دخولتسجيل الدخول

كيف عاملهم؟ | المجلس الرابع | تعامله ﷺ مع العصاة ، والجفاة ، والمستفتين

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأصلي وأسلم على النبي المصطفى صلاة تترى، وعلى آله وصحبه ومن لنهجه اقتفى.

حياكم الله أيها الأكارم في مجلس جديد من مجالس هذه الدورة الطيبة المباركة، التي نتعلم فيها منهج النبي ﷺ في التعامل مع مختلف الشرائح. وهو منهج الإسلام، منهج النبي ﷺ، يمثل منهج الإسلام الذي ارتضاه الله سبحانه وتعالى للبشرية ليقتفوا أثره وليقتدوا به: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ [الأحزاب: 21].

موعدنا اليوم أيها الكرام للحديث عن منحى آخر من مناحي تعاملات النبي ﷺ. نحن تكلمنا عن تعامله ﷺ مع نسائه، أما في المجلس الثاني فتكلمنا عن تعامل النبي ﷺ مع أبنائه وأحفاده وأقاربه، ثم في المجلس السابق تكلمنا عن تعامل النبي ﷺ مع الضيوف والجيران والأصدقاء.

ثم سنتكلم عن فئات أخرى وأحوال أخرى من منهجه ﷺ، وهو منهجه في التعامل مع من يسأله ويستفتيه، ثم منهجه مع القساة وعموماً طبقات المجتمع البسيطة التي لا تحسن التعامل ولا تعرف أدبيات التعامل مع الكبار ومع أهل العلم وما شابه ذلك، ثم كيف كان يتعامل مع المذنبين والعصاة.

نبدأ بما بترتيب الكتاب، فنبدأ بالكلام عن آدابه ومنهجه ﷺ في التعامل مع المستفتين والباحثين عن المعرفة. وقد تقول لي: كيف أتخلق بأخلاق النبي ﷺ في هذا المجال؟ قد يسمع الإنسان يقول: أنا ربما لست عالماً، أنا ربما لست طالب علم، مصدر لأن يسألني الناس. لا، أنت في النهاية أب، وغداً سيأتي عندك ابن ويسألك عن أمور دينه، أنت في النهاية أم وستأتي ابنك أو ابنتك يسألونك عن أمور دينهم وأمور دنياهم. أنت في النهاية معلم في مدرسة، قد تكون غداً أستاذاً في جامعة.

ليس أدب السؤال وإجابة السؤال هذا خاصاً فقط بالعلماء وأهل العلم الكبار، كل إنسان منكم معرض لأن يسأل في أمر من أمر الدين؛ أباً في أسرة، شاباً في جامعة، معلماً في مدرسة، زميلك في العمل ممكن يسألك. وهنا تعلمك آداب الإجابة وطريقة النظر في السؤال الذي يوجه إليك، والفقه في التعامل مع كل شخص؛ هذا من آداب الإسلام التي يحسن بك الوقوف عليها.

ابتداءً، الصحابة الكرام -رضوان الله تعالى عليهم- كان عندهم حرص على تعلم أمور دينهم، ومن أفضل طرق التعلم السؤال، ولذلك عرض علينا القرآن الكثير من أسئلة الصحابة: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾، يسالونك ماذا؟ ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ﴾، يسالونك عن الشهر الحرام قتال فيه، ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي الْيَتَامَى﴾، ويسألونك عن الخمر والميسر.

كل هذه: يسالونك، يستفتونك، هذه نصوص القرآن. إذاً هذا يدل على أنه من أساليب الوصول إلى المعرفة أن تسأل. وكثير من أمورك الحياتية العالم لا يعرف ماذا يحصل معك فيها، إذا أنت لم تسأل لن تعرف الإجابة. وكم من إنسان كان يعبد الله على ضلال، ويتوضأ على ضلال، ويصلي على خطأ، ويزكي على خطأ، ويصوم على خطأ؛ السبب أنه ما كان يسأل، ما كان يستفسر.

فالاستفسار والسؤال عما يستشكل من أمور دينك هذا منهج حث النبي ﷺ عليه، وهو لازم وواجب لمن يحصل معه في الحياة موقف ويحتاج أن يتخذ فيه قراراً، يجب أن يكون عارفاً بحكم الله فيه. كيف أعرف حكم الله؟ السؤال؛ ابحث عن أهل العلم والخير والصلاح ومن أثق بدينهم وعلمهم، اتصل بهم، أزورهم، ألقاهم في مسجد، المهم لا بد وأن تسأل، ولا بد وأن تتعرف أدب السؤال.

حقيقة في حياتنا العملية، كون الإنسان ابتلي بمعرفة الناس له في شيء من هذا الباب، نجد أن كثيراً من العامة الذين نتعامل معهم -وليس الجميع، هناك الأفاضل- لكن أعطيك نماذج حتى تعرف لماذا أنا كإنسان مسلم لا بد أن أتعرف على فقه السؤال وإذا سئلت فقه الإجابة.

كثير من الناس يتحدثون معنا أحياناً في أوقات متأخرة من الليل، والله أحدهم الساعة الواحدة ليلاً يتصل: السلام عليكم، طلقت زوجتي! عادي الساعة واحدة؟ لا، أنا خلاص أتكلم عن طلاق زوجتك والناس نائمة والدنيا... يتصل في أوقات غير صحيحة للسؤال، وهذا ليس من أدب السؤال.

كذلك بعضهم يريدك أن تفتي بما يحب: «أنا شيخ فلان أقل لي كذا، يا أخي أنت شيخ فلان قال لك كذا، روح شوف الشيخ فلان». لماذا تسألني إذا كان في رجل آخر أنت استفتيته؟ فتعرف أن بعض الناس يستفتي ليأخذ إجابة على هواه، الذي يعبي دماغه من المشايخ هو والشيخ الذي ما عجب الفتوى دماغه وهكذا. البعض أيضاً يتقصد التعنت والإلحاح، قد تفصل عليه مرة، مرتين، يبقى ويرن عشرة وعشرين مرة، ما دام فصل عليك فمعناها الوقت غير مناسب، فهذا ليس من أدب السؤال.

فتعرف المسلم على أدب سؤال أهل العلم، ومتى يطرق عليهم الباب، وكيفية توجيه السؤال حتى بلباقة وأخلاقيات وأدبيات، وأن لا يكون فظاً؛ هذا كله من الأدب الذي ينبغي أن يتعلمه، بالإضافة إلى تعلم آداب الرد على الأسئلة.

فمثلاً القضية الأولى التي تمر معنا في الكتاب من فقه الإجابة على الأسئلة، أن تقرأ حال الشخص السائل فتعطيه جواباً يتناسب مع حاله. أعطيك تطبيقاً في الحياة؛ غداً إن شاء الله تكبرون ويكون عندكم أبناء، يأتيك ابن يسألك: يا أبتِ ماذا أتخصص في الجامعة؟ فتقول له: والله... ويسائرك، تقول له طب مثلاً، بيجيك الابن الثاني، هل يعقل أن جميع الأبناء ستعطيهم نفس الإجابة كلما ابن من أبنائك يسألك إيش تخصص؟ طب الثاني؟ طب البنت؟ هذا ليس جواباً صحيحاً.

ما الذي سيحدد الجواب؟ أنت كأب، لما يسألك ابنك: ماذا تنصحني أن أدرس؟ هذا ممكن تقول له: لا، هندسة أنت أفضل، وذلك تقول له: روح عربي، هذا تقول له: تخصص علم شرعي. ما هي المعايير؟ من يجيبني؟ يعني إجابة سريعة حسب ميول الطفل أو الشاب. أحسنت، يعني أنت تنظر في قدرات ابنك، تقول: والله هذا الشاب ابني، والله أعرف قدراته، والله لا تصلح مع الأمور العلمية، يروح أمور أدبية. والله ابني شغوف بالأمور الهندسية، ممكن يبدع، والله أنصحك تدرس كذا.

إذاً اختلاف الإجابة منك مع أن السؤال واحد، وهو نفس سؤال «ماذا أدرس؟»، وجهت كل ولد من أولادك إلى دراسة معينة، هو قراءتك لشخصية الابن وما الذي يمكن -والله أعلم- أن يبدع فيه في الحياة ويقدم شيئاً جيداً لأمته، فلم تعطهم...

نفس الإجابة مع أن السؤال واحد، هذا ما كان يحدث مع الصحابة تمامًا عندما كانوا يسألون النبي ﷺ بعض الأسئلة المشتركة. يأتي صحابي فيقول: «يا رسول الله، أي العمل أفضل؟»، فيجيبه: «الصلاة على ميقاتها»، ثم يقول: «ثم بر الوالدين»، ثم يقول: «ثم الجهاد في سبيل الله». هكذا كان الجواب مع هذا الصحابي على هذا الترتيب: صلاة، ثم بر الوالدين، ثم جهاد.

بينما صحابي آخر، أبو هريرة، يقول إنه سأل النبي ﷺ: «أي العمل أفضل؟»، فبدأ معه بتحقيق الإيمان، فقال: «إيمان بالله وبرسوله»، قال: ثم ماذا؟ قال: «الجهاد»، قال: ثم ماذا؟ قال: «حج مبرور». لماذا الصحابي الأول أعطاه ترتيبًا مختلفًا عن الصحابي الثاني؟ نفس السؤال: «أي العمل أفضل؟»، الإجابة الأولى: صلاة، بر الوالدين، جهاد؛ الإجابة الثانية: إيمان، جهاد، حج. لماذا لم ينصح ببر الوالدين؟

هنا يأتي الشراح ويقولون: نعم، قد يكون هذا الرجل السائل الثاني والده قد توفاه الله، فما فائدة أن أقول له: عليك ببر والديك وما هو والده غير موجودين؟ فأعطاه ما يصلح لحاله، فبدأ معه بالإيمان ثم الجهاد ثم الحج. ولماذا لم يذكر الحج لذاك الرجل الأول؟ قد يكون الرجل الأول لا يحج أصلًا فالحج ساقط عنه، أو قد يكون لم يكن قد وجب عليه الحج بعد، فلذلك لم ينصح لأن الحج فرض متأخر.

فبالتالي هذا المنهج النبوي، وهو أنه إذا جاء رجل يستنصحك ويطلب منك توجيهًا، عليك أن تقرأه جيدًا وتنظر ما الذي يصلح له، ولا تعطي كل أبنائك أو كل بناتك أو كل أصدقائك نفس التوجيه. مثلاً النبي ﷺ كان يأتي الصحابة فيقولون: «يا رسول الله أوصني»، فقال لرجل: «لا تغضب». جاءه رجل آخر فقال: «يا رسول الله أوصني»، ما أعطى نفس الوصية، ما قال له لا تغضب، قال: «عليك بتقوى الله والتكبير على كل شرف»، أي على كل جبل عندما تصعد كل تلة. جاء رجل آخر ثالث: «يا رسول الله أوصني»، قال: «عليك بتقوى الله ولا تحقرن من المعروف شيئًا ولو أن تفرغ من دلوك في إناء المستقي»، يعني أنك تساعد إخوانك في حمل المياه معهم، وتكلم أخاك ووجهك إليه منبسط.

كل رجل كان يقول: «أوصني»، يعطيه وصية مختلفة عن الآخر. لماذا؟ هنا علمائنا الكبار قالوا: النبي ﷺ كان يقرأ جيدًا من يسأل، فيعرف هذا كشديد الغضب فالوصية المناسبة له أن تعلم أن تكتم غضبك وتداري آثار غضبك. ذاك رجل ربما شحيح، ينصحه أن يكون باذلاً يعطي الناس ولا يكون ماسكًا. هذا رجل ربما مقصر في شيء من أمور دينه، فتكون الوصية المناسبة له: «عليك بتقوى الله» سبحانه وتعالى.

فدائمًا هذه أيضًا شيء جيد أن تعرفه في تعاملك حتى مع زملائك في الجامعة أو في العمل أو في أي مكان، حاول أن تبذل جهدك في الوصول إلى أفضل إجابة تناسب الشخص الذي أمامك، ولا تحاول دومًا أن تعطي نفس الإجابات للجميع بنفس الطريقة، فهذا ليس من حسن الإجابة ولا من حسن الاستشارة.

من الآداب التي أيضًا النبي ﷺ يعلمنا إياها تعزيز السؤال الجيد. أي غدًا لما يأتي ابنك ويسألك سؤالًا تشعر أنه سؤال مهم، من الآداب أن تعزز قيمة هذا السؤال، تقول: «والله أحسنت، سؤالك في مكانه»، قبل ما تبدأ بالإجابة عزز السائل، خاصة في تعاملك مع الأبناء والبنات حتى تحفز على السؤال في المستقبل. ما ينفع إذا كان سؤال ابنك يدل على قضية مميزة أن تعمل حالك متغاضيًا عن هذا التميز في السؤال، أحيانًا السؤال يدل على انتباه، يدل على تفوق، يدل على أن ابنك واعٍ لقضية خاصة لما يسأل عن أمور دينه.

نحن مشكلتنا أصبح في نوع من العكس؛ إذا سأل الابن عن أمور الدين: «يا بابا هي شغلة سهلة، يعني ما في داعي تدقق عليها»، وإذا سأل عن أمور الدنيا: «آه والله هذا سؤال»، يعني بالنسبة لك يرفع ابنك في عينك. هذه مشكلة، بالعكس، الابن متى ينبغي أن يُرفع ويُقدر؟ لما تكون الأسئلة التي يبحث فيها عن النجاة.

لذلك مثلاً، شوف كيف كان يعزز النبي ﷺ الأسئلة الجيدة من الصحابة ويرفع من مقدارها. عن معاذ بن جبل قال: كنت مع النبي ﷺ في سفر، فأصبحت يومًا قريبًا منه ونحن نسير، جملي مع جمله، فقلت: «يا رسول الله، أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني عن النار». هذا سؤال معاذ بن جبل: «يا رسول الله أريد عملًا يكون سببًا أن أدخل الجنة وأبتعد عن النار»، فقال: «لقد سألت عن عظيم». قبل ما يعطيه الإجابة ماذا قال؟ «لقد سألت عن عظيم»، يعني سؤال في محله، هذا سؤال والله يستحق أن يُنظر في إجابته.

فهذا التحفيز أولًا يجعل السائل يكرر التجربة مرة أخرى؛ لأنه أحيانًا قد تكون ردات فعل الآباء والأمهات أو حتى المشايخ والدعاة عن أسئلة الجمهور أحيانًا تكون ردة الفعل قاسية أو فيها لا مبالاة، فتخلي ابنك عمره ما يسألك مرة أخرى، أو أنه: «يا بابا خلص ما بدي أسأل»، بعض الآباء يقولون: «يا بابا ما ضلك تسأل». لا، ما هو إذا كان السؤال مهمًا، خاصة في أمور الدين، خليه يسأل وخليه يتعلم البحث عن الأمور التي تصلح شأنه وحياته. فدائمًا من منهج النبي ﷺ أن الأسئلة المتميزة يجيب عنها ويعزز أصحابه على هذا السؤال، ويقول مرة لأحد الصحابة سأله سؤالًا فيقول: «ظننت أنه لن يسألني هذا السؤال أحد غيرك»، إنه هذا السؤال فعلاً أنا كنت أتوقع أنك أنت من ستسأل، أنت ذكي يمكنك أن تسأل هذا السؤال. هذا منهج عام وهو أن يرفع من شأن السؤال الجيد.

كان من آدابه أيضًا ومن منهجه في الإجابة أنه كان يختار للمستفتي الأفضل، يعني إذا كان السؤال فيه عدة إجابات يمكن أن يُجاب عنه بعدة إجابات، كان عليه الصلاة والسلام يجيب بأفضل شيء يتعلق بالمستفتي. فهنا عن أبي هريرة يقول: مر رجل من أصحاب النبي ﷺ بشعب فيه عين من ماء عذب، الشعب هو الطريق، فيه عين ماء صغيرة عذبة فأعجبته لطيبها، فأعجب بمائها العذب، فقال: «لو اعتزلت الناس، خلص أنا بدي أخرج من المدينة وأروح اعتزل في هذا الجبل وأجلس جنب عين هذا الماء، أبني لي بيتًا وأخلص من الناس ومن شرهم»، فقام في هذا الشعب، فقال: «لو اعتزلت الناس فأقمت في هذا الشعب، لكن لن أفعل حتى أسأل النبي ﷺ»، فذهب وسأل النبي ﷺ، قال له: «أه...»

والله كلامك صحيح، روح اعتزل الناس ودعك من شرهم. لا، لا تفعل، كثير ممكن صاحبك يجي يستشيرك، والله شوف يا فلان ترى في فلانة والله بدي أتزوجها، وأنت عارف أنه فلانة تعبانة، أو فلانة ما هي لا تصلح للزواج.

إياك أن تخونه، فإن النبي ﷺ يقول: «المستشار مؤتمن». لما أخوك يسألك: أتزوج من فلانة؟ ولا أتعامل مع فلان؟ أتاجر معه؟ احذر، أنه والله يا شيخ ما بدي أقطع النصيب. نحن عندنا للأسف ثقافة كأنه أنت تقطع النصيب، ترى لا أنا ولا أنت تقطع النصيب، الرزق بيد الله، لكن هذه استشارات والمستشار مؤتمن.

فيعلمنا النبي ﷺ إذا جاءك أخوك يستشيرك في الزواج من شخص، أو أنت ممكن أختي في الله التي تسمعني، أختك تستشيرك في فلان؛ ليس يكون الهدف هو "لا مش مشكلة إن شاء الله بكره بيتفقوا مع بعض، لا تزوجها أمورها طيبة"، والله جماعة طيبين وأخيار، وأنت تعرف من حالهم هم السوء، وتعرف من أوضاعهم أنه لا يمكن أن تستدام الحياة الزوجية على هذه الحال؛ فهنا النبي ﷺ يعلمنا إذا سئلنا، لا نجيب على السائل على هواه، أنه نريد أن نمشي سوق البنات والنساء، بل أجب بما يصلح.

قال له لا تفعل، لا تروح تعتزل، قال: «فإن مقام أحدكم في سبيل الله أن تذهب تجاه شاهد وتقاتل معنا أفضل من صلاته في بيته سبعين عامًا، ألا تحبون أن يغفر الله لكم ويدخلكم الجنة؟»، أخذوا في سبيل الله، «فمن قاتل في سبيل الله فواق ناقة»، فواق الناقة هي المدة الزمنية بين حلبتين للناقة، فقالوا: وجبت له الجنة. فالنبي ﷺ أرشده أن طريقة تفكيرك طريقة غير صحيحة.

وأحيانًا نشوف بعض الناس طريقته أنه في الإجابة ما بحب يخالف، أقول لك هسه الآن إذا قلت له لا تفعل رح يزعل مني أو يأخذ مني موقف، أو لن تعجبه إجابتي أو سيذهب إلى غيري؛ أخي خله يذهب، خلي الإجابة لا تعجبه، أنت قدم له ما ينفعه حتى لو كانت الإجابة لن تمشي على دماغه أو على طريقة تفكيره، لأنه بعض إخواننا اللي بيجي بيسألنا هو ينتظر مني إجابة توافق هواه، يعني هو فقط ينتظر أني أعمل له دعم، فإذا أنا ما عملت له دعم لما يهواه، بروح يبحث عن شيخ آخر يعمل له دعم.

دائمًا الشيخ أو الرجل الذي يجيبك إجابة من القلب صادقة ولا يجاملك أفضل ممن يجاملك؛ خذها من يجيبك إجابة صادقة لا يجاملك فيها ويريد مصلحتك، هذا أفضل ممن يعطيك إجابة أنت تحبها لكنها لا تمثل المصلحة بالنسبة لك، فعود نفسك على أن تتقبل الإجابات الصادمة.

مثلاً، عن أبي سعيد الخدري أن أعرابيًا سأل النبي ﷺ عن الهجرة؛ الأعراب عادة ما كانوا يهاجرون إلى المدينة، يبقون في البادية مع خيمهم وأغنامهم، جاء أعرابي: يا رسول الله حابب أهاجر عندك إلى المدينة، فقال: «ويحك! إن شأن الهجرة لشديد»، يعني أن الهجرة إلى المدينة تعني أن هناك متطلبات ستطلب منك من الغزو والقتال وعدم التخلف.

النبي ﷺ كان في العادة ينصح الأعراب أن يبقوا في باديتهم؛ لأنه يعرف أن الأعراب بطبيعتهم -كما سيأتي معنا في القسم الثاني من مجلس اليوم- شوي صعبين، يعني التعامل معهم صعب، فإنه إذا أنت أتيت المدينة ولم تلتزم بالضوابط ستهلك، فقال: «ويحك! أنت إيش بدك في الهجرة؟»، هلك في باديته، قال: «هل تؤتي صدقتها؟»، قال: نعم، قال: «هل تمنح منها شيئًا؟» -يعني الأنعام المنِيعة مرت معنا في الدرس الماضي، أظن أنه تعير الناس ظهرها أو لبنها يركبون يشربونه- قال: نعم، قال: «فهل تحلبها يوم وردها ويوم راحها فتطعم فتشرب الفقراء والمساكين؟»، قال: نعم، قال: «فاعمل من وراء البحار»، البحار هنا بمعنى القرى.

قال: لا تهاجر عندي، خلص ما دمت تعطي صدقة وتُعير الناس وأخلاقك طيبة لا تهاجر، ترى الهجرة مع أنها أشرف، ركز شوف هذا الإجابة المناسبة للسائل أحيانًا. بيجيني بعض الشباب، حتى أقرب لك الصورة، ما معنى أن تجيب الشخص بما يناسبه حتى ولو كان الخيار الآخر أفضل له؟ يعني أفضل من حيث الثواب؛ الآن لو هاجر الأعرابي إلى المدينة، ليس هذا أعظم ثوابًا عمومًا في الجملة، أن يكون من المهاجرين هذا أكيد أعظم، ومع ذلك النبي ﷺ لم يرشده إلى العمل الأعظم، لماذا؟ لأنه هذا العمل الأعظم له توابع، وقد تكون أنت غير قادر على توابعه، فيكون العمل المفضول بالنسبة لك أنت سديدًا أو صادقًا أعلى من الفاضل.

يعني بيجيني شخص يقول لي: شيخ أنا بدي أصير من علماء الشريعة وبدي أدرس وأتخصص في العلم الشرعي، فأقرأ في شخصيته أن هذا الشاب، دراسة العلم الشرعي كدراسة بغض النظر من هذا أعظم العلوم لأنه يتكلم عن الله وعن مراد الله، لكنني أعرف من حال بعض السائلين أنه لن يعطي هذا العلم حقه ولن يكون قادرًا على أن يتحمل مسؤوليته، وقد يكون فتنة عليه، فقل له: والله شوف يا فلان، ترى الأفضل لك أنت بالتحديد ما تدرس العلوم الشرعية، خذ ما لا يسعك أن تجهله، تعلم ما لا يسعك، لكن أنت ادرس أي شيء آخر.

يعني صعبة الأمور، ليست بالطريقة اللي أنت بتتصورها، بعض الناس يقول لك: لا يا شيخ مش العلم الشرعي، أنت بتقول أفضل، إذاً كله يدرس علم شرعي؟ لا، الإجابة ليست بهذه الطريقة، أحيانًا العمل الفاضل قد يكون في حق بعض الأشخاص متعبًا فلا يؤدي حقه، فهذه احفظها من آداب النبي ﷺ في الإجابة ومن منهجه في الإجابة: أنني يمكن أن أنصحك أنت بعمل أقل لكنني أعرف أنك تقدر عليه، ولا أنصحك بالعمل الأفضل لأنني أعرف أن قدراتك وإمكانياتك لا تؤهلك لذلك.

وهذا مهم جدًا غدًا في نصيحتكم لأبنائكم وبناتكم؛ يعني أقول لك المثل، إحنا عندنا أصابع اليد ليست واحدة، صحيح؟ يعني أبناؤك متفاوتون في قدراتهم، فما ينفع أن تطالبهم جميعًا يكونوا في نفس المستوى من الأعمال الفاضلة، بل إذا رأيت ابنك يطلب مقامًا ليس له، يعني بده يضع حاله في منزلة أنت عارف أنه فوق طاقته، قل له: لا تعرض نفسك للبلاء، انزل، وهذه نصيحة مشفق. طيب يا بابا أنا والله شايف هذا، مش أنتم بتحكوا الدين وبدنا نبذل يا أخي؟ تمام، لكن أنت طاقتك وإمكانياتك لا تؤهلك لهذا المكان، اعمل على قدراتك، على إمكانياتك. لذلك لما جاء هذا الرجل وجاء يطلب الهجرة، في شيء أعظم من الهجرة بالنسبة لهم، قال له: لا تهاجر، مع أنها...

عظيمة وأفضل، لكن هذا الأعرابي لطبيعته، النبي ﷺ من الأول قال: «ويحك! إن شأن الهجرة للشدة». أنت عارف ماذا يعني تهاجر؟ في تبعات، وفي ضوابط، وفي أحكام، أنت قادر تنضبط يا أيها الأعرابي فيها؟ النبي ﷺ لعلمه بطبائع الأعراب المتفلتة، عرف أنه لن ينضبط، فأعطاه النصيحة المناسبة له. هذا فقه يا إخواني، هذا فقه في الإجابة.

أحيانا أيضا كان يسكت عن الإجابة عليه الصلاة والسلام، في بعض الأحيان إذا كان السكوت قد يكون هو الأفضل للسائل، ويخشى أن تكون الإجابة فيها عنت، مع أنه لا حاجة له إلى البيان الآن. النبي ﷺ مرة كان يخطب فقال: «يا أيها الناس، فرض الله عليكم الحج»، فقام رجل فقال: أفي كل عام يا رسول الله؟ فسكت ولم يجب، حتى ردد السائل ثلاث مرات: يا رسول الله، في كل عام؟ والنبي ﷺ لا يريد أن يتطرق للموضوع خشية أن ينزل الفرض في كل عام فيتعنت الصحابة في ذلك، فسكت ثلاث مرات حتى قال للأعرابي: «لو قلت نعم لوجبت». يا أخي، أنت لماذا تسأل؟

أحيانا يمكن أبناؤنا أو بناتنا أو طلابنا في المدارس يسألون سؤالا صحيحا، وأنت تعرف أن هذا السؤال لا ينبني عليه عمل، وقد تكون الإجابة مفسدة له؛ طاقته أو عقله أو مدى تدينه لا يسمح بأن أجيب بعض الإجابات في بعض المسائل. أحيانا يأتي مثلا مسلمون جدد، ويأتي يمسك معي ملف شيخ الإسلام، قديما كان في سبي، وكان في إماء؛ شو يعني أنت الله يرضى عنك، أنت امبارح صرت تصلي الله يرضى عليك، يعني تركت كل مسائل الدين المهمة وجئت تطرح المسائل التي فيها شبهات؟

مشكلة بعض إخواننا وبعض شبابنا أنه يدخل مثلا يكون عمه التزم جديد، فيكون معبا بماذا؟ ابن عمه بالشبهات، ويقعدون معه في مجالس ويقول لك: أنا أريد أن أحببه في الدين، فأي شبهة سيسألني سأجيبها. هذا غلط، لأنه أحيانا الإجابة قد تكون أعلى من مستوى التزامه، أعلى من مستوى تدينه، فبالإجابة وقد تكون إجابتك صحيحة لكن هو لم يصل لمرحلة يستوعب بعد، ولم يطمئن قلبه إذا سمع وأطاع، فتكون الإجابة مفسدة له بدلا من أن تكون مصلحة له.

فهل السكوت أحيانا عن إجابة بعض الأسئلة المشكلة من الأبناء أو البنات أو الطلاب في المدارس، أو حتى أولاد العمومة أو الخؤولة، هل السكوت أحيانا حكمة ومصلحة؟ نعم، إذا قدرت أن الإجابة الآن ليست مناسبة فاسكت، هكذا فعل النبي ﷺ في بعض أسئلة الصحابة، فهذا منهج نبوي. أحيانا لما يكون السؤال غير مفيد أو ليس فيه مصلحة، لا يسكت عليه ﷺ، لكنه يقدم الإجابة الأَنْفع له وإن لم تكن هي مقتضى السؤال.

هذا له اسم في البلاغة وهو «الأسلوب الحكيم»، يسميه علماء البلاغة الأسلوب الحكيم؛ أن يسألك شخص سؤالا تعلم أن الإجابة غير مفيدة له، فتعطيه إجابة أخرى هي التي سيستفيد منها. كما في صفحة 524 عن أنس بن مالك: «بينما أنا والنبي ﷺ خارج من المسجد، فلقينا رجلا من أهل البادية عند سدة المسجد، فقال: يا رسول الله، متى الساعة قائمة؟».

بعض الناس يسأل: متى سيخرج المهدي؟ متى ستتحرر فلسطين؟ يعني أنا أو أحد فينا يعرف هذا الوقت؟ علمه عند ربي. «متى الساعة قائمة؟»، فمباشرة النبي ﷺ عمل له التفات وقال له: «ويلك! ماذا أعددت لها؟». يعني قبل أن تسألني متى الساعة قائمة، هل جهزت حالك للساعة؟ وهذا حال كثير من الناس الذين همهم فقط السؤال عن أحداث آخر الزمان وماذا سيحدث، طيب أنت ماذا أعددت لآخر الزمان؟ هل طلبت العلم النافع؟

ترى النبي ﷺ يخبر أن المسيح الدجال يأتي إليه رجل يظن أن عنده من الإيمان ما يقاوم به المسيح الدجال، قال: «فيفتن به». يعني شاب مسلم مثلي ومثلك، لما يخرج المسيح الدجال مفكر أنه سيقول: دعوني عليه، أنا أريد أن أتفاهم مع المسيح الدجال، يظن أن عنده من الإيمان ما يقوى على أن يواجه فتنته، قال: «فيأتي الدجال فيفتن بشدة»، ما أعطى الدجال من الخوارق للعادات؛ تخيل، لماذا؟ لأنه لم يعد نفسه جيدا وعرض نفسه للفتن.

فدائما تسأل أسئلة أنت غير مسؤول عنها ولا أحد مسؤول عنها، وإنما هي متعلقة بالقضاء والقدر. اسأل الأسئلة التي تحتها ثمرة، اسأل الأسئلة التي تحتها عمل. ما يحزنني أن بعض أسئلة شبابنا تكون في أمور لا يوجد تحتها عمل، ولا يسألون عن أحكام دينهم التي تحتها عمل.

وهذه قصة دائما أذكرها وأكررها، ذاك الرجل الذي دخل على أحمد بن حنبل المجلس فقال له: يا إمام، ما حكم الوضوء من ماء الباقلاء؟ من الماء الذي يتصفى من البقلة أو من الفاصوليا، تطلع على الرجل! وأنت كل يوم عندك ماء بقلاء تريد أن تتوضأ منها؟ جعلت الماء نتوضأ من ماء البقلة؟ فأجابه أحمد بن حنبل مرة أو مرتين، ثم قال: «هذا ماء طاهر وليس بطهور».

ثم الرجل قام بعد أن أعطاه الإجابة، ورأى أن هذا لا يصلح أن تتوضأ به، فأمسكه أحمد من ردائه وقال له: ماذا تقول إذا دخلت المسجد، ما دعاء دخول المسجد؟ قال: لا أدري. قال له: ما دعاء خروج المسجد؟ قال: لا أدري. قال: اذهب فتعلم هذا! ثم سأل عن حكم الوضوء من ماء الباقلاء. هذا حال بعض شبابنا، يأتي يسألك عن مسائل المهدي وماذا وياجوج وماذا وحرب آخر الزمان، طيب تعال يا أخي، ممتاز سألت وأجبنا، يلا ما دعاء دخول المسجد؟ ما دعاء دخول دورة المياه؟ هل تحفظه؟ أنت تسأل عن أخبار آخر الزمان وأساسيات دينك مفقودة، المهم الذي أنت فيه الآن وما تحته عمل لا تسأل عنه، هذا يدل على عدم فقه.

فدائما الإنسان يسأل عما تحته عمل، وهذا هكذا فعل النبي ﷺ مع هذا الرجل: «متى الساعة يا رسول الله؟»، قال: «ويلك! ماذا أعددت لها؟». قبل أن تسألني عن الساعة، أخبرني كيف أوضاعك؟ إيمانياتك؟ سلوكياتك؟ فكان الرجل استكان، يعني انطفأ، كان متحمسًا فصُدم لأن الإجابة لم يكن يتوقعها بهذه الطريقة، ثم قال: يا رسول الله، ما أعددت لها من كثير صلاة ولا صوم ولا صدقة، ولكني أحب الله ورسوله.

«أنت مع من أحببت». خلاص، أنت مع من أحببت. قال: نعم، قال: ففرحنا يومئذ فرحًا شديدًا. صحابة بهذا الجواب: أنت مع من أحببت. فالسؤال ابتداءً وإن كان غير موفق لكنه أدى إلى نتيجة جميلة، أنه قال لهم: المرء مع من أحب.

عن بريدة أيضًا في الصفحة المقابلة، أن رجلًا سأل النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، هل في الجنة من خيل؟ الصحابي يشغل باله أنه يريد أن يعرف الجنة؛ لو دخلتها فيها خيل؟ كأن يكون شخص لديه سيارة من نوع معين يحب أن يركبها في الجنة. فقال: «إن أدخلك الله الجنة، فلا تشاء أن تحمل فيها على فرس من ياقوتة حمراء يطير بك في الجنة حيث شئت». أخذته الإجابة، وسأله رجل فقال: يا رسول الله؛ فأجاب النبي ﷺ أول صحابي -وليس دائماً يصدهم- قال له: إذا أدخلك الله الجنة بإذن الله، فثمة فرس من ياقوتة حمراء تركبه ويحملك في الجنة حيث شئت.

فانفتحت عند الصحابة باب السؤال، فجاءه صحابي آخر، قام يا رسول الله، طب الجنة فيها إبل؟ هذا يحب نوعًا ثانيًا، يا رسول الله هل الجنة فيها إبل؟ فلم يقل له مثلما قال لصاحبه؛ لأن النبي ﷺ عرف أنه الآن سيفتح بابًا: وهذا ماذا تريد كمان؟ وأنت ماذا تريد كمان؟ الجنة فيها مندي؟ الجنة فيها مظبي؟ نحن نريد أن نسألك هذه التفاصيل! فقال: «إن أدخلك الله الجنة، تأكل فيها ما تشتهيه نفسك». وخلص، لا أحد يسألني بعدين؛ إذا دخلت الجنة فالأمور سهلة، إن شاء الله ربنا عز وجل يعطيك ما اشتهت نفسك وما التذت، فأغلق باب الإجابة بعد ذلك لأنه لم يعد السؤال مفيدًا ومنتجًا في هذه الحالة. أول شخص قد تسأله سؤالاً لا تراه ذا قيمة كبيرة، لكن يمكن أن تجيبه تطيبًا لخاطره، لكن إذا أصبح فتح الباب يجلب مفسدة، أغلق الباب وانتهِ.

أحيانًا كان يعطي بعض الصحابة إجابات زائدة؛ يسأله الصحابة عن قضية فيجيبه عنها ويعطيه معلومة زيادة، وهذا أيضًا من حسن الإجابة، أنه قد يسألك شخص سؤالًا مهمًا فأجيبك عنه، وأحيانًا أعطيه معلومات إضافية أرى أنه قد يحتاجها، وهكذا. انتبه لحالات السائلين؛ فالصحابة أتوا يومًا فقالوا: يا رسول الله، إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء، فلا يكون معنا في السفينة ماء كثير، فنتوضأ بماء البحر؟ فقال: «هو الطهور ماؤه».

ثم النبي ﷺ منتبه أن هناك فائدة أخرى يحتاجونها وهم يركبون البحر، وهي الطعام، فقال: «والحلال ميتته». يعني أيضًا ميتته يجوز أن تأكلوها، ميتة البحر؛ لو أن هناك سمكًا طافيًا، لو وجدت سمكًا طافيًا على البحر ميتًا هل يجوز أن تأكله؟ قال: «والحلال ميتته»، مع أنهم لم يسألوا عن هذا الحكم، لكن أعطاهم معلومة إضافية؛ لأن الواحد قد يحتاج لهذه المعلومة. مثل كيف واحد مسافر يأتي يسألك: هل يجوز الفطر في رمضان للمسافر؟ فتقول له: نعم بشرط كذا وكذا، ثم تقول له: وترى من المعلومة أنه أيضًا يحق لك القصر، ومن رخص السفر كذا وكذا. هو سألك عن الفطر، لكني أعطيته حكم القصر والجمع لأنني أعرف أنه ما دام مسافرًا سيتعرض لكل هذه الأمور، فتقديم إجابة واسعة إذا كان السائل يتحملها، هذا أيضًا من فقه السؤال.

أيضًا من منهجه ﷺ أنه كان يستفصل السائل قبل أن يعطيه الإجابة أحيانًا. مثلاً بعض الآباء والأمهات، أو بعض حتى المشايخ والدعاة والمتصدرين، قد يأتي شخص يسأل فيستعجل في تقديم الإجابة، مع أن الواقعة تحتاج تفصيلًا؛ أن أسأله: هل هو هكذا أم كذا؟ دائمًا لا تعطِ إجابة حتى تكون متأكدًا أنك تعرف التفاصيل المحيطة بالسائل، وكن واثقًا، خاصة في كثير من قضايا الطلاق أو الزواج أو غيرها. تأتي امرأة تشكي لك عن زوجها، فتقول لها: والله زوجك ظالم، ثم تكتشف أنه لا. أنت لم تسأل الطرف الآخر عن التفاصيل؛ إذا جاءك رجل قُلعت عينه، انتظر حتى يأتيك الآخر، فلعل عيناه قلعتاه! هكذا يعلمنا النبي ﷺ.

كثير من الوقائع كان يستفصل فيها، وهذا منهج: لا تعطِ إجابة حتى تتأكد أنك تعرف التفاصيل التي عند السائل، لأنه قد يكون أخفى بعض التفاصيل حتى يأخذ منك المعلومة التي يريدها، خاصة المشايخ. انتبهوا غدًا إن شاء الله إذا تصدرتم للناس، قد يأتيك سائل هو في الحقيقة لا يريد السؤال، هو يريد منك المعلومة التي تخدمه، فلا يعطيك التفاصيل. يأتيك رجل يقول: يا شيخ، هل يجوز للمرأة أن ترفع صوتها على زوجها؟ طبعًا هو ماذا يريد؟ تريد أن تقول له: لا، هذا لا يجوز وهذا من النشوز، وخلص. هو لم يعطك أنه هو يضرب المرأة ويذبحها ويعاملها بكل المصائب، ثم هي من كثر الغيظ رفعت صوتها عليه، أعطاك المشهد الأخير فقط. طيب يا شيخ، وماذا قبل ذلك؟ لماذا لم تعطني إياه؟ فالمرأة برضه إنسان، عندما تكون ضربتها وحبستها وأنهكتها ثم في اللحظة الأخيرة انفجرت، قد تكون لحظة غير مكلفة بها عند الله بسبب الضغط النفسي الذي وقعت فيه.

فدائمًا انتبهوا، كثير من السائلين يأتوا ليأخذوا إجابة مجتزأة، أو يعطوك سؤالًا مجتزأً ليحصلوا على إجابة يشتهونها، ثم يذهب ويقول: أرأيتم؟ لقد سألت الشيخ الفلاني وقال لي كذا، وما فعلتِه غلط. لكن هو لم يحكِ للشيخ الفلاني كل تفاصيل القضية. فالإخوة خاصة الدعاة والشباب التربويين المتصدرين للإجابة عن الأسئلة: هذا فن، وليس أن تحفظ متنًا ثم تذهب وتجيب. الفتوى غير العلم؛ أنا قد أدرسك مذهبًا كاملًا، لكن أن أفتي؟ هذا الباب حذر وخطير كثيرًا، يجب أن أقرأ شخصية السائل، أهداف السائل، ماذا يريد؟ هل يريد أن يستغلني؟ صاحب هواء؟ في عدة مهارات يجب أن تعرفها قبل أن تتصدر للفتيا، الفتيا ليست بفتح الكتب والإجابة فقط. هذا الذي ورطنا اليوم، أن كثيرًا من الشباب مندفع للإجابة، يظن أن أي شيء يُسأل عنه يجيب الإجابة. انتبه لما بعد السؤال ومقاصد السؤال؛ النبي ﷺ مثلاً يأتيه أعرابي فيقول: يا رسول الله، هلكت...

قال: «وما أهلكك؟» قال: «وقعت على امرأتي في رمضان». يعني ما قال له: هلكت، قال له: أخف، الله يسهل. لا، هلكت! ما إيش سبب الهلاك؟ بدنا نعرف؛ لأنه قد يكون الإنسان يتوقع أنه فعل شيئاً خطأ وهو ليس بخطأ. قال: «يا رسول الله»، قال: «ماذا فعلت؟» قال: «وقعت على امرأتي»، يعني جاء مع زوجته في نهار رمضان، والله هذا خطأ. بينما جاءه عمر قال: «يا رسول الله، هلكت»، قال: «ماذا فعلت؟» قال: «قبلت امرأتي وأنا صائم»، قال له: «ما في حرج، لو أنك تمضمضت وأنت صائم».

فقال له: «فكذلك». أي مثلاً جاءه رجل فقال: «يا رسول الله، إني نحلت»، يعني وهبت هذا غلاماً، أي أعطيته هدية. قال: «هل لك من أولاد آخرين؟» قالوا: «نعم»، قال: «أفعلت ذلك بولدك كلهم؟ أعطيت باقي الأولاد مثلما أعطيت هذا الشاب؟» قال: «لا»، قال: «اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم». ما ينفع إذا استفصل منه، عندك أولاد، أعطيتهم؟ الإجابة ما تكون مباشرة، في أكثر الأحيان يكون قبلها شيء من الاستفصال والسؤال والانتباه للقضية.

قضية الأعراف في بعض المواقف تتعلق بالأعراف، سأتكلم عنها لما أدخل في القسم الثاني إن شاء الله. اليوم أيضاً مثلاً، النساء قد يكنَّ داعية أو شيخة أو إنسانة معلمة أو متصدرة، تأتي امرأة أجنبية تسألها، النبي عليه الصلاة والسلام هل كان يستقبل الأسئلة من النساء؟ نعم، كان يستقبلها ويجيب عنها، حتى بعض الأسئلة التي تتعلق بأحوالها الشخصية ما دامت لا تخدش الحياء.

فمثلاً أم سليم رضي الله عنها تقول: «يا رسول الله، هل على المرأة من غسل إذا احتلمت؟». الصحابيات قالوا لها: «أم سليم، فضحتينا!»، قالوا: «تحتلم؟». قال النبي عليه الصلاة والسلام: «نعم، إذا رأت الماء»، يعني إذا المرأة رأت كما يرى الرجل ورأت المني على ثيابها فإن عليها الغسل. طبعاً أم سليم كانت امرأة كبيرة، لم تكن امرأة صغيرة، لذلك يتصور منها مثل هذا السؤال، وهي صرحت قالت: «إن الله لا يستحي من الحق»، يعني هذا سؤال نحن نحتاج إلى أن نعرف إجابته كجنس النساء، فأجابها النبي صلى الله عليه وسلم. وإن كانت عائشة غيرها استحت من سؤاله، كانت جالسة في المجلس، لكن في النهاية سؤال علم يجب أن يتعلم حتى ولو كان في قضايا النساء.

لكن لما يكون السؤال تجاوز القدر المطلوب، يعني لا تتعمق في أمور لا يصح للرجل أن يجيب عنها، المرأة الأجنبية هنا قد يحيل النبي عليه الصلاة والسلام الإجابة لزوجاته أو لامرأة أخرى من النساء. فهناك امرأة قالت: «يا رسول الله، سألت كيف أغتسل من الحيض؟»، فعلمها الأحكام العامة ثم قال لها: «خذي قطعة فرصة من مسك وتتبعي بها أثر الدم». المرأة ما فهمت، ماذا يعني أخذ قطعة مسك وأتتبع بها أثر الدم؟ قالت: «كيف يا رسول الله؟». هنا النبي عليه الصلاة والسلام عارف أن هذا الموضوع حساس، يعني هي تسأل عن جزئية تتعلق بخصوصية الغسل، فقال: «وضع يده هكذا»، حتى النساء الموجودات ينتبهن أنه النبي عليه الصلاة والسلام لا يصلح هو أن يجيب عن هذه المسألة، خاصة أن مفهومه لبعض أخواتنا النساء تكون بسيطة، يعني بدك تعطيها كل شيء بالتفصيل حتى تفهمه.

النبي عليه الصلاة والسلام وضع يده كالمست، فعرفت عائشة الرسالة، قالت عائشة: «فاجتذبتها فقلت: لا، يعني تتبعي بها أثر الدم في الحيض في مكان خروجه من الفرج». ما في داعي النبي عليه الصلاة والسلام، والذي يعطيك هذا التفصيل، إذاً هل فعلاً بعض الناس يقول لك: «لا حياء في الدين»؟ هذه العبارة بإطلاقها غير صحيحة إخواني، يعني هكذا لا. ينبغي أن يمنعك الحياء من السؤال، لكن الأصل في مرحلة معينة أن المرأة تسأل المرأة عن أمورها الخاصة، خاصة لما يكون في أمور تتعلق بطهارة أو شيء لا يكون الأليق والأنسب أن رجل أجنبي يعطيها إجابة خاصة في أمور تتعلق بمواضيع دقيقة. إذا أغلقت الأبواب وسدت الطرق، ممكن نلجأ للخيار المفضول، لكن الأفضل أن الرجل إذا وجد امرأة تعلم هذه السائلة بأمورها الخاصة يوجهها لامرأة، هذا الستر دائماً الستر مطلوب ما دام هناك سعة له.

أحياناً مثلاً من إجاباته عليه الصلاة والسلام كان يضرب أمثلة، وأحياناً كان يعطي أدلة. يعني هل الشيخ أو الأب إذا سُئل من ابنه أو من طالبة هل فقط يعطي الإجابة؟ ولا أحياناً أيضاً يحاول يعطي أدلة مقنعة؟ والله هذا على حسب السؤال وعلى حسب الذهن. السهل، بيجينا أحياناً بعض الإخوة يسألوننا أسئلة عميقة في التأمين التجاري والضمان الاجتماعي وهذه الأمور، أنا أعرف بقول له: يا شيخ أعطني الحكم الشرعي. بعد ما أعطي الحكم الشرعي يسألني: طيب يا شيخ ما هو الدليل؟ فأقول له: شوف، أنت لو سألت عن مسألة في الطهارة ممكن أعطيك الدليل مباشرة، لكن أنت شخص غير متخصص، لو بدي أجلس أتكلم معك في الدليل بدي أعطيك محاضرة أنا وإياك أفهمك أصول المعاملات وقضية ماذا يحصل في التأمين أو كذا، يعني حتى تفهم الأمور رح تتعبني وأتعبك ويضيع الوقت، خلص أنت خذ الحكم الصافي وتوكل على الله ما دمت اخترتني للإجابة.

أحياناً لا، أحياناً أظن أن إعطاء الأدلة للسائل يزيده إيماناً ويقيناً، فأرى أنه لا، هو محتاج أن أعزز ثقته، خاصة لما يأتيني متردد أو أقرأ فيه أنه أنا مش أول واحد سألنا، واضح أنه سأل أكثر من شيخ وأنه لسه مش مقتنع، فهو يحتاج أن تعززه بأدلة، فهنا ممكن أعطيه أدلة تقنعه عقلية أو منطقية أو نصوص شرعية على حسب طبيعة المسألة.

فمثلاً هذا رجل، عن رجل أتى النبي صلى الله عليه وسلم يريد أن يستشيره: «يا رسول الله، إن امرأتي ولدت غلاماً أسود». هذا رجل أبيض وامرأته بيضاء، ربنا عز وجل قدر لهم أنه جاءهم مولود لونه أسود. الرجل في أمثالنا يقول لك: «الفأر لعب بحبه»، ها أنا أبيض وزوجتي بيضاء كيف طلع الغلام أسود؟ فصار يفكر أنه هذا الغلام ليس لي، وأنه زوجته فعلت -والعياذ بالله- الفاحشة مع رجل أسمر البشرة، لذلك طلع الولد أسود. النبي عليه الصلاه والسلام يريد أن ينبهه، ما دام ما في أدلة أن زوجتك فعلت الفاحشة ما يصير تتهمها. طيب يا رسول الله اقنعني، كيف هذا الغلام طلع أسود؟ وهذا الذي يحيره هو أبيض وزوجته بيضاء كيف طلع الغلام أسود؟ قال: خليني أفهمك إياه. قال: «هل عندك إبل؟» أنت رجل صاحب إبل، قال: «نعم عندي قطيع من الإبل»، قال: «ما ألوانها؟» قال: «كلها حمر»، يعني تعرف الإبل تكون في بعض مايل للحمرة. قال: «هل فيها من أورق؟» الأورق جمل بين البياض.

والسومات لونه بين البياض والسواد. قال: نعم. والله في واحد فيها أوق اللون. قال: فإنا ذلك، يعني كل قطيعك أحمر، كيف جاءك نتاج لونه أسود أو بين البياض والسواد؟ قال: يا رسول الله، لعله نزعة عرق، يعني جين يا رسول الله، طفرة جينية، لعله نزعة عرق. قال: «وابنك هذا، اعتبر طفرة جينية صارت بينك وبين زوجتك وطلع لونه أسود؟».

قال: فذهب الرجل سكت، يعني قال ما دام أنا في الحياة، في الحيوانات يوجد مثل طفرات جينية، لا يمنع هذا أن يكون هذا في بني آدمين، ولا يجوز أن تتهم زوجتك بدون دليل، يا أخي شفتها واعترفت، أما مجرد «والله ابني ما بيشبهني»، إيش قصدك؟ إيش أسوي لك؟ ابنك ما بيشبهك، خلاص، المرأة فعلت الفاحشة؟ هل هذا هو الحل؟ فالنبي عليه الصلاة والسلام أقنعه بضرورة التروي، وأن لله في خلقه شؤون، وليس كل شيء على خلاف المعتاد، لابد وأن يكون ثمرة خطأ تم ارتكابه مثلا من الحجاج العقلي.

رجل في حديث أنس بن مالك -صفحة 540- أنس بن مالك، أن رجلاً قال: «يا نبي الله، كيف يحشر الكافر على وجهه؟». هذا الرجل قرأ سورة تبارك، أركز في سورة تبارك: ﴿أَفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلَىٰ وَجْهِهِ أَهْدَىٰ أَمَّن يَمْشِي سَوِيًّا عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [الملك: 22]. فهذا الصحابي محتار، أنه يا رسول الله كيف ممكن واحد يمشي على وجهه؟ يعني نحن بنعرف واحد يمشي على رجله، وواحد يمشي على وجهه.

النبي عليه الصلاة والسلام قال له: «أليس الذي أمشاه على الرجلين في الدنيا قادراً على أن يمشييه على وجهه يوم القيامة؟». يعني الآن بغض النظر عن التفاصيل، الله عز وجل -والعياذ بالله- هل هو عاجز أن يمشييه على وجهه؟ الذي مشاك على رجليك في الدنيا قادر أن يمشيك على وجهك يوم القيامة، وما دام هذا كله تحت القدرة الإلهية، فهو سبحانه وتعالى لا يُسأل عن الكيف؛ الكيف تراه يوم القيامة، بتشوفه أمام عينيك، أسأل الله السلامة والعافية.

مثلاً امرأة قالت: يا رسول الله، إن أمي ماتت وعليها صوم شهر، يعني باقية نذرة، نذرت أن تصوم شهراً وماتت قبل أن توفي بنذرها. فقال: «أرأيت لو كان على أمك دين من ديون الدنيا -المال- أكنت قاضيته؟»، قالت: نعم. قال: «فأقضوا الله، فالله أحق بالوفاء، كما تقضي ديون والديك على الناس، اقضِ ديون والديك التي بينهم وبين الله». لكن قرب لها إياها بالقياس، يعني هذه الحجة: أنه زي ما بتفعلي كذا، افعلي كذا؛ هذا من التسهيل.

طيب، رجل قال: يا رسول الله، أستأذن على أمي؟ هذا رجل يقول: يا رسول الله، يصير أدخل غرفة النوم على أمي مباشرة بدون ما أستأذنها؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «نعم، استأذن على أمك». فقال: يا رسول الله، إني معها في البيت، يعني أنا وإياها ساكنين في بيت واحد، ليش لازم أطرق الباب قبل أن أدخل إلى غرفة نومها؟ هذا المس، هو السؤال. فقال: «استأذن عليها».

فالرجل قال: يا رسول الله، يعني شوي كل مرة، يرجع إني خادمها، طب أنا يا رسول الله بخدم عليها، يعني الظاهر أمه كبيرة نوعاً ما، أدخل أجيب لها ماء، صعب علي كل ما بدي أدخل أطرق الباب. فالنبي عليه الصلاة والسلام -شوف هذا الذكاء وهذا الأسلوب- دائماً إذا أردت أن تقنع شخصاً بشيء، حاول أن تجيب له قضية تحفزه أو تبشع القضية في ذهنه. قال: «استأذن عليها، أتحب أن ترى أمك عريانة؟».

يعني بشع القضية في وجهه، لو هو والرجل مش خاطر في باله هذا البعد، خاطر في باله أنه: يا رسول الله كل ما بدي أدخل الغرفة بدي أستأذنها، طب أنا مسؤول أني بنظفها كذا، ممكن بساعدها في أشياء صعبة. فقال: «أتحب أن ترى أمك عريانة؟»، قال: لا. قال: «إذاً فاستأذن عليها». أخته هو بقي يراجع، حتى أعطاه شيئاً عملياً: أنه لماذا نأمرك بالإذن؟ ليس للتعنت، وإنما خشية أن ترى شيئاً لا يرضيك ولا يرضيها.

فدائماً استعمل أسلوب التهويل لما يكون الذي أمامك شاباً. كثيراً السؤال: ابنك أحياناً يوجع رأسك، ما بيسأل كذا، والقضية لا يريدها كذا، أحياناً قد نحتاج أن نبشر أنه هذه القضية ممكن تسبب لك مرضاً خطيراً؛ أه، بترك الشغلة؟ لو ضليت تتكلم معه "لا لا، لا تشرب، لا تشرب"، خاصة الأبناء والأطفال الصغار، يحبون يعرفون ليه أنت مانعة. يعني ممكن ابنك الكبير خلص يفهمها لحاله، لكن الطفل الصغير يبقى لحوحاً، وليه وليه؟ بده يبحث عن شيء يقنعه، فتضطر أن تقول له: هذا يسبب لك كذا وكذا من الأمراض، أو بتحب بكرة يصير معك كذا وكذا، بتحب بكرة ما تروح على المدرسة؟ بصير كذا. تحاول أن تقنعه بضرورة ترك هذا الشيء من خلال ذكر علة منطقية له.

يعني هناك عدة قضايا، لكن حتى لا أستهلك الوقت، مثلاً النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا سُئل عما لا يعلم، يقف ولا يجيب حتى تأتيه الإجابة. اليوم نحن نفقد هذا البعد في حالات كثيرة، منا كثيراً ما نسأل عن أمور دينية أو دنيوية، ونُجيب حتى ولو كنا لا نعرف الإجابة الصحيحة خشية أن يقال فلان لا يدري. إذا كان محمد ﷺ خير البشر إذا سُئل عما لا يدري ينتظر ولا يجيب حتى يدري.

فمثلاً هنا جابر بن عبد الله يقول: مرضت فأتاني رسول الله ﷺ وأبو بكر يعودان ماشيين، فأغمي على جابر من شدة المرض، قال: فتوضأ ثم صب علي من ماء الوضوء، قال: فأفقت فقلت: يا رسول الله، كيف أقضي في مالي؟ يعني أنا خائف أموت وعندي مال ولدي أخوات يرثونني، كيف سأورثهم؟ طبعاً هو كان يظن أنه سيموت، لكنه عاش بعد النبي ﷺ. قال: فلم يرد علي شيئاً. النبي ﷺ ما كان عنده إجابة عن هذه المسألة في المواريث، رجل مات وعنده أخوات، ما كان عنده إجابة. قال: فترك، يعني ما أجابني. ما شعر النبي ﷺ بالاستحياء، وأني كيف لا أجيبه وأنا رسول الله، معقول ما عندي إجابة؟ سكت وتركني أقرأ الإجابة حتى حصل على المعلومة وجاءه جبريل بها.

هذه أيضاً قضية مهمة لمن يسأل: إذا سُئلت عما لا تدري فقل لا أدري. وهذه كلمة توارثها السلف، وعلماؤنا الكبار دائماً يحثون عليها؛ ليس مكسباً أن تجيب عن شيء لا تعرفه، لا تظن أن هكذا سترتفع في أعين الناس، بل أنت يمقتك الله عندما تجيب في قضايا لا علم لك بها. فإذا كان محمد ﷺ يقول لا أدري، فأنت حريّ بأن تقولها، وكثيراً ما كان يأتي الصحابة.

والمشركون واليهود، أحيانا يكون النبي ﷺ في موقف لا يحسد عليه كما يقولون؛ المشركون جايين بسؤال، ومن اليهود أخبرنا عن فتية، أخبرنا عن كذا، يسألونه أسئلة المراد إحراجه، فقال لهم: «أجيبكم غدا» ولم يقل إن شاء الله، نسي أن يقولها فأخر الله عنه الإجابة خمسة عشر يوما.

ومع ذلك خلال الخمسة عشر يوما، النبي ﷺ كان حزينا، لكن هل جراه ذلك أن يقول شيئاً بدون علم مع أنها كانت صعبة عليه؟ أراد الله أن يؤدبه ويعلمه صلوات ربي وسلامه عليه، ولكنه مع ذلك لم يتجرأ على أن يخوض في هذا المضمار بدون علم، فهذا أيضاً مما يتعلم من منهج النبي ﷺ، وأيضاً مما ينبغي أن يتعلم في فقه السؤال والإجابة أنه ما كان يتضجر من إكثار السؤال أو التفصيل في السؤال.

عن أبي كثير عن أبيه يقول: سألت أبا ذر، فقلت: يا أبا ذر، دلني على عمل إذا عمل العبد به دخل الجنة. أحد التابعين يسأل أبا ذر الغفاري: أعطني عملاً إذا عملته أدخلتني الجنة، فقال له أبو ذر: سألت عن ذلك رسول الله ﷺ.

أبو ذر يعطيك إجابة سؤال ومناقشة طويلة بينه وبين النبي ﷺ؛ أبو ذر قال: يا رسول الله، دلني على عمل إذا عملته دخلت الجنة، قال: «يؤمن بالله»، فقلت: يا رسول الله، إن مع الإيمان عملاً، أنا يا رسول الله لا أريد شيئاً قلبياً، أنا أريد عمل جوارح، إن مع الإيمان عملاً، يعني أريد شيئاً أعمله بيدي يا رسول الله، فقال له: «يرخص مما رزقه الله»، يعني يتصدق من المال الذي رزقه الله إياه.

قلت: يا رسول الله، إذا كنت معدماً، إذا كنت فقيراً لا شيء له؟ قال: «يقول معروفاً بلسانه»، والله تصدق بلسانك، كلمة طيبة، احكِ كلمة جميلة مع الناس، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. قلت: يا رسول الله، فإن كان عيًّا، يعني ما يعرف يتكلم؟ لاحظ أنه يسأل ويُجاب، وهذا يرجع ليسأل ومع ذلك ما تضجر النبي ﷺ؛ أحياناً ابنك ممكن يسألك في الجلسة الواحدة عشرين سؤالاً وراء بعض، أنت ممكن تجاوب أول سؤالين ثم تقول: خلاص زودتها.

النبي ﷺ يعلمك الصبر إذا كانت الإجابة مفيدة؛ فأبو ذر يسأله يريد عملاً، قال: «آمن بالله»، قال: لا، أريد عمل جوارح، قال له: «تصدق»، قال: إذا كنت فقيراً؟ قال له: «انصح برسالك»، قال: يا رسول الله، إذا كنت لا أعرف أتكلم؟ قال النبي ﷺ: «فيعين مغلوباً»، شوف واحداً ضعيفاً ساعده، إذا لا تعرف تتكلم خلص ساعد إنساناً ضعيفاً، احمل له مثلاً، احمل له أمتعته، ساعد الناس بجسدك.

فقال: يا رسول الله، طب إن كان ضعيفاً جسده؟ أبو ذر يحاول يوصل لأقصى درجات المنفعة، قال: «فليصنع لأخرق»، يعني إذا كنت ضعيفاً لا تستطيع الحمل، اصنع لشخص آخر شيئاً بسيطاً تنفعه فيه، إذا لم تستطع فعل الشغلات الكبيرة، اصنع للأخرق شغلة بسيطة تساعده فيها. قال: وإن كان أخرق؟ قال: «فالتفت إلى»، قال إذا هو نفسه الذي عاب يعمل خيراً وهو أخرق، أبو ذر سكرها كلها، قال: «لا تريد أن تدع في صاحبك شيئاً من الخير».

فهمنا، ليس معه مال، والأخرق أيضاً، سكر المنافذ، قال: «فليدعِ الناس من أذاه»، إذا لم تستطع عمل أي معروف للناس، أقل شيء اكفف شرك عن الناس، حتى هذه خير يثيبك الله عليه. فقال يا رسول الله، إن هذه كلمة تيسير، يعني أنت تمشيني يا رسول الله، قلت: «والذي نفسي بيده، ما من عبد يعمل بخصلة منها يريد بها ما عند الله، إلا أخذت بيده يوم القيامة حتى تدخله الجنة»، كل هذه الخصال حتى الخصلة الأخيرة وهي أن تكف شرك عن الناس، هي خصلة كفيلة أن تدخلك الجنة، لا تستهين بأي خصلة من هذه الخصال.

هذا كلام، وإذا كان يتعلق بفوائد أكثر يمكن أن تقرأها وتنظر فيها. أختم بهذه الفكرة أنه أحياناً كان يسأل عن أسئلة فيها مجال لأكثر من خيار وكلها متساوية، فكان يفتح باب الخيار لأصحابه ولا يشق عليهم؛ مثلاً في مسألة الحاج، الحاج يستطيع أن يرمي جمرة العقبة، ويستطيع أن يذبح ويحلق ويطوف الإفاضة بأي ترتيب شاء.

فلما كان الصحابة يسألونه في موسم الحج: يا رسول الله، رميت قبل أن أحلق؟ قال: «احلق ولا حرج»، طفت قبل أن أرمي؟ قال: «ارمِ ولا حرج»، ذبحت قبل أن أحلق؟ قال: «احلق»، يعني كان يعطيهم كل المساحات المفتوحة ما دام كله خير. وهذه قضية مهمة أيضاً؛ هو أنه أحياناً يعطيك بعض الشباب ويريدك أن تختار له شيئاً، أو تستنصحه، وهو يرى أن عنده عدة خيارات وكلها جيدة، فيفتح له باب الخيارات ويقول له: ترى يا فلان افعل هذا ولا حرج، افعل هذا ولا حرج.

وتعلم ما فائدة هذا إخواني؟ أن تعلم السائل أنه في المساحات التي فيها عدة خيارات وكلها مقبولة، تعلم أن تختار لنفسك، وهذا نوع من بناء الثقة خاصة في الأبناء؛ يعني عندما يكون أمامك عدة خيارات وكلها مقبولة، لا داعي أن ألزمك بخيار معين، لأنه مع الوقت سيعتاد ضعف الشخصية، فيصبح ابنك غداً كلما انزنق في شغلة وكلها خيارات، يأتي يريدك أنت أن تختار له اللون. لا، أنا أريد أن أنمي في ابني أو في طالبي أنه في القضايا التي فيها عدة خيارات، مثل: يا شيخ أقوم الليل من الساعة كذا أم من الساعة ثلاث؟ والله كله خير وبركة، أو: يا شيخ أقوم الليل وأدرس العلم قبل الفجر، هنا أعلم الطالب أنه هو يختار جدوله اليومي إذا كان كل الجدول خيراً.

قل له علم نفسك الاختيار، تعود أن يكون عندك قرار شخصي، ولا تكن دائما متكئا على والدك، على والدتك، على مشايخك، هم يختاروا لك: اقرا هذا الكتاب ولا هذا الكتاب يا اخي تصفح أنت تتخذ القرار. يعني مش لازم الشيخ يقول لك لا اقرا هذا الكتاب ومن الصفحة واحد للصفحة خمسين أول يوم، اليوم الثاني من الصفحة خمسين لم... يعني مش مطلوب هذا من المشايخ، أنت حدد واختار وخذ مهارات الاختيار في الحياة حتى تكون لنفسك شخصية.

فكرة أيضا سبحان الله أفكار كثيرة ذكر الشيخ المنجد هنا، من الأفكار أحيانا طرح البديل. عموما إذا سالك شخص عن شيء وكان حراما؛ شيخ أنا بصير أحط مالي في بنك معين حرام وما في البلد بنوك إسلامية، فرضا واحد مقيم في أوروبا؟ إذن أنا مش مطلوب أعطيه بديل إذا ما كان في بديل شرعي صحيح، لكن إذا في بديل شرعي يكون من فقهك كمجيب أن تعطيه البديل ماذا؟ الشرعي. وهذا يعلمنا النبي صلى الله عليه وسلم إياه، فعن فيروز الديلمي أحد صحابة اليمن يقول: أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا: يا رسول الله قد علمت من نحن ومن أين نحن -يعني احنا اهل اليمن- فإلى من نحن؟ قال: انتم إلى الله وإلى رسوله، يعني أنتم جماعة طيبون إن شاء الله أولياء الله وأولياء رسوله. قال: يا رسول الله، وهذا الذي يهمنا هنا، قال: ان أصحاب كرم، احنا جماعة أصحاب عنب عندنا مزارع عنب في اليمن، وقد أنزل الله تحريم الخمر، الآن قديما قبل الإسلام كان كل عنده مزارع عنب شو يعمل فيها؟ خمر. قال يا رسول الله: أنزل الله تحريم الخمر، وعادة احنا العنب كنا نوظفه في صناعة الخمور، فالآن ايش نفعل؟ إذا هو يطلب ماذا؟ البديل صحيح.

فهل النبي عليه الصلاة والسلام قال له لماذا تسأل عن البديل؟ خلص حرم الله الخمر أنا ما لي علاقة بعد ذلك لا أقترح عليه بديل؟ فقال: ذببوها، ليش ما تخلي العنب يصير زبيب؟ والزبيب طبعا في ذاك الزمان كان يعتبر طعام أساسي، زبيب يعني مثل الرز اليوم، هو والتمر كان يعتبر طعاما أساسيا لهم. قال يا اخي ليش ما تسيبها؟ اقترح عليه بديل. اليوم نحن في الساحة الإسلامية كثير عندنا إشكالات، بيجيك شخص بقول لك يا شيخ ايش حكم سماع الموسيقى؟ حرام. أنت بس بتقول له حرام وبيروح، ولا مثلا حاول انك تعطيه بديل؟ طب اعطيه بديل حتى لأنه البديل يساعد على الانصياع. طبعا هو بين أمرين: أولا نحن لسنا مطالبين بايجاد البديل دوما، إذا ما في بديل شرعي ايش أسوي لك؟ روح اعمل، أنت في النهاية بامر الله ورسوله تقول سمعنا وأطعنا، لكن من باب مساعدة الناس إذا في مجال لبديل حاول أن تصنع بديلا. والله يا شيخ بامكانك، والله في بعض القصائد الجميلة اللي فيها معازف بتقدر تسمعها، ولكن ما هو أولى؟ تعلم سماع القرآن، وأنصحه وأوجهه للبديل الرحماني وهو سماع كلام الله سبحانه وتعالى. يا اخي جرب تستطيب سماع كلام الله فيشغلك ذلك عن سماع المعازف مثلا، بعض الأطفال يكون معتاد مشاهدة بعض أفلام الكرتون أو بعض الشباب معتاد مشاهدة المسلسلات أو المباريات، تقول يا اخي هذا غلط، هذا خطا، خاصة المسلسلات فيها متبرجات. يا اخي بدي بديل، يا اخي روح مثلا احضر لك يا مجلس علم؛ إذا مش شايف والله بدي شيخ مش بزبط، شو يعني عندي مباريات أروح أحضر مجلس علم؟ فانت بتقول له مثلا روح شوف لك والله فيلم عن الحيوانات ناشيونال جيوغرافيك، اعمل لك شغلة ثانية غير المسلسلات لعل هذا البديل يمشي معك، روح مارس الرياضة.

مش طالبك تجي عندي، لأنه أحيانا برضه ما تكون أنت مثال كثير، أنت كل شيء فيش غير عندك درس علم يا شيخ؟ كل البدائل عندك درس علم؟ روح مارس السباحة، روح اعمل لك رياضة، روح اعمل لك شغلة عامة، روح كل لك في مطعم، اعمل لك أي شيء، لكن لا ترتكب الحرام. فدائما فكرة طرح البديل خاصة للأطفال، الأطفال عموما ثقافة البديل مهمة؛ لأنه هو صعب يقتنع أنه بابا خلص في شوكولاتة فهذا الأشياء اللي بتضره، طيب ايش أسوي؟ لا بدك نوعا ما تجد البديل. خاصة مثلا أطفالنا اليوم إخواني مع عالم السوشيال ميديا المتعب، تلفونات. هو مثلا أنت كاب تربوي والله أنا بدي أمنع ابني من التلفونات، روح على دار عمه أو دار خاله، ابن عمه ماسك تلفون وابن خاله ماسك تلفون، بيجيك يا بابا على الدار، ماشي يا بابا أنا في الدار ماشي، بس برّاة كل أولاد عمي أولاد خالتي أمهاتهم وآبائهم مش مهتمين. طيب بدك أنت الآن حقيقة أن تفكر في البديل لأولادك، هذا عبادة إن شاء الله. من البديل أن أنت تعطيه كاب وقت تلعب معاك، تسره بألعاب يدوية، من البديل أنك أنت الله بعينك يدفع لك شوية مال حتى يسجل في أنشطة رياضية أو برامج أو أندية أو شيء من ذلك، أنا ممكن أتعب ماليا أو وقتيا مقابل أن أوفر البديل لابني حتى لا يصبح عقله عفنا كعقول أبناء الجيل الذي بس هو ماسك هالجوال وعم بيطلع وعم يلعب. ما هذا إخواني افسد عقول أبنائنا؟ صار الجيل هش جدا، ما في شيء مفيد يسكت الأطفال عند الأمم إلا اعطيه التليفون، خلص اعطيه التليفون بيحل عنك، اعطيه التليفون. هذا ليس حلا، هذا تدمير، هذه ضياعة لأبناء أمة الإسلام، وأصلا هذه الأمور عدونا تفنن فيها لأنه رأى آثارها السيئة على أبناء المسلمين.

حتى لا أطيل في هذا، نذهب إلى القسم الثاني من مجلس اليوم وهو الحديث عن كيف كان عليه الصلاة والسلام يتعامل مع الناس البسيطة في المجتمع. شوف ليس كل المجتمع سيكون ناس راقيين بيعرفوا يتعاملوا بالأخلاقيات والآداب الإسلامية صحيح، أنت بتروح على الجامعة، بتنزل على سوق العمل، بتروح على المسجد، بأي بيئة بتروح إلا ستجد ناس مستواهم في الأخلاقيات والادبيات مستوى رقم اثنين مش رقم واحد، يعني ما بيعرف المجاملة، ما بيعرف اللباقة، ما بيعرف كيف يرد بأدب وأخلاق، فظ غليظ. طب ما هو منهج النبي عليه الصلاه والسلام في التعامل مع هذه النفوس التي أنا قابل أني ألاقيه في أي مكان عمل في جامعة؟ هناك ناس بطبيعتها، وللاسف هم القطاع الأكبر من الناس، لا يعرفون أدبيات التعامل وأخلاقيات الحياة. إذا أنت بدك تصارعهم ويصارعوك راح نظلنا كل يوم نجيبك من المركز الأمني تمام؟ لأنه كل يوم راح تغديها مشاكل، خاصة نحن الله يرضى عنكم سواقة السيارة، كل ما أنت صفيت غلط إلا واحد يشتمك، إلا واحد يسبك. إذا صفيت، يعني إذا بدك تبدأ في مشاكل لن ننتهي في مجتمعاتنا، فكيف أتعامل مع هي الطبقات التي ليست في أحسن الأحوال، خليني أعبر عنها بعبارة جيدة: ليست في أحسن الأحوال أخلاقيا وسلوكيا؟

النبي عليه الصلاة والسلام هل واجه هي الطبقة؟ نعم، وتعب معها عليه الصلاه والسلام، وكان نموذجها الأبرز في تلك الحقبة نموذج الأعراب. خلص، لما أقول جاء أعرابي، سير أنت توقف شوي، استنى شوي، ايش راح يصير في القصة؟ أن كلمة أعرابي معناتها إنسان من البادية، لم يحصل فرصة للتعليم ولا للتزكية، فبالتالي تصدر منه أخطاء في اللباقة وحسن التعامل مع النبي عليه الصلاة والسلام. وإن كنت أنبه في هذا السياق أننا لما نتكلم عن الأعراب المسلمين، تذكر أنك تتكلم عن مين؟ عن صحابي، يعني حذاؤه وغباره فوق رؤوسنا. لكن أنت بس بديك تتخيل أن شو طبيعة الأعراب أكثر من كذا لا يحق لنا أن نتكلم؛ لأن هؤلاء صحابي، حتى لو كان أسلوبه فض، حتى لو كان، يبقى صحابي على الرأس والعين، هذا فقط أنتبه له، أن بعض الإخوة يسترسل في قضية الصحابي وبده يصير يشتم، لا أنت الله يرضى عليك، يعني حتى لو أخطأ في حق النبي عليه الصلاة والسلام، النبي عليه الصلاة والسلام تفاهم معه، أنت مش مطلوب منك تتفاهم مع هذا الأعرابي، رحمهم الله وغفر لنا ولهم جميعا.

طبعا القرآن أصلا هو ابتداء تكلم لنا عن نفسية الأعراب، قال: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ﴾ [التوبة: 101] كان يكثر فيهم نقاط اندفاع، قال: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ﴾ [التوبة: 98]. لكن في نفس الوقت: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِندَ اللَّهِ﴾ [التوبة: 99]. صحيح الأعراب كان يكثر فيهم النفاق، يكثر فيهم الصفات السيئة، لكن أيضا القرآن بين: ويوجد فيهم بعض النفسيات الراقية التي تمتدح ويثنى عليها، وسيظهر ذلك معنا إن شاء الله ونحن نقرأ بأحوالهم.

الصفة الأولى في تعامل النبي عليه الصلاة والسلام مع الأعراب هي أنه كان يصبر على جهلهم. يوم من الأيام جاء أعرابي، دخل المسجد، بال في المسجد! الصحابة انتفضوا أنهم بدهم يمسكوه يضربوه؛ تعَال أنت ما لقيت غير المسجد تبول فيه؟ النبي عليه الصلاة والسلام يعني يعرف أن هذا النوع من البشر ضعيف العلم، بالتالي ما بينفع أنك تتعامل معه بقسوة وإلا ينفر من الدين عموما، فقال: «لا تزرموه، دعوه». خلاص صارت الرجل بلش يعمل، بلش يعمل، يعني بالعكس، إذا أنت خوفته بطرطش على كل المسجد، خله في زاويته ويخلص أموره، نتفاهم معه بعدين. ثم جاء في بعض الروايات فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم فعلمه. نفس الشيء معاوية بن الحكم السلمي لما تكلم في الصلاة، واحد عطس، معاوية بن الحكم السلمي كان عربيا فعطس رجل فقال: يرحمك الله. معاوية بطلع عليه يقول له يرحمك الله. طبعا الصحابة أصبحوا يضربون هكذا على أفخاذهم أنه كيف تكلم هذه صلاة؟ شو بتقول يرحمك الله؟ قال: انا نظرت إليهم ينظرون اليّ، قال غضبت أنه ليش الكل يضرب على أفخاذهم؟ قال: فسكت قلت بتفاهم معكم بعد الصلاة. فلما سلم قال: من المتكلم في الصلاة؟

فمعاوية قال: أنا يا رسول الله أنا الليش فيها. معاوية مش مستوعب شو المشكلة، هكذا كان الأعراب يكثر فيهم مثل هذه الأخطاء. قال فدعاه فقال: «إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتحميد وقراءة القرآن». شوف الهدوء في التعاطي مع الإنسان اللي بتعرف أنه جاهل؛ يعني للأسف كثير يعني فعلا إن منكم منفرين، كثير منا يكون أسلوبه في الدعوة وطرقه في التعاطي مع الناس فيها تنفير، خاصة مع الجهال. يعني أنت لا تتصور كل الناس علماء، حتى الإخوة اللي يصلوا في المسجد ساجد أو كذا، لا تتصور أن كل من يصلي في المسجد هو عالم، ممكن ياتي شخص يتصرف تصرفات في المسجد لا تليق. الرفق بده يكون شعارا ودأبا وعلامة، حتى لا نكون سببا في ماذا؟ في فتنة الناس وصدها. لذلك قال لهم النبي عليه الصلاة والسلام بعد أن قال لا تزرموه دعوه: «إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين». يعني القضية خطا تكتيكي صغير فعله هذا الأعرابي، يمكن إصلاحه، ليس خرقا في الإسلام، ليس شيئا عظيما يستحق هذه الانتفاضة أو هذا الغضب.

أيضا كان عليه الصلاة والسلام يعفو عن حقه عندما كانوا يسيئون له شخصيا، وهذا صدر كثيرا من الأعراب الإساءة الشخصية المباشرة لشخصه الكريم صلوات ربي وسلامه عليه. فهنا في الصفحة 584 عن أنس بن مالك يقول: كنت أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه رداء نجراني غليظ الحاشية -هي تسمى حاشية غليظ الحاشية يعني القبة تاعته سميكة- قال فادركه أعرابي، أعرابي لحق النبي عليه الصلاة والسلام، قال فجبذه بردائه جبذة شديدة، قال حتى أثرت في عنقه -يعني طلع خط أحمر على عنق النبي عليه الصلاة والسلام من شدة ما جبذه هذا الأعرابي- قال ونظرت -قال أنس- ونظرت إلى صفحة عنق رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أثر بها حاشية الرداء. طب ليه؟ يعني هذا الأعرابي لماذا يتصرف بهذ الطريقة؟ ثم قال: يا محمد -اللهم صل على سيدنا محمد- قال مر لي من مال الله الذي عندك، بدي من بيت مال المسلمين تساعدني، بدي مساعدة مالية. هذه كل المشكلة: بدي مساعدة مالية. فالتفت إليه النبي صلى الله عليه وسلم، شوف شوف التصرف، قال فضحك ثم أمر له بعطاء. شوف بس التصرف انتهى عند هذا المقدار؛ فضحك ثم أمر له بإعطاء. مش ضحك وأعرض عنه، لا، ضحك وأعطاه مسألته. لماذا يا ترى تصرف هذا التصرف؟ هو عليه الصلاة والسلام يدرك أن هذا رجل أعرابي كبير الآن صعب أعطيه دروس في الآداب والأخلاق، يعني لما يكون رجل عمره أربعين خمسين سنة هذا عفى عليه الزمن، فهذا إذا كان أعرابي أو شيء له صفات جبل في البادية عليها هذا صعب أنك تأتي تقول يا أيها الأعرابي التصرف اللي عملته خطأ ولازم تتعلم كيف. لا، خلاص هذا الشخص الكلام لن يجدي معه، ولذلك النبي عليه الصلاة والسلام تقابل بالضحك وقال: أعطوه عطاء والله يسهل.

هل عندك قدرة تفعل هذا مثلا لما شخص يخطئ عليك وأنت تسوق سيارة ولا احنا للاسف ثقافتنا أنه لازم أثبت أني رجل؟ كيف أثبت أني رجل؟ لازم هو ينزل من السيارة وانا أنزل من السيارة ونبدا نتعابط مع بعضنا حتى تثبت. لا ترى، ليس هذه هي مقامات الرجولة، الرجولة على أعدائنا وليس على بعضنا، أما على بعضنا فننتحمل ماذا؟ السفَه قدر المستطاع، خاصة في

في المواقف الطارئة، ليس موقفا شخصيا؛ أنا يوميا يُسفح علي، يوميا شخص في السيارة: الله يسهل يا أخي، شتم ساعة مش مشكلة يعني إن شاء الله كفارة لك يوم القيامة. فتعلم منهج ضبط النفس مع هذه الطبقات، يعني خاصة مثلا بعض الأخوة يدخل في مشكلة، طيب بيطلع لك الرجل السيء، ممكن يكون معه سلاح ولا شيء ولا بلطة، وتجد أنك أنت نزلت عليه وهو نزل عليك: يا خسرت حياتك يا أنك ضربت ضربة فقدت عينك أو شيء، طيب ايش خسرتها؟ يعني إذاك بدك تفقد عينك ولا حياتك؟ افقدها على شغلة مستاهلة، مش تفقدها من شان مشكلة على سيارة شخص شتمني فيها. دائما كن عاقلا، إذا أنت مستعد للتضحية ضحي في المكان المناسب، ضحي بشيء يعني فعلا يسرك عند الله، أما أنك تتعرض لموقف مشين على يد رجل مش مستاهل، وتخسر عينك ولا يدك ولا رأسك ولا رجلك ولا شيء على فقط مشكلة سيارة، والله ما هي مستاهلة، الحياة يخلي يدبر أخي.

بس يا شيخ، خايف إنه اللي جنبي يحكي عني مش رجل! تكون قاعد مع أصحابك بالسيارة، أنت خايف إنه أصحابك ايش يقولوا؟ يا أخي ما نزلوا، واضح إنه صاحبنا شخصيته ضعيفة وما وهنا الشيطان، لا لا أخي بقول لهم مش مشكلة يا جماعة، اعتبروني شخصيتي ضعيفة، وخليني أموت على شغلة مستاهلة، احسن من أن نموت على يد رجل فاجر لا يتقي الله فينا ولا حاجة إلينا فيه، لا حاجة لذلك. يعني النبي عليه الصلاة والسلام كان قادر يعني بس يحكي له عمر بن الخطاب: تفهم لنا مع الأعرابي؟ عمر يعني كعبة الأعراب تكعبل يعني تمام، أو خالد بن الوليد، يعني الموضوع ما كان عاجزا أن يرد عليه، مع ذلك ترك هذا الخيار لما هو أرفق بهذا الأعرابي.

طيب مثلا قصة أخرى: أبو موسى الأشعر يقول: كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم وهو نازل بالجعرانة، منطقة عند مكة، قال ومعه بلال، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم أعرابي فقال: يا محمد يا رسول الله، ألا تنجز لي ما وعدتني؟ أنت وعدتني بتعطيني مال، أعطني المال. فقال له: أبشر.

شوف الأعراب، شوف يعني بقول لك في ناس سبحان الله لا تحسن لباقة الكلام، فماذا قال؟ قد أكثرت علي من أبشر. ايش يعني يقولوا؟ يعني كل ما أشوفك بتقول لي أبشر. كيف نحن بس ابنك بقول لك شغلة: إن شاء الله يابا يابا إن شاء الله يابا. بقول لك: يا أبني هذيك مرة، لا بدي إن شاء الله. ليه؟ لأنه صار يعرف إنه «إن شاء الله» معناتها عخير راحت يعني تمام.

فالنبي عليه الصلاة والسلام هذا الأعرابي أتاه، الظاهر أنه جاءه مرة ثانية أو ثالثة: يا رسول الله أنجز لي ما وعدتني، قال له: أبشر، قال: قد أكثرت علي من أبشر، كل ما أجيك بتقول لي أبشر، ما بدي أبشر. طبعا هذا ليس أدب في الكلام مع النبي عليه الصلاة والسلام، لكن النبي عليه الصلاة والسلام شوف يعني لو كان صدرت من منافق لكان تعامل آخر عموما، لكن هو يعرف إنه هذا مش نفاق، طباع هي طباعه، في ناس ما بتعرف تحكي خلص طباع، ليس لأنه منافق أو يكره النبي عليه الصلاة والسلام، لكن لم يعتد على اللباقة في التعامل مع هذا المقام. فأقبل النبي صلى الله عليه وسلم على أبي موسى الأشعري وبلال، وكان بجانبه فقال: رد البشرى، فاقبلا أنتما.

يعني هذا الأعرابي ما بده يبشر، مش حكى له ما بدي أبشر؟ قال الأعرابي: رد البشرى، فقبلاها أنتما، قال: قبلناها. ثم دعا بقدح فيه، فغسل يديه ووجهه فيه، ومج فيه -يعني بسق في الإنا- ثم قال: اشربا منه، وافرغا على وجوهكما ونحوركما وأبشرا. فأخذ القدح ففعل، خلص عارفين في أبشر معناته في خير عظيم من النبي عليه الصلاة والسلام، فأبو موسى وبلال أخذ القدح ومسحا به وجوههما ونحورهما. فنادتهما أم سلمة -أم سلمة من وراء البرداي نادت-: أن أفْضِلا لأمكما، مش رحالكم الاثنين تروحوا بالاناء، خلوا لي شوية مي حتى أحصل من هذه البشرى. قال: فأفضلنا لها منه طائفة. شوف الأعرابي خسر هذا الخير، خسر هذا الخير فقط لطريقة غير الصحيحة، غير اللبقة في التعامل مع النبي صلى الله عليه وسلم.

النبي عليه الصلاة والسلام كان يصبر على كثرة أسئلة الأعراب، الصحابه لشدة حيائهم من النبي صلى الله عليه وسلم لم يسألوه سؤالا مباشرا إلا بضع أسئلة، وكانوا يتحينون وصول أعرابي؛ لأنهم يعرفون إنه الأعراب ليس عندهم خطوط حمر، يدخل مباشرة: يا محمد أخبرني بكذا، يا رسول الله أخبرني بكذا. فيقول أنس بن مالك: نهينا أن نسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن شيء، كان النبي عليه الصلاة والسلام معلم الصحابة: أنكم لا تكثروا أسئلة، إذا في شيء نزل أنا أخبركم به، قال فكان يعجبنا أن يجيء الرجل من أهل الباديه الأعرابي فيسأله ونحن نسمع، قال ياتي الرجل -طبعا العاقل منهم- فيسأل ونحن نسمع، نستفيد من الأعرابي، فكان بالنسبة للصهاة مجيء رجل أعرابي غنيمة للتعلم.

قال: بينما نحن جلوس مع النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد، إذ دخل رجل من أهل البادية على جمل، فأناخه في المسجد ثم عقله -يعني ربطه- ثم قال: أيكم محمد؟ يعني بتعرف هذا أعرابي ما عنده رسول الله نبي الله حتى اختيار الكلمات: أيكم محمد عليه الصلاة والسلام؟ والنبي صلى الله عليه وسلم متكئ بين اصحابه، فقلنا: هذا الرجل الأبيض المتكئ. فقال له النبي عليه الصلاة والسلام أو فقال له الرجل: يا ابن عبد المطلب! شوف يعني هكذا: يا ابن عبد المطلب! قال له النبي صلى الله عليه وسلم: قد أجبتك، أبشر تفضل.

ما قال له يعني نحن بعض الناس فينا بس يحصل ألقاب جامعية، يصير دكتور أو كذا، تيجي تقول له: بس يا أبو فلان! بطل يرد عليك، ليه؟ ليش ما ناديتني بلقبي؟ أنا دكتور جامعي، أنا معي شهادة جامعية. بعض الناس بس خلية يحصل الدكتورة، يا ويلك إذا بتنادي أبو فلان ولا أبو خالد ولا كذا، أو يحصل له رتبه في محل أمني ولا كذا، إذا ما ناديته برتبته عاد أنت بتروح فيها. يا أخي ايش يا أخي؟ أحمد بن حنبل كان يقال: يا أبا عبد الله! أحمد بن حنبل مين أنا وانت حتى يعني واحد ينادينا بكنيتنا باسمنا؟ لو قال لك حتى مش بكنيتك لو ناداك باسمك، هي الرجل بيقول: يا محمد، اللهم صل على سيدنا محمد، يعني مش يا أبا القاسم، لا، يعني يا محمد، دبها دب، ومع ذلك النبي عليه الصلاة والسلام ما تحسس، يعني ما اخذ الموضوع إنه أنا رسول الله، هذه مش لا دكتورة ولا شيء، هذا رسول الله، ما اخذ الموضوع بهذا البعد، هذا يدل أننا نحتاج نصلح أنفسنا، وأن هذه ألقاب الدنيا لا تستحق أنك تعطيها مساحة في نفسك أكثر من واقعها.

المهم قال: قد أجبتك، قال الرجل: إني سائلك -ترى رح أسالك ومشدد عليك في المسألة ورح أطول عليك، فلا تجد علي في نفسك- اه هون ضبطها شوي، قال: أنا رح أسالك ورح أكثر عليك، ترى لا تزعل مني، يعني لا تجد علي في نفسك إنه ايش؟ لا تاخذ على خاطرك من كثرة الأسئلة، قال: سل عما بد لك، خذ راحتك. قال: يا محمد، أتانا رسولك -يعني أنت بعثت لنا مبعوث- فزعم أنك تزعم أن الله أرسلك، قال: صدق، قال: فمن خلق السماء؟ قال: الله، قال: فمن خلق الأرض؟ قال: الله، قال: من نصب الجبال؟ قال: الله، قال: فبالذي خلق خلق السماء وخلق الأرض ونصب الجبال، آلله أرسلك؟ قال: نعم. قال: وزعم رسولك أن علينا خمس صلوات في يومنا وليلتنا، قال: صدق، قال: فبالذي أرسلك، آلله أمرك بها؟ قال: نعم، قال: وزعم رسولك أن علينا زكاة في أموالنا، قال: صدق، قال: آلله الذي أرسلك بذلك؟ قال: نعم، قال: وزعم رسولك أن علينا صوم شهر رمضان في سنتنا، قال: صدق، قال: فبالذي أرسلك، آلله أمرك به؟ قال: نعم. وزعم رسولك أن علينا الحج، قال: نعم.

المهم ثم ولى الرجل، خلاص الرجل حصل كل الأسئلة وكل الإجابات، فولى الرجل يقول: والذي بعثك بالحق لا أزيد عليهن ولا أنقص، يعني بس رح أحافظ على هذي الخمسة، ما في زيادة وما في نقصان. فقال صلى الله عليه وسلم: «لئن صدق ليدخلن الجنة».

شوف النبي عليه الصلاة والسلام ما قال عنه رجل مش مؤدب، وما قال يا اخي بس كيف شرك عنا؟ لا، أثنى عليه قال: «إن صدق دخل الجنة»، ما في بعد شخصي في القضية، هذا رجل صادق ماشي، لا كل الناس تتعلم آداب الحديث، ولا كل الناس تقدر على هذا المستوى اللبق، خذوا الناس، كان من تفسير قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ [الأعراف: 199]، ما معنى خذ العفو؟ قال كثير من المفسرين يعني: خذ ما عفى لك من أخلاق الناس، خلص، اللي بتصرف فيه الناس من أخلاقهم اتحملهم يا محمد صلى الله عليه وسلم، وهذه أخلاق الدعاة وأخلاق المصلحين: أن نتحمل الناس حتى ولو صدر منهم من سوء الأخلاق ما صدر.

كان أحياتا بعض الصحابة بعض الأعراب يقاطعه أثناء الحديث، بيكون يخطب جمعة أو بيتكلم بكلام، بتعرف هذول بعض الناس حتى بعض الأخوة بيجي مثلا على المجلس عندنا هون، مش محتاج يحضر مجالس العلم وادابها، يظله ساكت والشيخ يسولف يسولف ساعتين، فبيجي ايش الله يجزاه الخير ما كنت بحكي، ولا هو داخل على الخط بده يعلق تعليق ولا كذا. الآن بعض المشايخ ممكن يكون أسلوبه شوية فظ فيخسره ولا فلان أوءك تتكلم ها، طل إذا خلصت محاضرة بس ما عليك تحكي، ترى هذا عمره ما رح يرجع، أنت امام الناس غسلته كما يقولون، لا، الأصل بطريقة معينة، بأفضل أسلوب ممكن، يعني تعطيه الإشارة أنه ترى ما يصلح تتكلم والمجلس قائم، لكن ما تكسر أو تجرح.

هنا عن أبي هريرة: بينما النبي عليه الصلاة والسلام في مجلس يحدث، كان بيتكلم مع أصحابه، جاءه أعرابي دخل على الخط أعرابي قال: متى الساعة؟ والنبي عليه الصلاة والسلام بيحكي، دخل أعرابي قال: متى الساعة؟ والنبي عليه الصلاة والسلام بده يوصل له رسالة أن هذا التصرف ما بينفع، قال فمضى صلى الله عليه وسلم يحدث، كأنه لم يسمع، مضى يكمل الحديث. فقال بعض القوم: سمع ما قال فكره ما قال، إنه النبي عليه الصلاة والسلام اه ما عجبو السؤال لذلك ما أجاب، وقال بعضهم: لا لا، ترى النبي عليه الصلاة والسلام لم يسمع، شكوا لماذا النبي عليه الصلاة والسلام لم يعلق على السؤال؟ حتى إذا قضى حديثه عليه الصلاة والسلام قال: «أين أراه السائل عن الساعة؟» يلا بعد ما خلصت مين اللي سال السؤال؟ قال: هذا يا رسول الله، رفع الأعرابي يده، قال: «إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة». قال: كيف إضاعتها؟ قال: «إذا وسد الأمر إلى غير أهله»، إذا صار المسؤول عن البلد أو عن الضحى عن الناس غير الكفاءات، أعلنم أن الساعة قد اقتربت. لاحظ أن النبي عليه الصلاة والسلام إذا هو تجاهل السؤال ابتداء، لكنه لم يتجاهله انتهاء، ووصل رسالة أنه ما بينفع تقاطع لما يكون الشخص عم يتكلم، فحاول أن يجمع بين كل أشكال الخير.

كان يحتمل رفع صوتهم عليه وندائهم له بالسؤال، عن ابن عمر: أن أعرابيا نادى -يعني صرخ-: يا رسول الله ما ترى في هذا الضب؟ صوت عالي بنا فقال: «لا أكله ولا أحرمه»، بس أجابه بما قال ليش ترفع صوتك يا فلان، أجابه نفس الشيء، سمع أعرابيا ينادي ما يقتل المحرم من الدواب، فقال: «الغراب والحدأة».

وربنا عز وجل عاتب الأعراب طبعا على رفع أصواتهم، فكان هناك وفد بني تميم وكانوا من الأعراب في سورة الحجرات، ايش ربنا قال؟ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [الحجرات: 4]، يعني ناس عقلهم خفيف، يعني أتوه والنبي صلى الله عليه وسلم في حجرة أزواجه: يا محمد أخرج لنا، يعني داخلين زي حسبة يعني يا محمد، ما يصلح هذا، وليس هذا من الأدب مع النبي عليه الصلاة والسلام. ومع ذلك النبي عليه الصلاة والسلام لم ينقل عنه أنه أنب شخصا على هذا على رفع صوته في حقه، وما كان يغضب لنفسه عليه الصلاة والسلام، وإنما كان يغضب إذا انتهكت حرمات الله.

بل أحيانا كان يجلس مع الأعراب ويمازحهم ويضحك معهم، خاصة إذا كانوا ضيوفا، فعن أبي هريرة أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يوما يحدث وعنده رجل من أهل البادية من الأعراب، فقال عليه الصلاة والسلام -كان بيتكلم مع أصحابه-: «إن رجلا من أهل الجنة استأذن ربه في الزرع»، يعني واحد من أهل الجنة قال: يا رب، بدي يكون عندي محصول من القمح أو من الشعير، استأذن ربه في الزرع، فقال له ربنا سبحانه: أولست فيما شئت؟ يعني الله خاطبه: أنت شو بدك في تحصد لك قمح ولا شعير؟ طيب عندك دجاج ولحم، لك ما تشتهيه النفس، ما بدك إلا محصول قمح في الجنة؟ فقال: بلى، ولكنني يا رب أحب الزرع، هو يحب أن يرى زريعه، قال: فأسرع وبذر، فربنا أعطاه بذور، ربنا أعطاه بذور خلاه يبذرها في الجنة، خلال لحظات البذور كبرت صارت زريعة، هي جنة مش معايير الدنيا، قال: فأسرع وبذر فتبادر.

الطرف نباته واستوائه واستحصاده أمام عينيه في الجنة، طلعت له، كبرت، كذا، صارت قمحَةً أمام عينيه فكان أمثال الجبال. الله، دونك يا ابن آدم، فإنه لا يشبعك شيء، يلا خذ يا ابن آدم، دائماً أنت جوعان، ما فيش شيء بعبي عينك يعني بمعنى.

فقال الأعرابي، والأعرابي جالس وسامع، فعم بيمزح مع الصحابة فيقول: والله يا رسول الله، إن هذا الرجل الذي سأل الزرع واحد من أصحابك، يا قرشي يا أنصاري، أنتم جماعتكم في غيركم. قال: فإنهم أصحاب زرع، أنتم جماعتكم أصحاب الزرع، وأما نحن أهل البادية شو كانوا؟ أصحاب غنم، أصحاب خيل، ما كانوا أصحاب زرع. فقال: هذا واحد من أصحابك يا رسول الله. وضحك النبي عليه الصلاة والسلام من فطانة الأعرابي، يعني كيف الأعرابي انتبه وعادي الموضوع أخذه وهذا يدل على أنه كان يمازح حتى هذه الطبقات.

هذا ماذا يذكرني؟ بعض الشباب يعني لما يكون صار مستوى الجامعة أو هيك أو له أو أخذ لقب، يصير مثلاً جالس المجلس بيمزح بعض الشباب اللي مستواهم بسيط، فلما يمزح يعني بيطلع عليه: أنت بتقعد تمزح معنا، قد المزح تمزح معنا، خلص اسكت، ويرجع يتكلم مع الناس باعتبار أنه هو يعني شخصية كبيرة، ما يصلح شاب صغير يمزح عادي. النبي عليه الصلاة والسلام رأى أعرابياً مزح معه وضحك، ما تكون ثقيل، بعض الناس ثقيل ما بيضحك وما يقبل المزاح إلا من طبقته الاجتماعية، أما يأتيه شخص بسيط يمزح معه لا، شايف أن البرستيج تاعه أعلى من أنه يقبل أن أي شخص يمزح معه المزح المؤدب، المزح الذي لا يوجد فيه فضاضة ولا قطع للحياء.

وطبعا مرت معنا إذا بتذكر أيضا قصة الأعرابي النبي اللي كان ضيف عند النبي عليه الصلاة والسلام، والنبي عليه الصلاة والسلام لم يجد ضيافة يضيف إياها، فكان الأعرابي فطناً، فقال: يا رسول الله، نحن أهل البادية معنا في زماننا ونحن بنرضى بقبض التمر وشوية لبن وانتهينا. هذه قصة ذكرناها سابقا، وكيف أن الرجل كان ذكياً حصيفاً، وليس كل أهل البادية كما تظن.

أيضا كان النبي عليه الصلاة والسلام يثني على أهل الصدق من أهل البادية. بعض الناس يا إخواني بسيط، لكن والله يملك من الإيمان والصدق مع الله أكثر مما عند من يحمل الألقاب الشرعية وغيرها، بيكون رجل عامة بسيط أو امرأة عامية بسيطة، ولكن عندها من الخير ومن الحب للدين أكثر من كثير ممن ينسب نفسه أنه عالم ولا داعية ولا مصلح.

عن شداد بن الهاد أن رجلاً من الأعراب جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فآمن به واتبعه ثم قال: أهاجر معك؟ هذا الأعرابي النبي صلى الله عليه وسلم أذن له بالهجرة، هذاك الأعرابي إذا بتذكر الأول ما أذن له، هذا أذن له لأنه رأى فيه علامات الصدق، فأوصى به بعض اصحابه. فلما كانت غزوة غنم النبي صلى الله عليه وسلم فيها غنائم من الغنم، فقسم الغنيمة وأعطى هذا الأعرابي من الغنيمة، فأعطى أصحابه ما قسم له، وكان هذا الأعرابي يرعى ظهرهم، فلما جاء دفعوا إليه، يعني النبي عليه الصلاة والسلام ما أعطاه مباشرة، أعطى جماعته قال لهم: هذه غنم أعطوها لصاحبكم الأعرابي، حق من الغنيمة.

فلما جاء الأعرابي، كان الأعرابي يرعى، فجاء فأعطوه أصحابه الغنم، قالوا: هذه من النبي عليه الصلاة والسلام، حقك من الغنيمة. فالأعرابي اندهش، قال: ما هذا؟ فقالوا: قسمك من الغنيمة، قسمة النبي صلى الله عليه وسلم لك. فجاء الأعرابي مسرعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما هذا يا رسول الله؟ قال: قسمته لك. قال: ما على هذا اتبعتك، لا، أنا ما اتبعتك أني أحصل دنيا، شوف الصدق، قال: ما على هذا اتبعتك، ولكن اتبعتك على أن أرمى إلى ها هنا، أن يأتيني سهم ها هنا فأموت فأدخل الجنة، على هذا بايعتك ومن أجل هذا هاجرت. فقال: إن تصدق الله يصدقك، إذا أنت صادق أن هذا كل ما تريد من الدنيا، الله سيصدقك.

قال فلبثوا قليلاً، ثم عادت المعركة من جديد، اجا العدو وأغار، فاتي به النبي صلى الله عليه وسلم يحمل قد اصابه سهم حيث أشعر. انتهت المعركة، أتي بالأعرابي محمولاً والسهم في المكان الذي أشار إليه في حلقه. فقال عليه الصلاه والسلام: اهو هو؟ الأعرابي اللي قبل شوي قال لي أنا بايعتك على كذا وكذا. قالوا: نعم يا رسول الله. قال: صدق الله فصدقه، رجل صادق. ثم كفنه النبي صلى الله عليه وسلم مات واستشهد وكفنه في جبته وصلى عليه وقال: اللهم هذا عبدك خرج مهاجرا في سبيلك فقتل شهيدا، أنا شهيد على ذلك. إذا بعض الناس أنت ممكن تستخفي، صح؟ تقول هذا رجل مواطن درجة ثانية أو انسان بسيط مش متعلم في جامعة، مش صاحب رتبه في الكذا، لكن يكون عند الله أعلى منك بمراحل، إياك أن تستخف حتى بالناس البسيطة وتقول هذا ايش راح يعمل، أنا درست أنا تعلمت، ترى الموازين عند الله ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13].

أحيانا كان من ممازحته للأعراب كان يسابقهم، ففي يوم من الأيام عن أنس بن مالك يقول: كانت للنبي صلى الله عليه وسلم ناقة اسمها العضباء معروفة، وكانت سريعة لم يسبقها صحابي قط، دائماً هي اسرع الجماعة. فجاء أعرابي على قعود، جمل صغير، فسابق النبي، قال: يا رسول الله بدي أسبابك. والنبي عليه الصلاة والسلام، شوف هي فكرة تقبل المزاح، تقبل المجاراة حتى الناس البسيطة ما عنده مشكله تمام، يلعب معهم، يمازحهم، ما كان يضع لنفسه ناموس، وأنه أنا البرستيج العام يسمح لؤول أنا رئيس الدولة، رئيس دولة المدينة المنوره معقول ومازح أعرابي وأنا وإياه نركض على جمل؟ قال: فسابقه النبي عليه الصلاة والسلام، فسبق الأعرابي النبي عليه الصلاة والسلام، فاشتد ذلك على المسلمين. الصحابة زعلوا أنه كيف ناقة النبي عليه الصلاة والسلام أعراض على قعود يسبقها؟ يعني والله صعبة، فقال عليه الصلاة والسلام: «إن حقا على الله ألا يرفع شيئا من الدنيا إلا وضعه». في النهاية هذه دنيا، هذه ناقة، ناقة ليس شيء كبير ماشي، هي كانت تسبق، ولكنها سبقت في النهاية، تبقى دنيا والدنيا تقبل النزول والصعود.

كان عليه الصلاة والسلام يقبل هدايا الأعراب، أنت ممكن يكون بعض الناس البسيطة تعطيك هدايا، وكان يكافئهم عليها. فعن أنس أن رجلاً من أهل البادية كان اسمه زاهراً، كان يهدي للنبي صلى الله عليه وسلم الهدية، بيجي من البادية خصيصاً مشان يهدي هدية للنبي عليه الصلاة والسلام، فالنبي عليه الصلاة والسلام يجهزه لما يروح، بعطيه تمر وبعطيه زبيب وبعطيه من المدينة قبل ما يرجع إلى باديته، وكان يقول: «إن زاهرا باديتنا ونحن حاضرته»؛ كان يمازحه يقول: أنت من جماعتنا ونحن من جماعتك، بس أنت بدوي واحنا حضر.

وكان يحبه، وكان زاهر البدوي رجل دميم، ايش يعني الدميم مرت معنا في جليبيب بالدرس الماضي؟ يعني وجهه خلقه بسيطة، يعني ما كان جميل الوجه. فاتاه النبي صلى الله عليه وسلم يوماً وهو يبيع في سوق المدينة، فبده يمزح مع هذا الرجل الأعرابي، يمازح الناس البسيطة، فاحتضنه من الخلف فجأة. زاهر عم بيبيع في السوق، فجأة وجد رجل ماسكه من الخلف وعابطه. قال: فاحتضنه من الخلف فقال الرجل: أرسلني. بصرخ مش عارف أرسلني مين هذا اللي ماسكني؟ فيقول: من هذا؟ فالتفت فعرف النبي صلى الله عليه وسلم. قال: فلما عرفت لا خليته، خليه، خليه يمسكني. قال: فجعلت لا ألصق ظهري بصدر النبي عليه الصلاة والسلام حبا لهذا الحضن.

وجعل النبي صلى الله عليه وسلم ينادي عليه في السوق: من يشتري هذا العبد؟ من يشتري هذا العبد؟ زاهر بقول يعني الآن راح أُباع، هو حر هذا بس بيمزح معه. النبي عليه الصلاة قال: يا رسول الله إذن تجدني كاسداً عند الله، عشان أنا مش نافع بتقول من يشتري هذا العبد؟ فقال: «لكنكم عند الله لست كاسدا»، أنت انسان عظيم، حفزه، رفع معنوياته. قال وفي رواية: «لكنك عند الله غال». هذا من مواقف النبي عليه الصلاة والسلام في ممازحته هؤلاء الرجال، وما كان يرى أنه يعني لسبب موطنه أو مكانه عليه الصلاة والسلام أعلى من أن يمازح أو يتعامل معه.

بدي انتقل حتى ما يفوتني المجلس اليوم، ننتقل للقسم الثالث والأخير وهو قسم مهم حقيقة، كيف كان صلى الله عليه وسلم يتعامل مع العصاة والمذنبين؟ نحن يعني كل ابن آدم خطاء كما قال النبي عليه الصلاة والسلام، وخلق الإنسان ضعيفاً. النبي عليه الصلاة والسلام في تعامله مع العصاة والمذنبين داخل المجتمع المدني كان يستصحب هذا البعد، أنه لم يتصور أصحابه تصوراً مثالياً، يعني ما كان يتصور أن هؤلاء ماداموا أصحابي إذاً لن يصدر منهم معاصي وذنوب، بل كان يعرف أن النقص حاضر. ولذلك المجتمع المدني إخواني، يعني مجتمع كان في ذنوب ومعاصي بالتأكيد، نسبة الذنوب والمعاصي أقل بكثير مما بعد ذلك، لكن الصحابة كانوا بشر، ولم يكونوا بشر؟ كان بشر، فبالتالي المجتمع المدني كان فيه من يزني، كان فيه زنا، أي كان فيه من أحيانا يعبث بالنساء، كان فيه سارقون، كان فيه من يشرب الخمر، كان فيه من يشتم، كان فيه منافقون، وسنتكلم عن النفاق إن شاء الله في الدرس الختامي.

يعني جميع أنواع المعاصي، كان في المشكلجيين، كان في الناس اللي يعني أخلاقها صعبة، مجتمع في النهاية مجتمع بشري فيه الضعف كما يوجد في المجتمعات، لكن اللهم لأنهم صحابة النبي عليه الصلاة والسلام حجم الضعف والأخطاء بتكون أقل من الأخطاء التي توجد في من بعدهم. لكن نحن يهمنا هنا كيف كان النبي عليه الصلاة والسلام يتعامل مع المذنبين والعصاة من أصحابه؟ وما هو المنهج الذي يجب أن نحتديه في ذلك؟

ابتداء، إذا جاءه رجل ويسأله ويقول: يا رسول الله أريد أفعل معصية معينة، ما كان النبي عليه الصلاة والسلام ينهره ويتكلم معه بفضاضة، أنه أنت كيف بدك تعمل معصية، كيف أنت صحابي وأنت مسلم وأنا موجود تكلم معي بهي الطريقة؟ لا، كان النبي عليه الصلاة والسلام إذا جاءه رجل قال: يا رسول الله، اسمح لي بالزنا. يا رجل، شاب شاب عنفوان شباب, مش متزوج، قال: يا رسول الله، يسبح لي بالزنا.

لو أنت كنت مثلاً مقام النبي عليه الصلاة والسلام ستقول لهذا الشاب: يا اخي اتق الله سبحانه، وأنت رجل ملتزم وحافظ جيد جزاك الله خيراً، لكن يعني ربما بعض الناس تكون يعني نظرته لهذا الشاب نظرة ازدراء أنه شو اسمع لك بزين، أنت وين جالس، أنت هذا مجتمع مدني وصحابة والنبي عليه الصلاة والسلام وحي، شو اسمع لي بالزنا؟ وهذه قضية ربما أحيانا البعض بيشد فيها وينهره.

لكن النبي عليه الصلاة والسلام كان دائماً كما قلت يتصور الضعف البشري، فماذا قال لهذا الشاب الذي قال له: اذن لي بالزنا؟ قال: اذن، تعال اتحاور معك. قال فجلس النبي عليه الصلاة والسلام، قال: أتحبه لأمك؟ تحب أمك تزني؟ قال: لا والله جعلني الله فداك. قال: ولا الناس يحبونه لأمهاتهم، أنت ممكن تزني بامرأة تكون أم، ما حدا يحب أن أمه يزنى بها. قال: أفتحبه لابنتك؟ قال: لا والله جعلني الله فداك. قال: ولا الناس يحبون لبنات (اللي بترضاه لأمك لابنتك لأختك بدك ترضاه لبنات الناس، كيف تزني بامرأة هي المرأة التي ستزني بها إما ستكون أم أو بنت أو أخت، فهل هذه الأشياء ترضاها لأختك لأمك لابنتك؟) قال: لا يا رسول الله. قال: ولا الناس يرضونه.

ثم ذكر له: أترضاه لأختك؟ أترضاه لعمتك؟ أترضاه لخالتك؟ فذكر كل شيء، فقال: لا والله. قال: ولا الناس يحبونه. ثم النبي عليه الصلاة والسلام بكل لطف قال فوضع يده عليه، قال: «اللهم اغفر ذنبه وطهر قلبه وحصن فرجه» دعاء.

هكذا يتعامل النبي عليه الصلاة والسلام، خاصة مع الشاب الذي يكون في عنفوان الشباب وتصور أنه يضعف أمام سعار الشهوات. فما بالك يعني شبابنا اليوم الشهوات أحاطت بهم؟ هذا الصحابي أكيد ما شاف في المدينه زي ما نحن بنشوف اليوم، يعني من في في السوشيال ميديا وفي الجامعات و. فبالتالي حري بنا أن نتلطف وأن نحسن التعامل مع الشباب، خاصة إذا وقع لسه، حتى إذا وقع هو محتاج من يدعمه مش مين يكسر مجاديفه، لأنه أصلاً كل شيء في الواقع بيكسرك، فكيف تدعم الشاب بعد أن يقع في المعصية بطريقة لا تهون عليه خطاه وتقول له يلا مش مشكلة بس تعيدها؟ لا مشكلة، لكن لا تشعر بانسداد الأفق وعدم وجود مجال للإصلاح. فرأفة النبي عليه الصلاة والسلام بالعصاة هي العنوان العريض.

من أخلاقه ومن الآداب ومن منهجه، أنه كان إذا وقع شخص في المعصية كان يسأله: «ما حملك على هذا؟» بتعرفوا سيدنا حاطب لما كتب رسالة إلى أهل مكة يخبرهم أن النبي عليه الصلاة والسلام يريد أن يفتحها، مع أنه النبي عليه الصلاة والسلام كان معمماً على الصحابة، ما حدا يرسل رسالة لأهل مكة. لكن سيدنا حاطب في لحظة الضعف أخطأ خطأ كبيراً، يسمى اليوم خيانة في الدولة المسلمة، وكتب رسالة يخبرهم بأن النبي صلى الله عليه وسلم يريد أن يفتحها. النبي عليه الصلاة والسلام عرف بالوحي أن حاطب بعث رسالة واستطاع أن يظفر بهذه الرسالة قبل أن تصل إلى مشركي مكة. الآن ماذا فعل حاطب؟ يعني لو شخص مكان النبي عليه الصلاة والسلام مباشرة قتل، تبعث سربت رسالة خطيرة للعدو، فممكن أي شخص يكون قراره كحاكم أو كمسؤول تصفية المباشرة، لكن لا يعلمنا النبي عليه.

الصلاة والسلام، أي ما حملك على هذا؟ استدعى حاطب قال: ما حملك على هذا؟ استفسر، ممكن يعطيك مبرر، هذا المبرر على الأقل لو كان لا يبرر المعصية لكن يخفف من ماذا؟ من حملك عليه. يعني عمر قال: يا رسول الله، دعني أضرب عنق هذا المنافق، هي خيانة يا رسول الله. النبي عليه الصلاة والسلام بده يعلم عمر والمسلمين جميعا: مش كل ذنب وكل خطأ يفسر بأنه صاحبه منافق، ممكن يكون أخوك طالب علم أو انسان من أهل المسجد وزنى، هل هذا معنى أنه منافق؟ لا، مش شرط. قد يكون لحظة ضعف، وهذا كثير ما يحصل. قد يكون شاب سوي ومن أهل الخير ومن أهل المساجد، لكن سبحان الله وقع في شراك امرأة أو وقع عبث به، يحصل. لا تسارع على إخوانك، والله هذا الرجل قلت لكم من أول لما يصلي ما هو صادق، لكن ما هو صادق؟ ترى صادق، لكن ليس كل الناس يأمن من الوقوع في الفتن، في المعاصي، في المحرمات، في الذنوب. فالتروي مطلوب، التروي مطلوب ولا تعطي أحكام بالمجان، هو صادق إن شاء الله، لكن الضعف البشري حاضر، هذه دائما ننتبه لها.

كان أحيانا يأتيه بعض العصاة بعد أن يقعوا في المعصية يبحثون عن حلول. إذا كانت المعصية من صغار الذنوب ما فيش فيها حد، بيعطيهم حلول. جاء رجل قال: يا رسول الله، إني عالجت امرأة في أقصى المدينة، وإني اصبت منها دون أن أمسها، يعني يا رسول الله أنا في وحدة تعرفت عليها في المدينة في أقصى المدينة عملت كل حاجة معها قبلتها لمستها بس أني ما ايش ما زنت يعني فعلت كل شيء إلا ايشنا هذا ما فعلته طب الحمد لله معناتها في حد فماذا فعل النبي عليه الصلاة والسلام؟ طبعا عمر ماذا قال له: لقد سترك الله يا فلان، لو سترت على نفسك ليش جاي تفضح حالك آهتب واستتر ليش تفضح حالك قدام الصحابة وكان شكله عمر جالس مجموعة من الصحابة جالسين. النبي عليه الصلاة والسلام لم يرد عليه شيئا، ما كان عنده جواب حتى جاءه جبريل ف طبعا انطلق الرجل فالنبي عليه الصلاة والسلام قال: ادعوه. فدعاها فقرا عليه: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ ۚ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: 114]. يعني بدك تعطي حل، شوف الإسلام كيف يعطيك حلول، الرجل كما قلت ممكن يخطأ ممكن يدخل في علاقة محرمة البنت ممكن تدخل في علاقة محرمة بتصير أخطاء لا تبرر لكن تعالج تقبل العلاج. إن الحسنات يذهبن السيئات اللي هو منهج المزاحمة، أنت عندك معصية أطلعت على فيلم خطأ أطلعت على صورة في التليغرام ولا عفوا في الفيس أو شيء وقع عينك على مشهد لا يرضي الله أضعفت مباشرة عالج الخطأ بماذا بحسنة.

دائما هذا منهج الإسلام، روح صلي ركعتين، روح تصدق، روح اقرأ قران، روح اعمل معروف، روح أغث ملهوفا، ساعد إخوانك، اعمل أي حسنة تعوض فيها مكان الخطا اللي عملته، لأنه منهج المزاحمة هو المنهج السديد في معالجة الأخطاء. لا تبقى مستسلم وترد رد على الشيطان اللي بعد المعصية بقول لك: يا أخي أنت بتصلي في المسجد والله عيب تصلي في المسجد وبعدين تجي تحضر فيلم، والله عيب تصلي الفجر والناس تفكرك من أهل الخير والتقى وأنت أنت عارف حالك، الشيطان بيحاول يئس من نفسك. النبي عليه الصلاة والسلام أبدا ما كان يعطي الصحابة يأسا عند المعاصي، بل يعطيهم مساحة الإصلاح الكبيرة: فإن الله يفرح بتوبتك، لكن بادر لعمل صالح بعد معصيتك.

النبي عليه الصلاة والسلام كان دائما يأمر بالستر، خاصة في المسائل اللي فيها حدود اللي فيها رجم أو قطع أو شيء، كان حريصا على الستر وأن لا يقيم يعني الألا يجعل الرجل يعترف بطريقة يقيم عليه حد، لأنه إذا اعترف بالحد تفصيليا رجمه أو قطعه. هنا جاء رجل إلى النبي عليه الصلاة والسلام عن بريدة بن الحصيب، جاء ماعز سيدنا ماعز أخواني وقع في الخطيئة زنى وكان متزوجا زنى سيدنا ماعز، فقال: يا رسول الله إني زنيت فطهرني. النبي عليه الصلاة والسلام قال لك: ارجع. لأنه الزاني إذا أقر على نفسه بالزنا لا يرجم حتى يقر على نفسه أربع مرات، لازم يقر أربع مرات أقر أن كذا أقر أني كذا أقر أني كذا أقر أني كذا. فأول مرة جاء ما عز قال: يا رسول الله زنيت. قال له بيحك روح روح تستترت خلص يعني ما تتكلم، طبعا ماعز الذنب عم يجلده من داخله فالتفت إلى الجهة الأخرى قال: يا رسول الله زنيت. قال: ويحك ارجع فاستغفر. فالتفت أربع مرات حتى أقر على نفسه أربع مرات بالزناء. عندئذ النبي عليه الصلاة والسلام لا يملك الآن سلطة العفو عن الحد فقال استفصل قال: أبيه جنون؟ قالوا لا. فتأكد أن أول شيء الرجل بكامل القوى العقلية قال: هل تعرف ما الزنا؟ قال: نعم. قال: كما يدخل هذا في هذا سألوه عن التفصيل ليكون قبلت رجل ليكون يعني أنه بعض الناس يكون فاهم الزنا غلط يعني تمام فكر أنه إذا قبل امرأة أن هذا زنا لا الزنا هو العشرة الجماع غير كذا حرام بس ما اسمه زنا في رجم فرد يتاكد لعل وعسى لعله يتراجع عن اعترافه. ماعز لا مصمم تماما على اه يا رسول الله عارفه تماما و فلما لما أقر قال النبي صلى الله عليه وسلم للصصحابة: اذهبوا به وارجموه. فذهبوا به فرجموه وأثناء الرجم شعر ماعز بمس الحجارة يعني أنت حجارة عم تنزل عليك شعر بالالم فهرب.

طبعا الصحابة وين يهرب راحوا لحقوا وراه لحقوا وراه حتى جابوه وشدوا عليه مرة ثانية ورجموه حتى قتلوه. فلما رجعوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام قالوا: يا رسول الله ترى هيك صار ترى رجمناه بالحجارة ومن شد الحجارة هرب رحنا رجعنا ومسكناه. شوف النبي عليه الصلاة والسلام ماذا قال لهم؟ قال لهم: أحسنتهم هيك أيوه جيبوه تخلوه يهرب لا. قال: تركتموه. خلص هرب يعني نحن بنقيم الحد هرب طلع هلا تركتموه يعني هرب بيطلع برا المدينه بدبر حاله في أقصى الأرض بيستتر وربنا بيتوب عليه وبنكون نحن فعلنا اللي علينا. حتى للحظات الأخيرة كان حريصا ألا يقيم عليه تماما وحريصا على أن يفتح مساحة للتوبة.

رجل جاء فقال: يا رسول الله رجل صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم، هذا أبو أمامة في صفحة 619 قال: بينما النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد ونحن قعود معه إذ جاء رجل فقال: يا رسول الله، شوفوا هذا الرجل شو حكى؟ قال ما قال: إن زنيت. قال: يا رسول الله أصبت حدا فأقمه علي، ما بين شو هي الخطا اللي ارتكبه أجمل قال: أصبت حدا فأقمه علي. النبي عليه الصلاة والسلام لأنه كأنه ايش ما سمع فسكت عنه ولم يسأل انشغل بموضوع آخر ثم أعاد فقال: يا رسول الله إني أصبت حدا، الرجل مصمم أصبت حدا فسكت عنه وجاء وأقيمت الصلاة، فالنبي عليه الصلاة والسلام أقام الصلاة بصحابة وصلى فلما انصرف من الصلاة اتبع الرجل النبي عليه الصلاة والسلام. فيقول أبو أمامة: وانا اتبعتهما حتى أنظر ماذا سيحصل، فلحق الرجل النبي صلى الله عليه وسلم قال: يا رسول الله أصبت حدا فقال له النبي صلى الله عليه وسلم شوف وهذا من أداب إذا أخوك عمل معصية بعض الشباب شو بيكون بده احكي لي بالله شو عملت شو عملت قال لك أها قعدت مع فلانة بالله احكي له شو سويت معها يا أخي ما بصير تسال استر ما يكون عندك فضول والله شو المعصية اللي عملتها بالتفصيل أعطيني إياه لا هذا مش منهج هذا ليس ديانة يعني يعني كون طبعا هو يريد أن يشوق نفسه للمعصية هذا مش حل. النبي عليه الصلاة والسلام الرجل يقول أصبت حدا قال له: أعطيني الحج شو هو لا هذا ليس منهج، إذا جاك أخوك قال عملت معصية إذا ما في شيء ضروري تعرف شو المعصية يا أخي لا تسأل قل لي أخوك يا اخي روح توب ما بدي أعرف شو المعصية خلي صورتك جميلة أمامي، ممكن أخوك خربها خربها لأنه لو أعطاك التفاصيل أنت ممكن تبطل تمشي معه صح ولا لا ممكن تصبح تنظر إليه بنظره ازدراية.

لا تسأل أخوك عن معصيته قال لك والله أخطأت وجايك ندمان وبيبكي استر قول له يا أخي رحته ترى مجال تسوب مفتوح حتى لو صاحبك قال لك طيب أحكي لك شو عملت قول له لا تحكي لي ما بدي أعرف. النبي عليه الصلاة والسلام هذا الرجل ثلاث مرات عصبت حدا شوف الإجابة كيف صرفه قال: أرايت حين خرجت من بيتك وأتيت إلى المسجد أليس قد ضواضات فأحسنت الوضوء؟ قال: بلى يا رسول الله. قال: ألم تصلي معنا؟ قال: بلى أو قال نعم. قال صلى الله عليه وسلم: فإن الله قد غفر لك ذنبك. خلص روح ما بدي أعرف ما هو الذنب الذي يستحق حدا هو شوف لو اعترف ما هو الذنب لو قال زنيت واعترف أربع مرات ما في مجال للعفو، لكن قال العلماء: إذا اعترف رجل بحد ولم يبين ايش هو سرقة زنا شرب خم في التفاصيل أنت لا تساله شوف حرص الإسلام أنه يستر عليك وأنه ما بدي أدخل معك في التفاصيل وأنك تعلم باب التوبة مفتوح والله يقبلك الله يقبلك على عثراتك وأخطائك وتقصيرك. فهذا منهج النبي عليه الصلاة والسلام أن يستفصل عن معاصي أصحابه ولا يدخل ويتتبع عثراتهم اه تعال أنت احكي لي شو سويت وأنت احكي لي شو أخطات روح استر على نفسك والله يعينك بإذن الله على التوبة.

أحيانا كان أيضا إذا رجل أخطأ وتم معاقبته بحد من الحدود يثني عليه ليعرف أن الذنب لا يعني الازدراء، لأن كثير منا بل كلنا نقع في ذنوب ومعاصي لو عرفت عن أخوك أنه عنده معصية وأنه أكثر من مرة تم يا أخي نصحه وعم بيخطأ هل معنى هذا أني ازدري أخوي المسلم ولا إذا بعرف في نقطة إيجابية أذكرها أمام الناس حتى أرفع من شأنه شوف هذا الأدب الراقي. أحيانا بيكون رجل معروف والله يا أخي هذا الشاب معروف يسقط في أمور النساء كثيرة أو ذاك الشاب يشرب خمر كثير أو ذاك شاب كذا بس أنا بعرف في برضه خصلة إيجابية. النبي عليه الصلاة والسلام أتي برجل كان يشرب الخمر فيأتي به للصصحابة الصحابة بيضربوه بعدين بيروح بيروح بيشرب الخمر خمر مرة ثانية روح الصحاب مدمن يعني بسموه اليوم نحن بنسميه ايش إدمان عنده إدمان وكل ما ينضرب مش ضابط برجع بيشرب مرة ثانية برجع بينضرب. فواحد من الصحابة في يوم من الأيام من كثر ما ضرب الظاهر عصى قال: يا أخي أخزاك الله كل يوم بيجيبوك تنضرب خلص يعني اترك شرب الخمر. فالنبي عليه الصلاة والسلام ايش قال: «لا تكونوا عونا للشيطان على أخيكم». ما تقول له أخزاك الله قول الله يهديك.

وفي حديث آخر كان رجل من الصحابة اسمه حمار تستغرب أنت من الاسم أحيانا بعض الأسماء الأعرابية غريبة، كان اسمه حمار وكان يشرب الخمر ولكنه وكان مزوحا ضحوكا يعني رجل من الصحابة عنده مزح وضحك وكان مبتلى على إدمان شرب الخمر وكان يؤتى به كثير والصحابة يضربه، فالنبي صلى الله في يوم من الأيام أحد الصحابة من كثر ما ضرب قال: لعنك الله قد ما بتشرب. قال: «لا تلعنوه، فانه يحب الله ورسوله». هي القضية أنه بين أنه في خصلة إيجابية ترى فلاد صحيح عنده معصية مدمن عليها ونحن بنحاول نعالجه يعني نحن مش ساكتين عنه كل ما نجيب نضرب بس في النهاية يا أخي في نقطة إيجابية خلينا نعلي من شأنه شوي هذا رجل يحب الله ورسوله ماشي بيخطأ يعني ضعف إنساني مش عارف يتحسن نحن رح نعالجك ورح نقول لك إنك أنت مخطئ وقوي إيرادتك، لكن لا يمنعنا هذا من أن نذكرك بصفاتك الإيجابية لأنه ترى ذكره بصفاته الإيجابية ممكن يساعده إنه يصلح. آه والله هييه والله مدحوني أني بصلي والله أني مشارك في عمل إغاثة، هذا بيكون حافز له أن يصلح من شأنه ويعيد ترتيب أوراقه.

ولذلك شيخ الإسلام ابن تيمية يعلق على حديث اللعن أخواني، خاصة بعض الشباب مع وجود النساء المتبرجات، إيه قضية اللعن منتشره عند بعض الشباب الملتزمين المندفعين لعن المعين بشوف واحدة متبرجة الله يلعنك بوجهه. ترى هذا على قول جماهير فقهائنا هذا غير شرعي. طيب يا شيخ النبي عليه الصلاة والسلام لما ذكر الكاسيات العاريات قال: العنوهن فإنهن ملعونات آه. أخواني بدنا نفرق بين لعن المطلق ولعن المعين، افهم هذا الحكم. لما قال العنوهن فإنهن ملعونات هو يقصد صلى الله عليه وسلم لعن المطلق يعني تقول لعن الله المتبرجات مطلقا لعن الله النامصة والمترمصة تلعن النوع لكن لا تلعن فلان بعينها لا تلعن فلان بعينها. ولذلك النبي عليه الصلاة والسلام مش لعن شارب الخمر لعن في الخمر عشرة لعن شاربها وحاملها، طب هذا الصحابي اللي جلدوه أو ضربوه كان يشرب الخمر طب لما الصحابي لعنه قال: لعنك الله لماذا النبي عليه الصلاة والسلام زجره لا تلعنه مع أنه هو قال صلى الله عليه وسلم لعن الله شارب الخمر شو الفرق؟ لأن النبي عليه الصلاة والسلام لعن النوع يعني لعن الله هذا النوع النوع الذي يشرب الخمر، لكن الشخص المعين لا يلعن ويفتح له باب التوبة ترى أنت تصدها أنت.

لما تقول لوحدة متبرجة الله يلعنك، ترى أنت بس بتفش غضب، ترى ما كسبنا منك شيئاً، يعني ولا هي كسبت شيئاً، ليس منهجاً للدخول في الدعوة والإصلاح. لذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: قد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن لعن هذا المعين، الصحابي المعين الذي كان يكثر شرب الخمر، معللاً ذلك بأنه يحب الله ورسوله، مع أنه صلى الله عليه وسلم لعن شارب الخمر مطلقاً. كما قلنا: لعن شارب الخمر، فدل ذلك على أنه يجوز أن يلعن المطلق ولا تجوز لعنة المعين الذي يحب الله ورسوله.

يعني الشخص متى يمكن تلعن معيناً في معاصيه؟ إذا كان واضح الفجور، رجل عربيد في البلد، رجل تاجر مخدرات هو رقم واحد، هؤلاء الفجار الهوامير في المعاصي، يقول ابن تيمية: لو لعنوا العن، فلان هذا تاجر مخدرات هو اللي مخرب أولاد الناس في مساحة؛ لأنه هامور كبير في المعاصي والعياذ بالله. أما عموماً، عموم المسلمين وعموم النساء المسلمات حتى لو عندها معاصي أو ذنوب وعُرف منه عموماً أنه ما زال على الإسلام، لا هذا لا يلعن لعناً معيناً.

وحتى الكبار، ترى بعض أهل العلم يقول: حتى الكبار لا يلعن، حتى الكبار. ويستدل أن الله قال لنبيه لما كان النبي عليه الصلاة والسلام يلعن رجالاً معينين من كفار قريش، ماذا أنزل الله؟ ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: 128]، يعني لا تلعنهم مع أنه مشركين. ومع ذلك النبي عليه الصلاة والسلام وهؤلاء المشركون الذين كان يلعنهم بأعيانهم أسلموا بعد ذلك، وكان منهم أبو سفيان بن حرب رضي الله عنه.

فدائماً إخواني، إياك أن تلعن معيناً، الفجار الكبار هذا موضوع في مساحة، لكن عموم العصاة من المذنبين والمذنبات ليس منهج الإسلام لعن المعين، هذه أحفظها وخذها من أفواه الأئمة.

إذا كان الخطأ من إنسان عزيز على النبي عليه الصلاة والسلام وخطؤه يتعدى للآخرين، يعني إخوان المعاصي على نوعين: في معاصي تتعلق بحياتك الشخصية، أنت نظرت للحرام، شفت كذا، شربت خمر كذا، يعني معصية خاصة. وفي معصية لا، هي أذى للآخرين، أن تقتل شخصاً أو تقطع شخصاً أو تشب الآخرين. دائماً الإسلام يشدد في المعاصي المتعدية أكثر من تجديده في المعاصي الشخصية عموماً.

فمثلاً أسامة بن زيد حب النبي صلى الله عليه وسلم وابن حبه، لكنه أخطأ خطأ كبيراً في إحدى الغزوات، أنه قتل رجلاً بعد أن قال لا إله إلا الله. فالنبي عليه الصلاة والسلام قال له: «يا أسامة، أقتلته بعد أن قال لا إله إلا الله؟». فما قال أسامة: يا رسول الله، إنما قالها خوفاً من السيف. قال: فما زال يعنبني «أقتلته بعد أن قال لا إله إلا الله؟ أقتلته بعد أن قال...» حتى تمنيت أني لم أسلم إلا ذلك اليوم. تخيل من شدة حرقة أنه النبي عليه الصلاة والسلام عنفه أن هذا خطأ كبير، أنت هنا مش حقك الشخصي اعتديت عليه، أنت اعتديت على حقوق الآخرين.

كذلك أبو ذر مرة شتم رجلاً من الصحابه وقيل إنه شتم بلالاً وعيره بأمه: أنك يا بلال رجل من الحبشة مش عربي ابن عربي. فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: «يا أبا ذر، أعيرته بأمه؟ إنك امرؤ فيك جاهلية»، أبا ذر، عيب هذا الكلام أن يصدر منك أنت أبا ذر الصحابي الكبير، ترى هذه خصلة من خصال الجاهلية. فأنا محتاج أرفع سقف التأنيب لما يكون الشاب لا يعني مثله لا يتصور أن يصدر منه هذا الخطأ وخطؤه يتعدى للآخرين.

فليس دائماً يعني بعض الناس يقول لك دائماً منهج اللطف اللطف اللطف، آه ما هو ماشي في منهاج اللطف أحياناً، بس في مناطق معينة لا بدنا نرفع شوي العيار في التأنيب. مثلاً الثلاثة الذين خلفوا، اللي هم مين في غزوة تبوك؟ مين هم الثلاثة؟ كعب بن مالك ومرارة بن الربيع وهلال بن أمية. هذول الثلاثة صحابة تخلفوا عن الغزوة مع أنه لم يكن لهم عذر، والله ذكر قصتهم في القرآن، هل النبي عليه الصلاة والسلام أو الشريعة سامحتهم مباشرة؟ خلص، اعترفتم بخطاكم يلا خلص روحوا على الدار؟

لا، عوقبوا عقاب شوي قاسي، قاطعهم النبي عليه الصلاة والسلام خمسين يوم وأمر كل المجتمع كل البلد أن تقاطعهم، حتى زوجاتهم أمرنا أن يرجعن إلى بيوت أهلهن. آه أحياناً إذا بعض العلاجات مش مشكلة ممكن أنا أقسو عليك في العلاج، لكن هي القسوة لصالحك ولصالح المجتمع. ومن ذلك فلسفة الحدود، البعض بيقول: طيب ليش ماعز بن مالك؟ طيب ليش الغامدية ما تم العفو عنها مع أنها أخطأت؟ ليش ما عفى عنهم الإسلام؟ لا، ما هو في بعض المعاصي أحياناً نحن محتاجين نطبق الحد حتى نمنع شرشرتها في المجتمع.

وذاك الرجل إن شاء الله ربنا بيغفر له اللي طبق عليه الحد؛ لأنه لو كل شخص بده يجي يتوب من الزنا يقول له خلص يعطيك العافية روح على البيت، معناته الناس راح تستسهل الزنا وبقول لك خلص بزني وبأجي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأقول: يا رسول الله أنا تسامحني، أقول له خلص سامح معك ارجع. فالإسلام بده يحسم بعض الذنوب لأنها خطيرة شديدة، فأغلق فيها باب وشدد فيها العقوبات.

حتى عائشة، عائشة في إحدى المرات ذمت صفية وقالت يا رسول الله قصيرة، يعني زوجة بتعرف عائشة بدها بتغار كانت، فقالت يا رسول صفية بنت حيي زوجتك قصيرة. أنا شفت قديش طويلة وأموري طيبة! قال: «يا عائشة، لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجت». مش لأنه عائشة أحب النساء إلى النبي عليه الصلاة والسلام من عفا عنها، قال مش مشكلة يا عائشة.

بعض الناس بجامل اللي بحبهم وإذا كان على إخوانه لا، شديد بيكون. مثلاً بعض الشباب حتى في التيارات الإسلامية إخوانهم بيستغيبوا المخالفين وناقلين في المشايخ ويسقطوهم، مش مشكلة بيستاهلوا. لكن لما يجي واحد يستغيب مشايخه، يا أخي اتق الله وين ال... ما بصير الغيبة والنميمة! طيب ما هو أنت شيخ، أنت برضه مع مشايخ المخالفين أنت نازل طحن أنت نازل غيبة ونميمة وما خليت شيء في مخالفيك، لما تكلموا عن مشايخك صرت تعطيهم آداب الغيبة والنميمة! فلا تكون عندك ازدواجية في المعايير.

كما قلنا الهجر هذا أسلوب في معالجة بعض القضايا، بالتالي ممكن ابنك يعمل معصية، ممكن ابنك يعمل معصية تهجره، ممكن زوجتك تعمل معصية، تهجر زوجتك ليكون الهجر تأديباً. متى كان الهجر مساعداً على... لأنه بعض الناس لو هجرت على الفاضي لا، الهجر يصلح. قال العلماء: إذا كان أسلوب تأديبي ترجو من خلاله صلاح المذنب والعاصي.

أحياناً النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا استطاع أن يغير المنكر والمعاصي بيده يغيرها. فعن عبد الله بن عباس أن النبي عليه الصلاة والسلام رأى رجلاً في يده خاتم من ذهب، فنزعه من يده وطرحه وقال: «يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيجعلها في يده». هون النبي عليه الصلاة والسلام رأى أنه من المصلحة أن ينكر المنكر بيده.

نفس الموقف، نفس الموقف حصل مع رجل من نجران، رجل وافد على المدينة، أن رجلاً قدم من نجران وعليه خاتم من ذهب. هل فعل النبي صلى الله عليه وسلم نفس الشيء؟ نزع الخاتم من يد الرجل وألقاه؟ لا، قال فأعرض عنه فقط، ما نظر إليه، أعرض عنه بوجهه وقال: «إنك جئتني وفي يدك جمرة من نار».

هنا بيجي السؤال: لماذا في الموقف الأول هو بنفسه نزع الخاتم؟ في الموقف الثاني لما جاء الوافد من الخارج ما نزع الخاتم بنفسه واكتفى بالإعراض؟ طب الأول، طب الأول ممكن أقول أحسنت، الأول بيكون صحابي بمون عليه، بالتالي هو يعلم أنه لو غير المنكر بيده عليه الصلاة والسلام الرجل لن يصير عنده انتكاسة. لكن الثاني هذا وافد جديد، يعني إيمانياته خفيفة، لو غيرت بيد المنكر ممكن يكون بالنسبة له علاج مستفز، وبالتالي يقول لك ما بدي أسلم أو بيصير عنده انتكاسة.

ترى هذا منهج بعض الشباب، بده يطبق التغيير بالمنكر على كل أصحابه وهذا ما يصلح، أو حتى على كل أفراد عائله. أحياناً بيجيك شاب متمسك بالإيمان من أصحابك العظم يعني، لما طرأ على منكر على وجهه أو كذا، ممكن والله أشيل المنكر عنه بعرف أني في بيني وبينه خط يعني ما راح يزعل أو يصير عنده. لكن شاب يلتزم جديد ويسير من أصحابك والله عنده بعض المعاصي ببيته، والله عنده مثلاً حاط له معازف في بيته، حاط له بيانو ولا حاط له شغلة ولا لابس له شغلة حرام، مش حينفع من أول ما يلتزم: تعال يا فلان والله لأشيل لك إياه لا.

لانه ممكن يعني أنت ممكن تنصح طالع: يا فلان هي هذه البلوزه اللي لابسها عليها رمز غلط، أو هذه الآلة المعازف ما بصير تكون في البيت، أو هي الصورة المعلقة... دخل على واحد، الشباب دخل على بيت واحد حاط صورة معلقة وهو منتقم جديد، كسر له الصورة، صورة أبوه حاطها ولا كذا! طب ما هو أنت هيك راح يقول لك: أوعد تدخل الدار سيدنا الشيخ! لأنه ماشي تعليق صور ذوات الارواح خطا، بس مش أنت لك صلاحية تكسر صورة أبوه أمامه، ممكن أبوه متوفي أو شيء، أنت كسرت كل معنوياته.

فالله يرضى عنك إخواننا، بده يكون في فهم متى تغير بيدك ومتى لا، المصلحة فقط أن اقتصر على التغيير باللسان. أحياناً إذا كان المنكر يقتضي من إمام المسجد، مثلاً الإخوة أئمة المساجد، والله مثلاً أحد المصلين عمل خطأ، عمل منكر بسط في المسجد أو صرخ أو عمل موقف، ما بينفع إمام المسجد يطلع أمام الناس: يا أبو فلان ليش عملت هاي المعصية؟ أنت فضحته. لا، النبي عليه الصلاة والسلام ما نهجه: «ما بال أقوام؟ ما بال رجال؟». أنت من هي أنا بدي أصلح مش بدي أفضح، أنا بدي أعالجه مش بدي أهدم.

فهذا انتبه له، إذا كنت بدك تصلح الخطا مش تقول والله في واحد من أصحابنا، بعض الشباب بقول لك أنا ما حكيت اسمه، بس أعطى أوصافه الدقيقه لدرجه أنه أشرنا عليه، هي يعني ما ظلش غيره! فبرضه ما تضحك على حالك يعني، لا، ما في داعي الناس تعرف مين اللي ارتكب الخطأ، لا بالتلميح ولا بالتصريح.

أحياناً كان عليه الصلاة والسلام يعاقب بعض العقوبات الشديدة، كما قلنا في معاصي يريد أن يؤدب الناس بها، فكان مثلاً من قتل نفسه إنتحاراً كان لا يصلي عليه الصلاة والسلام صلاة الجنازة عقوبة. هس هو المنتحر مش كافر، لكنه فعل كبيرة عالية، فكان من باب التأديب للمجتمع من يراه قتل نفسه ومات بالانتحار ما يصلي عليه. صحيح هذه ربما بالنسبة لأهل الميت صعبة، لكن مو أحياناً نحن بنحتاج أن نعالج حتى لا يتكرر الخطأ في المجتمع.

فخلاصة منهج النبي عليه الصلاة والسلام في التعامل مع المذنبين هو أولاً: أنه ما كان يتصور المثالية، وكان يتصور الخطأ من أصحابه، فما كان يرى أنكم لا يجوز أن تخطئوا، بل بالعكس كان يقول لهم: «لو لم تخطئوا لآتى الله بقوم يخطئون فيستغفرون فيغفر لهم»، أن الخطأ متصور فيكم، لكن عليكم أن تتعلموا كيف التوبة.

وكان أحياناً يعالج بالإعراض، أحياناً يعالج بإعطاء الحل البديل، أحياناً يعالج بالهجر بحسب ما يقتضيه الموقف، أحياناً يغير المنكر بيده، أحياناً يكتفي بالإشارة العامة، وكان ينكر على الجميع حتى على أحب الناس إليه، فكان لا يحابي في قضية إنكار المنكرات، وفي نفس الوقت ما كان يعين ولا يلعن لعناً معيناً لصاحب معصية، ويعلمنا اللعن المطلق فقط على بعض المعاصي دون التطرق.

وإذا كان شخص مذنب ويكثر منه الخطأ، يحاول أن يذكر فيه صفة إيجابية لعلها تعلي شأنه. كل هذه المعالم عليك أنك تدونها وتحفظها في التعامل مع أناس وإخوانك وعشيرتك وأهل بيتك وأقاربك؛ لأنه هذا هو منهج الإسلام حقيقه لمن أريد أن يتعلمه، منهج محمد صلى الله عليه وسلم. اللهم علمنا وفقهنا وبصرنا، آمين آمين، وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.