكمة فيها، ولا أقول لا يوجد فيها حكمة، لا ندرك وجه الحكمة فيها، بالتالي لا أستطيع أن أقسم هذا، فهذا تقسيم مثل ما أقول لك هو يحتاج إلى نوع من النظر العميق والتأمل.

بالنسبة لطالب متوسط أو في البداية لا يحتاج إليه كثيراً أن نعلق جميع الشروط بالحكم مباشرة، لكن أنا أريدك أن تتقوى وتمارس. طيب جميل، ناخذ مثلاً الزكاة، ايش شروط الزكاة يا مشايخ؟ الآن ما هو سبب الزكاة؟ النصاب سبب لوجوب الزكاة، صح؟ النصاب سبب لوجوب الزكاة. طيب عرفنا السبب، النصاب السبب، طب ما هي الشروط التي بقيت؟ تجب بستة: هي الإسلام، ملك النصاب هذا السبب. الفقهاء لما يجوا يؤدوا لك الزكاة ويقولوا لك وأسبابه وشروطها: ملك النصاب والإسلام، انتبهوا، هذا اصطلاح فقهي. الأصولي هو الذي يحدد بالضبط ما هو السبب، أنه ملك النصاب.

طيب تجب بستة، هي: الإسلام، والملك للنصاب، والتمام في ملك النصاب، ويسمونه استقرار النصاب، ورابعها الحرية، والآخر مضي حول غير ما يعشر. فعندنا شروط الزكاة: الإسلام، التمام في ملك النصاب أو ما يسمى الاستقرار في ملك النصاب، حرية المزكي مش ما يكون عبد، رابعاً مرور الحول.

جميل، الآن ننظر ابتداءً: هل نحن ندرك حكمة السبب ولا لا ندرك؟ هذا أول شيء تنظر إليه، وأقول سبب الزكاة كالنصاب ملك النصاب، لماذا جعل النصاب سببا في وجوب الزكاة؟ آه والله أدرك الحكمة؛ لأنه النصاب دليل على ايش قلنا؟ على الغنى، دليل على لأنك رجل وشخص غني، ممتاز، إذا أنا عرفت حكمة السبب، جميل. والزكاة إيش حكمتها؟

الزكاة حكمتها كثيرة، تستطيع تتكلم عنها: حكم الزكاة الاجتماعية والدينية في تطهير الفرد والمجتمع وتوطيد العلاقة وتوزيع المال وألا يبقى متكدساً. تتكلم من هون لخرس ساعات في فوائد وحكمة الزكاة.

ماشي مشكلة. طيب، الآن ننظر في الشروط: أيها سيقوي حكمة السبب، وأيها سيقوي حكمة الحكم مباشرة؟ الإسلام أيها الاحبة، الإسلام لا يظهر لأنه يقوي حكمة السبب. مباشرة أقول هو مقوي لماذا؟ لحكمة الحكم، فاشتراطه لصالح الحكم هو يضبط الحكم.

ممتاز. استقرار النصاب، أو ما يسمونه التمام في ملك النصاب، أن يكون النصاب مستقراً عندك، هذا يقوي ايش؟ آه، يقوي إيه، السبب. بالتالي يسمى هذا الشرط سبب. فالاسلام لاحظوا أنه شرط حكم، بينما التمام شرط سبب. مثال على التمام، مثلاً عندنا في الفقه الحنبلي في الزكاة يقولون: إذا رجل كان عنده محصول زراعي وحصده، لكن لم ينقله بعد إلى المخازن. الآن عندك محصول زراعي الحمد لله خرج فوق الثلاث مئة صاع، بالتالي عندك نصاب، لانه فوق الثلاث مئة صاع عند الحنابلة.

الملك محصول زراعي من الحبوب طبعا المكيلة كما يقولون في كل مكيل مدخر. فالمكيل آه من الحبوب عند الحنابلة إذا بلغ المحصول الزراعي منه ثلاث مئة صاع، نقول بلغ النصاب.

فرجل حصد محصوله من القمح أو الشعير وبلغ حطه ع المكيال الحمد لله ثلاث مئة صاع. لكن إذا نقول هذا الرجل عنده نصاب، إذا هو غني، عنده نصاب إذا هو غني، لكن لم ينقل هذا المحصول إلى المخزن بعد، ما زال في في الأرض، ما زال في أرضه، قبل أنه ينتقل هذا المحصول إلى المخزن نقول هذا النصاب غير مستقر، لا يستقر ملكك للنصاب حتى تنقل كل هذا النصاب إلى المخازن، حتى تنقل كل هذا النصاب إلى ايش؟ إلى المخازن. بالتالي يقولون: لو أنه الإنسان حصد هذا المحصول، وفجأة جاءت ريح أخذت كل هذا المحصول، أهلكت، ما علي زكاة، مع أنه عنده النصاب كان، وما أخرج لسا الزكاة، لكن هذا النصاب ما زال غير مستقر، بالتالي لو جاءت ريح فاتلفته ما عليه زكاة. لكن لو نقل هذا المحصول إلى المخزن وسكر عليه، وما أخرج نصيب الفقراء، بعد أسبوع اجا بده يفتح وجد كل هذا الثمار، الزكاة تبقى في ذمته؛ لأنه النصاب استقر عنده. فباختصار التمام في ملك النصاب شرط لماذا؟ شرط للسبب؛ لأنه يقوي حكمة السبب، يعني النصاب جُعل سبباً لأنه دليل على الغنى، وهذا الغنى لا يكون مستقراً إلا إذا حزته حيازة كاملة حقيقة مطمئنة.

أنه أنت ماشي ممكن تحصد، بس ما زال المحصول في أرضه، والمحصول ما زال في أرضه أنت تملكه، لكن ملكك الآن قابل للإزالة بأي آفة سماوية تطرأ عليه. الحرية، الحرية يشترط المزكي أن يكون حراً، إذا كان عبداً، العبد ما عليه زكاة، لماذا؟ لأن العبد لا يوجد عنده، حتى لو كان في يده نصاب، سيده يستطيع أن يأخذه منه متى شاء. بالتالي أيضاً الحرية هي شرط للسبب، الحرية شرط لماذا؟ للسبب أيضاً. لماذا؟

لانه قلنا السبب هو النصاب، والنصاب حكمته أنه دليل على الغنى، والعبد بما أن المال الذي بين يديه يستطيع سيده أن يأخذ منه متى شاء إذن هو لا يملك غنى حقيقي، لا يملك غنى حقيقي، فالغنى في حقه لم يتحصل بعد، فالنصاب ضعف جداً في حقه.

اشتراط الحرية يقوي النصاب ويضبطه أكثر. طيب، مضي الحول، هذا ذكرناه عندما مثلنا به سابقاً لهاي المسألة، أنه مضي الحول أيضاً دليل على استقرار الغنى؛ لأنه أنت ممكن تغنى في لحظة واليوم الثاني يطير كل، هذا غنى غير مستقر أيضاً. فلاحظوا كيف الشريعة اهتمت جداً بضبط السبب، بضبط آه حكمة النصاب أنه ما خلص ملكت نصاب زكي، لا، قالت تملك نصاب، ويستقر هذا النصاب، ويمر حول على هذا النصاب، وأن تكون حراً حتى لا يأتي أحد يسلب منك هذا.

فكل هذه الشروط الثاني والثالث والرابع كلها تقوي النصاب، فهي تقوي السبب، فتسمى حكمة، عفوية، فتسمى الشرط سبب؛ لأنه كلها قوت السبب وضبطت حكمته أكثر وأكثر. لاحظتم كيف طبيعة النظر الأصولي في هاي القضايا؟ طيب، إذا هذا مثال على الحج، وهذا مثال، عفوياً، مثال في الصلاة، وهذا مثال في ماذا؟ في الزكاة، وعلى ذلك فقس. يعني تتعامل مع أي حكم شرعي بهذا المنهج، أو تذكر سببه ثم تذكر تحته الشروط، وتبدأ تتأمل: والله هاد الشرط يقوي حكمة السبب؟ أولاً أنظر: هل السبب أنا أدركت حكمته ولا لا؟ إذا أنت ما أدركت حكمة السبب انتهى الأمر، الشروط أضفها إلى الحكم مباشرة. إذا أنت استطعت أنك تدرك حكمة السبب آه حينئذ تبدأ تنظر في الشروط وتتأمل وتحتاج إلى نظر فقهي ومقاصدي وعمق في النظر أنه هذا الشرط والله جاء ليقوي السبب ولا جاء ليقوي الحكم مباشرة؟ جميل.

طيب، الآن ننتقل أيها الأحبة للكلام عن المانع. كما أن الشرط قسمناه إلى شرط حكم وشرط سبب، كذلك المانع يقسم إلى ماذا؟ مانع حكم ومانع سبب. نفس القضية. لكن قبل ما أني أقسم المانع إلى مانع حكم ومانع سبب، هناك قضية لضرب رأيت كثير من الإخوة أخطأ فيها بالاختبار، وهي ماذا؟ كثير من الإخوة يظن أن عدم الشرط مانع، يقول مثلاً: الطهارة شرط للصلاة، جميل، بالتالي إذا انعدمت الطهارة، انعدام الطهارة مانع من صحة الصلاة. هذا خطأ عند أكثر الأصوليين، عدم الشرط ليس مانعاً. مثلاً بيقول لك: استقبال القبلة شرط للصلاة، صح؟ هو بيقول لك عدم، العدم، عدم استقبال القبلة ايش؟ مانع من موانع. النية شرط للصلاة، إذا ما وجدت النية عدم النية مانع. فنقول أيها الأحبة مثلاً ايش في عبارة الإخوة، يقول مثلاً آه آه الحول، مرور حول في الزكاة، مرور حول شرط من شروط الزكاة، عدم مرور الحول مانع من موانع الزكاة. فنقول: عدم الشرط ليس سبباً، عفوياً، عدم الشرط ليس مانعاً، بل المانع وصف وجودي ولا يكون وصفاً عدمياً. هذه أحفظها. لذلك ايش تقول السيوطي؟ والمانع الوصف الوجودي الظاهري منضبطاً عُرف ما يغايره الحكم مع بقاء حكمة السبب، والشرط يأتي حيث حكمه وجب.

فالمانع أيها الأحبة هو عبارة عن وصف وجودي، يعني وصف موجود قائم يمنع من صحة الصلاة، يمنع من صحة الزكاة، يمنع من صحة البيع. وهو وصف وجودي، شيء موجود قائم، مثل ايش؟ مثل الحيض. فنقول: الحيض مانع وصف وجودي يقوم في المرأة. مش الحيض ليس عدم شيء، بل هو شيء موجود، الحيض ليس عدماً بل هو وجود، فهو وصف وجودي قائم يمنع من الصلاة. مثلاً ملك الدين في الزكاة، قلنا إذا الإنسان عليه دين، ما عليه زكاة، صح؟ فالدين هو وصف وجود قائم بالشخص، وصف وجودي موجود حقيقي، يمنع من ماذا؟ من إلزام الشخص بإخراج، وعلى ذلك فقس. آه فنقول إذاً أيها الأحبة كثير من الإخوة يخطئون، بعض الإخوة يقول لك آه عدم الشرط مانع، والبعض يعكس ويقول: عدم المانع شرط، يقول لك: والله عدم الحيض شرط لصلاة، لا، لا، خطأ هذا التعبير، خطأ. لا تقل عدم الحيض؛ لأنه الشرط نفس الشيء الشرط وصف وجودي والمانع وصف وجودي، ما بعلقه بالعدم. فما بقول والله عدم الحيض شرط للصلاة، لا، بقول: الحيض مانع من الصلاة؛ لأن الشرط عند الأصوليين هو وصف وجودي قائم، والمانع وصف وجودي قائم، فليست العدمية، لا لا تكون العدمية شرطاً ولا مانعاً. هذه فهمناها أيها الأحبة حتى ما يخخطئ الإخوة في التمثيل.

طيب، نأتي لا مانع الحكم. ايش مانع الحكم؟ الآن قلنا المانع ينقسم مانع حكم ومانع ايش سبب. مانع الحكم هو وصف وجودي يخل وجوده بحكمة بحكمة الحكم. وصف وجودي يخل وجوده بحكمة الحكم، يعني هذا الوصف إذا وجد ستختل حكمة الحكم. وأما مانع السبب فهو وصف وجودي يخل وجوده، انتبهوا يخل وجوده، أقول بحكمة السبب، ها، كما قلت نفس القضية أن العلماء لما نظروا في موانع الصلاة، في موانع الزكاة، في موانع الحج، طبعا بشكل عام الموانع قلیلة أيها الأحبة، محدودة، ليست مثل الشروط، الشروط كثيرة. لذلك مثلاً في كتب الفقهاء ما تجدهم يذكرون ايش الموانع هكذا بتعداد، والمانع واحد اثنين ثلاث أربعة، الشيء له مانع مانعين ثلاث، اليس كذلك؟ لكن الشروط هي الطويلة. فالمانع محدودة، آه فموانع الحكم هي عبارة عن أوصاف وجودية متى وجدت أخلت بحكمة الحكم، بينما موانع السبب هي أوصاف وجودية متى وجدت أخلت بحكمة السبب، وإذا أخلت متى السبب؟ فهي تلقائياً ستخل بماذا؟ بحكمة الحكم؛ لأن السبب إذا اختل، كما قلنا، اختل الحكم.

لذلك نفس القضية في المانع، المانع بعض الفقهاء قال: خلاص مانع حكم ليش بتقسمه؟ لأنه أما أنه يؤثر على حكمة الحكم مباشرة، واما أن يؤثر على حكمة السبب. فإذا أثر وجوده على حكمة السبب، أثر مباشرة ذلك على الحكم، لكن من خلال هاي الواسطة. لكن خلص الأصوليون عندهم هذا التقسيم.

طيب، إيش الأمثلة على ذلك؟ الآن نذكر أمثلة على الموانع. نأتي في الصلاة، الصلاة ايش مانعها؟ ايش تقول الفقهاء من موانعها؟ الحيض، الحيض مانع من الصلاة، عالجنابة ما بنفع؛ لأن الطهارة شرط للصلاة، فعدم الطهارة ليس مانعاً، جيد. فنقول مثلاً: الحيض، الحيض أيها الأحبة يقول: مانع من موانع الصلاة، مانع، يعني لا تتعلق بذمتك الصلاة أصلاً، الحائض هل تقضيه؟ ما تعلقت بذمتها لهذا؛ لأنه الحيض مانع من موانع الصلاة، لماذا؟ قالوا: لأن الحيض نوع من النجاسة أو الأذى يكون في بدن المرأة خلال أيام معينة، فلا يصلح أن تخاطب والله عز وجل وهي على هذه الحالة، هي لا تستطيع أن ترفع هذه الحالة عنها، حالة ملازمة لها في هذه الأيام، فبالتالي أسقطنا عنها الصلاة حتى لا يترتب عليها حرج في كثرة القضاء، يرحمك الله.

فنلاحظ أنه الحيض مانع يخل من حكمة الحكم. الصلاة ايش حكمتها؟ مناجاة الرب سبحانه وتعالى وتوطيد العلاقة، ولا تصلح هذه المناجاة بماذا؟ بهذه النجاسة التي تكون قائمة، أو هذا الدم الذي يسير من المرأة في هذه الأيام.

طيب، نأتي مثلاً للزكاة، إيش مانع الزكاة؟ الدين. طب الدين أيها الأحبة يمنع من ايش؟ هل هو مانع يخل وجوده بحكمة الحكم؟ هل هو الدين ايش حكمة الزكاة؟ العلاقات والتآلف والاجتماع وغير ذلك. نلاحظ أن الدين ما إله علاقة، لا يؤثر وجوده بحكمة الحكم، لكن يؤثر بحكمة السبب؛ أنه السبب الزكاة هي النصاب، ووجود الدين في الحقيقة مانع يخل بحكمة النصاب؛ لأنه النصاب حكمته أنه يدل على الغنى، وإذا كان الإنسان متدايناً، الناس بدهم منه مصاري كثيرة، إذاً فعليا لا يوجد غنى حقيقي.

طيب، آه نأخذ مثال اللي ذكره الأبوة. الآن قلنا: إذا قتل الاب ابنه، هل يقتص منه؟ لا. فالأبوة مانعة من ايش؟ من القصاص. طيب، الآن لو قلنا: القصاص ايش عليته؟ ايش سببه؟ القتل العمد العدوان. القتل العمد العدوان هو علة القصاص. طيب، شو لماذا؟ ما هي حكمة جعل القتل العمد العدوان علة للقصصاص؟ ايش ممكن نقول في ذلك؟ أنه القتل العمد العدوان فيه اعتداء على الأموال الطاهرة، آه فيه آه ازهاق لأرواح المعصومة والأنفس المعصومة، فناسب جعل القتل عمد العدوان حكمة لوجوب القصاص من هذا الشخص الذي أزهق الدماء المعصومة حتى ينزجر الناس عن مثل هذه الأفعال. وايش حكمة: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: 179]؟ يعني اللفظ القرآني كفانا. ولكم في القصاص حياة، القصاص فيه حياة للمجتمعات، بكل ما هذه الكلمة من عموم، حياة نكرة تفيد العموم بكل ما تحمل هذه الكلمة من عموم، جميل؟

فإذا عرفنا حكمة السبب وعرفت حكمة الحكم، بقي علينا أن نحدد: هل الأبوة وجودها يخل بحكمة السبب، ولا وجوده يخل بحكمة الحكم؟ الآن هنا (يعني أنا بقول لك لا استطيع أني أنا أجزم لك مئة بالمئة باختيار معين)، هنا يأتي النظر العميق الفقهي التأصيلي أني والله أنظر: هل الأبوة في الحقيقة وجودها يخل بالقتل العمد العدوان؟ يجعل فيه نقص من عناصر القتل العمد والعدوان؟ ولا يخل وجودها لأ بحكمة الحكم مباشرة، بحكم القصاص؟ ممكن أقول لك أنه لا، لا، يعني إذا أب تعمد قتل ابنه، وهذا يعرف في بعض النفسيات المريضة، أب تعمد قتل ابنه وأزهق أرواح معصومة ودماء معصومة، فالقتل العمد العدوان حكمة جعله سبباً للقصاص ما زالت قائمة، لكن لأن آه آآ الأب كان سبباً في وجود الابن، ولأن الابن كأنه بضعة وقطعة من الأب، فكأنك عندما تقتل الأب لابنه كأنه يعني قطعة، إن هو قطع قطعة منه، فكيف تقتله بسبب قطعه لهذه القطعة؟ بهذا المفهوم، أو لأن الأب، كما يقول الفقهاء، أب كان سبباً في وجود الابن، فكيف يكون الابن سبباً في إعدام الأب؟ فيقولون: الأبوة في الحقيقة وجودها يخل بحكمة الحكم، بحكمة القصاص، وإن كان في الحقيقة (يعني تحتاجي نظر أعمق وأعمق) يعني محتملة.

مثلاً المثال يمثل به عبد المؤمن البغدادي، ايش المثال حكم؟ قال: المشقة سبب في الترخيص، المشقة سبباً في حصولك على الرخص، هاي الهدايا الربانية. إذا أنت كنت عندك مشقة، بمثلاً انسان مريض جداً ولا يستطيع مثلاً أن يصلي الصلوات كلها في أوقاتها، الشريعة أباحت له الجمع بين الصلوات، إذا كان الإنسان في سفر عنده مشقة، الشريعة أعطته هدايا اللي هي آه ترك صيام الفرض وترك كذلك الصلاة الرباعية تحويلها إلى ركعتين. فباختصار المشقة سبب في ماذا؟ في الترخص. إذا الإنسان كان عاصي عندما وقعت المشقة عليه، يعني عفوياً، هو لما ذهب أو شق على نفسه كان قصده بهذه المشقة وتوجهه إلى معصية، يعني إنسان سافر سفراً بعيداً إلى أمريكا، في مشقة.

لكن لماذا سافر؟ لماذا فرض على نفسه هذه المشقة؟ يريد والعياذ بالله أن يوصل إلى الفحشاء والمنكرات التي توجد في تلك الديار. فإذا هناك مشقة، جميل؟ نقول: هل هذه المشقة ستورث الترخص؟ ستؤدي إلى الترخص؟ نقول: لا، لأن هناك هذه المشقة أيها الأحبة خرجت من إنسان يريد المعصية. عصيانه بهذه السفرة مانع من ترخصه. طيب، إذا العصيان وصف وجوده يمنع من الترخص، هل هو يخل بحكمة السبب ولا يخل بحكمة الحكم؟ لا، لا يخل بحكمة السبب. المشقة موجودة موجودة، وجعل المشقة سببا للترخص كحكمة يبقى قائما، لكن كون المشقة تؤدي إلى الترخص، الترخص عبارة عن هدية من إيش حكمتها؟ أن الله عز وجل يهدي عباده المؤمنين الطائعين المنقادين له هدايا للتخفيف عنهم وللتوسعة عليهم.

فهذا الانسان العاصي بسفره يوجد فيه مانع وهو المعصية، هذا المانع يؤدي إلى خلل في حكمة الحكم. حكمة الترخص إيش هي؟ التوسعة على المكلفين المنقادين للشريعة، وهذا عاصي غير منقاد للشرع أصلا، وكل مشقته هذه من أجل معصية الرب، فلا يتناسب مع هذه الحكمة، لا يتناسب أن يأخذ هذه الهدية الربانية اللي هدفها التوسعة على عباده، لذلك نقول للمعصية مانع من حكم الترخص. وأما السبب الذي يوجد هذا الحكم اللي هو المشقة، المعصية لم تؤثر عليه بشكل مباشر. إذا، هذا تقسيم سريع وتوضيح حاولت من خلاله أني أقرب لك الصورة لشرط الحكم لشرط السبب ولمانع الحكم ومانع السبب. أسأل الله أن أكون قربت شيئا كبيرا من هذه الأفكار.

الآن نذهب إلى النوع الثاني أو نبدأ نستعين بالله عز وجل عن القسم الثاني من أقسام هذا الكتاب، وهو الكلام عن مصادر التشريع، قال عبد المؤمن البغدادي رحمة الله عليه: الباب الثاني في الأدلة. الأدلة ما هي الأدلة أيها الأحبة؟ هي مصادر التشريع. الآن أيها الأحبة عبد المؤمن البغدادي سيتكلم عن مصادر التشريع، وسيتكلم عن قواعدها. ابتداء أيها الأحبة، مصادر التشريع تنقسم إلى قسمين: مصادر تشريع متفق عليها، ومصادر تشريع مختلف فيها. مصادر التشريع اتفقت الأمة على الاستدلال بها وعلى وجوب الرجوع إليها. ومصادر اختلف علماء الأمة في وجوب الرجوع إليها وفي اعتبارها طريقة من طرق الاستدلال لإثبات الأحكام. مصادر التشريع المتفق عليها أيها الأحبة هي الكتاب والسنة والإجماع والقياس في الجملة، لأن القياس وقع فيه شيء من الخلاف، لكن كما قال أكثر الأصوليين الخلاف حادث مع الظاهرية فلا يعتد بخلافهم في إنكار القياس.

حتى هم بينهم تفاصيل في إنكار القياس ليسوا شيئا واحدا، فالقياس يعتبره كثير من الأئمة ملحق بالأدلة المتفق عليها، وكثير من الأئمة يلحق الاستصحاب أيضا بالأدلة المتفق عليها، لكن من حضر معنا دورة النظم الصغير بينا في نهاية كلامنا عن الاستصحاب أن الاستصحاب في الحقيقة ليس دليلا أو ليس مصدرا تشريعيا مستقلا، وإنما هو يعود إلى مصادر التشريع الأخرى، فاذا لم تذكره كمصدر تشريعي مستقل لا حرج في ذلك، وهذا سنبين إن شاء الله عندما نتكلم عن الاستصحاب. إذا، مصادر التشريع المتفق عليها: الكتاب والسنة والإجماع والقياس في الجملة، والاستصحاب لمن عده مصدرا تشريعيا مستقلا. مصادر التشريع المختلف فيها اللي اختلف العلماء هل هي فعلا مصدر يرجع إليه ولا لا يرجع إليه؟ هي المصالح المرسلة -طبعا هي كثيرة أشهرها المصالح المرسلة، ما يسمى الاستصلاح- والاستحسان وسد الذرائع وقول الصحابي والاستدلال.

ما هو الاستدلال؟ هذا مصطلح جديد يا شيخ ما درسناه في النظم الصغير، نقول: نعم، مصطلح جديد ندرسه إن شاء الله في قواعد الأصول. بسم الله. هذه أشهر الأدلة المختلف فيها، طبعا هناك أدلة مختلف فيها أخرى مثل مراعاة النظير مثل الاستدلال بالعرف أو ما شابه ذلك، فهذه تفريعات كثيرة لا أريد أحكمك فيها. أنت الآن في كتاب متوسط يكفيك أنك تقول خمسة مقابل خمسة صح؟ المتفق عليها: كتاب، سنة، إجماع، قياس، استصحاب. والمختلف فيها: استصلاح، استحسان، قول صحابي، استدلال، وسد ذرائع.

طيب، الآن بعد أن قسمت مصادر التشريع بهذا التقسيم، سيأتي معنا عبد المؤمن البغدادي يقسمها تقسيما آخر باعتبار آخر. هذا التقسيم الأول لمصادر، تقسيم لها باعتبار اتفاق الأمة عليها واختلافهم فيه. سنقسمها إن شاء الله تقسيما آخر باعتبار إيش أيها الأحبة؟ باعتبار ما هو سمعي منها وما هو عقلي منها، لكن هذا أدعه في موضعه عندما يأتي عبد المؤمن البغدادي إليه. والآن نبدأ مع عبد المؤمن البغدادي فيما قال، فقال: الباب الثاني في الأدلة. سيتكلم أولا عن تحليل كلمة الأدلة أيها الأحبة.

فنقول: الأدلة هي جمع دليل. أذهب إلى السبورة، نقول: الأدلة جمع إيش دليل؟ ممتاز، ودليل مشتقة من إيش؟ بغض النظر طبعا، أنا ما راح أتكلم أن هل هي مشتقة بواسطة ولا من دون واسطة، هذا في علم الصرف. لكن اختصارا أقول: الدليل أصلها من الدلالة، لذلك بدأ عبد المؤمن البغدادي بتعريف المصدر اللي هو إيش؟ الدلالة. الآن من درس معنا أساسيات علم المنطق أو السلم المنورق أظن أنه يضبط مفهوم الدلالة جيدا، أظن والله تعالى أعلم. ما هي الدلالة؟ كما درسناها سابقا، الدلالة هي فهم شيء من شيء أو كون الشيء بحيث يفهم منه شيء آخر. الدلالة لها تعريفان، وقع الخلاف بين المتكلمين والمناطق في هل هو فهم شيء من شيء أو كون الشيء بحيث يفهم منه شيء آخر.

الآن أيها الأحبة، أنا في الطريق وجدت علامة مكتوب عليها إكس، إيش فهمت من هاي العلامة أنا؟ أنه هنا ممنوع الوقوف. أردت أن أقف فوجدت هذه العلامة -وضعونا إخواننا في دائرة السير والمرور- وجدت هاي العلامة إيش بفهم من هاي العلامة؟ ممنوع الوقوف. فهم ممنوع الوقوف من هذه العلامة هو فهم شيء من شيء، صح؟ فهمت عدم الوقوف من العلامة، فهم شيء اللي هو عدم الوقوف من شيء، من العلامة، ممتاز. أنا الآن بكلمك صح؟ صار لي ساعة ونص بتكلم معكم، الألفاظ شيء أفهم منها معاني، أليس كذلك؟ فاذا هذه دلالة، الألفاظ تدل على المعاني. إذا عندي دلالة، فهم شيء من شيء. فهمت المعنى من اللفظ فهي فهم شيء من شيء.

عندما مثلا أشير بيدي بهذه الإشارة مثلا، عندما أقول لكم بهذه الإشارة ماذا تفهم أنتم أيها الأحبة؟ ثمانية، أحسنتم. إذا هذه الإشارة أنتم فهمتم منها شيئا، اللي هو الرقم ثمانية، هذه في عرفنا. فاذا فهمت الثمانية من الإشارة، إذا عندي دلالة هون، فهم شيء من شيء. فالدلالة إذا أن تفهم شيئا من شيء، فهمت ممنوع الوقوف من الإشارة، وفهمت المعنى من اللفظ، وفهمت الثمانية من عقد الأصابع، فهذا يسمى عندي الدلالة: فهم شيء من شيء. طيب، إيش الفرق بينه وبين التعريف الثاني؟ من عنده همة يذهب يراجع الدورات السابقة، أنا لن أشرح، لأني هنا في الحقيقة لن أدخل في علم المنطق والتقسيمات، إيش الفرق هذا يأخذ وقت منا؟ من كان عنده همة وحب للاطلاع على الفرق بين التعريفين ويعرف أي التعريفين أصوب؟ يراجع دورة أساسيات علم المنطق أو السلم المنورق، ما هو التعريف الصحيح؟

إذا الدلالة فهم شيء من شيء. عبد المؤمن البغدادي ما بده التعريف هذا المنطقي الكلامي، بده تعريف اختصاري على الطالب. قال: الدلالة هي إيش؟ الإرشاد. فهنا الدلالة بمعنى إيش؟ الإرشاد. لاحظوا، نعم الدلالة مصدر وإرشاد مصدر، هذا تعليق على الكلام السابق. لكن الإرشاد هي مرادفة لمعنى الدلالة مقاربة، فيصلح أن نقول نعم، هنا عرف مصدر بمصدر وتعريف صح، لأنه الإرشاد كمصدر مقارب في مفهومه لمفهوم الدلالة. الإرشاد هو شيء من شيء، الإرشاد هو فهم شيء من شيء، فذاك تعريف منطقي منمق، والدلالة بمعنى الإرشاد هذا التعريف اللغوي باختصار. لما قال عبد المؤمن البغدادي الدلالة هي الإرشاد، هذا ما ستجدونه في كتب اللغة، واما ما ذكرناه نحن الدلالة هي فهم شيء من شيء، هذا ما ستجدونه في اصطلاح العلماء من المناطقة والمتكلمين وعلماء الاعتقاد وعلماء إلى غير ذلك. فلما إذا الدلالة لغة هي الإرشاد وفي الاصطلاح فهم شيء من شيء، ممتاز.

الآن الدلالة اشتق منها دليل، طيب دليل إيش نوعها من انواع المشتقات؟ صفة مشبهة، جميل. صفة مشبهة فعيل. وقلنا فعيل عند في علم الاشتقاق تأتي بمعنى فاعل وتأتي بمعنى مفعول، مش أخذنا في جمع المذكر السالم من شروطه أن تكون فعيل أن لا يكون عفوا مما يستوي فيه المذكر والمؤنث، وقلنا ما يستوي فيه المذكر والمؤنث فعيل بمعنى مفعول. باختصار، فعيل تأتي بمعنى الفاعل، صفة مشبهة بمعنى الفاعل، وتأتي معنى المفعول، فجريح إيش معناها في اللغة؟ مجروح صح؟ فاذا هاي فعيل بمعنى مفعول. هنا دليل فعيل، بس إيش معناها؟ معنى الفاعل، جيد؟ لكن هناك تقسيم أدق عند الأصوليين فيقول: الدليل تأتي بمعنى الفاعل وهذا الأصل والمعنى الحقيقي لها، فعيل بمعنى فاعل، فالدليل بمعنى دال، الدليل بمعنى إيش؟ دال. لأن فعيل هنا بمعنى فاعل، وهذا هو المعنى الحقيقي لكلمة دليل أنها بمعنى الدال. ومن هو الدال؟ اكتبوا عندكم، الدال هو الشخص الذي ينصب العلامات المرشدة أو ينقلها عن غيره.

من هو الدال؟ هو الشخص الذي يقوم بنفسه بنصب العلامات المرشدة لنا أو ينقلها عن غيره، يعني ممكن أكون أنا الناصب بنفسي، أنا الواضع بنفسي، الناصب يعني الواضع بنفسه. وممكن يكون ليس هو الذي وضعها، لكنه نقلها عن غيره، ليس هو الذي وضعها مباشرة، هناك من وضعها سابقا، لكنه نقلها وذكرها لغيره، فهو أيضا دال، جميل. فالنجوم أيها الأحبة، من الذي وضعها حتى نسترشد بها؟ الله سبحانه وتعالى، فالله عز وجل دال لنا.

طيب، لكن لو جاءك شخص خريج، رجل ماهر، أصحاب علم البحر وهؤلاء الذين يعرفون في النجوم، اهتديت به وأصبح يقول: آه والله، هذا النجم بقول لك امشي دغري، وهذا النجم بقول لك لا روح عاليمين. وبدأ يتكلم معك، تقول: هذا الشخص هو ماذا؟ هو أيضا دال، صح؟ لكن الله عز وجل هو دال لأنه هو الذي نصب الدلالة، هو الذي وضع هذه العلامات. والخريج الذي يدلك على الطريق هو دال لأنه ينقل ويذكر لك هذه العلامة، فالدال هو الذي ينصب العلامة أو يذكرها، ينصب العلامة بنفسه أو يذكرها وإن لم يكن هو الذي نصبها، جميل.

ويطلق الدليل، هل يوصف الله عز وجل بأنه دليل أيها الأحبة؟ هل يجوز أن نقول: الله دليل؟ هذه فيها خلاف بين علماء العقيدة، وذهب ابن تيمية ومجموعة من أهل العلم إلى أنه يجوز أن يوصف الله بالدليل بالإضافة. أنه نقول: الله دليل المؤمنين، لذلك استدلوا بأن رجل جاء إلى أحمد بن حنبل فقال له: يا إمام، يعني علمني دعوة أو ما شابه ذلك أدعو بها، فقال: اللهم يا دليل إلى الحائرين دلني على طريق الصادقين، فهذا روي عن أحمد بن حنبل ويذكره كثير من العلماء، فقالوا: هذا دليل على أنه يجوز أن يوصف الله ويخبر عنه بأنه دليل ماذا؟ بالقي- بالإضافة، لا تقول لي وتسكت، لا تقول: الله دليل الحيارى، دليل الذين يطلبون الهداية بهذا القيد. فهذا جائز على باب الإخبار عن الرب سبحانه، لكن ليس اسما من أسمائه الحسنى، فباب الإخبار كما تعلمون في علم العقائد أوسع من باب الأسماء، باب الإخبار عن الرب أوسع من باب الأسماء، فالأسماء توقيفية نقف فيها على ما ورد، أما الإخبار واسع فلذلك جوزوا أن يخبر عن الله عز وجل ويوصف بأنه دليل بالإضافة، فتقول: الله دليل الحيارى.

طيب، إذا الدليل حقيقة بمعنى الدال، وهذا الإطلاق الحقيقي. يطلق الدليل بمعنى ما يستدل به، يعني الشيء والآلة التي يستدل بها تسمى أيضا إيش دليلا، فهي العلامة المرشدة. فالدليل هنا الدليل ما يستدل به، هي العلامة المرشدة التي نصبها الدال، أليس كذلك؟ فمثلا رجل خريج أو رجل رجل يهدي الناس إلى طريقهم في البحار معه بوصلة، جميل؟ نقول: هذا الرجل يسمى دليلا، والبوصلة تسمى دليلا. هذا الرجل يسمى دليلا بمعنى الدال لأنه هو الذي ينصب العلامة أو على الأقل ينقلها، والبوصلة تسمى دليلا بمعنى أنه يستدل بها فهي العلامة، صح؟

النجوم في السماء تسمى إيش؟ دليل، لأنك تستدل بها. لكن هل النجوم تسمى دليل بمعنى الدال؟ الدال هو الذي وضع هذه النجوم أو نقل لنا دلالتها، أما هي تسمى دليل بمعنى أنه يستدل بها، فإطلاق الدليل على ما يستدل به هذا إطلاق مجازي. طيب، الآن دعونا أيها الأحبة نطبق حتى يعني يقوى لنا، أنا ذكرت مجموعة من الأمثلة هنا على هاي القضية.

طيب، نذهب مثلا نقول: القرآن والسنة، نصوص القرآن والسنة أيها الأحبة هي كل نص نسميه إيش؟ دليلا، صح؟ طيب هل نصوص القرآن والسنة عندما نسميها دليلا ونجمعها على أدلة هل هي دليل بمعنى ما يستدل به ولا دليل بمعنى الدال؟ إيش رأيكم بعد أن فهمتم التقسيم أنه دليل يطلق معنى الدال وهو الناصب للعلامة ويطلق بمعنى ما يستدل به، نصوص الكتاب والسنة، مصادر التشريع جملة الكتاب والسنة الإجماع القياس تسمى أدلة مفردها دليل، هل هي دليل بمعنى دال ولا دليل بمعنى ما يستدل به؟ اه، دليل بمعنى ما يستدل به، لماذا؟ لأنه الكتاب والسنة والإجماع والقياس والاستصلاح وغيرها من الذي نصبها أدلة على الحكم الشرعي؟ الله سبحانه وتعالى، فالله هو الذي هو الدال، لأنه هو الذي نصبها، واما هي الكتاب والسنة فهي استدلوا بها على الحكم الشرعي، فاطلاق الدليل عليها بمعنى ما يستدل به وليس بمعنى الدال.

وضحت قضيتها؟

نأتي مثال آخر، الألفاظ تدلنا على المعاني، صح؟ فالألفاظ تسمى دليلاً على المعاني، هكذا يقول علماء اللغة؛ الألفاظ دليل على المعاني في نفوسنا. أنت في قلبك، في نفسك، في شيء بدك تخبر فيه، هذا المعنى كيف ستعبر به للآخرين؟ من خلال الألفاظ، فالألفاظ دليل على ماذا؟ على المعاني.

طيب، عندما نقول: اللفظ دليل على المعنى. عندما نصف اللفظ بأنه دليل، هل هو دليل بمعنى دال أو بمعنى ما يستدل به؟ يلا بالتفكير السريع، بمعنى ما يستدل به على المعنى. ليش؟ مع أنه يقول: هو دليل بمعنى دال على المعنى. نقول: اللفظ الدال هنا من هو؟ هو الذي وضع اللفظ ليدل على المعنى. الدال هو الذي وضع اللفظ ليدل على المعنى، إذا قلنا: الله هو الذي وضع الألفاظ فهو الله، وإذا قلنا: كل مجتمع وكل العرب هم الذين وضعوا لغاتهم -خلاف شهير- من الذي وضع اللغات؟ إذا قيل: العرب هم الذين وضعوا اللغة، جميل، فالعرب هم الذين يوصفون بأنهم دال، وأما الألفاظ واللغة نفسها إذا سميت دليل فهي دليل بمعنى يستدل به على المعنى.

طيب، المثال الأخير، إشارات المرور التي في الطرقات أيها الأحبة، أقول: هذه الإشارة دليل على أنه يمنع الوقوف. الشيخ تقول؟ طيب، هل هي دليل بمعنى دال ولا بمعنى ما يستدل به؟ بمعنى ما يستدل به. طيب، من هو الدال فيها حقيقة إخواننا؟ إدارة السير الذين وضعوها، هم الدال لأنه هم الذين رصدوها وحطوها في الشارع، وأما هي دليل بمعنى ما يستدل به على المعنى. فلاحظنا إذا الفرق وبين الدليل بمعنى الدال وهذا الإطلاق الحقيقي وبين الدليل بمعنى ما يستدل به وهذا الإطلاق المجازي.

جميل، كم ذا من الوقت؟ ساعة، ساعة وربع؟ جميل معنا وقت. طيب الآن أيها الأحبة، بدي أنتقل معكم إلى تقسيم منطقي، وهذا التقسيم ذكرته كثيراً في أساسيات علم المنطق وفي السلم المنورق، لكن للأسف يعني كثير من الطلبة يزهد بدراسة علوم المناطقة فيبقى معه إشكال في فهم كلام الأصولية، خلص ما بدو يسمع كلام المناطقة، أنا لا اريد يا اخي وافقهم، أنا اريدك تفهم مصطلحهم؛ لأن كتب الأصول عقائد فيها كثير من تفاريع كلام المناطقة، فإذا هذا التصور ما تخمر في ذهنك عندما تقرأ كلام الأصوليين سيبقى عندك ضعف في فهم كلامهم وفي فهم طريقتهم.

الأصولي يشير إشارة هؤلاء الأئمة: الغزالي، والرازي، وابن تيمية، وعبد المؤمن البغدادي، كل هؤلاء الأئمة الكبار هؤلاء متضلعون في علم المنطق، فكلامهم في كتب الأصول هو فرع عن فهمهم لعلم المنطق واستخدامه لمصطلحات المنطق، فانا عندما اقول لك: ادرس أساسيات علم المنطق والسلم المنورق، أنا اريدك أن تعرف المصطلح حتى تفهم كلام الأصوليين الآن وماذا مصطلحات المناطقة أو ايش أثر ذلك في علم أصول الفقه، لكن هو كلام سريع الآن، من يريد التفصيل فيه يعود إلى تلك الدورات السابقة.

يقول المناطقة أيها الأحبة: الإادراك بمعنى العلم، العلم عند المناطقة مثل العلم عند اللغويين هو بمعنى الإدراك بغض النظر كان جازماً أو غير جازم، ما عندهم فرق المناطقة، يقول: العلم هو مطلق الإدراك، هو مطلق أي إدراك يسمى علم عندهم، يقول: إن الإدراك إما أن يكون تصوراً وإما أن يكون تصديقاً، يقسم الإدراك إلى تصور وإلى تصديق.

ما هو الإدراك الذي بمعنى التصور؟ هو إدراك المفردات. والإدراك الذي يسمونه تصديقاً يسمى هو إدراك الجمل أو النسب، إدراك مفرد تصوراً عُلم، وإدراك نسبة تصديقاً وُسم، كما يقول الأخضري في السلم المنورق. طيب إذا الإدراك إما أن يكون إدراك لمفردات، ألا تدرك ايش معنى القلم؟ تدرك ايش معنى النافذة؟ تدرك ايش معنى المروحة؟ تدرك ايش معنى السبورة؟ تدرك ايش معنى الكرسي؟ هذا يسمى إدراك مفردات صح؟ جميل فيسمى تصوراً، هذا النوع من الإدراك يسمى تصوراً لأنك أدركت به شيئاً مفرداً.

طبعاً كلمة إدراك التصورات أعمق منك بكثير، من العادة المنورق يفهم أنه التصورات معنى المفرد هنا أوسع من هذا، لكن ما بدي أخل في هذا فقط أفهمها هاي الصورة. إذا الإدراك متى يسمى تصوراً؟ إذا كان إدراكاً لمفردات. جميل.

والإدراك متى يسمى تصديقاً؟ إذا كان إدراكاً لماذا؟ لجمل. إذا أدركت معنى جملة هذا يسمى ايش؟ تصديق. طيب ايش معنى إدراك معنى جملة؟ لما نقول: إدراك معنى الجملة؟ افهموه جيداً، معنى الجملة عند المناطقة لا يقصدون به أن تفهم معنى الجملة، يقصدون به أن تدرك مطابقة هذه الجملة للواقع الخارجي أو عدم مطابقتها، يعني هل هذه الجملة صحيحة في الواقع الخارجي أو لا؟ عندما أقول لك: جاء زيد، لما يقول المناطقة: أدرك هذه الجملة، ايش يعني أدرك هذه الجملة؟ يعني انظر هل هذه الجملة مطابقة للواقع الخارجي أم لا؟ صادقة أو كاذبة؟ والله أجا زيد، اه أقول: إذاً الجملة صادقة، لا لم يأتي زيد، إذاً جملة كاذبة.

عندما يقولون: الواحد نصف الاثنين، أدرك هذه الجملة، ايش يعني أدركها؟ يعني انظر إليها مطابقة للواقع الخارجي. عندما نأتي بالنظرية فيزيائية، قانون إسحاق نيوتن: لكل فعل رد فعل معاكس له في المقدار مساو، اللي هو المقدار ومعاكس له في الاتجاه، هذه جملة، يقول لك: أدركها، ايش يعني أدركها؟ مش افهم معناها، من درس معه سلم فهم المعنى فقط هذا تصور أصلاً، فهم المعنى هذا أصلاً من قبيل التصورات يسمونه، المراد بإدراك الجملة إدراك مطابقة للواقع الخارجي أم لا، فإذا أدركت المطابقة للواقع الخارجي أم لا يسمى هذا ايش؟ تصديقاً. جميل، إذا الإدراك ينقسم إلى تصور وإلى تصديق.

لطيف، الآن نعود فنقول: الإدراك الذي هو تصور إما أن يكون -استشهد- الإدراك الذي هو تصور إما أن يكون ضرورياً وإما أن يكون نظرياً، والإدراك الذي يسمى تصديقاً إما أن يكون ضرورياً وإما أن يكون نظرياً، وعندما ندرس نخبة الفكر إن شاء الله سنحتاج لهذا التقسيم مرة أخرى، هذا التقسيم يتكرر معك في جل العلوم، في جل العلوم ففهمه أساس في الانطلاق في العملية العلمية الإدراكية لطالب العلم. التصديق ينقسم إلى ضروري ونظري.

طيب نبدأ، الإدراك إذا كان تصوراً كما قلنا ينقسم إلى ضروري ونظري، ايش هو الإدراك التصوري الضروري؟ ومتى يكون التصور نظرياً؟ قلنا التصور إدراك إيش؟ مفردات، لما يكون إدراك لمعنى المفرد لا يحتاج إلى نظر وتأمل، ما بدو جهد ذهني كبير، يقولون: هذا تصور ضروري، مثل ايش؟ لو قلت لك: شيخ ما معنى الماء؟ أدرك ما معنى الماء؟ هل تحتاج إلى وجوه الدين أنك تفسر لي الماء لماذا؟ ما بتحتاج جهد ذهني؛ لأن الماء نتعامل معه كثيراً في حياتنا لا يخفى على أحد، فتصور وادراك معنى هذا المفرد ضروري لا يحتاج إلى نظر وتأمل.

لكن لو قلت لك: ما معنى الثقب السوداء؟ تقول لي والله هذا الشيخ بدو واحد فيزيائي يجي على واحد فلكي يجي يعرف لنا إياه شو معنى الثقب السوداء؛ لأن فهم معنى هذا المفرد ليس متعارف عليه بين الناس وإنما مختص بطائفة معينة هم الذين يدركون، فإنسان مثلي جاهل في هذا الموضوع احتاج لمن يعرف لي ايش معنى هذا المفرد؟ فيقود المناطقة: التصور إذا كان لا يحتاج إلى نظر وتأمل يسمى تصور ضروري مثل الماء، تصور معنى الماء. أما إذا كان إدراك المفرد يحتاج إلى نظر وتأمل فهذا يسمى تصور ايش؟ نظري.

طيب والتصور نظري كيف نصل إلى تصوره وادراكه؟ من خلال التعاريف، فكل التعاريف التي ذكرها عبد المؤمن البغدادي من أول كتاب لآخر كتاب الأصول هي تعاريف لمفردات نظرية، لو كان المفرد ضروري ما احتاج عبد المؤمن البغدادي، لكن لما كان معنى الحكم، ومعنى الإيجاب، ومعنى الندب، ومعنى الأصول، ومعنى الفقه، كلياتها هي فقط يدرك معناها طائفة معينة في الجلد، لأنهم ما عرفوا هذه المصطلحات المفردة ما تعاملوا بها يحتاجون إلى تعريف، فتجد عبد المؤمن البغدادي في كل باب يذكر التعاريف حتى تتصور معنى هذه المفردات، ما معنى الفقه؟ ما معنى الأصول؟ ما معنى الاستصلاح؟ ما معنى الاستحسان؟ ما معنى الإيجاب؟ ما معنى السبب؟ كلياتها تصورات نظرية تحتاج إلى تعاريف، التعاريف هي الوسيلة التي توصلنا إلى التصورات النظرية، فنصف علم المنطق هو في دراسة التعاريف، شروط التعاريف، مما تتكون التعاريف في الكليات الخمس التي منها تدخل التعاريف، فيبدأونها في الجنس والفصل والخاصة والعرض العام كلها من أجل أن نفهم فلسفة التعريف.

ننتقل إلى القسم الثاني من علم المنطق، التصديق وهو إدراك الجمل، إما أن يكون ضرورياً وإما أن يكون نظرياً. التصديق الضروري ما هو؟ والذي لا يحتاج إلى نظر وتأمل، لما اقول لك: الواحد نصف الاثنين، والله أنظر لي هل هذه الجملة مطابقة للواقع الخارجي أم لا؟ محتاج لجهد منك؟ ما هي محتاجة لجهد كبير، صح؟

طيب لما اقول لك: السماء فوقنا، أدرك هاي الجملة مطابقة للواقع، بدها شغل كثير؟ اه بدها شغل. لكن إذا كان إدراك الجمل النظري: أدرك لي أن العشرة وعشر المية هون شوي بتقع، بلشنا في عمليات أدق نحتاج إلى جهد ذهني ونظر وتأمل، والله حكم الرضاع من رضاع الكبير وحكم -عشان يخطر ببالها مسألة- حكم مثلاً أعطيني هيك حكم فقهي غريب يعني حكم أحكام دقيقة في المواريث؛ لماذا مثلاً الأخ يحجب ابن الأخ، ولا الجد هل يكون مشتركاً مع الأخوة ولا يحجب الأخوة؟ إدراك هذه الجمل يحتاج إلى نظر وتأمل، جميل.

إذاً إذا كان إدراك الجمل لا يحتاج إلى نظر وتأمل يسمى ضروري، إذا كان إدراك الجمل يحتاج إلى نظر وتأمل يسمى ايش؟ نظري. التصديقات النظرية التي تحتاج إلى نظر وتأمل -هنا يعني كل هذا التقسيم مشان هاي الكلمة مش تضيعها، يعني الطالب يكون مركز لما نأتي الكلمة التي بدنا اياها- التصديقات النظرية التي تحتاج إلى نظر وتأمل كيف يوصل إليها؟ يوصل إليها من خلال الدليل، ففي العملية العلمية الإنتاجية الفكرية في أي علم: ديني، غذائي، صحي، فلسفي، الدليل هو طريق لإدراك الجمل النظرية، طريق للتصديقات النظرية.

واضح أيها الأحبة؟ طريق إدراك التصديقات النظرية. عندك جملة بدي أدرك هل هي مطابقة للواقع ولا مش مطابقة للواقع؟ وليست ضرورية، محتاج إلى جهد ذهني، الجهد هذا الذي تبذله وتأتي بالمقدمات والاستدلالات كله يسمى دليلاً، فالدليل هو الطريق الموصل إلى إدراك التصديقات أو إدراك الجمل النظرية، إدراك التصديقات النظرية عفواً أو إدراك الجمل النظرية. عرفتم وين الدليل؟

فكل الأحكام الشرعية: الصلاة واجبة، الزكاة واجبة -لا بديش أدخل في الصلاة واجبة؛ لأنه أنا ممكن شوي يصير أنه في الحقيقة الصلاة واجبة أصبحت اه نظرية ولا ضرورية، ايش رأيكم؟- أصبحت ضرورية. لكن في مجتمع في مجتمعات أفريقيا وادغالها بتكون نظرية، أنك راح تقول لي يا شيخ ايش الفرق بين الضروري والنظري؟ في عندك حد بقول لك: لا الأمر نسبي من مجتمع ومن شخص إلى آخر، وهذا مهم في عقائد أنك تعرف أن تقول: هذا معلوم من الدين بالضرورة، انتظر شوي، معلوم في المجتمعات الإسلامية، لذلك يقولون: هل يكفر تارك الصلاة مثلاً جاهد الصلاة أو جاهد الزكاة؟ يقول: إذا كان في مجتمع إسلامي وكان بعيد ليس قريب العهد بالإسلام -الحمد لله مسلم من القديم من القدم- يكفر؛ لأنه أنكر معلوماً من الدين بالضرورة. أما إذا نشأ في بادية بعيدة عن ديار الإسلام أو كان جد قريب العهد بالإسلام لا يكفر حتى يعرف؛ ليه؟ لأنه وجوب الصلاة في حالة هذا الشخص نظري، وفي حالة ذاك الشخص ضروري. فهمتوا كيف القضية بتكون نسبية؟ الشخص القريب عهد الإسلام يعني جديد أسلم باختصار هذا ممكن فعلاً وجوب الصلاة عنده ما وضح له، عشان هيك أنكر، فبالتالي وجوب الصلاة عنده نظري فتحتاج إلى أن تأتي له بالأدلة. أما شخص مسلم من خمسين سنة ويعيش في بلاد الإسلام لا يقبل منه إنكار الصلاة؛ لأنه أصبحت في حقه معلومة من ايش؟ ضرورية، معلومة من الدين بالضرورة. فالضروري والنسبي إذاً عفواً الضروري والنظري شيء نسبي، لا يوجد فيه حد فاصل، يختلف من حال إلى حالة ومن شخص إلى آخر.

طيب نسيت ايش أتكلم؟ وين وصلت أنا؟ نعم، إذا بشكل عام كما قلنا جميع الأحكام هي وجميع الأحكام الشريعة التي كنت أتكلم عنه، أي حكم شرعي تكليفي أنت الآن الحكم التكليفي لما بدك تتكلم عن الأحكام التكليفية في البيوع وفي الأنكحة وفي الجنايات وفي العبادات: صلاة، طهارة، زكاة: الوضوء واجب بحكم، مسح الراس حكم، غسل الرجل، هاي كلياتها عبارة عن جمل، صح ولا لا؟ أقول: مسح الرأس مرة واحدة فرض، النية عند الحنابلة واجبة، مش هذه جمل تصديقية؟ أريد أن أدرك مطابقتها، والله هي صحيحة في الواقع الخارجي ولا خطأ؟ كيف بدي استدل عليها؟ كيف؟ من خلال الدليل، صح ولا لأ؟

الدليل لذلك تعرف ايش فائدة الأدلة؟ الأدلة الشرعية هي لإدراك صدق الجمل. هل النية واجبة يلا؟ أو نية شرط؟ أحتاج إلى دليل. هل الرضاع آآ يحرم منه هالخمس رضعات محرمة؟ شك عند الحنابلة، يلا هادي جملة: خمس رضعات محرمة، هادي جملة اه إدراكاً يعني إدراك مطابقتها للواقع الخارجي، مش ضروري والله، لا تحتاج نظر وتأمل، تحتاج إلى نظرين، مثلث أنظار كمان، صح ولا لا؟ فإدراك هل خمس رضعات محرمة يحتاج إلى دليل. فهذه الفلسفة أيها الأحبة هذه أحكام شرعية، وقل ذلك في الأحكام اللغوية: الفاعل مرفوع، أحتاج لدليل؛ لأن الفاعل مرفوع ليست ضرورية، هي ايش؟ نظرية تحتاج لإثبات، صحيح؟ لكن إذا واحد متضلع في علم اللغة ويعيش مع ناس كلهم لغويين وعارفين هاي المعاني، كلهم الحمد لله من جماعة، خلص بالنسبة له مصلحة الفاعل مرفوع ايش؟ ضرورية ما هي محتاجة إلى دليل.

عرفنا الدليل نحتاجه إذا في مثل هذه القضايا؛ في الإدراكات الجمل النظرية أو في التصديقات النظرية. طيب أنا شو اللي قادني لكل هاي القصة؟ إنه الآن عبد المؤمن البغدادي يريد أن يعرف الدليل، فانظروا ماذا قال؟ من دون ما تفهم هاي القصة ما رح تفهم تعريف عبد المؤمن البغدادي للدليل.

الآن عبد المؤمن البغدادي أيها الأحبة عرف الدليل ليس بمعنى الدال، وإنما عرف الدليل بمعنى ما يستدل به وهذا هو الذي أصلاً سنسير عليه في كل أدلة التشريع، فكل مصادر التشريع عندما نقول الكتاب دليل، والسنة دليل، والقياس دليل، والإجماع دليل، والاستصلاح دليل. هنا نطلق الدليل بالمعنى المجازي، وهو ما يستدل به وليست بمعنى الدال، لأن الدال هو الذي وضعها، ومن الذي وضعها؟ الله جل في علاه، هنا قال أصل الدلالة الإرشاد. ممتاز. واصطلاحاً أنت لما تسمعها اصطلاحاً إذا تتوهم أنه عبد المؤمن هسا بده يعرف ايش اصطلاحاً؟ تركزوا في الجملة، أنا بدك تركز في الجملة. قال: أصل الدلالة الإرشاد. ماذا يقصد بأصل الدلالة؟ يعني في اللغة؛ يعني أصل الدلالة في اللغة الإرشاد. واصطلاحاً أنت الآن توهم أنه خلص الآن بده يعرف الدلالة اصطلاحاً، لكن في الحقيقة لأ هاي مشكلة عبد المؤمن البغدادي رحمة الله عليه يختصر كثيراً وينتقل من شيء إلى شيء.

واصطلاحاً اذكر سيعرف الدليل ولن يعرف الدلالة اصطلاحاً، قال: واصطلاحاً قيل ما يتوصل به، ما يتوصل به وليس الدلالة هو الدليل، فهو الآن لما قال اصطلاحاً تقول الآن سيعرف الدليل؛ ما يتوصل به، يعني شيء يتوصل به إلى معرفة -لاحظوا الكلام التعريف واذهبوا إلى ما ذكرت لكم عن السبورة في تقسيم العلم إلى و تصديقي وعلمي ونظري- انظروا ايش قال؟ قال: شيء يتوصل به إلى معرفة، يعني إدراك، المعرفة هنا بمعنى الإدراك، شيء يتوصل به إلى معرفة أي إلى إدراك ما لا يعلم -يعني لا يعلم نفس اشي لا يدركه- لاحظوا بتنوع قاعد في التاريخ معرفة ما لا يعلم، وكلاهما بمعنى الإدراك هنا. إذاً، شيء يتوصل به إلى إدراك ما لا يدرك في مستقر العادة، يعني في الوضع الطبيعي اضطراراً. ايش هو الذي لا يدرك في مستقر العادة اضطراراً؟ اللي هو النظر، يعني يعني شيء يتوصل به إلى إدراك ما لا يدرك ضرورة. يعني إذا هو يدرك نظراً فما تتوصل به إلى إدراك ما لا ما هنا اللي بعد كلمة معرفة نفصلها، نفسرها بمعنى ايش؟ لأ ما الأولى بمعنى شيء؛ واصطلاحاً ما يتوصل بأي شيء يتوصل به إلى معرفة ما ايش الما هنا؟ نفسرها بمعنى ايش؟ إلى معرفة جمل خبرية مو جملة، صح ولا لا؟ إذاً شيء يتوصل إلى معرفة جمل لا تعلم في مستقر العادة اضطراراً، لا تعلم لا تدرك. ايش يعني لا تدرك؟ أي لا يدرك مطابقتها للواقع الخارجي، مش المقصود لا يدرك معناها، وهذي فهم هذا الامر بعمق هو الذي يحل الكثير من الاشكاليات في تصور المسائل؛ افهم هذا المعنى أن الدليل شيء يتوصل به إلى إدراك جمل، لا يدرك أو لا تدرك هذه الجمل. ايش يعني لا تدرك؟ أي لا يدرك مطابقتها للواقع، يعني هل هي صادقة أو كاذبة؟ لا تدرك اضطراراً بل أي زيادة بل نظراً. جميل.

ثم ختم فقال: علماً أو ظناً. علماً أو ظناً هذه تتعلق بالمعرفة؛ أنه هاي المعرفة التي نتوصل إليها من خلال الدليل هي معرفة إما أن تفيدنا العلم، العلم هنا بمعنى ايش؟ لاحظوا بمعنى الجزم، أو ظناً بمعنى عدم الجزم. طب ايش صار إذاً يا شيخ معنا التعريف في النهاية؟ أن الدليل هو عبارة عن شيء؛ الآية دليل، القرآن شيء صح؟ السنة شيء، الإجماع شيء، نتوصل بها إلى إدراك جملة؛ إدراك الصلاة واجبة، الزكاة واجبة، مسح الرأس مرة واحدة واجب، والله المضمضة والاستنشاق واجب ولا سنة، الأذنين واجب ولا سنة، إذاً نحتاج لدليل، فالدليل شيء يتوصل به إلى إدراك جمل جميل، هذه الجمل لا تدرك في العادة، مش اضطرارية لا تحتاج إلى نظر وتأمل، بل تحتاج إلى نظر وتأمل. وهذا الإدراك الذي نتوصل إليه من خلال هذا الشيء، يعني من خلال الدليل، إما أن يكون إدراك جزمي قطعي، أو إدراك ايش ظني؟ فالدليل أيها الأحبة الذي ذكرت له أنا شو قلت؟ الدليل هو يوصلنا إلى إدراك الجمل النظرية؟

الدليل عندما يأخذني ويصل بي إلى إدراك الجمل النظرية، إما أن يصل بي إلى مرحلة الجزم واليقين أنه نعم هذه الجملة صادقة أو كاذبة، واما أن يصل إلى الظن الغالب أنه هذه ايش الجملة صادقة أو كاذبة، مش ضروري دايماً يوصلني للجزم، فالدليل قد يأخذك إلى جزم، وقد يأخذك إلى ظن جميل، لذلك قال: علماً أو ظناً. في من أيها الأحبة إذاً ايش فلسفة الدليل؟ إذاً الأدلة نصوص الكتاب والسنة هي عبارة عن أشياء يتوصل بها إلى إدراك جمل، اللي هي الأحكام الشرعية، يتوصل بها إلى إدراك جمل، هذه الجمل لا تدارك ضرورة بل تحتاج إلى نظر وتأمل، وادراك لهذه الأحكام من خلال الأدلة؛ منها ما نصل به بالقطع نجزم أن الحكم هكذا، ومنها ما نصل فيه إذا انتحرت الظن ما نستطيع نجزم، وأغلب الفقه في الحقيقة من باب ايش؟ الظنيات، فأغلب الأدلة تقودنا إلى ماذا؟ إلى الظن ولا تقودنا إلى القطع، لكن يمكن يوصلنا إلى القطع؟ يمكن. جميل، هيك حللنا معنى الدليل.

طيب الآن ايش قال عبد المؤمن البغدادي؟ الآن عبد المؤمن الآن برجع للكلام اللي فصلته سابقاً، أراد أن يبين قال: والدليل يراد به إما الدال وإما أن يراد به ما يستدل به. التفصيل يفصل لكم إياه على السبورة؛ أنه الدليل نعم، قال الدليل ربي إما الدال كدليل الطريق جميل. أنا قلت لك الخريج اللي بهديك في الطريق، أنت تسميه ايش؟ دالاً، لماذا؟ لأن هو ربما ليس هو الذي نصب العلامة، لكن هو الذي أخبرك عنها، صح؟ فهو نعم فدليل الطريق الخريج يسمى دالاً، هو دليل بمعنى دال أن هو الذي نقل لك العلامة وأخبارك، وإن لم يكن هو الذي وضع النجم. المثال أو الحال الثاني؛ الإطلاق الدليل على ما يستدل به من نص أو غيره؛ من نص نصوص الكتاب والسنة كلها الدليل بمعنى ما يستدل به، أو غيره إشارات المرور في الشوارع هذي كلها ما يستدل بها، وعلى ذلك فقس.

ثم قال: ويرادفه ألقاب منها. الآن سيعطيك ألفاظ يستخدمها أيضاً الأصوليون بدل كلمة الدليل، لكن قبل أن أدخل في هاي الألفاظ، هناك شيء اردت أن أنبه عليكم في قضية الدليل. جيد. الذي اردت أنبه عليه كلمة الدليل عند علماء العقيدة تطلق على ما يفيد العلم فقط الجزم فقط، ويطلقون على ما يفيد الظن -إذا كان الشيء يوصلك إلى ظن فقط ما يعطيك الجزم- لا يسمونه دليلاً، يسمونه أمارة. فعند علماء الاعتقاد يفصلون بين الدليل والظن، فما يوصل إلى الجزم يسمونه دليلاً، وما يوجد إلى الظن يسمونه أمارة. المصطلح تسرب إلى بعض الأصوليين، فأصبحوا يطلقون على إذا كان النص القرآني يوصلنا للجزم للحكم يسموه دليل، إذا كان يصل إلى الظن يسمونه أمارة، ولكنه في الحقيقة هذا مصطلح كلامي عند علماء الأصول وعند علماء الفقه لا، الدليل سواء أوصلني إلى علم أو إلى ظن كله يسمى دليل، لذلك عبد المؤمن البغدادي قال: سواء علماً أو ظناً. فعند علماء الأصول وعند علماء الفقه لا لا يفسرون بين الدليل، لكن علماء الاعتقاد هم الذين يقسمون الشيء الذي يوصل أو الذي يحصل من خلاله الإدراك للجمل، إذا كان يوصلنا إلى إدراك قطعي نقول وماذا دليل؟ إذا كان وصلنا إلى إدراك ظنه يقولون هو أمارة. وسنلاحظ أثر هذا في المصطلحات المرادفة للدليل.

انظروا ايش قال؟ قال: ويرادفوه ألفاظ. يعني هناك ألفاظ تستخدم أيضاً مرادفة للدليل، قال منها البرهان هاي أول لفظة. البرهان أيها الأحبة يقول السرخسي في أصوله سرخسي الحنفي يقول: والبرهان بمعنى الحجة في لسان الفقهاء. يعني الآن عند المناطقة أو المتكلمين البرهان يستخدم فيما يوصل إلى القطع فقط، لكن عند الأصوليين والفقهاء البرهان يستخدم على ما يفيد القطع وما يفيد الظن، مثله مثل الدليل، لذلك لما قال أن البرهان مستعمل استعمال الحجة في لسان الفقهاء، وسيذكر الآن الحجة وهو المعنى الثاني، لكن السرخسي في كتابه ذكر الحجة أولاً ثم ذكر البرهان، فالحجة تستخدم لما يفيد القطع وما يفيد الظن، فكذلك قال: والبرهان مثل الحجة. في لاحظ تقييد السرخسي في لسان الفقهاء أنه ليس البرهان ذو الحجة في لسان علماء الكلام والاعتقاد، في لسان الفقهاء هو بمعنى الحجة فيفيد العلم والظن.

طيب المصطلح الثاني الحجة أيضاً حجة، هذا معنى الدليل، الحجة أيها الأحبة هي من حجة، والحج هنا بمعنى الغنم تقول: حججت فلاناً أي غلبته جميل. فسميت نصوص الشرع حجة لأنها تغلبك على هواك وتأمرك بالانقياد إلى مولاك، لذلك سميت. والحجة نفس الشيء تستخدم لما يوصل إلى بمعنى الدليل عند الأصوليين والفقهاء؛ ما يوصل إلى القطع وما يوصل إلى الظن. السلطان؛ الدليل يسمى سلطان لأن سلطان له قهر، الدليل له قهر على النفوس سلطان عليه، فكذلك نصوص الكتاب والسنة هي لها سلطان على قلوبنا تجبرنا وتقودنا إلى حكم الشارع سبحانه وتعالى، فيسمى الدليل أيضاً سلطاناً لأنه سلطان على العقول والقلوب، وكذلك هنا سلطان ما يفيد العلم أو الظن.

والآية الآية بمعنى ايش؟ العلامة. فالدليل يسمى أيضاً آية، لكن في الحقيقة الآية فعلا أكثر استخدام لما يفيد القطع، واستخدامها لما يفيد الظن قليل، لذلك تسمى معجزات الرسول ايش؟ آيات، لأنها تفيد قطعاً نبوتهم، الأجرام السماوية تسمى آيات على ملكوت الله، لأنها تدل قطعاً على وجود الله، فالآية إطلاق الآية على الدليل هذا يكون عادة فيما يوصل إلى الجسم، واما ما يفيد ظناً عادة لا يسمى آية جميل، لذلك في كتب الأصول أو في كتب الفقه ما قالوا واية دار ما تجدهم يقولون ودليل ذلك، لأنه الآية عادة تستخدم في ما يفيد القطع. جيد لذلك انظر ايش قال بعد ما ذكر هاي الأوصاف الأربعة؟ قال: ويرادفه ألفاظ منها البرهان والحجة والسلطان والآية. قال: وهذه تستعمل في القطعيات وقد ها لاحظوا ايش قال: وقد، وقد هنا تفيد التقليل، وقد تستعمل في ماذا الظنيات. فالاصل أن كلمة البرهان والحجة والسلطان والآية، نعم هذه مصطلحات الأربعة عند علماء الاعتقاد والمنطق تستخدم عادة عادة فيما يفيد ايش؟ القطع، عادة تستخدم فيما يفيد القطع وقد تستخدم فيما يفيد ايش؟ الظن. هذا التقليل أنا أرى أنه لا ينطبق عند الأصوليين والفقهاء، لأن عند الأصوليين والفقهاء هي تستخدم القطع والظن من دون تقليل، فهذا التقليل على طريقة المتكلمين بستخدموا هاي المصطلحات بمعنى ايش؟ القطع، وقد يستخدمها المتكلمون أحياناً معنى الظن على سبيل القلة، لكن عند الأصوليين والفقهاء هذه المصطلحات الأربعة في الحقيقة تستخدم بمعنى الخطأ وتستخدم بمعنى الظن، كلها تسمى أوصل إلى قطعاً أو إلى ظن كله يسمى برهاناً وحجة وسلطاناً وآية، وإن كان كما قلنا هي في الحقيقة يعني أكثر ما تجدونه في كتب الأصول وكتب فقه استخدام الدليل والحجة، واما استخدام البرهان والسلطان والآية في كتب الأصول والفقه فهو نزر يسير، يعني لا قليل جداً استخدامها.

ثم أتى بمصطلحين أخيرين قال: والأمر والعلامة هذا المصطلح الخامس والسادس. قال: والأمارة والعلامة وهذي قال تستعمل في الظنيات فقط. فإذاً عبد المؤمن البغدادي قسم لنا الألفاظ المرادفة لمصطلح الدليل إلى قسمين؛ ألفاظ أربعة الأكثر ترفيه أنها تستخدم في القطعيات، يعني فيما يوصل إلى قطع إلى علم وقل استعمالها فيما يوصل إلى في الدليل الذي يوصل إلى الظن، وهي البرهان والحجة والسلطان والآية، لكن قلنا هذا التقليل على طريقة المتكلمين، أما على طريقة الأصول والفقهاء فهذه الأربعة سواء تطلق على ما يفيد العلم وعلى ما يفيد عفواً ما يفيد الجزم، وعلى ما يفيد الظن. أنا بحب استخدم الجزم وظن أنه كلمة العلم عندك بجوز صارت تدور لها أكثر من مصطلح؛ العلم عند المناطقة بمعنى الإدراك، لكن العلم الذي يقول هنا العلم الأصولي اللي هو معنى الجزم. وأما المصطلح الخامس هو السادس هو مصطلح الأمارة شف الأمارة فعلا فيها ضعف تدل على أنه فيها نوع من يعني أمارة يعني فيها إشعار وخيال عن الحكم وليست فيها جزم. قال: والأمارة والعلامة تستعمل في الظنيات فقط عرفت.

وفي النهاية هذا تقسيم اصطلاحي لن يفيد شيئاً من الناحية العملية، فأنتم احفظ هذا الكلام سريعا. ثم قال: وأصول الأدلة أربعة كم ذهب من الوقت سعد؟ قال: وأصول الأدلة أربعة الكتاب والسنة والإجماع وهي سمعية، ويتفرع عنها القياس والاستدلال، والرابع عقلي وهو استصحاب الحال في النفي الأصلي الدال على براءة الذمة.

الآن أيها الأحبة مصادر التشريع قسمها عبد المؤمن البغدادي. الآن مع عبد المؤمن يتكلم عن مصادر التشريف في هذا المقام، قسم مصادر التشريع إلى قسمين؛ مصادر تشريع مصدرها النقل والسمع، ومصادر تشريع مصدرها العقل، كلام غريب صح؟ ممكن تقول مصدر تشريعي عقل؟ العقل مصدر مصادر التشريع! الآن هذا التقسيم من عبد المؤمن البغدادي ليس تقسيم لمصادر التشريع باعتبار أنه متفق عليها ومختلف فيها، هو تقسيم لمصادر التشريع باعتبار مصدر تشريعي نقلي ومصدر تشريعي عقلي، وهنا ساذهب إلى السبورة سريعا وأختم بهذا التقسيم إن شاء الله، حتى ندخل المرة القادمة إن شاء الله في أول مصدر مصادر الجو في الكتاب، ونقول أيها الأحبة مصادر التشريعات.

مصدر تشريعي، هكذا قسموا مصادر التشريع والأدلة، هو قال: أصول الأدلة، منشان قال: أصول الأدلة مصادر التشريع، أو هو قال: أصول الأدلة. قسمها باعتبار مصدرها: نقلي وعقلي. طيب، هو السؤال يا شيخ: أنا بعرف مصادر التشريع كلياتها مأخوذة من الله، كلها من النقليات، هل العقل يكون مصدراً لمصادر التشريع؟

نقول: العقل نعم يصلح دليلاً، دليلاً تشريعياً، لكنه دليل على نفي الحكم، وليس دليلاً بإثبات الحكم. العقل هو دليل على النفي، نفي وجود حكم علينا؛ اللي هو كما ذكروا قبل قليل: براءة الذمة، وليس دليلاً على إثبات حكم. لا يصلح دليلاً على إثبات حكم. بدك تثبت؟ بدك ترجع للنقل. إحنا مش زي المعتزلة، مين اللي عنده العقل يشرع؟ المعتزلة؛ يقول: العقل إذا أدرك المصلحة، إذا كانت مصلحة قطعية صارت واجبة، مصلحة راجحة مندوبة، والعقل هو يشرع عندهم. عند أهل السنة والجماعة لا، العقل عندما نقول إنه مصدر، نقول: العقل نعم يصلح دليلاً للحكم، لكن دليل على نفي الحكم، وليس دليلاً على إثبات الحكم، وأما النقل فهو الاعتماد عليه.

لذلك عبد المؤمن قسم قال: مصادر التشريع نقلي وعقلي. مصادر التشريع النقلية قالت: كتاب، سنة، إجماع، ثم قال: قياس واستدلال. قال: ويتفرع عنها. وهذا سيقودني إلى تقسيم؛ أنه عندما نقول مصادر تشريع نقلية، تحت النقلية في تقسيم وأنا ذكرته هنا في هذا الموضع: مصادر تشريع نقلية نقسمها إلى قسمين: ما يعتمد على النقل مباشرة، وما يعتمد على استنباط العقل من النقل. حتى ما تختلط عليكم الأمور، الآن هذه طريقة عبد المؤمن البغدادي، وتبع في ذلك ابن قدامة، وابن قدامة تبع في ذلك الغزالي. تبع في ذلك الغزالي، طبعا هذا التقسيم للنقل إلى هذين القسمين هو ما نصوا عليه، لكن في الحقيقة اجتهاد مني في فهم كلامهم، يرحمك الله، لأنه ذكر القياس والاستدلال ضمن النقلية. أنت تقول: القياس نقلي يا شيخ؟

الآن نقول: هو ايش يريد أن يقول؟ يقول: مصادر التشريع هناك نقلي وعقلي. العقل مصدر من مصادر التشريع مستقل، لكنه دليل على ماذا؟ هاك احفظها مثل اسمك: دليل فقط على نفي الحكم، هذا دوره، ولا يوجد له أي دور استقلالا في إثبات الحكم. العقل لا يثبت حكماً: إيجاب، ندب، تحريم، إباحة، كراهة، لا يثبت؛ هو فقط ينفي. أقول: والله ما عليك حكم، لكنه لا يثبت حكماً استقلالاً. ثم نأتي إلى القسم الثاني: مصادر التشريع النقلية. مصادر التشريع النقلية هناك ما يعتمد على النقل مباشرة في إثبات الأحكام الشرعية، وهي ايش؟ الكتاب، السنة، الإجماع. هذه التي ذكرها، وندخل -وأنا أضيف عليها من الأدلة المختلف فيها- قول الصحابي، فنقول: ما يعتمد على النقل مباشرة: كتاب، سنة، إجماع، لكنه هو لأنه قال أصول الأدلة ويتكلم عن أصول الأصول فكأنه يعتبر قول الصحابي فرعي. فأنا أدخل حتى تكتمل لديك القسمة: ما يعتمد على نقل مباشرة الكتاب والسنة والاجماع، ونضيف عليها قول الصحابي من الأدلة المختلف فيها. فهذه الخمسة تعتمد على النقل مباشرة في إثبات الأحكام.

هناك مصادر هي نقلية بهذا المفهوم، لكنها لا تعتمد على النقل مباشرة، بل تعتمد على استنباط العقل وفهم العقل من النقول، فالعقل دوره ليس مستقلا هنا، لا، العقل دوره الرجوع إلى النقل واستنباط الأحكام وتفريعه من النقل. وهذا أدخل فيه ايش؟ القياس والاستدلال، ونعم ندخل باقي الأدلة المختلف فيها هنا؛ فالاستصلاح، المصالح المرسلة، مش من عقلك ومن هواك، هي من فهم العقل للمصالح الكلية من النصوص النقلية، الاستحسان نفس الشيء هو جهد عقلي لكن على ضوء النصوص الشرعية، سد الذرائع ليس من هوى أصحاب المذاهب الفقهية بل نظروا في النصوص النقلية في استنباط هذا الأصل، سد الذرائع، كذلك مراعاة الخلاف وغيرها من الأصول، لكن أنا يهمني ما ذكرت لكم: القياس، الاستدلال، ونقول للمصالح المرسلة والاستحسان وسد الذرائع، هذه من المختلف فيها فكلها أقحموها داخل هذا القسم الثاني. فهي نقلية باعتبار أن العقل -آه- لو واحد يقول لك: القياس نقلي يا شيخ، ايش بتقول له؟ تقول: هو نقلي باعتبار أن القياس يحتاج إلى أصل مقيس عليه، والأصل المقيس عليه يكون إما نص كتاب أو سنة أو إجماع، صح؟ فهو مقيس باعتبار أن الجهد العقلي عفوا هو نقلي. القياس نقلي باعتبار أن الجهد العقلي يعتمد على النقل وليس جهداً عقلياً استقلالياً.

كذلك قل في المصالح المرسلة؛ صحيح هي تنبني على استنباط عقلي وجهد ذهني، لكنه على ضوء النقل، وكل ذلك في باقي مصادر التشريع الأخرى. أما مصادر التشريع النقلي بحتة فهي ما تعتمد على النقل مباشرة وهي الكتاب والسنة والإجماع، فهذه تعتمد على النقل وليس على استنباط من النقل. هذا الوضع يلعب بالتقسيم، طيب، إذا اه، مصادر التشريع نقلية وعقلية، بدي أقصد بالعقل الاستقلال العقلي هنا، والاستقلال العقلي هو الدليل على نفي وليس على إثبات أبداً. النقل اللي قسمناه إلى ما يعتمد على النقل مباشرة وإلى ما يعتمد على استنباط العقل من النقل، بهذا التقسيم يتضح كلام عبد المؤمن البغدادي.

لذلك ايش قال عبد المؤمن؟ قال: وأصول الأدلة أربعة. طبعا الآن عبد المؤمن يريد عندما قال -يعني اختصر على أصول الأدلة- هو يريد أن يتكلم عن الأدلة المتفق فيها، هو قسم الأدلة المتفق فيها إلى قسمين فقط. أما أنا فأدخلت لك الأدلة المتفق فيها والمختلف فيها، أما عبد المؤمن في تقسيمه لمصادر التشريع إلى نقلي وعقلي اقتصر في كلامه على ماذا؟ على المتفق عليه. فقال: وأصول الأدلة أربعة: الكتاب والسنة والإجماع وهي سمعية، ثم قال -يعني سمعية يعني نقلية- ويتفرع عنها، يعني يتفرع عنها القياس والاستدلال. قياس الاستدلال ليس سمعياً بحتاً، هو استنباط عقلي من السمع، فلذلك هي تدخل في القسم الثاني القياس والاستدلال. ايش معنى الاستدلال يا شيخ؟ شيء جديد عليك، إحنا ما أخذناه في الورقات وما أخذناه في النظم الصغير، لذلك دعوا في موضوع الآن أبدأ أشرحه ما راح نخلص، فخلي الاستدلال في موضوع إن شاء الله يتضح لك.

والرابع الآن هو قلت لك هو تكلم عن الأدلة المتفق عليها، فذكر طبعا الأدلة المتفق عليها إحنا عادة لما تجري في كتب الأصول وفي المدارس والجامعات بنقول لك: الأدلة المتفق عليه ايش بقولوا لك؟ كتاب، سنة، إجماع، قياس، هيك إحنا حافظينها صح في المدارس والجامعات بعلمونا، لكن هذا مش متفق عليه. عبد المؤمن البغدادي وقبله ابن قدامة وقبلهم الغزالي يرى أن الأدلة المتفق عليها الأربعة هي: الكتاب، السنة، الإجماع، والاستصحاب. والقياس عند الغزالي وابن قدامة وعبد المؤمن هو فرع عن الثلاثة السابقة وليس شيئاً مستقلاً، والاستصحاب هو الدليل الرابع. فهذه طريقة أنت في النهاية يعني تجد طرق متنوعة للعلماء في التصنيف، فيقول الأدلة المتفق عليها عبد المؤمن وابن قدامة والغزالي يقولون هي: كتاب، سنة، إجماع، استصحاب. طب وين راح القياس؟ قالوا: القياس يتفرع عن الثلاثة الأول وليس شيئاً مستقلاً.

لذلك لما قال: وأصول الأدلة أربعة، ايش قال؟ كتاب، سنة، إجماع، ويتفرع قياسه واستدلال، والرابع ايش قال؟ عقلي. ويقصد هنا عقلياً الرابع شيء عقلي. الأصل الرابع من أصول التشريع شيء عقلي، فالطالب ربما يقول لك: شيخ، العقل من أصول التشريع؟ نقول: العقل من مصادر التشريع بمعنى أنه دليل على نفي الحكم ولكنه ليس دليلاً على إثبات الحكم. لذلك لما مثل للرابع العقلي ايش قال؟ قال: وهو استصحاب فقط، هذا هو العقل، استصحاب الحال في ماذا يا عبد المؤمن؟ قال: في النفي الأصلي الدال على براءة الذمة. ايش يعني النفي الأصلي الدال على براءة الذمة؟ أولاً نقف مع الألفاظ: النفي معناه العدم، العدم الأصلي، ايش يعني العدم الأصلي؟ يعني يريد أن يقول -يعني معنى النفي الأصلي الدال على براءة الذمة- يعني العقل يقول: اصل عدم التكليف حتى يأتي الدليل النقلي، هيك العقل بيقول، صح؟

فإذا كان العقل يقول: الأصل عدم التكليف، فهو دال على براءة الذمة، واش قال لك؟ النفي الأصلي الدال على براءة الذمة، فالطالب يقول يا شيخ ايش يعني النفي الأصلي؟ النفي معنى العدم الأصلي، شو يعني العدم الأصلي؟ يعني أن الأصل عدم التكليف، هي مضاف مضاف إليه لكن أرجعها بالعكس: العدم الأصلي، الأصل عدم التكليف. طب مين اللي بيحكي اصل عدم التكليف؟ العقل، أنت لو سألت عقلك بيقول لك: اه، الأصل أني أنا مش مكلف حتى يأتي النقل، مش هيك هي الدنيا ماشية؟ فالعقل دليل على عدم التكليف، على النفي، حتى يأتي الدليل النقلي، فإذا كان، فالعدم يدل على أن الأصل عدم التكليف، وعدم التكليف دال على ايش؟ على براءة الذمة.

فلو أنا قلت لك يا شيخ: علينا صلاة سادسة ربنا فرضها علينا، قل لي: العقل يقول الأصل عدم تكليفنا بصلاة سادسة حتى يأتي الدليل، فبالتالي ذمتنا بريئة، وهذا يدل على أن بريئة من ايش؟ من صلاة سادسة. فيأتي الحنفي يقول: لا لا، أنتم وين رايحين؟ هناك نقل أبطل حكم العقل: الوتر صلاة سادسة، وتبدأ عادي ونقاش مع الحنفي أثبتوا أن الوتر صلاة سادسة، إحنا ايش بنقول؟ نقول: معنى دليل العقل أنه الأصل عدم التكليف حتى يثبت الدليل، أثبتوا لنا الدليل. فالجمهور يقولون: ما ثبت الدليل، يثبتون ويبدأ الخلاف الفقهي.

فإذاً العقل يدل على النفي الأصلي، على العدم الأصلي. ايش يعني؟ يدل على أصل، وهو أن الأصل عدم التكليف حتى يأتي النقل، وبالتالي هذا يدل على براءة الذمة، وهذا الذي يسمى إذاً استصحاب الحال. هذا هذا المفهوم أنه الأصل يدل، العقل يدل على عدم التكليف، وأن الأصل عدم التكليف حتى يأتي الدليل النقلي، هذا يسمى استصحاب البراءة الأصلية، ويسمى النفي الأصلي، ويسمى استصحاب العقل، له مسميات كثيرة لكن معناها واحد. راح تلاقي كتب الأصول واحد يقول لك: استصحاب البراءة الأصلية، شو يعني استصحاب البراءة الأصلية؟ يعني استصحاب أن الذمة بريئة من التكاليف حتى يأتي النقل. استصحاب العدم الأصلي أو النفي الأصلي، نفس الاشي استصحاب عدم التكليف حتى يأتي الدليل الناقل.

فهذا مصدر من مصادر التشريع، وهو عقلي، وهو استصحاب الحال، وهو أن العاقل يخبرنا أنه لا يوجد حكم حتى يأتي دليل نقلي، وبالتالي الذمة بريئة، هذا لحاله مصدر من مصادر، وهو عقلي، يعني ما تخاف من هاي الكلمة إذا فهمت معناها. لما نقول: أنه مصدر عقلي، نعم، العقل مصدر لعدم الحكم وليس لإثبات الحكم. إذا هذه عبد المؤمن البغدادي رحمة الله عليه، إن شاء الله في الدرس القادم نبدأ بأول مصدر من مصادر التشريع ونتكلم عن تفاصيله. نسأل الله أن ينفعنا بما سمعنا وأن يعلمنا ما جهلنا، ولي ذلك والقادر عليه، صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.