بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ. الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ. أَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى حَمْدَ الذَّاكِرِينَ الشَّاكِرِينَ، أُصَلِّي وَأُسَلِّمُ عَلَى الْمَبْعُوثِ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ وَمَحَجَّةً لِلسَّالِكِينَ، نَبِيِّنَا وَحَبِيبِنَا وَقُرَّةِ أَعْيُنِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.
حَيَاكُمُ اللَّهُ أَيُّهَا الْأَحِبَّةُ فِي مَجْلِسٍ جَدِيدٍ فِي شَرْحِ كِتَابِ قَوَاعِدِ الْأُصُولِ وَمَعَاقِدِ الْفُصُولِ لِلْإِمَامِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ الْبَغْدَادِيِّ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ. انْتَهَى بِنَا الْمَطَافُ إِلَى النَّوْعِ الثَّالِثِ مِنْ أَنْوَاعِ الْأَحْكَامِ الْوَضْعِيَّةِ، بِحَسَبِ التَّرْتِيبِ، عَبْدُ الْمُؤْمِنِ الْبَغْدَادِيُّ.
أَوْ رُبَّمَا بَقِيَ لَنَا شَيْءٌ فِي النَّوْعِ الثَّانِي مِنْ أَنْوَاعِ الْأَحْكَامِ الْوَضْعِيَّةِ؛ نَحْنُ فِي الدَّرْسِ الْمَاضِي تَكَلَّمْنَا عَنِ النَّوْعِ الثَّانِي مِنْ أَنْوَاعِ الْأَحْكَامِ الْوَضْعِيَّةِ وَهُوَ الصِّحَّةُ وَالْفَسَادُ، وَبَقِيَ عَلَيْنَا الْحَدِيثُ عَنْ بَعْضِ الْمُصْطَلَحَاتِ الَّتِي خَتَمَ بِهَا كَلَامَهُ عَنِ الصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ. وَقُلْنَا إِنَّ هَذِهِ الْمُصْطَلَحَاتِ الَّتِي خَتَمَ بِهَا كَلَامَهُ فِي بَابِ الصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ وَهِيَ الْأَدَاءُ وَالْقَضَاءُ وَالْإِعَادَةُ؛ كَثِيرٌ مِنَ الْأُصُولِيِّينَ يَعُدُّهَا أَنْوَاعًا مُسْتَقِلَّةً مِنْ أَنْوَاعِ الْحُكْمِ الْوَضْعِيِّ وَلَيْسَتْ تَابِعَةً لِبَابِ الصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ، وَهَذَا هُوَ الْأَقْرَبُ فِي الْحَقِيقَةِ.
إِمَّا أَنْ تَعْتَبِرَهَا أَنْوَاعًا مُسْتَقِلَّةً مِنَ الْأَحْكَامِ الْوَضْعِيَّةِ، وَإِمَّا أَنْ تَعْتَبِرَهَا مُصْطَلَحَاتِ عِلْمِيَّةً مُسْتَقِلَّةً؛ لَا تُدْخِلُهَا ضِمْنَ الْأَحْكَامِ أَصْلًا الْوَضْعِيَّةِ وَإِنَّمَا هِيَ أَوْصَافٌ لِلْعِبَادَاتِ كَمَا سَيَأْتِي مَعَنَا. أَوْصَافٌ لِلْعِبَادَاتِ إِذَا اتَّصَفَتْ بِصِفَاتٍ مُعَيَّنَةٍ مِنْ دُونِ أَنْ نَعُدَّهَا مِنْ قَبِيلِ الْأَحْكَامِ الْوَضْعِيَّةِ. لَكِنْ كَمَا نَسْتَخْدِمُ هَذِهِ طَرِيقَةَ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ الْبَغْدَادِيِّ؛ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ الْبَغْدَادِيُّ لَاحَظْنَا أَنَّ لَهُ أُسْلُوبًا خَاصًّا فِي التَّصْنِيفِ، لَهُ أُسْلُوبٌ خَاصٌّ فِي التَّصْنِيفِ، فَفِي الْأَحْكَامِ الْوَضْعِيَّةِ قَالَ: الْأَحْكَامُ الْوَضْعِيَّةُ أَرْبَعَةٌ. كَيْفَ عَدَّهَا؟ النَّوْعُ الْأَوَّلُ قَالَ: مَا يَظْهَرُ بِهِ الْحُكْمُ، وَأَدْخَلَ ضِمْنَ مَا يَظْهَرُ بِهِ الْحُكْمُ أَرْبَعَةَ أَشْيَاءَ: الْعِلَّةُ، السَّبَبُ وَالشَّرْطُ وَالْمَانِعُ، هَذِهِ الْأَرْبَعَةُ جَمَعَهَا ضِمْنَ نَوْعٍ وَاحِدٍ سَمَّاهُ: مَا يَظْهَرُ بِهِ الْحُكْمُ، يَعْنِي مَا يَثْبُتُ بِهِ الْحُكْمُ، لِأَنَّ أَيَّ حُكْمٍ أَيُّهَا الْأَحِبَّةُ هُوَ لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِاجْتِمَاعِ هَذِهِ الْأُمُورِ، وُجُودُ السَّبَبِ وَالْعِلَّةِ مُعَرِّفٌ لَهُ عَلَى قَوْلٍ، مَعَ اجْتِمَاعِ الشُّرُوطِ وَانْتِفَاءِ الْمَوَانِعِ حِينَئِذٍ يُوجَدُ الْحُكْمُ.
ثُمَّ النَّوْعُ الثَّانِي مِنَ الْأَحْكَامِ الْوَضْعِيَّةِ عَلَى طَرِيقَةِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ: الصِّحَّةُ وَالْفَسَادُ. النَّوْعُ الثَّالِثُ: الْمُنْعَقِدُ، وَهَذَا شَيْءٌ تَمَيَّزَ بِهِ وَانْفَرَدَ بِهِ عَنْ غَيْرِهِ. وَالنَّوْعُ الرَّابِعُ وَالْأَخِيرُ: الرُّخْصَةُ وَالْعَزِيمَةُ. انْتَهَى الْكَلَامُ عَنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ؛ مَا يَظْهَرُ بِهِ الْحُكْمُ، عَنِ الْعِلَّةِ وَالسَّبَبِ وَالشَّرْطِ وَالْمَانِعِ، وَأَسْهَبْنَا الْحَدِيثَ عَنْهَا.
وَلَرُبَّمَا نَخْتِمُ الْيَوْمَ وَنُعِيدُ التَّعْلِيقَ عَلَى بَعْضِ الْجُزْئِيَّاتِ فِي قَضَايَا السَّبَبِ وَالشَّرْطِ وَالْمَانِعِ فِي بَعْضِ الْجُزْئِيَّاتِ فِي الْخِتَامِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. ثُمَّ تَكَلَّمْنَا فِي الدَّرْسِ الْمَاضِي عَنِ الصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ، وَعَرَّفْنَا الْخِلَافَ بَيْنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْجُمْهُورِ فِي تَعْرِيفِ الصِّحَّةِ، وَمَا بَنَى عَلَيْهِ مِنَ الْخِلَافِ فِي الْفَسَادِ، عَرَّفْنَا الْخِلَافَ بَيْنَ الْجُمْهُورِ وَالْحَنَفِيَّةِ أَيْضًا بَلْ هَلِ الْفَاسِدُ وَالْبَاطِلُ مُتَرَادِفَانِ أَمْ مُبَايِنَانِ؟ وَذَكَرْنَا بَعْضَ الْفَوَائِدِ وَبَعْضَ التَّعْلِيقَاتِ.
ثُمَّ انْتَقَلْنَا إِلَى مُصْطَلَحِ النُّفُوذِ، وَهَذَا أَوَّلُ مُصْطَلَحٍ أَتْبَعَهُ لِبَابِ الصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ. مُصْطَلَحُ النُّفُوذِ ثُمَّ ذَكَرَ الْأَدَاءَ وَالْقَضَاءَ وَالْإِعَادَةَ. عَرَّفْنَا مُصْطَلَحَ النُّفُوذِ؛ طَرِيقَةُ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ الْبَغْدَادِيِّ، الِانْتِقَادُ وَجَّهْنَاهُ لِعَبْدِ الْمُؤْمِنِ الْبَغْدَادِيِّ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ عَنِ الِانْتِقَادِ فِي تَعْرِيفِهِ لِلنُّفُوذِ، أَنَّهُ حِينَ قَالَ فِي النُّفُوذِ: التَّصَرُّفُ الَّذِي لَا يَقْدِرُ مُتَعَاطِيهِ عَلَى رَفْعِهِ. أَوَّلًا نَحْنُ قُلْنَا النُّفُوذُ عَلَى الْأَرْجَحِ مِنَ كَلَامِ الْأُصُولِيِّينَ وَصْفٌ لِلْعُقُودِ وَالْمُعَامَلَاتِ، وَلَيْسَ وَصْفًا لِلْعِبَادَاتِ. لِذَلِكَ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ الْبَغْدَادِيُّ ذَكَرَ قَوْلَيْنِ؛ الْقَوْلُ أَنَّ النُّفُوذَ: التَّصَرُّفُ الَّذِي لَا يَقْدِرُ مُتَعَاطِيهِ عَلَى رَفْعِهِ، وَيَقْصِدُ بِالتَّصَرُّفِ الْعَقْدَ، وَقَالَ: وَقِيلَ كَالصَّحِيحِ. ذَكَرَهُ عَلَى صِيغَةِ التَّمْرِيضِ وَالتَّضْعِيفِ، وَقِيلَ كَالصَّحِيحِ، إِيشِ مَعْنَى قَوْلِهِ؟ وَقِيلَ كَالصَّحِيحِ أَنَّهُ يَعْنِي أَنَّ هُنَاكَ مَنْ اسْتَخْدَمَ النُّفُوذَ كَاسْتِخْدَامِ الصِّحَّةِ، كَمَا أَنَّ الصَّحِيحَ وَالصِّحَّةَ تُوَصَّفُ بِهَا الْعِبَادَةُ وَالْمُعَامَلَةُ كَذَلِكَ النُّفُوذُ يُوَصَّفُ بِهِ الْعِبَادَةُ وَالْمُعَامَلَةُ. وَقُلْنَا عَبْدُ الْمُؤْمِنِ ضَعَّفَ هَذَا، قَالَ: وَقِيلَ، وَاخْتَارُوا الْقَوْلَ الْأَوَّلَ وَهُوَ الْقَوْلُ الْأَرْجَحُ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ أَنَّ مُصْطَلَحَ النُّفُوذِ هُوَ فَقَطْ تُوَصَّفُ بِهِ الْمُعَامَلَاتُ. نَقُولُ: مُعَامَلَةٌ نَافِذَةٌ، بَيْعٌ نَافِذٌ، نِكَاحٌ نَافِذٌ، إِجَارَةٌ نَافِذَةٌ، وَلَا نَقُولُ: صَلَاةٌ نَافِذَةٌ أَوْ صِيَامٌ نَافِذٌ.
لَكِنِ الِانْتِقَادُ الَّذِي وَجَّهْنَاهُ لِعَبْدِ الْمُؤْمِنِ أَنَّهُ عِنْدَمَا عَرَّفَ النُّفُوذَ قَالَ هُوَ: التَّصَرُّفُ الَّذِي لَا يَقْدِرُ مُتَعَاطِيهِ عَلَى رَفْعِهِ. قُلْنَا الِانْتِقَادُ الْأَوَّلُ أَنَّ هَذَا لَيْسَ تَعْرِيفًا لِلنُّفُوذِ، هَذَا تَعْرِيفٌ لِلنَّافِذِ بِاسْمِ الْفَاعِلِ، أَمَّا النُّفُوذُ الْمَعْنَى الْمَصْدَرِيُّ تَحْتَاجُ تَأْتِي فِي التَّعْرِيفِ فِي مَطْلَعِ التَّعْرِيفِ بِمَصْدَرٍ؛ أَنْتَ تَعْرِفُ الْمَصْدَرَ تَبْدَأُ بِمَصْدَرٍ، أَمَّا إِذَا قُلْتَ النَّافِذُ نَعَمْ هُوَ التَّصَرُّفُ الَّذِي لَا يَقْدِرُ مُتَعَاطِيهِ عَلَى رَفْعِهِ، هَذَا هُوَ الِانْتِقَادُ الْأَوَّلُ أَنَّهُ عَرَّفَ النَّافِذَ وَلَيْسَ الْمَعْنَى الْمَصْدَرِيَّ وَهُوَ النُّفُوذُ.
الِانْتِقَادُ الثَّانِي: أَنَّ ظَاهِرَ هَذَا التَّعْرِيفِ إِذَا قُلْنَا النَّافِذُ هُوَ التَّصَرُّفُ الَّذِي لَا يَقْدِرُ مُتَعَاطِيهِ عَلَى رَفْعِهِ؛ النَّافِذُ وَالنُّفُوذُ تُوَصَّفُ بِهِ الْمُعَامَلَاتُ بِنَوْعَيْهَا، الْمُعَامَلَاتُ اللَّازِمَةُ مَا نُسَمِّيهِ نَحْنُ فِي الْبُيُوعِ الْعُقُودَ اللَّازِمَةَ، وَيُوَصَّفُ بِهِ كَذَلِكَ الْعُقُودُ الْجَائِزَةُ الَّتِي يَقْدِرُ مُتَعَاطِيهَا أَنْ يَرْفَعَ آثَارَهَا مَتَى شَاءَ. وَهَذَا مَنْ دَرَسَ عَرَفَهُ مَعَنَا، مَعْنَاهُ أَنَّ هُنَاكَ عُقُودًا لَازِمَةً مِثْلَ الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ، هُنَاكَ عُقُودٌ جَائِزَةٌ مِثْلَ الْوَكَالَةِ مِثْلَ الْمُسَاقَاةِ مِثْلَ الْمُزَارَعَةِ. الْعُقُودُ الْجَائِزَةُ الَّتِي يَقْدِرُ أَطْرَافُ الْعَقْدِ أَنْ يَرْفَعُوهَا مَتَى شَاءُوا، الْعُقُودُ اللَّازِمَةُ لَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَرْفَعُوا آثَارَهَا مَتَى شَاءُوا.
تَعْرِيفُ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ لِلنُّفُوذِ بِأَنَّهُ التَّصَرُّفُ الَّذِي لَا يَقْدِرُ مُتَعَاطِيهِ عَلَى رَفْعِهِ كَأَنَّهُ يَعْنِي خَصَّ النُّفُوذَ بِالْعُقُودِ اللَّازِمَةِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ النُّفُوذَ يَتَعَلَّقُ بِالْعُقُودِ اللَّازِمَةِ وَالْجَائِزَةِ، فَحَتَّى الْعُقُودُ الْجَائِزَةُ مِثْلُ الْوَكَالَةِ، مِثْلُ الْمُسَاقَاةِ، مِثْلُ الْمُزَارَعَةِ، مِثْلُ الشَّرِكَاتِ، تُوَصَّفُ بِأَنَّهَا نَافِذَةٌ إِذَا اسْتَوْفَتِ الشُّرُوطَ الشَّرْعِيَّةَ حَتَّى وَلَوْ كَانَ الْمُتَعَاطِي يَسْتَطِيعُ أَنْ يَرْفَعَهَا مَتَى شَاءَ. فَهَذَا انْتِقَادُهُ الثَّانِي الَّذِي وُجِّهَ إِلَى هَذَا التَّعْرِيفِ.
أَيُّهَا الْأَحِبَّةُ؛ قَضِيَّةُ الِاعْتِرَاضِ عَلَى الْمُصَنِّفِينَ وَمُحَاوَلَةِ الْحِوَارِ وَالْوُصُولِ إِلَى حَلٍّ هَذَا لَا يَنْقُصُ مِنْ شَأْنِ الْمُصَنِّفِ أَوْ لَا يَنْقُصُ مِنْ شَأْنِ الْمُصَنِّفِينَ، هَؤُلَاءِ أَئِمَّةٌ عُلَمَاءُ كِبَارٌ قَدْ تَكُونُ لَهُمْ وِجهَاتُ نَظَرٍ، قَدْ تَكُونُ لَهُمْ وِجهَاتُ نَظَرٍ مُعَيَّنَةٍ، مُصْطَلَحَاتٌ مُعَيَّنَةٌ، آرَاءٌ مُعَيَّنَةٌ. نَحْنُ فِي النِّهَايَةِ نَأْخُذُ هَذَا الرَّأْيَ الَّذِي هُوَ لِلْمُصَنِّفِ وَنَنْظُرُ إِلَيْهِ بِنَاءً عَلَى قَوْلِ غَيْرِهِ مِنَ الْأُصُولِيِّينَ، بِنَاءً عَلَى قَوْلِ غَيْرِهِ مِنَ الْأُصُولِيِّينَ، نَنْظُرُ الْأَكْثَرَ الْجُمْهُورَ مِنَ الْأُصُولِيِّينَ كَيْفَ، ثُمَّ نَأْتِي إِلَى شَخْصٍ يَتَفَرَّدُ بِتَعْرِيفٍ مُعَيَّنٍ هِيَ وِجْهَةُ نَظَرٍ قَدْ تَكُونُ مَقْبُولَةً قَدْ تَكُونُ مَرْدُودَةً، فَنُحَاوِلُ أَنْ نُوَجِّهَ؛ هَلْ يُمْكِنُ هَذَا الرَّأْيُ الَّذِي انْفَرَدَ بِهِ فُلَانٌ مَعَ قَوْلِ الْجُمْهُورِ نَجْمَعُ بَيْنَهُمَا أَمْ وَاللَّهِ لَا يُمْكِنُ، أَنْ يُنْتَقَدَ أَنَّهُ كَانَ الْأَصْلَحَ أَنْ تَقُولَ كَذَا حَتَّى تَخْرُجَ مِنَ الِانْتِقَادِ؟
أَنْتَ إِذَا نَظَرْتَ فِي كُتُبِ الْأُصُولِيِّينَ كُلُّهُمْ يَنْتَقِدُونَ عَلَى بَعْضِهِمْ، فَالْمُتَأَخِّرُ يَنْتَقِدُ عَلَى الْمُتَقَدِّمِ، وَلَوْ قَالَ فُلَانٌ كَذَا لَكَانَ أَسْلَمَ، وَلَوْ قَالَ كَذَا خَلَصَ مِنْ هَذَا وَأَخْرَجَ هَذَا وَكَانَ الْأَصْلُ أَنْ يُدْخِلَ هَذَا. فَطَرِيقَةُ الِانْتِقَادِ إِيَّاكَ أَنْ تَظُنَّ أَنَّهَا تُقَلِّلُ مِنْ شَأْنِ الْكِتَابِ أَوْ مِنْ شَأْنِ الْمُصَنِّفِ؛ فِي النِّهَايَةِ هَؤُلَاءِ أَئِمَّةٌ عُلَمَاءُ كِبَارٌ لَهُمْ أَنْظَارُهُمْ، لَهُمْ نَظْرَتُهُمُ الْمُعَيَّنَةُ، مِنْ وِجْهَةِ نَظَرٍ تَبَنَّاهَا أُسْلُوبٌ مُعَيَّنٌ حَاوَلَ أَنْ يُعَبِّرَ بِهِ، هُوَ بَشَرٌ قَدْ يُصِيبُ وَقَدْ يُخْطِئُ فِي الْأُسْلُوبِ، فَهِيَ قَضِيَّةُ مُجَرَّدِ نِقَاشٍ نُحَاوِلُ مِنْ خِلَالِهِ أَنْ نُوَضِّحَ الْفِكْرَةَ؛ لِأَنَّ مُشْكِلَةَ الطَّالِبِ إِذَا ذَهَبَ إِلَى كِتَابٍ آخَرَ وَوَجَدَ تَعْرِيفًا آخَرَ وَوَجَدَ فِي كِتَابٍ ثَالِثٍ وَجَدَ تَعْرِيفًا آخَرَ رُبَّمَا يُصَابُ بِشَيْءٍ مِنَ التَّنَاقُضِ أَوْ مِنَ التَّعَارُضِ، لَا يَفْهَمُ مَا الْحَلُّ؟ لِمَادَا فُلَانٌ يَقُولُ هَكَذَا وَيُعَبِّرُ بِطَرِيقَةٍ أُخْرَى؟
لَكِنَّ نَحْنُ لَمَّا نُمْسِكُ هَذَا التَّعْرِيفَ الَّذِي تَفَرَّدَ بِهِ فُلَانٌ نَبْدَأُ نَقُولُ: وَهُنَاكَ مَنْ يَقُولُ لَكَ كَذَا وَهَذَانِ انْتِقَادٌ، أَنَّ هَذَا التَّعْرِيفَ نَقَصَ مِنْ هَذَا؛ يَقْرَأُ الطَّالِبُ كُتُبًا أُخْرَى يُدْرِكُ أَنَّ تَعْرِيفَ فُلَانٍ لِهَذَا الْمُصْطَلَحِ هُوَ أَصْلًا تَعْرِيفٌ قَدْ يُنْتَقَدُ، لَيْسَ تَعْرِيفًا مُتَّفَقًا عَلَيْهِ، لَيْسَ تَعْرِيفًا إِلْزَامِيًّا أَنَا مُجْبَرٌ أَنْ أَعْتَبِرَهُ تَعْرِيفًا صَحِيحًا. فَالِانْتِقَادُ جَيِّدٌ فِي تَوْسِيعِ الذِّهْنِ وَأَنْ يَتَعَوَّدَ الطَّالِبُ أَنَّهُ لَا يَقْبَلُ أَيَّ مَعْلُومَةٍ عَلَى أَنَّهَا مُسَلَّمَةٌ.
لَا أُرِيدُ أَنْ أُطِيلَ كَثِيرًا، أَدْخُلُ فِي الْمُصْطَلَحَاتِ أَوْ فِي دَرْسِ الْيَوْمِ الَّتِي وَعَدْنَا أَنْ نَخْتِمَ بِهَا الصَّحِيحَ وَالْفَاسِدَ، مُصْطَلَحَاتٌ ثَلَاثَةٌ هِيَ: الْأَدَاءُ وَالْقَضَاءُ وَالْإِعَادَةُ. الْأَدَاءُ وَالْقَضَاءُ وَالْإِعَادَةُ؛ كَمَا أَنَّ النُّفُوذَ أَيُّهَا الْأَحِبَّةُ مُصْطَلَحٌ يَتَعَلَّقُ بِبَابِ الْمُعَامَلَاتِ، مُصْطَلَحَاتُ الْأَدَاءِ وَالْقَضَاءِ وَالْإِعَادَةِ تَتَعَلَّقُ بِبَابِ الْعِبَادَاتِ. هَذِهِ أَوَّلُ قَضِيَّةٍ نُرِيدُ أَنْ نُنَبِّهَ عَلَيْهَا أَنَّ مُصْطَلَحَ النُّفُوذِ ذَكَرْنَا فِي الدَّرْسِ الْمَاضِي أَنَّهُ يَتَعَلَّقُ هُوَ وَصْفٌ لِلْمُعَامَلَاتِ، وَصْفٌ لِلْمُعَامَلَاتِ الَّتِي اسْتَكْمَلَتْ شُرُوطَ الصِّحَّةِ، أَمَّا الْأَدَاءُ وَالْقَضَاءُ وَالْإِعَادَةُ فَهُوَ وَصْفٌ لِلْعِبَادَاتِ عَلَى مَا سَيَأْتِي مِنْ تَعْرِيفِهَا.
وَبَيَّنْتُ لَكُمْ أَنَّ إِلْحَاقَ الْأَدَاءِ وَالْقَضَاءِ وَالْإِعَادَةِ وَبَابِ الصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ مَنْهَجُ طَرِيقَةٍ اتَّبَعَهَا عَبْدُ الْمُؤْمِنِ الْبَغْدَادِيُّ؛ غَيْرُ مِنَ الْأُصُولِيِّينَ يَعُدُّ الْأَدَاءَ وَالْقَضَاءَ وَالْإِعَادَةَ أَنْوَاعًا مُسْتَقِلَّةً مِنَ الْأَحْكَامِ الْوَضْعِيَّةِ، الْبَعْضُ لَا يَعْتَبِرُهَا أَحْكَامًا وَضْعِيَّةً أَصْلًا يَعْتَبِرُهَا مُصْطَلَحَاتٍ أُصُولِيَّةً تُدْرَسُ وَحْدَهَا فِي خِتَامِ الْكَلَامِ عَنِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، يَعْنِي لَا يُلْحِقُهَا بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ ابْتِدَاءً.
فَفِي النِّهَايَةِ هِيَ وِجْهَاتُ نَظَرٍ اصْطِلَاحِيَّةٌ؛ أَرَى أَنَّهُ لَا حَاجَةَ إِلَى أَنْ نُطِيلَ الْكَلَامَ حَوْلَهُ، هِيَ وِجْهَاتُ نَظَرٍ لَا يَنْبَنِي عَلَيْهَا أَقْصِدُ يَعْنِي خِلَافٌ أَوْ إِنْكَارٌ أَوْ ثَمَرَةٌ فِقْهِيَّةٌ عَظِيمَةٌ، أَنْ تَكُونَتْ عِنْدَهَا أَحْكَامٌ وَضْعِيَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ وَالَّتِي تُلْحِقُهَا بِالصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ، أَوْ تَعُدُّهَا أَصْلًا لَيْسَتْ مِنَ الْأَحْكَامِ الْوَضْعِيَّةِ وَإِنَّمَا هِيَ مُصْطَلَحَاتٌ؛ فِي النِّهَايَةِ لَنْ يَنْبَنِيَ عَلَيْهَا شَيْءٌ كَثِيرٌ وَمُهِمٌّ أَنْ تَفْهَمَ مَعْنَى الْمُصْطَلَحِ.
طَيِّبٌ، نَبْدَأُ فِي تَحْلِيلِ هَذِهِ الْمُصْطَلَحَاتِ الثَّلَاثَةِ، قَالَ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ الْبَغْدَادِيُّ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ: وَالْأَدَاءُ فِعْلُ الشَّيْءِ فِي وَقْتِهِ، وَالْإِعَادَةُ فِعْلُهُ ثَانِيًا لِخَلَلٍ أَوْ غَيْرِهِ، قَضَاءٌ فِعْلُهُ بَعْدَ خُرُوجِ وَقْتِهِ.
الْآنَ أَيُّهَا الْأَحِبَّةُ نَبْدَأُ بِهَذِهِ الْمُصْطَلَحَاتِ، مَا مَعْنَى الْأَدَاءِ؟ عِنْدَمَا نَقُولُ: فُلَانٌ صَلَّى الظُّهْرَ أَدَاءً، وَفُلَانٌ أَعَادَ الظُّهْرَ، وَفُلَانٌ صَلَّى الظُّهْرَ قَضَاءً. حِينَمَا نَقُولُ: الْحَائِضُ عَلَيْهَا أَنْ تَقْضِيَ الصَّوْمَ بَعْدَ رَمَضَانَ، وَلَيْسَ عَلَيْهَا أَنْ تَقْضِيَ الصَّلَاةَ؛ مَا مَعْنَى تَقْضِيَةٍ؟ مُصْطَلَحَاتٌ نَحْنُ نَسْتَخْدِمُهَا فِي حَيَاتِنَا الْعَمَلِيَّةِ، نَقُولُ: عَلَيْهِ أَنْ يَقْضِيَ الْحَجَّ فِي الْعَامِ الْقَابِلِ، تَجِدُ هَذَا فِي كُتُبِ الْفِقْهِ عَلَيْهِ أَنْ يَقْضِيَ الْحَجَّ، مَا عِبَارَةُ أَنَّ مَا مَعْنَى أَنْ يَقْضِيَ الْحَجَّ؟ فُلَانٌ عَلَيْكَ أَنْ تُعِيدَ الصَّلَاةَ مَرَّةً أُخْرَى، مُصْطَلَحَاتٌ تَتَكَرَّرُ مَا مَعْنَاهَا؟
نَبْدَأُ بِمُصْطَلَحِ الْأَدَاءِ؛ الْأَدَاءُ أَيُّهَا الْأَحِبَّةُ قَالَ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ: فِعْلُ الشَّيْءِ فِي وَقْتِهِ. لَكِنْ أَرَى أَنْ نُضِيفَ قَيْدًا عَلَى هَذَا التَّعْرِيفِ حَتَّى يَنْفَصِلَ مَفْهُومُ الْأَدَاءِ عَنْ مَفْهُومِ الْإِعَادَةِ فَنَقُولُ: الْأَدَاءُ فِعْلُ الشَّيْءِ فِي وَقْتِهِ أَوَّلًا. نُضِيفُ كَلِمَةَ أَوَّلًا فِي خِتَامِ التَّعْرِيفِ، لِأَنَّهُ إِيشِ قَالَ فِي الْإِعَادَةِ؟ فِعْلٌ ثَانِيًا، فَنُرِيدُ أَنْ نَفْصِلَ مُصْطَلَحَ الْأَدَاءِ عَنْ مُصْطَلَحِ الْإِعَادَةِ فَنَقُولُ: فِعْلُ الشَّيْءِ أَوَّلًا فِي وَقْتِهِ.
الْآنَ دَخَلَ عَلَيْكَ وَقْتُ الظُّهْرِ، وَقْتُ الظُّهْرِ أَيُّهَا الْأَحِبَّةُ يَبْدَأُ مِنْ مَتَى إِلَى مَتَى؟ يَبْدَأُ مِنْ زَوَالِ الشَّمْسِ وَيَنْتَهِي بِمَصِيرِ ظِلِّ الشَّيْءِ مِثْلَهُ فَضْلًا عَلَى ظِلِّ الزَّوَالِ. إِذَا أَنْتَ صَلَّيْتَ الظُّهْرَ خِلَالَ هَذِهِ الْمُدَّةِ الْمُؤَقَّتَةِ، إِذَا أَنْتَ صَلَّيْتَ الظُّهْرَ خِلَالَ هَذِهِ الْمُدَّةِ الْمُؤَقَّتَةِ نَقُولُ: أَنْتَ صَلَّيْتَ الظُّهْرَ أَدَاءً، هَذَا هُوَ الْمَنْطِقُ.
مُمْتَازٌ؛ الصِّيَامُ يَبْدَأُ مِنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ، عَفْوًا، مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، إِذَا الْمُسْلِمُ -مَا بَدِي أَقُولُ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ، أَتِي بِالْمِثَالِ بِشَكْلٍ أَوْضَحَ- الْآنَ إِذَا طَلَعَ هِلَالُ رَمَضَانَ مِنْ وَاحِدِ رَمَضَانَ إِلَى ثَلَاثِينَ رَمَضَانَ عَلَيْكَ إِيشِ؟ أَنْ تَصُومَ. مَنْ صَامَ رَمَضَانَ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ نَقُولُ إِذَا هُوَ الْعِبَادَةُ فِي وَقْتِهَا الشَّرْعِيِّ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟
طَيِّبٌ، مَا بَدْنَا نَتَكَلَّمُ فِي الْفَرْضِ فَقَطْ، نَجِي مَثَلًا عَلَى النَّوَافِلِ، الْآنَ النَّوَافِلُ تُقْضَى فِي أَكْثَرِهَا أَوْ فِي جُلِّهَا بِالْجُمْلَةِ، فَمَثَلًا لَوْ قُلْتُ لَكَ سُنَّةُ الْفَجْرِ مَتَى وَقْتُهَا؟ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي حَتَّى تَدْخُلَ، تَعْنِي تُقَامُ صَلَاةُ الْفَجْرِ، فَهِيَ قَبْلَ الصَّلَاةِ، إِذَا أَنْتَ صَلَّيْتَ سُنَّةَ الْفَجْرِ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي وَقَبْلَ أَنْ تُصَلِّيَ الْفَجْرَ الْفَرْضَ نَقُولُ: هَذِهِ السُّنَّةُ وَقَعَتْ أَدَاءً لِأَنَّهَا وَقَعَتْ فِي وَقْتِهَا. إِشْ وَقْتُهَا وَقْتًا مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي إِلَى أَنْ تُصَلِّيَ صَلَاةَ الْفَجْرِ الْفَرْضَ، أَنَّ هَذَا وَقْتًا مَا هِيَ قَبْلِيَّةٌ سُنَّةٌ قَبْلِيَّةٌ، فَإِذَا إِذَا أَنْتَ صَلَّيْتَ خِلَالَ هَذِهِ الْمُدَّةِ تَقُولُ أَدَاءً، إِذَا صَلَّيْتَ بَعْدَ ذَلِكَ مَثَلًا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ يَجُوزُ أَنْ تُصَلَّى بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَلَكِنَّهَا تَكُونُ قَضَاءً، الْآنَ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ لَا يَجُوزُ أَنْ تُصَلَّى بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ مُبَاشَرَةً، يَنْبَغِي أَنْ تَنْتَظِرَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَتَرْتَفِعَ قَدْرَ الرُّمْحِ تُصَلِّيهَا بَعْدَ ذَلِكَ، وَلَكِنْ يَكُونُ هَذَا الْأَدَاءُ لِلسُّنَّةِ إِيشِ يُسَمَّى؟ قَضَاءً.
إِذَا الْأَدَاءُ هُوَ فِعْلُ الْعِبَادَةِ فِي وَقْتِهَا الْمُحَدَّدِ لَهَا شَرْعًا، بِالتَّالِي إِذَا مُصْطَلَحُ الْأَدَاءِ وَالْقَضَاءِ وَالْإِعَادَةِ نُلَاحِظُ أَنَّهُ مُرْتَبِطٌ بِالْعِبَادَاتِ الَّتِي لَهَا وَقْتٌ شَرْعِيٌّ مُحَدَّدَةٌ فِيهِ، لِأَنَّ بَعْضَ الْعِبَادَاتِ مِثْلَ النَّفْلِ الْمُطْلَقِ قِيَامِ اللَّيْلِ لَيْسَ لَهَا وَقْتٌ شَرْعِيٌّ بِدَايَةٌ وَنِهَايَةٌ نَقُولُ: إِذَا أَوْقَعْتَ الْفِعْلَ فِي هَذَا الْوَقْتِ أَدَاءً وَإِذَا أَوْقَعْتَ بَعْدَ قَضَاءً. وَصْفُ الْأَدَاءِ وَالْقَضَاءِ وَالْإِعَادَةِ إِنَّمَا يَدْخُلُ فِي الْعِبَادَاتِ الَّتِي لَهَا أَوْقَاتٌ مُحَدَّدَةٌ مِنَ الشَّارِعِ بِدَايَةً وَنِهَايَةً، مِثْلَ مَا مَرَّ مَعَنَا فِي الصَّلَاةِ، مِثْلَ مَا مَرَّ مَعَنَا فِي الصِّيَامِ، مِثْلَ مَا مَرَّ مَعَنَا حَتَّى فِي النَّوَافِلِ صَلَاةَ فَرْضٍ أَوْ نَفْلٍ، هُنَاكَ عِبَادَاتٌ الشَّارِعُ جَعَلَ لَهَا وَقْتَ بِدَايَةٍ وَوَقْتَ نِهَايَةٍ، هَذِهِ الْعِبَادَاتُ هِيَ الَّتِي تُوَصَّفُ بِالْأَدَاءِ وَبِالْقَضَاءِ وَبِالْإِعَادَةِ، هَذَا كَتَأْصِيلٍ.
الْآنَ فِي بَعْضِ الْعِبَادَاتِ أَيُّهَا الْأَحِبَّةُ الشَّارِعُ لَمْ يَضَعْ لَهَا وَقْتَ بِدَايَةٍ وَنِهَايَةٍ مُحَدَّدٍ مِنْ كَذَا إِلَى كَذَا، وَلَكِنْ مَثَلًا يَجِبُ عَلَيْكَ أَنْ تُؤَدِّيَهَا فَوْرًا مَتَى اسْتَكْمَلْتَ شُرُوطَهَا، مَثَلًا أَنْتَ الزَّكَاةُ؛ إِذَا مَلَكْتَ النِّصَابَ وَحَالَ الْحَوْلُ يَجِبُ فَوْرًا، فَوْرًا عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ بِمُجَرَّدِ أَنِ انْتَهَى الْحَوْلُ فَوْرًا عَلَيْكَ أَنْ تُخْرِجَ الزَّكَاةَ، فَهُنَا يَقُولُونَ: إِذَا أَنْتَ أَدَّيْتَ الزَّكَاةَ بَعْدَ انْتِهَاءِ الْحَوْلِ، الْآنَ مَا فِي عِنْدَنَا وَقْتٌ مُحَدَّدٌ شَرْعًا لِأَدَاءِ الزَّكَاةِ لَهُ بِدَايَةٌ مَعْلُومَةٌ وَنِهَايَةٌ مَعْلُومَةٌ، فَقَطِ الْحَنَابِلَةُ يَقُولُونَ وَكَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ إِذَا حَلَّ الْحَوْلُ وَمَعَكَ النِّصَابُ عَلَيْكَ أَنْ تُخْرِجَ الزَّكَاةَ فَوْرًا وَلَا يَجُوزُ أَنْ تُؤَخِّرَهَا وَتَتَرَاخَى فِي إِخْرَاجِهَا مِنْ دُونِ عُذْرٍ، فَقَالُوا فَقَطْ عَلَيْكَ فَوْرًا أَنْ تُخْرِجَهَا.
طَيِّبٌ، الْفَوْرِيَّةُ أَلَهَا وَقْتٌ مُعَيَّنٌ بِدَايَةٌ، مَنْ السَّاعَةِ كَذَا لِلسَّاعَةِ كَذَا؟ مَا لَنَا وَقْتٌ مُحَدَّدٌ، الْمُهُمُّ وُجِدَ فَوْرِيَّةٌ؟ فَإِذَا أَدَّيْتَ الزَّكَاةَ فَوْرًا بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ يَقُولُ: هَذَا يُسَمَّى أَدَاءً أَيْضًا، يُسَمَّى هَذَا أَدَاءً مِنْ أَدَّى.
الزكاة فوراً بعد حلول الحول يسمى تأديته للزكاة فوراً يسميه ايش؟ أداء. مع أنه ما عنا وقت محدد بالضبط مثل وقت الظهر من الزوال إلى المثلين. أن الوقت الفورية والفورية في الحقيقة يعني فيها نوع برضه من العموم. يعني شو معنى الفورية بالضبط؟ ما في إلها تحديد مؤقت.
لكن بعض الأصوليين يقول العبادات التي أمر الشارع بأدائها فوراً إذا استجمعت أسبابها وشروطها وانتفت موانعها عليك أن تؤديها فوراً نسمي أدائها على الفور أداء جميل، لكن هذا مصطلح وكذلك لا مشاحة في الاصطلاح. نعم يصح أن تسمى أداء. لكن الأغلب والأشهر أن مصطلح الأداء والإعادة إنما تأتي في العبادات التي حدد لها الشارع وقت بداية معلوم ووقت نهاية معلوم. يعني فقط هاي المعلومة اريدك أن تتقنها الآن، أنه الأغلب في وصف الأداء والقضاء والإعادة أنه للعبادات هاي أول شيء وليس للمعاملات. ثانياً لكل أنواع العبادات لا للعبادات التي لها وقت بداية معلوم ووقت نهاية معلوم. مثل اوقات الصلوات الفرض اوقات صلوات النفل المؤقت اوقات الصيام. اه مثلا الحج له أيام معلومة، مش ممكن تؤدي إلا ضمن أيام معلومة. كذلك مناسك الحج فلها اوقات محددة بداية ونهاية. فهذه هي التي توصف عادة بالأداء والقضاء والإعادة. يمكن أن توصف بعض العبادات بأنها والله أداء وقعت من دون أن يكون لها وقت محدد البداية والنهاية ممكن، وستجد ذلك في كتب الأصوليين وفي كتب الحنابلة وغيرهم. لكن في هاي المرحلة نُريدك أن تفهم أن الأشهر في إطلاق هذه الأوصاف أنها للعبادات المؤقتة البداية والنهاية.
فعرفنا أن الأداء ما هو؟ هو أن تفعل العبادة هو قال الشيء. والمراد بالشيء العبادة. فعل الشيء يعني العبادة. فعل الشيء في داخل وقته في داخل وقته المحدد شرعاً هذا هو المراد. ومثلنا بصلاة الظهر تؤديها من الزوال إلى مصير الشيء مثله. إذا أوقات خلال هذه المدة تسمى أداء. كذلك سنة الفجر من طلوع الفجر إلى الصلاة. صلاة الفرض خلال هذه المدة إذا أوقعتها تسمى أداء. كذلك رمضان إذا صمت في خلال المدة من واحد رمضان إلى ثلاثين رمضان هذا يسمى أداء فانت فعلت الشيء في داخل وقته. لكني أضفت أنا في النهاية قيد قلت كل شيء في داخل وقته أولاً لماذا؟ حتى أخرج الإعادة من الأداء.
الإعادة أيها الأحبة أن تفعل العبادة مرة ثانية في داخل الوقت. لماذا تفعله مرة ثانية؟ إما لخلل وقع في الأداء الأول وإما لتحصيل كمال أفضل. الإعادة أن تفعل العبادة في داخل وقتها لكن ثانياً ايش يعني ثانياً؟ أنك ستعيد فعل العبادة مرة أخرى في داخل الوقت. طيب ليش أعيّدها مرة أخرى في داخل الوقت؟ قالوا أما لأن في الأداء الأول كان هناك نقص وخلل فأردت أن تعيد مرة أخرى لجبر هذا النقص والخلل. مثل ايش؟ انسان أيها الأحبة صلى الظهر في بيته منفرداً جميل الآن أداء صلاة الظهر الآن صلاة الجماعة أيها الأحبة عند الحنابلة واجبة، فإذا صليت صلاة الظهر منفرداً هذا خلل نقص، صلاتك صحيحة لكن فيها نقص فأنت صليت الظهر وحدك.
ثم ذهبت مررت بجانب مسجد فسمعت الإقامة فدخلت فأعدت صلاة الظهر مرة أخرى مع جماعة المسلمين لتسد ذاك الخلل الذي وقع في الأداء الأول. أنت عند أول أداء أنت أديتها منفرد صلاتك صحيحة إن شاء الله لكن فيها خلل. مررت بجانب مسجد في داخل الوقت يعني صليت الظهر والله مسكت السيارة ومشيت، ولا في سماكة مسجد يقيم الصلاة فأنت قلت لنفسك لماذا لا أدخل إلى هذا المسجد فأعيد صلاته فأعيد صلاة الظهر مرة أخرى لجبر الخلل الذي وقع في صلاتي كنت منفرد الآن أصلي في جماعة فجبرت هذا الخلل. نقول إذا هذه يسمى آآ أو تسمى صلاة الظهر مرة أخرى في داخل الوقت يسمى هذي ايش؟ إعادة. إذا هذا مثال على تأدية الفعل أو فعل العبادة مرة أخرى في داخل الوقت لجبر الخلل.
يمكن يكون مش وقع خلل ممكن يكون تحصيل لفضيلة أعظم، أو تحصيل لفضيلة مش أعظم لكن فضيلة أخرى جديدة بغض النظر هي أعظم ولا ليست أعظم لكن فضيلة جديدة. مثال ذلك شخص صلى في جماعة صلى في جماعة كان الحمد لله آه في مسجد فصلى في جماعة، ثم خرج من المسجد ذهب في الطريق اضطر أن يدخل إلى مسجد آخر. هو في الطريق اضطر أن يدخل إلى مسجد آخر يريد أن ينتظر شخص أو ما ذلك، عندما دخل هذا المسجد الجديد في داخل الوقت هذا المسجد تأخر في الإقامة فعندما دخل هذا الأخ إلى المسجد أقيمت الصلاة، بنفس الصلاة الآن يسن هذا الأخ أن يصلي الصلاة مرة أخرى مع هذه الجماعة الجديدة في هذا المسجد الجديد. يسن له لماذا؟ لأنه النبي صلى الله عليه وسلم كان يحث الصحابي على أنهم إذا دخلوا المسجد وقد سمعوا إقامة الصلاة أن يصلوا مع الجماعة حتى ولو كانوا صلوا، ما يجلس الإنسان وحده في المسجد والناس تصلي حتى لا يتهم، وفي النهاية صلاة فتأخذ أجر إن شاء الله مضاعف. هو أكيد صلاتك الآن ليست هي الفرض أنت تأخذ نفل عليها لكنك في النهاية أنت تعيد صلاة الظهر مرة أخرى مع جماعة جديدة لأنك دخلت المسجد وقد أقيمت الصلاة فهذا يسمى فعل العبادة مرة أخرى في داخل الوقت تحصيلاً لفضيلة.
فباختصار إذاً أيها الأحبة عندنا العبادة المؤقتة توصف بأنها أداء توصف بأنها إعادة توصف بأنها قضاء. ماذا توصف بأنها أداء؟ إذا فعلت الشيء في داخل الوقت أولاً. متى يوصف بأنه إعادة؟ إذا فعلت الشيء في داخل الوقت ثانياً، يعني قعدت مرة أخرى وفعلت الشيء ثانية في داخل الوقت، قد يكون إما لجبر خلل كان في الأداء الأول وهذا مثاله من صلى منفرداً ثم ذهب فسمع إقامة الصلاة فدخل مع الجماعة المسلمين فصلاته الأولى منفرد فيها نقص فأراد أن يجبر هذا نقص بإعادة الصلاة مع الجماعة. وأما أن يقول لتحصيل فضيلة كمن صلى في جماعة ثم ذهب إلى مسجد آخر فأقيمت الصلاة فيسلم هذه الجماعة مرة أخرى وهذه لتحسين فضيلة الجماعة الثانية فهذا يسمى إذاً إعادة. إذاً الأداء أن تفعل الشيء في داخل الوقت أولاً، الإعادة أن تفعل الشيء في داخل الوقت ثانياً أما لخلل وقع في الأداء الأول أو لتحصيل فضيلة جديدة.
طيب القضاء ما هو؟ إذا أنت فهمت الأداء ستفهم القضاء. القضاء هو فعل العبادة في خارج وقتها المحدد شرعاً. القضاء أن تفعل العبادة لكن تفعل بعد خروج وقتها المحدد شرعاً. محمد كان نائم من الظهر إلى العصر فلم يصلي الظهر، استيقظ بعد صلاة العصر الآن عليه أن يعيد صلاة الظهر عليه أن يعيد، ما نسميها هاي الإعادة وفعل العبادة في خارج وقتها ما بدي أسميه أعاد عليه أن يصلي الظهر بعد العصر. جميل صلاته للظهر بعد العصر تسمى ايش؟ قضاء لأنه فعل العبادة في خارج وقتها المحدد شرعاً. رجل كان مريضا في شهر رمضان لم يستطع أن يصوم، بعد شهر رمضان شفاه الله سبحانه وتعالى الحمد لله، عليه الآن أن يصوم أيام رمضان قضاء يعني يفعل هذه العبادة في خارج وقتها المحدد لها شرعاً.
نأتي مثال نافلة، محمد أتى المسجد عندما أتى المسجد أقيمت صلاة الظهر فلم يستطع أن يصلي السنة القبلية للظهر. عندما الآن السنة القبلية للظهر متى وقتها؟ وقت السنة القبلية للظهر من دخول وقت الظهر حتى إقامة صلاة الظهر. إذا دخلت في صلاة الظهر الفريضة خلص أقيمت صلاة الظهر الفريضة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فإذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة». دخلت المسجد أقيمت صلاة الظهر لا يجوز أن تصلي إلا الفرض. الآن بعد أن انتهيت من صلاة الفرض مع الإمام ستصلي السنة القبلية لكنها تكون الآن ايش؟ قضاء لأنه وقتها قبل صلاة الظهر فانت إذا فعلت بعد صلاة الظهر هذا أيضا يكون قضاء. فالقضاء لا يتعلق فقط بالفروض بل يدخل حتى في النوافل أيها الأحبة. إذا القضاء فعل العبادة في خارج وقتها المحدد شرعاً. أظن الأمر واضح صح ولا لا؟ مفهوم الأداء إذا الأداء أن تفعل العبادة في داخل وقتها أولاً، وإذا فعلت العبادة في داخل وقتها للمرة الثانية لا نسميه أداء نسميه ايش؟ إعادة. وإذا فعلت العبادة في خارج الوقت ايش نسميه؟ قضاء.
الآن بعض الأصوليين بعض الأصوليين منهج يقول الإعادة هي داخل ضمن الأداء، يعني لا يجعلها قسيم للأداء بل يجعلها ضمن الأداء بالتالي يصبح الأداء أن تفعل العبادة في داخل الوقت سواء فعلتها المرة الأولى أو أنك أعدتها مرة ثانية لجبر خلل أو تحصيل فضيلة كلاهما في النهاية يسمى أداء. والذي يظهر لي أن عبد المؤمن قد يكون من هذا النوع من الأصوليين، لأنه عندما وفي الأداء ايش قال؟ عبد المؤمن قال الأداء هو فعل الشيء ايش؟ في وقته. لم يحدد أنه فعل الشيء في وقته أولاً أو ثانياً صح؟ فعل الشيء في وقته. بناء على تعريف عبد المؤمن فعل الشيء في وقته من دون أن نضيف قيد أولاً ستكون الإعادة داخلة ضمن الأداء. لأنه هو قال الأداء فعل الشيء في وقته ولم يحدد أنه فعل الشيء في وقته أول مرة، فعل الشيء في وقته بغض النظر أنه مرة ثانية أو ثالثة يعني تكرار من أجل جبر خلل أو تحصيل فضيلة لم يحدد. فأي فعل للعبادة في داخل الوقت سواء كان هذا هو الفعل الأول لها أو كان مع الإعادة كله يسمى أداء، المهم أنه وقع في الوقت.
هذا منهج لبعض الأصوليين أنه يعتبر الإعادة داخل ضمن الأداء، قد يكون عبد المؤمن سلك هذا المسلك. كثير من الأصوليين لا يفصل يقول الأداء فعل الشيء في وقته أولاً، والاعادة فعله في وقته ثانياً لجبر خلل أو تحصيل فضيلة، أما القضاء فهو فعل العبادة في خارج وقتها المحدد شرعاً. الآن بقيت مسألة في الحقيقة لا أُريد أن أشرها الآن لكن أُريد أن فقط أشير إليها ربما نشرحها في كتاب أعلى، وهي قضية لو أن الإنسان أوقع بعض العبادة في داخل الوقت وبعضها الثاني في خارج الوقت. مثال ذلك شخص كبر تكبيرة الإحرام قبل أن لصلاة الظهر قبل أن يخرج وقت صلاة الظهر بثانيتين. قال الله أكبر لصلاة الظهر ثم خرج الوقت، الآن فهذه العبادة هذه الصلاة نسميها أداء أم قضاء؟ الآن بعض أداء كان في داخل الوقت وبعضها في خارج الوقت إذن هو كبر تكبيرة الإحرام ثم خرج الوقت مباشرة بعد ذلك. الآن في الحقيقة من الناحية العملية تسمى هذه الصلاة أداء تغليباً لأن البداية وقعت في ايش؟ في داخل الوقت حتى ولو كان الباقي سيكون خارج الوقت.
بعض الأصوليين يقول ما كان من هذه العبادة داخل الوقت أداء وما بقي منها أو ما وقع منها خارج الوقت قضاء، فالعبادة نفسها يصفها بوصفين ما كان منها داخل الوقت أداء وما كان منها خارج الوقت قضاء. والبعض يقول لا إذا أوقع العبد العبادة ولو جزئاً منها خارج الوقت كله يسمى قضاء. فهناك ثلاثة أقوال للأصوليين، ولكن من الناحية العملية الفقهية الأكثر يعتبرون من قبيل الأداء، لذلك البعض يقول في تعريف الأداء هو فعل العبادة أو ايش؟ فعل العبادة أو وفعل بعض العبادة في داخل الوقت أولاً. البعض يقول في الأداء لأنه إذا قلت فإن العبادة في داخل الوقت أولاً ظاهرة أنك تفعل كل العبادة في داخل الوقت، أما إذا قلت فعل العبادة أو بعضها في داخل الوقت هنا ستشمل هذه الصورة التي قلناها وهي لو أنه أوقع بعض العبادة في داخل الوقت وبعضها في خارج الوقت، والارجح أن هذا يعتبر أداء عند الحنابلة رحمة الله تعالى عليهم.
الآن خلص انتهينا من هذا المصطلح أنا لا أريد أن أطيل أكثر من ذلك حتى نسير، لكن هي مسألة أخيرة أشار إليها عبد المؤمن البغدادي يعني هو اضطرني أن أشرها تتعلق بموضوع القضاء. ايش قال عبد المؤمن البغدادي أيها الأحبة؟ قال القضاء بعد أن عرف عبد المؤمن البغدادي الأداء والقضاء والإعادة قال والقضاء فعله يعني فعل العبادة بعد خروج وقت وقيل إلا صوم الحائض بعد رمضان وليس بشيء.
الآن وقيل إلا يعني استثناء أنه القضاء أن تفعل العبادة بعد خروج الوقت لكن بعض الأصوليين استثنى صوم الحائض بعد رمضان لأيام حيضها. فقال صوم الحائض بعد رمضان في الأيام التي حاضت عنها في رمضان هذا لا نسميه قضاء نسميه أداء. يعني امرأة حاضت في رمضان ستة أيام أو سبعة أيام كما هو معتاد، الآن متى ستصوم هذه الأيام؟ بعد رمضان في شوال في ذي الحجة في ذي القعدة. الآن هذه الأيام التي ستصومها عن رمضان في شوال أو في ذي القعدة أو في ذي الحجة هل نسمي فعلها أداء أو قضاء؟ فيه المشهور المتبادل لدينا أنه قضاء يقول بل قال تقضي بعد رمضان أيام حيضها، لكن بعض الأصوليين يقول لا صوم الحائض بعد رمضان لا نسميه قضاء ليش؟ هؤلاء ايش يريدون؟ هي مسألة أصولية. هذه المسألة تقول أيها الأحبة هل من شرط فعل العبادة بعد الوقت حتى يسمى قضاء أن يكون المكلف متمكناً من العبادة في داخل الوقت؟
مسألة تتعلق بالقضاء: هل من شرط فعل العبادة بعد خروج الوقت -أو هل مثلاً نقول: هل من شرط أن يُسمى... نحاول أصوغ العبارة بما يسهل على الطالب- هل من شرط أن يُسمى فعل العبادة بعد خروج الوقت قضاء أن يتمكن المكلف من أدائه في داخل الوقت ويترك الأداء، أم يمكن أن يكون المكلف ممنوعاً من أداء العبادة في داخل الوقت ومجبرا على فعلها خارجه، ومع ذلك يسمى فعله في الخارج قضاء؟
سؤال طويل، استشكال هو سهل لكن عليك أنك تفهمه. الآن احنا قلنا: القضاء هو ماذا؟ فعل العبادة في خارج الوقت، هذا تعريف القضاء. الآن طرح بعض الأصوليين مشكلة، يقول: هل من شرط فعل العبادة بعد الوقت حتى نسميه قضاء، هل شرط تسمية قضاء أن يكون مسبوقاً بتمكن المكلف من أداء العبادة في داخل الوقت، مكلف وبنفسه يترك الأداء تقصيراً منه أو بسبب غفلة أو نوم أو نسيان؟ أم يمكن أن العبادة تتعلق بذمة المكلف في داخل الوقت -لاحظوا العبارة التي أتكلم بها الآن- أم يمكن أنه المكلف بذمته العبادة في داخل الوقت، لكن يمنع من أدائها، يمنع من أدائها ثم بعد أن يخرج الوقت يؤديها؟
لاحظوا، أم يمكن أن يكون المكلف ممنوعاً من الأداء -من أداء العبادة- في داخل الوقت؟ يعني هي تعلقت بذمته بمجرد دخول الوقت، لكن تعلقها بذمته ما زال لا يسمح له بالأداء. لماذا؟ لقيام مانع في المكلف يمنعه من الأداء. الآن أيها الأحبة، يعني هي فقط للتنبيه، بعض العبادات الآن تجب عليك -ممتاز- تجب عليك بدخول الوقت، صح؟ لكنك لا تستطيع أن ايش؟ أن تؤديها لمانع قام بك. فنقول: هي تعلقت بذمتك بمجرد أن دخل الوقت، لكنك لا تستطيع أن تؤديها وأنت على هذه الحالة. إذا كنت تستطيع أنك ترفع المانع باختيارك وإرادتك نقول: نعم، عليك أن ترفع هذا المانع وأن تؤدي العبادة في داخل الوقت.
لكن أحياناً قد يكون رفع هذا المانع ليس باختيارك، ليس بإرادتك، فبالتالي ينتهي الوقت وأنت لا تستطيع أن تفعل العبادة التي ثبتت بذمتك، فنقول: خلص، بعد الوقت افعل هذه العبادة التي تعلقت بذمتك مرة أخرى. فهذا هو الاشكال الذي وقع عند بعض الأصوليين وهذا ستجدونه في الكتب المطولة. هو باختصار أحاول أن أصوغ العبارة بطريقة على الطالب أكثر وأكثر: أن فعل الشيء بعد الوقت، هل من شرط تسميته قضاء أن يكون المكلف متمكناً قطعياً من تأديته في الوقت ثم هو يهمل ويترك أداءه في الوقت، أو يعرض له مثلاً غفلة أو نسيان فيترك الأداء؟ أم يمكن أن يسمى العبادة بعد الوقت قضاء حتى ولو كان المكلف لا يستطيع أن يفعله في داخل الوقت؟
واضحة المشكلة هاي وين؟ نأتي للمثال الذي ذكره، وهو صوم الحائض في رمضان. الآن امرأة، أيها الأحبة، إذا طلع هلال رمضان عليها أن تصوم الشهر كاملاً، صحيح؟ الآن جاءتها الدورة الشهرية، جاءها الحيض خلال هذا الشهر الفضيل، ست أيام، سبعة أيام. الآن هذه الأيام التي كانت في خلال هذا الشهر الفضيل وكانت هي فيها حائض، هل نقول: الصيام لم يجب عليها ولم يتعلق بذمتها؟ أم نقول: الصيام وجب عليها في هذه الأيام لكنها ممنوعة من أدائه بسبب الحيض وعليها أن تفعله بعد خروج رمضان؟
وهنا الفرس، نقول: هل هذه الأيام ثبتت في ذمتها ابتداء ولا ما ثبتت؟ الصحيح أنها ثبتت في ذمتها. فإذا الآن تعتبر نفسها في أيام رمضان وهي حائض، كل يوم يدخل عليّ من أيام رمضان وهي حائض، كل يوم يتعلق صيام هذا اليوم ويجب عليها أن تصوم هذا اليوم، يجب عليها أن تصوم لكن لا... لكن يحرم عليها أن تؤدي الآن. تقول: إذا كان كيف تقول؟ يجب عليها أن تصوم وفي نفس الوقت تقول يحرم عليها أن تؤدي الآن؟ نقول: نعم، يجب عليها أن تصوم لكن هذا تعلق بذمتها، يعني الآن هو في عهدتها، دين عليها. بعد خروج شهر رمضان عليها أن تؤدي هذا الدين الذي برقبتها لله سبحانه وتعالى.
الان هذه الحائض بعد رمضان لما تقضي هذه الأيام وتصومها، هل نسمي فعلها لهذه بعد رمضان، هل نسميه قضاء؟ بعض الأصوليين يقول: لا، صوم الحائض بعد رمضان للأيام التي أفطرتها في رمضان يسمى أداءً، لا نسميه قضاءً. نقول: لماذا قلت هو أداء؟ قال: لأنها في شهر رمضان لما كانت حائض في رمضان لم تستطع من أن تصوم هذه الأيام، لأن الشارع هو الذي الذي حرم عليها الصيام، هو الذي منعها من الصيام، فكيف أقول إن فعلها بعد رمضان قضاء؟ مع أنها في رمضان كانت نوعاً من الأداء من قبل الشارع.
فماذا نجيب عن هذا المعترض؟ نقول: تسمية فعل الشيء بعد وقته قضاءً ليست مشروطة بأنه كان يمكنه الأداء في داخل الوقت، بل مطلقاً إذا أدى المكلف العبادة بعد وقتها نسمي فعله قضاءً، بغض النظر: أكان يمكنه أن يؤدي العبادة في داخل الوقت فهو أهمل وترك، أو لم يمكن أن يؤدي في داخل الوقت لمانع قام به. هذه هي المشكلة التي طرحها عبد المؤمن البغدادي؛ أنه بيقول لك بعض الأصوليين استثنى صوم الحائض، لأنها كانت في داخل الوقت ممنوعة. يعني الحائض لو قالت: أنا خلص بدي أصوم في رمضان، مش مشكلة أيام حيضة، حرام، هي آثمة بهذا، تخالف الشرع. فبيقول لك: أنت حرام تؤدي، ثم سميتم فعلها بعد خروج الوقت قضاءً؟
نقول: تسميته قضاءً لا يعني أن أجرها نقص، يعني هو ليس نوعاً من النقص في المرأة أو أن أجرها انتقص أو أنها فعلت شيئاً لا ينبغي عليها أن تفعل، لا توهم النقص أنت في تسمية القضاء. هو يسمى قضاءً لانه وقع خارج الوقت، بغض النظر: أكان يمكنها أن تؤدي أو لا يمكن أن تؤدي. والدليل الذي يحسم في الحقيقة هذه المسألة أن النبي صلى الله عليه وسلم... أحادیث معادة... عائشة لما جاءت إلى عائشة فإش قالت لها؟ ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ فقال تعالى: عائشة حورية أنت نسبتها، يعني يكفيك من صفات الخوارج في حب الجدل. فقالت له: ولكني أسأل. قال: كان يصيبنا ذلك فنؤمر... إيش قالت عائشة؟ فنؤمر بقضاء الصوم. فعائشة هي نفسها سمت فعل الصيام بعد رمضان أو قضاء الصيام بعد رمضان للحائض قضاءً.
فإذاً، هذه التسمية شرعية من كلام النبوة ومن السنة ومن الآثار وهي أيضاً من الناحية الأصولية أيضاً يسمى قضاءً. لأن هكذا نقول، ليس... باختصار، هكذا تكتب القاعدة عندك: ليس من شرط تسمية فعل العبادة بعد خروج الوقت قضاءً أن يتمكن المكلف من أدائه في داخل الوقت ويترك هو الأداء من جهته، بل يمكن أن يكون المكلف ممنوعاً... يعني أحذف "هل"... أكتب القاعدة هذه: بل يمكن أن يكون المكلف، بل يمكن أن يكون المكلف ممنوعاً من أداء العبادة في داخل الوقت -مثل الحائض ممنوعة من أداء العبادة في داخل الوقت ومجبراً على فعلها في خارج الوقت- ومع ذلك نسمي فعلها في خارج الوقت قضاءً.
وضحت المسألة؟ طيب. لذلك عبد المؤمن البغدادي لما طرح هذا القول طرحه وضعفه، قال: وقيل إلا صوم الحائض بعد رمضان. طبعا كلام مختصر، أنت محتاج أني أشرح لك إياه: ايش يعني "وقيل إلا صوم الحائض بعد رمضان"؟ معنى هذا أن بعض الأصوليين، بعض الحنابلة، قالوا إن صوم الحائض بعد رمضان لأيام حيضها يسمى أداءً. ليه؟ لأنها في خلال شهر رمضان أيام حيضها كانت ممنوعة من قبل الشارع أن تصوم، فلا أسمي فعلها بعد رمضان قضاءً. قالوا: وليس بشيء. ايش يعني "وليس بشيء"؟ يعني هذا من عبد المؤمن البغدادي أن هذا القول ضعيف، يعني في كتب الأقدمية لما يقول القول ضعيف ركيك ايش يقول؟ إنه يعبر عنه: ليس بشيء، يعني لا يلتفت إليه.
لماذا يا عبد المؤمن؟ لانه يريد أن يقعد قاعدة عبد المؤمن أنه ليس من شرط حتى يسمى قضاء، ليس من شرط فعل العبادة بعد خروج الوقت حيث يسمى قضاءً أن يكون المكلف متمكناً من الأداء في داخل وقت وهو الذي ترك بإرادته وأهمل أو نسي وغفل. بل يسمى فعل العبادة بعد الوقت قضاءً حتى ولو كان المكلف ممنوعاً من الأداء في داخل الوقت لمانع قام به من الموانع السماوية مثل الحيض وما شابه ذلك. وهذا ينبني عليه قضية، وهو أن الحائض في أيام حيضها في رمضان الصيام وجب عليها وثبت في ذمتها، لكننا نقول لها: الصيام وجب عليك وثبت في ذمتك، لكن أنت تمنعين الآن من الأداء وعليك أن تقضي بعد رمضان. فالصيام ثبت في ذمتها في شهر رمضان.
إذاً، هذه مسألة سريعة لا أريد أني أدخل فيها أكثر من ذلك. ننتقل إلى النوع الثالث من الأحكام الوضعية عند عبد المؤمن البغدادي، وهو: المنعقد. فقال عبد المؤمن: الثالث المنعقد. الآن، البغدادي كما قلنا أتى بطريقة جديدة أو بمنهج في التصنيف، الله أعلم، أنا لم أستقرئ كل الكتب قبل عبد المؤمن البغدادي: هل هناك شخص سبق عبد المؤمن البغدادي بجعله المنعقد نوعاً من الأحكام الوضعية أم لا؟ لكن المشهور في كتب الأصوليين أن الانعقاد وعدم الانعقاد ليست من قبيل الأحكام الوضعية، وإنما هي كما سيظهر معنا هي أوصاف توصف بها العبادات أو المعاملة ضمن مفهوم معين، لكنها ليست من قبيل الأحكام الوضعية. عبد المؤمن جعلها حكماً وضعياً.
فماذا قال في تعريف المنعقد؟ قال: المنعقد وأصله الالتفاف. الآن لاحظوا، ايش قال؟ المنعقد وأصله الالتفاف. الالتفاف هل هو الآن... منعقد إيش نوع من المشتقات؟ اسم... انعقد ينعقد فهو... اسم الفاعل يضم أوله ويكسر ما قبل آخره، واسم المفعول يضم أوله ويفتح ما قبل آخره، فمنعقد اسم فاعل، انعقد ينعقد فهو منعقد. الآن لما قال "المنعقد وأصله"، أي: وأصله في اللغة الالتفاف. الآن الالتفاف هل هو تعريف للمنعقد؟ هذا تعريف للانعقاد، وهو المصدر. فكان والوضع... لكن أنا أعرف يعني هو كتاب مختصر، هو كتاب مختصر فيعتمد فيه على الإشارة ولا يعتمد فيه على بسط العبارة، ولكن كشارح للكتاب ينبغي علي أن أشرح بوضوح حتى يفهم الطالب، خاصة الطالب المبتدأ الذي يريد ممارسة العلوم، عليك أن... على هذا النظرات في الكلام.
فقوله: المنعقد وأصله الالتفاف، نقول: المنعقد وأصله الالتفاف، هو يعرف الآن الانعقاد، فكأنه قال: المنعقد اسم فاعل مأخوذة من الانعقاد الذي هو المصدر، والانعقاد معناه في اللغة الالتفاف. جميل، فأنت إذا عقدت حبلاً، إيش تفعل فيه؟ تلفه. إيش هذا؟ فلان عقد الحبل، معنى: لفه على بعضه البعض، هذا أصل القضية في اللغة: عقدت هذا السلك، عقدت يعني لففته حول بعضه البعض، فهذا أصل معنى الانعقاد في اللغة: الالتفاف. وأما في الاصطلاح، لاحظوا الآن عبد المؤمن أولاً سيذكر تعريفين المنعقد، لكنه في الحقيقة هو لا يعرف المنعقد، هو يعرف الانعقاد، وهذه مشكلة في أكثر من موقع: عندما عرف النفوذ عرف النافذ، وعندما الآن الأصل لما جاء ليعرف المنعقد بدل أن عرف الانعقاد لأنه لاحظ أنه في بداية تعريف بدأ عرف بالمصدر.
المهم قال: واصطلاحاً أما ارتباط بين قولين مخصوصين كالإيجاب والقبول، المعنى الثاني قال: أو اللزوم كإنعقاد الصلاة والنذر بالدخول، وأصل اللزوم الثبوت. إلى هنا يقف الكلام، أذهب إلى السبورة. الآن المنعقد -وهو في الحقيقة كما قلنا يعرف الانعقاد بالمعنى المصدري- له تعريفان، التعريف الأول أيها الأحبة هو تعريف في باب المعاملات، والتعريف الثاني تعريف في باب العبادات. ما معنى أن نقول: بيع منعقد، نكاح منعقد؟ ما معنى أن تقول: عقدت البيع؟ نلاحظ عبارات فقهية، مش يقول: عقد فلان للبيع، أو عقد عقداً؟ ما معنى العقد والانعقاد في المعاملات جيد، وفي العبادات ما معنى انعقاد الصلاة وانعقاد الحج وانعقاد النذر؟
وهذه فعلاً عبارات فقهية تستخدم في كتب الفقه. لاحظوا فائدة أن يضبط الطالب هذه المصطلحات من الآن على ممارسته الفقهية غداً عندما يقرأ يفهم ما معنى انعقدت الصلاة، ويفهم ما معنى انعقد البيع، ما معنى الانعقاد؟ ذكر عبد المؤمن تعريف الانعقاد في المعاملات -هو لم ينص على هذا لكن من خلال التعريف احنا نستنتج أنه يقسم الانعقاد إلى معاملات وإلى عبادات- فالانعقاد المعاملات ايش قال؟ قال: ارتباط بين قولين مخصوصين كالإيجاب والقبول. الآن أنت أيها الحبيب لما تذهب إلى بائع في السوق فتشتري منه بضاعة، تساومه عليها، فانت... قال لك البائع في النهاية: اشتريت، فانت ايش تقول له؟ اشتريت. ممتاز، هذا مثلاً في البيع يعني خلص في النهاية يقول لك البيع، تريد تشتري هذه البضاعة، سعرها عشرين دينار، فانت تقول: قبلت، صح ولا لا؟
هذا يسمى إيجاب وقبول. البيع يعرض عليك سلعة يقول لك سعرها عشرين دينار، فانت تقول: قبلت. الآن هذا القول ما صدر من البائع وما صدر من المشتري: قال لك تشتري بعشرين، أنت قلت قبلت. هنا نشأ ارتباط بينك وبين البائع. أنت المشتري، أنا البائع، ممتاز، أنا قلت لك تشتري بعشرين، أنت قلت قبلت. الآن هذا لفظ الإيجاب والقبول هو ارتباط نشأ بيني وبينك. لذلك قال: ارتباط بين قولين مخصوصين. عرفت؟ لما أنا قلت سعرها عشرين، أنت قلت قبلت، اشتريت، هذا ارتباط نشأ بيني وبينك بسبب ماذا؟ بسبب ما صدر مني من الإيجاب وما صدر منك من القبول.
فإذاً الانعقاد المعاملات هو عبارة عن ارتباط ناشئ بين قولين مخصوصين، قولين مخصوصين يعني قول يصدر من البائع وهو الإيجاب، وقول يصدر من المشتري وهو القبول. مثلاً في باب... مثلاً الأنكحة، الأنكحة برضه تعتبر من المعاملات عندنا، إذا قال الرجل لآخر: زوجتك ابنتي فلانة على كتاب الله وسنة رسوله، فقال الزوج الذي يريد أن ينكح: قبلت فلانة.
ارتباط مباشر نشأ، ارتباط مباشرة، ارتباط نشأ. هذا الارتباط نشأ بسبب ماذا؟ بسبب هذين القولين المخصوصين. يعني لو كان الشخصين ساكت والرجل أمامه ساكت هل سينعقد بيع؟ هل سينعقد شراء؟ هل سينعقد نكاح؟ لن ينعقد. متى يحدث الارتباط؟ يحدث الارتباط عندما تصدر أقوال مخصوصة من طرفين؛ طرف يقول شيئاً، وطرف آخر يقول قبلت، في بيع، في شركة، في نكاح، في إجارة، في أي شيء من المعاملات. فإذا فنقول: إذا نشأ ارتباط بين قولين مخصوصين، نقول الآن انعقد هذا الشيء.
فالبيع لما نقول بيع منعقد، إيش يعني بيع منعقد؟ يعني هذا الشيء وقع فيه ارتباط بين قولين مخصوصين، وحدث إيجاب وقبول فانعقد. فكان الإيجاب حينما يصدر ويتبعه القبول كانه هذا الإيجاب والقبول يعمل عقدة بين الطرفين. لما أنا أقول لشخص: زوجتك ابنتي، وهو يقول: قبلت، كأن هناك عقدة الآن التفاف يحدث بين طرفين، ارتباط ينشأ بين طرفين. فلذلك المعاملات توصف بأنها منعقدة إذا وقع فيه ارتباط بين قولين مخصوصين؛ نكاح منعقد، يعني نكاح وقع فيه ارتباط بسبب قولين مخصوصين. كذلك بيع إذا هناك ارتباط وقع بسبب قولين مخصوصين. إجارة منعقدة، ارتباط وقع بسبب قولين مخصوصين. فكل باب المعاملة، الانعقاد في المعاملات هو ارتباط بين قولين مخصوصين كالإيجاب والقبول.
فلاحظوا إذاً أن الانعقاد يشترط وجود طرفين، صح أنه قال ارتباط بين قولين مخصوصين، إذاً هناك طرفان؛ بائع ومشتري، مؤجر ومستأجر، ناكح ومنكح، وعلى ذلك ففي هذه الحالة لابد من وجود طرفين. أما الانعقاد في المعاملات، إيش قال عبد المؤمن في الانعقاد في المعاملة؟ قال: هو اللزوم.
قال: الانعقاد في العبادات. تعريف الانعقاد في باب العبادات قال: العبادات عندما نقول صلاة منعقدة أو حج منعقد، ما معنى انعقاد الصلاة؟ ما معنى انعقاد الحج؟ يقول عبد المؤمن: الانعقاد في العبادات معناه اللزوم، معناه اللزوم؛ أنه لازمتك هذه العبادة. طيب متى تصبح العبادة لازمة؟ إذا دخلت فيها. متى تصبح العبادة لازمة؟ إذا دخلت فيها. فلذلك تقول مثلاً: يلا فلان عقد الصلاة. شو يعني عقد الصلاة؟ يعني دخل في الصلاة. فلان والله فلان عقد الحج الآن. إيش يعني تقول فلان عقد الحج؟ يعني دخل بالحج. صحيح، انعقاد الصلاة معناه اللزوم. احنا عندما نقول، يعني أُعيد التكرار، عندما أقول فلان عقد الصلاة بمعنى لزمت الصلاة.
طيب كيف لماذا لزومته؟ لانه دخل فيها. يعني أنا لا أريدك تفهم أن الانعقاد معناه الدخول، لا، الانعقاد هو اللزوم الناشئ عن الدخول في العبادة. الانعقاد معناه اللزوم، لزوم العبادة. متى تلزمك؟ إذا شرعت ودخلت فيها. فأقول: يلا اعقد الصلاة، اعقد الصلاة، يعني يلا الزم الصلاة وادخل فيها. كيف ستلزمك الصلاة؟ بسبب الدخول فيها. كذلك فلان عقد الحج، يعني لزمه الحج. طيب كيف لزمه؟ بايش؟ بالدخول فيها. ولذلك البعض يتساهل ويتجوز يقول: عقد العبادة هو الدخول فيها. والتحقيق لا، عقد العبادة هو اللزوم الناشئ عن الدخول فيها. لكن البعض يتجوز في العبارة، يقول: عقد العبادة، عقد الصلاة هو الدخول، عقد الحج هو الدخول في الحج. فيعرف الانعقاد بالدخول. وفي الحقيقة لا، الانعقاد هو اللزوم الناشئ عن الدخول.
واضح القضية؟ الانعقاد هو اللزوم الناشئ عن الدخول. لو تجوزت فقلت الانعقاد هو الدخول، نقول مقبول تجاوزاً، لكنه ليس تحقيقاً. فعندما لذلك الحنابلة طبقات المذهب الحنابلة، أو بشكل عام قبل لا يأتي المذهب، الحنابلة الإنسان أيها الأحبة إذا دخل في عبادة؛ صلاة، صيام، حج، نذر -بغض النظر أن النذر يعد عبادة ولا لا، لكن إذا دخل فيه أيها الأحبة- الأصل أنه عليه أن يتم. الأصل أن عليه أن يتم ولا يخرج منها، لأنه الانعقاد معناه إيش؟ اللزوم. ممتاز؟ فانت إذا دخلت في صلاة الأصل أن تتمها. إذا دخلت في صيام الأصل أن تتمه. إذا دخلت في حاجة الأصل أن تتم، أنك بالدخول لزمك. إيش يعني لزمك؟ يعني أصبح فيه انعقاد عليك.
طيب هل يجوز بعد أن أعقد، بعد أن ألزمها وتصبح لازمة، أن أتخلف وأتركها وأنقضها وأعود؟ الآن نقول: المذاهب متباينة في هذه القضية. وأقرر الآن مذهب الحنابلة؛ مذهب الحنابلة أن من دخل في فرض يحرم عليه أن يخرج منه، لزمه لزوماً كلياً، يحرم عليه الخروج منه. ومن دخل في نفل، الآن إذا دخلت النفل انعقد ولزمك، لكن هذا اللزوم في النفل يستطيع المكلف أن ينقضه عند الحنابلة، أنه يرفعه، إلا في عبادتين: الحج والعمرة. فالحج والعمرة حتى لو كانت نفلاً من عقدها، يعني من لزمه الحج والعمرة بسبب دخوله فيهما، يحرم عليه أن يتراجع حتى لو كان نفلاً.
فنقول المذهب عند الحنابلة أن الانعقاد إذا كان في فرض يحرم عليك أن تنقضه، إذا كان في نفل لك أن تنقضه وإن كان المستحب أن تكمل، لكن لك، يعني لا أحرم عليك، لك أن تنقضه إلا في نفلين: حج النفل وعمرة النفل. الآن إذا كان الحج فرض فهو خلاص داخل مع الفروض، عمرة الفرض داخل مع الفروض. لكن إذا كانت الحج نفل والعمرة نفل، البعض يقول يا شيخ هو حج نفل، بصير اطلع منه وأتركه؟ وبعد أن أدخل في كل ليلة. الحج وأتموا الحج والعمرة لله والعمرة وأتموا الحج والعمرة لله. وغيرها من النوافل؛ يعني شخص دخل يوم، قال لك يوم الخميس أصوم تطوعاً لله، أثناء اليوم عزمه صديقه على صدر منسف، قال: بدي أنقض هذا الصيام. يجوز، يجوز، وإن كان خلاف الأصل. الأصل أنك تكمل هذا المستحب والبعض يقول للكراهة والبعض يحرم، يعني بعض المذاهب ترى تحرم الخروج من المستحبات، وبعضها يعني تخصص أن هناك مستحبات نوافل معينة إذا دخل فيها المكلف ليس له أن يخرج منها.
كما قال صاحب مراقي السعود: صلاتنا وحجنا أمرنا، يعني إيش قال؟ صلاتنا وصومنا وحجنا وعمرة لنا كذا اعتكافنا طوافنا مع اهتمام المقتدي. فيحرم القضاء بقطع عامد. أَلزَمَ القضاء بقطع عامد. المالكية رحمة الله عليهم في عندهم مسائل معينة من المستحبات، من دخل فيها لزمته، فإذا نقضها عليه أن يقضيها، لأنه لا يجوز لك أن تنقضها حتى لو كانت نفل؛ صلاتنا صلاة النافلة، صومنا صوم النافلة، الحج والعمرة مثلنا، صلاتنا وصومنا وحجنا وعمرة لنا، كذا اعتكافنا، اعتكاف النفل إذا دخلت يلزمك عندهم، الطواف النفل إذا دخلت فيه يلزمك. المهم، يعني المذاهب الفقهية تتباين في هاي القضية؛ أنه ما هي النوافل التي إذا شرع فيها المكلف ليس له أن، بعد أن تنعقد وتصبح لازمة، يعني ليس له أن يتراجع.
الحنابلة أنا الحمد لله عندهم وسع، يكون أين في: شرعت في ولزمك، يعني عقدت صلاتنا، في العقد صوم نفل لك أن تتراجع عنه وإن كان هذا خلاف مستحب. لكن هناك نفلان ليس لك أن تتراجع عنهما بعد انعقادهما وهما الحج والعمرة. واما الفروض فجميعها متى ما شرعت فيها لا يجوز لك أن تفك هذا العقد.
إذا فهمنا الآن ما معنى أن الانعقاد في المعاملات، الانعقاد في المعاملات ارتباط بسببه، يعني بين قولين مخصوصين. هو في الحقيقة لو قلت ارتباط بسبب مخصوصين قد يكون أوضح. ارتباط بسبب قولين مخصوصين، لأنه هو إذا أنا قلت بيع انعقد البيع، يعني صار ارتباط، شو اللي سبب هذا الارتباط؟ الأقوال هذه المخصوصة. لو قلت ارتباط بين قولين مخصوصين برضه المعنى صحيح ما في أي مشكلة طبعا، ارتباطاً ناتج عن قولين مخصوصين؛ إيجاب وقبول. فهذا يسمى انعقاداً في المعاملات. وأما في العبادات فالانعقاد هو اللزوم الناشئ عن الدخول في العبادة، وفصلنا أن هذا الدخول في العبادة متى يجوز لك أن تعود عنه، ومتى يلزمك أن تستمر فيه إلى النهاية.
لذلك قال عبد المؤمن: واصطلاحاً، أما ارتباط بين قولين مخصوصين كالإيجاب والقبول، وكما قلنا هذا تعريف للانعقاد في باب العبادة المعاملات، قال: أو اللزوم كانعقاد الصلاة والنذر بالدخول. يعني أنت الآن النذر متى يلزمك؟ إذا أنت دخلت في، واحد قال: لله علي إذا سافر ابني أن أتصدق بمائة شاة، خلص أنت دخلت الآن في النذر لزمك. وكذلك دخلت في الصلاة فرزمتك. معنى لزومه يعني انعقاده. لذلك قال: وأصل اللزوم الثبوت، يعني كما نقول لزمتك يعني ثبتت في ذمتك وعليك انك تكملها.
ثم بعد أن أنهى مصطلح الانعقاد أو المنعقد انتقل لبعض المصطلحات. كم ده من الوقت جاي مع الوقت، الحمد لله. الذهاب إلى مصطلحات أيضاً مستخدمة في باب المعاملات فقط، وهو مصطلح في الدرس الماضي هو الآن سيشرحه مرة أخرى، مصطلح المعاملة اللازمة والمعاملة الجائزة. وهذا في الحقيقة مصطلح فقهي أكثر من أنه أصولي، يعني الأصل أنه ما يذكر في كتب الأصول. ذكرت لكم في الدرس الماضي أيها الأحبة أن في المعاملات هناك معاملات لازمة أو نسميها نحن العقود، وهناك عقود ايش؟ جائزة.
الان هو لماذا ذكرها هنا عبد المؤمن البغدادي؟ العقود اللازمة والعقود الجائزة. لأنه لما العقد في المعاملات إيش قلنا؟ العقود الانعقاد في المعاملات إيش هو؟ هو ارتباط بسبب قولين مخصوصين، أليس كذلك؟ أراد أن يبين لك أن هذا الارتباط بين القولين المخصوصين، هذا الانعقاد في المعاملات على نوعين؛ منهم ما هو لا تستطيع أن تفك هذا الارتباط، ومنه ما هو جائز تستطيع أن تحل هذا الارتباط. فبين لك، يعني الآن هذا يعود إلى، لماذا ذكر العقود اللازمة والعقود الجائزة هنا؟ لأنه هذا يعود ويتعلق بمصطلح الانعقاد في المعاملات. إيش قال عبد المؤمن؟ قال: واللازم ما يمتنع على أحد المتعاقدين فسخه بمفرده، والجائز ما لا يمتنع. اللازم ما يمتنع على أحد المتعاقدين فسخه بمفرده، والجائز ما لا يمتنع.
فالآن أيها الأحبة، بعد أن عرف عبد المؤمن إيش معنى الانعقاد في المعاملات بأنه ارتباط بين مخصوصين كالإيجاب والقبول، أراد أن يبين أن هذا الارتباط الناشئ عن القولين المخصوصين، هذا الارتباط الناشئ عن الإيجاب قبول، هل يمكن أن يحله أحد الأطراف وأن يفكه، أم لزمهما ولا يستطيعان حله؟ فبين أن هذا الارتباط على نوعين؛ هناك ارتباط لازم وهو ما نسميه نحن فقهياً العقود اللازمة، ومثال إيش؟ البيع، الإجارة، إيش كذلك مثلاً القرض إذا سلم المبلغ، الهبة بعد قبضها.
فالبيع والإجارة والقرض إذا سلمت المبلغ إلى المستقرض، الهبة إذا أقبضتها لصاحبها، كل هذه العقود عرفت؟ هي ارتباط بين قولين مخصوصين؛ إيجاب قبول، بيع، إجارة، القرض، الهبة، كذلك الهبة تحتاج إلى قبول جيد. إذا انعقد هذا العقد وحدث الارتباط لزم، فلا تستطيع أن تحل هذا الارتباط مرة أخرى إلا ضمن طبعا استثناءات وأحوال معينة مخصوصة تدرس في كتب الفقه.
هناك أنواع من هذه الارتباطات تسمى جائزة، وهو ما نسميه فقهياً العقود الجائزة. العقود الجائزة هي كذلك ارتباط بين قولين مخصوصين، مثل الوكالة، مثل المساقاة، مثل المزارعة، مثل الشركات، شركة الأعيان، شركة العنان وشركة المضاربة وما شابه ذلك، هي كذلك ارتباط بين قولين مخصوصين. الوكالة أنا أقول لشخص: توكل، وهو يقول لي: قبلت، إذاً ارتباط بين قولين مخصوصين. المساقاة أقول لعامل: تأخذ هذه الأشجار ولا تعتني بها، تنتبه عليها وتسقيها، والثمر بيني وبينك على المناصفة، هو ارتباط في النهاية. المزارعة ارتباط، المقارضة، الشركات، ارتباط بسبب قولين.
لكن هذا النوع من الارتباط جائز، شو يعني جائز؟ يستطيع أحد الأطراف أحد الأفراد أنه يعود ويتراجع عنه. الشريعة سمحت بذلك، جميل. فلذلك عبد المؤمن البغدادي ذكر هذه القضية. وهذا لاحظو حتى في العبادات المنعقدة؛ لاحظنا أن العبادات المنعقدة هي اللازمة، أن العبادات اللازم منها عبادات لازمة لا يمكن أن تتراجع عنها، وهي عند الحنابلة الفروض والحج والعمرة النفل. وعبادات لازمة، لكن هذا اللزوم ليس مستقراً، تستطيع أنك تتراجع عنه، وهو باقي النوافذ.
كذلك هذا في المعاملات؛ المعاملات المنعقدة على نوعين؛ انعقاد وارتباط لا تستطيع أن ترفعه، وهذه المعاملات اللازمة. وهناك ارتباط تستطيع أنك تعود عنه، وهذا في المعاملات الجائزة. فلذلك ذكر عبد المؤمن البغدادي قضية العقود اللازمة والجائزة في هذا السياق حتى يبين أن المعاملات، أن الارتباط الذي بين قولين مخصوصين منه ما هو لازم يمتنع على أحد المتعاقدين فسخه بمفرده من جهته. وهناك جائز ما لا يمتنع من أحد المتعاقدين أن يفسخوه.
ثم انتقل إلى مصطلح جديد، اليوم الحمد لله كلها مصطلحات كثيرة؛ عرفنا مصطلح الأداء والإعادة والقضاء، ثم عرفنا مصطلح المنعقد، ثم درسنا عرفنا الانعقاد في المعاملات والانعقاد في العبادات، ثم عرفنا أن الانعقاد في المعاملات منه ما هو لازم ومنه ما هو جائز.
الآن نختم بمصطلح الحسن والقبيح. وهذا في الحقيقة في كتب الأصول ليس هذا موضعه، ليس هذا موضعه، وإنما هي مسألة تتعلق بمسألة التحسين والتقبيح، ويتحلق بها الخلاف العقدي السابق بين المعتزلة والاشاعرة وأهل السنة. الآن ما هو الحسن وما هو القبيح؟ يعني كأن عبد المؤمن البغدادي رحمة الله عليه يريد أن يحشد أكثر المصطلحات صورياً في مكان واحد حتى يمر عليه الطالب، أنه هذا كتاب مختصر اختصر فيه على المسائل من دون استدلال وشروع، فكانه يحاول يحشد بقدر ما استطاع من المصطلحات حتى يتعلمها الطالب.
الحسن القبيح؛ الحسن هذه صفة مشبهة، والقبيح صفة مشبهة هذا نوع من المشتقات. الحسن هو الفعل الذي فيه الحسن، الآن أعرفه من الناحية اللغوية. والقبيح هو الفعل الذي فيه إيش؟ قبح. إذا فعل فيه حسن يسمى إيش؟ يوصف بأنه حسن. وإذا الفعل فيه قبح يوصف بأنه إيش؟ قبيح، ممتاز.
الان أيها الأحبة، أفعال المكلفين التي يفعلونها في هذه الحياة منها ما يوصف بأنه حسن ومنها ما يوصف بأنه قبيح، أليس كذلك؟
إنه علماء الأصول بحثوا: ما مرد وصف فعل المكلف بأنه حسن، ووصف فعل المكلف بأنه قبيح؟ متى أصف فعلك هذا بأن هذا فعل حسن؟ ومتى أصفه بأنه هذا قبيح؟ هم قالوا: لغوياً، أصف فعل المكلف بأنه حسن إذا كان فيه الحسن. لأنه ايش معنى أنه حسن؟ أنه فيه حسن، صح؟ وأصف فعل المكلف بأنه قبيح إذا كان فيه ايش؟ قبح، ممتاز.
طيب، ما مرد؟ طب ما هو الحسن والقبح إذاً؟ نريد أن نحدد ما هو الحسن والقبح؟ متى نقول هذا الفعل حسن لأن فيه حسناً؟ ما هو مرد الحسن؟ وما هو مرد القبح؟ هنا نعود إلى الخلاف العقدي الذي ذكرته لكم سابقاً بين المعتزلة والأشاعرة وأهل السنة. المعتزلة ماذا قالوا؟ قالوا: الفعل الحسن هو الفعل الذي فيه ايش؟ حسن. والحسن هي المصلحة التي يدركها العقل.
الفعل الحسن ايش هو؟ المصلحة التي يدركها العقل في الفعل. الفعل، إذاً، العقل إذا أدرك أن هذا الفعل فيه مصلحة يقول: هذا فعل حسن، لأن المصلحة هي الحسن. فإذا الفعل فيه مصلحة، إذاً هذا الفعل حسن. وإذا أدرك العقل في فعل المكلف مفسدة قال: هذا فيه مفسدة، كذا أو كمثلا شرب الخمر، العقل أدرك أن هذا فيه إسكار وذهاب للعقل، هذا إذاً مفسدة، إذاً هذا الفعل ايش؟ قبيح، لأن فيه القبح، ايش هو القبح؟ اللي هي المفسدة التي يدركها العقل.
فإذاً المعتزلة قالوا: الحسن هو المصلحة التي يدركها العقل في الفعل. مثلاً أنت العقل يدرك شو مصلحة الوفاء بالعهد وأداء الأمانات ورد الحقوق إلى أهلها، العقل يدرك مثل هذه المصالح، يدرك مصلحة البيع والإيجار والمساقاة والمزارعة، يدرك العقل مصلحة إقامة الحدود وما شابه ذلك. فالحسن هي المصلحة التي يدركها العقل في الفعل، فإذا أدرك العقل مصلحة في فعل معين من أفعال المكلفين إذاً هو أدرك أن في هذا الفعل حسناً إذاً هذا الفعل حسن.
والقبيح، نأتي للمعتزلي، ايش يقول في القبيح؟ إذا مقابل ذلك المعتزلي يقول: القبح هي المفسدة التي يدركها العقل في الفعل. فإذا أدرك العقل أن هذا الفعل فيه مفسدة إذاً هذا الفعل فيه قبح إذاً هو قبيح بهذا التدرج العقلي. الآن الأشاعرة، أيها الأحبة، ايش وجهة نظرهم في الحسن والقبح؟ احنا قلنا: الأشاعرة عندهم مشكلة في هاي القضية، أنهم يقولون: العقل لا يدرك حسناً ولا قبحاً في أفعال المكلفين. العقل لا يقول والله هذا الفعل والله فيه حسن كذا وكذا لذلك أمر الله عز وجل به، أو الفعل فيه قبح كذا وكذا لأن الله عز وجل نهى عنه.
وإنما يقولون: عندما نصف فعلاً من الأفعال بأنه حسن لأن الحسن هو ايش؟ هو أمر الله بالفعل، يقول: إذا أمر الله بالفعل هذا هو الدليل على الحسن، إذاً هذا الفعل حسن فقط من أجل هذا. وبالنسبة للقبيح، القبح هو ايش؟ نهي الله عن الفعل، فإذا نهى الله عز وجل عن فعل فهذا هو القبح لأنه فيه قبح، ممتاز، فالفعل يكون قبيحاً. فمتعلق الحسن والقبح عند الأشاعرة هو أمر الله ونهي الله، أما متعلق الحسن والقبح عند المعتزلة هو المصالح والمفاسد التي تتضمنها الأفعال.
فالفعل موصوف أنه حسن لأن فيه حسن، لأن فيه مصلحة، هذا عند المعتزلة. أما عند الأشاعرة الفعل الحسن حسنه جاء لايش؟ بسبب أمر الله به فقط. وكذلك في القبيح، القبيح عند المعتزلة أن فيه قبحاً لأن فيه مفسدة أدركها العقل، وأما عند الأشاعرة القبيح سمي قبيحاً لأن الله نهى عنه، فهذا هو مصدر القبح فيه. في الحقيقة أهل السنة والجماعة يوافقون المعتزلة -عرفت طبعا هي ليست يوافقون المعتزلة، المعتزلة هم الذين يوافقون أهل السنة في ادراك المصالح، بس الآن كان تدرج سريع-.
أهل السنة، نحن نوافق المعتزلة في أن أفعال المكلفين فيها مصالح ومفاسد، من أجل ما فيها من المصلحة أمرنا الله عز وجل بها، والأفعال التي فيها مفسدة نهانا الله عز وجل عنها، جيد. فاستطيع أن أقول: إن حسن الفعل بسبب ما فيه من المصالح التي يدركها العقل، وقبح الفعل عند أهل السنة بسبب ما فيه من ماذا؟ من المفاسد التي يدركها العقل.
جميل، فقد نقول إن أهل السنة في هذه المسألة بحد ذاتها يوافقون المعتزلة في أن وصف الفعل بأنه حسن أو قبيح مرده لما فيه من المصالح والمفاسد. لكنهم يخالفون المعتزلة في ماذا؟ بأن إدراك العقل للمصالح والمفاسد لا يجعل أو لا يكون تشريعاً، لا يكون تشريعاً، بل يتوقف الأمر في النهاية على انتظار أوامر الإله سبحانه وتعالى ونواهيه، أما المعتزلة فيجعلون إدراك الحسن بحد ذاته يوجب تشريعاً على المكلف في هذا الفعل، وإدراك القبح يوجب تشريعاً على المكلف في هذا الفعل.
لا، أهل السنة يقولون: نعم نحن ندرك الحسن في الأفعال وندرك القبح في الأفعال، لكن هذا الإدراك للحسن والقبيح لا يجعله تشريعاً وتكليفاً نلزم به الناس، بل الأمر يتعلق بالنهاية بورود أوامر الشريعة ونواهيها. فمن إذاً نحن، لاحظوا كيف موقف وسط، نحن نوافق على وجود الحسن والقبيح بناء على قضية المصالح والمفاسد، لكن هذه لا تثمر عندنا تشريعاً، وإنما التشريع نوقفه في النهاية على انتظار الأوامر الإالهية والنواهي الإلهية. فأهل السنة إذاً يمكن في هذا الباب بهذه الجزئية نقول إن فيه هناك توافق بينهم وبين المعتزلة في هذه الجزئية.
الآن هذا ملخص سريع لهذا الكلام التفريق بين الحسن والقبيح. عبد المؤمن بماذا عرف الحسن؟ يقول عبد المؤمن البغدادي في تعريف الحسن قال: والحسن ما لفاعله أن يفعله والقبيح ما ليس له -يعني ما ليس له أن يفعله-. الآن طبعا هذا تعريف فيه نوع من التسهيل والتوسع الزائد، ما الذي لا يتضح منه المراد؟ إذا قلنا أيها الأحبة: الحسن ما لفاعله أن يفعله، احنا قلنا: الحسن الفعل الذي فيه الحسن، والقبيح الفعل الذي فيه قبح، وفصلنا الحسن والقبح بناء على المذاهب العقدية.
لو قلت الحسن عن طريق عبد المؤمن البغدادي: ما لفاعله أن يفعله، نعم، هو الآن أراد أن الفعل الذي فيه حسن نحن نقول: الله عز وجل من النظر في أفعاله يأمر به ويحث عليه، صحيح. كل ما أوجبه الله عز وجل على المكلفين فهو ايش؟ حسن، لأن فيه حسناً. ادركناه بعقولنا أم عجزت عقولنا عن إدراكه، قطعاً فيه حسن، ندبنا الله عز وجل إليه قطعاً فيه ايش؟ حسن. طيب كل ما أباحه الله عز وجل لنا هو فيه حسن، لكنه لم يرتق إلى أن يندب أو يحرم. والعكس، القبيح، كل ما حرمه الله عز وجل فهو ايش؟ فيه قبح. كل ما حرمه الله فيه قبح، وكل ما كرهه الله عز وجل فيه قبح.
بالتالي عندما نقول: الحسن ما لفاعله أن يفعله، هو يريد عبد المؤمن البغدادي أن يقول: الحسن هو الأحكام التكليفية اللي لنا أن نفعلها. ايش الأحكام التكليفية اللي لنا أن نفعلها؟ الواجب والمندوب والمباح. فالحسن هو الواجب والمندوب والمباح. والقبيح: ما ليس له أن يفعله. ايش الأفعال التي ليس لنا أن نفعله؟ طبعا ما ليس له أن يفعله، منه ما ليس لنا أن نفعله إلزاماً، ومنه ما ليس لنا أن نفعله لكن ليس على سبيل الإلزام، فيدخل فيه ايش؟ المحرم والمكروه، جميل؟
فهذا الذي أراد أن يقوله عبد المؤمن بأن الحسن ما لفاعله أن يفعله، وهو الواجب والمندوب والمباح، هذا لايش؟ في الشريعة، هاي أفعال المكلفين التي لك أن تفعلها: الأفعال الواجبة، الأفعال المندوبة، الأفعال المباحة. طيب السؤال: ليش إلي أن أفعله؟ هو ما بين هذا عبد المؤمن ليش إلي أن أفعله؟ لأن فيها حسناً، يعني لماذا سمي الواجب حسناً والمندوب حسناً والمباح حسناً؟ لأن فيه حسناً. احنا بينا شو مصدر الحسن؟ هذا اللي ما بينوهش هو، أنه مصدر الحسن يختلف باختلاف المذاهب العقدية.
القبيح هو الشيء الفعل الذي ليس لك أن تفعله وهو إما أن يكون محرماً أو مكروهاً. طيب لماذا ليس لي أن أفعله؟ لأنه قبيح. طب ليش هو قبيح؟ تقول: لأن فيه قبح. ايش مصدر القبح؟ تأتي إلى المذاهب العقدية، ومصدر القبح عند أهل السنة والمعتزلة: المفسدة، ومصدر القبح عند الأشاعرة: نهي الله عز وجل عنه. فهذا تفصيل وفهم المسألة بهاي الطريقة أظن أن فيه نوع من التكامل.
طيب نذهب إلى الحكم الرابع والأخير، وهو العزيمة والرخصة، وهو آخر الأحكام الوضعية نختم به إن شاء الله حتى نشرع في الدرس القادم في مصادر التشريع. ما هو العزيمة؟ وما هي الرخصة؟ وهذه شرحناها في نظم الورقات وشرحناها في شرحنا على النظم الصغير، فإن شاء الله هو تكرار لما سبق، لن أزيد كثيراً، في الحقيقة هو تكرار ولن أخرج عنه، ولكن التكرار ينبه الإنسان ويذكره. العزيمة الرخصة من الأحكام الوضعية، ما معنى أن توصف تصرفات المكلف بأن هذا التصرف عزيمة؟ وأن يوصف تصرف آخر بأنه رخصة؟
والعزيمة والرخصة بشكل عام، طبعا ليست في باب من العبادات أو المعاملات، تدخل في العبادات وفي المعاملات، يعني ليست خاصة بالعبادات، وليست خاصة المعاملات بل توصف بها العبادات وتوصف بها المعاملة. نبدأ بمصطلح العزيمة. ما معنى العزيمة؟ العزيمة في اللغة أيها الأحبة هي القصد المؤكد، وهي مشتقة من ماذا؟ من العزم. والعزيمة مشتقة من العزم، وما هو العزم؟ هو القصد المؤكد.
انت أيها الحبيب يمكن أن تهم بالشيء، يعني يصبح عندك هم أن تفعل شيئاً، لكن قصدك لأن تفعل هذا الشيء لسا متأرجح، لسا بقول ما عزمت، صح؟ هيك بنحكي في حياتنا العملية: لسا فلان ناوي بس مش عازم يفعل، العزيمة إذا قصدت ونويت أن تفعل الشيء قصداً مؤكداً جازماً به، أن تخلص الآن جزمت أني أفعل هذا الموضوع، نسمي هذا القصد ايش؟ عزيمة.
فالعزيمة هي نية مجزومة أو قصد، قال تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: 159]، يعني إذا حسمت أمورك وجزمت إرادتك فتوكل على الله. هذه هي بالمعنى اللغوي، ويقابلها الرخصة. الرخصة أيها الأحبة بمعنى ايش؟ السهولة. يقول امرؤ القيس في معلقته يصف بيضة الخطر قال: وأطعت برخص غير شثن كأنه * أساريع ظبي أو مساويك أسحلي.
وتعطوا برخص. الرخص في اللغة أصلها مشتقة من النعومة والسهولة والليونة، فمن هنا أخذت كلمة الرخصة واشتقت. الرخصة هي السهولة. جميل. الآن بعد أن عرفنا العزيمة في اللغة هي القصد المؤكد، والرخصة هي السهولة، أنت ستلاحظ أن هذا المعنى اللغوي سينتقل وسيؤثر وسييطغى على المعنى الاصطلاحي للعزيمة والرخصة.
أنا أعرف العزيمة والرخصة باصطلاحي الخاص الذي أتداوله مع الطلبة والذي شرحناه في دورة النظم الصغير، ثم أعود إلى تعريف عبد المؤمن البغدادي وهو يعلق عليه. العزيمة أيها الأحبة، العزيمة أيها الأحبة هي الأحكام الكلية المشروعة ابتداء. العزيمة إذاً هي وصف للأحكام التي -هي الأحكام، خلص ما بدنا نزيد الشرعية، خلص هي الأحكام والمتبادر للذهن أن الأحكام الشرعية لأن هذا الذي نتكلم فيه- هي الأحكام التي خاطبنا الله عز وجل بها، عرفت على أنها كلية.
شو يعني كلية؟ أحكام كلية، كلية يعني لا تتعلق بحالة دون حالة، ولا بوقت دون وقت، فهي شرعت كلية مضطردة في جميع الأحوال والأزمان، ما بتتعلق بوضع دون وضع، وليس بحالة دون حالة، وليس بوقت دون وقت، فبطبيعتها أنها شرعت كلية. ربنا عندما قال: أقيموا الصلاة، هل خصص زمناً معيناً؟ يعني في مثلاً أول خمسين سنة من البعثة بعدين اتركوها؟ أو بحالة معينة أو لأشخاص دون أشخاص؟
واللي أمر بها للأمة على الجملة بكلية؟ الأمر بهذه الأمة بالكلية، لما قال: كتب عليكم الصيام، هل خصص طائفة لأهل العرب مش العجم، أو العجم، أو سكان قارة دون سكان قارة، أو مثلاً مدة زمنية معينة بعدين خلاص يذهب هذا الحكم؟ ولا شرعه كلياً للأمة الإسلامية من مبعث محمد صلى الله عليه وسلم إلى قيام الساعة أينما كانت وحلت وارتحلت؟ لما ربنا حكم أمرنا بالزكاة، وآتوا الزكاة، ولما أمرنا بالحج: ولله على الناس حج البيت، هل خصص طائفة دون طائفة، أو زمناً دون زمن، أو حالة دون حالة، أو عذراً دون عذر؟
لا، شرعها أحكاماً كلية. فهذه أركان الإسلام مثلاً كلياتها تسمى أحكاماً كلية. كذلك مثلاً رؤوس البيوع، البيع، النكاح، الإجارة، المساقاة، المزارعة، هذه البيوع وهذه المعاملات، هل شرعها الله عز وجل لطائفة دون طائفة، أو زمن دون زمن؟ أو لما قال ربنا: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: 275]، حكم للأمة جملة في أي مكان، وفي أي زمان، وفي أي وقت. لاحظوا، هذه تسمى كلها أحكاماً كلية، البيوع.
كذلك مثلاً ما حكم به مثلاً من الحدود، هل الله عز وجل عندما حكم بالحدود، هل حكم على العرب دون العجم، أو العجم دون العرب، أو زمن دون زمن؟ ولا شرع أحكام الحدود: حد الزنا، وحد الخمر، وحد القصاص؟ شرعها للأمة جملة في أي زمان ومكان متى توفرت الشروط والأسباب. فهذه كلها أيها الأحبة تسمى الأحكام الكلية التي لا تتعلق بحالة دون حالة، ولا بوقت دون وقت.
إذاً، العزيمة الأحكام الكلية المشروعة ابتداء. ايش يعني مشروعة ابتداء؟ أي لم تشرع استثناء من حكم سابق. ابتداءً يعني هي أحكام كلية شرعت للجميع ابتداء، يعني ليست استثناء من حكم سابق. وأنت عندما تفهم الرخصة ستفهم العزيمة ويتأكد معناها، أنه ستكتشف أن الرخصة هي استثناء مؤقت من حكم سابق موضوع. هناك حكم مشروع كلي، جاءت الرخصة عبارة عن استثناء منه، الأحكام التي توصف بأنها عزيمة لا، هي أحكام كلية للأمة كلياً في جميع الأزمان والأوقات.
شرعت ابتداء، ليست استثناءً من أصل عام أو من حكم سابق الله. هي هكذا ابتداءً شرعت؛ إقامة الصلاة هل هي والله استثنيت من حكم سابق كان يمنع من إقامتها، أو بالزكاة، أو الحج؟ لا، هي أحكام شرعت للأمة كلياً ابتداءً.
من دون أن تكون مستثناة من حكم سابق أو لعذر معين طارئ، وهذا كما قلنا يكون في العبادات مثل أركان الإسلام التي مثلت بها، ويكون في المعاملات مثل البيع مثل الأنكحة، وعلى ذلك فقس. هذه هي العزيمة، وهو الأصل. العزيمة هي الأصل، الأصل في العبادات وفي المعاملات أنها ايش؟ عزيمة؛ أي عبادة يوجبها الله أو يندبنا عليها، أو أي معاملة يبيحها الله عز وجل ويبيحها الإسلام، فانه ايش ايها الاحبة يكون ماذا؟ عزيمة، ممتاز.
اثنين، المعلومة اللي بتهمني تعرفها أن العزيمة توصف بها الأحكام التكليفية الخمسة، فالواجب يوصف أنه عزيمة، ومندوب يوصف بأنه عزيمة، والمباح يوصف بأنه عزيمة، والمحرم يوصف بأنه عزيمة، والمكروه يوصف بأنه عزيمة. فكل الأحكام التي شرعت للأمة كلية ابتداء، سواء كانت من مأمورات أو بالمنهيات، كلها توصف بأنها ايش؟ عزيمة. فهذه معلومة انتبه عليها، أن الرخصة تخالف، الرخصة تكون فقط في الواجب والمندوب والمباح كما سيأتي معنا.
إذاً فالعزيمة هي الأحكام الكلية مشروعة ابتداء، تكون في جميع الأحكام التكليفية. ممتاز. انتهينا من العزيمة، نذهب إلى الرخصة. ما هي الرخصة؟ الرخصة أيها الأحبة نعرفها فنقول: ما شرع لعذر طارئ استثناءً من أصل كلي قائم ويقدر على قدر الحاجة.
حتى الأخوة اللي حضروا معنا النجم الصغير ما يختلف عليهم مصطلحات التعريف، ويقدر على قدر الحاجة. إذاً الرخصة ما شرع لعذر طارئ استثناءً من أصل كلي قائم يمنع منها ويقدر على قدر الحاجة.
طب ما أفسرها بأنها حكم؟ صح؟ طبعا آه برضه مش معنى أن نوضح أكثر. عندما عرضت لهذه ما قلت الأحكام الكلية صح؟ قيدوا لي إياها هاي الأحكام التكليفية الكلية، الأحكام التكليفية الكلية المشروعة ابتداءً. وهنا الرخصة هو وصف للأحكام التكليفية التي شرعت لعذر طارئ. هنا عندما نقول الحكم نقصد الحكم التكليفي بالتخصيص.
فإذا قلت العزيمة هي الأحكام الكلية مشروعة ابتداءً، يعني هي أحكام التكليفية الكلية مشروعة ابتداءً الواجب والمندوب والمباح والمكروه والمحرم الذي جاء مشروعاً ابتداءً. الرخصة هي وصف لأحكام تكليفية أيضاً، لكن أحكام تكليفية لها وضعها الخاص. ايش وضعها الخاص هذي؟
الرخصة هي ما شرع، أي حكم تكليفي، الرخصة وصف لحكم تكليفي. هذا الحكم التكليفي شرع ليس كلياً، لا، شرع لعذر طارئ، شرع بسبب عذر طارئ. الآن شف إقامة الصلاة، إيتاء الزكاة، غيرها من هاي الأمور ما شرعت بسبب أعذار، شرعت كلية ابتداءً. أما الرخصة هي أحكام تكليفية شرعت بسبب عذر لوجود عذر طرأ على المكلف، ممتاز؟
فانت مثلاً عندما ربنا عز وجل يرخص لنا في السفر أن نصلي بدل أربع ركعات ركعتين ليش هسه هذا حكم تكليفي؟ قصر الصلاة في السفر يسن عند الحنابلة قصر الصلاة، آه يسن عند الحنابلة قصر الصلاة في السفر الذي بلغ المسافة الشرعية. حكم هذا تكليفي، ايش توصيفه؟ عزيمة ولا رخصة؟ رخصة، ليه؟
لأنه هل هذا حكم شرع كلياً ابتداءً للأمة وفي كل الأحوال والأوقات؟ شرع بسبب عذر طارئ، لا. القصر هي انت تقول القصر بسبب السفر، فإذاً هو حكم تكليفي شرع لعذر طرأ على المكلف، شرع بسبب عذر طرأ على المكلف.
ثم قال: ما شرع لعذر طارئ استثناءً من أصل كلي قائم يمنع منها، آه إذاً الرخصة هي عبارة عن حكم تكليفي شرع لعذر طارئ، وهذا الحكم التكليفي الذي شرع لعذر طارئ مستثنى من عزيمة سابقة، من حكم قبله هو مسبوق بحكم قبله، اللي هو أصل كلي، في هناك أصل كلي قبل هذا الحكم العذر الطارئ كان يمنع من هذا الحكم، كان يمنع من هاي الرخصة، لكن آه لما طرأ العذر شرعت هذه الرخصة وشرع هذا الحكم التكليفي.
لذلك نقول: رخصة ما شرع لعذر طارئ استثناء مستثنى استثنيناها استثناءً من أصل كلي قائم يمنع منها. استثناء من أصل كلي قائم. شو يعني قائم؟ يعني موجود الآن ما زال يمنع منها، من هاي من هذا الحكم التكليفي الذي شرع لعذر طارئ. أنا بحاول أفهمك الصورة قدر الإمكان، هناك أصل ليه جيد قائم موجود هذا الأصل الكلي في الأصل أنه يمنع من هذه الرخصة.
فالان هل الأصل حتى أوضح لك من خلال هذا المثال، هل الأصل أنك تصلي الظهر ركعتين ولا أربعة؟ الأصل الكلي أنك بدك تصلي الظهر أربعة، صح ولا لا؟ طيب، مش ركعتين. فلما ربنا عز وجل أذن للمسافر أن يصلي الظهر ركعتين في السفر نقول: هذا الحكم، سنية القصر في السفر هذا حكم تكليفي بسبب عذر طارئ وهو السفر جاء استثناءً من أصل كلي قائم.
الأصل الكلي أنه صلاة الظهر أربعة مش تنتين، فالاصل الكلي القائم ها الظهر أربع ركعات، سنية القصر هي استثناء من هذا الأصل الكلي القائم. شو يعني قائم؟ يعني هل الأصل الكلي الآن في حالة سفرك موجود ولا أصلاً رايح الأصل الكلي؟ موجود، قضية أن الظهر أربعة الأصل أنها ثابتة في حقك، بدليل أنك لو صليت الظهر أربعة بتقدر ولا ما بتقدر وأنت مسافر؟ بتقدر تصلي الظهر أربعة.
لكن الشرع مراعاة لحالتك في السفر من المشقة سن لك القصر، وهو من الأصل الكلي القائم الموجود، يعني هذا الأصل الكلي قائم ما زال موجوداً لم يذهب، تستطيع أن تمارسه. وهذا الأصل الكلي القائم يمنع من ايش؟ من أنك تصلي الظهر ركعتين.
فعندنا إلى الأصل الكل قائم، هذا الأصل الكلي القائم هو ابتداء من هذا الترخص، لكن لما وجد لك عذر الشارع سمح لك بالترخص هدية من الله عز وجل استثناءً من هذا الأصل الكلي القائم، اللي هو في الوضع الطبيعي يمنع هذا. فصلاة الظهر أربعة وهذا الأصل، فإن إذا صلاة الظهر أربعة الأصل إذا صليتها ركعتين أن صلاتك باطلة، طيب كيف المسافر يصليها ركعتين وصلاته صحيحة؟ نقول: آه هذا حكم لعذر طارئ وهو السفر جاء استثناءً من أصل كلي قائم يمنع منها، جاء استثناءً فقط من أصل كلي قائم يمنع منها.
آه أريد أن أوضح هنا قضية حتى تفهم شو يعني استثناء من أصل كلي قائم، الآن أيها الأحبة وحتى تفهم مذهب الحنابلة منهجهم، الآن عند الحنابلة ايش حكم التيمم؟ رخصة ولا عزيمة؟ التيمم عند الحنابلة رخصة أم عزيمة؟ في الحقيقة أنساكم من الكتاب، التيمم عند الحنابلة عزيمة، اذهبوا للروض المربع بالحنابلة الرخصة.
آه التيمم عزيمة، طب ليش عزيمة؟ مش التيمم آه هو تسهيل على المكلفين بدل استخدام الماء، نقول: جميل، دعونا نفهم معنى الرخصة أصولياً حتى نحدد وهي رخصة ولا عزيمة التيمم.
الآن الرخصة هو حكم شرعي، الله عز وجل أباح التيمم ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: 6]، بل يجب التيمم لمن ليس مباحاً فقط، يجب التيمم. الآن التيمم هل هو حكم تكليفي مشروع لعذر؟ هو نعم، هو في الأصل حكم تكليفي مشروع لعذر، لأنه الأصل أنه الصلاة يتوضأ لها ولا يتيمم لها؟ الأصل الوضوء، فالتيمم مشروع في حالة ايش؟ فقد الماء.
فالتيمم إذاً حكم شرعي شرع لعذر طارئ في حالة فقدك، فقد حقيقي أن المية مش موجودة أصلاً، أو فقد معنوي أنك أنت مريض ما تستطيع تستخدم المي، إذاً شرع لعذر طارئ، ما أحد ينازع في هذا، وهو استثناء من أصل كلي، أليس كذلك؟ لأنه شو الأصل الكلي؟ ايش الحكم الكلي الذي شرع ابتداءً؟ إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا، الأصل الكلي أنه يجب الوضوء بالماء للصلاة وليس بالتيمم التراب، هذا الأصل الكلي، فالأصل هو الوضوء بالماء للصلاة، فالتيمم جاء استثناءً من هذا الأصل الكلي.
طيب ليش ما عدوه من قبيل الرخص، اللي هو التيمم مشروع لعذر وهو استثناء من أصل كلي؟ نقول صحيح أن التيمم مشروع لعذر طارئ استثناء من أصل كلي، لكن الوقت الذي يجوز فيه أن تتيمم ويباح لك فيه التيمم يكون الأصل الكلي وهو الوضوء بالماء ليس قائماً بل معدوماً، صح؟ أنت هل يجوز لك أن تتيمم مع قدرتك على الوضوء؟ ليس لك أن تتيمم مع قدرتك على الوضوء، أنت تتيمم متى؟ عندما لا تستطيع الوضوء، فالحالة التي يباح فيها التيمم يكون فيها الأصل الكلي ليس قائماً، بل يكون معدوماً، فبالتالي انتفى شرط من شروط الرخصة.
في الرخصة الفعل الذي يوصف بأنه رخصة، لازم لما أنت تفعل هذا الفعل يكون بإمكانك أن تفعل الأصل الكلي، ولكن ها يكون بإمكانك أنك تفعل الأصل الكلي ويكون الأصل الكلي قائماً موجوداً وأنت لا تفعل هذا الأصل الكلي. طبعا راح يشكل علينا قضية آه أكل الميت للمضطر، لكن يمكن أن تحل، جميل آتي بمثال آخر، آه مثلاً ايش عند الحنابلة؟ الجبيرة، المسح على الجبيرة.
الجبيرة مثلاً الإنسان كسرت يده وضع عليها جبيرة، متى يجوز للمكلف أنه يمسح على الجبيرة؟ الآن الأصل الكلي هو أنه يجب على الإنسان أن يغسل يده في الوضوء، هذا الأصل الكلي يجب على الإنسان أن يغسل يده في الوضوء، طيب إذا كان على يده جبيرة، إذا الطبيب قال له: تستطيع أن تنزع الجبيرة وتغسل على يدك؟ يحرم عليه أن يمسح على الجبيرة يبطل، لازم يمسح لأنه قطيع الغسل، طيب متى يجوز لك أنك تمسح على الجبيرة؟ في حالة عدم قدرتك على غسل اليد.
جميل، إذا المسح على الجبيرة بدي أجي أحلل أنا حتى أوصف هل المسح على الجبيرة رخصة أو عزيمة؟ الآن هو المسح على الجبيرة حكم شرعي لعذر طارئ، صح انطرأ عليك عذر انكسرت إيدك ووضعت جبيرة، ممتاز، حكم شرعي لعذر طارئ استثناء من أصل كلي، نعم الأصل أنه لازم تغسل إيدك، فإذا مسحت عن الجبيرة هذا استثناء الأصل كله.
جميل، لكن هذا الأصل الكلي قائم هون ولا معدوم منتفي؟ طب كيف أحكم أن الأصل الكلي قائم ولا معدوم؟ أني بنظر هل استطيع أن أفعل الأصل الكلي ولا يتعذر علي فعل الأصل الكلي؟ في الوقت الذي أفعل فيه الرخصة، في الوقت الذي أفعل فيه الرخصة، هل يستطيع أن أنا أترك الرخصة أقول ما بدي إياها وأفعل الأصل الكلي؟ بتقدرش، لأنه أنت لو كنت تستطيع أن تفعل الأصل الكلي هنا وهو غسل اليد لما سمح لك أصلاً بالمسح على الجبيرة، لكن لما كان الأصل الكلي غير قائم معدوم لا تستطيع أنت أن تقوم به شرع لك المسح على الجبيرة بدلاً عنه، بدلاً عن، بالتالي المسح على الجبيرة عزيمة عند الحنابلة وليس رخصة، لأنه الأصل الكلي اللي هو مستثنى منه لما تفعل المسألة على الجبيرة يكون الأصل الكلي معدوماً وليس قائماً.
طيب، نأخذ مثال ثالث، المسح على الخفين، المسح على الخفين أيها الأحبة رخصة ولا عزيمة عند الحنابلة؟ الله عز وجل لما شرعه كيف شرعه؟ نقول: المسح على الخفين هو مشروع لعذر طارئ، صح أن الشخص لبس الخف، والخف كان قصف أيامهم الجلد ويسافرون مسافات بعيدة، ويصعب عليه كل صلاة أنه يخلع الخف، فربنا رحمة بالمكلفين قال: من كان لابساً للخف يجوز له أنه يمسح يوم وليلة للمقيم وثلاثة أيام ولياليها للمسافر، فهو حكم شرع لعذر طارئ، ممتاز، استثناءً من أصل كلي لأنه الأصل ايش هو؟ ربنا ابتداء أوجد علينا نغسل أرجلنا، فالمسح على الخفين هو استثناء من أصل كلي.
طب هل هذا الأصل الكلي قائم ولا منتفي؟ ما معنى؟ يعني لما أجي أمسح على الخفين هل يكون الأصل الكلي اللي هو غسل الرجلين اللي هو أصالة يمنع أي إشي لازم تغسل رجليك، هل يكون الأصل الكلي قائم ولا منتفي؟ لما أمسح، عندما أمسح على الخفين أقرر أني أمسح على الخفين لتوفير الشروط فيه، هل يكون الأصل الكلي قائم؟ يعني يمكن أني أفعله ولا يكون معدوماً لا أستطيع أن أفعله وبالتالي لأذهب إلى المسح على الخفين؟ الأصل الكلي يكون قائم، أستطيع الآن لما أنا لابس خفين أنا بستطيع أني أخلع الخف وأروح أغسل رجلي، وبستطيع أني أخلي الخف وأمسح.
فالأصل الكلي وهو إمكانية غسل الرجلين ما زال قائماً وموجوداً في الوقت الذي أمسح فيه على خفي، ولكني أنا عدلت من الحكم الأشق إلى الحكم الأسهل، وهذا طبعا هذا العدول لأن الشارع هو الذي أذن لي بهذا العدول، فبالتالي يكون المسح على الخفين من قبيل ايش؟ الرخصة عند الحنابلة لتوفير شرط الرخصة فيه.
إذاً ما شرع لعذر طارئ استثناءً من أصل كلي قائم، بدي إياك تفهم وهم شو معنى كلمة قائم؟ أنه من دون ما تفهم معنى قائم ما رح تفرق ليش الحنابلة قالوا في التيمم أنه عزيمة وليش قالوا في الجبيرة إنها عزيمة؟ بينما قالوا في المسح على الخفين أنه رخصة. قضية قائم أنه لما تأتي تفعل الرخصة هل أستطيع أن أترك الرخصة وأذهب إلى الأصل الكلي؟ وأن عدولي إلى الرخصة هو اختياري وإرادتي، ولا عدولي للسهولة ليس في اختياري وإرادتي أنا مجبر عليه، لأنه الأصل الكلي ما زال ليس قائماً ذاهباً.
يعني التيمم لما وتقدم عليه هذا مش باختيارك، أنت مجبر عليه، لأنه الأصل الكلي مش موجود ما بتقدر تستخدم الماء، المسح على الجبيرة ليس باختيارك، أنت مجبر عليه لأنك.
لا تستطيع أن تغسل اليد بينما المسح على الخفين أنت لست مجبراً عليه. أليس كذلك؟ تستطيع أن تخلع الخف وتغسل، وتستطيع أن تمسح على الخف. المسح على العمامة عند الحنابلة رخصة. ليه؟ لأني أنا مش مجبر عليه. أستطيع أن أفعل الأصل الكلي لأنه قائم ليس معدوماً، وأستطيع أن أمسح على العمامة، فهذا فرق مهم في بيان مفهوم الرخصة؛ أن الرخصة شرعت لعذر طارئ استثناءً من أصل كلي قائم، موجود أستطيع أن أفعله، لكن أنا باختيارِي وإرادتي أعدل إلى الحكم الأسهل الذي ربنا سهل به عليّ.
والأصل الكلي القائم يمنع منها، يعني أنه الأصل أنه إذا الوضوء موجود شو الأصل؟ أنه ما بصير تتيمم. والأصل إذا بتقدر تغسل يدك ما بصير أنه ايش؟ تمسح. الأصل الكلي يمنع من الرخصة لولا أن الشارع هو الذي أزال هذا المنع من عنده، فالأصل الكلي القائم يمنع من الرخصة لولا أن الشارع هو الذي رفع هذا المنع من عنده تسييراً عن المكلفين.
طيب، إذاً ما شرع لعذر طارئ استثناءً من أصل كلي قائم يمنع من الرخصة في الأصل، لكن الشارع هو الذي رفع هذا المنع. ثم القيد الأخير قال: وتقدر على قدر الحاجة. اه، أن الرخصة أيها الأحبة لاحظوا الفرق بينها وبين العزيمة؛ العزيمة أحكام كلية في جميع الأوقات، الرخصة تقدر على قدر الحاجة، متى ما زالت الحاجة تعود إلى فعل الأصل، ليه تعود إلى فهم الأصل الكلي؟
فلاحظوا مثلاً المسح على الخفين هل هو حكم كلي مشروع في جميع الأوقات والأزمنة؟ ولا هو مشروع في حالة مسح الخفان لبس الخفان للمقيم يوم وليلة وللمسافر ثلاثة أيام؟ اه، لاحظ أنه شرع مؤقت على قدر حاجة معينة، بعد زوالها يذهب ونعود إلى الأصل الكلي وهو وجوب الغسل للقدمين. اه، كذلك مثلاً اه بيع العرايا سيأتي معنا أن بيع العرايا أيها الأحبة -ما بدي أأشرحها الآن، أشرحها في الكتاب-.
إيش عندنا مثلاً من الرخص الشرعية؟ مثلاً القطر في السفر والفطر في السفر. هل هو حكم كلي مشروع للناس في جميع الأحوال، ولا مشروع بسبب عذر السفر، بالتالي بس يزول السفر يرجع مثلاً شخص سافر في خمسة رمضان، في عشرة رمضان، الان مدة سفره بحق له فيها ايش؟ يفطر ويقصر ويقصر الصلاة، بس بعد ما يرجع ويقيم في بلده، هل يبقى حكم القصر والفطر مباحاً له ولا يرجع للأصل الكلي؟ اه، يرجع للأصل الكلي وهو وجوب الصيام.
فالرخصة بطبيعتها مقدرة على قدر الحاجة. طب إيش يخرج من هذا؟ الآن أيها الأحبة، هناك بعض العقود في الحقيقة، بعض المعاملات الشرعية هي شرعت لعذر طارئ استثناءً من أصل كلي قائم يمنع منها، لكن الشارع لما شرعها، شرعها ليس على قدر الحاجة، بل شرعها للعامة هدية إلى قيام الساعة حتى ولو لم توجد حاجة.
مثال ذلك يقولون: بيع السلم. الآن الأصل الكلي أنه يحرم على الإنسان أن يشتري شيئاً معدوماً، هذا الأصل الكلي يحرم شراء المعدومات. الآن عقد السلم أنت بتدفع مال في المجلس مقابل سلعة بجيب لك اياها الرجل بعد تسع أشهر عشر أشهر، تقول له: خد هاد ميتين دينار، وبس يجي موسم الزيت في شهر عشرة القادم جيب لي خمس تنكات زيت. إذاً، وقت العقد تنكات الزيت معدومة، فأنت عقدت على معدوم، الأصل فيه لي الأصل الكلي أنه محرم. لكن السلم حكم شرعي لعذر، إيش العذر؟ أن الناس أيها الأحبة لو لم يباح لهم السلم لتصعب عليهم كثير من المعاملات؛ يكون صاحب مزرعة الزيتون ما معه مصاري وسيولة يسقي الزيتون ويدير باله عليه، ويكون هناك رجل ربنا فاتح بالمال ويحتاج إلى زيت نفيس، فحتى تحدث تكامل في المجتمع ربنا أباح السلم أنه أنا كصاحب مال أمول صاحب المزرعة هذه بمصاري وأموال أنه يروح يسقي زيتوناته مقابل أن الرجل في موسم الزيت يعطيني عشر تنكات مقابلها، وهذا فيه تسهيل على هذا وعلى هذا.
فإذاً، عقد السلم هو بيع شراء معدوم، فالأصل فيه أنه ممنوع، لكن الشارع أباحه لعذر طارئ؛ اللي هو حاجة الناس إلى الشراء، إلى السيولة، حاجة المزارع إلى السيولة وحاجة صاحب المال إلى اشتراء الزيت النفيس، وهو استثناء من أصل كلي قائم، الأصل الكلي قائم أنه يحرم بيع المعدومات فهو قائم، والأصل أنه يمنع من السلم ومن غير السلم.
جيد. لكن طب لماذا السلم لا يسمى رخصة بالمفهوم الأصولي؟ صحيح، السلم شرع لعذر طارئ استثناءً من أصل كلي قائم يمنع، لكنه هل الشارع شرع السلم على قدر حاجة ثم إذا زالت الحاجة يصبح السلم محرماً، ولا السلم خلص مباح إلى قيام الساعة لكل الناس في جميع الأزمان، لا يقيد بشخص، محتاج أو مش محتاج، عنده سيولة أو ما عنده سيولة؟ خلص الشارع فتحه، باختصار فتحه لكل الناس.
نلاحظ أن السلم صحيح هو شرع بقدر الاستثناء من أصل كلي قائم، لكن الشارع لم يقدره على قدر الحاجة بل فتح أبوابه، فتح أبوابه للجميع حتى ولو لم يكن الشخص محتاجاً إليه، فالسلم بالمفهوم الأصولي لا يسمى رخصة؛ لأنه ليس مقدرا على قدر الحاجة. شف قصر الصلاة على قدر الحاجة، بعد ما تزول حاجتك بدك ترجع خلص ما ما يجوز لك تقصر. كذلك المسح على الخفين، كذلك اه الفطر في السفر، وأن ذلك فقس.
مثلاّ أكل الميتة للمضطر. الآن هل أكل الميتة للمضطر ربنا عز وجل أباحه مطلقاً في جميع الأزمان والأوقات، ولا على قدر حاجته؟ على قدر حاجتك، لذلك الفقهاء يختلفون لو أن شخصاً وجد ميتة فأكل منها، هل يجوز له أن يشبع ولا فقط يكتفي بسد الرمق؟ ليش هذا الخلاف الفقهي؟ لأنه أكل الميتة للمضطر هو رخصة، والرخصة مقدرة بقدر الحاجة، فاختلفوا في توصيف الحاجة للحاجة؛ أنه يشبع ولا الحاجة أن يسد الرمق فقط هذا الذي يجوز له أن يأكله.
فإذاً، عليك أن تفهم هذه المفاهيم وتجعلها في ذهنك حتى تعرف التعامل مع كلام الفقهاء في توصيفهم للشيء بأنه رخصة أو عزيمة، فالسلم في النهاية عزيمة، التيمم عزيمة، المسح على الجبيرة عزيمة لعدم وجود ضوابط الرخصة كلها. لكن من الناحية المصلحية في علم مقاصد الشريعة يسمى التيمم رخصة، ويسمى المسح على الجبيرة رخصة، ويسمى السلم رخصة، لكن ليس بالمفهوم الأصولي الدقيق، وإنما بالمفهوم الشرعي العام؛ أنه كليات هذه الأمور التيمم، المسح على الجبيرة، السلم كلياتها في النهاية هي تسهيلات وتخفيفات من الشارع.
لذلك هذا التعريف الذي ذكرته لكم أيها الأحبة للرخصة، هذا تعريف الشاطبي في الموافقات، والشاطبي في الموافقات ذكر أن مصطلح الرخصة له معان عديدة في الشريعة؛ هناك المصطلح الأصولي الخاص الذي بيناه لكم، وهناك مصطلح الرخصة على العموم بالمعنى العام أو اللي هو السهولة بغض النظر كيف جاءت هذه السهولة، قولوا ما مقداره وأحواله. فهناك إذاً الرخصة بالمعنى الخاص، وهناك الرخصة بالمعنى العام، ونحن نتكلم عن الرخصة بالمعنى ايش؟ الخاص، بالمعنى الأصولي: ما شرع لعذر طارئ استثناءً من أصل كلي قائم يمنع منها وتقدر على قدر الحاجة. احفظ هذه القيود الثلاثة مثل اسمك حتى تفهم.
الآن نعود إلى عبد المؤمن البغدادي فلننظر ايش قال في العزيمة والرخصة؟ قال في العزيمة، كم الساعة؟ وساعة وخمسة وخمسين. طيب استراحة. العزيمة: الحكم الثابت من غير مخالفة دليل شرعي. انظروا ايش قال في العزيمة، الحكم الثابت من غير مخالفة دليل شرعي، ايش يريد أن يقول؟ أنه هو المعنى الذي ذكرناه، لكنه ذهب إلى تعاريف أخرى، أنه العزيمة حكم شرعي ثبت ولم يسبق حكم شرعي يمنع منه. العزيمة بطبيعتها كما قلنا أحكام كلية مشروعة ابتداءً ليست استثناءً من شيء سابق لها منها، فهذا معنى العزيمة: الحكم الثابت من غير مخالفة دليل شرعي. إذا أردت أن تزيد حتى توضح: الحكم الثابت من غير مخالفة دليل شرعي سابق له يمنع منه، هيك بيكون التعريف كامل: الحكم الثابت من غير مخالفة دليل شرعي سابق له لهذا الحكم يمنع منه.
طيب، والرخصة؟ طب لو روحنا الرخصة، ايش قال الرخصة؟ قال: إباحة، طبعا تعريفه في كثير من القيود ناقصة، يعني هو لم يبين أن الرخصة عفواً أن العزيمة -لا، في تعريف العزيمة جيد، خليه، ما الكلام في الرخصة، أذهب إلى الرخصة، لا تعريفه للعزيمة جيد-. قال: الرخصة إباحة المحظور مع قيام سبب الحظر. الإباحة هنا ليست بالمعنى التكليفي، الإباحة هنا بمعنى الأذن بالمعنى اللغوي، يعني الأذن بالمحظور مع قيام سبب الحظر.
هذا المعنى هو ملخص ما ذكرته لكم أنه أن يأذن الشارع الاباحة الرخصة عبارة عن حكم شرعي لعذر طارئ. بس النقص في هذا التعريف أنه لم يبين أن الرخصة أنها إباحة المحظور بسبب عذر، وما بين أن هاي الإباحة طب شو سببها؟ أنه في عذر، مش أي إباحة، فالرخصة هو قال إباحة المحظور، لابد أن يزيد بسبب عذر طارئ، بعدين استثناء من أصل كلي قائم هو معنى قول عبد المؤمن البغدادي: إباحة المحظور مع قيام مع قيام معنى قائم مع قيام بالحظر.
فلاحظنا أنه الأصل أنك تغسل الرجلين، إذا مسحت على الخفين هذا إباحة محظور، شو المحظور؟ هو الأصل القائم أن الإنسان يجب أنه يغسل رجليه ما بصير أنه يمسح، لكن جاء المسح على الخفين إذاً ترخيص تسهيل من الشارع مع قيام السبب الحاضر وهو الغسل للرجلين قائم موجود أستطيع أن أغسل رجلي، قيام أنك تستطيع أن تغسل رجليك، لكن الشارع سهل لك وأباح لك أن تختار الاختيار الأسهل.
لذلك إباحة المحظور مع قيام سبب الحظر، لكن كما قلنا هو لم يبين أن إباحة المحظور بسبب عذر طارئ، ولم يأتي بالقيد الأخير أنها تقدر على قدر الحاجة هذه الإباحة، يعني هي إباحة محظور، لو قال إباحة محظور لعذر طارئ مع قيام سبب الحظر وتقدر على قدر الحاجة كان تعريفه كامل مثل تعريف الشاطبي. لكن تعريف الشاطبي بأكمل.
ذكر تعريفا آخر للرخصة صح. وقيل، طبعا هذا التعريف الآخر ذكره حتى يقابل تعريف العزيمة، قال: وقيل ما ثبت على خلاف دليل شرعي راجح. هذا التعريف الثاني للرخصة. ايش معناه؟ أن الرخصة هي عبارة عن حكم شرعي ثبت على خلاف دليل شرعي، أزيد أنا أقول: سابق له مانع منه. الدليل الشرعي تستطيع أن تبدلها بالأصل الكلي، بما ثبت على خلاف دليل شرعي أي ما ثبت على خلاف أصل كلي سابق، بس ما زاد كلمة ايش؟ قائم. هذه كلمة مهمة، لابد أن يقول: ما ثبت على خلاف دليل شرعي قائم؛ لأنه قد يكون مثل التيمم، الآن الدليل الشرعي اللي هو وجوب غسل الوضوء بالماء ما عاد له قيمة في حالة انعدام الماء، ما عاد الوجود فذهب، فلا يسمى التيمم رخصة. فلابد يقول: ما ثبت على خلاف دليل شرعي قائم.
طيب، لماذا ثبت؟ المعارض يقصد به العذر الطارئ، يقصد بالمعارض العذر الطارئ. إذاً هو ما ثبت خلاف دليل شرعية، وشو سبب أنه في عذر طارئ؟ هذا العذر الطارئ رجحه راجح. مين اللي رجحه؟ الشارع، الشارع هو اللي رجحه، مش أنا من عندي برجع، صحيح؟ فنقول الرخصة على التعريف الثاني: حكم شرعي، ما حكم شرعي تكليفي؟ ثبت على خلاف دليل شرعي -خذنا بدل كلمة دليل شرعي تستطيع أن تقول أصل كلي قائم- لمعارض هذا الثبوت لهذا الحكم التكليفي خلافا للدليل الشرعي، جاء بسبب ايش؟ معارض أي عذر طارئ راجح، أن الشارع رجحه وقدمه على البقاء أو الالتزام بالأصل الكلي القائم، وأذن بمخالفة الأصل الكلي القائم بسبب هذا المعارض الراجح في مفهوم الشرع.
لاحظوا أنه في باب التعاريف بيجوا بتعاريف أو يأتون بتعاريف متعددة، كلها بتحاول أنها توصل المعلومة للمتعلم بأقصر طريق، وهنا تظهر مهارات المصنفين؛ منهم من يحسن سبك التعريف، ومنهم من ينقص منه قيد مع أنه هو مقصود لديه، يعني هو عبد المؤمن البغدادي لاحظنا في كلا التعريفين أغفل قيد وأن تكون وتقدر على قدر الحاجة، لكنه يعرف هذا القيد بالتأكيد أن السلم لا يسمى رخصة ويسمى عزيمة؛ لأنه ليس مقدرا على قدر الحاجة، بل هو للأمة، لكن خلص هو يريد أن يختصر التعريف، بعدين يقول لك: خلص التعريف إذا فهم منه المراد ما في داعي أني أتي بجميع القيود والشروط. ولكن في الحقيقة لأ، كلما استطعت أن تأتي بجميع القيود والشروط خاصة إذا كان أن يفهم المتعلم شيئاً آخر فيكون استيفاء جميع هذه الشروط أولى.
ثم مثل للرخصة قال: كتيمم المريض لمرضه. الآن، احنا قلنا الحنابلة يقولون: التيمم عزيمة ولا رخصة؟ عزيمة. صح؟ هنا عبد الوهاب يمثل به على أنه ايش؟ رخصة، وهذا قول عند الحنابلة أن التيمم رخصة، لكن ليس هو المعتمد في المذهب عندهم، فانتبه على هاي القضية أنه تقول الشيخ بمثل العزيمة وعبد المؤمن بمثل له على أنه رخصة. فأقول: عبد المؤمن سار على قول ثانٍ ليس معتمداً في المذهب، المعتمد في المذهب أن التيمم عزيمة، وعبد المؤمن ذهب إلى أن التيمم رخصة. قال: كتيمم المريض لمرضه. ثم قال:
ولكن لاحظوا عفواً، عبد المؤمن البغدادي لم يقل التيمم مطلقا، قال: التيمم للمرض. ليش؟ يعني قد يكون كلامه في يعني جزء من المنطقية لأنه بيقول لك: التيمم للمرض أنه الماء موجود، لكن المرض طارئ مع قيام السبب الأصلي قائم، اللي هو وجود الماء ما زال موجوداً. لكن احنا الحنابلة ايش نقول؟ نقول: صحيح الماء موجود، لكن كوني لا أستطيع أني أستخدمه يجعله في حكم المعدوم. لكن عبد المؤمن لم ينظر إلى هذه الجزئية، نظر إلى أن الماء موجود فقال: إذاً الأصل الكلي قائم، فالتيمم في...
حالة المرض رخصة، لكن التيمم كأنه بمفهوم المخالفة أن التيمم لفقد الماء عزيمة، هكذا يريد أن يحكي عبد المؤمن. التيمم للمرض رخصة، لكن التيمم لفقد الماء عزيمة؛ لأنه فقد الماء؛ إذا فقدت الماء فلا يوجد ماء، فالأصل الكلي ليس قائماً، لكن إذا كان التيمم بسبب المرض فالكل قائم. نحن قلنا له: كيف قائم؟ قال: أليس الماء موجوداً؟ قلنا له: صحيح، موجود بصورة الحكم المعدوم، فالأصل الكلي فعلياً ليس قائماً حتى في حالة وجود الماء، وفي النهاية هو نقاش فكري.
قال: وأكل الميتة للمضطر. الميتة لماذا حرمت؟ كأنها نتنة خبيثة، صح ولا لا؟ أنت انسان في مجاعة وفي صحراء ولا تجد شيئاً تأكله ووجدت ميتة. الآن، هل الميتة قام منها السبب المانع من أكلها؟ لا، يعني الأصل الكلي القائم أن الميتة خبيثة يحرم أكلها، هل انتفى في حق هذا الذي فيه مخمصة؟ ما انتفى، هي تبقى ميتة وأنها خبيثة ولا تؤكل، لكن في هذه الحالة هذا الإنسان مضطر، هذا الإنسان مضطر أن يأكل حتى لا يموت، ونقول أكل المضطر من الميتة واجب ليس فقط مشروعاً، عذر طارئ وهي المخمصة والجوع، استثناء من أصل كلي قائم.
ما الأصل الكلي القائم؟ أليس الأصل الكلي القائم تحريم الميتة؟ تحريم الميتة في حقه زال، صحيح معدوم، فكيف يجب أن يأكل؟ هنا المراد بالأصل الكلي القائم نقصد به خبث المحل، أنه الميتة خبثها ما زال موجوداً، لا تصبح طيبة ونقية؛ لأن هذا الإنسان في مخمصة. الأصل الكلي القائم هو بقاء الخبث في هذا المحل وفي هذه الشاة الملقاة، هذا هو الأصل الكلي القائم، هذا هو المراد به حتى لا يشكل على الطالب، ولكن هذا إنسان مضطر، يقال له: كل مع أن هذه أصلها نتنة وخبيثة المحل، لكن قيل بسبب هذا العذر الطارئ، وقدر الحاجة، وقدر الحاجة هو سد الرمق عند الحنابلة، وحل للمضطر سد الرمق من الحرام غير سم موبق، كما قال في ملح الناظم.
المثال الثالث: قال العرايا من صور المزابنة. ما العرايا أيها الأحبة؟ المزابنة هي صورة من صور الربا باختصار، المزابنة صورة من صور الربا، وهي أن تشتري رطباً موجوداً على رؤوس النخل وتدفع مكانها تمراً، تشتري رطباً وتدفع مقابلها تمراً، شراء الرطب بالتمر منهي عنه بالحديث الصريح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه ربا، لماذا؟ دروسه في الفقه إن شاء الله. لا يجوز أن تشتري رطباً بتمر، رطب برطب أو تمر بتمر، أما رطب بتمر فربا. جميل.
لكن الشارع الحكيم نظر في مصلحة معينة؛ بعض الناس يكون فقيراً أو ما عنده أموال نقدية، عنده تمر، هذا الإنسان الفقير الذي عنده تمر وما عنده مال نقدي يشتري به رطب، تتهف نفسه -كما نقول في مجتمعاتنا- لما يرى الرطب متدلياً من رؤوس النخيل، يعني يشتاق أن يأكل شيئاً من هذه الرطب، وما عنده مال يدفع لصاحبه يأخذ مكان الرطب، فيقول الشارع: يجوز للإنسان الفقير بهذا الشكل -لاحظ كيف أنه مقدر بقدر الحاجة- الإنسان الفقير الذي لا يجد مالاً وعنده تمر ويريد أن يأكل وليس يتاجر، يريد أن يأكل الرطب، نبيح له استثناءً، نبيح له أن يذهب إلى صاحب هذه الرطب، يقول له: تأخذ مني شيئاً من التمر وتعطيني مقابله شيئاً من الرطب.
الآن، الأصل الكلي أن هذا ربا محرم شرعاً، هذا الأصل الكلي مزابنة، لكن الشرع جوزها، جوز العرية تلبية لحاجات النفوس البشرية، لكن هل استثناءً يعني هل عندما أباح العرية أباح مثل السلم في جميع الأحوال والامور وفي جميع الأزمنة حتى ولو لم تكن هناك حاجة؟ السلم مباح في جميع الأوقات والأزمنة حتى ولو لم تكن حاجة، لكن العرايا لا، مقيدة بقدر الحاجة، أن يكون الشخص لا يملك المال الذي يشتري به الرطب، فقدرها الشارع، إذا كان عندك مال ما يصير تعمل عرايا، لكن ما في عندنا حالة ما يصير تعمل فيها سلم إذا استجمعت الشروط. فالعرايا فعلاً رخصة؛ لأنها مقدرة بقدر الحاجة، الشخص ما عنده مال يريد أن يأكل وعنده تمر، فيذهب إلى صاحب الرطاب يعطيه تمر ويأخذ مقابل رطب، والشرع حددها بخمسة أوسق فقط، بهذا المقدار خمسة أوسق فقط، أكثر من هيك لا يجوز لك أن تخالف وتبيع الرطب بالتمر.
فهذا مفهوم أن يعطي تمراً ويأخذ مكانه رطباً رطباً على رؤوس الشجر من أجل أن يأكل هو وعياله، ولا يكون مالكاً لمال نقدي يشتري به الرطب. فلاحظوا كيف أن الشرع أباح العرايا في مقابلة أصل كلي قائم يمنع منها، وهو المزابنة وهو الربا، ولكنها مقدرة على قدر الحاجة، فالعرية أيضاً هي رخصة في باب المعاملات.
أختم الكلام أيها الأحبة أقول: العزيمة بينت أنها توصف بها الأحكام التكليفية الخمسة، الواجب، المندوب، المباح، الحرام، المكروه، كلها توصف بأنها عزائم إذا كانت أحكاماً كلية مشروعة ابتداءً. أما الرخصة فلا يوصف بها إلا ثلاثة أحكام تكليفية: الواجب يوصف بأنه رخصة في بعض الأحيان، المندوب يوصف بأنه رخصة، والمباح يوصف بأنه رخصة.
طيب، ما المثال على واجب وهو رخصة؟ الآن، هل هناك تعارض بين أن تصف الشيء بأنه واجب وأنه رخصة؟ لا، ليش؟ لأن الواجب هذا حكم تكليفي، والرخصة هذا حكم وضعي، لا تنافي بين وصف الشيء بحكم تكليفي وفي نفس الوقت بحكم وضعي. طب يا شيخ، مثال على رخصة واجبة؟ أكل الميتة للمضطر؛ إذا إنسان كان في صحراء سيموت ووجد ميتة أمامه، وجوباً يجب عليه أن يأكل من هذه الميتة وجوباً، وهو آثم إذا هلك بسبب عدم أكله من الميتة، فنقول يجب عليه أن يأكل من الميتة.
طب يا شيخ، كيف تسمونها رخصة وفي نفس الوقت هي واجب، أليس الوجوب فيه شدة والرخصة فيها سهولة؟ نقول: جهة الوجوب هذه حكم تكليفي، وجهة الرخصة هذه حكم وضعي بنظرة أخرى، فنقول من جهة أن هذا الإنسان الذي في مخمصة يجب عليه أن يأكل ويحرم عليه قتل نفسه، هذا حكم تكليفي يجب الأكل، لكن من زاوية أخرى، من حيث أن أكل الميتة هو استثناء من أصل كلي قائم يمنع في الأصل من أكلها، هو رخصة، فلا تعارض بين الأمرين.
طيب، مثال على رخصة مندوبة؟ عند الحنابلة قصر الصلاة، فقصر الصلاة للمسافر سفر قصر لواحد وثمانين كيلو -طبعاً عند الحنابلة مئة وخمسة وثلاثين كيلو- قصر الصلاة يعتبر رخصة مندوبة، وكذلك الفطر لمن، فطر الصائم الذي يضره الصيام في السفر، فطر الصائم الذي يشق عليه الصيام في السفر أو لمرض يشق عليه. فالإنسان المريض مرض يشق عليه معه الصيام، يسن له الفطر، يسن له الفطر.
طيب، مثال على رخصة مباحة عند الحنابلة؟ أن يأتيني مثال رخصة مباحة عند الحنابلة جمع الصلاتين في السفر، نعم جمع الصلاتين ليس مندوباً، مباح بخلاف القصر، عندهم القصر سنة والجمع مباح، فالجمع بين الظهر والعصر في السفر والمغرب جمع تقديم وتأخير مباح، ومثال على رخصة مباحة.
فلاحظوا أن الشيء الرخصة قد تكون مباحة ومندوبة وواجبة، ولا تكون مكروهة ولا محرمة، لكن مثلاً السيوطي في الكوكب الساطئ ذكر مثالاً على بعض الرخص المكروهة عند الشافعية: وقد توصف بالكراهة كالقصر في أقل من ثلاثة. لكن هذا مذهب الشافعية ولا يعنينا الآن في التأصيل الأصولي.
إن شاء الله في الدرس القادم أيها الأحبة نشرع في بيان الباب الثاني من أبواب هذا الكتاب العظيم، وهو مصادر التشريع، وهو حقيقة لب علم الأصول. هكذا نكون انتهينا الكلام عن الأحكام الوضعية. طبعاً في الدرس القادم قبل أن أشرع في مصادر التشريع، سأقدم يعني عندي بعض الملحوظات عن أحكام وضعية سبق الكلام عنها، سأعليق تعليقات سريعة وأنتقل إن شاء الله إلى الباب الثاني. أطلت عليكم في هذا الدرس، سامحونا، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل