بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم. أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، ومحجة للسالكين، وحبيبنا وقرة أعيننا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين. حياكم الله أيها الأحبة في مجلس جديد في شرح كتاب قواعد الأصول ومعاقد الفصول للإامام عبد المؤمن البغدادي رحمة الله تعالى عليه.
وقد انتهى بنا المطاف أيها الأحبة إلى باب النهي، وهو الباب الذي يقابل باب الأمر. ونحن في الدروس المتأخرة في قواعد الأصول ومعاقد الفصول ما نتحدث ونجول في الكلام عن دلالات الألفاظ؛ فتكلمنا عن العام والخاص، وتكلمنا عن المطلق والمقيد، وتكلمنا عن الأمر ويقابله النهي سنتحدث عنه اليوم، ثم بعد ذلك سنتحدث عن المفاهيم.
ومراراً وتكراراً قلنا أيها الأحبة: أهم مباحث دلالات الألفاظ التي يقصدها الأصوليون في البحث لأنها مؤثرة في الأحكام هي هذه الأبواب الأربعة: مبحث العام والخاص، ومبحث المطلق والمقيد، ومبحث الأمر والنهي، وأخيراً مبحث المفاهيم. وكما ذكرنا ونقلنا في الدرس الماضي أو قبل الماضي عن الإامام السرخسي رحمة الله تعالى عليه حين جعل باب الأمر والنهي هو الأصل في التكاليف؛ حيث جاء يقول: إن مدار التكاليف تدل على الأوامر وعلى النواهي.
وبالتالي فعلاً كان الأفضل أن يقدم باب الأمر وباب النهي في البحث على باب العام والخاص وعلى باب المطلق والمقيد، لكن هذا مسلك سلكه عبد المؤمن البغدادي أنه بحث العام والخاص والمطلق والمقيد، ثم بعد ذلك ذكر باب الأمر والنهي. ونحن نلاحظ أيها الأحبة كيف أن الأصوليين يتوسعون في الأمر؛ يبدؤون في تحديد ما هو الأمر، ثم ما هي الصيغ التي تستخدم له، ثم ما هي الدلالات الالتزامية لهذه الصيغ؛ هذا الأمر يدل على الوجوب أو يدل على الندب أو الإباحة، هذا الأمر يدل على الفور أو على التراخي، هذا الأمر يدل على التكرار هل الأمر يقتضي الإجزاء أو لا يقتضي؟ هل الأمر يستلزم النهي عن ضدها ولا يستلزم؟
إذاً الأصوليون يتوسعون ويبحثون جميع الدلالات التي تتعلق بالأمر، لأن هذه الدلالات ينبني عليها استنباط الحكم الشرعي بشكل صحيح وواضح. وكذلك أيها الأحبة الكلام في النهي؛ فالنهي أيضاً لابد أن تعرف ما هو النهي، أن تعرف ما هي الصيغة المستخدمة في أساليب النهي أو في أسلوب النهي، أن تعرف ما هي الدلالات التي تحملها هذه الصيغة وعلام تدل، أيضاً عليك أن تعرف كثيراً مما يحيط بهذه الصيغة من مسألة؛ هل النهي يقتضي الفساد؟ علاقة النهي بالفساد والبطلان وعدم علاقته بذلك المسألة التي ستأتي معنا اليوم. إذاً هناك عديد من الدلالات ينبغي أن تبحث في النهي كما بحثت سابقاً في باب الأمر، وعليها ينبني استنباط الحكم الشرعي بشكل صحيح.
نبدأ اليوم أيها الأحبة في دراسة باب النهي، وعبد المؤمن كما ستلاحظون اختصر كثيراً في باب النهي، واعتمد على دراستك لباب الأمر في فهم كثير من المسائل التي تتعلق بباب النهي كما ستلاحظون بإذن الله. نبدأ مع عبد المؤمن رحمة الله عليه وسنبدأ كالعادة في تعريف النهي. ماذا قال عبد المؤمن رحمة الله عليه؟ قال: والنهي يقابل الأمر عكس، يعني أن النهي هو في مقابل الأمر وهو عكس الأمر. ما تعريفه؟ قال: وهو استدعاء الترك بالقول على وجه الاستعلاء.
إذاً أيها الأحبة الخلاف الطويل الذي سردناه في تعريف الأمر سيعود معنا مرة أخرى في تعريف النهي. تذكرون في المحاضرة قبل الماضية حين تكلمنا عن تعريف الأمر والخلاف بين أهل السنة والاشاعرة والمعتزلة فيما هو الأمر؛ فعرفنا عند أهل السنة أن الأمر هو اللفظ الدال على طلب الفعل، فالامر هو اللفظ، الأمر اسم سماه اللفظ، اللفظ الدال على طلب الفعل. وأما عند من يقول إن الكلام حقيقة في المعنى القائم في النفس، والأمر هو نوع من أنواع هذا الكلام، والكلام هو المعنى القائم في النفس، طريقة الأشاعرة ومن سار على دربهم، فإنهم عرفوا الأمر بأنه استدعاء الفعل بالقول.
فعندهم الأمر هو الاستدعاء للفعل، والاستدعاء هو معنى يكون في نفس الأمر، كأن استدعاه هو معنى قائم في النفس، فأن تستدعي الفعل هذا هو الأمر، والقول هو دليل على هذا الاستدعاء القائم في نفسك. بلغة سهلة مبسوطة أكثر لك أيها الطالب: يعني أنت في داخلك تريد أن تأمر، أن تطلب من شخص أن يقوم بفعل معين، تريد من شخص أمامك مثلاً أن يدرس؛ هذا المعنى القائم في نفسك انك تريد أن تطلب منه الدراسة، هذا المعنى الذي في النفس هو الذي يسمى أمراً، واللفظ اللساني حينما تقول له: ادرس، هذا اللفظ اللساني هو دليل على هذا الاستدعاء، على هذا الطلب في نفسك، إذاً هو دليل على الأمر، فاللفظ دليل على الأمر عند الأشاعرة ومن نحى منحاهم وليس هو الأمر. وأما عند أهل السنة لا؛ اللفظ اللساني هو الأمر.
المعتزلة إيش كانت مشكلتهم في الأمر كما درسنا؟ المعتزلة شرطوا شرطاً، قالوا: الأمر لا يسمى أمراً حتى يقترن معه إرادة الأمر من المأمور الامتثال. المعتزلة ماذا قالوا؟ تراجعون أيها الأحبة، المعتزلة قالوا: الأمر لا يسمى أمراً حتى يقترن بإرادة الأمر من المأمور الامتثال، وفسرنا ذلك؛ يعني إذا أنا أمرت شخصاً أمامي فقلت له: ادرس، عند المعتزلة حتى تكون ادرس أمراً لابد أن يكون الأمر في قلبه وفي وجدانه يريد من المأمور الامتثال. أما إذا أنا قلت لك: ادرس، وأنا في داخلي وفي قرارة نفسي لا اريد منك الدراسة، فقط أمرتك هكذا ولكني في داخلي لا أريد منك ذلك، فحتى لو قلت لك: ادرس، عند المعتزلة لا يتم أمراً؛ لماذا؟ لأن شرط الأمر عندهم أن الأمر في قلبه يريد من المأمور الامتثال، فإذا لم تكن هناك إرادة من الأمر الامتثال للمأمور فحتى لو تلفظت بصيغة الأمر لا يعد هذا أمراً. هذا خلاصة ما ذكرناه في تعريف الأمر، والآن ننقله إلى النهي.
فعند أهل السنة أيها الأحبة ما هو النهي؟ النهي في تعريف أهل السنة والجماعة هو موافق لتعريف النهي لغة، فالنهي هو اللفظ، النهي هو اللفظ الدال على طلب الترك أو قل على طلب الكف. فما هو النهي الآن اكتب عندك، النهي على طريقة أهل السنة هو اللفظ الدال على طلب الترك أو الكف، جميل أيها الأحبة؟ فإذن النهي هو اللفظ كما أن الأمر هو اللفظ، النهي مقابل للأمر، الأمر هو اللفظ، إذاً لابد يكون النهي هو اللفظ، فالنهي هو اسم للفظ الدال على طلب الترك أو على طلب الكف عن الشيء.
الآن على طريقة الأشاعرة ومن يقول بالكلام النفسي ماذا سيكون تعريف النهي عندهم؟ هو ما اختاره عبد المؤمن البغدادي، وكما قلنا عبد المؤمن ليس على طريقة الأشاعرة، ولكن ربما تأثر تأثراً بهذا، أو لم ينتبه أن هذا التعريف للنهي يسير على اصول الأشاعرة ومن سار على دربهم، فالأشاعرة ومن يقول بالكلام النفسي يعرفونه كما عرفه عبد المؤمن البغدادي بأنه استدعاء الترك. النهي ما هو عند الأشاعرة؟ استدعاء الترك. إذاً النهي هو الاستدعاء، والاستدعاء ما هو؟ هو معنى قائم في النفس، يعني أنت في ذلك وفي نفسك تريد من شخص ما أن يترك شيئاً، هذا الذي يدور في وجدانك وفي خلفك بطلب أو استدعاء الترك من شخص هذا يسمى النهي، واللفظ اللساني لا تفعل هو تعبير عن هذا الاستدعاء القائم في نفسه، هو دليل على هذا الاستدعاء القائم في نفسه، إذاً هو دليل على النهي؛ لأن النهي هو الاستدعاء واللفظ دليل على الاستدعاء، إذاً هو دليل على النهي.
لذلك انظروا ماذا قال عبد المؤمن، قال: النهي هو استدعاء الترك بالقول. فالقول اللساني دليل على الاستدعاء، دليل على النهي وليس هو النهي بحد ذاته، ثم أضاف عبد المؤمن القيد الذي أضافه في الأمر، فقال: استدعاء الترك بالقول على وجه الاستعلاء. وقلنا: ما معنى على وجه الاستعلاء؟ أن يشعر الناهي بأنه أعلى مرتبة من المنهي. هذا معنى على وجه الاستعلاء؛ أن يشعر الناهي بأنه أعلى مرتبة، شعور داخلي أن يشعر الناهي بأنه أعلى وأسمى مرتبة من المنهي.
بناء على هذا على تعريف عبد المؤمن إذا لم يشعر إذا انسان استدعى الترك بالقول ولكن لم يشعر بالاستعلاء لم يشعر بأنه أعلى مرتبة من المنهي فهذا ليس نهياً، ولا إيش يسمى يا شيخ؟ قالوا هكذا، قالوا: إذا كان الناهي يستشعر بأنه أدنى مرتبة من المنهي فهذا يسمى دعاء، فقوله سبحانه وتعالى على ألسنتنا: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ لا تسمى نهياً على طريقة عبد المؤمن البغدادي؛ لماذا؟ لان المتكلم بهذه اللفظ: ﴿لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ هو نحن العبيد، طب من هو المخاطب المنهي؟ الله سبحانه وتعالى، وقطعاً العبد لا يشعر بالاستعلاء على ربه والعياذ بالله، فبالتالي لا تزغ لا يسمى نهياً على تعريف عبد المؤمن البغدادي، إيش تسمى؟ تسمى دعاء.
فنقول: إذا كان هناك استدعاء للترك بالقول، ولكن الناهي يشعر بأنه أدنى مرتبة من المنهي، فهذا يسمى دعاء. طيب إذا شعر الناهي بأنه في مرتبة مساوية لمرتبة المنهي ليس أدنى منه وليس أعلى منه، هذا ماذا يسمى؟ قالوا: هذا يسمى التماساً. ربما هذه لم يذكر المسألة في الأمر، هذه المسألة أيضاً في الأمر. وماذا قال في الأمر؟ الأمر هو استدعاء الفعل بالقول على وجه الاستعلاء، فقلنا في الأمر: إذا كان استدعاء الفعل بالقول لا على وجه الاستعلاء، إذا شعر الأمر بأنه أدنى مرتبة من المأمور فهذا يسمى دعاء؛ أنت تقول تخاطب الرب سبحانه وتعالى: اغفر لي يا الله، على تعريف عبد المؤمن البغدادي هذا لا يسمى أمراً: اغفر؛ لأن المتكلم لا يشعر بأنه أعلى مرتبة من المأمور، لا يشعر بالاستعلاء، وهو الأمر هو استدعاء الفعل بالقول على وجه الاستعلاء وهنا لا يوجد استعلاء، قال: فهذا يسمى دعاء؛ لأن الأمر يشعر بأنه أدنى مرتبة من.
إن كان الأمر يشعر بأنه بنفس مرتبة المأمور لا يزيد عنه ولا ينقص عنه فهذا يسمى أيضاً التماساً. بالتالي أيها الأحبة إذاً هناك مصطلحات جيدة أن الطالب يتقن الفرق بينها؛ هناك أيها الأحبة أمر كما على السبورة، وهناك نهي، وهناك من الأمر ما يسمى التماساً، وهناك ما يسمى دعاء، وهناك من النهي التماساً وهناك ما يسمى دعاء. والآن ما هو الأمر وما هو النهي؟
الآن أيها الأحبة في الحقيقة أنا أريد أعطيكم معلومة على الهامش؛ التقسيم الثلاثي إلى أمر والتماس ودعاء، أو نهي والتماس ودعاء، هذا في الحقيقة هو من تبعات القول بالكلام النفسي، من تبعات القول بالكلام النفسي؛ يعني من قال إن الكلام هو المعنى القائم في النفس، وجعل الأمر هو من المعاني النفسية، وجعل النهي من المعاني النفسية، هؤلاء هم الذين يرد عندهم هذا التقسيم الثلاثي إلى أن هناك أمر والتماس ودعاء، وهناك نهي والتماس ودعاء.
أما على طريقة أهل السنة الذين يرون أن الأمر هو اللفظ اللساني، وأن النهي هو اللفظ اللساني، لا تأتي عندهم هذه التقاسيم الثلاثية، لا تأتي عندهم هذه التقاسيم الثلاثية، عندهم فقط أمر وعندهن نهي. طب يا شيخ لا تزغ قلوبنا عند اهل السنة يسمونها نهي؟ يعني هل اهل السنة يقولون العبد هنا عندما يقول لا تزغ يا رب قلبي هل هو ينهى الله؟ أقول من ناحية أدبية لا اسميه نهياً، اسميه دعاء. من ناحية أدبية، لكن من ناحية لغوية هو نهي، حينما اقول: اغفر لي يا رب اغفر، الآن من ناحية أدبية اسميها إيش؟ دعاء، لكن من ناحية لفظية لغوية اسميها إيش؟ أمراً، جميل؟
فعلينا على طريق أهل السنة أن نفرق بين الناحية الأدبية الخلقية الذوقية ومن الناحية التحقيقية العلمية، جميل. أما عند من يقول بالكلام النفسي فهؤلاء هم الذين يرد عندهم التقسيم الثلاثي الذي ستجدونه في جل مصنفاتهم في البلاغة في أصول الفقه في اللغة، هذه التقسيم الثلاثي يتكرر حتى في المنطق، يقولون: هناك أمر والتماس ودعاء، هناك نهي والتماس ودعاء.
سبب هذا أيها الأحبة كما قلت لكم: أن الذين يقولون بالكلام النفسي كثير منهم يشترطون.. مرتي دقيقة أنا حتى ما أظلم الجماعة، ليس كل من يقول بالكلام النفسي يشترط الاستعلاء، في الحقيقة بنلاقي شرط الاستعلاء، هناك من يشترط شيء آخر، هناك من يشترط العلو، وهناك من يشترط العلو والاستعلاء، ففي الحقيقة عندهم أربع أقوال مثبتة الكلام النفسي، ولن أخوض في هذه الأقوال الأربعة لا يهمني الآن نقاش ربما في مثل أعلى إن شاء الله تأتينا فرصة أوسع بسط الكلام حول هذه الأربعة عندهم، لكن الآن سأناقش اختيار عبد المؤمن البغدادي فقط أحد هذه الأقوال الأربعة.
عبد المؤمن سلك مسلك كثير ممن يثبت الكلام النفسي أنه يشترط في الأمر ماذا؟ يشترط في الأمر أن يكون استدعاء للفعل بالقول على وجه الاستعلاء، فإذاً من حقيقة الأمر من ماهية الأمر وجود موضوع الاستعلاء، فكذلك في النهي عبد المؤمن يقول: النهي هو استدعاء الترك بالقول على وجه الاستعلاء. فقضية الاستعلاء هي جزء من مفهوم النهي عند عبد المؤمن البغدادي وطائفة كبيرة ممن يثبت الكلام النفسي، بالتالي إذا لم يوجد الاستعلاء في إذا لم يوجد الاستعلاء في استدعاء الفعل أو لم يوجد الاستعلاء في استدعاء الترك فهذا لا يسمى أمراً ولا نهياً عندهم. إذا كان هناك استدعاء للفعل بالقول ولكن كما قلنا المأمور يشعر بأنه أدنى مرتبة من الآمر.
أشعر بأنه أدنى مرتبة من المأمور، هذا يسمى دعاءه، وإذا كان هناك استدعاء للفعل بالقول أمر يشعر بأنه مرتبط المأمور، هذا يسمى التماس. وكذلك اذهبوا إلى النهي نفس طريقة التفكير. الآن، شرط النهي حتى يسمى نهي استدعاء ترك بالقول على وجه الاستغناء. إذا لم يوجد القيد الأخير، لم توجد قضية الاستعلاء هذا الشعور الداخلي، بل كان الناهي يشعر بأنه أدنى مرتبة من المنهيين، كما قلت لكم: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ [آل عمران: 8]، هذا يسمى دعاءً لا يسمى نهياً. وتسميته دعاءً عندهم ليست تسمية أدبية، تسمية لأنهم يشترطون في النهي قضية الاستعلاء، فهي تسمية حقيقية، أهل السنة عندهم تسمية أدبية.
وإذا كان النهي يشعر بأنه بنفس مرتبة، فهذا لا يسمى نهياً، وإنما يسمى التماساً، لماذا كما قلنا؟ لأن عبدي المؤمن أحفظ، عبدي المؤمن جعل قضية الاستعلاء داخلة في مفهوم الأمر وداخل في مفهوم النهي، بالتالي هو ناقص من ثلاثي: أمر التماس دعاء ونهي التماس دعاء. إذا ممتاز، عرفنا إذاً النهي عند أهل السنة والجماعة ما هو؟ أظن أنكم كتبتم: النهي عند أهل السنة والجماعة هو اللفظ الدال على طلب الترك أو على طلب الكف. جميل. النهي عند الأشاعرة ومن يقول بالكلام النفسي ما هو؟ هو استدعاء الترك بالقول على وجه الاستعلاء، هذا اختيار عبد المؤمن البغدادي، وكما قلت عبد المؤمن ليس أشعرياً ولكنه وافقهم في هذه الجزئية. هل هو كان منتبه؟ لم يكن منتبه، هذا الأمر يعود إليه، رحمة الله عليه.
نأتي لهذا المعتزلة وهناك نتكلم عن الفرق الثلاث. المعتزلة أيها الأحبة، كما أنهم اشترطوا في موضوع الأمر حتى يسمى أمر وجود الارادة كما ذكرت قبل قليل، كذلك اشترطوا هذا في النهي، فقالوا: لا يسمى النهي نهياً، لاحظوا، لا يسمى النهي نهياً حتى يكون الناهي يريد من المنهي الامتثال بالترك. ما معنى ذلك؟ معنى ذلك، إذا قلت لك: لا تأكل الرز، ممتاز؟ وأنا في داخلي، أنا الآن باللغة أسقط أنك لا تأكل الرز، ولكن أنا في داخلي في وجداني اريدك أن تأكل الرز، اريدك أن تأكل الرز. قالوا: هذا لا يسمى نهياً. إذا قلت لك: لا تأكل الرز وأنا الناهي في الحقيقة لا اريد منك أن تمتثل لهذا النهي، بل اريدك أن تأكل الرز في داخلي هكذا اريد، قالوا: هذا لا يسمى نهياً.
فشرط النهي عندهم ماذا أيها الأحبة؟ ايش شرط النهي عندهم؟ شرط النهي حتى يسمى نهي أن يقول النهي هو اللفظ الدال على طلب الترك ممتاز مع ارادة الناهي من المنهي الامتثال. مع ارادة الناهي من المنهي الامتثال. يعني كيف عبد المؤمن البغدادي جعل موضوع الشعور بالاستعلاء داخل في مفهوم النهي، المعتزلة جعلوا موضوع ارادة النهي من المنهي الامتثال داخل في مفهوم النهي. أما أهل السنة والجماعة يوافقون أهل اللغة، يقولون: يا جماعة الخير، النهي هو اللفظ الدال على طلب الترك، واما الامور والجواذب التي تتكلمون عنها ليست داخلة في مفهوم النهي. إذا قلت لرجل: لا تأكل لا تشرب، خلاص وجد النهي، شعر بالاستعلاء ما شعر بالاستعلاء وجدت ارادة الامتثال، من توجد منه ارادة بالامتثال هذا كله لا يدخل في الحقيقة في موضوع النهي.
وكما قلت لكم، أكثر هذه الخلافات سببها يعود إلى امور عقدية، أكثر هذه الخلافات يعود إلى امور عقدية. يعني إشارة سريعة فقط على الهامش، المعتزلة أيها الأحبة، لماذا يشترطون الارادة؟ قضية اشتراط الارادة تعود في الحقيقة لجذور فكرية عندهم فيما يتعلق بإرادة الله سبحانه وتعالى. المعتزلة أيها الأحبة في باب الارادة، الآن أهل السنة يثبتون لله سبحانه وتعالى كم إرادة؟ نثبت لله عز وجل إرادتين، هناك إرادة كونية وهناك إرادة شرعية. كيف ذلك؟ الآن أيها الأحبة، الله سبحانه وتعالى هل أراد هيك سؤال؟ سؤال خطير ممكن واحد يسألك إياه، هل الله سبحانه وتعالى أراد من أبي جهل الإسلام؟ هل الله أراد أن يجاهد الإسلام؟ فماذا تجيب؟ أهل السنة ماذا يقولون؟ يقولون: أراده منه شرعاً ولكنه لم يرده قدراً. يعني الله عز وجل من ناحية الإرادة الشرعية نعم يريد من أبي جهل الإسلام، ولكن من حيث الإرادة الكونية لم يرد ذلك منه.
لماذا ذلك؟ حتى نقول الرجالة أيها الأحبة عندما كفر هو لم يكفر ويخرج عن إرادة الله بكفره، بل كفره بإرادة الله. أليس كذلك؟ هل هناك أيها الأحبة حركة في هذا الكون؟ هل هناك خطرة قلب في هذا الكون من دون إرادة الله سبحانه وتعالى؟ هل يمكن واحدة أن تخرج عن إرادة الله عز وجل؟ هل يمكن لورقة أن تسقط من شجرة والله سبحانه وتعالى لا يريد ذلك؟ إذاً أهل السنة يقولون: ما من حركة في هذا الكون إلا وهي بإرادة الرب سبحانه وتعالى. فهنا يأتي العقل البشري ممن يريد أن يتعمق، فكان يحق له أن يقف، ماذا يقول بعض الناس؟ يقول بعض الناس: يا شيخ، طب إذا كان هؤلاء الكفار الله سبحانه وتعالى أراد لهم الكفر صح، فكيف إذا خاطبهم بالإسلام ووجه إليهم الأمر بالإسلام؟ أقول: وجه إليهم الأمر بالإسلام وخاطبهم بالإسلام إرادة شرعية، ولكنه لم يرد ذلك منهم بإرادته الكونية لما سبق في علمه من المصالح والمفاسد التي ليس من شأن البشر أن يبحثوا لماذا أراد الله عز وجل تقبل منهم ذلك، وإن كان البعض يحاول أن يلاحق بعض المصالح لكن ليس لك أيها المخلوق الضعيف أن تسأل لماذا سبحانه وتعالى لم يرد قدراً من أبي جهل الإسلام وأراد الإسلام من عمر بن الخطاب.
هذا في علم الله سبحانه وتعالى وحكمته، لكن أنا باختصار فقط اردت أن أبین له أهل السنة رضي الله تعالى عنهم يثبتون لله إرادتين، إرادة شرعية هي التي بها يتوجه الأمر إلى البشر ويتوجه النهي إلى البشر، فإذا وجه الله الأمر إلى البشر نقول: يريد الله بإرادته الشرعية منهم أن يفعلوا، وإذا وجه الله النهي إلى البشر نقول: يريد الله سبحانه وتعالى بإرادته الشرعية منهم ايش؟ الترك. ولكن بإرادتهم الكونية، هل أي سؤال ممكن هنا لاحظوا، هل يمكن أن الله سبحانه وتعالى يأمر رجل بالإسلام وهو لا يريد كَوْناً منه ذلك، كَوْناً ينكر ذلك، كما فعل مع أبي جهل، الله أمره بالإسلام وبعث إليه النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن لم يرد الله عز وجل منه بالإرادة الكونية الإسلام لحكمة منه عز وجل.
فهل نقول والله لأن الله عز وجل في إرادته الكونية لم يرد من أبي جهل الإسلام إذاً هو لم يأمره بالإسلام؟ خطأ، الله أمر بالإنسان، وجد مفهوم أمراً في حق أبي جهل، ولكن الله عز وجل لم يرد منه الامتثال قدراً، الله عز وجل خاطب الكفار بالإسلام خاطبهم بالصلاة والزكاة والحج وغيرها من الأمور، خاطبهم أمراً ونهاهم عن الفواحش وكذا وكذا وكذا. ولكن عندما لم يمتثلوا للأوامر، عدم امتثالهم للأوامر وبإرادة الله، وعدم تكرارهم وتركهم للمنهيات وأيضاً بإرادة الله، جميل؟ ففي النهاية إذا الإنسان الله أمره بشيء وهذا الإنسان لم يفعل هذا الشيء يكون الله عز وجل أراد من هذا الشخص أن لا يفعل هذا الشيء بحكمة منه.
وإذا نهى الله العبد عن شيء وهذا العبد ما دفن للنهي وفعل هذا الشيء، الله عز وجل هو أراد لهذا العبد أن يفعل هذا الشيء، كل شيء ميراد سبحانه وتعالى. فهل كون الله أراد لأبي جهل بإرادته الكونية عدم الإسلام يعني أن الله لم يأمر بالإسلام؟ خطأ، ممتاز، فهمنا تقرير أهل السنة. المعتزلة ايش مشكلتهم؟ المعتزلة أيها الأحبة رأوا أن هناك تناقض وما استطاعوا أن يجمعوا بين الأمرعين بفهم الضيق العقلاني، ما استطاعوا أن يجمعوا أن لله إرادة شرعية وأن لله إرادة كونية، فأبطلوا وجود الإرادة الكونية لله سبحانه وتعالى، أفضل الإرادة الكونية، فقالوا: الله سبحانه وتعالى خاطئ أمر أبا جهل بالإسلام، إذن الله سبحانه وتعالى يريد من أبي جهل الإسلام فأبو جهل ما أسلم كفر، هذا فعله من دون إرادة الله والعياذ بالله، لاحظوا شنو الكلمة الخطيرة، كفر أبو جهل وعدم التزام بأمر الله بالإسلام يقول المعتزلة: هذا حدث بغير إرادة الله.
الله عز وجل أمر فلان بأن لا يزني، لا تقربوا الزنا، فلان زنا، هذا الرجل زنا من دون إرادة الله، لماذا؟ لأن المعتزلة أيها الأحبة يقولون: الأمر حتى يسمى أمراً لابد أن يكون الأمر يريد من المأمون ايش؟ الامتثال، والنهي لا يسمى نهياً حتى يكون النهي يريد من المنهي ايش؟ الامتثال، قالوا: إذاً مستحيل الله سبحانه وتعالى أمر أبو جهل بالإسلام وهو سبحانه لا يريد منه ذلك، ومستحيل يكون الله سبحانه وتعالى أمر فلان بأن لا يزني وهو لا يريد منه ذلك. فنقول لهم: لا، أنتم عم بتدخروا موضوع موضوع الله عز وجل أمر أبو جهل بالإسلام فعلاً وهو يريد منه ذلك شرعاً، لكن لا يريد منه ذلك قدراً، بدكم تفرقوا بين الإرادتين.
الله نهى أحد عبيده، نهى العبيد عن الزنا، واحد من العبيد عصى وزنا، نقول: الله سبحانه وتعالى أراد من هذا العبد أن يترك الزنا ايش شرعاً ولكن لم يرد منه ذلك قدراً لحكمة منه سبحانه. فلان المعتزل أيها الأحبة لا يوجد عندهم إرادة شرعية وإرادة كونية، فقط لله إرادة واحدة، لله عندهم إرادة واحدة ولا يسمونها الشرعية، يقولون: فقط الله عز وجل إذا أمر فهو يريد من المأموم أن يمتثل، إذا هو ما امتثل هذا خرج عن إرادة الله، فعل شيئاً من غير إرادة الله من عنده. وهذا يقودنا إلى قول المعتزلة: أن العبد يخلق فعله بنفسه. وإذا الله نهى شيء فهو يريد والله يريد منه أن ينتهي، ولكن هذا العبد ما انتهى، إذاً هذا فعل شيئاً خارج عن إرادة الله، ونحن نقول: لا لا يوجد شيء خارج عن إرادة الله، هناك إرادة شرعية وهناك إرادة كونية، عليكم أن تفرقوا بين هذه شجرة سريعة فقط لماذا المعتزلة يقيدون الأمر بأنه يجب أن يكون هناك إرادة الأمن من المأمول الامتثال وكذلك النهي لابد من إرادة النهي من المأمور بالامتثال.
إذاً هذا أيها الأحبة تعاريف النهي على الطرق الثلاث، على طريق أهل السنة، على طريقة الأشاعرة، على طريقة المعتزلة. الآن ننطلق أيها الأحبة إلى مسألة: ما هي صيغة النهي؟ ما هي صيغة النهي؟ إن تذكرون في الأمر تكلمنا عن أربع صيغ مستخدمة في الأمر: صيغة افعل لتفعل، اسم فعل الأمر، المصدر الذي يكون مقام الأمر، وهذا درسناه في المحاضرة الماضية وقبل الماضية. النهي أيها الأحبة ما الآن ابتداء قبل ما أنا نعرف صيغة النهي أيها الأحبة، اريد أن أقول لكم شيئاً، انتبهوا، إذا سمعت سؤال ورد لك سؤال هكذا قرأت في كتب الأصوليين: هل للنهي صيغة؟ هذا السؤال: هل للنهي صيغة؟ فاعلم أن هذا السؤال ليس على طريقة أهل السنة والجماعة.
لأن أهل السنة والجماعة لا يسألون هل للنهي صيغة؟ لماذا؟ لأن النهي أصلاً هو الصيغة. لأن النهي هو الصيغة، ايش تعريف النهي عند أهل السنة؟ النهي هو اللفظ الدال على طلب الترك. فالنهي هو الصيغة، فيستحيل أن نسأل هل للنهي صيغة؟ لا يمكن هذا السؤال لأن النهي هو الصيغة. هذا السؤال يرد عند الأشاعرة أيها الأحبة وعند من يقول بالكلام النفسي، لأنهم يقولون: النهي ليس هو اللفظ، النهي هو الاستدعاء النفساني الداخلي، هذا الاستدعاء النفساني الداخلي للترك، هل وضعت صيغة لتعبر عنه أو لم توضع له صيغة؟ هنا يأتي الخلاف بين الأشاعرة، وإن كان لك مثل الطوفي، وإن كان الطوفي يسير على طريقة الأشاعرة يقول: يعني وجود خلاف أنه هل النهي صيغة أم ليس للنهي صيغة أرى أن من قبيل التناقض.
لأن القرآن أيها الأحبة حينما يقول: لا تقربوا الزنا حتى أنتم أيها المثبت لكلام النفس، عندكم لا تقربوا الزنا ايش يقولون؟ صيغة تدل على ماذا؟ على النهي القائم في نفس الله سبحانه وتعالى، صيغة تدل على النهي يعني على الاستدعاء للترك القائم في نفس الله سبحانه وتعالى. فبالتالي لا يجد علينا حتى على اصول الأشاعرة ومن يقول بالكلام النفسي أرى أن هذا السؤال: هل للنهي صيغة؟ سؤال خاطئ، لأنكم انتم كلكم تقولون: إن القرآن الكريم الذي بين أيدينا هذه الألفاظ هي كلها عبارة عن صيغ وعبارات هكذا يقولون، وهذا كله كلام باطل، مخلوقات تدل على كلام الله، هذا المعنى القائم في نفس الله.
فبالتالي عندكم للأمر صيغة وعندكم للنهي صيغة، وإن كنا نخالفكم أن هذه الصيغة ليست دليل على النهي وليست دليل على الأمر وإنما هي نفس الأمر وإنما هي نفس النهي. جميل، إذاً ما هي صيغة النهي؟ بعد أن عرفنا يعني إنه هذا السؤال يجب أن لا يرد عندك أيها السني أنه هل النهي صيغة؟ لأنه النهي هو نقول ما هو ما هي صيغة النهي؟ ما هي اللفظة التي تسميها العرب نهياً؟ اللفظة التي تسميها العرب نهياً صيغة النهي أيها الأحبة هي صيغة واحدة مشهورة، صيغة واحدة من الشهور وهي لا تفعل.
هذه الصيغة هي الصيغة وضعتها العرب للنهي، ممتاز وضعتها العرب للنهي: لا تأكل، لا تنم، لا تدرس، لا تشرب، لا لا لا، هذه الصيغة هي التي وضعتها العرب وخصصتها للنهي. لا، ليس معنى هذا الكلام أيها الأحبة أن النهي الشرعي لا يفهم إلا من خلال هذه الصيغة، بعبارة أخرى يمكن أني أفهم أن هناك شيء منهي عنه من دون أن صيغته لا تفعل. كيف يا شيخ؟ عندما يقول الله سبحانه وتعالى: من يفعل هذا
فعل له عذاب أليم سأعذبه. إيش بتفهم من هذا الكلام؟ بفهم أنه هذا الشيء ربنا توعد عليه، من بيعلمه، صح ولا لأ؟ فإذا علينا أن نفرق بين مسألتين: مسألة ما هي الصيغة الأساسية الموضوعة للنهي؟
العرب تقول لا تفعل. المسألة الثانية: ما هي أساليب التعبير عن النهي في القرآن الكريم؟ أقول: هناك أساليب كثيرة، منها التوعد على الشيء، ومنها ذم الشيء، الله لا يحبه. كثير من الأساليب تستخدم في ماذا؟ في النهي. عز الدين بن عبد السلام رحمة الله عليه صنف كتاباً جيداً، وقليل من طلبة العلم من يعلم أن له كتاباً في بيان ما هي الأساليب القرآنية في التعبير عن الأمر، التعبير عن النهي، الأساليب القرآنية في التعبير عن الإيجاب، التعبير عن الندب، التعبير عن التحريم، عن الكراهة، وأبدع فيه.
فهذا الكتاب يدل على فكرة، وهي: حينما نقول أن الأمر صيغته كذا وكذا، نحن نتكلم عن الصيغة الأساسية التي وضعت للتعبير عن الأمر. فحينما نقول: النهي صيغته كذا، نحن نتكلم عن الصيغة الأساسية التي وضعت لها العرب للنهي. لكن هل يمكن أن نفهم النهي من أساليب أخرى؟ نعم، يمكن. كما قلنا: أن نفهم النهي من أسلوب الزجر، وأسلوب الذم، من أسلوب التوعد بالعذاب، أو ما شابه ذلك. فعليك أن تفرق بين هاتين المسألتين.
طيب، نضع النقطة: لا تفعل. طيب، دعونا الآن أيها الأحبة، بعد أن عرفنا ما معنى النهي وعرفنا الصيغة الموضوعة للنهي، دعونا نققرأ ماذا قال عبد المؤمن البغدادي وأعلق على ذلك. إذاً قال عبد المؤمن رحمة الله عليه: والنهي يقابل الأمر عكساً، وهو استدعاء الترك بالقول على وجه الاستعلاء.
ثم قال -انظروا ماذا قال الآن-: ولكل مسألة من الأوامر وزان من النواهي بعكسها. وقد اتضح كثير من أحكامه. انظروا عبارة عبد المؤمن، إيش يقول: ولكل مسألة من الأوامر وزان من النواهي بعكسها؟ ما معنى هذا الكلام؟
عندما درسنا أيها الأحبة الدلالات الالتزامية بصيغة الأمر، درسنا مجموعة من هذه الدلالات، أليس كذلك؟ مثلاً درسنا دلالة صيغة الأمر: هل صيغة الأمر تدل على الوجوب أو على الندب أو على الإباحة؟ صيغ افعل مثلاً، على ما تدل؟ ألا تدل بدلالة الالتزام على الوجوب ولا الندب ولا الإباحة؟ هذه مسألة. درسنا: هل صيغة افعل تدل على المرة أو على التكرار؟ درسنا: هل صيغة افعل تدل على الفور أو على التراخي؟
درسنا: هل الأمر بالشيء يستلزم النهي عن ضده أو لا يستلزم النهي عن ضده؟ درسنا: إذا أمر الله عز وجل نبيه عليه الصلاة والسلام، أو أمر النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً من الصحابة بشيء، هل يدخل فيه الأمة ولا لا تدخل؟ درسنا: هل الأمر بالشيء -هذه المسألة سبحان الله- هل صيغة الأمر تدل على الإجزاء أم لا تدل على الإجزاء؟ كل هذه الدلالات درسناها في المحاضرة الماضية. الآن الشيخ يقول: ولكل مسألة من الأوامر، هذه المسائل التي درسناها في الأوامر لها وزان في النواهي، يعني انقلوا لنا المسائل التي درستموها في باب الأمر، هذه الدلالات التي درستموها في باب الأمر انقلوها إلى باب النهي وابحثوها مرة أخرى.
ولكن انظر عبارته الدقيقة، قال: ولكل مسألة من الأوامر وزان من النواهي بايش؟ بعكسها. يعني المسألة تكون في الأمر بهذه الصورة نفسها، بدنا ننقلها على باب النهي ولكن ستكون بالعكس. كيف يعني؟ الآن سأقرأ لكم كلام الطوفي رحمة الله عليه، نجم الدين الطوفي في شرحه على مختصر الروضة، حتى نفهم أكثر وأكثر المراد بهذه العبارة. إيش يقول نجم الدين الطوفي؟ يقول نجم الدين الطوفي: لكل حكم منه أي من النهي وزان من الأمر على العكس. قال مثالاً: سأقرأ لك أمثلة حتى تفهم ما معنى قولنا: إن كل مسألة درسناها في الأمر ينبغي أن تدرس في النهي ولكن تكون بالعكس. كيف ذلك؟
يقول مثلاً الأمر: مثاله أن الأمر اقتضاء فعل. بدأ بالتعريف من البداية، أن الأمر إيش هو؟ الأمر على طريقة الأشاعرة هو استدعاء الفعل. والنهي إيش هو؟ استدعاء الترك. كيف العكس؟ الأمر استدعاء فعل والنهي استدعاء ترك. فنفس المسألة درسناها في الأمر وندرسها في النهي ولكن تكون بالعكس؛ فالأمر يستدعي فعلاً والنهي يستدعي تركاً. ممتاز.
الأمر ظاهر في الوجوب، يعني الأصل في صيغة الأمر أنها للوجوب مجاز في الندب والإباحة على ما هو المختار. طيب، في النهي؟ النهي صيغة لا تفعل، الأصل فيها التحريم، ودلالتها على الكراهة مجازية تحتاج إلى قرينة.
جميل. صيغة الأمر افعل، لاحظوا كل هذه المسائل، صيغة الأمر افعل، صيغة النهي لا تفعل. هذه المسألة الثالثة الآن: النهي أيها الأحبة قد يلزمه التكرار والفور، والأمر يلزمانه على خلاف فيه. هون خلوني أقف.
الان، أي من الدلالات التي درستها في الأمر من الدلالات التي درسناها أو بحثناها في الأمر: هل هذا الأمر يدل على المرة أو يدل على التكرار؟ يعني إذا قلت لك افعل وسكت، هل افعل هنا أنت تفهم منها المراد فعل الأمر مرة واحدة؟ وإلا تدل على أنه يجب التكرار حتى تأتي قرينة تدل على أن المراد مرة واحدة؟ يا أخي ذكرنا ثلاثة أقوال في المسألة: ذكرنا أن القول الراجح والله تعالى أعلم أن صيغة افعل لا تدل لا على مرة ولا على تكرار، وإنما تدل على طلب إقاعة الماهية، ولكن لما كان إيقاع الماهية يحصل بالمرة الواحدة، أصبحت المرة الواحدة من ضروريات الامتثال، وإن كانت الصيغة لا تدل عليها.
القول الثاني: لا يرى أن صيغة افعل صيغة الأمر تدل على ماذا؟ على المرة الواحدة بنفسها وليس فقط من ضروريات الامتثال. وعرفنا أن مآل القول الأول والقول الثاني أنه يجب عليك أن تفعل الفعل مرة واحدة، مآلهما واحد. لذلك كثير من الأصوليين لا يفرق بين القول الأول والقول الثاني.
هناك قول ثالث في المسألة وهو أن الأمر يقتضي التكرار. وفهمنا ما معنى التكرار؟ أنه إذا جاءت صيغة افعل: اضرب، اشرب، كل، مجردة عن القرائن، ما معنى التكرار؟ أنه يجب عليك أن تستوعب جميع الأزمنة امتثالاً سوى أزمنة قضاء الحاجات وأزمنة فعل ضروريات الحياة. يعني مثلاً قلت لك: اضرب. بدك تضلك تضرب تضرب تضرب بس تروح تقضي الحاجة من دورة المياه وبترجع، ترجع تضرب تضرب تضرب. مثلاً بدك تأكل وتشرب حتى تضلك عايش، تروح تأكل وتشرب تضلك هكذا حتى يأتي أمر بقول لك خلص، قف. يأتي قرين بيقول لك قف.
الآن كما قلت لك، هذا القول ربما فيه شيء من صعوبة التصور بهذا المفهوم. لأنه لا يوجد عندنا أصلاً عند من يقول أن الأمر يقتضي التكرار، لا يوجد عندهم فعل يجب أن تكرره طوال الحياة بهذا الشكل. تلاقي أنت، كما قلت لكم، هناك من قال أن الأمر يقتضي التكرار. ممتاز.
الآن تقطعوننا، نذهب إلى النهي. في هاي المسألة النهي أيها في رأيكم، أنا إذا قلت لك: لا تفعل، لا تدرس، لا تأكل، لا تشرب، لا تضرب فلان، على ماذا يدل؟ هل يدل على المرة أو يدل على التكرار؟ الآن كما قلت لك، صيغة افعل صيغة الأمر، سواء قلت أنها تدل على طلب الماهية والمرة الواحدة من ضروريات الامتثال، أو قلت صيغة افعل تدل على المرة الواحدة بنفسها، ما عندي مشكلة. فدلالتها على المرة الواحدة، الأمر دلالته على المرة أظهر من دلالته على التكرار.
لكن النهي أيها الأحبة بالعكس. النهي بالعكس؛ أنا إذا قلت لك: لا تضرب زيداً، فالأصل في دلالة لا تضرب التكرار، أنه عليك أن تستمر وتكرر امتثالك في عدم الضرب حتى تأتي قرينة تدلك على التوقف، وأن عليك بعد ذلك أن تفعل، صح ولا لا؟
إذا قلت لك: لا تضرب زيداً، هل معناتها لا تضربه مرة واحدة بعدين خلص اضربه؟ ولا إذا بدك لا تضرب زيداً معناه لا تكرر الامتثال بترك الضرب حتى تأتي بعد ذلك قرينة تقول لك: لا تضربه. إذا ما جاءت القرينة ينبغي أن تكرر إيش؟ أن تكرر الامتثال. والامتثال إذا قلت لك: لا تشرب الخمر، لا تقرب الزنا، لا تفعل لا تفعل، صيغة النهي أيها الأحبة بعكس صيغة الأمر، صيغة النهي تدل على التكرار ولا تدل على المرة. لأن النهي حتى يوجد حقيقة، الأصل فيه أنه على التأبيد وعلى الاستدامة حتى تأتي القرينة التي تخرجك من هذا وتوقف، الآن عد افعل هذا الفعل. فهذا هو الظاهر من دلالة صيغة النهي أنها للتكرار، وأما الأمر بخلاف ذلك، فالظاهر من دلالته أن هذه المرة الواحدة، سواء قلنا المرة الواحدة من ضروريات الامتثال أو قلنا أنها تدل بدلالتها على المرة الواحدة.
هذا في مسألة التكرار والمرة. طيب، المسألة الثانية: في مسألة الفور والتراخي. الآن صيغة افعل في الأمر، درسنا: هل تدل على الفور ولا تدل على التراخي؟ عرفنا أن الحنابلة يرون أن صيغة افعل تدل على الفور شرعاً. وهناك من يرى لا، أن صيغة افعل -أكثر الشافعية- يرون أن صيغة افعل لا تدل على الفور. إذا قال لك افعل هذا الشارع الكريم، هذا بدون قرينة، لا توجد ما يدل على وجوب الامتثال فوراً، بل يمكن أن يؤخر الامتثال فترة من الزمن. هذا على رأي الشافعية. فهناك خلاف إذن في صيغة افعل: تدل على الفور ولا على التراخي؟
أما في صيغة لا تفعل، إذا قلت لك إيش؟ لا تدرس، لا تأكل، لا تشرب، ماذا تفهم منها؟ هل تفهم منها الفور ولا تفهم منها التراخي؟ ما هو المتبادر إلى الذهن؟
ومن هنا أيها الأحبة، جيد الطالب النبيه أن يربط بين هذه المباحث وبين مباحث الحقيقة والمجاز أيها الأحبة. حين أقول لك صيغة افعل، ما هو المتبادر إلى الذهن منها معناها؟ ما هي الحقيقة في دلالتها الالتزامية؟ هل الحقيقة في دلالتها الالتزامية الفور؟ ولا الحقيقة في دلالتها الالتزامية التراخي؟ وبالتالي إذا كانت الحقيقة هي الفور معناه التراخي مجاز، وإذا كانت الحقيقة هي التراخي فمعناها الفور مجاز.
فبالتالي أنا عندما أقول لك: ما هو المتبادر إلى الذهن؟ بدي ذهنك يروح وتتذكر عبد المؤمن البغدادي إيش قال في مبحث الحقيقة والمجاز، حينما قال: إذا كان عندي لفظة لها معنى حقيقي ولها معنى مجازي، إذا كان عندي لها عدة معاني، فالذي يحدد المعنى الحقيقي من المعنى المجازي، ذكر هناك، ذكر علامتين: العلامة الأولى إذا كان لفظة الها معاني متعددة متباينة متضادة، مثل لفظة كما قلت لكم هنا مثلاً لا تفعل، والله هي تدل على التكرار ولا تدل على الفور، نقول كيف نحدد المعنى الحقيقي من المعنى المجازي؟ قال: أنظر إلى المتبادر إلى الذهن. المعنى الذي يتبادر إلى الذهن يسبق إلى الذهن من هذين المعنيين يكون هو المعنى الحقيقي، والمعنى الذي لا يسبق إلى الذهن، بل تحتاج الدلالة عليه إلى قرينة، يقول هو المعنى المجازي.
حتى تفهموا لماذا عبد المؤمن أصلاً أصل مباحث اللغة ابتداءً بمفهوم الحقيقة والمجاز، لأنه كل دلالات الألفاظ التي مرت معنا، دلالة العام الخاص، دلالة النطق المقيد، دلالة الأوامر والنواهي، هي تعتمد على ماذا؟ على مفهوم الحقيقة والمجاز أيها الأحبة، تعتمد على هذا المفهوم. استوعب ذلك من استوعب وفهم إشارته أو لم يستوعب، لكن أنا أعطيتك إشارة أنه انتبه وحاول أن تربط بين هذه المسائل وتلك المسائل.
فحينما أقول لك صيغة لا تفعل، ما هو المتبادر إلى الذهن منها؟ يعني أنا بدي معناها الحقيقي، هل تدل على الفور ولا على التراخي؟ معناه أنه إذا قلت لك لا تأكل، معناه ما في عندي قرينة، إيش بتفهم؟ هل نفهم أنه يجوز الآن أني آكل، لكن بعد شوي لازم ما آكل؟ ولا بتفهم أنه قلت لك لا، المعنى المتبادر إلى الذهن أنه من الآن فوراً يجب علي أن أترك الأكل. المتبادر إلى الذهن أنه إذا قيل لك لا تفعل، مباشرة بعد أن تسمع الصيغة عليك أن تترك، هذا هو المتبادر من الذهن حتى تأتي قرينة تجوز لك التراخي، وإلا تمتثل للنهي فوراً، هذا هو الأصل. هذا أيضاً من الفوائد يعني، حتى عند الحنابلة، حتى عند الشافعية الآن، الشافعية يقولون إيش؟ يقولون الأمر عند الشافعية صيغة افعل تدل على التراخي على عدم الفورية، لكن لا، صيغة لا تفعل تدل على الفورية. فجماهير الأصوليين أيها الأحبة من المذاهب الأربعة يتفقون على أن صيغة لا تفعل صيغة النهي تدل على ماذا؟ على الفورية، فورية الانتهاء. وأما في صيغة افعل في الأمر لا، يختلفون: هناك من يرى أنها تدل على الفورية، وهناك من يرى أنها لا تدل على الفورية، يعني تدل على التراخي، وعرفنا ذلك سابقاً. فهذا إذن من المسائل التي تبحث هنا في الأمر، بحثت في الأمر ولها وزان في النهي بعكسها.
أيضاً مثلاً تكملة كلام الطوفي رحمة الله عليه: قال الأمر يقتضي صحة المأمور به، والنهي يقتضي فساد المنهي عنه، وهذه مسألة سندرسها اليوم بالتفصيل، هل دلالة النهي على الفساد؟ المكلف قال يخرج المكلف بعهدة المأمور به بفعله، وفي المقابل يخرج من عهدة بترك الأمر بفرضه، قال: فهذا معنى الموازنة بين الأمر والنهي. فهذا معنى الموازنة بين الأمر والنهي. إذاً قال: أعيد النص سريعاً، قال: الأمر اقتضاء فعل والنهي اقتضاء كف، الأمر ظاهر في الوجوب والنهي ظاهر في...
صيغة الأمر: افعل، وصيغة النهي: لا تفعل. النهي يلزمه التكرار والفور، والأمر يلزم أنه على طريقة الحنابلة على خلاف فيه. الأمر يقتضي صحة المأمور به، والنهي طريق فساد المنهي عنه. المكلف يخرج من عهدة المأمور بفعله ويخرج من عهدة النهي بتركه. قال: فهذا معنى الموازنة بين الأمر والنهي.
ماذا يريد؟ المسائل التي درست في الأول ودرسها في النهي ومغطية الحكم المقابل جميل. الآن هناك مسألة واحدة فقط أريد أن أقف معها على السبورة حتى تقضي أكثر وأكثر، لأن ربما في نهاية المجلس الماضي لم أبینها جيدا، كانت الأمر. المسألة التي بحثناها في الأمر أريد اليوم أن أبحثها في النهي حتى تستوعب أكثر وأكثر، وندرك الفرق بين الأمر والنهي فيها. تبدأ من الوقت ساعة وعشرة أربعة وعشرين.
طيب الآن هناك مسألة أحب أريد أن أبحثها معكم واحدة هي مسألة الدرس الماضي قلنا: الأمر بالشيء هل يستلزم النهي عنه ذهنا؟ أي ختمنا بها سريعا للمجلس الماضي، فمثلا الشارع قال لك: قم. ممتاز، الآن قلت لكم بدنا نفرق أيها الأحبة بين النقيض وبين الضد ابتداء. النقيضان لا يجتمعان معا ولا يرتفعان معا. جميل. الضدان لا يجتمعان معا، لكن يمكن أن يرتفعا، فمثلا القيام والجلوس ضدان. لماذا؟ لأنهما لا يجتمعان، لكن يمكن أن يرتفعا معا ويحل شيء ثالث مكانهم، ممكن مثل ايش؟ مثل أيها الأحبة الاضطجاع، فيقول: أنا لا قائم ولا جالس. ايش أقول؟ مضطجع أكون نايم منبطح، ممكن. نفس الشيء البياض والسواد قدام، إنه مش ممكن يكون الشيء هو أبيض وأسود في نفس الوقت، أبيض يا أسود، لكن ممكن يكون لا هو أبيض ولا هو أسود، ممكن يكون أخضر، فالبياض والسواد ايش؟ ضدان.
لكن أن يكون الشيء أسود وليس بأسود -لاحظوا أسود وليس بأسود، أسود وليس بأسود- هذان نقيضان؛ لأنهما لا يجتمعان -يكون أسود وليس بأسود- ولا يرتفعان -يكون لا هو أسود ولا هو ليس بأسود، مش ممكن صح ولا لا؟ أبيض وليس بأبيض، هذان نقيضان؛ لأنه مش ممكن يكون الشيء يجتمعان مع لا يمكن أن يجتمعا معا، يكون أبيض وليس بأبيض أو مرتفعان معا يقول لا هو أبيض ولا هو ليس بأبيض، إنه ما في احتمال ثالث باختصار. فالضد يوجد حينما يكون هناك احتمال ثالث، النقيض يوجد حينما لا يكون هناك احتمال ثالث، هذه إشارة سريعة وهذه درسناها أيها الأحبة في شرحنا على السلم المنور في علم المنطق فلتراجع في ذاك الباب بمصدر أكثر.
المهم الآن، إذا قال لك الشارع: قم، ما هو نقيض قم؟ ما هو النقيض؟ نقيض قم: لا تقم. ركزوا، أنا بستفتح وراء دقيقة هذا الثقيل. النقيض دقيق: قم، لا تقم. لماذا قلت النقيض: لا تقم؟ لأنهما لا يجتمعان معا ولا يرتفعان معا، لا يمكن أن يجتمع القيام وعدم القيام في شخص واحد في نفس الوقت، ممكن؟ يكون هو قائم ومش قائم، ولا يمكن أن يكون لا هو قائم ولا هو مش قائم، طب شو بده يكون؟ مش ممكن، صح؟ فلا تقم هذا هو ايش؟ هذا هو نقيض القيام، فمش ممكن يجتمع القيام مع نقيضه، صح؟
إذا ممتاز، الآن نعود إلى المسألة: هل الأمر بالشيء يستلزم النهي عن ضده؟ فنقول ابتداء: الأمر بالشيء يستلزم -يعني من دلالة الالتزام- يستلزم النهي عن نقيضه. عاد اكتبوها عندكم: الأمر بالشيء إذا قلت لك افعل قم هذا يستلزم عقلا النهي عن ايش؟ عن نقيضه، اللي هو ايش؟ لا تقم. فإذا أنا قلت لك قم معناته أنا أنهاك عن ايش؟ عن النقيض، أنهاك ألا تقوم، أنهاك عن عدم القيام. من أين فهمتم؟ أقول هو دلالة الالتزام الأمر، فإذا الأمر افعل مثل قم يستلزم باتفاق النهي عن نقيضه، فهو هناك نهي عن عدم القيام، هو بنفسه إذا أنا قلت لك قم معناته أنا أفهم من ذلك بدلالة الالتزام نهي عن عدم القيام.
طيب، لكن السؤال الذي يهمنا: هل صيغة قم أيضا تستلزم النهي عن الضد؟ طب معناته خلينا نبحث شو مضاد القيام أصالة، ايش ضد القيام أيها الأحبة؟ ركز، ما هو الشيء الذي هو ضد القيام وليس نقيضا للقيام؟ ايش اضداد القيام؟ الجلوس، الاضطجاع، الانبطاح. هذه أضداد للقيام وليست نقيضا، الضاد ليش ضاد؟ لأنه ممكن أكون قائم وجالس، لا بس ممكن أكون لا أنا قائم ولا أنا جالس، ممكن أكون مضطجع، صح؟ فعلاقة الجلوس بالقيام علاقة... طيب نشوف علاقة القيام بالاضطجاع: هل يمكن أن يكون الشخص قائم ومضطجع؟ مش ممكن. طب ممكن يكون لا هو قائم ولا مضطجع؟ ممكن يكون منبطح، فإذا علاقة القيام بالاضطجاع علاقة ضدية، مثلا علاقة قم بينبطح.
الان نفس الشيء القيام والانبطاح لا يجتمعان، لا يمكن أن يجتمعا معا، لكن يمكن أن يرتفعا معا. ممتاز، الآن هل الأمر بالقيام يستلزم عقلا -يفهم منه عقلا بدلالة الالتزام- النهي عن الأضداد؟ اكتبوا عندكم حتى اختصر فأقول: الأمر بالشيء يستلزم النهي عن جميع أضداده. فإذا أنا قلت لك قم، هذا يستلزم عقلا النهي عن ماذا؟ النهي عن الجلوس، والنهي عن الاضطجاع، والنهي عن الانبطاح، يستلزم النهي عن جميع الأضداد. لماذا أيها الأحبة برأيكم؟ لأني أيها الأحبة إذا قلت لك قم، لابد لابد عقلا أن يستلزم هذا النهي عن جميع الأضداد؛ لأني إذا فعلت أحد الأضداد -لأني بفعله ضد واحد من الأضداد أكون ارتكبت نقيض القيام الذي هو ايش؟ لا تقم، صح؟- أنا منهي عن عدم القيام، أنا منهي عن عدم القيام اتفاقا، صح؟ منهي عن عدم القيام. ركز، أنا منهي عن عدم القيام؛ لأن الأمر بالشيء يستلزم النهي عن نقيضه، فإذا فعلت أحد الأضداد -اللي هو الجلوس أو الاضطجاع أو الانبطاح- في الحقيقة أنا أكون فعلت نقيض الأمر، صح؟ إذا أنا جلست معناته أنا فعلا ما قمت، إذا أنا انبطحت إذا أنا فعليا ما قمت، صح؟ إذا أنا اضطجعت إذا أنا فعليا ما قمت، وايش بعض ما قمت؟ معناته أنا هنا وفقط لا تقم ولا تكن منهي عنها، أنا أنهاك عن عدم القيام، فإذا في الحقيقة حتى يتحقق الأمر هذا يستلزم النهي عن نقيضه، ويستلزم النهي عن جميع أضداده.
لماذا؟ طبعا هذه مسألة أنا أراعي بعض الطلبة الجدد في المواضيع العقلية، ربما لا يستوعب موش العلاقة بين الضد والنقيض وتبلش تقول وتضيع عندهم، لكن أنا بأكد على أهمية دراسة علم المنطق، وأنه يكون هناك الطالب المعي سريع الالتقاط، سريع تصور العلاقات بين الأمور، كيف إن فعل أحد الأضداد هو في الحقيقة وقوع في النقيض. أنا قلت لك قم، معناته أنا أنهاك عن عدم القيام، طب إذا أنا جلست أو اضطجعت أو انبطحت إذا أنا ما قمت، إذا أنا ارتكبت النقيض المنهي عنه، فلذلك الأمر بالشيء يستلزم النهي عن نقيضه، ويستلزم النهي عن -حط تحتها خط- عن جميع الأضداد. في النهي راح تفرق معنا الأمور.
جميل، هذه القضية درسناها في الأمر، دعونا أيها الأحبة ندرسها في النهي، أنه كما قال عبد المؤمن البغدادي إنه كل مسألة في الأمر لها وزانة وين؟ في النهي، فدعوني أغير، أقول: هل النهي عن الشيء يستلزم... وتوضيح والله حتى لو غيرناها احسن، شوهنا منظرنا، حاولنا نمسح نمسح ما زبطتش معنا، هل النهي عن الشيء يستلزم... أحد كلمة يستلزم يعني دلالة الالتزام، معناته يا شيخ متل راجع المنطق ونفهم شو يعني إنه اللفظ إذا زالت مطابقة وتضمن والتزام دعوها على ذهنكم هاي.
هل النهي عن الشيء يستلزم الأمر؟ أقول نفس الشيء: لا تقم. ممتاز، عندي أنا قلت لك لا تقم، هذا السياق قلت لك لا تقم، أنظر ماذا نقول؟ نقول أيها الأحبة: النهي عن الشيء يستلزم الأمر بنقيض الشيء. خلونا دقيقين: النهي عن الشيء يستلزم الأمر بنقيض الشيء، أنا عايش نهايتك، نهايتك عن القيام، صح؟ قلت: لا تقم. هذا ايش يستلزم عقلا؟ قالوا: يستلزم الأمر بما قيّم الشيء بما قيّم القيام. ايش نقيض القيام؟ ركزوا، يستلزم الأمر بماذا؟ بنقيض القيام، وليس بنقيض عدم القيام، أنا دقيق هنا في العبارة حتى تكون مفهومة صح: يستلزم الأمر بنقيض الشيء، النهي عن الشيء يستلزم الأمر بنقيض الشيء، النهي عن القيام يستلزم الأمر بنقيض القيام، ايش نقيض القيام؟ نقيضه عدم القيام، صح؟ بقية القيام عدم القيام. فإذا أنا قلت لك لا تقم، معناته أنا آمرك بنقيض القيام، إذا يستلزم الأمر بنقيض القيام، فكأني آمرك آمرك بعدم القيام، صح تقول: إذا النهي عن الشيء يستلزم الأمر بنقيضه، بنقيض الشيء، فإذا أنا نهيتك عن القيام، إذا أنا آمرك بنقيض القيام وهو عدم القيام، ممتاز، وهذا واضح.
طيب، هل النهي عن الشيء يستلزم الأمر بأضداده ولا لا يستلزم؟ الآن شو أخبار لا تقم؟ شو أضداد القيم؟ شو أضداد القيام؟ هل النهي عن الشيء يستلزم الأمر بأضداده؟ ايش أضداد القيام؟ ما هو أضداد الضاد القيام؟ الجلوس، الانبطاح، الاضطجاع. صحيح، هل إذا أنا نهيتك عن القيام هل أنا آمرك بأضداده؟ فانتبهوا إلى ماذا ساقول، أختصر المسافة، أقول: اكتبوا عندكم: النهي عن الشيء يستلزم الأمر باحد أضداده، النهي عن الشيء يستلزم الأمر باحد أضداده وليس بجميع أضداده.
هذا الفرق بين النهي والأمر، لأنه قبل قليل ايش كانت القاعدة؟ الأمر بالشيء يستلزم النهي عن جميع... لأنه فعلك لأي واحد من الجلوس أو القيام الجلوس أو الاضطجاع أو الانبطاح سيلغي الأمر. بينما في باب النهي بالعكس: النهي عن الشيء يستلزم الأمر باحد أضداده، فإذا أنا قلت لك لا تقم، معناه الذهن سيفهم بدلالة الالتزام أني آمر بالجلوس أو الانبطاح أو الاضطجاع. فليس النهي عن الشيء يستلزم الأمر بجميع الأضداد، وأنا إذا نهيتك عن القيام مش معناته أني أنا آمرك أن تفعل جميع الأضداد، أن تجلس وتضجع وتنبطح، لا، أنا آمرك بأن تفعل أحد الأضداد؛ لأنك إذا فعلت أحد هذه الأضداد تكون امتثلت بعدم القيام، صح؟ فاذا في النهي نقول: النهي عن الشيء يستلزم الأمر باحد أضداده. هذه فقط هذه القاعدة التي أحببت أن أعلّق عليها كوني في الدرس الماضي اختصرتها، وهنا عرفت أن الفرق بين باب النهي وباب الأمر فيها: الأمر بالشيء يستلزم الأمر بجميع أولاده، وأما النهي عن الشيء فيستلزم الأمر باحد أضداده.
جميل، دعونا أيها الأحبة الآن ننتقل إلى المسألة الفريدة التي سيبحثها عبد المؤمن البغدادي في باب النهي، مسألة واحدة بحثها لأن هي مسألة في الحقيقة جوهرية في باب النهي، فلذلك بحثها وهذه المسألة بحثناها سابقا بشيء من التفصيل أيضا، اليوم فقط سنوسع الحديث عنها أكثر وأكثر، وسنبني على ما تعلمناه سابقا فيها. هذه المسألة هي مسألة: هل النهي عن الشيء يقتضي الفساد أو لا يقتضي الفساد؟ هذه المسألة تذكرون درسناها حينما تحدثنا في باب الأحكام الشرعية التكليفية، تكلمنا عن الحكم التكليفي عن الحرام، عندما تكلمنا عن الحرام تكلمنا عن هذه المسألة: أنه إذا نهى الشارع عن شيء بعينه، فهل النهي عن الشيء يدل على فساد المنهي عنه، أو لا يدل على فساد منهي عنه؟
أولا أيها الأحبة عليكم أن تفهموا أن الفساد والصحة هذان حكمان وضعيان وليس حكمين تكليفيين، كما تعلمنا سابقا نقول هذا الشيء صحيح وهذا شيء فاسد هذا حكم وضعي وليس حكم تكليفي، اليس كذلك؟ فنحن نريد أن نقول: إذا نهى الشارع عن شيء، فهل نهيه عنه يدل على فساد المنهي عنه، أو لا يؤثر على فساد المنهي عنه؟ هذه هي المسألة التي بين أيدينا.
الان اقرأ ايش قال عبد المؤمن البغدادي فيها؟ ثم أعود بعد ذلك إلى التعليق. قال عبد المؤمن رحمة الله عليه: بقي أن علينا من مسألة ينبغي أن نبحثها في النهي، أن النهي عن الأسباب المفيدة للأحكام يقتضي فسادها. هو وضع رأي الحنابلة رحمة الله علينا. قل: بقي أن نقول إن النهي -هذا رأي الحنابلة- النهي عن الأسباب المفيدة للأحكام التي تثمر أحكاما، النهي عن هذه الأسباب يقتضي فسادها مطلقا عند الحنابلة. الرأي الثاني: وقيل -هذا الرأي الثاني- لعينه لا في غيره. ممتاز. الرأي الثالث: وقيل في العبادات لا في المعاملات. الرأي الرابع وحكي عن جماعة منهم أبو حنيفة: يقتضي الصحة. الرأي الخامس: وقال بعض الفقهاء وعامة المتكلمين: لا يقتضي فسادا ولا صحة.
جميل أيها الأحبة، الآن نحن سندرس المسألة بالتفصيل، ثم أعود أعلق على كلام عبد المؤمن البغدادي، لماذا؟ لأن عبد المؤمن البغدادي اختصر كثيرا كثيرا، وينبغي على الطالب أن يفهم هذه المسألة بتشعباتها بشكل جيد بإذن الله، وهذه المسألة هي التي سنبحثها اليوم فقط، ثم سيقول ابن المؤمن رحمة الله عليه: فهذا ما تقتضيه سرائر الألفاظ. يختم الكلام عن باب العام والخاص والمطلق والمقيد والأمر والنهي، وسينطلق بعد ذلك إلى باب المفاهيم. فإذا هي المسألة الوحيدة وفريدة سنبحثها اليوم بشيء من التفصيل. قبل أن ألج وأعلق تعليقات خفيفة على كلام عبد المؤمن، هذه مسألة كما قلت لكم درسناها سابقا، وأنا اليوم سأبني على ما درسناه سابقا، أنا اليوم سأبني على ما درسناه سابقا أيها الأحبة.
تذكرون أيها الأباء فيما سبق قلنا: النهي عن الشيء إما أن ينهى عنه لعينه بعين الشيء، وإما أن ينهى عنه لوصفه الملازم، وإما أن ينهى عنه بوصفه الخارجي. تذكرون هذا التقسيم أيها الأحبة؟ قلنا: الشارع إذا نهى عن شيء ممتاز، فإما أن ينهى عنه لعينه.
وأما أن ينهى عن هذا الشيء ليس لعيبه، بل لوصف أن هو ينهى عن هذا الشيء ولكن بسبب وصف ملازم له.
الحالة الثالثة: أن ينهى الشارع عن الشيء ليس لعيبه، وليس لوصف ملازم له، بل لوصف خارج عنه اقترن به.
جميل، هذه درجات النهي عن الشيء في الشريعة، مسألة مهمة ودقيقة. الشارع إما أن ينهى عن الشيء لعينه، وإما أن ينهى عنه لوصفه الملازم، وإما أن ينهى عنه لوصف خارج عنه. ممتاز، واضحة؟
التقسيم الثاني: نبدأ بالقسم الأول؛ إذا نهى الشارع عن الشيء لعينه ابتداءً. أيها الأحبة، نريد أن نحرر ما معنى أن الشارع ينهى عن عين الشيء. حينما يقول الأصوليون ما معنى أن المنهي عنه لعينه؟ ما معنى أنه منهي عنه لعيبه؟ متى يكون الشيء منهياً عنه لعينه؟ جميل، إذاً أريد أن أحرر ما معنى أن الشيء نهي عنه لعينه. طبعاً أيها الأحبة، منكرات كثيرة؛ أصولي يخالف أصولياً آخر في التعبير، أصولي له وجهة نظر أخرى، أن مثل هذه المسائل في الحقيقة هي مواطن نزاع.
تحرير بعض المصطلحات، تحرير ما معنى أن الشيء منهي عنه لعينه، ومنهي عنه لوصفه الملازم، ومنهي عنه لوصفه الخارجي، تحرير الفرق بين هذه الأمور هو في الحقيقة ممكن خلاف بين الأصوليين، وهناك شيء من الاضطراب بينهم في التأصيل. يعني تجد أصولياً عنده منهج معين في تأصيل هذه الأمور، أصولي آخر له منهج آخر، أصولي ثالث له منهج ثالث. بعض الأصوليين يتفقون، بعضهم يختلفون، ولكن هناك رؤية عامة أن الشيء إما أن يكون من نهي لعينه، أو لوصفه الملازم، أو لوصفه الخارجي.
تحرير هذه العبارات أنها محل خلاف، ويصعب أن تحسم الأمور والله هذه وجهة النظر متفق عليها، في فهم ما معنى العين والملازم والخارجي. لكن أنا أحاول وأجتهد في تقريب ما أفهِم من كلام كثير من الأصوليين. نقول: ما معنى أن يكون الشيء منهياً عنه لعينه؟ نقول أيها الأحبة نريد أن نقسم، نقول: المنهي عنه بعينه إما أن يكون فعلاً محسوساً نهى عنه الشارع أصالة وطلب إعدامه، مثل الكفر العياذ بالله، الزنا، شرب الخمر، الكذب، إلى آخر هذه المنهيات التي نهي عنها لعينها، جيد؟
هذا النوع الأول من الأشياء المنهي عنها لعينه: أن يكون فعلاً محسوساً نهى عنه الشارع أصالة وطلب إعدامه. يعني طلب من المكلفين أن يعدموه، لا يريد وجوده أبداً بين البشر. النوع الثاني أيها الأحبة مما نهي عنه لعينه، عقد -وهو المهم أكثر- عقد أو معاملة، عفواً، عقد أو عبادة، وقع النهي على ركن من الأركان، أو على شرط من الشروط. تعلق بنهيه بركن من أركان أو بشرط من الشروط، ربما تكون هذه العبارة أوضح.
طيب، إذاً الحالة الثانية مما روي عن العين: أن يكون عبارة عن عقد أو عبادة، وجه النهي فيها أنها -نهى الشارع عن العقد أو نهى الشارع عن عبادة- وهذا النهي يتعلق بركن من أركان هذا العقد أو هذه العبادة، أو يتعلق بشرط من شروط هذا العقد أو هذه العبادة. جميل، أعيد الآن: المنهي عنه لعينه إما أن يكون، كما قلنا، فعل محسوس الشارع يريد إعدامه تماماً لا يريد أن يوجد؛ الزنا، شرب الخمر، الغيبة، النميمة، كذا كذا إلى آخرها. ﴿لَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَنَاجَشُوا وَلَا تَبَاغَضُوا وَلَا تَدَابَرُوا﴾، كل هذه الأمور.
جميل، هذا النوع الأول مما نهي عنه لعينه، وهذا لا خلاف بين أحد من الأصوليين والفقهاء أنه نهي عنه الشارع لعينه وطلب إعدامه. لكن الذي يهم أكثر هو مبدأ أيها الأحبة، الذي يهمهم النوع الثاني من المنهي عنه لعينه، لأنه النوع الثاني من المنهي عنه لعينه هو الذي يدخل عليه مصطلح الصحة ومصطلح الفساد. لأننا حينما درسنا مفهوم الصحة ومفهوم الفساد على طريقة الجمهور، تذكروا ايش قلنا؟ قلنا الصحة: وفاء الفعل ذي الوجهين الشرعي. أن يكون عندي عبادة يحتمل أن تكون صحيحة ويحتمل أن تكون فاسدة. يكون عندي عقد هو الذي يمكن أن يوصف بأنه صحيح، ويمكن أن يوصف بأنه فاسد، فنحن نعرف متى يكون صحيحاً ومتى يكون فاسداً، صح؟
أما النوع الأول، وهو الأفعال المحسوسة التي نهى عنها الشارع أصالة وطلب إعدامها، هذه لا توصف بأن وصفها الصحيح ومنها فاسد، يعني ما في كفر صحيح وكفر فاسد، ما في زنا صحيح وزنا باطل، ما في والله غيبة وغيبة فاسدة. فلذلك هذه لا تهمنا في مسألة هل النهي يقتضي الصحة أو الفساد؟ لا تهمنا، صحيح؟ لأن هي لا تقع إلا على وجه واحد، وهي أنها أفعال قبيحة يريد الشارع إعدامها، فلا يتعلق بها أن تكون والله أنت صحيحة أو تكون فاسدة، لا تدخل في هذا التقسيم لأن هذاك وجه واحد.
الذي يهمنا هو النوع الثاني من المنهي عنه بعينه، لأنه هو الذي يمكن أن يوصف بأنه صحيح أو أنه فاسد باطل. جميل؟ فهذا الذي يهمنا؛ النوع الثاني، عقد تعلق النهي بركن من أركان هذا العقد أو هذه العبادة، أو بشرط من الشروط. أطينا أمثلة؟ إيش؟ ممتاز.
الآن يقول الفقهاء: بيع الخنزير، هذا العقد منهي عنه لعينه. بيع الخنزير هذا العقد منهي عنه ليش؟ لعينه. بيع الخنزير، طيب لماذا قلتم بيع الخنزير منهي عنه لعينه؟ نقول: جميل، الآن النهي هل تعلق بركن من أركان عقد البيع أو بشرط من الشروط؟ نقول: جميل، دعونا نفصل؛ إيش أركان عقد البيع؟ أركان عقد البيع أيها الأحبة؛ بائع، مشترى، سلعة، وإيجاب وقبول، صح؟
الآن أيها الأحبة، أركان عقد البيع؛ بيع الخنزير لماذا نهي عنه؟ النهي متسلط على ركن من الأركان، يتعلق بركن من الأركان، وهو ركن السلعة. السلعة إيش هي؟ خنزير. السلعة المباعة خنزير، فالنهي عن عقد البيع في هذه الحالة هو نهي يتعلق بركن من أركان عقد البيع، وهو ركن السلعة. فبما أن النهي عن العقد يتعلق بركن من أركانه وهو السلعة، بالتالي أيها الأحبة نقول هذا العقد منهي عنه بعينه. إذا الشارع قال: لا تبيعوا الخنزير، إذا الشارع قال: لا تبيعوا الخنزير -بإمكانك تأتي بالكاميرا هنا وهناك- إذا الشارع قال: لا تبيعوا الخنزير، معاناته البيع هذا أيها الأحبة منهي عنه لعينه. لماذا فعلت يا شيخ منهي عنه لعينه؟ لأن النهي هنا يتعلق بركن من أركان عقد البيع، وهو السلعة. فالشارع الحكيم نهى عن هذه السلعة بتاتا، نهى أن تكون خنزير، بالتالي معاناته هذا العقد منهي عنه لعينه. حاول أن تفهم معي.
طيب، نأخذ مثال آخر، نأخذ في العبادة؛ الصلاة بغير طهور. ﴿لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةً بِغَيْرِ طُهُورٍ﴾. الصلاة بغير طهور، الصلاة بالطهور منهياً عنها لعينه. طيب لماذا جاءت الصلاة بغير الطهور منهي عنها لعينها؟ آه، أقول لك: انظر إلى النهي أين توجه؟ أين النهي توجه في هذا المثال؟ النهي متوجه إلى الصلاة في حال كونك لست بطاهر. آه، الآن إيش شروط الصلاة أيها الأحبة؟ عددوا لي شروط الصلاة. شروط الصلاة: الطهارة من الحدث الأصغر والحدث الأكبر والنجاسة، استقبال القبلة، ستر العورة، دخول الوقت والنية، أليس كذلك؟
الان هنا الصلاة التي نهي عنها نهي عنها لاختلال شرط من شروطها، وهو إيش؟ بالتالي هذه الصلاة، هذه العبادة المنهي عنها، تعلق النهي بشرط من شروطها وهو موضوع الطهارة. فالصلاة إذا كان ما فيها طهارة، هذه صلاة منهية عنها، وسبب النهي أن النهي سبب أنه منهي لعينه أن النهي هنا تعلق بشرط من شروطها. وقس على ذلك؛ لا صلاة مثلاً منهي عن الصلاة من دون ستر للعورة، نقول هذا نهي عن الصلاة بعينها، لأنه تعلق بشرط من شروط الصلاة. لا صلاة من دون ركوع وسجود، لا صلاة لمن لم يتم ركوعه وسجوده، هذه الصلاة منهي عنها بعينها، لماذا؟ لأن النهي تعلق بركن من أركان الصلاة وهو الطمأنينة.
فبالتالي أيها الأحبة، بدي إياك تفهم وتحاول تستوعب الصورة، وأنا متأكد أن الأمر يحتاج إلى ممارسة أكثر وأكثر، وأن الطالب البعيد عن دراسة الفقه أصلاً، اللي هو مش عارف إيش أركان عقد البيع وإيش أركان الصلاة وإيش شروط الصلاة، مش عارف الصيام إيش أركان الصيام وشروط الصيام؟ الزكاة إيش أركانها، إيش شروطها؟ ربما يحتاج إلى دربة أكثر حتى يفهم هذا الكلام الذي نقرره، لكن حاول أن تأخذ أنت وتلملم شيئاً من المعلومات.
إذا كان عندي عقد أو عبادة والنهي يتوجه إلى ركن من أركان هذا العقد أو هذه العبادة، أو يتوجه إلى شرط من شروط هذا العقد أو هذه العبادة، نقول: هذا العقد أو هذه العبادة منهي عنها بعينها. فبيع الخنزير نقول: البيع منهي عنه لعينه، لأن النهي تعلق بركن من أركان عقد البيع وهو السلعة. وإذا قلنا الصلاة بغير طهور: النهي عن الصلاة بعينها لأن النهي هنا متعلق بشرط من شروط الصلاة وهو الطهارة. جيد، فإذاً بيع الخنزير، الصلاة بغير طهور، مما نهي عنه بعينه. اكتبوا هذين المثالين.
جميل، الآن أيها الأحبة، بعد أن عرضنا القسم الأول مما نهي عنه، ما نهي عنه لعينه، نقول: المذاهب الأربعة على أن ما نهي عنه لعينه وكان مما يقبل الوصف بالصحة والبطلان أنه باطل. جميل، الآن المذاهب الأربعة تقول: ما هو نهي لعينه، إذا كان من النوع الأول؛ فعل محسوس نهى عنه الشارع أصالة وطلب إعدامه، لا أحد يخالف أصلاً في أنه إذا هذا فعلاً الشارع يطلب إعدامه وعدم وجوده، ولا يوصف بأنه فاسد أو باطل، لأنه هو أصلاً هذا ذا وجه واحد، لا يوصف بأنه صحيح وفاسد حتى نقول والله هو فاسد وباطل. نقول هذا الفعل غير مشروع والشارع طلب إعدامه.
لكن بالنسبة للنوع الثاني، وهو عقد أو عبادة تعلق النهي بركن من أركانه أو شرط من شروطه، بالتالي يكون هذا العقد أو العبادة منهياً عنه لعينه. الآن عند المذاهب الأربعة: إذا كان العقد أو العبادة منهي عنه بعينه لما ذكرنا، يكون هذا العقد أو هذه العبادة باطلاً عند المذاهب الأربعة. تكون هذا العقد أو هذه العبادة إيش؟ باطلاً. طبعا ربما الحنفية لا يعبرون بلفظة باطلة هنا أكثر من تعبيرهم بلفظ غير مشروع، هكذا يقولون، يقولون: غير مشروعة، ولا يقولون باطلة، لكن في النهاية المحصلة واحدة؛ سواء قلنا معاناته أن هذا العقد أو العبادة غير مشروعة، أو قلنا العقد أو العبادة باطلة، النتيجة واحدة، أن الشرع يريد منا أن نعدم هذا البيع أو هذه العبادة، وأنها إن وقعت فهي غير صحيحة وغير مقبولة وتوصف بأنها باطلة عندنا أو غير مشروعة عند الحنفية. ففي النهاية المحصلة واحدة في الحكم على هذا العقد أو هذه العبادة بالانتفاء. ممتاز.
طيب، إذا عرفنا الشيء المنهي عنه لعينه، ويملك ما قلت لكم القسم الثاني: أنه افهم، يعني بعض الطلبة يقولون يا شيخ: لماذا بيع الخنزير تجعله مما نهي عنه لعينه بينما وقت نداء الجمعة ستجعله ممن نهي عنه لوصفه الخارجي؟ هو لا يحسن التمييز بين هذه الأمور، والسبب عدم وضوح الضابط عنده. أن هذا، أركز وأعيد وأركز أني أنا أفهم إيش مشكلة الطالب في هذا الباب؛ أنه يجد الأصوليين يقولون: بيع الخنزير منهي عنه لعينه، البيع وقت نداء الجمعة منهي عنه لوصفه الخارجي، الصوم يوم النحر منهي عنه بوصفه الملازم. عنده لخبطة ذهنية؛ يعني لماذا هذا جعلت منهيا لعينه؟ وهذا ولي العهد لوصفه الملازم؟ وهذا منهي عنه لوصفه الخارجي؟ مع أنه قد يكون متى ما رأيت البيع حكموا عليه بأنه منهي عنه لعينه، اعلم أن النهي إما يتعلق بركن من الأركان أو بشرط من الشروط. هذا هو الأغلب في كلامهم.
طب نذهب إلى النوع الثاني: النهي عن الشيء لوصفه الملازم. ما معنى أن يكون الشيء منهياً عنه لوصفه الملازم؟ معنى هذا أيها الأحبة: أن تكون العقد أو المعاملة -وأنَا مباشرة سأقول لك عقد أو معاملة- أن يكون عقد أو معاملة منهي عنها، هي مقصودة في النهي بذاتها، ولكن إنما وجه النهي إليها لوصف ملازم يصعب الانفكاك عنه. عقد أو عبادة هي المقصودة في النهي، ولكن لماذا قصدت في النهي؟ ليس لعينها، وإنما هي وجه النهي إليها وقصد النهي إليها، ولكن بسبب وصف ملازم لها يصعب الانفكاك عنه.
مثال ذلك أيها الأحبة: مثل الصلاة في اوقات النهي، الآن كما تعلمون ودرسنا سابقاً، هناك أوقات منهي عن الصلاة فيها، صح؟ مثل من بعد طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، وعندما يكون قائم الظهيرة حتى تزول الشمس، ومن بعد صلاة العصر إلى الغروب. هذه أوقات منهي عن اللفظ المطلق فيها باتفاق أهل العلم، ومختلف في الصلوات ذوات الأسباب: هل يجوز الصلاة فيها ولا لا يجوز؟ الآن لا يهمني تحليل المسألة، يهمني أن تفهم أن الصلاة -صلاة النفل المطلق كيف تتطوع لله بالنفل المطلق- في اوقات النهي لا يجوز، ممتاز؟
الآن لاحظوا الحديث: «لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس». طبعا هو نفي ولكن المراد منه النهي، يعني لا تصلوا بعد العصر حتى تغرب. الآن هذا النهي: لا تصلوا بعد العصر حتى تغرب الشمس، هذا نهي عن الصلاة، صح؟ الصلاة هي المنهي عنها، لا ركزوا، نهي عن ايش؟ عن الصلاة، لا تصلوا، لا تصلوا، منهي عن الصلاة، والنهي هنا موجه...
إلى الصلاة، لكن هل هو موجه؟ ركزوا الآن ماذا أقول؟ هل هو موجه إلى ركن من أركان الصلاة أو إلى شرط من الصلاة؟ لا، لماذا؟ لأن أركان الصلاة معروفة؛ إيش هي؟ تكبيرة الإحرام، قيام، ركوع، سجود، طمأنينة، كذا، الجلوس بين السجدتين. شروط الصلاة معروفة؛ استقبال قبلانية، دخول وقت، بس.
فاذا، عندما يقول الشرع: «لا تصلوا بعد العصر حتى تغرب الشمس»، النهي هنا عن الصلاة لم يتعلق لا بركن من أركان الصلاة ولا بشرط من شروطها. ليس كما مر معنا قبل قليل: «لا تصلوا من غير طهارة»، ولا تصلوا لغير القبلة، ولا تصلوا من دون ستر عورة. هذا نهي عن الصلاة بسبب شرط من شروطها.
وكذلك حينما يقول: «لا صلاة لمن لم يتم ركوعه وسجوده»، هذا نهي عن الصلاة ونفي للصلاة؛ لأن النهي يتوجه إلى ركن من أركانه وهو الطمأنينة. أما هنا: «لا تصلوا بعد العصر حتى تطلع الشمس»، ليس نهي عن الصلاة بسبب شرط من الشروط أو ركن من أركانها؛ يعني باختصار لا يتعلق النهي بشرط من شروط الصلاة أو بركن من أركان الصلاة، وإنما هو نهي يتعلق بوصف ملازم للصلاة في هذا الوقت لا ينفك عنها.
كيف يعني وصف ملازم؟ الآن حتفهم شو يعني ملازم. إذا قصدنا ذاته أو قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تصلوا بعد العصر حتى تغرب الشمس»، هو نهي عن الصلاة في حالة كونها موصوفة أنها وقعت من بعد صلاة العصر إلى مغيب الشمس، صح؟ بهذا الوصف يعني أنت منهي عن الصلاة بهذا الوصف أنها من بعد العصر إلى مغيب الشمس.
هل هذا الوصف ملازم للصلاة؟ ولا يمكن أن ينفك عنها؟ في نفس هذه المدة الزمنية، في نفس هذه المدة الزمنية هل بإمكانك أن توقع صلاة في غير هذه المدة الزمنية؟ كيف يعني؟ الطالب يغشك، بديش تعطي ألغاز. الآن هل يمكن أن تصلي نفلا مطلقا بعد العصر في غير وقت العصر؟ هل يمكن أن تخرج عن عنصر الزمان؟ يعني الآن دخل وقت صلاة العصر، هل يمكن أن توقع نفلا مطلقا في غير وقت العصر، وأنت الآن في بعد صلاة العصر؟ مش ممكن؛ لأنه لا يمكن الانفكاك عن عنصر الزمان، لا يمكن الإنسان أن يخرج من عنصر الزمان، بالتالي الزمن من بعد العصر إلى مغيب الشمس هو وصف ملازم لأي صلاة تقع في هذه المدة، أي صلاتنا في المطلق تقع في هذه المدة الزمنية، توصف هذه الصلاة بأنها وقعت من بعد صلاة العصر إلى مغيب الشمس، بالتالي هذا الوصف وصف ملازم لها، لا يمكن أن تنفك عنه.
فبتعطينا مثال آخر يا شيخ أضح؟ أه، النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن صيام يوم النحر، اليوم الأول لعيد الأضحى، نهي عن صيام يوم النحر. جميل. الآن هل هنا نهي عن الصيام؟ ممتاز. هل النهي توجه إلى ركن من أركان الصيام؟ لا. هل تعلق بشرط من شروط الصيام؟ لا. تعلق بنهي عن الصيام بسبب صفة معينة، بسبب حالة معينة. نهي عن الصيام إذا اتصف بأنه في يوم النحر، ممتاز. نهي عن الصيام إذا اتصف بأنه في يوم النحر.
هل هذا الوصف وصف ملازم للصيام؟ ولا وصف يقبل الانفكاك عن الصيام؟ يعني صيام يوم النحر، هل يمكن في يوم النحر أن أوقع صياما خارج يوم النحر؟ لاحظوا هذا طبعا العقل يصعب أن يتصور هذا، بس بدك تصور، هل يمكن في يوم النحر أن توقع صياما ليس في يوم النحر؟ لا يمكن ذلك، صح؟ بالتالي الزمن، أيها الأحبة، باختصار، إذا نهي عن عبادة بسبب زمن من الأزمان لتعلقها بزمن من الأزمان، تكون هذه العبادة منهي عنها لوصفها الملازم، تكون هذه العبادة ساعة ونصف ونصف ذهب من الوقت، جميل؟ إيه منتبه على الساعة.
طيب، تكون هذه العبادة أيها الأحبة منهي عنها لوصف ملازم لها؛ لأن هذا الوصف لا يمكن أن ينفك عن العبادة، لا يمكن الخروج عن عنصر الزمان. ربما حينما أتكلم عن الوصف الخارجي ستتضح لك الأمور أكثر وأكثر، إيش معنى وصف لازم ووصف خارجي؟ طيب، إذا الصلاة في وقت النهي، صيام يوم النحر، لا أريد أن أوسع أمثلة كثيرة؛ لأن هناك يمكن تبدأ خلل عند الطالب.
جميل. الآن إذا كان الشيء منهي عنه لوصفه الملازم، نهي عن الصلاة في اوقات النهي، إذا المنهي عنه الصلاة، لكن ما سبب النهي؟ ليس عينها، بل نهي عنها لوصف من أوصافها الملازمة لها. نهي الصيام متى؟ في يوم النحر. إذا هذا نهي عن الصيام ليس لعينه، بل لوصف ملازم له لعدم إمكانية الانفكاك عن النحر في حالة كونه في يوم النحر.
ممتاز. إذا نهي عن العقد أو المعاملة لوصف ملازم له، فإن جماهير الأصوليين من الحنابلة والشافعية والمالكية يقولون: النهي عن العقد أو المعاملة لوصف ملازم لها يستلزم فساد هذا العقد وهذه المعاملة. فإذا نهي عن الصلاة في وقت النهي، فهذا يستلزم أن الصلاة التي تقع في اوقات النهي باطلة فاسدة. صيام يوم النحر منهي عنه لوصفه الملازم، هذا يعني عند الجمهور أن صيام يوم النحر باطل وفاسد.
أما المخالف، المخالف من الحنفية، الحنفية يقولون: لا، إذا نهي عن الشيء لوصفه الملازم مثل الصلاة في اوقات النهي أو الصيام في يوم النحر، فهذا -لاحظ الحنفية بالعكس، لاحظ ماذا سيقود الحنفية- دعوني أمسح النصف.
الحنفية ذهبوا مذهبا بعيدا، قال الحنفية: إذا نهي عن الشيء لوصفه الملازم -طبعا هذا لم نذكره سابقا حينما تكلمنا عن هذه المسألة في مقطع الكتاب، الآن أذكر الحنفية- قالوا: إذا نهي عن الشيء لوصفه الملازم فهذا يدل على صحة العقد أو العبادة، لكن الأداء هو الفاسد ويكون آثما. غريبة أيها الأحبة! تعود، اجلس حتى أرتَح قليلا. نعلق نحن على الجلوس.
الآن أيها الأحبة، الحنفية رحمة الله عليهم ماذا قالوا؟ كنشف الجمهور ماذا قالوا والحنفية ماذا قالوا. الجمهور قالوا: إذا نهي عن عقد أو معاملة بوصف ملازم فهذا دليل على ايش؟ على بطلان هذا العقد أو العبادة وفسادها. طبعا نحن أصلنا سابقا أن الجمهور الحنابلة والشافعية لا يفرقون بين مصطلح البطلان ومصطلح الفساد، صح، لا يفرقون بين مصطلح البطلان ومصطلح الفساد، وإنما هناك تفرقة موضعية في بعض الأبواب، فرقوا بين الحج الفاسد والحج الباطل، فرقوا بين النكاح الفاسد والنكاح الباطل، أما الأصل كتقعيد أصولي ما عندهم فرق بين الباطل والفاسد، فيقولون: أي عقد أو عبادة نهي عنها لوصفها ملازم، فهذا النهي يدل على فساد هذا العقد وبطلانه وفساد هذه العبادة وبطلانها.
فالصلاة في اوقات النهي فاسدة وباطلة، وصوم يوم النحر فاسد وباطل. الحنفية قالوا: لا يا جماعة، قالوا: إذا نهي عن العبادة أو العقد لوصفه الملازم، فهذا يدل على صحة هذا العقد أو هذه العبادة. آه، كيف يدل على صحتها؟ النهي عن العقد أو العبادة لوصفها الملازم دليل على صحة -طبعا عبد المؤمن والطوفي هكذا نسبوا إلى الحنفية أنهم يقولون دليل على صحتها، وما رأيت في أصول السرخسي وفي كذلك منار الأنوار لا يكون دليل على صحتها، ربما عبارتهم قد تكون أدق، عندما تنقل من كتبهم تكون أدق، يقولون: دليل على مشروعيتها- قالوا: النهي عن العقد أو العبادة لوصفها الملازم دليل على ايش؟ على مشروعية هذا العقد وهذه العبادة. واضح؟
طيب، خلونا نعبر بتعبير عبد المؤمن: دليل على صحتها، ما عندي مشكلة. خلونا نعبر: النهي عن العقد أو العبادة لوصفها الملازم عند الحنفية دليل على صحتها ولكن الأداء هو الفاسد، أما العبادة أو العقد صحيح والأداء هو الفاسد فتكون آثما.
قلنا له: من أين أتيتم بهذه الاستنباط العقلي؟ بهذه الفكرة العقلية أنه النهي عن العقد والعبادة دليل على مشروعيتها أو على صحتها؟ فانظروا ماذا قالوا. وانظروا ماذا قالوا حتى تعرفوا أن يقع الوهم أحيانا.
قالوا: قال الحنفية، الآن أنت إذا أتيت إلى رجل أعمى، إذا أتيت إلى رجل أعمى، هل يصح أن تنهى الأعمى عن النظر إلى السماء؟ فتقول لرجل أعمى: لا تنظر إلى السماء. ايش رأيكم، رجل أعمى هل يصح أن تقول لرجل أعمى: لا تنظر إليه، لا تنظر؟ بصير تهاه؟ قالت: ما بصير، لماذا؟ لأنه هو أصلا لا يتمكن من الرؤية، هو لا يستطيع النظر، ما عنده بصر، فكيف أنهاه عن شيء وهو لا يقدر أصالة على فعله إذن؟
هل هناك عاقل يأتي لرجل ضرير أعمى يقول له: لا تنظر إليه؟ ما في، صح؟ لماذا؟ لأنك عندما تنهى شخصا عن شيء يجب أن يكون هذا الشخص قادر على فعل هذا الشيء فتنهاه عنه، صح؟ أقول لك: لا تشرب الخمر، أنا ما بنهاك إلا وأنت قادر أنك تشرب الخمر، أما ربنا سحب منه الفم، ما عنده فم، خدك من دون فم، هل يمكن تقول: لا تشرب الخمر؟ بقول لك: هو أنا عندي فم أشرب خمر؟ الضرير بقول له: لا تنظر إليه، راح يقول لك: أنا عندي بصر أنظر إليه؟ سيستهجن هذا النهي. فنحن نتفق فعلا، يعني الضرير لا يمكن أن تنهاه عن النظر إليك أو عن السماء، كذلك من لم يكن عنده فرج لا يمكن أن تنهاه عن شرب الخمر. صح؟
طيب، رجل لا يوجد عنده فرج، هل يمكن تنهاه عن الزنا؟ تقول له: ولا تزني؟ يقول لك: وأنا ما عنديش فرج أصلا حتى أزني. ألا يكون يعني زنا النظر، لكن كان الزنا المعروف الإيلاج لا يمكن، فلا يمكن أن تنهى. قال: وأنتم الآن كيف سيجلسون هنا وحدث الخلل؟
قالوا: فكذلك لا يصح أن ينهى الله سبحانه وتعالى العباد عن صيام يوم النحر أو عن عقد من العقود لوصفه الملازم. ممتاز، لا يمكن أن ينهى الله العباد عن عبادة أو عن عقد لوصفه الملازم ويكون هذا العقد وهذا العبادة باطل وفاسد غير مشروع، إذا أمر الله سبحانه -إذا نهى الله عن عبادة أو عقد لوصفها الملازم، فهذا دليل على أن هذه العبادة- الجمعة أو هذا العقد مشروع، جميل؛ لأنه لو لم يكن مشروعا -أنا لا أخذ عدة عبارة حنفية، مشروع مش صحيح- دليل على أن العبادة مشروعة وعلى أن العقد مشروع؛ لأنه لو لم يكن مشروعا هذا العقد، أو لو لم تكن مشروعة هذه العبادة، لما صح النهي عنها.
ممتاز، الحنفية تصور شوي صعب، لاحظوا ماذا يقولون؟ قاسوا، قال: كما أنه لا يجوز أن تقول للضرير: لا تنظر إلى السماء؛ لأنه لا يستطيع النظر. كذلك لا يجوز أن ينهى الله سبحانه وتعالى عن عقد أو عبادة لوصفها الملازم، ونحن نهي غير مشروعة لنا، وهي غير مشروعة لنا، ومطلوب منا إعدامها. لكن لما نهى الله عن عبادة العقد لوصفها الملازم، فهذا دليل على أن هذه العبادة أو هذا العقد مشروع.
ولكن، طب ايش فائدة النهي إذا كان مشروع؟ قالوا: النهي يدل على فساد الأداء، فالنهي ينصب على ايش؟ على فساد الأداء فقط، وأما العبادة والعقد مشروع، والنهي ينصب على فساد ايش؟ فساد الأداء، فمن أدى يكون آثما وأداؤه فاسد. طبعا بدنا نرجع ونذكر: الحنفية يفرقون بين الفاسد والباطل.
يعني أنت مبتدئ ممكن تقول يا شيخ: أنا شوف مبدئيا ما فيش عندي خلاف، مشكلة مع الحنفية، يعني هم ايش بقولوا؟ هم إنه إذا نهى الله عز وجل عن عبادة لوصفها الملازم أو نهى عن عقد لوصفه الملازم، فهذا دليل، هو يدل على أن هذه العبادة مشروعة وهذه الدقيقة أو أن هذا العقد مشروع، وإنما المنهي عنه يشعر الضرب، أداء هذه العبادة أو أداء هذا العقد، فإذا أداه المكلف نسمي الأداء فاسدا ويكون آثما، وأما الفعل وأما الفعل نفسه يبقى مشروعا وهنا نقول، والصحيح عشان هيك عبد المؤمن وعبد المؤمن الطوفي ما قالوه ما لم يقولوه، لا، هم جعلوا العبادة والعقد على الرغم من أداء فساده بما أنه مشروع قالوا هو صحيح.
أعطينا مثال يا شيخ عن رأي الحنفي أضح؟ طيب. الآن صيام يوم النحر مما نهي عنه لوصفه الملازم، صح؟ فسرنا قبل قليل. الآن الحنفية ايش بقولوا؟ بقولوا: صيام يوم النحر لم ينه عن الصيام، إيش بدنا نعمل؟ الصيام صح، لم ينه عن الصيام في يوم النحر إلا وهو مشروع في هذا اليوم، لم ينه عنه إلا وهو مشروع، فالنهي عن صيام يوم النحر دليل على مشروعية الصيام في يوم النحر يا شيخ، اقرأ؟ قال: النهي عنه دليل على مشروعيته في هذا اليوم. لماذا؟ قالوا: لأنه لا يجوز أن ينهى عن الصيام في يوم النحر وهو ليس مشروعا أصلا، كما أني لا استطيع أن أقول للضرير: لا تنظر إلى السماء وهو لا يستطيع النظر. أنظر كيف قاسوا هذه البلاد، لا يمكن أن ينهى الله عن الصيام في يوم النحر وهو غير مشروع، كما أنه لا يمكن أن تقول للضرير: لا تنظر إلى السماء وهو لا يستطيع النظر، فنهي الله عن الصيام في يوم النحر دليل على مشروعية الصيام في يوم النحر، وإنما النهي ينصب على فساد الأداء.
فالصيام في يوم النحر مشروع، ولكن من صام نقول: أداؤك للصيام فاسد وأنت آثم، وأما فعل الصيام مشروع وصحيح. هون الحبكة، أنهم قالوا: فعله مشروع ايش؟ وصحيح. آه، قل: كيف الصحيح؟
قالوا: أنظروا ماذا بنوا على ذلك، بنوا على ذلك في فروعهم: لو أن رجلا نذر أن يصوم يوم النحر، الآن عند الجمهور هذا نذر معصية باطل، لا يجوز، هذا النذر عليه كفارة يمين عند الحنابلة فمن غير معصية، لكن عند الحنفية لا، يقولون: إذا نذر الرجل أن يصوم يوم النحر، النذر ينبغي أن يتعلق بشيء مشروع. صح؟
هل صيام يوم النحر مشروع ولا مش مشروع؟ عند الجمهور لا، وعند الحنفية اه، صيام يوم النحر مشهور ممتاز. لكن الحنفية بقولوا: استروا الجماعة هم يقولون صيام يوم النحر مشروع، فإذا نذر الرجل أن يصوم يوم النحر إذا هو نذر شيئاً مشروعاً، لكن الحنفية يقولون له: بس الأداء فاسد، فليس لك أن تؤدي هذا النذر في يوم النحر بل عليك أن تقضي الصيام في يوم آخر. الرجل ما رضي وصام يوم النحر، ماذا يقول الحنفية؟ يقولون صيامه ما حكمه من حيث الصحة والفساد؟ يقولون: صيامه صحيح مشروع، ولكن أداؤه فاسد. والوفاء بالنذر يتعلق بكون الفعل صحيحاً، فيكون الفعل صحيحاً لكن الأداء فاسد.
كأن في حتة فيها المشروع صحيح لكن أداؤك فاسد، ويترتب على فساد أداؤك أنك آثم فقط عندهم. وأما نذرك برئت منه خلص، فإذا صمت يوم النحر أداؤك فاسد، لكن كصحة نعتبره فعلاً صحيحاً ومشروعاً.
الآن أيها الأحبة، ايش مشكلة الحنفية في قياسهم هذه المسألة على مسألة الضرير؟ الطوفي رضي الله عنه ورحمه رد على الحنفية، قال لهم: قياس خطأ، قياسكم خاطئ. لماذا قياس الحنفية خاطئ أيها الأحبة؟ الطوفي يقول للحنفية: النهي عن صيام يوم النحر ليس دليلاً على أن الصيام مشروع في يوم النحر، وإنما هو دليل على أن الصيام ممكن عقلاً في يوم النحر وعادة، ولكن ليس دليلاً على أن الصيام مشروع في يوم النحر. تركوه فيك التدقيق في الرد، وواضح أنا حقيقة مقتنع جداً بكلام الطوفي.
الآن الطوفي ايش يرد؟ الحنفي يقول لهم: النهي عن صيام يوم النحر ليس دليلاً على أن يوم النحر مشروع صيامه، هو دليل على أنه يوم النحر ممكن عقلاً وعادة صيامه فلذلك نهي عنه، ولو كان لا يمكن عقلاً ولا عادة صيام يوم النحر لما صح النهي. وهكذا يكون قياسكم صحيحاً على مسألة الضرير.
يعني الضرير، لماذا لا يصح أن ننهاه عن النظر إلى السماء؟ لأنه لا يمكنه عقلاً أن ينظر إلى السماء، صح؟ فكذلك لا يجوز أن ينهانا الله عن صيام يوم النحر، ونحن لا يمكننا عقلاً أن نصوم يوم النحر. أما إذا كان يمكننا عقلاً وعادة أن نصوم يوم النحر، بالتالي يجوز لله سبحانه وتعالى أن ينهانا عن صيام اليوم، ولا يكون النهي عن صيام يوم النحر دليلاً على مشروعية وصحة الصيام يوم النحر شرعاً. هذا خطأكم في القياس إذاً قيستم خطأ.
وزاد هذه المسألة، هذه المسألة يعني هل الله سبحانه وتعالى ينهى شخصاً عن الطيران في السماء؟ لا، لا ينهى، لماذا؟ لأنه لا يمكن عادة أن يطير الشخص في السماء، صح؟ هل الله سبحانه وتعالى ينهى شخصاً أن يجمع بين نقيضين؟ يقول له: لا تجمع بين السواد والبياض مرعوبين ضدين، لا يمكن أن ينهى الله شخصاً أن يجمع بين ضدين. لماذا؟ لأن الجمع بين الضدين لا يمكن عقلاً، فالله سبحانه وتعالى لا ينهى عن فعل لا يمكن عقلاً ولا يمكن عادة.
فمثل، كما أننا لا يجوز أن نقول للضرير: لا تنظر إلى السماء، لأن النظر للسماء لا يمكن عقلاً أو عادة بغض النظر جميل. فقال هكذا التقارير، الطوفي: أنت مخطئ في القياس، النهي عن الصيام يوم النحر ليس دليلاً على مشروعيته، دليل على إمكانه عقلاً وعادة ولا يدل على المشروعية، فقياسكم هذا على مسألة الضرير خطأ، وبالتالي أنهى الموضوع عند الحنفية، أنهى الموضوع. لكن الخلاف سيبقى قائماً، والحنفية ترى أحياناً يعني لا، لأننا ندرس طلبة علم ما زالوا في بداية طريقهم، نحتاج أن نجب الخلاف في أمور هي أصول الخلاف. لكن أنتم عندما تعودون وتقرؤونه في أصول السرخسي وفي أصول النسفي وفي غيرها من الكتب، يجدون أن هناك أدلة كبيرة للحنفية ونقاشات طويلة، وقد تقتنع ربما يوماً ما بوجهة نظر الحنفية وقد تخالف الجمهور، لكن أنا أحاول أن أعطيكم زمام المبادرة في هذه الأبحاث وأكشف لك شيئاً من غموضها، وما أدين الله سبحانه وتعالى به على طريقة السادة الحنابلة رحمهم الله تعالى.
جميل، إذاً الوصف الملازم، فلعله أتى بشيء بوصفه الملازم. فعند الجمهور هذا دليل على الفساد والبطلان، وعند الحنفية هذا دليل على ماذا؟ على الصحة والمشروعية ولكن الأداء، وليس باطل، يسمون الأداء فاسداً. لماذا لا يسمونه باطلاً؟ لأنهم يقولون الأداء فاسد، ولكن الفعل يمكن تصحيحه.
الفعل يمكن تصحيحه حتى لو وقع الأداء فاسداً، ما نوي عنه من وصفه الملازم عند الحنفية يمكن تصحيحه وقبوله واعتباره. لذلك مسألة بيع الدرهم بدرهمين عقود الربا عند الحنفية تعتبر مما نهي عنه، عقد نهي عنه لوصفه الملازم، يقولون: العقود الربوية فاسدة وليست باطلة، لأنه البيع البيع وجد بشروطه وأركانه، هناك عاقدان والسلعة والثمن الأصل فيها هو الجواز أنها نقود بنقود، عقد صرف، احنا ما في مشكلة. النهي تعلق بصفة تعلقت بهذا العقد، النهي توجه إلى صفة ملازمة لهذا العقد الذي أجراه هذا الشخص، وهي قضية زيادة درهم من أحد الأطراف على الآخر. فيقولون: العقد فاسد، الأداء فاسد، لكن العقد مشروع. بالتالي العقد لا أقول إنه باطل ويحتاج إلى فك وإعادة أخذه من جديد، لا، العقد فاسد صحيح، مشروع، ولكن هناك فساد في الأداء، فعلينا أن نصحح هذا الفساد بإزالة الدرهم الزائد. فبالتالي كلام الحنفية مؤثر، وأظن هذا بينته سابقاً في دروس مضت.
هذا فيما يتعلق بالوصف اللازم والخلاف بين الحنفية والجمهور، وأنا ركزت على قضية أن الحنفية يقولون: المنهي عنه بوصفه الملازم، النهي دليل على مشروعيته وصحته. الجمهور بضد تماماً: النهي عن الشيء لوصفه الملازم دليل على فساده وبطلانه. وعليكم أن تنظروا أكثر وأكثر.
الحالة الثالثة والأخيرة: النهي عن الشيء بوصفه الخارج. ما معنى أن يكون شيء منهياً عنه لوصفه الخارج؟ ما معناه وصف الخارج؟ الوصف الخارجي أيها الأحبة هو الوصف غير الملازم للمنهي عنه ويمكن انفكاكه عن المنهي عنه. مثال ذلك: الصلاة في الدار المغصوبة، منهي أنت عن الصلاة في الدار المغصوبة. كذلك منهي عن الصلاة في ثوب الحرير. جميل أيها الأحبة، الآن النهي عن الصلاة في الدار المغصوبة، هل هو لعين الصلاة؟ لا، لأنه لم يتعلق لا بشرط ولا بركن من أركانه. طيب، هل هو نهي عن الصلاة بوصف ملازم؟ اه هنا بدنا نفهم، النهي عن الصلاة في الدار المغصوبة، هل يمكن أن ينفك عن الدار المغصوبة وأخرج عنها أصلي في مكان آخر؟ ممكن، لأني أستطيع الخروج عن عنصر المكان، صح، وأذهب إلى مكان آخر.
الصلاة في ثوب الحرير منهي عنها، اه هل ثوب الحرير وصف ملازم للصلاة؟ لا، يمكن الانفكاك عنه مثل الزمن ولا وصف يمكن الانفكاك عنه، ممكن الانفكاك عنه، ايش تعتبر بالحرير؟ البس ثوباً آخر، صح؟ أما الصلاة في بعد العصر، هل يمكن والله أني أوقع صلاة بعد العصر في غير وقت العصر؟ لا، عنصر الزمان لا يمكن الخروج عنه. فلذلك قلنا: اه إن الصلاة في الدار المغصوبة وفي ثوب الحرير لوصفها الخارجي.
كذلك الصلاة في الأماكن السبعة مثلاً، نهي عن الصلاة في المزبلة والمجزرة والمقبرة وقوارع الطريق والحمام ومعاطن الإبل، كل النهي عن ترى في أمكنة نهي عنها لوصف خارج، لأنه يمكن الانفكاك عنه، صح؟ وأما إذا نهي عن الصلاة لزمن أو ما شابه ذلك، فهذا نهي عن الصلاة لوصف ملازم. طيب، إذا نهي عن الصلاة بصفة لوصف خارجي لامر خارج عنها، جميل. إذا روي عن الصلاة لأمر خارج عنها، فهنا أقول لكم: الجمهور من الشافعية والمالكية والحنفية يقولون: إذا نهي عن عقد أو عبادة لوصف الخارج فالعقد والعبادة صحيحان ولا يتأثران، وإن كان الجميع يقولون: يجب أن لا تفعل هذا الفعل وأن تنكف عنه. لكن إن وقع، هل نهينا ربي عن الصلاة في الدار المغصوبة طوعاً مثلاً، البيع في وقت أذان الجمعة، دليل على فساد هذا البيع وبطلانه؟ الآن الجمهور من الشافعية والمالكية والحنفية يقولون: إذا نهى الله عن عقد مثل النهي عن البيع وقت أذان الجمعة، هذا نهي بوصف خارجي عند الجمهور، وإن يعني الطالب ممكن هنا يتحيل الشيخ: كيف البيع وقت أذان الجمعة اه، نحن بوصفه خارج، طب مش هذا عنصر زمان صح؟ يعني الأصل يكون مثل ايش؟ مثل الصلاة في أوقات النهي. لكن الأكثر يرى أنه لا، هنا النهي بوصف الخارج. ويا ريت لما يكون معي وقت أطول لحتى أفسر في بعض المسائل، يعني فلماذا جعل هذا نهي عن الوصف الخارج؟ لكن ربما يتداركني الوقت في قضية البيع وقت أذان الجمعة.
لكن دعوني الآن أتكلم عن الصلاة في الدار المغصوبة وثوب الحرير. الآن الجمهور يقولون: لا يجوز أن تصلي في الدار المغصوبة، ولا يجوز أن تصلي في ثوب الحرير. طيب، إذا صليت، هل النهي عن الصلاة في الدار المغصوبة، في ثوب الحرير، دليل على الفساد وعلى بطلان هذه الصلاة؟ الجمهور قالوا: لا، الصلاة صحيحة، وإن كنت أنت آثماً أنك ارتكبت النهي، لكن الصلاة صحيحة.
الحنابلة قالوا: لا، النهي عن الصلاة في الدار المغصوبة أو في ثوب الحرير يؤدي إلى بطلان وفساد الصلاة، تؤدي إلى بطلان وفساد الصلاة. طبعا الحنفية إذا كانوا يقولون: أداء ما نهي عنه بوصفه الملازم يكون صحيحاً مشروعاً، من باب أولى أن يكون ما نهي عنه بوصفه الخارجي أن يكون صحيحاً مشروعاً. أما الجمهور هم الذين اختلفوا، يعني المالكية والشافعية هم الذين اختلف قولهم، فإذا كان عن الوصف الملازم باطل وفاسد، إذا كان من هذا الوصف الخارجي يكون صحيحاً. الحنابلة اضطردوا في جميع الأمور الثلاثة، ما نهي عنه لعينه أو لوصفه الملازم أو الخارجي، كل هذه الأنواع أيها الأحبة عند الحنابلة تؤدي إلى الفساد وإلى البطلان، جميل.
طيب، الآن ايش وجهة نظر الجمهور؟ يعني لماذا الجمهور قالوا ما نهي عنه لوصفه الخارجي ليس باطلاً وفاسداً خلاف الحنابلة، ماذا كانت وجهة نظرهم؟ قالوا: الصلاة في الدار المغصوبة وصلاة ثوب الحرير، لو أتينا نبحث مبحثاً نجد أيها الأحبة في الحقيقة أن النهي ليس مقصوداً به الصلاة، وإنما النهي عنه التحرك في الدار المغصوبة، صح؟ ومن صور التحرك الصلاة. فالصلاة هل هي مقصودة في النهي ابتداءً، ولا هي صورة من الصور التي يقع فيها المنهي عنه الحقيقي؟ المنهي عنه الحقيقي هو التحرك في الدار المغصوبة، وإحدى صور هذا التحرك هي الصلاة.
كذلك مثلاً الصلاة في ثوب الحرير، هل هو منهي عن الصلاة عن الصلاة في ثوب الحرير؟ ولا منهي عن أي فعل للرجل في ثوب الحرير؟ منهي عن أي فعل، ومن الصور الصلاة، فالصلاة شد تبعا من إحدى صور ارتكاب الفعل في ثوب حرير وليس هي المقصودة أصالة. وكذلك قالوا في البيع وقت نداء الجمعة، الآن البيع وقت الجمعة قالوا: هو من وصف النهي، مما نهي عنه لوصفه الخارجي، وإن كان زماناً، لكن مما نهي عنه لوصفه الخارجي، لماذا؟ قالوا: لأن المنهي عنه في الحقيقة ليس هو البيع، صح؟ وإنما المنهي عنه في الحقيقة عند البحث والتعمق هو الانشغال عن السعي إلى الجمعة، هذا منهي عنه صح؟ الانشغال عن السعي إلى الجمعة، ومن صور هذا الانشغال ايش؟ البيع.
لذلك يمكن أن أقول لكم الآن، في الحقيقة عنوان هذا كنت يعني أظن أنه بحث أعمق، يمكن أن نضع ضابطاً آخر في قضية المنهي عنه لوصفه الملازم أو لوصفه الخارجي، وقد يكون هذا الضابط أوضح، وإن كانت مشكلة الأمثلة هي التي لا تضطرد عند التطبيق. لكن قد يكون هناك ضابط أوضح للتفريق بين ما نهي عنه لوصفه الخارجي وبين ما نهي عنه لوصفه الملازم، ما هو؟ بدل أن نقول: إن الوصف الملازم لا يمكن الانفكاك عنه، والوصف الخارجي ما يمكن الانفكاك عنه، وهذه وجهة نظر بعض الأصوليين.
يمكن أن نقول: إن الفرق بين ما نهي عنه لوصفه الملازم أو ما نهي عنه لوصفه الخارجي هو أن ما نهي عنه لوصفه الملازم يكون الفعل هو المقصود بسبب ما اتصل به من الصفة، وأما ما نهي عنه بوصفه الخارجي، الفعل ليس هو المقصود من النهي، وإنما هناك فعل آخر هو المقصود بالنهي، وهذا العقد أو المعاملة التي نهي عنها هي صور من صور ذلك الفعل.
ممتاز، أعيد فأقول: ما نهي عنه لوصفه الملازم يكون العقد أو المعاملة بذاتها مقصودة بالنهي بسبب اقترانها بالوصف، وأما ما نهي عنه بوصفه الخارجي، لا، العقد أو العبادة ليست هي مقصودة ابتداءً بالنهي، وإنما المنهي عنه في الحقيقة أمر عام من صوره هذا العقد أو هذه العبادة، فيكون النهي عن العقد أو العبادة بالتبع وليس بالتقصد.
ولو أننا ذهبنا إلى هذا المنهج، أظن ربما أعمق وأدق، ولكن لماذا لم أقل هذا المنهج ابتداءً؟ لأني لا أجد كثيراً من أصوليي الجمهور يصرحون به، وأكثر من يصرح به الأصوليون من الحنفية. وأظن أن هذا المنهج في الحقيقة سيحول كثيراً من الإشكالات، فدوّنوه عندكم.
طيب، إذاً أيها الأحبة، دعونا الآن نعود إلى عبد المؤمن البغدادي، نعلق على كلامه سريعا، ونحاول يعني أن نمثل عبارته، أن عبد المؤمن كما قلنا يعني اختصر واقتضب في هذه المسألة بحيث لم يفهم كثير من كلامه ولم يقسم هذا التقسيم الثلاثي كما قسمناه هنا، وإن كان قسمه في بداية الكتاب، قسمه في بداية الكتاب حينما تكلم عن مسألة اه ما نهي عنه، الشيء الذي نهي عنه لعينه، وما نهي عنه لوصفه الملازم، ومنهي عنه لوصفه الخارجي حينما تكلم في باب الحظر والحرام. لكن هنا أعاد لنفس المسألة نفسها، لكن أعادها بأسلوب آخر واختصر وكان عليه أن يبسط أكثر من ذلك، لكننا حاولنا أن نصل قدر الإمكان. قال عبد المؤمن: بقي أن النهي عن الأسباب المفيدة للأحكام يقتضي فسادها.
لاحظوا عبارة عبد المؤمن النهي عن الأسباب المفيدة للأحكام. هو يقصد بالأسباب هنا أيها الأحبة يعني النهي عن العقود أو العبادة، هذا معنى النهي عن الأسباب المفيدة للأحكام النهي عن العقود أو العبادات. فالبيع هو سبب يفيد حكمه. ايش هو؟ الأحكام المترتبة على البيع انتقال السلعة إلى المشتري، وانتقال الثمن إلى البائع. النكاح سبب يترتب عليه أحكام، يعني آثار سميها، سم الأحكام هنا آثار، ايش يترتب على النكاح؟ انتقال المرأة إلى الرجل، وانتقال المهر إلى المرأة، صح؟ فهذه أحكام ترتبت على صحته وعدم صحته أو صحة البيع وعدم صحة البيع. وقل كذلك في العبادات، العبادات تترتب عليها أحكامها. ايش أحكامها؟ أحكامها العامة هي القبول وعدم القبول. فالصوم يترتب عليه أحكامه من حيث القبول وعدم القبول، كذلك الصلاة، كذلك الحج، وعلى ذلك.
فإذا روي عن يعني بعبارة أوضح، إذا نهي عن عبادة أو عن عقد، وكأنه يريد أن يقول أنا لا أتكلم في هذه المسألة عن الأفعال الحسية التي نهى عنها الشارع أصالة وأراد إعدامها، الأفعال كالزنا وشرب الخمر والكفر وما شابه ذلك، ليس هذا موطن بحث، لا تدخل معي في البحث، وهذه الأفعال أصلاً إنما نهى عنها الشارع لإعدامها، ولا توصف بفساد ولا ببطلان، فلا تدخل في مسألة هل النهي عن شيء يدل على فساده أو لا يدل على فساده، لا تدخل أصالة في هذا البحث؛ لأنه هي نهي عنها لعينها والشارع أراد إعدامه ولا توجد إلا على وجه واحد وهو عدم المشروعية، فلا توصف حتى بالبطلان والفساد؛ لأن هي الشارع أراد الإعدام.
وإنما ما يوصف بالبطلان أو بالفساد هو العقد أو العبادة؛ لأن العقد أو العبادة يمكن أن يقع صحيحاً ويمكن أن يقع باطلاً وفاسداً. فمتى يوصف بهذا؟ ومتى يوصف بهذا؟ وهذا النهي عن العقد والعبادة يقتضي الفساد ولا لا يقتضي؟ هذا اللي هو محل البحث في كل المسألة. فلذلك كان هنا قال النهي عن الأسباب المفيدة للأحكام يعني النهي عن العقود أو العبادات التي تترتب عليها آثارها.
أما عند الحنابلة ماذا يقتضي؟ قال: يقتضي فسادها وأقول لك أنا أضيف الآن يقتضي فسادها مطلقا، سواء كان منهي عن هذا السبب، يعني عن هذا العقد أو العبادة بعينه أو لوصفه الملازم أو لوصفه الخارجي. هذه وجهة نظر الحنابلة، أنه النهي عن الأسباب يقتضي فسادها مطلقا، نهي عنها لعينها، بوصفها الملازم، بوصفها الخارجي لا يوجد عند الحنابلة.
القول الثاني هو وجهة نظر الجمهور من المالكية والشافعية. ما هو القول الثاني؟ طبعا هو ما لم يفسر؟ قال: لعينه لا لغيره. ايش يعني لعينه لا لغيره؟ القول الثاني يقول النهي عن الأسباب المفيدة للأحكام يقتضي فسادها إذا كان النهي لعينها، أما إذا كان النهي لغيرها فلا يقتضي فسادها. في الحقيقة العبارة هنا متداخلة وفيها نقص؛ لأن الشافعي والمالكية ايش يقولوا؟ يقولوا إذا نهي عن العقد أو العبادة لعينه أو لوصفه المناسب اللازم، فهذا يؤدي إلى فساد وبطلان هذا العقد أو هذه العبادة، أما إذا نهي عنه لغير ذلك -هذا قصده لغيرها- لغير ذلك يعني إذا نهي عن العقد أو العبادة لوصفها الخارجي، فهذا لا يدل على فسادها وبطلانها إلا بدليل طبعا بقرينة.
فإذاً قوله: وقيل لعينه لا لغيره قد يفهم منه أنه الشافعية والمالكية يرون أنه إذا نهي عن الشيء بعينه، إذا نهي عن الشيء بعينه فهذا يدل على فساده وبطلانه، وإذا نهي عنه لغيره فلا يدل على فساده وبطلانه، ويدخل في كلمة الوصف الملازم والوصف الخارجي، وهذا مش صحيح؛ لأن الشافعية والمالكية يرون أن ما نهي عنه بوصفه الملازم مثله مثل ما نهي عنه لعينه، ما نهي عنه يدل على الفساد والبطلان.
فلذلك هذه العبارة فيها نوع اختصار. طب يا شيخ ليش ما تحملها على مذهب الحنفية؟ أنه هو اسم مذهب الحنفية؟ نقول لا؛ لأنه مذهب الحنفية في القول الرابع، لذلك ولا يريد ذهاب الحنفية هنا، فأقول هذه عبارة تحتاج لشيء من تعديل، فأقول مذهب الشافعي والمالكية أن ما نهي عنه لعينه أو بوصفه الملازم فاسد وباطل، وأما إذا نهي عن العقد أو العبادة لوصفها الخارجي فهي ليست فاسدة ولا باطلة إلا بدليل.
طيب، الرأي الثالث -طبعاً الرأي الثالث الذي سيذكره وكذلك الخامس لم أتطرق إليه سابقاً وذكره هنا- ذكر رأي ثالث والخامس لم نطرق إليه سابقاً ذكره هنا من باب تتميم الأقوال، ولم نتطرق إليه لأنه ليس رأي مذهب من المذاهب، وإنما هو رأي أفراد لبعض الأصوليين.
الرأي الثالث ايش يقول؟ يقول: إذا كان النهي عن عبادة -يعني لا ينظر إلى قضية بنيان إلى عينه أو لذاته أو لوصفه الملازم أو الخارج- لا لا، هذا الرأي الثالث لبعض الأصوليين ينظر بزاوية أخرى، يقولون إذا كان المنهي عنه عبادة فهذا يدل على الفساد والبطلان، إذا كان المنهي عنه معاملة فهذا لا يدل على الفساد ولا على البطلان.
قلنا لهم: ايش هذه النظرة؟ يعني هؤلاء لا يعتمدون التقسيم الثلاثي الذي ذكرت لهم على السبورة، عندهم وجهة نظر أخرى تماماً: المنهي عنه إذا كان عبادة خلص، إذا نهي عن عبادة فهذا يدل على فساد هذه العبادة، سواء نهي عن لعينها، لوصفها الملازم، لوصفها الخارجي. إذا نهي عن معاملة لا، هذا لا يدل على فسادها، يعني لعينها أو لوصفه الملازم أو الوصف الخارجي، هذا وجهة نظرهم بالجملة وإن كان يعني الرجوع إلى بعض هؤلاء يحتاج إلى النظر في ناحية تطبيقية لديهم.
فماذا نقول أيها الأحبة؟ لماذا هذا التفريق بين العبادات وبين المعاملات؟ هذا التفريق مرجعه أيها الأحبة يقولون: العبادة قربة، صح؟ وما معنى أن العبادة قربة؟ أن الرب يحبها ويريدها ويطلبها منك، فإذا نهي عن عبادة بغض النظر من هي عنها لعينها، لوصفها الملازم، لوصفها الخارجي، فهذا يعني أن هذه العبادة لا يريدها الرب سبحانه وتعالى، صح؟
عندما نقول العبادة قربة، ما معنى أنها قربة؟ أن الرب يريدها ويحبها. طب إذا نهى الله عز وجل عن عبادة معينة سواء على العين أو الوصف الملازم، يعني أن الله لا يريدها، فإذاً لا يمكن أن نقول أن هناك عبادة منهي عنها وهي في نفس الوقت صحيحة باقية على الصحة؛ لأن القول بأنها صحيحة معناها أن الله يريدها ويحبها، والقول بأنها منهي عنها معناتها أن الله لا يحبها، فكيف تكون هذه العبادة محبوبة يتقرب بها إلى الرب؟ الله يريدها وفي نفس الوقت تكون منهي عنها والله لا يريدها، يعني الصلاة في أوقات النهي كيف يمكن أن تكون صحيحة والصحة صحة الصلاة يعني أنها مقبولة عند الله، صح؟ ما معنى مقبولة عند الله؟ أن الله يحبها وأرادها.
طب لما تقول إن الله نهى عن هذه الصلاة، طب معنى أنه نهى عنها أنه لا يريدها، فكيف يكون الله لا يريدها وفي نفس الوقت أحبها ورضيها وقبلها من عبده؟ قالوا: هذا تناقض، بالتالي إذا نهي عن عبادة فهذا دليل على فسادها مباشرة. أما إذا نهي عن معاملة فهذا لا يدل على فسادها، لماذا؟ قالوا: لأن المعاملات ليست قربة إلى الله، وإنما هي حاجة بشر، فالبيع والإيجار وغير ذلك والأنكحة في الأصل في الأصل هي حاجة بشرية وليست قربات، صح؟ فيمكن أن ينهى الله سبحانه وتعالى عن بيع معين عن عقد معين، ومع ذلك هذا لا يدل على صحة هذا العقد، على فساد هذا العقد.
لماذا؟ قالوا: لأننا لو أن الله نهى عن عقد إيجار أو ما شابه ذلك، لو أننا حكمنا بصحته مع أنه منهي عنه، صحة العقد بيع وإجارة أو غير ذلك، لا يدل صحته على أن للرب الصحة في المعاونة، لا تدل على حب الرب وعدم حبه، تدل على أن هذا العقد ستترتب عليه آثاره الدنيوية من انتقال سلعة وثمن قال به أنت أو ما شابه ذلك. بخلاف الصحة في العبادة، الصحة في العبادة قالوا: الدليل على حب الرب ورضاه، وأما الصحة في المعاملة هي فقط الآثار وليست لجهة القربة إلى الرب سبحانه، بالتالي يمكن أن يجتمع أن الله ينهى عن بيع عن إجارة عن شركة عن نكاح وفي نفس الوقت يكون هذا النكاح صحيح أو هذا البيع صحيح بمعنى تترتب عليه آثار، لا تعارض في ذلك. هذه وجهة نظر القول الثالث.
القول الرابع والذي يهمنا هو قول الحنفية، وحكي عن جماعة منهم أبو حنيفة يقتضي الصحة. شوفوا كيف العبارة وحكي عن جماعة منهم أبو حنيفة يقتضي الصحة، ايش هو هاد الكلام؟ ايش يقول الساعة؟
هنا نقول عبارة جدا مختصرة من الضوء من على المؤمن البغدادي لا تفي بالغرض؛ لأنه لم يؤصل مذهب الحنفية تأصيلا كاملا، عليه أن يبين أن مذهب الحنفية عندهم تقسيم ثلاثي، الحنفية يقولون: هناك ما نهي عنه لعينه، هناك ما نهي عن وصفه الملازم، هناك ما نهي عن الوصف الخارجي، ممتاز. وما روي عنه لوصفه الملازم أو لوصفه الخارجي هو الذي يقود الحنفية أن النهي عنه يدل على صحته -بين قوسين عبارة الحنفية الدقيقة يدل على مشروعيته-. وأما ما نهي عنه لعينه عند الحنفية لا يقولون إنه والله النهي عنه يدل على صحته ومشروعيته. فانت حينما تجمل هكذا وحكي عن جماعة منهم أبو حنيفة يقتضي الصحة بين قوسين المشروعية أنت أجملت، لا بد أن تفصل.
الحنفية أبو حنيفة وجماعة الحنفية يقولون: ما نهي عنه لعينه لا يقتضي الصحة، بالعكس النهي عنه يدل على عدم مشروعيتها، ما نهي عنه لعينه النهي عنه يدل على عدم المشروعية كبيع الخنزير وبيع الخمر عند الحنفية غير مشروع. وأما ما نهي عنه لوصفه الملازم أو لوصفه الخارجي فالنهي عنه هو الذي يدل على صحته -بين قوسين- على مشروعيته عندهم. فكلامه هنا جدا المختصر لا يفي بإيصال الفكرة، فاعتبروا ما ذكرناه على السبورة.
القول الأخير قال بعض الفقهاء وعامة المتكلمين قالوا: النهي عن الشيء عبادة أو معاملة لا يقتضي فساداً ولا صحة. قالوا: ما لوش علاقة في كل هذا الموضوع، يعني ربنا نهى عن عقد، نهى عن عبادة، هذا النهي لا يمنع صحة هذا العقد أو فساد هذا العقد، لا نستفيد منه صحة هذه العبادة أو فسادها.
لماذا؟ قالوا: لأن النهي عن الشيء هو من قبيل خطاب التكليف، إما نهي تحريم أو نهي كراهة، وهذا خطاب تكليفي. وأما الصحة والفساد فكما درسنا سابقاً هذا خطاب وضعي، ولا ارتباط بين الخطابين. قالوا: لا ارتباط بين الخطابين، هذا خطاب تكليف وهذا خطاب وضع، فصيغة النهي هي تفيد خطاب التكليف حرام الشيء المكروه، لكن لا تدل على ماذا؟ ليس من دلالة الالتزام الشرعي لها الدلالة على خطاب الوضع، لا تدل على ذلك.
وهذا القول الضعيف أيها الأحبة في الحقيقة؛ فمن الذي قال إن خطاب التكليف منفك تماماً عن خطاب الوضع؟ ولا يجوز أن يستدل بخطاب تكليفي على خطاب وضعي، ما الدليل على هذا الانفكاك التام بحيث لا يصح أن نقول إن النهي عن الشيء سواء لعينه أو لوصفه الملازم أو الخارجي يقودنا إلى فساد هذا الشيء البطلان؟ ما الذي يمنع؟
في الحقيقة لا شيء يمنع، والقول بأنه لا ارتباط أبداً بين خطاب التكليف وخطاب الوضع هذا أيضاً لا تستقيم الدلالة عليك، فلذلك هذا القول الأخير تقريباً لا ينكر في كتب الأصول أصالة إلا على أنه خالف لما عليه المذاهب الأربعة كتأصيل. المذاهب الأربعة هي تختلف في التوصيف الجزئي، لكن لا تختلف في أن النهي الحقيقة له علاقة بالفساد والصحة، ويؤدي من خطاب التكليف ينقلنا إلى الخطاب الوضعي. أما هذا القول وإن نسب إلى عامة المتكلمين كما قلت لكم هذه النسبة انسوها، يعني لا تهمكم كثيراً؛ لأنها نسبة غير محررة في الحقيقة.
القول الأخير الذي يقول بأن النهي عن الشيء ليس له علاقة بالدلالة على صحته ولا فساده هذا رأي عليه كثير من الإشكاليات، وحقيقة هذه المسألة ربما تحتاج ترى إلى بحث أكثر وأعمق وتكلم عن جزئيات أخرى التمثيل لأمثلة غناء والأمثلة أكثر وأكثر نتناولها بالبحث والنظر والتقريب النظر، لكن يعني أنا أحاول أن ألم الأمور، لا نريد أن تتوسع الدورة أكثر من ذلك حتى يعني يكون هناك قطع أكبر في المادة، ونسأل الله أن يعيننا على كتاب أعمق من هذا الكتاب ونقف على دقائق وفوائد إن كان في عمري بقية.
ثم قال عبد المؤمن البغدادي: فهذا ما تقتضيه شرائع الألفاظ، يعني كل ما سبق في العام والخاص والمطلق والمقيد والامر والنهي هذا هو شرائع الألفاظ، يعني هذا هو منطوق الألفاظ، هذا يسمى بدلالة المنطوق. وفي الدرس القادم بإذن الله سنبدأ نتكلم عن دلالة المفهوم، فالألفاظ لها منطوق ولها مفهوم، فما دلالة المفهوم؟ ما هي الأحكام التي تثبت من المفهوم؟ هذا موضوع الدرس القادم بإذن الله وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل