حياكم الله أيها الأحبة في هذا المجلس الجديد الذي نعقده في شرح كتاب قواعد الأصول ومعاقيد الفصول للإلام عبد المؤمن البغدادي رحمة الله تعالى عليه.
وقد انتهى بنا الحديث أيها الأحبة في القسم الثاني من أقسام هذا الكتاب، وهو الحديث عن مصادر التشريع، أو كما قال: وباب الأدلة. وقسم عبد المؤمن البغدادي مصادر التشريع ابتداءً إلى قسمين. ولم يقسم طبعا احنا قلنا مصادر التشريع هناك مصادر التشريع متفق عليها، ومصادر تشريع مختلف فيها. عبد المؤمن البغدادي قسم مصادر التشريع المتفق عليها. طبعا ايش مصادر التشريع المتفق عليها؟ الآن المشهور أيها الأحبة في كتب الأصول عند أكثر الأصوليين يقولون مصادر التشريع المتفق عليها: الكتاب والسنة والإجماع والقياس. هذا هو الأشهر. الآن بعض الأصوليين مثل عبد المؤمن البغدادي، مثل ابن قدامة. ابن قدامة تبع الغزالي في المستصفى، يقولون الأدلة المتفق عليها هي الكتاب والسنة والإجماع والاستصحاب، ويجعلون القياس فرع تابع للكتاب والسنة والإجماع. يقولون القياس هو دليل تبعي للكتاب والسنة، فالأدلة المتفق عليهم في تقسيمهم وفي اصطلاحهم: الكتاب والسنة والإجماع واستصحاب الحال. جميل.
ثم عبد المؤمن قسم هذه الأدلة الأربعة المتفق عليها: الكتاب والسنة والإجماع والاستصحاب إلى قسمين كما اخذنا في الدرس الماضي، فقال: هي إما سمعية، أصول الأدلة. قال: أما سمعية وإما عقلية. جعل السمعية ايش؟ الكتاب السنة الإجماع؛ لأنها تعتمد على السماع والنقل. قالوا ويتبعها ويتبع هذه الثلاث القياس والاستدلال. فجعل القياس والاستدلال من توابع الأدلة السمعية. كما قصرنا في الدرس الماضي، من الأدلة السمعية منها ما يعتمد على النقل مباشرة، ومنها ما يعتمد على استنباط العقل من النقل، وهي القياس والاستدلال عند عبد المؤمن البغدادي. ثم انتقلنا إلى النوع الثاني العقلي؛ لأنه قال: أما سمعية وإما عقلية. العقلي ايش قصد به؟ قال: شيء واحد، وهو استصحاب الحال. وقلنا: إذا العقل يقول عبد المؤمن البغدادي إنه مصدر يعني يعتبر دليلاً شرعياً مصدراً شرعياً، لكن حددنا وحصرنا الكلام وقلنا: العقل شرعي على ماذا؟ على نفي الحكم وليس على إثباته. فالعقل نعم يصلح مصدراً للتشريع، لكن ليس كما يقول المعتزلة، كما يقول أهل السنة العقل دليل على نفي الحكم، اللي هو الاستصحاب اللي سميناه البراءة الأصلية. ما معنى البراءة الأصلية؟ الأصل عدم التكليف فيه حتى يأتي النص الذي يكلف، فإذا كان الأصل عدم التكليف فالاصل أن ذمتنا بريئة من أي حكم شرعي.
اليوم الآن إذا بعد أن عرفنا إذا الأدلة المتفق عليها عند عبد المؤمن البغدادي أربعة: كتاب، سنة، إجماع، وهذه تعتبر سمعية ويتبعها القياس والاستدلال. الأدلة العقلية عنده ايش؟ الاستصحاب. اليوم سنشرع بإذن الله في دراسة مصادر التشريع واحداً واحداً. نبدأ بدراسة مصادر التشريع واحداً واحداً. نتعرف، ونحن قلنا أيها الأحبة إن علم أصول الفقه هو ابتداء يقوم على ماذا؟ يعني كعلم كموضوع، تصور الأحكام، كل ما أخذناه في الدروس العشر التي مضت هذه مقدمة علم أصول الفقه، لم ندخل بعد. أما علم اصول الفقه ايش تعريفه؟ هي قواعد الأدلة الإجمالية. فإذا أنا كأصولي لا بد أولاً أعرف ايش الإجمالية، ثانياً أثبت حجيتها وأنها مصدر من مصادر التشريع، ثالثاً أعرف القواعد التي أتعامل بها معها. هذه الخطوات العملية التي ستسير فيها أي كتاب أصولي، وإن كنت أنت لا تشعر بذلك، لكن هذه وظيفة المعلم أن يوجه الطالب إلى ماذا يحدث الآن في الكتاب الأصولي الذي بين يديك. هو الآن سيتكلم عن مصادر التشريع وسنثبت حجيتها، إذا عرفنا مصدر التشريع وعرفنا حجية هذا المصدر ننطلق إلى معرفة قواعد التعامل مع هذا المصدر، كيف نتعامل مع هذه القواعد في حال التعارض؟
فبدأ رحمه الله تعالى بأول مصدر من مصادر التشريع وهو الكتاب. فقال رحمة الله تعالى عليه: قال: فالكتاب كلام الله كتابه، كأن هذه الفاء يا فاء فصيحة. يعني إذا عرفت ذلك فالكتاب. الكتاب كلام الله، وهو القرآن المتلو بالألسنة، المكتوب في المصاحف، المحفوظ في الصدور. نبدأ أيها الحبيب أول مصدر من مصادر التشريع، وهو ماذا؟ القرآن الكريم. قال: الكتاب. هكذا سماه. قال: الكتاب. ثم عرفه فقال: الكتاب ايش تعريف الكتاب؟ قال: وهو كلام الله. ووقف.
الآن في الحقيقة نحتاج إلى تعريف كامل للكتاب أفضل من هذا التعريف المختصر، ولكن هو اختصر؛ لأن الكتاب ليس كتاباً كبيراً، فماذا نقول في تعريف الكتاب؟ الكتاب أيها الأحبة سريعاً، أول مصدر من مصادر التشريع: الكتاب هو كلام الله. نعم، وعند أهل السنة والجماعة الكتاب هو كلام الله. والله عز وجل يتكلم بكلام حقيقي بصوت وحرف. هذه طريقة أهل السنة والجماعة عندما يكون الكتاب كلام الله، ولا نقصد بالكلام هنا ما يقصده الأشاعرة وغيرهم من الفرق التي تقول: الكلام هنا ليس كلاماً حقيقياً وإنما هو كلام نفسي، يعني المعنى القائم في النفس. هكذا يقولون. لن أُقحمك الآن في أمور عقدية، لابد من الإشارة إلى هذه اللفتة: أن الأشاعرة ومن وافقهم من كلابية وغيرهم يقولون: كلام الله المقصود عندهم به المعنى القائم في ذات الله. هذه الأسطر التي نراها ونتلوها هي دلالة وإشارة وعبارة عن ماذا؟ عن المعنى القائم في ذات الله. الكلام عندهم هو المعنى القائم في ذاته وليست هذه الأحرف التي بين أيدينا. وهذه الأحرف التي بين أيدينا ونتلوها هي عندهم عبارة وإشارة إلى كلام، وهذا لا يوافق طريقة أهل السنة والجماعة. وأما طريقة أهل السنة والجماعة، وما هو معلوم لغة وعقلاً وشرعاً، أن كلام الله هو صوت تكلم به الله سبحانه وتعالى جل في علاه. كيف وأين ومتى؟ الله تعالى أعلم، لا نعلم شيئاً من ذلك. فنحن نعرف ونثبت أن الله تكلم بكلام، ولكن لا نعرف الكيفية. فالكتاب هو كلام الله.
لكن هل كل كلام الله عز وجل هو الكتاب والقرآن؟ لا؛ لأن هناك كلام لله عز وجل ليس قرآناً، مثل الكلام الذي تكلم به مع موسى عليه السلام، ويتكلم به مع ملائكته، ويتكلم به مع رسله السابقين. فليس كل كلام لله هو قرآن، فلذلك نعتبر هذا التعريف قاصراً. فلابد أن نحدد أي كلام لله يسمى كتاباً أو قرآناً، فنقول: الكتاب هو كلام الله المنزل على من؟ على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، المعجز بنفسه، المتعبد بتلاوته. هذا هو تعريف الكتاب أو القرآن، كما سيأتي معنا أن الكتاب والقرآن مترادفان. إذاً الكتاب هو كلام الله، لكن ليس كل كلام لله عز وجل كتاباً؛ لأن هناك كلام كما قلنا كلام لله عز وجل مع الأنبياء السابقين، كلام الله عز وجل مع موسى، هناك كلام لله مع الملائكة. هناك إذاً كلام كثير لله عز وجل: ﴿وَلَوْ أَنَّ مَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ [لقمان: 27]. إذاً فالكتاب هو ليس كل كلام لله، بل لا بد من تقييده. كلام الله المنزل، وهذا فيه إشارة إلى أن هناك كلاماً لله لم ينزل. فهذه قيد منزل لإخراج كلام الله عز وجل الذي لم ينزل على الأرض. طب هل كل كلام نزل على الأرض قرآن؟ لا، ما زلنا نحتاج إلى قيود. كلام الله منزل على من؟ قال: على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. جميل.
طيب كلام الله المنزل على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، كل قرآن؟ لا، قال: المعجز بنفسه. فقيد المعجز بنفسه لإخراج كلام الله المنزل على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وليس معجزاً. الله عز وجل في ليلة الإسراء والمعراج، ألم يكلم النبي صلى الله عليه وسلم؟ إنما تجاوز السماء السابعة، تكلم النبي صلى الله عليه وسلم مع الله عز وجل في قضية فرض الصلوات، مش كان يخرج ينطلق إلى الأعلى؟ ففرض الله عز وجل إليه خمسين. فنزل إلى موسى، فقال: إن أمتك لا تطيق ذلك. فعاد إلى الله عز وجل، فانزل عليه عشر، وهكذا حتى فرضها الله عز وجل خمس. صحيح؟ فهذا كلام من الله نزل على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، ولكنه ليس معجزاً بنفسه، لم ينزل للإعجاز، ليس للإعجاز. فكذلك هذا يتعلق به خطابات الله مع النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة الإسراء والمعراج مثلاً. فباختصار: كل كلام منزل من الله عز وجل على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ولم يقصد به الاعجاز أن يكون هذا الكلام معجزاً يتحدى به، لا يسمى قرآناً.
بقي القيد الأخير، ما هو؟ المتعبد بتلاوته. ما فائدة القيد الأخير؟ قالوا لإخراج المنسوخ من القرآن. لإخراج المنسوخ لفظاً، طبعاً أنه أحياناً ممكن يكون المنسوخ حكماً ويبقى اللفظ، فهذا كما سيأتي معنا هو قرآن من ناحية اللفظ. ولكن هناك آيات أيها الأحبة نسخت لفظاً أي رفعت من القرآن، فهذه لم تعد تسمى قرآناً ولا يصح أن يقرأ بها، مثل ما جاء في الحديث: أنه كان في القرآن: الشيخ والشيخة إن زنيَا فارجموهما البتة. قيل إن هذه كانت آية من القرآن، وإن كنت أذهب إلى أن هذه في الحقيقة ليس هي نص الآية، وإنما هو معنى الآية؛ لأنه لا أجد فيها السبك المتين الإعجازي كما أجده في نصوص القرآن الكريم، وهذا رأي لطائفة من أهل العلم. أن هذه القول والشيخ والشيخة معروف في الأحاديث الصحيحة: كان في القرآن الشيخ والشيخ فارجموهما البتة، قيل أنها كانت آية في القرآن. ما أذهب إليه وأختاره من أهل العلم أن هذه الآية نقلت بمعناها ولم تلق بلفظ، وأما لفظها نسخ تماماً. وبعض أهل العلم يقول: هكذا كان نص الآية، فالله تعالى أعلم. لكن المهم أن نقول إن القرآن أو الكتاب هو كلام الله المنزل على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم المعجز بنفسه المتعبد بتلاوته. فكلام الله المنزل الذي قصد منه الإعجاز، لكنه لم يعد متعبداً أبداً بتلاوته وهو الآيات المنسوخة، هذه أيضاً لا تسمى قرآناً، فيجب إخراجها من تعريف القرآن أو تعريف الكتاب. فهذا التعريف نوعاً ما هو قد يكون أجمع تعريف ورد للقرآن الكريم أو للكتاب: هو كلام الله المنزل على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم المراد منه الإعجاز -إخراج كلام الله منزل على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الذي لم يرد منه الإعجاز- المتعبد بتلاوته لإخراج كما قلنا الآيات المنسوخة. هذا تعريف الكتاب.
جميل، هناك بعض الأمور أيها الأحبة تحقق في علومها ما في داعي الآن نتكلم في تحقيقها، مثل تحقيق موضوع السنة بألفاظها ومعانيها من هل هي بألفاظها ومعانيها من الله أو بمعناها من الله وموضوع الحديث القدسي، هل هو بلفظه ومعنى وبمعنى؟ يحققها في علومها. لكن الآن المراد تصور عام لمفهوم الكتاب. هذه المسألة الأولى.
بعد أن نعرف الكتاب ايش قال عبد المؤمن البغدادي؟ قال: الكتاب كلام الله. قال: والقرآن. ثم ايش قال بعد كلمة وهو القرآن؟ قال: المتلو بالألسنة المكتوب في المصاحف المحفوظ في الصدور. طيب، أجلس الآن حتى أتعلق على هذا الكلام. قال: الكتاب كلام الله، كمل التعريف قل: كلام الله ونزل على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، المعجز بنفسه -يعني المراد منه الإعجاز- المتعبد بتلاوته على ما بيناه وشرحنا هذه القيود. ثم قال: وهو القرآن. هذا إشارة من عبد المؤمن البغدادي، هي إشارة خفية إلى أن هناك خلاف وقع: هل الكتاب والقرآن لمسمى واحد؟ فنقول: نعم أيها الأحبة، الكتاب والقرآن اسمان لمسمى واحد في الشريعة الإسلامية. والدليل على ذلك أن الكتاب والقرآن اسمان من مسمى واحد أنهما مترادفان في الإطلاق في الشريعة الإسلامية، قوله عز وجل في سورة الأحقاف: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَروهُ قَالُوا أَنصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَىٰ قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ * قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزِلَ مُم بَعْدِ مُوسَىٰ﴾ [الأحقاف: 29-30]. ففي البداية سماه قرآناً، فلما حضروه قالوا: أنصتوا. فلما قضي إلى قومهم منذرين قالوا: يا قومنا إنا سمعنا كتاباً. والكتاب هو القرآن الذي سمعوه، فهذه الآية أو هاتان الآيتان تدلان على أن مسمى القرآن والكتاب واحد في الشريعة الإسلامية، وأن الشريعة سمت القرآن كتاباً، وسمت الكتاب قرآناً، فلا فرق بينهما.
وهذا تنبيه أيها الأحبة أن الكتاب هو في، كما قلت لكم في مصطلح الشريعة، هو القرآن، لكن في مصطلح العلوم الأخرى إذا أطلقت كلمة الكتاب فهي لا تعني القرآن. فمثلاً عند النحاة، النحاة إذا قالوا: وذكر في الكتاب كذا وكذا. ما المراد مصطلح الكتاب عند النحاة؟ إذا أطلق النحاة الكتاب مرادهم كتاب سيبويه في علم النحو. وكذلك الأعراف الأخرى، كل عُرف قد يضع كلمة الكتاب لشيء مشهور عنده في عرفه. فعندما نقول الكتاب هو القرآن، نقول الكتاب في الشريعة، في عرف الشارع، في عرف الشريعة، هو القرآن، وليس الكتاب أينما أطلق في أي عرف هو القرآن. فهذا تفريق مهم. إذاً الكتاب في عرف الشريعة هو مرادف للقرآن. لذلك قال: وهو القرآن. والخلاف في أن هل والله هناك خلاف بين مصطلح الكتاب ومصطلح القرآن؟ خلاف ضعيف لا يلتفت إليه في الحقيقة، خلاف ضعيف لا يلتفت إليه.
ثم قال عبد المؤمن بعد ذلك: المتلو بالألسنة المكتوب في.
لاحظ المحفوظ في الصدور. إيش أراد عبد المؤمن البغدادي من هذه الجمل الثلاث أن يؤكد؟ على ماذا؟ أراد أن يؤكد على ما قلته لكم من طريقة أهل السنة والجماعة. فقال القرآن، فالكتاب كلام الله. وكلام الله الذي هو قرآن، ما هو؟ ليس المعنى القائم في النفس، بل هو الكلام الذي نتلوه بألسنتنا، ونكتبه في مصاحفنا، ونحفظه في صدورنا، هذا هو الكلام. وهذه نعم تأكيد لطريقة أهل السنة والجماعة، أن الكتاب هو الكلام، والكلام هو الذي نتلوه بألسنتنا. كلام الله ليس المعنى القائم في نفس الله، بل هو الأحرف والأصوات التي نتلوها بألسنتنا، نكتبها في مصاحفنا، ونحفظها في صدورنا. هذا هو الكلام، فهو كلام حقيقي تكلم به الرب سبحانه وتعالى على وجه يليق بجلاله وقُدسه. فلذلك أكد بهذه الجمل الثلاث أنه يعلم أن هناك من يخالف من الأصوليين فيجعل يقول: الكتاب كلام الله، ويفسر كلام الله بأنه إيش؟ المعنى القائم في النفس. فنقول لا لا لا، هيك يريد يقول لك عبد المؤمن: ليس المعنى القائم في النفس، بل هو الذي نتلوه ونحفظه ونكتبه.
ثم قال: بعد أن عرفنا إذاً تعريف الكتاب، عرفنا أنه لا فرق بين مصطلح الكتاب ومصطلح القرآن. وأكد عبد المؤمن أن مراده بالكلام وبالقرآن أنه كلام حقيقي تكلم به الرب، انطلق لتأسيس كقاعدة قال فيها قال: وهو كغيره من الكلام في أقسامه. يريد أن يقول إن ما يخضع له الكلام العربي من القوانين يوجد أيضاً في كلام الله سبحانه وتعالى. قوانين اللغة العربية الموجودة في كلام العرب الأقحاح، وفي أشعارهم ونثرهم، كذلك توجد في ماذا؟ في كلام الرب سبحانه وتعالى. لذلك قال: وهو كغيره من الكلام. يعني كلام الله من، وهو كغيره من الكلام. البعض يقول خطأً إنه مثله مثل أي كلام، لا هو معجز، كلام الله يكفي أنه كلام الله. لكن هو كغيره، حدد من أي من أي ناحية تشبيه؟ قال: وهو كغيره من الكلام في ماذا؟ في أقسامه. أن الأقسام والتقسيمات التي تدرس في الكلام العربي تدرس أيضاً في كلام الرب سبحانه وتعالى. ما هذه الأقسام التي يقصدها عبد المؤمن التي يشترك فيها كلام الله سبحانه وتعالى مع كلام المخلوقين في التقسيم إليها؟ سيذكر رحمة الله عليه ثلاث مسائل. أذهب إلى السبورة، أضع هذه المسائل إجماالاً، ثم نتكلم عن هذه المسائل واحدة واحدة، ثلاث مسائل تكلم عنها توجد في كلام العرب الأقحاح، وتوجد أيضاً في كلام الرب سبحانه وتعالى.
المسألة الأولى: مسألة تقسيم الكلام إلى الحقيقة والمجاز. المسألة الثانية: مسألة المُعرَّب. المسألة الثالثة: مسألة المحكم والمتشابه. وإن كانت هذه المسألة الثالثة في الحقيقة هي أقرب إلى أن تكون خاصة بكلام الرب سبحانه وتعالى على بعض الأقوال التي تفهم المحكم والمتشابه بمعناه العام. يعني سندرس المحكم والمتشابه، سندرس المحكم والمتشابه، وسيتضح معنا ما، طبعا المحكم والمتشابه. وبالتالي نرى: هل تقسيم الكلام إلى محكم ومتشابه خاص بكلام الرب سبحانه وتعالى أم هو موجود في كل كلام عربي؟ كلام الرب وكلام، لكن عبد المؤمن البغدادي من ظاهر تقسيمه عندما قال: وهو كغيره، وهو إيش قال في اللفظ بالضبط؟ قال: وهو كغيره من الكلام في أقسامه، فمنه قال: حقيقة ومجاز، ومنه المُعرَّب، ومنه المحكم والمتشابه. ظاهر التقسيم، هم. أكيد وفيه، فمنه حقيقة ومنه ما استعمل، وفيه محكم ومتشابه. يعني ربما تكون كلمة فيه هي المؤشر على أنه، كما قلت، إنه تقسيم المحكم والمتشابه هو لم يقصد أنه مما يوجد في كلام غير الله وفي كلام الله، بل يختص بكلام الرب سبحانه وتعالى، وفيه، بينما في المسألتين السابقتين قال: فمنه ومنه. قد يكون هذه هي الإشارة الخفية. ونحن دائماً نحلل أيها الأحبة هذا النمط، أننا نحلل، نحاول نفهم ما الذي يريده هذا الإمام في تبويباته.
طيب، نبدأ بالقسم الأول. قال: وهو كغيره من كلامه في أقسامه، فمنه. هاي كأنه هاي الفاء تفريعية. قال: فمنه حقيقة، ثم قال: ومجاز. الكلام العربي أيها الأحبة إلى حقيقة ومجاز. هذه المسألة من المسائل الشائكة في فهمها وتصورها وفي بنائها، وإن كانت أصبحت كإثبات شبه إجماعية، كإثبات تقسيم الكلام إلى حقيقة ومجاز، شبه جيد. طبعا لم تصل قطعاً للإجماع، لكنها شبه إجماعية. جماهير أهل العلم من النحاة والصرفيين وحتى علماء الشريعة يثبتون تقسيم الكلام العربي، ومنه القرآن الكريم، إلى حقيقة ومجاز. وسنذكر نحن إن شاء الله يعني الخلاف سريعا في هذه القسمة، لكن ابتداء نريد أن نفهم ما معنى أن الكلام ينقسم إلى حقيقة ومجاز. طبعا هذه دراسات لغوية، لذلك التقسيم الكلام إلى حقيقة ومجاز وبيان العلاقات المجازية والقرائن هذا يدرس في علم البلاغة ولا يدرس في علم أصول الفقه، لكن الأصوليون يشيرون إليه إشارة كون أننا كأصوليين نحتاج إلى استنباط الحكم الشرعي من نصوص القرآن والسنة. اليس كذلك؟ ونصوص القرآن والسنة ينبغي أن نفهم كيفية دلالتها على معانيها: هل تدل على المعنى حقيقة؟ هل تدل على المعنى مجاز؟ وأسلوب التعامل معها. لذلك كما قال القرافي: علم أصول الفقه في جله ينبني على علم اللغة العربية. طالب علم لا يريد يدرس علم اللغة العربية أبداً، لا نحو ولا صرف ولا بلاغة، ويريد أن يفهم أصول الفقه فهماً حقيقياً، هذا شبه مستحيل أيها الأحبة، إنه هذه التقسيمات أغلب ما نذكره هو يدرس في كما قلنا في علم النحو أو علم البلاغة أو ما شابه ذلك.
فتقسيم الكلام العربي إلى حقيقة ومجاز يهتم به البلاغيون فيقولون: ما هو الحقيقة من الكلام وما هو المجاز؟ عندما نقول هذا كلام حقيقة أو هذا لفظ الحقيقة وهذا لفظ مجاز، ما هو؟ الحقيقة أيها الأحبة هو اللفظ المستعمل فيما وضع له ابتداءً في عرف المتكلم. اللفظ المستعمل فيما وضع له ابتداءً في عرف المتكلم. والمجاز ما هو؟ هو اللفظ المستعمل في غير ما وضع له، قال على وجه يصح، هو لكن ممكن تقول أنت اللفظ المستعمل في غير ما وضع له عند المتكلم أو في عرف متكلم على وجه يصح، يعني نزيد كلمة في عرف المتكلم. دعونا نذهب إلى السبورة أيها الأحبة نبدأ بتقسيم الكلام إذاً إلى حقيقة ومجاز. قلنا: ما هي الحقيقة؟ قلنا: الحقيقة بصوا لاحظوا أنها وصف للفظ. الحقيقة: اللفظ المستعمل فيما وضع له في عرف المتكلم. جميل. يقابله المجاز. المجاز: اللفظ المستعمل في غير ما وضع له في عرف المتكلم، لكن نزيد: على وجه يصح. سنفهم ما معنى وجه يصح إن شاء الله.
الان أيها الأحبة، لن أتكلم ولن أدخل في الخلاف الشائك الذي كما يقولون طويل الذيل قليل النيل، في من واضع اللغات. لكن افهموا هذه القضية: أن هناك من وضع الألفاظ لتدل على معاني ابتداءً، الله سبحانه وتعالى أو اصطلاح، لا يهمنا تحقيق القوم، لكن هناك من وضع اللفظة ليدل على إيش؟ على معنى. جميل؟ فلفظة الأسد لما وضعت بغض النظر من الذي وضعها؟ إيش المعنى الذي أريد به الدلالة عليه؟ قل لفظة الأسد وضعت لتدل على معنى الحيوان المفترس المشهور. طيب، الحصان لفظ وضع ليدل على الحيوان الذي يُسهل. الإنسان لفظ وضع ليدل على الحيوان الذي فيه حياة، مش مصاب بهذي، الحيوان المفكر. إذاً هذه ألفاظ وقعت لمعاني. أنا كمتكلم عندي ثلاثة احتمالات، يقولون الآن هيك علماء الشريعة يقسمون، بل حتى علماء البلاغة يقولون: عندنا ثلاثة أعراف. عندنا عرف لغوي، عرف أهل اللغة، وهذا هو الأصل. وعندنا عرف الشرع. وعندنا عرف الناس، وعرف الناس إما عرف عام أو عرف خاص. جميل.
عندنا الآن ثلاثة بيئات زي ما نحكي للمتكلم. ثلاث بيئات للمتكلم. الشخص الذي يتكلم بكلام، إما يكون من أهل اللغة، وإما أن يكون من أهل الشرع، وإما أن يكون من أهل العرف، من أهل الناس، من عوام الناس زي ما نقول. وعوام الناس إلهم عرف عام يعم المجتمعات والشعوب، وعرف خاص بكل حرفة. جميل؟ الآن أيها الأحبة، الأصل، أو الأصل في الأعراف أيها، هل هو العرف اللغوي ولا الشرعي ولا العام؟ الأصل العرف اللغوي، لأنه الألفاظ وضعت ابتداءً لغة لتدل على معنى صحيح. فلفظة أسد في عرف أهل اللغة وضعت لتدل على ماذا؟ على الحيوان المفترس. جميل. طيب لفظة الصلاة في عرف أهل اللغة وضعت لماذا؟ في عرف أهل اللغة لما وضعت لغة عند علماء اللغة والعرب الأقحاح الأقحاح؟ وضعت لماذا؟ لأي معنى؟ الصلاة وضعت لتدل على معنى الدعاء فقط. طيب الصيام في عرف أهل اللغة وضع ليدل على أي معنى؟ ليدل على معنى الإمساك. طب من أين أخذ عرف أهل اللغة؟ من المعاجم اللغوية. يعني أنت تذهب إلى القاموس المحيط، تذهب إلى كتاب العين، نفرين، تذهب إلى أي معجم لغة، تفتح فتنظر هذه الكلمة في عرف العرب وضعت لأي معنى؟ وضعت لكذا. وهذه فكرة المعاجم أنها تأتي بكل الألفاظ وأشهر الألفاظ التي يتداولها الناس، تبين لنا معانيها. هذه معانيها باعتبار أي عرف أيها الأحبة؟ عرف أهل اللغة. جميل.
الان الشريعة الإسلامية جاءت للألفاظ التي وضعها أهل اللغة لمعان، واستخدموا هذه الألفاظ في معاني جديدة. نقلوها من المعاني التي وضعت لها لغة إلى معان جديدة في عرف الشريعة الإسلامية. إيش مثلاً؟ الصلاة. قلنا الصلاة عند اللغويين إيش هي؟ في عرف العرب: الدعاء. جاءت الشريعة الإسلامية فأعطت لفظ الصلاة معنى آخر. إيش هو؟ الصلاة اللي أعطتها معنى آخر جديد، وهي العبادة المعروفة المبتدَأة بالتكبير والمختتَمة بالتسليم. صح؟ هذه هي الصلاة عند علماء الشريعة. فلاحظوا كيف كلمة الصلاة وضعت ابتداءً في عرف أهل اللغة للدلالة على الدعاء، ثم جاءت الشريعة نقلت كلمة الصلاة من ذاك الوضع وأعطتها معنى جديد، واستخدمتها في غير ما وضعت له عند العرب، استخدمتها بمعنى عبادة مخصوصة مبتدأة بالتكبير مختتَمة بالتسليم. صح؟
الآن أيها الأحبة، إذا كان عندنا واحد من من العرب الأقحاح جالس معنا فقال لك: صلي الآن. هذا عربي، وكلمة الصلاة عند العرب وضعت لتدل على ماذا؟ على الدعاء. فاذا قال لك هذا العربي من الناس، اعتبروا امرؤ القيس كان معنا جالس وقال: صلي. إيش معنى صلي عنده إذا استخدم كلمة صل بالموضوع لها عند العرب وهو الدعاء؟ نقول: امرؤ القيس استخدم كلمة الصلاة أو صلي بالمعنى الموضوعنا عند العرب، وهو معنى إيش؟ الدعاء. فإذا قال لك صلي وقصد الدعاء، نقول: هذا الشخص استخدم اللفظة في المعنى التي وضعت له عند العرب. فنقول إذاً هذه اللفظة، وهي صلي أو الصلاة، مستعملة فيما وضعت لها في عرف المتكلم. الآن المتكلم رجل من أهل العربية، رجل من العرب الأقحاح، فاستخدم كلمة الصلاة في فيما وضعت له في عرفه، وهي الدعاء، فنقول إذاً كلمة الصلاة في كلام فلان الفلاني استعملت فيما وضعت له في عرف المتكلم فهي حقيقة.
طيب، لو جاء عندنا رجل أيها الأحبة من العرب الأقحاح نفس الإشي، رجل عربي من العرب الأقحاح، الصحابة عرب أقحاح، فاستخدم في كلامه كلمة الصلاة، لكن لما استخدم كلمة الصلاة لم يرد المعنى الذي وضعت له هذه الكلمة عند العرب الأقحاح وهو الدعاء، أراد بالصلاة ها هنا الصلاة الشرعية بالمفهوم الشرعي، وهي الصلاة المبتدَأة بالتكبير والمختتَمة بالتسليم. فلو قال لك: هل صليت صلاة اليوم يا شيخ فلان الفلاني؟ فقال: نعم. الآن كلمة صلاة هنا في ماذا استخدمها المتكلم؟ في غير ما وضعت له، لم يستخدمها بمعنى الدعاء، استخدمها بمعنى الصلاة المبتدأ بالتكبير المبتدأ بالتسليم. فنقول: كلمة صلاة في هذه الجملة لفظ استعمل في غير ما وضع له، لفظ استعمل في غير ما وضع له فليست حقيقة، فليست حقيقة بل هي مجاز. جميل.
طيب، نأخذ مثال آخر: كلمة دابة أيها الأحبة. كلمة دابة لما وضعتها العرب وضعتها لأيش؟ إيش المعنى الذي تدل عليه؟ عند العرب الأقحاح كلمة دابة أول ما وضعت أول ما وضعت، وضعت لكل ما يدب ويسير على الأرض، سواء كان يزحف أو يسير على رجلين أو يسير على أربع، فهذا هو المعنى الحقيقي الذي وضعت له. جميل. فإذا قال العربي كان عربي من عرب الأقحاح فقال: رأيت دابة. فنقول إذاً: الدابة ما هي؟ قصد بها ما شيء يدب على الأرض، المعنى اللغوي الذي وضعت له الكلمة ابتداءً، فنقول: هذه الكلمة استعملت فيما وضعت له. طيب في عرف الناس الآن، في عرفنا أيها الأحبة، أصبحت كلمة دابة تطلق على ماذا؟ أصبحت كلمة الدابة في عرف الناس تطلق على ما يسير على أربعة أرجل، فنقلت من المعنى الذي وضعت له عند العرب ابتداءً واستخدمت في معنى آخر أخص. عند العرب الدابة إيش هي؟ كل ما يدب على الأرض، يمشي على رجلين، يمشي على أربع، يزحف زحف، كله يسمى دابة. لكن في العرف، مع كثرة العرف واستعمال الناس في المجتمعات، أصبحت كلمة دابة تطلق في عرف الناس على ما يسير على أربعة أعضاء. فإذا كان رجل من أهل العرف من أهل العوام الناس يقول: رأيت دابة. هو ليس من العرب الأقحاح اللي بيستخدم كلمة دابة على معناها الحقيقي ويقصد ماية الدابة رأيت حيواناً يسير على أربعة أعضاء. فنقول أيها الأحبة: كلمة دابة هنا استعملت في غير ما وضع له عند العرب، صح؟ إن وضعت عند العرب لأيش؟ لكل ما يدب. إذا استخدمها الرجل وقصد بها كما يمشي على أربع، إذاً هو استخدمها في غير ما وضع له عند العرب.
إذاً الحقيقة هي: اللفظ المستعمل فيما وضع له في عرف المتكلم. طب ليش يا شيخ ما قلت: اللفظ المستعمل فيما وضع له في عرف العرب؟ لماذا قلت: في عرف المتكلم؟ اهونا قسمي بدي اياكم تفهموه أيها الأحبة. يقولون
أما كلمة الصلاة، فلو طبقنا عليها وفهمنا معناها: إن كلمة الصلاة وضعتها العرب لأي شيء؟ للدعاء. فإذا استخدمها العربي في غير الدعاء، استخدمها بمعنى الصلاة الشرعية أو بمعنى آخر جديد، فنقول: استخدام العربي لكلمة الصلاة في غير الدعاء هذا مجاز، واستخدامه لكلمة الصلاة في الدعاء هذا حقيقة. ليش؟ لأنه إذا استخدم كلمة الصلاة بمعنى الدعاء ينطبق عليه أنه لفظ مستعمل فيما وضع في عرف المتكلم؛ أنا كعربي في عرفي الصلاة بمعنى الدعاء، فإذا أطلقت الصلاة وأردت الدعاء أنا استخدمت اللفظة فيما وضعت له في عرفي.
الآن في عرف علماء الشريعة أصبحت الصلاة تطلق ويراد بها ايش؟ العبادة المخصوصة، أليس كذلك؟ جميل. الآن إذا جاءنا فقيه معاصر فقال: صلِ صلاة، جميل، الآن أنا الغالب على الذهن المتبادر إلى ذهني أصبح أنه يقصد بايش تصلي صلاة؛ العبادة المخصوصة. ففي عرف المتشرعة، في عرف علماء الشريعة، إذا أطلقت الصلاة فالمعنى الحقيقي لها أصبح معنى جديداً وهو ماذا؟ العبادة المخصوصة. فإذا فقيه قال: صلِ صلاة، فنقول: الصلاة هنا بمعنى العبادة المخصوصة؛ هذا استعمال حقيقي للصلاة في عرف المتكلم، لأن المتكلم هنا مين؟ عالم شريعة. وبالتالي انتبهوا على هاي القضية حتى تفهموها. إذا كان عالم شريعة فقيه قال الصلاة وأراد بها الدعاء الذي هو المعنى اللغوي، نقول: إطلاق الصلاة بمعنى الدعاء مجاز في عرف علماء الشريعة. لاحظوا كيف التقاسيم الآن تتداخل لحتى أوضح لك الصورة؛ نقول: سأطبق فقط على الصلاة، نقول الصلاة.. ذهب.. نقول: الصلاة لغة الدعاء، أو نقول: حقيقة.. نشغل لغة عذراً، حقيقة الدعاء، مجازاً العبادة المخصوصة. هذا في عرف المتكلم إذا كان المتكلم من أهل ايش؟ اللغة.
طيب، إذا كان المتكلم من أهل الشرع، التقسيم يختلف؛ بنقول: الصلاة حقيقة ايش العبادة، ومجازاً الدعاء. أنتبهتوا كيف الأمر اختلف تماماً؟ طيب، بنيجي لأهل العرف؛ العرف، الناس.. آه، بنشوف الناس.. كلمة غير السدادة وانه مثلاً مثلاً خلينا نطبق عالصلاة بس جدلا لو كان الناس في أعرافهم أصبحوا يطلقون الصلاة على ايش مثلاً هيك إشي جدلي؟ أصبحوا يطلقون الصلاة مثلاً على احتفال، على احتفال. يوم بيحتفلون فيه سموا هذا اليوم يوم الصلاة، الصلاة يقصد بها الاحتفال. فجائنا شخص فقال -هل حضرتم الرجل من العوام؟- فقال: هل حضرتم الصلاة؟ الآن أهل العرف إذا أطلقوا الصلاة، عرف الناس إذا أطلقوا الصلاة في الميدان، المعنى المتبادر إلى ذهنهم ايش؟ الاحتفال، بناء على المثال الذي مثلناه، فأصبح القديم هذا سيء جاء تماماً. فنقول: الصلاة حقيقة في عرف الناس في ماذا؟ في الاحتفال، ومجاز في الدعاء وفي الصلاة أو في العبادة المعروفة وفي العبادة المعروفة المعهودة. إذاً، لاحظوا أيها الأحبة، أنه عنا في الحقيقة ليس عرف واحد؛ عنا عرف العربية، وعنا عرف علماء الشريعة، وعنا عرف عوام الناس، وكل عرف له حقيقته وله مجازه.
الحقيقة باختصار هي المعنى الذي يتبادر إلى الذهن من اللفظ، والمجاز هو المعنى الذي لا يتبادر إلى الذهن من اللفظ إلا عند وجود القرينة. فأهل اللغة.. عرف أهل اللغة كما قلنا هو الأصل في جميع الأعراف، يعني هو قبل عرف الشارع وقبل عرف عوام الناس هو الأصل، لكن بسبب طبيعة الحياة أصبح عندنا ثلاثة أعراف: عنا عرف أهل اللغة، وعنا عرف الشريعة، وعنا عرف.. وكل عرف له حقيقته وله مجازه. ايش حقيقته؟ حقيقته اللفظ لما يطلق عندهم، ما هو المعنى المتبادر إلى الذهن؟ هذا هو الحقيقة عندهم، والمجاز هو المعنى الذي لا يتبادر إلى أذهانهم حين سماع اللفظ إلا إذا وجدت قرينة، وإذا لم توجد لا.. إلى أذهانهم.
فلاحظوا أن كلمة الصلاة عند أهل اللغة حقيقتها الدعاء ومجازها ايش؟ العبادة. فإذا جاء رجل لغوي فأطلق الصلاة بمعنى العبادة، نقول ايش نقول؟ نقول: هذا اللغوي استعمل الصلاة بالمعنى المجازي عند العرب. طيب، إذا دخلنا إلى العرف الثاني: عرف علماء الشريعة، بالنسبة لعرف علماء الشريعة الصلاة حقيقة في ايش؟ في العبادة المخصوصة أنه هي المتبادرة إلى الذهن إذا أطلقت الصلاة عندهم، فإذا جاء رجل فقيه فأطلق الصلاة بمعنى الدعاء، نقول: هذا الفقيه استخدم الصلاة بالمعنى المجازي في عرف الشرع، وإن كان الدعاء هو المعنى الحقيقي في عرف اللغة، يعني.. ما عليكم هذا وهذا، نقول: هذا الفقيه أنت فقيه إذاً عرفك شرعي، فلما تستخدم الصلاة بدك تستخدمها بالمعنى المتبادل إلى الذهن عندكم وهو المخصوصة، إذا استخدمتها بالمعنى غير المتبادر وهو الدعاء نقول: هذا مجاز في عرف الشريعة بهذا التقييد.
ونأتي مثل عرف الناس، قلنا: الناس في عرف أصله يطلق الصلاة على الاحتفال مثلاً، فإذا كان رجل من عوام المسلمين أطلق الصلاة بمعنى الاحتفال، نقول: أطلق الصلاة بالمعنى الحقيقي في عرفه، وإذا أطلق هذا العامي الصلاة بمعنى الدعاء أو بمعنى العبادة المخصوصة، نقول: هذا استعمال مجازي أي في عرف الناس، مثل الدابة؛ تصور أن واحد من العوام استخدم الدابة، قال: أردت بالدابة ما يدب على أي شيء وليس على أربعة فقط، نقول: أنت أيها العامي تطلق الدابة على ما يدب على وجه الأرض على أي وجه كان، هذا الإطلاق مجازي في حقك في حق عرف الناس وإن كان هو الحقيقي في عرف أهل اللغة.
فإذاً، عليك أن تعرف يا طالب العلم أن الأعراف ثلاثة، هذه الخلاصة: عندنا عرف اللغة، وعندنا عرف الشرع، وعندنا عرف الناس. طبعا عرف الناس أنا قسمته إلى عرف عام وخاص؛ عرف عام: عرف جميع الناس في جميع الأقطار أو مثلاً الشعب هذا كامل عنده متعارف عليه أن هذه الكلمة بهذا المعنى أصبحت، عرف خاص: هذا يطلق على مثلاً أصحاب الحرف، فمثلاً إخواننا المقاولين عندهم عرف خاص، بستخدموا كلمات معينة في مصطلح اه خاص عندهم تدل على معنى خاص عندهم، مثلاً مش عندهم الخنزيرة وعندهم هذه الكلمات؟ ايش يقصدون بهذه الألفاظ؟ لها معانٍ ومدلولات خاصة في عرفهم. روح على إخواننا مثلاً.. يستخدمون هذه لهم ألفاظ خاصة في صناعتهم يستخدمون لها معاني خاصة، نروح على إخواننا النجارين الحدادين، روح على المعلمين على المهندسين نجد كل حرفة خاصة لها ألفاظ تستخدمها للدلالة على معاني خاصة بحرفتها، فهذا يسمى عرف خاص؛ عرف خاص كل حرفة بحرفتها، عرف عام يعم جميع الناس مهما اختلفت حرفهم وأحوالهم وأيامهم وأزمانهم.
طيب، فالحقيقة إذاً.. الحقيقة الآن تعلمت معلومة جديدة ليست فقط اه في عرف واحد توجد، بل هناك حقيقة لغوية، وهناك حقيقة شرعية، وهناك حقيقة عرفية، وفي المقابل ما عنديش مجاز واحد، عندي ثلاث أنواع من المجازات: عندي مجاز لغة، وعندي مجاز شرعي، وعندي مجاز عرفي. طيب، هذا ايش اللي بحدده إذاً يا شيخ؟ انعجني هيك، ايش اللي بحدده؟ بحدده أنك تعرف من هو المتكلم؛ هذا المتكلم رجل من العرب الأقحاح؟ أو المتكلم رجل من متفقهة الشريعة؟ أو المتكلم رجل من عوام الناس؟ هو الذي سيحدد، إذا عرفت أنت المتكلم ايش طبيعته ستحدد اللفظة اللي استخدمها، هل استخدمها بالمعنى الحقيقي في عرفه أو بالمعنى المجازي في عرفه، صحيح؟
لذلك قلت لكم: الحقيقة هي اللفظ المستعمل فيما وضع له في عرف من؟ المتكلم. فأنت هذه عليك أن تتقنها؛ تحدد أولاً من هو المتكلم، هل هو لغوي أو شرعي أو عرفي؟ إن كان لغوي خلاص بعرف إذاً ما هي الحقيقة عنده، ما هو المجاز عنده. إذا كان شرعي الأمور ستختلف، عنده حقيقة جديدة ومجاز جديد خاص به. إذا كان عامي له حقيقيته ومجازه الخاص به. فلذلك الحقيقة ليست شيء واحد والمجاز ليس شيء واحد، بل حسب عرف المتكلم، وضحت؟
نأتي إلى المجاز؛ خلص المجاز يقابل الحقيقة، المجاز اللفظ المستعمل في غير ما وضع له في عرف المتكلم، لكن قال في النهاية عبد المؤمن: على وجه يصح. ايش يعني على وجه يصح؟ سندرس إن شاء الله عندما ندرس البلاغة أن أي مجاز شرطه أو له شرطان: أولاً، وجود علاقة بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي. ثانياً، وجود قرينة تمنع إرادة المعنى الحقيقي. أي مجاز له شرطان: وجود علاقة بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي، واثنين: وجود قرينة في كلام تمنع إرادة المعنى الحقيقي، لأنه أيها الأحبة لما اللفظ تستخدم في غير ما توضع له في الحقيقة من تتبع كلام العرب اه، لما ينقل اللفظ من معناه الحقيقي لمعناه المجازي يبقى المعنى المجازي له ارتباط بنوع ارتباط بالمعنى.
فمثلاً لما كانت الصلاة الآن الصلاة عند.. في عرف اللغة حقيقة بمعنى ايش؟ الدعاء، مجاز عند اللغويين بمعنى العبادة الشرعية. الآن إطلاق الصلاة أو نقلها من الصلاة بمعنى الدعاء واستخدامها بالمعنى المجازي العبادة الشرعية لابد وجود هناك علاقة بين هذه العبادة الشرعية وبين مفهوم الدعاء، صح؟ الآن هل هم أطلقوا الصلاة على الصيام المعروف مثلاً الذي يبدأ من طلوع الشمس إلى الغروب؟ لأ، أطلقوا الصلاة على عبادة معينة؛ العبادة التي تبتدئ بالتكبير وتختتم بالتسليم. لماذا أطلقوها على هذه العبادة بحد ذاتها؟ لأنه هذه العبادة في أغلبها سجوداً وركوعاً وقياماً وجلوساً فيها دعاء، فيها ايش؟ دعاء، فلما كان الدعاء جزء كبير من هذه العبادة صح إطلاق مصطلح الدعاء على هذه العبادة مباشرة، فهذه تسمى علاقة الجزئية والكلية؛ أن الدعاء جزء من الصلاة.
الآن آآ الدابة مثلاً نيجي على مثال آخر: الدابة عند اللغويين ايش هي؟ كل ما يدب على الأرض. فإذا اللغوي أطلق الدابة على ما يسير على أربعة هذا إطلاق مجازي عنده، صح؟ طيب كيف انتقل.. يعني هل انتقال مفهوم مصطلح الدابة مما يدب على الأرض مطلقاً إلى ما يسير فقط على أربعة، لا يوجد هناك علاقة بين المعنى الحقيقي والمجازي ولا يوجد هناك علاقة؟ يوجد، لأنكم ملاحظين أن المعنى الحقيقي لكلمة دابة كل ما يدب على.. اثنين، على واحد، على أربعة. المعنى المجازي خصص فقط الدابة فيما يدب على أربعة. إذاً، المعنى المجازي هو ماذا؟ هو فرد من أفراد المعنى الحقيقي، فهي أيضاً من إطلاق.. من علاقة الجزئية والكلية، أليس كذلك؟ فالمعنى الحقيقي.. المجازي هو فرد من أفراد المعنى الحقيقي.
طيب، نأتي لكلمة الغائط؛ الغائط في لغة العرب ما هو؟ عند العرب الغائط هو المكان المطمئن المستتر من الأرض. طيب الآن في عرف الناس أصبح يطلق الغائط على الخارج القذر من الإنسان. كيف أنت الآن كلمة الغائط عند العرب حقيقة المكان المطمئن المستتر؟ كيف انتقلت لتستعمل مجازاً في الخارج من الإنسان؟ لابد من وجود علاقة بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي، ايش هي العلاقة؟ حتى تفهم طريقة العرب؛ العرب عادة إذا راحت إلى.. أين كانت تقضي حاجتها؟ رجل يتبرز يخرج إلى الأماكن المطمئنة المستترة من الأرض لكي.. هي تسمى غائط يذهب يتبرز هناك، فلما كان الناس في عادتهم يذهبون الأماكن المطمئنة المستترة لقضاء حوائجهم، نقلوا اسم الغائط من المكان المطمئن وأصبحوا يطلقونه على نفس الخارج من الإنسان. طب ايش هي العلاقة؟ بيسموها علاقة المجاورة؛ التجاور بين هذا المكان وبين الواقع فيه مما يخرج.
طبعاً العلاقات أيها الأحبة كثيرة جداً، تصل عند البلاغيين إلى خمسة وعشرين علاقة. هناك علاقة المشابهة عندما يطلق مثلاً الناس في أعرافنا مش يطلقون الأسد على الرجل الشجاع؟ إطلاق الأسد على الرجل الشجاع، ايش علاقته؟ المشابهة؛ أن هذا الأسد أهم صفاته الشجاعة وهذا رجل شجاع، فنقلت اسم الأسد من المعنى الحقيقي اللي هو الحيوان المفترس وأطلقته واستخدمته بمعنى الرجل الشجاع بالعلاقة وهي علاقة مشابهة في صفة الشجاعة. إذاً العلاقات كثيرة أيها الأحبة تدرس في علم البلاغة، تصل إلى خمسة وعشرين علاقة، تبين لنا أن استخدام اللفظة بمعنى مجازي على خلاف ما وضعت له ابتداء يحتاج إلى علاقة تربط هذا المعنى المجازي بالمعنى الحقيقي، وهذه الفلسفة التي نحن أصلناها.
لماذا مثلاً أي علماء في أي علم لما يأتوا لتعريف معنى يقولون هذا المعنى له.. عفواً أي مصطلح يقولونه: هذا المصطلح لغة كذا وفي.. واصطلاحاً كذا. يعني أنا مثلاً مش.. فنحن في أصول الفقه قلنا: الفقه لغة الفهم واصطلاحاً العلم بالأحكام الشرعية. طب ليش نقول لغة واصطلاحاً؟ اصطلاحاً يعني ايش؟ في عرف علماء الشريعة هذا معنى الاصطلاح، يعني في عرف علماء الشريعة الفقه كذا، وفي عرف اللغويين الفقه كذا. فإذا أطلقنا الفقه نحن الآن كعلماء شريعة الآن هذا تطبيق؛ هل أنت الآن تدرس علم أصول الفقه فقلت لك يا شيخ: عليك بالفقه؟ أنا الآن طالب علم شرعي، أليس كذلك؟ فاتكلم معك فأقول لك: عليك بالفقه، أنت ايش المعنى ناظر إلى ذهنك؟ اه.. يعني علي أني أدرس كتاب فقهي، هذا هو المعنى الحقيقي لكلمة الفقه في عرف المتشرعين. إذا أنا قلت لك: عليك بالفقه وأردت الفهم، هذا المعنى مجازي في.. في عرفنا أنا وياك، صح؟ مجازي في عرفنا أنا وياك. لكن لو كنا أنا وياك من العرب الأقحاح، عربي أقحاح، وقلت لك: عليك بالفقه، ايش المعنى المتبادل لذهنك كعربي؟ الفهم. فإذاً أنا وياك كعربيين لسنا متشرعين، قلت لك: عليك بالفقه وأردت المعنى الشرعي، هنا أصبح هذا مجاز في عرفنا، عرف اللغويين.
وعلى ذلك فكِسْ، لاحظ أن إطلاق الفقه مثلاً نأتي إلى الآن إلى عرف اللغويين؛ عند.. عند اللغويين الفقه لغة ما هو؟ الفهم. والفقه مجازاً هو العلم بالأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية، يعني اللي هو فهم الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية. لاحظوا أن الفقه في.. مجازاً أخص من الفقه لغة؛ الفقه لغة ومطلق الفهم، أي فهم فهم لحكم شرعي، فهم.. لا تهمني صفات فاهم، أي شيء يسمى فقهاً. لكن في المجاز أصبح الفقه هو فهم معين؛ فهم لأحكام شرعية، فخصصنا المعنى المجازي. فإذاً لاحظوا احنا ما اخذنا الفقه وضعناه لنوع من أنواع الأطعمة سميناه.. وضع التفاح فقه، لأنه لا علاقة هنا يصبح.
بين المعنى المجازي وبين المعنى الحقيقي لابد من وجود علاقة، أي علاقة بالشكل أو ظاهر وصف، يرعى أو باعتبار ما يكون قطعا أو غالبا، نقصي والمسبب، والكلي إلى جزئه، والسبب والمتعلق، وعكس الخمسة والضد، والجوار، ثم الآلة. يعني هذه كلها جمعها السيوطي في الكوكب الساطع لأنواع العلاقات: علاقة ضدية، علاقة السببية، علاقة المسببية، علاقة باعتبار ما يؤول. مثلا أعطيك مثالا آخر في سورة يوسف عليه السلام، أنا أحاول أمثلة كثير حتى الطالب شوي شوي تبدأ تتكشف عنده الأمور. عندما نقول: إني أراني أعصر خمرا. الفتى الذي خاطب يوسف في السجن قال: إني أراني أعصر خمرا. الخمر في عرف اللغة، إيش هو؟ الخمر هو الشراب المسكر، وهو لا يعصر، فكيف رأى نفسه يعصر خمرا؟ نقول هنا أطلق الخمر ولم تستخدم في المعنى الحقيقي التي وضعت له، بل هنا الخمر مجاز؛ لأنه الخمر في اللغة حقيقة الشراب المسكر، وهنا أراد بالخمر العنب العصير قبل أن يصبح مسكرا. كيف طيب أطلقنا الخمر على عصير العنب قبل أن يسكر؟ نقول: إطلاق الخمر على عصير العنب قبل أن يسكر إطلاق مجازي. جميل.
ولابد من وجود علاقة بين المعنى المجازي والمعنى الحقيقي لكلمة خمر؛ المعنى الحقيقي الشراب المسكر، المجازي العصير قبل أن يسكر. إيش العلاقة بينهم؟ إنه هذا العصير مآله أن يصبح مسكرا، عصير العنب قبل أن يسكر مآله مع العصر أن يصبح ماذا؟ مسكرا. فاطلاق الخمر عليه باعتبار ما سيؤول إليه، أطلقنا الخمر على عصير العنب باعتبار ما سيؤول إليه، هذه هي العلاقة باعتبار أنه سيصير خمرا فجاز إطلاق الخمر عليه. فالمهم أنا حاولت أوضح لك إيش معنى وجود علاقة بين المعنى الحقيقي والمجازي.
ثانيا، الشرط الثاني: لابد من وجود قرينة تمنع من إرادة المعنى الحقيقي حتى ما يحدث التباس في الفهم، أليس كذلك؟ إن قلت لك: رأيت أسدا، أنت الآن كعربي إيش ستفهم؟ أنك رأيت إيش؟ حيوان مفترس. لو قلت لك: لا يا شيخ، لماذا فهمت الجملة هكذا؟ ستقول أنت قلت رأيت أسدا والأسد المتبادر إلى الذهن الحيوان المفترس، هذا المعنى الحقيقي. يقول لك: لا أنا أقصيد رأيت رجلا شجاعا، ما قصدت الحيوان الحقيقي، أردت المعنى المجازي لكلمة أسد. سأقول لك: لا يصلح، لم تأتي بقرينة تمنع من إرادة المعنى الحقيقي وتدل على إرادة المعنى المجازي. لو قلت لي: رأيت أسدا يخطب الجمعة، جملة يخطب الجمعة هي التي دلتني على أنك أردت بالأسد هنا المعنى المجازي وليس الحقيقي. فأي مجاز أيها الأحبة لابد من وجود قرينة تمنع من إرادة المعنى الحقيقي معه، والا سيختلط الكلام ما عادنا نفهم هذا الرجل أراد بالكلمة المعنى الحقيقي ولا المجازي. فالاصل أن يحمل الكلام على معناه الحقيقي حتى تأتي قرينة تصرف إلى المعنى المجازي.
الآن في الآية: إني أراني أعصر خمرا، إن الأصل أن تقول يعني رأى نفسه يعصر شرابا مسكرا. ليش يا شيخ حولت الخمر من معناها الحقيقي للمعنى المجازي؟ أقول في قرينة، إيش هي القرينة؟ كلمة أعصر، أنه الخمر الحقيقي بمعنى الحقيقي لا يعصر، يشرب فقط مباشرة. الذي يعصر هو العنب قبل أن يصبح خمرا، فكلمة أعصر دلتني على أنه أراد بالخمر ليس المعنى الحقيقي وإنما المعنى المجازي. وعلى ذلك فقس. لو قلنا الآن نحن متفقهة، جميل متفقهة، فقال لك رجل أو الشيخ قال لك: اذهب فصلي صلاة. فأنت رح قل الله أكبر وبدأت تصلي، فالشيخ أنكر عليك قال لك: يا فلان إيش تصلي للصلاة؟ فقلت له الطالب قال لشيخه: أنت قلت لي صل صلاة والصلاة في المتبادر في ديننا كمتشرعة إيش هي؟ معناها الحقيقي في عرفنا العبادة المخصوصة المبتدأة بالتكبير والمختتمة بالتسليم، أنا ما خالفتك. فالشيخ قال لتلميذه: لا أنا قصدت أن أدعو، ما قلت لك صلي صلاة روح صلي، قصدي الدعاء. قلت له: يا شيخ أنت لم تأتي بقرينة تدلل على مقصدك، فأنأ أحملها على المعنى الحقيقي في عرفنا وهي الصلاة المخصوصة. لو قلت: صل صلاة من غير وضوء، اه هنا هذه أحجية أصبحت، الشيخ الذي يصلي صلاة من غير وضوء إذا هو ما يقصد الدعاء، لماذا؟ كلمة من غير وضوء دلتني على أنه لم يرد بمعناها الحقيقي في عرف المتشرعة؛ لأن الصلاة في عرف متشرع حقيقة تحتاج إلى وضوء، فلما قال من غير وضوء أدركت أنه يريد الصلاة بالمعنى المجازي في فقه في عرف متشرع وهو الدعاء.
هو أسلوب اللغة العربية في الحقيقة، صعب أني أشرع بكل تفاصيل المجاز والحقيقة وأقسامه وعلاقاته، وهذا في علم اللغة العربية لدروس كاملة، لكن أنا حاولت أني ألملم هذا الموضوع بقدر الإمكان. فاختصارا أيها الأحبة: الحقيقة هي اللفظ المستعمل فيما وضع له في عرف من؟ مش في عرف العرب، في عرف المتكلم، وإن كان البعض يقول في عرف العرب، لكن هذه في المصنفات اللغوية؛ لأنه اللغويين لما بتكلموا بتكلموا أنه الأصل عرف العرب وكل الأعراف الأخرى عندهم مجازية، صح؟ هذا في كتب اللغة يقولون: اللفظ المستعمل فيما وضع له في عرف العرب؛ لأن هو لغوي فبيبحث قاعد أنه عرفه هو اللغوي هو الأصل وغيره من الأعراف طارئة، ونحن نقر أن العرف الشرعي والعرف العامي طارئ على العرف اللغوي، فالعربي يقول: اللفظ المستعمل في غير ما وضع في عرف العرب، هيك كلامه صح؛ لأنه هو عربي.
لكن أنا الآن كطالب علم شريعة لا، بدي أوسع مفهوم الحقيقة وأبيّن أن الحقيقة ليس لها عرف واحد فقط هو عرف اللغويين، بل هناك عرف لغوي وعندي عرف شرعي وعندي عرف عامي، وبهمني هذا الأمر أنا كطالب علم شريعة بيهمني أني أعرف أن هناك ثلاث أعراف للحقيقة؛ ليه؟ لأنه اللفظة إذا استعملت في القرآن الكريم فإننا نحملها على الحقيقة الشرعية وليس على الحقيقة اللغوية حتى تأتي قرينة تمنع من معنى الشرعي إلى المعنى اللغوي. هذه مسألة أصولية مهمة وفيها خلاف ترى بين المذاهب: أنه جاءت لفظة في القرآن الكريم أو في السنة وهذه اللفظة لها معنى حقيقي عند العرب ولها معنى حقيقي آخر عند الشرعيين ولها معنى حقيقي عند الأيش؟ في عرف الناس. طبعا أصبح الأمر عندك واضح، أي معنى حقيقي عند العرب هو بالنسبة للشرع معنى وبالنسبة للعامة معنى مجازي صح؟ أي معنى حقيقي عند العرب هو بالنسبة للشرعي بيكون ايش مجازي.
الان مثلا الصلاة عند العرب حقيقة في ايش؟ في الدعاء، صح؟ بالنسبة للشرعي اللي وضع للصلاة حقيقة جديدة عنده الآن الشريعة لو ما وضعت للفظة العربية معنى حقيقي جديد خلص يبقى عرف الشريعة هو عرف اللغة. لكن نتكلم عن الألفاظ اللي جاءت الشريعة وضعت لها حقيقة جديدة، فالآن أي حقيقة لغوية هي بالنسبة للفقيه الشرعي مجاز شرعي وبالنسبة للعامي مجاز، والعكس: أي حقيقة شرعية هي بالنسبة لعالم اللغة ايش مجاز لغوي. فأنتم لاحظتم العلاقة أيها الأحبة، انظروا إلى السبورة: الحقيقة اللغوية هي مجاز بالنسبة للشريعة ومجاز بالنسبة للعرف، والمجاز اللغوي قد يكون حقيقة شرعية أو قد يكون المجاز اللغوي حقيقة عرفية، فالأمور متداخلة.
لاحظوا يعني انظر هذا التقسيم الأخير: الحقيقة اللغوية يقابلها ماذا؟ يقابلها مجاز شرعي أو مجاز لغوي أو عفوا مجاز عرفي. والعرف الثاني الحقيقة الشرعية يقابلها مجاز لغوي أو مجاز عرفي. والحقيقة العرفية سواء كان عرف عام أو خاص ما راح أناقش الآن، يقابلها مجاز لغوي أو مجاز شرعي. هاي القسمة النهائية. كيف يعني؟ بس أذكر مثال كل وحدة: الحقيقة اللغوية نبدأ مثلا الصلاة نطبق عليها، حقيقة لغوية ايش؟ الدعاء، صح، فاستخدامها بمعنى العبادة المخصوصة هذا مجاز، وهذا المجاز هو ايش؟ حقيقة عند علماء الشريعة. واستخدام الصلاة بمعنى الاحتفال هذا أيضا مجاز، صح؟ لكنه بالنسبة للعرف حقيقة، ممتاز.
طيب الصلاة هنا بمعنى ايش الحقيقة الشرعية لها الآن؟ الصلاة إيش حقيقة الشرعية؟ العبادة المخصوصة. استخدام الصلاة بمعنى الدعاء هذا مجاز مجاز وبالنسبة للغة، عفوا بدي مجاز بالنسبة للصلاة لكنهم حقيقة بالنسبة للغة. واستخدام الصلاة بمعنى الاحتفال مجاز بالنسبة للشريعة ولكنه حقيقة بالنسبة للعرف. ونفس الإشي الحقيقة العرفية للصلاة في المثال الذي مثلنا به الاحتفال، جميل، إذا استخدمناها خلص حقيقة عرفية. إذا استخدمت الصلاة أنا كعرفي كعامي في معنى الدعاء نقول هذا مجاز وهو الحقيقة اللغوية، أو استخدمت الصلاة بمعنى العبادة المخصوصة مجاز بالنسبة لي وهو الحقيقة الشرعية. فهذه الأقسام بهذه الطريقة تفهم الحقيقة والمجاز.
طيب الآن تكتب القاعدة: أنا الآن كلغوي إذا أردت الانتقال من الحقيقي إلى المعنى المجازي، سواء كان المجازي شرعي أو عرفي، إذا أردت الانتقال من المعنى الحقيقي إلى المعنى المجازي يحتاج إلى إيش؟ إلى شيئين؛ إلى علاقة تربط المعنى الحقيقي بالمعنى المجازي، وإلى قرينة تمنع من إرادة المعنى الحقيقي. وقل ذلك إلى الآن وشرعي: إذا أطلقت اللفظة بدي أطلقها بمعناها الشرعي، فإذا أطلقت بمعناها اللغوي أو بمعناها العرفي أحتاج إلى شيئين: إلى علاقة وإلى قرينة تمنع من إرادة المعنى الحقيقي الشرعي. وقل ذلك في الحقيقة العرفية.
الآن إيش بهمنا هذا التقسيم؟ نحن كطلبة علم بهَمك عندما تسمع آية قرآنية، الآن إذا بتسمع آية قرآنية أو حديث نبوي أو قول صحابي، أنت الآن في أي حقيقة؟ قال أنت الآن لغوي ولا شرعي ولا عرفي؟ أنت شرعي الآن، أنت تتعامل مع نص قرآني إذا الألفاظ بمعناها الشرعي. تتعامل مع نص سني الألفاظ بمعناها الشرعي. تتعامل مع قول صحابي الألفاظ بمعناها الشرعي إذا كان الصحابي يتكلم عن الدين طبعا، جميل؟ إذا كان الصحابي لا يتكلم عن اللغة الآن، خلاص هو ليس لم يدخل نفسه الآن في البيئة الشرعية، الآن هو يتكلم في البيئة اللغوية. لكن الصحابي لما يتكلم في الدين يتكلم بإذن بأي حقيقة وبأي بيئة؟ بالبيئة الشرعية. فبالتالي أي نص تقرأه في القرآن أو في السنة أو في قول الصحابة تحملها على أي معنى؟ اه ابتداء معناها الحقيقي هو معناه الشرعي وليس اللغوي، جميل.
الآن إذا جاءت قرينة تدل على أنه لم يرد أن القرآن هنا أو السنة لم ترد المعنى الشرعي، وإنما المعنى اللغوي أو المعنى العرفي، اه هنا أترك المعنى الشرعي وأنتقل المعنى اللغوي أو العرفي؛ لماذا؟ لانه بعض المذاهب مثل الحنفية لا يخالفون هذه القاعدة، يقولون: إذا أطلق اللفظ في القرآن أو في السنة يجب أولا النظر إلى المعنى اللغوي، فإن وجدنا قرينة تمنع المعنى اللغوي ننطلق إلى المعنى الشرعي. ونقول: لا، الشريعة لها حقيقتها لها استعمالاتها الخاصة، هذا عرف قائم. كيف اللغة لها عرفها؟ الشريعة لها عرفها، وكيف العوام لهم عرفهم؟ الشريعة لها عرفها.
فإذا أطلقت الألفاظ في الشريعة، معانيها الحقيقية هي المعاني الشرعية، فإن وجدنا مانع يمنع من إرادة القرينة تمنع من إرادة المعنى ننطلق إلى المعنى اللغوي، ويكون المعنى اللغوي بالنسبة لنا مجاز كمتشرعين. واضحة القضية أيها الأحبة؟ أنه بعض الطلبة قد يغلط عليهم. الآن مثل ما قلت لكم، هناك بعض الألفاظ الشريعة أبقتها على اللغوي، والعرف أبقاها على معناها اللغوي، فهنا خلص ما عندنا ثلاث اه بيئات، خلص معناها الحقيقي عند الشرعيين وعند العرفيين هو معناها عند اللغوية، فيصبح إلى خلاص حقيقة واحدة، انتهى الأمر، ريحتنا. فالكلام عن الألفاظ التي اختلفت مدلولاتها بالشريعة وفي العرف، هذه الألفاظ اللي نحتاج فيه إلى مثل هذه التقسيمات. أما الألفاظ اللي بقيت دلالتها واحدة لغة وشرعا وعرفا فخلص حقيقتها إذا واحدة لا إشكال فيها.
طيب يعني كلمة أسد عند اللغويين إيش معناها؟ الحيوان المفترس. وعند الشرعيين الحيوان المفترس. وعندهم في عرف الناس هي الحيوان المفترس. فبقيت دلالتها الحقيقية واحدة، لم يأتي عرف الشريعة ووضع لها والله إيش خاص أو عرف الناس يستخدم الأسد في عرف خاص، الأسد عند اللغويين والشرعيين والعرفيين شيء واحد، فله حقيقة واحدة ومجازه واحد، فاطلاق الأسد على الرجل الشجاع مجاز لغة وشرعا وعرفا، واطلاقه على الحيوان المفترس حقيقة لغة وشرعا وعرفا. لكن المشكلة كما قلنا في بعض الألفاظ التي حدث فيها لا أحداث مصطلحات جديدة خاصة بالشريعة أو باستخدام مصطلحات جديدة خاصة بأهل العرف، هاي الألفاظ اللي بنضطر فيها إلى هذا التقسيم.
يعني هي جولة تحاول تجمع قدر ما تجمع، لكن إن شاء الله عندما ندرس البلاغة سيكون التفصيل أكثر بإذن الله. قال عبد المؤمن البغدادي: الحقيقة هي اللفظ المستعمل فيما وضع له. وأنا جئت على التعريف في عرف المتكلم، حتى تعرف أن هناك ثلاث أعراف وأن الوضع، يعني باختصار الوضع ليس واحد، ليس لغوي فقط؛ هناك وضع لغوي، هناك وضع شرعي، هناك وضع عرفي، فتستخدم اللفظة فيما وضع له في عرفك أنت كمتكلم. ومجازا هو اللفظ المستعمل في غير، ها، في غير ما وضع له، أنا زدت في عرف المتكلم على وجه يصح إيش إرادته. ماذا أراد عبد المؤمن بهذه الزيادة؟ أن يبين أن المعنى المجازي صحته تشترط أمرين: وجود علاقة بين المعنى الحقيقي والمجازي، ووجود إيش؟ قرينة تمنع إرادة المعنى الحقيقي.
ثم مثل بمثالين، قال: كجناح الذل ويريد أن يخفض. مثل بالآية الأولى في سورة الإسراء: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ [الإسراء: 24]. أين المجاز؟ يلا طبقوا أيها الأحبة، أين المجاز؟ والآية التي مثل بهاتين الآيتين للمجاز، أين المجاز؟ الآن في طبعا هاتان الآيتان الألفاظ ما فيها مجاز شرعي ولا مجاز عرفي في الحقيقة؛ لأن هي بقيت على معناها لغة وشرعا وعرفا. الآن خفض لهما واخفض لهما جناح، خفض الجناح حقيقة في لغة العرب يكون لمن؟ للطائر. إذا خفض الجناح كمصطلح لغوي ابتداء وضعها، في عرف أهل اللغة هو حقيقة لإنزال الطائر لجناحه.
جميل. أطلق مصطلح خفض الجناح وأريد به معنى آخر جديد، هو ماذا؟ هو لين الجانب والتذلل والخضوع للوالدين. الآن، خفض الجناح معناه الحقيقي انزال الطائر لجناحه، ومعناه المجازي هو لين الجانب والتذلل والخضوع للوالد. جميل، فهنا إذا استخدم هنا خفض الجناح، هل استخدم بالمعنى الحقيقي ولا بالمعنى المجازي؟ استخدم بالمعنى المجازي، فهو فيه مجاز في الآية.
طيب، جدار يريد أن ينقض، جدار يريد أن ينقض. أثبت للجدار إرادة. الآن هل الجدار عنده إرادة وعزيمة وهمّ، ولا هو جماد؟ لا يوجد عنده إرادة وعزيمة. كلمة الإرادة، نقول: كلمة الإرادة إيش معناها الحقيقي عند العرب؟ الإرادة هي الهم والعزم على فعل الشيء، هذه معناها الحقيقي. طيب الجدار كيف إذاً وهو جماد؟ كيف عنده هم وعزيمة؟ إذاً كلمة جدار قرينة تمنع من إرادة المعنى الحقيقي لكلمة الإرادة، أليس كذلك؟ وتنقلها إلى المعنى المجازي.
طيب إيش المعنى المجازي لكلمة الإرادة هنا؟ المعنى المجازي هو الميلان للسقوط، شبه ميلان الجدار للسقوط كأنه إرادة منه للسقوط، وإن كان في الحقيقة وحقيقة ما في إرادة، ولكن شبه الميلان وهو الآن جدار مائل، قارب أنه يسقط، شبه ميلان وقربه من السقوط بأنها إرادة. فالآن فقط طبق على هذين المثالين سريعا.
أطبق فقط أريد أن أبين لك موضوع العلاقة والقرينة. نقول: خفض الجناح حقيقة في ماذا؟ انزال الطائر بجناحه. مجاز في ماذا؟ في التذلل ولين الجانب. الآن هل هنا أنا محتاج أني أعرف أنه والله هذه حقيقة لغوية ولا شرعية ولا عرفية؟ أقول لك لا، مش محتاج. ليش؟ لأنه خفض الجناح لم يوضع له حقيقة شرعية خاصة أو حقيقة عرفية خاصة، فبالتالي العرف اللغوي والشرعي والعامّي كله نفس الشيء. هو نفسه العرف الحقيقة اللغوية، لم ينقل إلى معنى في الشرع خاص، ولا إلى معنى في العرف خاص، فنبقى إذاً على الحقيقة اللغوية، ولا توجد هنا حقيقة شرعية أو عرفية.
لذلك يقولون، يعني هاي على الهامش، الحقائق الشرعية واللغوية يجب أن يكون لها حقائق، عفوا، الحقائق الشرعية والعرفية يجب أن يكون لها حقائق لغوية سابقة لها، لكن الحقائق اللغوية لا يجب أن يكون لها حقائق شرعية وعرفية، صح؟ أي حقيقة شرعية أو عرفية لازم يكون سابق لها حقيقة لغوية، لكن ليس كل حقيقة لغوية لها حقيقة شرعية أو حقيقة عرفية، فما قاعدة.
طيب، إذاً خفض الجناح حقيقة في انزال الطائر لجناحه، ومجاز في التذلل ولين الجانب. هنا في هذه الآية: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ﴾، هل تريد المعنى الحقيقي والمجازي؟ قطعا أريد المعنى المجازي. أيا شيخ! بدك تأتي لنا بعلاقة وبقرينة، ليه؟ لأنك قلت: شرط المجاز وجود علاقة ووجود قرينة. فبين لنا العلاقة بين المعنى المجازي والمعنى الحقيقي، وبين لنا التي منعت من إرادة المعنى الحقيقي. فنقول: نبدأ بالعلاقة، ما هي العلاقة بين التذلل ولين الجانب وبين انزال جناحه؟ إيش العلاقة؟ يقولون: علاقة المشابهة؛ لأنه انزال الطائر لجناحه فيه نوع من الخضوع والتذلل والهدوء، ولين الجانب أيضا يدل على نوع من التذلل والهدوء، فالعلاقة بين المعنيين هي علاقة المشابهة.
جميل. طب إيش القرينة التي منعت إرادة المعنى الحقيقي؟ إضافة جناح إلى الذل: واخفض لهما جناح الذل. كلمة الذل دلتنا على أنه ليس المراد بخفض الجناح جناح الطائر. لو قال: واخفض لهما جناح طair، اه والله، أنه يريد المعنى الحقيقي. لما قال: واخفض لهما جناح الذل، كلمة الذل بينت أنه يريد بخفض الجناح هنا الخضوع والتذلل والهدوء وليس المعنى الحقيقي. طبعا سندرس في علم البلاغة عن هذا النوع يسمى استعارة مكنية، لكن لا أريد أن أحكمك شأن الاستعارة المكنية.
طيب، المثال الثاني: جدار يريد أن ينقض. الآن كلمة يريد، إيش معناها الحقيقي؟ الإرادة حقيقة هي الهم بالشيء، مجازا إيش في هذا السياق؟ الإرادة في هذا السياق أطلقت مجازا على الميل والاقتراب من السقوط. إذاً الإرادة حقيقة هي الهم بالشيء والاقتراب من فعله، والمجاز هنا أطلقت بمعنى الميلان والاقتراب من السقوط.
جميل. الآن هل الإرادة لها معنى، عفوا، حقيقة شرعية أو حقيقة عرفية؟ لا. الإرادة لغة وشرعا وعرفا معناها واحد، فبالتالي الاعتماد على الحقيقة اللغوية؛ لأنه لا الشرعيون وضعوا لها مفهوما خاصا عندهم، ولا العرفيون في عرف الناس وضعوا لها مفهوما خاصا، بل الشرعيون والعرفيون اعتمدوا على معناها اللغوي، فبالتالي ما في داعي لكل التقسيم.
جميل. الإرادة حقيقة في الهم بالشيء، هل يمكن حمل الإرادة في هاي الآية الكريمة: ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ على المعنى الحقيقي؟ قالوا: لا؛ لأنه الجدار جماد، والجماد ما عنده هم وعزيمة، وإنما الهم والعزيمة من صفات المفكرات المتحركات. جميل. إذاً المعنى المجازي هو الميل والاقتراب من السقوط. إذا أراد المجاز، إذاً محتاجون إلى علاقة وقرينة مباشرة. إيش العلاقة بين المعنى المجازي والمعنى الحقيقي حتى سمحنا بإطلاق الإرادة على المعنى المجازي؟
حتى نسمح بإطلاق اللفظ على معناه المجازي لابد من علاقة بين المعنى المجازي والمعنى الحقيقي. ما هي العلاقة هنا؟ نفس الشيء المشابهة. لماذا المشابهة؟ أين وجه المشابهة؟ شبه الميلان والاقتراب من السقوط بماذا؟ بإنسان عنده همة وعزيمة وإرادة قد اقترب من إقيَاع الفعل. فكما أنه أيها الأحبة الهم والعزيمة تدنيك وتقربك من إقياع الفعل، كذلك هذا الجدار ميلانه وسقوطه يدنيه من السقوط، فكأنه هنا الميلان عمل نوع من المشابهة فصلح بإطلاق الإرادة على المعنى المجازي. هذه هي العلاقة: علاقة المشابهة. وما هي القرينة التي تمنع المعنى الحقيقي؟ أنه نسب الإرادة إلى الجدار، والجدار ليس حيوانا متحركا يكون له إرادة حقيقية. نسبة الإرادة إلى الجدار منعت إرادة المعنى الحقيقي، يعني هذا تحليل سريع.
طبعا أنا لن أعلّق الآن كثيرا على قضية الجدار يريد أن ينقض، وذكرت في نظم الورقات، قلت: في الصحيح أن الجمادات لها إرادات حقيقية، يعني نحن، ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ أيها الأحبة، والجذع الذي حن إلى النبي صلى الله عليه وسلم كانت عنده إرادة المحبة، جبل أحد، النبي قال: «أُحُدٌ جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ». فالنبي صلى الله عليه وسلم دلنا أن الجمادات مثل الجبال والجدران والحيطان وغير ذلك عندها نوع من الافعال التي تكون للكائنات الحقيقية أو الكائنات المتحركة من الإرادة والمحبة والحنين والشوق. فهذا جدار، طبعا خارج نطاق الكتاب وأنه مشهور عند الناس أن مثل هذه الإرادات أو الاطلاقات مجازية.
الان عرفنا معنى الحقيقة والمجاز، هل في القرآن حقيقة، عفوا، هل في القرآن مجاز أو ليس في القرآن مجاز؟ هذه هي المشكلة الشائكة، لماذا أيها الأحبة؟ نقول ابتداءً: اختلف العلماء هل يوجد هناك حقيقة ومجاز أو لا يوجد حقيقة ومجاز على ثلاثة أقوال. بعض العلماء ركزوا في القول الأول، بعض العلماء نفي وجود الحقيقة والمجاز في كل اللغة العربية، وقال: كل اللغة العربية حقيقة. وهذا القول ينسب إلى أبي علي الفارسي، وعلي الفارسي درسناه في علم النحو تلميذ ابن السراج، وطبعا في هذه النسبة إلى أبي علي الفارسي نظر؛ لأن ابن جنية تلميذه بعد الفارسي نسب إليه قولا آخر بأنه يقول بالحقيقة والمجاز بل يجعلها غالبة في اللغات.
فإذا كما قلت لكم ينسب نفي الحقيقة والمجاز في اللغة -وبديش أقول نسبتنا في الحقيقة- يوسف بنفي المجاز في اللغة إلى أبي علي الفارسي، وهذه النسبة إليه فيها نظر. وينسب إلى الأصوليين إلى الاستاذ أبي اسحاق الإسفراييني، وابن تيمية مقترب من ذلك، وابن تيمية البعض يقول: ومن النوع الثاني أنه يقترب من نفي المجاز في اللغة أيضا. فإن القول الأول هناك من ينفي المجاز أصالة حتى في اللغة العربية، وهذا القول ينسب إلى أبي علي الفارسي، وبالنسبة إليه نظر، وينسب إلى الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني، وينسب إلى ابن تيمية، وهو يعني ونصب ابن تيمية وحاول أن يدافع عن قدر الإمكان.
طبعا فائدة على السريع، إذا قيل في علم أصول الفقه الأستاذ أطلق، الأستاذ قال، الأستاذ كذا، يقصدون به أبو إسحاق الإسفراييني، هكذا يعني مصطلح. كيف؟ إذا أطلق القاضي أبو بكر الباقلاني، وعند الحنابلة أبو يعلى، إذا أطلق الأستاذ في علم أصول الفقه فهو أبو إسحاق الإسفراييني.
طب القول الثاني: أن المجاز يوجد في اللغة العربية ولكنه لا يوجد في القرآن الكريم. فالقول الثاني يقر بوجود المجاز في اللغة لكن ينفي وجوده في القرآن. وهذا القول ينسب إلى ابن خويز منداد من المالكية، ابن خويز منداد، ميم نون دال، منداد، من المالكية، اسمه غريب. وينسب أيضا إلى ابن داود الظاهري، أبو بكر بن داود الظاهري من تلامذة المدرسة الظاهرية، أبو بكر بن داود الظاهري. هؤلاء يقولون: هناك مجاز في اللغة لكن لا مجاز في القرآن.
القول الثالث: هو قول جماهير الأئمة، أن المجاز يوجد في اللغة وفي القرآن الكريم.
طب هؤلاء الذين ينفون المجاز في اللغة أصالة مثل أبو إسحاق الإسفراييني، مثل ابن تيمية، ما وجهة نظرهم؟ يعني كيف يحملون قولك: رأيت أسدا يخطب؟ أسد هنا ليس مراد بها الحيوان المفترس قطعا، وإنما أطلقت وأريد بها معنى آخر وهو الرجل الشجاع. فلماذا لا يسمونه مجازا؟ أقول: هؤلاء يسمون إطلاق الأسد على الرجل الشجاع حقيقة، لكنها حقيقة جديدة دلت عليها القرينة. يقولون: هذا أسلوب عربي، إطلاق الأسد على الرجل الشجاع هذا أسلوب عربي، لكن هذا الأسلوب يحتاج إلى ماذا؟ إلى قرينة تدل عليه، فهو في النهاية لا يسمى مجازا. طب إيش رأيكم بهذا النقاش؟ يعني قالوا إنه إطلاق الأسد على الرجل الشجاع حقيقة أو أسلوب من أساليب اللغة العربية فقط، أنه مشكلته يحتاج إلى قرينة، ولا نسميه مجازا.
في الحقيقة، يعني في النهاية أصبح الخلاف لفظيا، أنت فقط منعت من اطلاق تسمية المجاز عليه، الكل متفق على أنه يجوز أن نقول: رأيت أسدا يخطب. لكن نحن وجماهير أهل العلم نقول: إنه إطلاق الأسد على الرجل الشجاع مجاز. أبو إسحاق الإسفراييني وابن تيمية وغيرهم ممن ينفون المجاز يقولون: لا، هذا معنى حقيقي. طب كيف معنى حقيقي إطلاق الأسد على الرجل الشجاع؟ يقولون: حقيقة، لكنها ظهرت لماذا؟ من خلال القرينة. طبعا النقاش أعمق من هيك، أنا بس بحاول أقرب لك الصورة، لهم بعض الحجج الأخرى، لكن هذا يدرس في علم آخر. لكن كما قال ابن قدامة أيها الأحبة، إذا كان الخلاف بهذا الأمر، فإذا هو خلاف شكلي لفظي في أغلبه، يعني أنت خلص تسميه حقيقة احتاجت إلى قرينة، ونحن نسميه مجاز.
لذلك يقول ابن قدامة في روضة الناظر: ومن منع المجاز فقد كابر. وأما من أقر به ومنع من اطلاق المجاز عليه، فالخلاف معه في اصطلاح. وهذا الكلام من ابن قدامة طبعا نقلته أغلبه بالمعنى، حقيقي وواقعي. عندما يقول: من منع المجاز فقد كابر؛ لأنه لا تستطيع أنك تقول: الأسد هي حقيقة في الرجل الشجاع، فأنت تمنع كابرت مكابرة، لكن وافقت، لكن سميته اسم آخر ليس مجازا، ما عندي مشكلة، سمه كما تشاء، سمه مجازا، سمه حقيقة جديدة.
لذلك يقول ابن رجب الحنبلي، كما وجد في ذيل طبقات الحنابلة، ابن رجب الحنبلي بالنص يقول: من أنكر المجاز من العلماء فقد ينكر، يعني أغلبهم ينكر إطلاق اسم المجاز. طب شو مشكلتهم؟ طب لماذا هناك حساسية عند بعض العلماء من إنكار اسم المجاز؟ الحساسية الموجودة عند بعض العلماء من إنكار اسم المجاز ومن تقسيمه إلى حقيقة ومجاز، أن كثيرا من أهل البدع المخالفين لطريقة أهل السنة والجماعة استخدموا تقسيم الكلام إلى حقيقة وإلى مجاز ذريعة لتحريف القرآن الكريم عن مواضعه، وذريعة لنفي صفات الله العليا.
أصبحت كل صفة ثابتة في القرآن الكريم لله تحول من الحقيقة إلى المجاز، فاليد ليست على الحقيقة وإنما المراد بها النعمة والرحمة، المراد بها إرادة الإنعام، والغضب المراد بها إرادة الانتقام. فحرفوا الكلمة عن مواضعه من خلال هذا التقسيم، تقسيم الحقيقة والمجاز. فبعض أهل العلم قالوا: بما أن كثيرا من أهل البدع استخدموا هذا التقسيم وسيلة لتحريف القرآن الكريم، دعونا نلغي كل هذا التقسيم. فرد عليهم أكثر أهل العلم فقالوا: لا، ما في داعي أننا نلغي كل هذا التقسيم؛ كون بعض الفرق الضالة استخدمته وسيلة للوصول إلى مقاصدها، بل أقر هذا التقسيم لكننا نضبطه بضوابطه. فنحن عندما قلنا: المجاز يحتاج إلى علاقة وقرينة، متى ما انتفت العلاقة والقرينة لا يجوز إطلاق المعنى المجازي، وبالتالي سينضبط الباب.
لذلك ابن رجب يقول هذه المقولة الجميلة، أعيدها، قال: من أنكر المجاز من العلماء فقد ينكر إطلاق اسم قال: لئلا يوهم هذا المعنى الفاسد، ويصير ذريعة لمن يريد جحد حقائق الكتاب والسنة ومدلولاتها. إذاً إيش المشكلة؟ لاحظوا، حتى لا يصبح ذريعة لمن يريد جحد حقائق الكتاب والسنة ومدلولاتها. ويقول كذلك ابن رجب: غالب من تكلم بالحقيقة والمجاز هم المعتزلة ونحوهم من أهل البدع، وتطرقوا بذلك، أي باستخدام هذا التقسيم، طيب، إلى تحريف الكلم عن مواضعه.
طيب، ثم يثبت بعد ذلك الحقيقة الأخيرة أو المعلومة الأخيرة التي أنا قلتها لكم، أنه الذي ينفي المجاز يقول: كله حقيقة، لكن يسمي إطلاق الأسد على الرجل الشجاع حقيقة جديدة دلت عليها القرينة. يقول ابن رجب: اللفظ إن دل بنفسه فهو حقيقة لذلك المعنى، أو دل فدلالته بالقرينة حقيقة للمعنى الآخر، قال: فهو حقيقة في الحالين، لكن في الأولى إطلاق الأسد على الحيوان المفترس حقيقة مباشرة، وإطلاقها على الرجل الشجاع حقيقة بواسطة.
فإذا كما هو كلام ابن رجب أنا أرتاح له وأشعر أنه فعلا كلام منصف، أنه أكثر العلماء الذين نفذوا تقسيم الكلام إلى حقيقة ومجاز أرادوا الرد على أهل البدع الذين استخدموا هذا التقسيم لنفي المعاني الحقيقية لألفاظ الكتاب والسنة وتحريفها عن مواضعها للمعاني المبتدعة.
في النهاية طب إيش الحل اللي وصلوا له؟ قالوا ما بدنا نسمي حقيقة ومجاز، نسمي الكل حقيقة، لكن هناك حقيقة مباشرة وهناك حقيقة دلت عليها القرينة، حقيقة جديدة دلت عليها القرينة. فكما قال ابن قدامة: إذا أصبح النقاش في المصطلح، سميتموه حقيقة بالقرينة، سميتموها مجاز، فالتقسيم ثابت والمناسبة فيه مكابرة. لكن هذا كونه ثابت لا يعني أنه لا يستخدمه أهل البدع لأساليبهم، بل نحن نضبط هذا الباب من خلال اشتراط العلاقة والقرينة. هكذا نكون أيها الأحبة انتهينا من التقسيم الأول، أو المسألة الأولى: مسألة أن القرآن يخضع لما يخضع له الكلام العربي من تقسيمه إلى حقيقة ومجاز. عرفنا أن الحقيقة هي اللفظ المستعمل فيما وضع له في عرف المتكلم، والمجاز هو اللفظ المستعمل في غير ما وضع له في عرف المتكلم على وجه يصح. وعرفنا أنه في الحقيقة ليس عندنا وضع واحد، بل عندنا ثلاثة أوضاع: الوضع اللغوي والشرعي والعرفي، وكل وضع له حقيقة ومجازه. وعُرفنا أن الأصل هو الوضع اللغوي، فكل وضع شرعي أو عرفي يستلزم قبله وضع لغوي، لكن قد يكون عندي وضع لغوي ولا يوجد عندي وضع شرعي أو عرفي.
بعد أن عرفنا معنى الحقيقة والمجاز انتقلنا للخلاف فيه، وعُرفنا أن هناك ثلاثة أقوال: هناك من ينكر المجاز أصالة في اللغة العربية وينسب إلى أبي عثمان الفارسي والأستاذ أبي إسحاق الشيرازي وابن تيمية، وهناك من ينكر المجاز فقط في القرآن الكريم مثل أبو بكر بن داود الظاهري والأستاذ أبي إسحاق الأسفراييني، وهناك من يثبت المجاز لغة وفي القرآن وهو قول جمهور أهل العلم، وهذا هو الذي يظهر أيها الأحبة. ثم عرفنا كيف أن أكثر من انكر المجاز، أكثرهم وأغلبهم -وليس كلهم أقول، أكثرهم وأغلبهم- منعوا إطلاق المجاز حتى لا يصبح وسيلة إلى تحريف الكلم عن مواضعه، فقال: هناك حقيقة مباشرة وحقيقة باستخدام القرينة. وقلنا هذه منازعة في اللفظ.
انتهى الكلام عن المسألة الأولى. كم ذهب من الوقت؟ ساعة ونصف؟ نكمل إذا المسألة الثانية، قالوا: ومنه المسألة الثانية التي بحثها في القرآن الكريم وجود المعرب في القرآن الكريم. هل في القرآن الكريم يوجد كلام معرب؟ ابتداءً نحتاج إلى بيان ما هو المعرب؟ المعرب ابتداءً نقول هو لفظ أخذته العرب من غير لغتها، لفظ أخذه العرب من غيرهم من الفرس، من الروم، من الحبش، من الأرمن، من أي لغة أخرى، لفظ أخذه العرب من غير بلغتهم من أقوام آخرين واستخدموه في لغتهم. يعني العرب أخذت هذا اللفظ من غيرها واستخدمته في لغتها بعد أن أضعته لقوانين العربية، لكن أبقوا معناه على المعنى الذي يراد به عند الأعاجم، يعني دلالة اللفظ على معناه بقيت كما هي. فالعرب عندما أخذت هذا اللفظ من غيرهم استخدموه في لغتهم، أبقوا هذا اللفظ على ما يدل عليه عند الأعاجم، لكنهم أخضعوا هذا اللفظ لقوانين العربية فقط، من حيث الإعراب، من حيث كيف يرفع وينصب ويجر ويجزم وما شابه ذلك من القوانين العربية لغةً وبلاغةً وما شابه ذلك. هذا هو المعرب، فهمناه؟
طيب إيش الأمثلة التي ادعي فيها المعرب؟ قالوا مثل قوله تعالى في القرآن الكريم: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ﴾ [المزمل: 6]. قالوا كلمة ناشئة ليست عربية وإنما أخذت من الحبشية، ثم أدخلتها العرب إلى لغتها. كلمة ناشئة عند الحبشية إيش معنى كلمة ناشئة عند الحبشية؟ يعني القيام. كلمة الناشئة عند الحبشية معناها القيَام، العرب لما أخذت كلمة ناشئة واستخدمتها عندها استخدمتها أيضاً بمعنى القيَام، بمعناها عند الحبشية، لكن أخضعتها لقوانين العربية من حيث النحو والبلاغة وما شابه ذلك. فلاحظوا أنها تعرب مثل إعراب أي كلمة عربية، حتى أنت لو ما عرفت أنها حبشية، يعني لو ما أني أخبرتك أنها حبشية رح تظن أنها عربية، أنها تخضع لقوانين العربية.
مثلاً الكلمة الثانية: قال كلمة المشكاة وردت في سورة النور: ﴿كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ [النور: 35]. المشكاة قالوا كلمة هندية، لكن الصحيح أنه لا، المشكاة كلمة حبشية كما ذكر ذلك ابن قتيبة. المشكاة أيها الأحبة هي الكوة، يعني الفتحة التي تكون في الجدار، كان زمان في البيوت القديمة عند العرب يضعون فيها المصابيح، ثقب كوة يقولون ثقب يكون في جدران البيوت يضعون فيها المصابيح، هاي تسمى مشكاة. كلمة مشكاة عند الحبشية وليست عند الهندية، كلمة مشكاة عند الحبشية تعني الثقب الذي يوجد في الجدار. العرب أخذت كلمة مشكاة واستخدمتها على معناها عند الحبشية، لكنها أخضعت هذه الكلمة لقوانين العربية، جميل؟
كلمة الاستبرق، الاستبرق وردت في سورة الكهف وسورة الإنسان، الاستبرق هو الديباج، الحرير الغليظ يسمى استبرق، وهذا الاستخدام هو فارسي أصالةً، كانت لغة الفرس تستخدم استبرق بمعنى الحرير الغليظ. أخذت العرب لفظة استبرق، استخدمتها بنفس المعنى، لكن أخضعتها لقوانين العرب. وأمثلة كثيرة ذكرها، من يريد التزود من ذلك يعود إلى السيوطي في الإتقان.
الآن أنظر إيش قال عبد المؤمن؟ قال: ومنه أي من القرآن الكريم ما استعمل في لغة أخرى وهو المعرب. لاحظ أن تعريفات دايماً مقتضبة مختصرة لا توضح المقصود. وعرَّف المعرب: ما استعمل في لغة أخرى. إيش يعني ما استعمل؟ يعني لفظ أخذه العرب من غيرهم واستخدموه في لغتهم بعد أن أخضعوه لقوانين العربية ولكن أبقوا دلالته على ما كانت عليه عند العجم. هذا التعريف أوضح بإذن الله.
الآن هل يوجد معرب في القرآن؟ وبعد أن عرفنا المعرب وعرفنا الألفاظ التي ادعي فيها أنها معربة، هل يوجد معرب في القرآن؟ نقول: الزركشي في البحر المحيط يقول حرر النزاع في المسألة، يقول: أجمع العلماء على أنه لا يوجد تراكيّب معربة في القرآن الكريم، يعني كلام مركب من كلمتين، يعني كلمتان فصاعداً معربات مأخوذة من لغة الأعاجم، مش موجود. أجمع العلماء على أنه لا يوجد لفظ مركب معرب في القرآن، وأجمعوا على وجود الأعلام الأعجمية في القرآن، فإراهيم وإدريس واليسع وذو الكفل ويونس، كل هذه أعلام أعجمية من الأعاجم، ليست أعلام عربية.
جميل، إذاً أجمعوا على عدم وجود تراكيب معربة، وأجمعوا على وجود الأعلام الأعجمية، واختلفوا في المفردات، يعني لفظة واحدة مفردة: هل يوجد عندنا لفظ مفرد معرب؟ فجماهير أهل العلم: نعم، يوجد عندنا ألفاظ معربة في القرآن الكريم. وأنكر وجود المعرب في القرآن الشافعي رحمة الله عليه ومن عاد إلى كتاب الرسالة ظاهراً وشدد النكير على من يقول بوجود معرب، أنكره ابن جرير الطبري الإمام المفسر الكبير، وأنكره من الحنابلة كما قال أبو يعلى، كما قال عبد المؤمن البغدادي القاضي أبو يعلى، قال: وقال القاضي: الكل عربي.
طب إيش سر الخلاف في هذه المسألة؟ الله عز وجل وصف القرآن بأنه عربي، أليس كذلك؟ ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [يوسف: 2]. فمن يمنع وجود ألافاظ مفردة معربة يقولون هذا يخالف الآية الكريمة، الآية تصف القرآن بأنه عربي، فالأصل أن كل كلمة فيه عربية، نعم فلا يجوز وجود المعرب.
جمهور أهل العلم بماذا ردوا؟ قالوا: وجود المعرب في القرآن لا يمنع أن القرآن كله عربي، لماذا؟ لأن الألفاظ المعربة في النهاية هي أخذتها العرب واخضعتها لقوانين العربية، ففي النهاية أصبحت من كلام العرب الدارج، فوجودها في القرآن الكريم لا يعني أن في القرآن الكريم لغات أجنبية، لأن هذه الكلمات بما أنها دخلت إلى كلام العرب وأصبحت تخضع لقوانين العرب فهي في النهاية أصبحت عربية، وإن كانت في أصولها أعجمية، يعني كونها في الأصل أعجمياً هذا لا يعنينا كثيراً، يعنيني أنها الآن هي تخضع لقوانين العربية وتعامل معاملة الكلمات العربية وإن كان أصلها أعجمياً. فهذا لا... إذاً كون هناك كلمات معربة في قرآن لا يعني تناقضاً في وصف القرآن بالعربي، القرآن عربي ولو وجد كلمات معربة فهذه الكلمات أصبحت تخضع لقوانين العربية، فهذا مع عربية القرآن الكريم.
طيب الآن طب الشافعي رحمة الله عليه والقاضي أبو يعلى وغيرهم مثل أبي جرير الطبري، كيف يتعاملون مع هذه الألفاظ التي ادعي فيها أنها مأخوذة من الحبشة أو من الهند أو من الفرس مثل الناشئة واستبرق وما شابه ذلك؟ يقولون: هذه الألفاظ توافقت عليها اللغات وليست أعجمية ثم أخذتها العرب، يعني كلمة ناشئة استخدمتها العرب ابتداءً واستخدمتها الحبشة ابتداءً وليس العرب أخذوها من الحبشة، والاستبرق كذلك استخدمته العرب بمعنى الديباج الغليظ واستخدمته أيضاً الفرس بمعنى الديباج الغليظ، فهذا من توافق اللغات وليس هناك أخذ من لغة أخرى، واضح أيها الأحبة الكرام؟
لذلك الآن نلخص الكلام: قالوا منه ما استعمل في لغة أخرى وهو المعرب، كناشئة الليل وهي حبشية والمشكاة وهي هندية وغنصينها حبشية أيضاً، والاستبرق فارسية. ثم قال: وقاضي... القاضي الكل عربي. القاضي أبو يعلى عند الحنابلة -إذا أطلق القاضي عند الحنابلة فهو أبو يعلى- قال: الكل عربي، القاضي إذاً لا يختار أن هناك كلمات معربة، كل القرآن عربي. ولكن عرفنا إذاً وجهة نظر الجمهور ووجهة نظر الشافعي وابن جرير الطبري والقاضي أبي يعلى، والصحيح أن نقول: لا مانع من وجود الكلمات المعربة في القرآن الكريم، مذهب الحنابلة ومذهب جماهير أهل العلم.
طيب القضية الثالثة، المسألة الثالثة: قال وفيه المحكم والمتشابه. انتهينا قضية المعرب وكما قال بعضهم: هذه مسألة مما لا ينبغي أن نطيل فيها الكلام، لأن الفائدة منها محدودة في الحقيقة، قلنا بالمعربة لعدم وجوده لن تنبني فائدة فقهية. نذهب إلى القسم الثالث وهو المحكم والمتشابه.
كم بقي للساعتين؟ باقي أربعة وعشرين دقيقة. جميل. المحكم والمتشابه، قال: وفيه المحكم والمتشابه. الآن ما هو المحكم وما هو المتشابه؟ أذهب إلى السبورة أيها الأحبة فأقول: القرآن الكريم يوصف بالإحكام العام، ويوصف بالتشابه العام، ويوصف بأن فيه محكم وفيه متشابه. فماذا نقول؟ نقول القرآن الكريم جاء وصفه بأنه محكم في أي سورة؟ ﴿الر ۚ كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ [هود: 1]. فالقرآن الكريم يوصف كله بأنه محكم. وما معنى الإحكام هنا؟ الإحكام هنا يقولون هو الإحكام العام، أنه كله متقن لا خلل في موضع فيه.
إذاً جاء في القرآن الكريم آيات تصف القرآن كله بأنه محكم، فنقول: الآيات التي وصفت القرآن كله بأنه محكم المراد بالإحكام هنا الإحكام العام، يعم جميع القرآن. وما معناه؟ أن القرآن كله متقن منضبط، لا يوجد فيه خلل، لا يوجد فيه لفظة في غير محلها.
اثنين: جاء وصف القرآن بأنه كله متشابه أو بأنه كله متشابه، وهذا يسمى عند علماء علوم القرآن التشابه العام. ما هي الآية التي وصفت القرآن بأنه متشابه؟ ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ [الزمر: 23]. إذاً في سورة هود: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ﴾، وصفه بالإحكام. وفي سورة الزمر: ﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾. هذا التشابه... شو يعني التشابه العام؟ يعني التشابه العام أن القرآن يشبه بعضه بعضاً في البلاغة والجزالة والفخامة. القرآن من أوله إلى آخره، هل تجد فيه ضعفاً في مكان في البلاغة وقوة في مكان آخر؟ هل تجد في جزالته وسهولة ألفاظه ضعفاً وسهولة؟ كل القرآن يشبه بعضه بعضاً في الفخامة، في الجزالة، في البلاغة. بالتالي نلاحظ أن معنى الإحكام العام ومعنى التشابه العام فيه نوع من... صح ولا لا؟ فيه نوع من التقارب.
الموضع الثالث: جاء وصف القرآن بأن بعضه محكم وبعضه متشابه، اه، هذه هي الآية التي سببت الخلاف بين العلماء في فهمها أو في فهمهم. أين الآية التي وصفت بعض القرآن بأنه محكم وبعضه أنه...؟ سورة آل عمران، حين قال سبحانه وتعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: 7]. فآية آل عمران بينت أن القرآن بعضه محكم وبعضه متشابه، وهنا وقع الخلاف بين العلماء: ما هو المحكم؟ وما المراد بالمحكم هنا؟ وما المراد بالمتشابه؟ وهذا الذي يسمى الإحكام الخاص والتشابه الخاص.
يعني عندما تدرس في كتب علوم القرآن يقول: القرآن محكم إحكام عام، وفيه تشابه تشابه عام. الإحكام العام أنه كله متقن، والتشابه العام أنه يشبه بعضه بعضاً في القوة والجزالة والفخامة. وأما الإحكام الخاص والتشابه الخاص هو الذي وقع فيه الخلاف في فهمه. فنقول أيها الأحبة الآن أمسح السبورة وأتكلم عن النوع الثالث الأخير لأنه هو المراد عندنا.
إذاً القرآن يوصف بأنه كله محكم وهذا الإحكام العام، ويوصف أنه كله متشابه وهذا التشابه العام، ووصف بسورة آل عمران بأنه بعضه محكم وبعضه متشابه. فما معنى بعضه محكم وبعضه متشابه؟ دعونا نكمل الآية إلى آخرها أيها الأحبة. قال سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾. طيب الآيات المتشابهات، ماذا وصفها الله عز وجل؟ قال: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ -سامحونا القلم ضعيف إن شاء الله نغيره أقرب وقت- ﴿زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ﴾ إيش؟ قال: ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: 7] إلى آخر الآية. جميل؟ الآن العلماء اختلفوا في فهم هذه الآية واختلفوا أين يقفون أيضاً في هذه الآية.
الله عز وجل قال: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: 7]. وبين سبحانه أن مقصدهم اتباع ايش مقصدهم؟ مقصدهم أمران: فتنة الناس وابتغاء تأويله، وما يعلم ثم نفعل وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم. خلاف طويل كبير بين علماء القرآن وعلماء الأصول وغيره من العلماء، أين الوقف في هذه الآية؟ هل الوقف على وما يعلم تأويله إلا الله ونقف ثم استئناف والراسخون في العلم يقولون آمنا به؟ أم الوقف ليس على لفظ الجلالة بل على وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم، اختلفوا أين الوقف بناء على اختلافهم في فهم الآية.
طيب قبل أن أدخل في بيان الأقوال لابد أنه نفهم معنى كلمة محورية، هاي الكلمة يدور عليها فهم معنى الآية وتحديد القول الصائب، وهي كلمة التأويل. ما المراد بالتأويل؟ الآن أيها الأحبة كلمة التأويل تطلق على ثلاثة معان؛ المعنى الأول للتأويل التفسير وهذا هو استخدام المتقدمين لكلمة التأويل. لذلك القرطبي ايش سمى عفوا ابن جرير الطبري ماذا سمى كتابه؟ جامع البيان في تأويل القرآن، وأي آية بفسرها يقول وتأويل هذه الآية كذا وتأويله. إذا التأويل يطلق بمعنى التفسير وهذا هو معنى التأويل عند الاقدمين.
التأويل يطلق بمعنى حقيقة وهذا معنى خطير انتبهوا عليه جدا؛ حقيقة الشيء التي يؤول إليها في الخارج، حقيقة الشيء في الخارج أو على التفصيل حقيقة الشيء التي يؤول إليها في الخارج. يسمى هذا ايش؟ تأويلا. طيب من يأتي بمثال على كلمة التأويل بهذا المعنى؟ لا هذي الآية احنا هنا مش الآية هاي بدنا آيات أخرى، واضح أن المراد بالتأويل حقيقة الشيء. قال عز وجل في سورة يونس: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ [يونس: 39]. المراد بتأويله هنا ليس تفسيره، يعني كفار قريش كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه. ايش كذبوا؟ كذبوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، كذبوا بجهنم، باليوم الآخر، بالجنة، بالأمور الغيبية، وأصبحوا يستهزئون: هناك عذاب، هناك عقاب هذا؟ الله عز وجل ينزل علينا العذاب؟ كذبوا.
الله عز وجل يقول: أنتم كذبتم بهذه الأشياء وأنتم مش عارفينها، ولما يأتيهم تأويله لسا ما جاء. ولما كما درسنا في قطر النائبة قلنا لما تفيدنا في وقوع الشيء إلى الحال، ولكن تؤذن باقتراب وقوعه اليس كذلك؟ يعني ولما يأتيهم تأويله ما اجاكم تأويله لكن استنوا شوي جايكم تأويله. ايش يعني تأويله؟ مش تفسيره، هم فاهمين معناه يعني هم الكفار قريش مش فاهمين تفسير كلام النبي صلى الله عليه وسلم؟ فاهمين التفسير هم أهل اللغة، لكن لما يأتيكم تأويله المراد حقيقته في الخارج، يعني لما تشوفوه باختصار أمامكم هذا تأويله.
لما تشوفوه أمامكم ستعرفون تأويله، فالمراد بالتأويل هنا ولما يأتيكم التأويل أي حقيقته، لما تصبحوا أمام جهنم، لما تصبحوا في حفرة القبور وترون عذاب القبر، هذا هو التأويل اللي هو حقيقة الشيء، أما تفسير المعنى هم يفهمون معنى القبر ومعنى العذاب لكن كذبوا بالحقيقة، فالتأويل هنا الحقيقة. مثال آخر، عائشة تقول: ما صلى النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن نزلت عليه ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: 1] إلا قال في ركوع سجوده: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي، يتأول القرآن. ايش يعني يتأول القرآن؟ صحيح البخاري ومسلم، شو يعني يتأول التأويل هنا بمعنى يفسر القرآن؟ لأ، أصل ما ينفعش بمعنى ايش يعني يفسروا القرآن؟
التأويل هنا إخراج الآية من معناها إلى تطبيقها وحقيقتها في الخارج، يعني يطبق القرآن ويمتثل القرآن ويحققه واقعا، لأنه الآية قالت له: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ [النصر: 3]. الآن هو حقق ما أمر به، تحقيق الشيء في الخارج على وجوده على حقيقتها هذا يسمى تأويلا.
المعنى الثالث للتأويل هو المعنى عند المتأخرين وليس عند العرب، ليس هو المعنى الذي جاء به القرآن. ايش معناه؟ نحن في علم أصول التأويل هو صرف اللفظ عن معناه الظاهر إلى معنى مرجوح لقرينة، هذا هو المعنى الأصولي وهو المعنى عند علماء الكلام والمتأخرين، وليس المعنى اللغوي الحقيقي لهذه الكلمة. التأويل يقولون صرف اللفظ عن معناه الظاهر إلى معناه ايش المرجوح؟ لماذا؟ لقرينة. هذا التعريف بذكرك بتعرف شو المجاز؟ هو المجاز، استخدام التأويل بمعنى المجاز، التأويل هنا بمعنى المجاز صرف اللفظ عن معناه الظاهر إلى معنى المرجوح لماذا؟ لقرينة. واستخدام التأويل بهذا المعنى كما قلنا استخدام طارئ، ليس هو الاستخدام الذي نزل عليه القرآن.
بالتالي أيها الأحبة دعونا نحاول نفسر الآية، نحاول نفهم ايش يعني ابتغاء تأويله؟ ايش الأنسب والأقرب والأقوى؟ الله عز وجل يقول: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زيغ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: 7] ابتغاء شو؟ قال: ابتغوا بدون فتنة الناس وابتغاء تأويله. طيب الآن أنت الآية بتشعر أنها هي في سياق ذم للذين يتبعون المتشابه ابتغاء الفتنة وابتغاء التأويل صح؟ تذم الذين يتبعون المتشابه ابتغاء فتنة الناس وابتغاء تأويله، جميل.
هل يمكن أن نفسر التأويل هنا بمعنى التفسير فنقول: فاما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله أي ابتغاء تفسيره؟ طب هل ابتغاء التفسير لهذه الآيات بحد ذاته شيء مذموم يذم عليه الناس؟ ثم نقول: وما يعلم تأويله إذا بالتالي تفسيره. إذا فسرت الأولى تفسير، الثانية تفسير، وما يعلم تفسيره إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به. الآن أنا ما بدي أجزم في القرآن، أنا أخشى أني أجزم بشيء طبعا، لكن تفسير أو فهم معنى كلمة التأويل بمعنى التفسير رده طائفة من أهل العلم؛ لأنه انك تحاول تفسر تفسير لغوي لآيات القرآن الكريم القرآن الكريم كلياته أيها الأحبة نزله الله عز وجل لنفهمه صحيح؟
هل الله عز وجل نزل آيات في القرآن هيك ألغاز مش معروف معناها؟ القرآن الكريم نزل كتاب هداية وبيان وتوضيح، لم تنزل الآيات منه لتكون ألغازا مش واضحة المعاني الناس مش فاهمينها، بقرأوها وهم مش عارفين ايش دلالتها؟ لم ينزل لهذا، صحيح؟ هذا هو الذي نشعره في داخلنا وهذا الذي أخبرنا الله عز وجل به أنه أنزل القرآن الكريم كتاب هداية جميل. فتحميل كلمة التأويل هنا على التفسير لا أجده مناسبا لسياق الذم، أنه لماذا نذم على محاولة يعني الذين في قلوبهم زيغ يتبعون ما تشابه ابتغاء الفتنة وابتغاء التفسير له ولا يعلم تفسيره إلا الله. طب هو ابتغاء تفسيره شيء مذموم؟ هاي القضية اللي بتخلينا نتوقف في هذا المعنى.
طيب لو نظرنا في المعنى الثاني حقيقة الشيء الذي يؤول إليها في الخارج راح نتمشكل شكلنا ها سبحان الله، فاما الذين يتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء ايش؟ تأويله. أي ابتغاء معرفة حقيقة الشيء في الخارج، ابتغاء معرفة حقيقة الشيء في الخارج عيد مرة ثالثة، ابتغاء معرفة حقيقة الشيء في الخارج، وما يعلم تأويله إلا الله، يعني وما يعلم حقيقته في الخارج إلا الله سبحانه وتعالى. الآن أيها الأحبة أرى هذا المعنى هو الأنسب، حقيقة. شف المعنى الثالث ألغيه تماما، لا يجوز أن تفسر القرآن به، اللي هو صرف اللفظ عن معناه الظاهر إلى معناه المرجوح. ليه؟ لأنه معناش معنى متأخر، معنى حادث وليس هو المعنى العربي، والقرآن يفسر على ما نزل عليه كلام العرب. تفسير التأويل هنا بمعنى معرفة حقيقة الشيء في الخارج هو الأنسب.
لماذا؟ لأنه فعلا نجد أن من آيات القرآن الكريم آيات محكمة بنعرف حقيقتها في الخارج. الآن الصلاة أنت بتعرف حقيقتها في الخارج ايش هي؟ بنعرف الحمد لله، الصيام، بس ربنا قال أقيموا الصلاة، اه الصلاة أنا فاهم شو حقيقتها في الخارج بمارسها الصيام الزكاة الحج البيع الربا، كل هاي الأمور نحن فاهمين حقيقتها في الخارج. صح؟ محكمة واضحة.
لكن هناك أشياء في القرآن الكريم نحن نعلم معناها ولا يجوز ألا نعلم معناها لأنه القرآن كتاب هداية، لكن لا نعلم حقيقتها في الخارج كيف هي؟ ايش المثال يا شيخ؟ نار جهنم، أنت عارف شو معنى النار صح؟ لكن هل بتعرف حقيقة جهنم؟ ما بتعرفها. طيب الجنة، أنت بتعرف أوصاف لكن ما بتعرف حقيقتها. عذاب القبر الذي ربنا أرشدنا إليه ونبهنا عليه في كثير من القرآن الكريم، نحن نعرف معنى كلمة عذاب قبر، لكن هل نعرف حقيقته في الخارج؟ لا. صفات الله العلى، انتبهوا على هاي القضية: في الصفات نحن نعلم معناها لكننا لا نعرف كيفيتها في الخارج صح؟ لا نعرف فالدخول في كيفيتها في الخارج أي في محاولة التعرف على حقيقتها في الخارج شيء يذم عليه الإنسان.
محاولة تفسير كيفية عذاب القبر في الخارج مع أنه شيء لا تعرف حقيقته شيء يذم عليه الإنسان، فالدخول في الغيبيات التي لا نعلم حقيقتها والدخول في مثلا صفات الله في كيفيتها التي لا نعلم حقيقتها. نعم، هذا محاولة معرفة حقيقته في الخارج هو المذموم، وبالتالي يكون هو المتشابه، وبالتالي يكون هو المتشابه الذي نهانا الله سبحانه وتعالى عن اتباعه فقال: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ التشابه ليس في فهم المعنى وإنما التشابه المراد به في حقيقته في الخارج، فيتبعون المتشابه ليش؟ ابتغاء الفتنة، بدهم يفتنوا الناس اللي بتتكلموا في آيات الصفات ويشبهون الله في كيفية اتصافه في كيفية اتصافه بالمخلوقين وهم المشبهة، هؤلاء يفتنون الناس ويصورون الله عز وجل كأنه مخلوق من المخلوقات وهذا مذموم، ويحاولون يبتغون تأويله، يبتغون أن يعرفوا حقيقة هذه الأشياء في الخارج ويحاولون الوصول إليها مع أن الله يخبرنا وما يعلم تأويله إلا الله.
الله وحده هو الذي يعلم حقيقتها في الخارج، والراس ولذلك الوقف سيكون على الله، ولتكملة والراسخون في العلم من العلماء عند هذه الآيات التي لا تعلم حقيقتها في الخارج هم يفسرونها، يفسرون المعنى لكن يقولون آمنا به لا نعلم حقيقتها في الخارج ولكننا نفسر معناها، كل من عند ربنا. واما المحكمات أهل العلم يعرفون حقيقة يعرفون معناها ويعرفون حقيقتها في الخارج. اليس كذلك؟ يعرفون معناها ويعرفون حقيقتها في الخارج، هذا الذي أراه والله سبحانه وتعالى أعلم في تفسير معنى ماذا؟ في تفسير معنى المتشابه، في تفسير معنى المحكم. المحكم ما أعوذ هكذا في النهاية نقول: المحكم ما علم معناه ولكن جهلت حقيقته في الخارج والمتشابه ما علم معناه عفوا ايش قلت؟ المحكم ما علم معناه وعلمت حقيقته في الخارج. نعم، المتشابه ما علم معناه ولكن جهلت حقيقته في الخارج، وهذا الذي جهلت حقيقته في الخارج لا يعلم تأويله إلا الله فنقف على إلا الله ونكمل والراسخون في العلم مع علمهم بالمعنى وجهلهم بالتأويل يقولون آمنا به. والتأويل إذا هنا معناه حقيقة الشيء في الخارج.
طيب ننظر في الأقوال الأخرى لأهل العلم. إذا أيها الأحبة دعونا ننظر الآن في كلام أهل العلم، وهل من الذي يوافقنا؟ من الذي لا يوافقنا اه في هذا الرأي الذي نذهب إليه وهو طبعا رأي العلماء أجلاء أفاضل من أهل العلم كابن تيمية وغيرهم. اه نقول أيها الأحبة ذكر عبد المؤمن البغدادي مجموعة من الأقوال في فهم المحكم والمتشابه. قال وفيه محكم ومتشابه، أولا يقصد بالمحكم المتشابه المحكم الخاص والمتشابه الخاص، اللي هي آية آل عمران ونحن بينا أن هذا المصطلح لا ينبغي أن يطروه، هناك ما يسمى الإحكام العام وهذا يوصف به كل القرآن، وهناك التشابه العام يوصف به كل القرآن وعرفنا مدلوله، وهناك الإحكام الخاص ويقابله التشابه الخاص، وهذا نعم جاء أنه بعض الآيات محكمة وبعض الآيات متشابهة في آية آل عمران. فماذا قال الأئمة في تفسير آل عمران؟
قال القاضي، بدأ بقول القاضي من هنا، القاضي هو أبو يعلى، قال القاضي: المحكم المفسر والمتشابه هو المجمل. هذه في الحقيقة هي عبارة أبي يعلى عبارة أبي يعلى بالمعنى وليست باللفظ، وأما في كتاب العدة يقول أبو يعلى: المحكم ما استقل بنفسه ولم يحتج إلى بيان والمتشابه ما احتاج إلى بيان. هذه لفظته بالضبط بالضبط، هو يقول: المحكم ما استقل بنفسه ولم يحتج إلى بيان، والمتشابه ما احتاج إلى بيان.
الآن أيها الأحبة نحن نلاحظ بعض آيات القرآن الكريم واضحة لا تحتاج إلى بيان، لا تحتاج إلى أن تأتي السنة النبوية تبين معناها وتوضحه، ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: 275] واضحة القضية، ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: 19] يحتاج إلى توضيح؟ ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: 19] محتاجة لتوضيح؟ إذا هذه آيات مفسرة لا تحتاج إلى بيان. هناك نوع آخر من الآيات لا مجملة لن نفهم معناها حتى تأتي السنة تبين أو تأتي آية أخرى تبين مثل ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: 43]. الآن لما نزلت هاي الآية على الصحابة هم كانوا عارفين ايش معنى الصلاة؟ دخلوها على المعنى اللغوي، ما عرفوا أن الشريعة أتت بمعنا خاص لها جديد، و﴿آتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: 141] ايش يا ربنا الحق فيها؟ آتوا الزكاة ايش يا رب الزكاة؟ هذه آيات مجملة تحتاج إلى بيان.
فعبد المؤمن البغدادي يقول يعني ينقل عن أبي يعلى أبو يعلى القاضي يقول: الآيات التي لا تحتاج توضيح تسمى محكمة، والآيات التي تحتاج إلى توضيح وبيان تسمى ايش؟ متشابهة. ايش رأيكم بفهم القاضي أبي يعلى لهذه الحكومة؟ المفصل بيننا هو الآية القرآنية، سياقها سيحدد هل يتناسب مع كلام أبي يعلى؟ الله عز وجل قال: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ۖ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ﴾ على كلام أبي يعلى يعني يتبعون الآيات التي تحتاج إلى بيان. وايش مرادهم من ذلك؟ ابتغاء الفتنة.
طب أنا لما أتبع آية محتاج إلى بيان، وأحاول أفسر معناها، وأتتبع إيش المراد بها، هل هذا معناه إني أنا أريد أفتن الناس؟ وابتغاء تأويله، سواء كنت التأويل أو التفسير أو بيان حقيقة -طبعا التفسير هو المعنى الأقرب- سيكون على قول أبي يعلى: وابتغاء تأويله، أي تفسير معنى هذه الألفاظ المجملة، لأنه هو يرى المتشابه المجمل، وابتغاء تأويله يعني ابتغاء تفسير هذا المجمل، أو ابتغاء معرفة حقيقة هذا المجمل في الخارج إيش هو راح يكون.
طيب، أيها الأحبة، هل محاولة الإنسان لفهم الآيات المجملة من خلال الرجوع إلى السنة أو التفكير في معانيها شيء يذم عليه؟ قلنا ابتغاء الفتنة وابتغاء جاء في سياق ذم، فكأن الآية تقول: هؤلاء يتبعون المتشابه يريدون فتنة الناس، ويريدون أن يأولوا شيئا كأنه يقول لا ينبغي تأويله.
طيب، تفسير الآيات المجملة التي تحتاج إلى بيان ومحاولة الرجوع إلى الكتاب والسنة لكشف هذا الإجمال، معرفة ايش معناها؟ الزكاة ايش معناها؟ فهم آيات القرآن الكريم اللي ممكن نعرف مدلولها من السنة، هل فهم معنى هذا الإجمال مما يذم عليه الإنسان؟ لا، قال لي إنه مما يذم عليه الإنسان بل هو مطلوب من العلماء الراسخين.
لذلك على قول القاضي أبي يعلى، القاضي أبو يعلى لن يكون الوقف بالتالي عنده على إلا الله، لماذا؟ يقول: نكمل وما يعلم تأويله إيش؟ إلا الله والراسخون في العلم. فعلى قول أبي يعلى، يرى أبو يعلى أن الراسخين في العلم أيضا يعلمون تفسير هذه الآيات المجملة.
الراسخون في العلم يعني الله عز وجل يعلم تفسير هذه الآيات المجملة، وأيضا الراسخون في العلم العلماء الربانيون يعلمون تفسير هذه الآيات المجملة. فأما الذين يتبعون هذه الآيات المجملة، لأنه خلاص متشابه عنده وهو المجمل، يعني يريد أن يقول: الذين يتبعون الآيات المجملة مذمومون لأنهم يبتغون الفتنة ويبتغون تفسير هذه الآيات مع أن تفسير هذه الآيات لا يعلمه إلا الله والراسخون في العلم حالة كونهم يقولون آمنا به.
الآن في الحقيقة، أيها الأحبة، لا أستطيع أن أجزم مئة بالمئة أنه كلامه خطأ، الجزم المئة بالمئة مستحيل، لأنه إذا هاي الآيات مش محسوبة من أيام العلماء ناتي احنا نحسمها. كلامه ممكن أن نقول إن الله عز وجل جعل هذه هي الآيات المجملة، واللي ذموا أن يأتي إنسان ضعيف العلم مبتدئ مثل حالات مجتمعاتنا العربية -الحمد لله- يأتي يتتبع هذه الآيات المجملة يريد بهذه الآيات الفتنة بين الناس بطرح معاني جديدة لها، ويريد أن يفسرها وهو ليس أهل التفسير، وما يعلم تفسير هذه الآيات المجملة إلا الله والراسخون في العلم.
في النهاية منطق الكلام يعني لا أستطيع أن أقول لك مش منطقي، لكن هناك بعض الأمور اللغوية التي تقتضي أن يكون الوقف على إلا الله، لأنه والراسخون في العلم تقف، يقولون آمنا به. في مشاكل لغوية ما بدي أطرحها الآن حتى ما يشكل على الطالب اللي ما عنده خبرة بعلم اللغة، فعلم اللغة يقتضي أن يكون الوقف على إلا الله هو الأقوى لغة ويعني ما في تقديرات كثيرة، فالتقدير اللغوي والناحية اللغوية تؤيد القول الذي اخترناه ابتداء وتضعف قول أبي يعلى أن الوقف على الراسخون في العلم، واثنين أن المعنى الذي ذكره محتمل لكنه ليس ظاهرا كثيرا في الآية.
بل الآيات نقول بشكل عام المجملة الشريعة هي تطلب من الإنسان البحث عنها وعن دلالتها، نعم تطلب ألا يتكلم إلا صاحب المعرفة الراسخ في العلم، لكن ليس ابتداء. ابتداء -يعني فيما يظهر لي- أن يعلق عليها أن هذا الذم الشديد، أنكم تفتنون وأنكم تتبعون تأويلها وما شابه ذلك، وأنكم ستؤدون إلى في الناس. أنا أقول فقط كتحليل، كتحليل وليس كجزم.
انظر هو مثلا ابن عقيل ايش يقول في تفسيره المتشابه والمحكم؟ يقول ابن عقيل: المتشابه ما يغمض علمه على غير العلماء المحققين، كآيات التعارض الظاهر يقصد، كآيات التعارض الظاهر. ابن عقيل رأيه قريب قليلا حقيقة من رأي أبي يعلى، يرى أن الآيات المحكمة هي الآيات التي تظهر للعامي وللعالم، والآيات المتشابهة هي التي يغمض علمها على العامي والذي يفهم معناها هو العالم لما فيها من التعارض.
ونجد أن هذا قريب حقيقة من كلام أبي يعلى، أنه مش المحكم هو الواضح الذي لا يحتاج إلى بيان، والمتشابه هو الذي يحتاج إلى بيان، فابن عقيل قريب من أبي يعلى نستطيع أن نقول.
القول الثالث: المحكم كل القرآن -هذه مني- والمتشابه الحروف المقطعة. هناك قول حصل للمتشابه أنها الحروف المقطعة، قال: هذه حروف لا أحد يعلم معناها وما الرموز التي تدل عليها؟ وهذا ذهب إليه يعني المذكور في كلام وإشارات لبعض الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أن الحروف المقطعة مما استأثر الله بعلمه، فبالتالي يكون المراد بالمتشابه ما استأثر الله بعلمه.
فبالتالي على هذا القول يكون الوقف في الآية على أين قال: إلا الله، وما تأويله إلا الله، يعني الله هو الذي يعلم تأويل آيات الحروف المقطعة. وأما الراسخون في العلم فوظيفتهم وشأنهم أن يقولوا آمنا بها ولا نعلم تفسيرها. فالقول الثالث يؤيدنا في أن الوقف على إلا الله. إذا القول الثالث: المحكم كل القرآن والمتشابه فقط الآيات المقطعة أو عفوا الحروف المقطعة.
القول الرابع: المحكم هو الوعد والوعيد، أي الآيات التي فيها وعد أو وعيد أو تحليل أو تحريم هي المحكمة، والمتشابهة الآيات التي فيها القصص والامثال، قصة نوح قصة موسى والآيات التي تضرب الأمثال، ضرب الله مثلا. إيش رأيكم بهذا الرأي؟
نقول: نعود إلى الآية، الآية تذم من اتبع المتشابه ويعتبر ممن يبتغي الفتنة ويبتغي التأويل، هل في اتباع القصص والتأمل فيها واتباع الأمثال والنظر فيها واستخلاص حكمها مما يذم عليه الإنسان؟ لا يظهر أن ذلك مما يذم عليه الإنسان، فالقول الرابع في الحقيقة فيه نوع ضعف، أنه يجعل القصص والامثال متشابهة يذم مبتغيها ومن يتبع تأويلها، وفي الحقيقة هي مطلوبة بفهمها وليس المراد منها ابتداء الفتن، فهذا في الحقيقة مضعف لهذا الرأي.
القول الخامس: هو الذي رجحه عبد المؤمن البغدادي، قال: والصحيح -الآن عبد المؤمن يبين وجهة نظره- قال: والصحيح أن المتشابه ما يجب الإيمان به ويحرم تأويله، قال: كآيات الصفات. أيوا، إذا المتشابه عند عبد المؤمن اختياره في النهاية إيش هو؟ يقول هو ما ذكر، المحكم هو ذكر المتشابه وفي النهاية أنت من المتشابه ستعرف تحقيق يعني التعريف المحكم.
المتشابه عند عبد المؤمن هو كل آية يجب الإيمان به ويحرم تأويلها. ما معنى تأويلها هنا في كلام عبد المؤمن؟ هل نقصد عبد المؤمن أن المتشابه الآيات التي يجب الإيمان بها ويحرم تأويلها بمعنى يحرم صرفها عن معناها الظاهر إلى المعنى المرجوح إلا بقرينة؟ هل يقصد التأويل هنا ويحرم تأويلها المعنى الأصولي المتأخر؟ إيش رأيكم؟ والآن بدنا نحلل في الحقيقة.
يقول: المتشابه ما يجب الإيمان به. طيب المحكم ألا يجب الإيمان به؟ إذا لسا ما انفصلش، لأنه المحكم يجب الإيمان به، طيب إيش الفاصل بين المحكم والمتشابه؟ ما يجب الإيمان به ويحرم تأويله. إيش مراده بالتأويل هون؟ فهم كلام عبد المؤمن التأويل يقول يعني الآن ممكن نفسره بالمعنى الأصولي المتأخر، لأنه قصد عبد المؤمن هنا بالتأويل يعني يحرم صرفه عن ظاهره إلى المعنى المرجوح إلا هنا.
فنقول له: طيب برضه المحكم أيضا المحكم يحرم تأويله بهذا المعنى، يحرم أن يصرف عن ظاهره إلى المعنى المرجوح إلا بقرينة، فلا فرق حينئذ بين المحكم والمتشابه. لا، إذا مش قصده بالتأويل هنا المعنى الأصولي. هل قصده بالتأويل التفسير؟ المتشابه ما يجب الإيمان به ويحرم تأويله، يعني يحرم تفسيره، تفسير معنى.
في الحقيقة الذي يظهر لي هو أنه يريد هذا المعنى، يريد أن المتشابه ما يجب الإيمان به ويحرم أن نتطرق إلى تفسيره والدخول في معناه. وما يقوي ذلك أنه ذكر مثالا اتفق عليه طائفة من المفوضة الحنابلة، وهو آيات الصفات. الآن مشكلة الحنابلة وفيهم مفوضة ولا ايش طريقتهم هاي ما بدي أدخل حالي فيها الآن، دعوها إن شاء الله في علم العقائد.
لكن مما لا شك فيه ولا نزاع فيه، بعض الحنابلة كانوا على طريقة المفوضة، من هم المفوضة؟ المفوضة هم الذين يثبتون ألفاظ الصفات ولكنهم يفوضون معناها إلى الله ويقولون هذه الألفاظ لا نعلم معناها. يثبتون اللفظ لا يأولون، لا يصرفونه عن معناه الظاهر، لا يأتون له بمعناه جديد، بل يفوضون معناه إلى الله، يقولون هذه ألفاظ لا نعلم معناها. اليدين، بل يداه مبسوطتان، لا نعلم ما معنى اليدين.
هل لها هي المعنى الظاهر؟ يقولون نقف. لا. هل معنى مرجوح؟ يقولوا لا. طب إيش معناها؟ نقول: الله أعلم بمعناها، لا نفسرها. لفظ الوجه، لفظ الإصبع، لفظ اليد وغيرها من الألفاظ التي جاءت ثابتة لله سبحانه وتعالى، يفوضون معناها. الاستواء، الضحك، التعجب، الصفات الاختيارية بشكل عام. قالوا: نثبت لفظها ولا نفسر معناها، نفوضه إلى الله، لا نعلم معنى أن الله يغضب، لا نعلم معنى أن الله يستوي على العرش.
وعلى ذلك فإذا هو سار على طريقة بعض المفوضة، فيقصد بالتأويل هنا التفسير. إذن اتضح معنا، إذا الفرق عنده بين المحكم والمتشابه أن المحكم عند عبد المؤمن هي الآيات التي يؤمن بها ويفسر معناها ويأول معناها أن يفسر، والمتشابه هي الآيات التي نؤمن بها لكننا لا نفسر معناها، نؤمن بها لفظا أنها من الله لكننا لا نفسر آيات الصفات.
الآن ذكر مثال آيات الصفات، هل آيات الصفات، أيها الأحبة، فعلا كما يقول عبد المؤمن وكما تقول المفوضة لا يجوز أن نفسرها ونثبت لها معاني؟ هذا مخالف لطريقة أهل السنة والجماعة. آيات الصفات يثبت لها المعاني، يثبت لها معانيها، ولكن الذي يحرم تأويله أي تفسيره ما هو؟ هو كيفيتها وكيفية اتصاف الله بها. فآيات الصفات فيها جهتان: جهة المعنى وجهة الكيفية. فمن حيث المعنى مؤول، أي نفسر، ومن حيث الكيفية يحرم التأويل يحرم التفسير.
صح؟ بالتالي، أيها الأحبة، نقول آيات الصفات لا تصلح مثالا على المتشابه كما يريد بعض أهل البدع، بل آيات الصفات محكمة المعاني، واضحة المعاني، وإنما التشابه فيها لو أردنا أن نثبت تشابها في كيفيتها، فلو قال قائل آيات الصفات محكمة المعنى متشابهة الكيف لا أشكال عندي، أما أن تطلق ابتداء الآيات السور متشابهة بمعنى أنه لا يعلم معناها ونقف فيه ولا تدل على دلالة هذا خطأ، بل يفهم معناها وتدل على معاني، ولكن المتشابه وكيفيتها.
الآن يمكن طالب يناقشني يقول: طب شيخ حاول تطبق المعنى الثالث للتأويل، قال: ما يجب الإيمان به ويحرم تأويله، يعني يحرم البحث عن حقيقته في الخارج، هو الثالث أنا ذكرتوش، التأويل معنى صار في اللفظ معناه الظاهر قلت هذا لا يمكن، وذكرت التأويل معنى التفسير وهذا المعنى الذي يظهر لي من كلام عبد المؤمن، لكن معنى الفائز الذي تطرقنا له في التأويل أنه التأويل هو معرفة حقيقة الشيء في الخارج.
هل يمكن أنه يكون عبد المؤمن البغدادي أراد هذا المعنى الثالث؟ وقال: المتشابه ما يجب الإيمان به ويحرم تأويله، يعني يحرم البحث عن حقيقته في الخارج كآيات الصفات، يمكن؟ ليه؟ نعم، ليه يعني هل أنا لو حملنا أنه يحرم تأويله أنه يحرم البحث عن حقيقتها في الخارج بخلاف المحكم يجب الإيمان به ويجوز تأويله البحث عن حقيقته في الخارج، ثم مثل بآيات الصفات لما فعلا يحرم تأويله يعني لما يحرم البحث عن حقيقتها في الخارج.
الحقيقة لا يظهر لي، يعني أقول ابتداء لا مانع أن يكون عبد المؤمن أراد هذا المعنى، حقيقة لا مانع أن يكون عبد المؤمن أراد هذا المعنى إن أراد أنه يريد التأويل يعني حقيقة الشيء في الخارج، لكن يعني هذا كجواز عقلي أنه لا يمنع أن يكون أراد المتشابه ما يجب الإيمان به ويحرم تأويله أن يحرم البحث عن حقيقته في الخارج، وهو المعنى الذي رجحناه ابتداء.
ثم مثل آيات الصفات نعم هي مثال على ما يحرم البحث عن حقيقتها في الخارج، لأنك لن تستطيع أن تعرف حقيقتها في الخارج، أنت لا تعرف ذات لا تعرف ذات الله فكيف تعرف حقيقة انتصافه بهذه الصفات؟
لكن الذي يمنعني أو الذي يضعف أنت في النهاية ليست قضية حاسمة عندنا، ولكن محاولة فهم وتحليل، الذي يمنعنا من اختيار أن هذا هو مراد عبد المؤمن البغدادي أنه طائفة كبيرة من الحنابلة أرادت بالتأويل هنا كما قلت التفسير، وأرادت أن هذه آيات الصفات آيات يجب تفويض معناها إلى الله، فأطلقوا التأويل بمعنى التفسير، يعني غيره من الحنابلة ممن هو يعني ينتمي إلى طائفتهم يريدون بالتأويل هنا التفسير.
ثانيا: استخدام التأويل في كلام العلماء بمعنى حقيقة الشيء الذي يؤول إليها في الخارج قليل جدا جدا، قليل جدا، ففي كتب الأصول وكتب اللغة، عفوا كتب الأصول وكتب الفقه وما شابه ذلك، التأويل إذا أطلق عندهم إما على المعنى المتأخر اللفظ عن معناه الظاهر إذن المعنى المرجوح، وإما بمعنى التفسير، وأطلاقه على قضية حقيقة الشيء في الخارج نادر جدا، فلذلك صعب علي أني أحمل هذه اللفظة من عبد المؤمن على المعنى القليل النادر، بل أحملها على أقرب المعاني التي تصحها وانه أراد التفسير وانه تبع في ذلك طائفة من المفوضة الحنابلة، وسبقه في ذلك طبعا من القدامى في روضة الناظر جعل آيات الصفات من المتشابه.
لذلك يعني أنا أقول لك دائما لما تقرأ كلام عبد المؤمن أنا أنصح الطالب بأن يشتري كتاب شرح مختصر الروضة للطوفي، الطوفي اختصر روضة الناظر لابن هشام.
اللي قدامي في متن اسمه البلبل، وشرحه في ثلاث مجلدات اسمه شرح مختصر الروضة. وفي الحقيقة كثير من الإشكاليات التي تجمل علينا هنا وتبهم علينا، أجدها عند في واضحة في متنه وفي مختصره وفي شرحه. فدائما الرجوع إلى شرح مختصر الروضة يعينك على فهم كلام عبد المؤمن؛ لأن العبارة جدا متقاربة بين عبد المؤمن والطوفي وابن قدامة. طبعا ابن قدامة هو قبل عبد المؤمن البغدادي. لذلك كما قلنا كقديم في بداية الكتاب، إنه منهم من قال إن كتاب عبد المؤمن هو مختصر من كتاب ابن قدامة. وقلنا هذه الدعوة مردودة ليس مختصرا، وإن كانت في الحقيقة عبارته جدا جدا قريبة من عبارة ابن قدامة، مما يدلنا على أنه لم يختصر كتاب ابن قدامة، لكنه اطلع عليه واستفاد من ألفاظه كثيرا.
جميل، التأويل هنا إذا أيها الأحبة المراد به فيما يظهر للتفسير، وسارع في ذلك على طريقة بعض المفوضة من الحنابلة أن المتشابه يجب الإيمان به ولا نتطرق إلى معناه، بخلاف المحكم. يجب الإيمان به ونتطرق إلى معناه. والتمثيل بآيات الصفات قلنا فيه إشكال؛ آيات الصفات وتفسيرها واضح لكن كيفية اتصاف الله بها هناك التشابه. فبالتالي أيها الأحبة، خلاصة القول الذي نذهب إليه في المحكم والمتشابه أن المحكم ما علم معناه. يعني لو صححنا أنه عبد المؤمن يريد بالتأويل هنا حقيقة الشيء في الخارج، يكون خلص وافقنا في المعنى الذي نريده. فنقول المحكم أيها الأحبة باختصار هو ما علم معناه وعلمت حقيقته في الخارج، وهذا يعلمه الله عز وجل ويعلمه الناس ويعلمه العلماء.
المتشابه، وهذا المحكم طبعا هذا المحكم إن استدراك هذا المحكم الذي يعلمه الله ويعلمه الناس على مراتب الناس في فهمه. الراسخون في العلم يفهمونه أجل الفهم يوضحونه لعوام الناس. يعني لا يعني أنه شيء محكم أنه العامي الطفل والمرأة والجاهل الكل يفهم هذا المعنى، لأ. قد يكون شيئا محكما ولكنه هو محكم وواضح المعنى، لكن فلان لجهله لا يعرف معناه فيحتاج إلى عالم يبين له المعنى، ومع ذلك يبقى محكما. فالمحكم إذا هو ما علم معناه وعلمت حقيقته في الخارج. واما المتشابه ما علم معناه لكنه لم تعلم حقيقته في الخارج. إيش مثل هذا المتشابه؟ آيات الصفات في الخارج مجهولة، أخبار اليوم الآخر والملاحم وما يحدث يوم القيامة مما ورد في القرآن الكريم مجهولة الكيفية، وكذلك عذاب القبر وما شابه ذلك.
إذا هاي ثالث القضايا ذكرناها في مفهوم الكتاب؛ قضية الحقيقة والمجاز، وقضية المعرب، وقضية المحكم والمتشابه. في الدرس القادم إن شاء الله نبدأ في السنة فنبين أقسامها ونتكلم عن أحكامها. نسأل الله أن نكون وفقنا في تقريب الصورة قدر الإمكان، مسائل جديدة جهد من الطالب في التدوين ومحاولة التأمل. نسأل الله أن يوفقنا جميعا لما فيه الخير والنفع، وأن يهدينا وأن يرشد قلوبنا، وأن يعيننا على فهم كلام الأئمة المتقدمين وأن يلحقنا بمنازلهم جميعا. فمما أقوله في ختام الدرس، مهما انتقدنا ومهما وجهنا ومهما حللنا، فهؤلاء أئمة عظام لا نقف إلا عند أقدامهم إجلالا وإكبارا لما صنفوه من الكتب، ولما قدموه لهذه الأمة من إنجازات ومن تراث. لا يسعنا إلا أن نترحم عليهم جميعا، رحمة الله عليهم اجمعين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل