دخولتسجيل الدخول

كيف عاملهم؟ | المجلس الثالث | منهج النبي صلى الله عليه وسلم في التعامل مع الأصدقاء والجيران والضيوف

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأصلي وأسلم على نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.

حياكم الله أيها الأكارم في المجلس الثالث من هذه الدورة الطيبة التي عنوانها: الكتاب كيف عاملهم صلى الله عليه وسلم. وما زلنا نعيش في هذه الدوحة الغناء الجميلة، ونحن في كل مجلس من هذه المجالس نأخذ نوعاً من علاقات النبي صلى الله عليه وسلم ندرسها، نعيش في أفيائها، ننظر في قواعدها، ونحاول أن ننقلها إلى حياتنا.

هكذا المسلم دائماً عندما ينظر في حياة النبي عليه الصلاة والسلام وفي سننه وأيامه، عليه أن يكون له مشروع في كل مرة يطلع فيها على السنة؛ أحياناً يدرس العلاقات، أحياناً يدرس الأخلاق، أحياناً يدرس الخصائص، أحياناً يدرس الحرب، وأحياناً يدرس السلم. حاول دائماً عندما تنظر في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وفي سننه وأيامه أن يكون لك مشاريع فكرية وتربوية وأخلاقية وسلوكية وعقدية ترصدها من خلال حياة النبي عليه الصلاة والسلام.

فهنا هذه الدورة وهذا الكتاب ركز على فكرة معينة من حياة النبي عليه الصلاة والسلام وهي فكرة العلاقات؛ كيف كان محمد صلى الله عليه وسلم يدير علاقاته الحياتية؟ وهذا موضوع يمس حياة كل واحد منا، ليس موضوعاً ثانوياً، موضوع أنت تحتك به يومياً. فالإنسان مدني بطبعه كما قالوا، لا يستطيع أن يعيش وحده؛ فهناك علاقات أسرية، هناك علاقات زواج، هناك علاقات بالآباء والأمهات والأخوات والأبناء، هناك علاقات بالأقارب، هناك علاقات بجيرانك، هناك علاقات بأصدقائك، هناك ضيافة وضيوف يذهبون ويأتون، هناك منافقون في المجتمع، هناك مجرمون، هناك طغاة؛ شبكة العلاقات لا ينفك عنها الإنسان، وكل علاقة من هذه العلاقات لها أدبياتها.

وكما قلنا، أحوج ما نكون نحن اليوم إلى أن نبني الثقة في شبابنا وأجيالنا بهدي النبي صلى الله عليه وسلم. وعندما تربي أبناءك، ربهم على أن دين الإسلام وسيرة النبي صلى الله عليه وسلم فيها الكفاية لمن يطلع ويهتم. ولذلك حرصنا على مجالس الوحيين؛ أننا نريد أن نربي أنفسنا على الوحي. قضية علاقتك بالوحي الإلهي، الكتاب والسنة، هذه قضية لا تنتهي، وكلما ازددت علاقة بالقرآن وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، كلما ازددت شعوراً بالعزة وبالهوية الإسلامية وبالانتماء لهذا الدين العظيم، وأنني لست محتاجاً إلى ما يدونه أعداؤنا ليعلمونا كيف تبنى العلاقات والصداقات والجوار، وهم أبعد ما يكونوا عن هذه الأدبيات والأخلاقيات بعقولهم المنحرفة وأحوالهم البعيدة عن الاستقامة. فدائماً تعلم من الوحي الإلهي وأقبل عليه بقلب محب.

اليوم وعدنا إن شاء الله مع العلاقة الثالثة، وضعناها المنهج الثالث في العلاقات، وهي علاقته صلى الله عليه وسلم بثلاثة أنواع: بالجيران، وبالضيوف، وبالأصدقاء. نضع المعالم العامة لحياة النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الصدد، من حيث المواقف الشخصية له ومن حيث التوصيات والتوجيهات التي قدمها في هذا الصدد. لابد للمسلم أن يسمع كلام محمد صلى الله عليه وسلم ليتعلم.

نبدأ بالعلاقة الأولى، علاقة الجوار. ولاحظوا كيف أن الإسلام من عظمته يهتم بتنظيم كافة أشكال العلاقات، حتى هذه العلاقات البسيطة عند البعض يأتي الإسلام ليتكلم عنها وتنزل فيها آيات تتلى، يقول سبحانه: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ [النساء: 36].

يعني القرآن يتحدث عن علاقة الجيران وينبه عليها، وأنها من وصية الله للمؤمنين حتى تكتمل خارطة التدين لديهم، أن يحسنوا حتى في إدارة هذه العلاقات. والجار ذي القربى يعني إذا كان جارك وفي نفس الوقت ابن عمك أو ابن خالك أو إنسان لك بينك وبينه قرابة، فهذا حقه أعظم من الجار الذي ليس بينك وبينه قرابة، فلذلك قال: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىٰ﴾. ثم نبه على الجار الجنب؛ والجنب فيها خلاف بين المفسرين، ولكن إذا جعلناها مقابل ذي القربى يكون معنى الجنب هو الجار الذي ليس بقريب، وكلاهما يوصي بهما الإسلام؛ الجار القريب لبعد الجوار والقرابة، والجار الذي ليس قريباً لبعد الجوار. ثم قال: ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنبِ﴾، وهي الصداقة والأخوة في الله، حتى هذه يوصي بها كلام ربنا سبحانه وتعالى، فيجب أن تكون في ذهنك أن هذه العلاقات ليست هامشية ما دام الله سبحانه وتعالى أوصى بها.

دعونا نتكلم عن الجوار، هل النبي عليه الصلاة والسلام كان له جيران؟ بالتأكيد، ومن الناحية البشرية كان يعيش في مجتمع وهناك من يسكن حوله فلا بد وأن يكون له جوار. في مكة كان يجاوره صناديد كفار مكة كما يقول ابن إسحاق، وكان النفر الذين يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم هم: أبو لهب، والحكم بن أبي العاص بن أمية، وعقبة بن أبي معيط، وعدي بن قيس الثقفي، وابن الصلّال الهذلي؛ هؤلاء جميعاً كانوا جيرانه.

هؤلاء رجالات مكة كانوا يسكنون حول بيت النبي عليه الصلاة والسلام ولم يسلم منهم أحد إلا الحكم بن أبي العاص. إذاً النبي عليه الصلاة والسلام في مكة كان محاطاً بجيران، لكنهم جيران سوء؛ ولذلك كان أحدهم يطرح رحم الشاة وهو يصلي، يأتي جيرانه يطرحون عليه أثناء الصلاة ما في أحشاء الشاة، فكان عليه الصلاة والسلام بعد أن يقضي صلاته يقف ويقول: «يا بني عبد مناف، أي جوار هذا؟». ما هذا الجار الذي يؤذي جاره لأنه اختار سكة الهداية والاستقامة؟ أنت تؤذيه لأنه يوحد الله سبحانه وتعالى.

فالنبي عليه الصلاة والسلام ابتدأ حياته بوجود جيران له، لكنهم ليسوا جيران خير بل جيران مؤذين، ولذلك النبي عليه الصلاة والسلام تأذى منهم بل اضطر في النهاية أن يترك لهم كل مكة ويهاجر إلى المدينة النبوية؛ لأن الجوار في مكة ما عاد جوار خير، وإن كانت أطهر بقاع الأرض وأعلاها مكانة. لكن سبحان الله، البقع قد تكون طاهرة لكن جار السوء لا يمكن مجاورته حتى في البقع الطاهرة، أليس كذلك؟ ممكن أنت تكون تعيش في مكة ولكن الجوار ليس جواراً جيداً فتضطر أن تغادر إلى بقعة أقل أفضلية لكن الجيران فيها جيران خير. وهذا يدل على أن المثل يقول: الجار قبل الدار، أو الجار قبل الأرض. أنا لو كنت في مكة، أقدس بقاع العالم، ولكن كل من حولي جيران سوء لن أستفيد، ولو ذهبت إلى بقعة بعيدة عن مكة في أقصى الأرض لكنهم جيران يذكرونني بالله فإنني سأستفيد. ولذلك أبو الدرداء كتب رسالة إلى سلمان الفارسي ينصحه فيها بالمقام في الشام فإنها أوصى بها النبي صلى الله عليه وسلم، وسلمان كان مقيماً في العراق في آخر حياته، فأبو الدرداء قام في الشام فبعد رسالته إلى...

«إن آتي إلى الشام فإنها خيرة الله من أرضه، يصب إليها الخير من عباده». كتب سلمان رسالة مختصرها أن الأراضي لا تقدس أصحابها، وإنما مقام الإنسان الأفضل في المكان الذي يكون فيه أقرب إلى الله. قد تكون أنت في مكان كبقعة مفضلة ولكن علاقتك فيها مع الله جيدة، هذه أفضل من أن تقيم في بقعة فاضلة ولكن طبيعة الناس الذين يجاورونك لا ترفع إيمانياتك معهم ولا يزجرونك إلى طاعة الله سبحانه وتعالى، فلا فائدة من المقام في تلك البقعة.

هذا ما نتعلمه من درس هجرة النبي ﷺ من أقدس بقعة إلى بقعة أخرى فاضلة لكنها ليست مثلها في القداسة، لماذا؟ بحثًا عن الجوار وبحثًا عن رفقة الخير، وذا ما حصل فعلاً. فقد روى ابن سعد في طبقات النساء، من حديث أم سلمة: «كان الأنصار يكثرون ألطاف رسول الله ﷺ، سعد بن عبادة، سعد بن معاذ، عمارة بن حزم، أبو أيوب الأنصاري»، وذلك لقرب جوارهم من رسول الله ﷺ.

ما معنى كانوا يكثرون الألطاف؟ كانوا يكثرون الإهداء ومساعدة النبي ﷺ. هؤلاء الذين ذكرنا أسماءهم كانوا هم جيرانه، يسكنون حوله في المدينة؛ سعد بن عبادة، وسعد بن معاذ، وعمارة بن حزم، وأبو أيوب الأنصاري، وعمومًا بنو النجار. وعمومًا بنو النجار كانوا هم الذين يسكنون حوله، لماذا بنو النجار هم الذين كانوا يسكنون حوله في المدينة؟

أحسنت، لأن الأرض التي بني عليها المسجد كانت لمن بني النجار، لغلامين من بني النجار، وهذه القبيلة كلها كانت تسكن حول المسجد النبوي. ولذلك، كما ذكر لكم هنا، كانت الجواري الصغيرات من بني النجار يفتخرن أن النبي ﷺ جارهن، فمر بهن النبي ﷺ مرة في المدينة فوجدهن يغنين: «نحن جوار من بني النجار، يا حبذا محمد من جاري». يعني بنات مبسوطات أن النبي ﷺ جارهن، أي شيء أعظم من هذا الجوار؟ جوار الحبيب المصطفى ﷺ.

وعائشة كانت تسكن أكيد في تلك المنطقة، فكانت تثني على جوار الأنصار فتقول: «كان لرسول الله ﷺ جيران من الأنصار، جيران صدق». يعني أناس قد حالهم كما يقولون، جيران صدق، كانت لهم منائح. والمنائح هي العنز والشياه والإبل، النوق التي تمنحها لأخيه يستفيد من لبنها وأحيانًا يركبها ثم يردها إليك، كأنها نوع من العارية. فتقول عائشة: «كان للأنصار منائح، لهم عنز وشياه وإبل، وكانوا يمنحون النبي ﷺ من ألبانها فيسقين»، يعني يسقين زوجاته من خلال هذه المنائح التي يهديها رجالات الأنصار له في جواره.

الآن هذا بشكل عام، جزء عام من تغطية حياة النبي ﷺ مع الجيران. كيف تكلم النبي ﷺ عن هذه العلاقة وأشعركم بقيمتها وقدسيتها؟ يقول ﷺ فيما ترويه عائشة: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه». يعني جبريل كان كثيرًا ما يأتي يوصي النبي ﷺ: يا محمد تفقد جيرانك، يا محمد ﷺ أخبر أصحابك يتفقدوا جيرانهم. تخيل جبريل ينزل من السماء ليؤكد على هذه الجزئية، جبريل لا ينزل لقضية هامشية، لا ينزل لأمر عادي، لا بد أن نزوله لقضية مهمة.

كانت إحدى هذه القضايا المهمة التي ألح فيها جبريل على النبي ﷺ قضية: يا محمد ﷺ تفقدوا جيرانكم، حتى ظن النبي ﷺ أنه في يوم من الأيام ممكن يجي جبريل يقول لي إن الجار سيرث منك. يتوقع النبي ﷺ لعل جبريل في يوم من الأيام لكثرة ما ألح على هذا الموضوع لعله ينزل يقول لي الجار أحد الورثة، هذا يدل على أن الإلحاح كان كبيرًا في هذه القضية.

النبي ﷺ يبين أن أذى المسلمين عمومًا ممنوع، لكن أذية الجار بالتحديد تزداد سوءًا وقبحًا. الآن أنت ممكن تذي أي مسلم لك في الجامعة، في بيئة العمل، في أي مكان، هذا كله لا يجوز، والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، لكن هناك شخص أذيته الإثم فيها أعلى وأكثر، من هو الجار؟ يقول ﷺ في أحاديث متكررة: «والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن»، قيل: ومن يا رسول الله؟ قال: «من لا يأمن جاره بوائقه».

ما معنى بوائقه؟ يعني مصائبه. كل يوم يصحى الصبح سيارته مكسورة، كل يوم يصحى الصبح أولاده داخلين على داره وعلى مزرعته، كل يوم يصحى الصبح في مشكلة، هذا ليس من أهل الإيمان الحق. وهنا نفي الإيمان لا يدل على الكفر، لكن يدل على عدم اكتمال الإيمان الواجب. لا يؤمن من دائمًا يستيقظ صباحًا فيجد أنه قد أذى جاره أو أتلف له شيئًا أو ما شابه، ذلك. إذاً هذا حديث عظيم، وأقسم ثلاث مرات ﷺ فيه على أنه لم يكمل الإيمان الواجب: من لا يأمن جاره دواهيه وشروره.

أيضًا مثلاً، كيف أن زوجة الجار وبنات الجار حرمتهم أعظم من أي زوجة وأي بنت. يعني أنت لا يجوز أن تفعل الحرام ولا أن تعمل مع أي امرأة من نساء المسلمين، لكن إذا فعلت الحرام مع امرأة الجار فهذه الزنا وهذه الخيانة أعظم عند الله من أي زنا ومن أي خيانة. لاحظوا في صفحة 171 في نهايتها، حديث عن المقداد بن الأسود أن النبي ﷺ قال لأصحابه: «ما تقولون في الزنا؟» فقالوا: حرمه الله ورسوله فهو حرام إلى يوم القيامة، فقال لهم: «لأن يزني الرجل بعشر نسوة أيسر عليه من أن يزني بامرأة جارة»، أن تزني بعشر نساء أخف إثمًا عند الله من أن تزني بامرأة جارك. قال: «وما تقولون في السرقة؟» قالوا: حرمها الله ورسوله فهي حرام، قال: «لأن يسرق الرجل من عشر أبيات أيسر عليه من أن يسرق من جاره».

لماذا إخواني؟ لماذا الزنا بامرأة الجار والسرقة من بيت الجار أعظم من أي زنا ومن أي سرقة؟ من يقول ليه؟ أحسنت، إنه الجار في الإسلام وفي الأخلاق وحتى بالأدبيات تقوم على الائتمان. أنا لما أختارك جاري وأرضى بالسكن بجانبك، معناته في نوع من الأمان يجب أن يكون بيني وبينك، فإنه أنت تخون في زوجتي أو تخون في بيتي، معناتها هذه ليست فقط جريمة زنا أو سرقة، هي جريمتان: هي زنا وخيانة. يعني الزنا بنساء المسلمين حرام وكبيرة، ممتاز، لكن أنت لما تزني بامرأة جارك أنت لم تزنِ فقط، أنت خنته في شيء أمنه عليك.

لذلك الإسلام أين يستريح في الجوار؟ لما يعرف مثلا أن سكان المنطقة أو سكان العقار الذي هو فيه والله سكان منضبطون محترمون، ما في عين زائغة؛ الجار لا ينظر إلى زوجة جاره. ولذلك كان من ورع السلف -رضوان الله تعالى عليهم- أنهم يغضون بصرهم عند هبوب الريح خشية أن تنكشف الستار عن بيت الجار فتقع عينه على امرأة جاره؛ بمجرد أن تهب الريح يغض طرفه خشية أن ينكشف الستار عن بيت جاره فتقع عينه على حرمة جاره.

فلذلك عليك أن تنتبه، قضية النظر إلى بيت الجار عظيمة عند الله سبحانه وتعالى ما دام استأمنك على الجوار، فأياك ثم أياك أن تلتقط أنظارك داخل بيته، أو أن تنتظر فتح باب بيته حتى تنظر إلى زوجته أو بناته. وإذا فتح الباب بالخطأ عليك أن تسارع في غض بصرك وطرفك، وأياك أن تطلق البصر. واعلم أنها ديون، واعلم أنها ديون من أطلق بصره إلى نساء الجار، فيطلق الناس أبصارهم إلى حرماته، وهي دقة بدقة كما يقول، فاتق الله في حرمات المسلمين حتى يحفظ الله لك عورتك وحرمتك.

قبل أن أدخل في هذا، أعود لموضوع الأذى، قصة جميلة والنبي ﷺ كيف أعطى الحل فيها، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: جاء رجل إلى النبي ﷺ يشكو جاره. رجل جاء إلى النبي ﷺ يقول: «يا رسول الله، جاري يؤذيني». فالنبي ﷺ أمره أولا بالصبر، قال: «اذهب فاصبر». فالرجل ذهب فصبر، فعاد مرة ثانية، ثم عاد مرة ثالثة والنبي ﷺ يأمره بالصبر.

في المرة الثالثة، النبي ﷺ أعطاه حلاً، قال له: «اذهب فاطرح متاعك في الطريق». خلص، ما دام هذا الرجل يؤذيك وأنت صبرت وهو لا يصلح من شأنه، اذهب إلى بيتك، أخرج أثاثك وأمتعتك من البيت وضعها في نصف الشارع. لماذا هذا الحل؟ خلونا نشوف.

قال: فأخذ متاعه من بيته، أخذ غرفة النوم وأخذ كذا وطرحها في منتصف الطريق. شوف دهاء النبي ﷺ ما ذكر، قال: فجعل الناس يمرون بالرجل ويسألونه: يا فلان، لماذا غرفة النوم في الطريق؟ لماذا أثاث المنزل في طريق الناس؟ فجعل يقول: والله جاري يؤذيني واضطريت أني أخرج، وضعت أمتعتي في الطريق حتى جاري يكف عن أذاي، إحراج أمام الناس. فجعل الناس يلعنون جاره، والله إنه مؤذٍ.

فالجار المؤذي بلغه أن أهل المدينة بدأوا يلعنونه، أنه كل ما واحد يمر على الرجل وأمتعته في الطريق يسأله: لماذا أمتعتك في الطريق؟ فيقول: والله جاري يؤذيني، طلعت من البيت. قال: الله يلعنه، الله يأخذه. فجاء إليه جاره المؤذي فقال له: ارجع، فإنك لن ترى مني شيئاً تكرهه، بس ارجع البيت لأنك فضحتني أمام الناس، ارجع فلن ترى مني شيئاً تكرهه.

وفي رواية، جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: «يا رسول الله، ما لقيت من الناس»، الجار المؤذي. رواية جاء إلى النبي ﷺ قال: «يا رسول الله، ما أشد ما رأيت من الناس»، تبتلع عني، فقال: «وما لقيت منهم؟» النبي ﷺ يسأله ما الذي حدث وهو عليه الصلاة والسلام يعلم ذلك، فقال: «يلعنونني»، قال: «قد لعنك الله قبل الناس». يعني أنت فحسب حزين أن الناس تلعنك، ترى الله لعنك قبل أن يلعنك الناس لأنك تؤذي جارك.

شوف قضية لعن الله على الجار المؤذي هذه قضية خطيرة، كثير من الناس اليوم يتساهلون في هذه الأمور ويعتقدون أنها أمور هامشية؛ يؤذي جاره في موقف، يؤذي جاره في حرمته، يؤذي جاره بأصوات الحفلات التي تجلس أحياناً للثانية عشر ليلاً، يؤذي جاره بالمشاريع، ما بحلاله، يبلط البيت ولا يبدأ بالدريل إلا الساعة عشرة بالليل لما ينام الجيران، هذه كلها عند الله عظيمة. أيها الإخوة يجب أن ننتبه أن حرمة الجار ليست كأي حرمة.

فعاد الرجل، قال للنبي ﷺ: «فإني لا أعود يا رسول الله»، خلص لا أؤذيه. فجاء الذي شكاه إلى النبي ﷺ، فالنبي قال له: «ارفع متاعك، فقد كفيت»، خلص حلينا لك القضية والإشكال.

كذلك كل هذا يدل على حرمة الجار، النبي ﷺ أخبر أن هناك امرأة -كما جاء في حديث أبي هريرة- امرأة تكثر الصلاة وقيام الليل والصيام، عابدة ما شاء الله، قالوا: لكن فيها عيب يا رسول الله، ما هو؟ قال: «تؤذي جيرانها»، لسانها صليط وتصرفاتها مع الجيران غير لائقة، قال: «هي في النار». قائمة لليل صائمة في النهار، وفي المقابل امرأة يذكر من قلة صيامها وصدقتها، يعني ما عندها أعمال خير كثيرة، لكنها تحسن إلى جيرانها، هي في الجنة. هذا كله يعطيك بعد قيمة هذه العلاقة ومنزلتها في الشريعة.

النبي ﷺ يعد من سعادة الإنسان في هذه الحياة الدنيا أن يوفقك الله إلى جار صدوق لطيف خلوق. جاء في حديث نافع بن عبد الحارث رضي الله عنه قال: قال ﷺ: «من سعادة المرء: الجار الصالح، والمركب الهنيء، والمسكن الواسع». من سعادة الدنيا أن يوفقك الله إلى هذه الثلاثة أشياء: جار صالح تطمئن له، ومركب هنيء يعني سيارة جيدة أنت مسرور معها، والمسكن الواسع، وبالتالي المسكن الواسع فعلاً هو سعادة يشرح الصدر بخلاف المنزل الضيق.

لكن في النهاية إذا لم توفق إلى هؤلاء في الدنيا لا تحزن كثيراً، فهي دنيا. سبحان الله، الله عز وجل وضع أسباباً للسعادة، حاول أن تطلبها وإذا وجدتها فهذا لا يعيبك: الجار الصالح، سيارة جيدة، بيت واسع، تطلبها، لكن إذا لم تتوفر فالدنيا تبقى دنيا ولا يحزن الإنسان على فواتها.

كذلك يبين النبي ﷺ أن خير الجيران هم خيرهم لجاره، يقول ﷺ: «خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه، وخير الجيران عند الله خيرهم لجاره». وأي الجيران أعظم حقاً؟ لو سألتك سؤال: أي الجيران أعظم حقاً؟ قال: أقربهم منك باباً. فعن عائشة رضي الله عنها قالت: يا رسول الله، إن لي جارين، فأيهما أولى؟ يعني من هو أولى الجيران بالمراعاة؟ لأنه أيضاً الآن سنأتي من هو الجار وما ضابط الجار، فقال عليه الصلاة والسلام: «إلى أقربهما منك باباً». وهذا يدل على أن الجار كلما كان أقرب منك كلما ازداد حقّه.

اختلف الفقهاء في مسألة ما ضابط الجار، فمثلاً السادة الشافعية والحنابلة كثير منهم ذهبوا إلى أن حد...

الجوار يشمل 40 بيتا من الجهات الأربع؛ يعني 40 بيتا من جهة الشمال، 40 بيتا من جهة الجنوب، 40 بيتا من جهة الشرق، و40 بيتا من جهة الغرب. هؤلاء كلهم يعتبروا ضمن مساحة جيرانك، فعدوها أربعين بيتا، معناتها أمورنا طيبة.

أما المالكية ماذا قالوا؟ قالوا الجار هو الملاصق من أي جهة من الجهات؛ أي واحد مسكنه يلاصقك من أي جهة من الجهات الأربع، أو المقابل لك على شارع ضيق، قال أو المقابل له بينهما شارع ضيق لا يفصلهما فاصل كبير كسوق أو نهر متسع. ماذا يريد؟ يقول المالكية إن الجار هو الذي جدارُه ملاصق بجدارك، أو يسكن على جهة الشارع المقابلة لك، بس بشرط أنه يكون شارعاً ضيقاً. أما إذا كان شارعاً واسعاً وبينك وبينه نهر أو سوق، فهذا خلص ما عاد من الجيران بالمفهوم الشرعي والعرفي للجار.

قال أو يجمعهما مسجد، يعني أي شخص أنت وإياه تصلي في نفس المسجد معناتها أنت وإياه جيران. لكن هذا الضابط شوي صعب اليوم؛ لأن قضية جمعهم أحياناً ممكن تصلي أنت في مسجد بعيد، يعني قد تكون المنطقة كلها ما فيها مسجد، وأقرب مسجد 5 كيلومترات والناس تأتي إليه، ففي اعتقادي ضابط المسجد ليس ضابطاً محرراً، والله أعلم.

أبو حنيفة أضيق الناس في تحديد الجار، فقال رحمه الله عليه: «الجار هو الملاصق فقط»، لأن الجار من المجاورة، قال له خلص الجار هو الملاصق لك من أي جهة من الجهات، ما في داعي تعد 40 من كل الجهة، فقط الذي بابك ببابه من أي جهة من الجهات. إذاً هناك خلاف بين الفقهاء في تحديد من هو الجار؛ أبو حنيفة أضيقهم، والحنابلة والشافعية أوسعهم في تحديد مفهوم الجار وضبطه.

شوف هنا مثلاً، قال ابن حجر: اختلف في حد الجوار، فجاء عن علي: «من سمع النداء فهو وجاره». الآن في مسجد في المنطقة، هذا المسجد إلى أين يصل صوت أذانه؟ كل من يسمع صوت أذان هذا المسجد فهو جار لك. طبعاً قديماً؛ لأنه كان الصوت بالفم، أما اليوم ما تزبط، ما شاء الله اليوم المسجد وصل لآخر عمان، لكن قديماً ما كان يعتمد على السماعات، كان يعتمد على صوت المؤذن، بالتالي بتكون منطقية شوي، يعني يمكن حصرها مثلاً هنا: قيل من صلى معك صلاة الصبح في المسجد فهو جار. بعض الفقهاء ماذا قال؟ من صلى معك صلاة الصبح في المسجد فهو جار، هذا عند بعضهم.

والأقرب كما قال ابن قدامة من أصحابنا: الأقرب أن حد الجوار هو حد عرفي، يعني طبيعة بناء المدن والقرى تختلف من جيل إلى جيل ومن حقبة إلى حقبة. صحيح اليوم ما شاء الله في ناطحات سحاب، يعني أنت تكون العمارة نفسها بجوز فيها 40 بيتاً بدون ما أعد شمال وجنوب وشرق وغرب. بالتالي كما قال ابن قدامة: والأقرب أن ضابط الجار هو العرف؛ ما أعده الناس في عرفهم جوار فهو جوار، وما لم يعدوه في عرفهم فليس جاراً. بناءً كما قلنا على أن بناء المدن والقرى يختلف بمرور الأزمنة.

النبي ﷺ أيضاً من الآداب التي يوصي بها للجار الإهداء، وخاصة بين النساء؛ لأن النساء يعرف الرجل يروح على العمل وتبلش النساء يفتحوا الشباك والأبواب وكل جارة تحكي مع جارتها، فعلاقة الجارات قوية. النبي ﷺ يحث الجارات على الإهداء وعلى قبول الهدايا ولو كانت حقيرة في أعينهن، فيقول: «يا نساء المسلمات لا تحقرن جارة لجارتها ولو فِرْسَ شاة». والفرسن هي مثل الكوارع، تعرفوا تبعت رجل الشاة، الكراعين، كنا نسميها البعض رجل الشاة، بالنسبة لك شو عليها لحم؟ الحافر من تحت ليس حافراً، ومع ذلك النبي ﷺ يقول: «إذا جارتك أهدت لك ولو فِرْسَ شاة فأقبليها ولا تزدريها»؛ لأنه العبرة كما يقولون أحياناً بالمضمون وليس بحجم الهدية.

كذلك النبي ﷺ يقول: «إذا طبختِ مرقة فأكثري ماءها وتعاهدي جيرانك». نحن مشكلتنا اليوم إخواني في علاقاتنا الاجتماعية أصبحنا ركيكين جداً، قد يكون الجار مقابل الجار سنوات وما دق عليه الباب، صحيح ما أنت أصلاً ما تعرف مين جارك ومن الذي يسكن في الباب الذي يقابل باب بيتك. طبيعة السوشال ميديا والحياة التي أصبحت كلها في العالم الافتراضي أضعفت كثيراً من العلاقات على أرض الواقع وأفقدتك الاهتمام فيها.

قديماً الناس، يعني عفواً، يرجع من شغله الساعة 4:00 الزمان القديم قبل عالم السوشال ميديا، ما في عنده تلفون، إيش بده يسوي؟ يروح يشوف مين في المنطقة، يروح يتفقد الجيران، يعني بده حدا يسولف معه. فتجد أن عدم وجود السوشال ميديا كان يقوي العلاقات بين الناس؛ لأن الرجل بعد العودة من سوق العمل ما عنده شيء إلا أنه يروح على المسجد ويجلس مع الجيران يشرب له كاسة قهوة أو شاي ويتكلموا في أمور ويعودون، فتجد أن العلاقة فيها اهتمام وفيها احتفاء. اليوم لأن كل واحد معه علاقاته الاجتماعية في جيبه، يخرج علاقاته الاجتماعية بالجوال وعلى الفيسبوك وعلى التويتر، فاستغنينا عن الجوار للأسف، وهذا خلاف سنة النبي ﷺ وتقصير. لذلك تجد أننا متفككون كمجتمع، وأنه في نوع من عدم الاهتمام وعدم المراعاة، ممكن جارك يكون يفتقر إلى الطعام والشراب وأنت لست مهتماً ولا محتفياً ولا تعرف شيئاً من مصائبه وأحواله.

نسأل الله أن يغفر لنا. كذلك النبي ﷺ كان يلبي دعوة الجار، إذا الجار دعاه إلى وليمة يلبي. وقد مرت معنا قصة الجار الفارسي الذي دعا النبي ﷺ إلى وليمة، فأشار إلى عائشة: «اصطحبي معي»، قالت: لا. ثم دعاه مرة ثانية فقال: «هذه»، قالت: لا. ثم دعاه مرة ثالثة قال: «نعم»، فخرج النبي ﷺ وعائشة يتراكضان يتدافعان، وهذا يدل على أن الجوع بلغ فيهم مبلغاً شديداً، بأبي وأمي صلوات ربي وسلامه عليه.

أيضاً جعل النبي ﷺ شهادة الجار هي أعظم شهادة عند الله سبحانه وتعالى، سواء بحسنك أو بقبحك. النبي ﷺ مرت به جنازة فقال: «وجبت»، مرت به جنازة أخرى فقال: «وجبت». فسألوا: يا رسول الله، مرت الجنازة الأولى فقلت وجبت؟ قال: «وجبت لها الجنة»، ومرت الجنازة الثانية فقلت وجبت؟ قال: «وجبت لها النار». فقالوا: نعم مرت الجنازة الأولى فشهدتم لها بالخير ووجبت لها الجنة، ومرت الجنازة الثانية فشهدتم لها بالشر ووجبت لها النار؛ أنتم شهداء الله في الأرض. ولذلك كان كثيراً من العلماء يقولون: من زكاه عامة أهل الخير والصلاح عند موته وشهدوا له بالخير فهو من أهل الجنة بإذن الله، ومن شهد له عامة أهل...

الخير والصلاح على سوءه، فهذا إشارة على أنه من أهل النار والعياذ بالله. بناء على هذا الحديث، من أعظم من سيشهد لك بالخير والصلاح أو بالشر والسوء جارك؛ الذي هو طول الوقت يراك حين تلج وحين تخرج، أليس كذلك؟ جارك هو أعظم من سيشهد لك بالخير أو بالشر، ولذلك جاء الحديث عن ابن عبد الله بن مسعود.

قال رجل للنبي ﷺ: «كيف لي أن أعلم إذا أحسنت أو أسأت؟»، أي كيف أعرف هل أنا إنسان محسن عند الله أو مسيء؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «إذا سمعت جيرانك يقولون إن قد أحسنت فقد أحسنت، وإذا سمعتهم يقولون قد أسأت فقد أسأت». فجعل الأمر منوطًا بالجيران كونهم أكثر الناس ملاصقة لك؛ فيرونك وأنت تخرج لصلاة الفجر، فيقولون: «والله جارنا الفلاني ما شاء الله، ما أذن الفجر إلا وخرج يصلي، يخرج ويرجع». ويرونك وأنت تغض بصرك عن محارمهم، ويرونك وأنت تتفقد بيوتهم، ويرونك في مناسباتهم وأحزانهم وأفراحهم؛ «يا فلان تقبل الله»، «يا فلان عظم الله أجرك». في الأعياد هؤلاء سيشهدون لك أنك تفقدتهم، وسألتم عنهم، وأنك كنت تصلي وتتقي الله.

وفي المقابل، إذا كنت سيئًا سيشهدون عليك ويقولون: «والله فلان ما رأيناه يصلي، فلان لم يزرنا حين مرضنا، لم يعزنا حين مات لنا حبيب، لم يتفقدنا حين أخرجنا». هي شهادة يشهد لها الجيران، فحاول أن تحسن إلى جيرانك لعلك تجد عند الله شهادة خير.

من الأمور التي أيضًا نحتاج أن نتفقدها في الجوار ونبه عليها النبي عليه الصلاة والسلام، قضية أن جارك قد يحتاج إلى المساعدة، قد يحتاج حتى أن يستعمل جدارك، قد يحتاج أن يستعير منك بعض الأمتعة أو بعض الأدوات المنزلية. احذر أن تمنعه ما دام لا يوجد عليك ضرر. يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «إذا استأذن أحدكم جاره أن يغرز خشبة في جداره فلا يمنعه».

النبي عليه الصلاة والسلام يقول لك: إذا جاء جارك يريد أن يبني طابقًا ثانيًا، فقال لك: «يا فلان ترى أنا محتاج أضع خشبًا على جدارك حتى أستطيع رفع طابق ثاني»، وهذا قديمًا لم يكن خشبًا يوضع ويرفع بعد الصبة، بل كانت خشبة تبقى ملتصقة بجدارك تعينه على رفع الطابق الثاني وستبقى ملتصقة. قال: «لا يمنعه»، عليك أن تقبل ما لم يكن هناك ضرر على جدارك.

لاحظ هنا النبي عليه الصلاة والسلام تكلم عن شيء ربما يكون ثقيلًا على النفوس، أليس كذلك؟ تخيل جارك يقول لك: «أنا بدي أضع حديدًا ثابتًا في سقفك أو في جدارك، بدي أطلع عليه»، وأنت عارف أنه هذا بعد انتهاء البناء سيبقى. تجد صعوبة في نفسك أن تقبل مثل هذا الموضوع وتبدأ تعلل له بأي تعليل، فما بالك بما هو أهون من ذلك؟ بعض الناس جاره قد يحتاج إلى معول، أو كفكير، أو صينية، أو طاولة بلاستيك يستعملها ويردها، فتجده يتعذر ويمتنع ويتأفف ويتضجر ويظهر عدم الرغبة، مع أن الله سبحانه وتعالى أخبر أن من أسوأ الناس الذين يمنعون الماعون.

ما هو الماعون؟ هو عارية الدلو والقدر؛ أن يستعير جارك منك دلوًا أو قدرًا أو أي شيء من أثاث المنزل يحتاجه في بيته حتى يرده لك. الله عز وجل سمى سورة كاملة بسورة الماعون، والماعون هو ما يعيره الجيران بعضهم لبعض من الأمور الخفيفة، فبين أن بعض الناس يصل بهم الشح والحرص على الدنيا حتى هذا الشيء التافه اليسير ليس لديهم قدرة على بذله. هذا كيف يريد أن يبذل لأمته؟ من لا يملك القدرة أن يعير جاره طنجرة أو صينية أو شيئًا خفيفًا، ماذا سيقدم للأمة؟ هذا مريض، لن يقدم لأمة الإسلام شيئًا، ولا ننتظر منه شيئًا؛ لأن من لا يستفيد منه أقرب الناس إليه، فلن تستفيد منه أمته إلا أن يشاء الله. هذه مواقف عامة من حياة النبي عليه الصلاة والسلام وإرشاداته تدل على قيمة الجوار ومنزلة هذه العلاقة في الشريعة الإسلامية.

دعونا ننتقل للعلاقة الأخرى وهي علاقة الضيوف، وكيف كان النبي ﷺ يتعامل مع هذه العلاقة، سواء كان هو المستضيف أو كان هو الضيف، في جانبين: أن يكون هو المستضيف ﷺ في منزله، والجانب الآخر أن يكون هو الضيف الذي يذهب عند الناس. كقاعدة عامة، تذكر أول موقف من مواقف البعثة؛ لما دخل النبي ﷺ إلى بيت خديجة فقال: «زملوني زملوني». أول ما رأى النبي ﷺ جبريل في غار حراء، نزل من الجبل خائفًا مرتعبًا حتى دخل إلى بيت خديجة وطلب أن تزمله وأن تغطيه لشدة ارتعابه مما رآه.

فخديجة ماذا قالت له من أوصافه الشريفة ﷺ؟ قالت: «والله لا يخزيك الله أبدًا»، لا تقلق لا تخاف أنت على خير. لماذا عرفت خديجة أن الله لا يخزيه أبدًا؟ بماذا وصفت خديجة النبي ﷺ في هذا الموقف؟ قالت: «إنك لتصل الرحم». هذه أول صفة في أخلاقه الاجتماعية؛ كانت ناجحة في أعلى المعايير قبل بعثته. قالت: «وتكسب المعدوم»، أي الإنسان الفقير المعدوم تمامًا أنت تعطيه وتمنحه. قالت: «وتقري الضيف»، وهذه النقطة التي أريدها، ما معنى تقري الضيف؟ القرى هو الطعام الذي يبذل للضيف الذي يحل بك، فأنت إنسان مضياف كريم في عطائك للضيوف. قالت: «وتعين على نوائب الحق»، يعني أي حق لمظلوم، وأي مصيبة حلت بشخص أنت تساعده وترفع عنه. من كانت هذه صفاته لا يمكن أن يتخلى الله عنه سبحانه وتعالى.

واحفظوها إخواني: من كان محسنًا إلى الناس لا ينساه الله، وكما تدين تدان. المحسن إلى الناس من ينفس عنهم الكرب؛ «من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة»، «ومن يسر على معسر يسر الله عليه يوم القيامة»، «ومن ستر مسلمًا في الدنيا ستره الله يوم القيامة». بالتالي عليك أن تعرف أن الأخلاق الاجتماعية منزلتها عند الله عظيمة، بل هي أعلى من التكثر من العبادات الشخصية.

هي أعلى من التكثر من العبادات الشخصية كما قال أبو هريرة: «لأن أمشي في حاجة أخي أحب إلي من أن أقيم ليلة القدر عند الحجر الأسود». إن الصحابة والسلف عرفوا أن الإسلام يريد منك أن تكون معطاءً للبشرية، معطاءً لإخوانك.

معطاء لمجتمعك، وليس إنساناً فقط يهمه أمره ومصلحته وحياته. هذه الرأسمالية الجشعة اليوم، أي هي الرأسمالية الأمريكية والليبرالية الأمريكية؛ ما هي؟ إنها أن يربح الفرد ويكسب ولو فني كل مجتمعه، المهم شهوتي ومالي وبطني وفرجي ولو احترق المجتمع.

لا، الإسلام يحترم حقوقك، والإسلام لا يدعو للاشتراكية بالمفهوم الفج، لكنه يدعو أيضاً إلى الاهتمام بعلاقتك بالناس، وأن يكون لكل إنسان حظه ونظره. وحتى سيأتي معنا كيف جعل الإسلام هذه الأمور، هذه العلاقات الاجتماعية، من علامات الإيمان. قال النبي ﷺ: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه»، وقال: «ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره». النبي عليه الصلاة والسلام لم يجعل الموضوع فقط موضوع رفاهية العلاقات الاجتماعية، بل جعلها مرتبطة بالعقائد.

هذه القضية قضية محورية، إن النبي عليه الصلاة والسلام كان موصوفاً بأنه مضياف منذ أيام البعثة أو قبل البعثة، وهذه الأخلاق التي ظهرت عليه هي التي حببت الناس فيه، ولذلك رغبت خديجة بالارتباط به، وكان أهل مكة جميعاً يثقون بأخلاقه صلوات ربي وسلامه عليه. وهكذا ينبغي أن يكون الداعي المؤثر، الداعي الذي يريد أن يتنصب للناس؛ عليه أن يتحمل، أن يشاركهم بأفراحهم وأحزانهم وضيافتهم. بدك تبذل، وإلا الدعوة ليست شعاراً يرفع بدون عمل.

دعونا نأتي، كما قلنا، إلى أن إكرام الضيف هو علامة من علامات الإيمان، ويكفي بها شرفاً أنها علامة من علامات الإيمان: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه» كما قال ﷺ. بل جعل الإسلام ضيافة الضيف في المناطق المقطوعة واجبة يوماً وليلة، يقول ﷺ: «ليلة الضيف حق على كل مسلم». فذهب كثير من الفقهاء إلى أن في المناطق المنقطعة في الأرياف والبوادي، إذا نزل ضيف بك أن تضيفه يوماً وليلة، هذا واجب وليس مستحباً، هذا واجب. قال: فإن لم يعطه حقه فله أن يأخذه، يعني يأخذه جبراً عنك أو يستعدي الناس عليك حتى يأخذ حقه؛ لأن هذا حق من الله من فوق سبع سماوات، حق الضيف يوماً وليلة.

لكن قال العلماء: هذا أين؟ في المناطق المنقطعة، أما المدن والأمصار التي فيها فنادق وأماكن يمكن أن يأوي إليها المسافرون، وهنا تكون الضيافة في حيز المستحب. لذلك قال: «ليلة الضيف حق على كل مسلم، فمن أصبح بفنائه فهو عليه دين». يعني إذا جاء الصباح وأنت لم تعطِ الضيف حقه من الضيافة، هذا الضيف المقطوع إذا جاء الصباح وبقي على باب بيتك على فناء المنزل ولم تدخله إلى بيتك ولم تؤوه، يبقى حقه إن شاء استعدى عنك ويلجأ إلى السلطان أو إلى أهل القرية ليأخذوا حقه، أو أنه يسامحك وجزاه الله كل خير. لكن أنت تخيل أن الضيافة في بعض جوانبها فرض، مش فقط قضية مستحبة، يعني أنت آثم وهناك حق سيأخذه هذا الرجل منك في الدنيا قبل الآخرة.

وفي أوقات الشدة، في أوقات المخمصة، تصبح الضيافة ألزم وألزم، ويصبح عليك الالتفات للفقراء والمساكين والمستضعفين أكثر وأكثر. وهنا قصة جميلة يرويها المقداد بن عمرو رضي الله تعالى عنه، كيف أن النبي ﷺ استضافهم في ليلة أو في مجموعة ليالي لما رآهم جوعى. يقول المقداد بن الأسود -الذي هو المقداد بن عمرو-: «جئت أنا وصاحب لي قد كادت تذهب أسماعنا وأبصارنا من الجوع»، يعني كنا نصاب بالطرش وبالعمى من شدة الجوع، أنت متخيل الجوع الذي يجعل الشخص يكاد يصاب بالعمى والطرش!

فجعلنا نتعرض للناس في المدينة، أصبحوا يلفون على بيوت أهل المدينة من يستضيفهم، قال: «فلم يضفنا أحد»، قال: «فأتينا النبي ﷺ فقلنا: يا رسول الله بنا جوع شديد، فتعرضنا للناس فلم يضفنا أحد، فأتيناك»، والنبي ﷺ بيته مفتوح للجميع. قال: «فذهب بنا إلى منزله فإذا ثلاثة أعنز كان على باب منزله عليه الصلاة والسلام، فقال عليه الصلاة والسلام: احتلبوا هذا اللبن بيننا كل ليلة»، هي الثلاث عنزات ويوزع اللبن بيني وبينكم الاثنين.

قال المقداد: «فكنا نحتلب، فيشرب كل إنسان منا نصيبه»، المقداد يشرب نصيبه من اللبن وصاحبه يشرب نصيبه، ويتركون قدحاً للنبي ﷺ ليشربه. قال: «فيجيء من الليل ﷺ، يسلم تسليماً لا يقظ من نائمنا»، كان معطيهم مثل حُجرة بجانبه ينامون فيها، يدخل بالليل يسلم تسليماً منخفضاً حتى لا يقظ النائم ويسمعه اليقظان، فيشرب اللبن، ثم يأتي المسجد فيصلي.

قال المقداد: «فأتاني الشيطان ذات ليلة، وأجاه خاطر شيطاني وقد شربت نصيبي كاملاً، فقال: محمد ﷺ يأتي الأنصار فيتحفونه (يطعمونه) ويشربونه، أما أنا شاب مقطوع هنا ويصيب عندهم ما به حاجة إلى هذه الجرعة»، يعني هذا القسم الثالث الذي أتركه له أكيد لن يحتاجه عليه الصلاة والسلام. قال: «فأتيتها فشربتها»، لما جاءوا الشيطان أقنع الشيطان أن يشرب هذه الجرعة الثالثة، يعني يشرب حصة النبي ﷺ.

قال: «فلما وغلت في بطني، لما صارت الجرعة الثالثة في بطني وعلمت أنه ليس إليها سبيل، أني مش رح أقدر الآن أطلعها، بدأ يستخطئ نفسه»، المقداد على فعلته. قال: «ندمني الشيطان»، وهذا الشيطان ترى يخليك تقع في المصيبة، بعدين يخليك تندم عليها ويقول لك: شايف؟ أنت شفت فيك خير! طيب من الذي وسوسني؟ ما هو أنت الذي وسوست الأول، هسة جاي تقول لي أنت شفت فيك خير! وهكذا الشيطان يشتغل على كل الجبهات. فقال: «ويحك ما صنعت! شربت شراب محمد ﷺ، فإنه إذا جاء فلا يجده، فعندئذ يدعو عليك محمد ﷺ فتهلك، فتذهب دنياك وآخرتك»، من أجل شربة لبن! هكذا الشيطان قال للمقداد.

في ذهنه، شعر المقداد بالخطأ الكبير، وكان يريد أن ينام عليه، قال: «إذا وضعتها على قدمي خرج رأسي، وإذا وضعته على رأسي خرج قدماي»، وجعل لا يأتيه النوم. تقلب المقداد في تلك الليلة ينتظر رجوع النبي ﷺ لينظر ماذا سيفعل بأبيه وأمه صلوات ربي وسلامه عليه. قال: «فجاء النبي ﷺ فسلم كما كان يسلم بصوت منخفض، ثم أتى المسجد فصلى».

قال ثم أتى شرابه، أتى القدح حتى يشرب ﷺ فكشف عنه فلم يجد فيه شيئًا، القدح فاضٍ، ورفع رأسه إلى السماء بده يدعو. طبعًا المقداد أطلق قاعدًا من تحت اللحاف قال: «رحنا فيها». فرفع رأسه إلى السماء فقال المقداد: «قلت الآن يدعو علي فأهلك، خلاص انتهينا».

وقال: «اللهم أطعم من أطعمني واسقِ من سقاني». النبي ﷺ رح يدعو على المقداد من أجل شربه لبنًا، إذ هو كفار قريش كان يتراف بهم. المهم فدعا بهذه الدعوة الجميلة. المقداد سمع هذه الدعوة، قال: فعمدت إلى الشاة فشللتها علي مباشرة. تحمس المقداد، أراد أن هذه الدعوة -بعد أن كان خائفًا منها- أراد أن تصيبه بركة هذه الدعوة.

قال: «اللهم أطعم من أطعمني واسقِ من سقاني». شد حيل المقداد، قام فودع الشاة وأخذ السكينة، قال: فانطلقت إلى الأنعام أيهم أسمن فأذبحها لرسول الله ﷺ. رايح ماسك السكين بده يذبحها، أنا مش له؛ لأن هذا الحماس في غير مكانه، وماسك السكين ورايح يذبح العنزات. طيب، مين قال لك تذبح العنزات؟ هم لك العنزات؟ العنزات للنبي ﷺ.

قال: فأتيتها، فإذا هي حافلة، أي وجدها ممتلئة ضرعها باللبن. وهذه قد تكون من معجزات النبي ﷺ، أنها مباشرة يعني العنز يضع يده على العنز أو شيء من ذلك فيبارك الله فيه، وقد يكون جاء الوقت المناسب، الله أعلم. قال: وإذا هن حفل كلهن، قال: كل العنزات الثلاث ممتلئة ضرعهن باللبن.

قال: فعمدت إلى إناء لأهل محمد ﷺ، ما كانوا يطمعون أن يحتلبوا فيه، يعني إناء في العادة لا يحلب فيه. قال: فحلبت فيه حتى علت رغوة، حلبت فيه وحلبت فيه حتى ملأت هذا الإناء من اللبن، فجئت إلى النبي ﷺ. فقال عليه الصلاة والسلام -والنبي ﷺ بده يمزح لأنه عارف المقداد هو اللي فعلها-: «أشربتم شرابكم الليلة يا مقداد؟ شربت أنت الليلة يا مقداد اللبن؟». قلت: يا رسول الله اشرب، اشرب. نعم، فشرب ثم ناولني. قلت: يا رسول الله اشرب، يعني بدنا بعدين نفتح موضوع اللبن والراحة يعني نحكي فيه بعدين.

قال: فشرب ثم ناولني، فلما عرفت أن النبي ﷺ قد روي وقد أصبت دعوته: «اللهم أطعم من أطعمني واسقِ من سقاني»، قال: ضحكت حتى ألقيت على الأرض، انقلب على ظهره يضحك مبسوطًا. فقال النبي ﷺ: «أحدى سوءاتك يا... أنت عامل لك عملة عشان هيك بتضحك وقالب على ظهرك من الضحك؟». فقلت: يا رسول الله كان من أمري كذا وكذا وكذا، إن أنا فعلاً وجاني الشيطان وفكرت وشربت وأنا خفت أن تدعو علي، والحمد لله ربك ستر ودعوت لنا، فاقتبست هذه الدعوة.

فقال النبي ﷺ: «ما هذه إلا رحمة من الله، أفلا كنت أذنتني فنوقظ صاحبينا فيصيبان معنا؟». يعني طب كان أنت أيقظت أصحابك الذين كانوا معك، ما هو نائمين جنبنا، كان أيقظناهم وشربنا من هذا اللبن. يعني رحمة من الله أن هذه العنز كانت تحفل وامتلأت وملأنا الآنية وكان في زيادة، هذا كان شرب أصحابك معنا. فقلت: والذي بعثك بالحق ما أبالي إذا أصبتها. يعني دبروا حالهم، ما أبالي إذا أصبتها وأصبتها معك، من أصابها من الناس يعني هم يدبروا حالهم، صحوا ناموا راحت عليهم، المهم أنني أنا ظفرت بهذه الدعوة منك.

هذا موقف يدلك على تلطف النبي ﷺ بالضيوف عمومًا، وانظروا إلى استئمانه الضيوف؛ هذا هو البعد في الضيافة، أنه أنت عندك قدرة أن تستأمن ضيوفك على المنزل. يعني كان حجرته بجانب منزله وضعهم فيها، وهي الثلاث عنزات عندكم وكل ليلة حلبوها. هذه بدها نفسية؛ أحدنا يجد نفسه لا يريد أن يتأكد الضيف كم أكل من الوجبة، لا، النبي ﷺ ما كان يحصي على ضيوفه، فكان يتعامل معهم بالأمانة ويعطيهم أريحيتهم وليأكلوا ما شاؤوا؛ لأنه ﷺ خلص نفسه من الشح، ما عنده شح، ما عنده حرص على الدنيا والتكالب عليها كما نجد في أنفسنا من هذا الشح والبخل والخوف على متاعها.

نأتي إلى قصة أخرى، كان النبي ﷺ يجالس ضيوفه ويضحك معهم، شوفوا هذه قصة جميلة أيضًا عن ثوبان، ثوبان مولى النبي ﷺ يقول: نزل بنا ضيف. ثوبان يخدم النبي ﷺ، يقول في يوم من الأيام جاء ضيف بدوي يزور النبي ﷺ. قال: فجلس به النبي ﷺ أمام بيوته، يعني كيف هكذا المسنين تجده حاط كرسي أمام بيته، وحط للضيف كرسي، النبي ﷺ وضع كرسيًا له ولهذا الضيف أمام إحدى الحجرات.

فجعل النبي ﷺ يسأل هذا الضيف البدوي عن الناس في البادية التي يسكن فيها، وكيف فرحهم بالإسلام، وكيف حرصهم على الصلاة، فما زال هذا البدوي يخبره عن ذلك وبالذي يسره حتى رأيت وجه النبي ﷺ كالقمر؛ سر النبي ﷺ انتشار الإسلام في هذه البادية. قال: حتى إذا انتفخ النهار -يعني على النهار وحان أكل الطعام- دعاني النبي ﷺ، يعني حان وقت وجبة الغداء الساعة اثنتين الظهر، فالنبي ﷺ دعا ثوبان مولاه، فأشار إليّ مستخفيًا، لا يريد أن يشعر الضيف بالموضوع. الأصل في الضيافة أنك تتكلم مع ابنك أو كذا: "يا بابا روح جيب له" بصوت منخفض.

فجعل فأشار إليّ مستخفيًا: "ائتِ بيت عائشة"، فأخبرها أن للنبي ﷺ ضيفًا ينتظر الضيافة. فثوبان ذهب إلى بيت عائشة، فقالت عائشة: «والذي بعثك بالهدى ودين الحق، ما أصبح في بيتنا شيء يأكله أحد من الناس». ما في أي شيء في بيت عائشة تضيفه للضيف. فرجع ثوبان على النبي ﷺ فأخبره الخبر، قال: فردني إلى سائر النسوة، أصبحت ألف على حجرات النساء جميعًا، كلهن يعتذرن بما اعتذرت به عائشة.

تخيل تسع نسوة للنبي ﷺ ما في شيء يستحق أن يقدم لضيف! شوف الزهد والحالة التي كان عليها النبي ﷺ، بأبي هو وأمي، وهذا باختياره؛ جبريل خيره بين خزائن الأرض وبين أن يبقى على الكفاف، فقال: «اللهم اجعل رزق آل محمد كفافًا». هذا شيء اختاره ﷺ ليقتدي به كل الفقراء والمساكين والضعفاء إلى يوم القيامة. المهم حتى قال ثوبان، فلما لف ثوبان على البيوت فعاد إلى النبي ﷺ فأخبره الخبر، قال: فرأيت وجه النبي...

صلى الله عليه وسلم، كَسَفَ، ايش يعني كَسَفَ؟ تغير النبي ﷺ عنده ضيف، وهذا ضيف من أهل البادية، فكان وجه النبي ﷺ حزناً لعدم قدرته على أن يبذل الضيافة، وما الذي سيحصل في نفس هذا الضيف إذا لم يحصل عليها؟

لكن سبحان الله، هذا الضيف البدوي كان عاقلاً. عادة البدو كانوا يسيئون للنبي ﷺ في التعامل؛ هذا يشده من هنا، وهذا يصرخ عليه، وهذا يقول: «يا محمد، أعطني فإنك لا تعطي من مالك ولا مال أبيك»، لكن الله سبحانه وتعالى سخر هذه المرة للنبي ﷺ ضيفاً بدوياً لكنه عاقل.

هذا الضيف شعر بالموضوع، شعر أن وجه النبي ﷺ تغير، وكلما جاء ثوبان وشوشه أنه في شيء يحدث، ففهم الضيف البدوي الموضوع. فما زال البدوي يعارض رسول الله ﷺ يكلمه، حتى قال: «إن أهل البادية معان في زماننا لسنا كأهل الحضر، إنما يكفي أحدنا القبضة من التمر يشرب عليها الشرب من اللبن».

فذلك الخصم، الآن عائشة وسائر الزوجات لما قالوا لا يوجد في بيتنا شيء يطعمه أحد، قد يكون مقصدهم ما في شيء يستحق أن يقدم لضيف؛ هسه ممكن في حبتين تمر، ممكن في كاسة لبن، بس عائشة وسائر الزوجات لا يرون أن هذا مناسب لضيفها، الضيف الأصل شوية لحم، شوية رز، شوية ثريد، المهم أي شغلة نطبخها.

فهذا الأعرابي ماذا قال للنبي ﷺ؟ طرحنا يا رسول الله معشر شر الأعراب، ناس بنحب الشغلة الخفيفة، ترى شوية تمر على كاسة لبن هذا خصب. ايش يعني خصب؟ يعني هذا بالنسبة لك ما شاء الله شيء عظيم، هو عم بيقترح على النبي ﷺ حتى يعالج الموقف؛ فيا رسول الله لا تغلب حالك.

كيف أقول لك تيجيك ضيف وتشعر أنه ضيفك عم يدخل جوا، يطلع ما في شيء في إيده، يدخل ويطلع ما في شيء في إيده، هسه أنت شو بتقرأ في شخصيته؟ أنه لعلك فاجأته، أو لعل الضيف لم ينزل راتبه آخر الشهر، ما عنده شيء يضيفك إياه، أحرجت.

أحياناً كاكتدراك للموقف ايش ممكن تقول له؟ ترى يا فلان أنا كاسة مي بتكفيني والله، ممكن أنت تدبر نفسك، فأنت كضيف برضه بدك تقرأ صاحب المنزل، إذا رأيته أحرج، خاصة تكون أنت فاجأته أو جئته في وقت كارثة بالنسبة له مالياً، حاول أن تظهر له أن الأمر سهل، ويا فلان لا تشيل هم، وأن الشيء البسيط نحن بالنسبة لنا كثير منك؛ هذه من أدبيات الضيافة.

فهذا الأعرابي كان عاقلاً فقال: «يا رسول الله، إن أهل البادية معان في زماننا لسنا كأهل الحضر، أهل الحضر بجوز بدك تعمل له ذبيحة تعمل له كذا، إنما يكفي أحدنا القبضة من التمر مع شربه من اللبن». فمرت عند ذلك عنزة لنا قد احتلبت، أي عنزة من عنزات النبي ﷺ كنا نسميها "ثمرة". النبي ﷺ كان يسمي دوابه "العضباء" و"القصماء" وما شابه ذلك، هي العنزة ايش اسمها؟ كانت ثمرة.

فالنبي ﷺ نادى العنزة باسمها: "ثمرة، ثمرة"، ينادي العنزة تعال حتى نأخذ من اللبن. قال: فأقبلت إليه، فقام بأخذ رجلها ومسح ضرعها. لماذا مسح ضرعها؟ لأنه هي العنزة كانت احتلبت أصلاً، يعني هي جاي ما فيها حليب، لاحظوا الرواية: "فمرت عنز قد احتلبت"، يعني حتى اللبن اللي فيها رايح، كان الراعي أو شيء احتلبها وانتهى.

والنبي ﷺ ببركة يده الشريفة وضع يده على ضرعها وقال: «بسم الله»، فإذا به يحفل باللبن. فدعاني بمحلب لنا بوعاء، فأتيت به فحلب وقال: «بسم الله»، فملاه، ثم قال: "ادفع"، بسم الله شرب الرجال، شرب الضيف. قال: فدفعت إلى الضيف فشرب منه شربة ضخمة، ثم أراد أن يضعه، فقال له رسول الله ﷺ: «عل»، ايش يعني علة؟ اشرب مرة ثانية، العلل هي الشربة الثانية، اشرب مرة ثانية. فعاد ثم أراد أن يضعه، فقال: «عل»، كرر حتى امتلا وشرب ما شاء الله، ثم حلب فيه مرة أخرى ﷺ وقال: «بسم الله» وملاه، ثم قال: «أبلغ هذا لعائشة فلتشرب منه».

بدا لها خلص يعني فرجت، فأصبح يبعث اللبن إلى زوجاته، ثم رجعت إليه فحلب وأرسل إلى سائر نسائه. انظروا إذاً من أخلاق النبي ﷺ أنه كان يشعر بالحزن إذا لم يجد ما يعطيه للضيف. يعني بعض الشباب ممكن يكون غير مبالٍ، يجي ضيف وبينزل فيه وعنده في البيت ما شاء الله، لكنه مش مكترث، ويأتي بأدون ما في المنزل من الطعام والشراب، وهذه ليست أخلاق النبوة. أخلاق النبوة هو الحرص على أن يقدم لضيفه أفضل شيء يجده، وأفضل شيء في سقف الممكن، وأما عدم الاهتمام وعدم الاكتراث واعتبار أن الضيافة مجرد أمر ثانوي، هذا ليس من أخلاق النبي ﷺ.

طيب، كان عليه الصلاة والسلام تمر عنده ليالي وأيام، فعلاً لا يجد شيئاً، وهنا تروي لنا القصص عن أبي هريرة أن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال: «يا رسول الله، إني مجهود»، يعني جوعان، أنا محتاج حدا يطعميني. فأرسل إلى بعض نسائه ﷺ فقالت النساء: «والذي بعثك بالحق ما عندنا إلا الماء»، لا هنا واضحة، يعني حتى تمر ولبن ما في البيوت، ما عندنا إلا الماء في المنزل. ثم أرسل إلى أخرى فقلنا مثل ذلك.

فقال النبي ﷺ في المسجد: «من يضيف هذا الليلة؟»، هذا من يضيف هذا الليلة رحمه الله، يعني من يضيف هذا الرجل الليلة، وأسأل الله أن يرحمه، هذه دعوة عظيمة. فقال رجل من الأنصار: «أنا يا رسول الله»، فانطلق به إلى امرأته فقال: «أكرمي ضيف رسول الله ﷺ».

شوفوا كيف الناس نفسيتها عالية، فقالت المرأة: «ترى ما عندنا يا أبو فلان إلا قوت الصبيان»، ترى ما عندنا شيء أيضاً في المنزل إلا طعام أطفالنا. فقال: «هيئي طعامك، وأصبحي سراجك، ونومي صبيانك». إذا أرادوا العشاء، ايش يعني نوم الصبيان بدون أكل؟ وأصبح السراج، يعني اصنعي كأنك تصلحين السراج؛ أن تطفئي تماماً، تعملي حالك أنك ماذا؟ تصلحين السراج حتى يذهب الضوء في المنزل، فالضيف يأكل ويظن أن الأكل كثير، ونحن بنعمل حالنا نأكل معه حتى لا نحرج الضيف، نشعر أنه أكل طعامنا وطعام أبنائنا. قال: «فإذا دخل ضيفنا هنا فأطفئي السراج، وأريه أننا نأكل معه، فإذا أهوى ليأكل فقومي إلى السراج»، يعني اعملي حالك بتصحي حتى تطفئيه. طيب، فهيت طعامها وأصبح سراجها.

«ونومت صبيانها، أصبحت، شغلت ثم بعد ذلك ستطفئه، ثم قامت كأنها تصلح سراجها، عملت حالة بتصلح بالسراج، فماذا؟ أطفأت السراج، فجعلا يريانه أنهما يأكلان».

فهذا الضيف، هذا الرجل الأنصاري؛ طبعاً أنت بتقول: كيف يا شيخ هذه امرأة أجنبية كيف تتعامل مع هذا الضيف جالسين مع بعض على مائدة واحدة؟ إخواني، طبيعة المجتمع القديم تختلف عن طبيعة مجتمعاتنا. قديماً البيت عبارة عن حجرة صغيرة، كان يكون هناك إيوان واسع، وكان عندهم في طبيعة الحياة المدنية في زمن النبوة ما كان عندهم ربما بعض الأمور التي نحذر منها اليوم. لصدق النفوس وعفتها ولضيق المنازل كان لها عذرها؛ هم أمرؤ العفة في اللباس والمعشر كانت موجودة، وضيق المنازل كان يحرجهم إلى مثل هذا الأمر.

وكما قال فقهاؤنا: «وإنما يحدث للناس من الأقضية بقدر ما أحدثوا من الفساد». لما تكون النفوس مليئة بالشهوات والمعاصي والآثام وتحيط بها قلة الإيمان، يشدد في مثل هذه القضايا؛ قضية مثلاً أنها تدخل امرأة صاحب المنزل تضع الطعام أو ما شابه ذلك. فأنت ربما في أعرافنا صعبة، وكذلك مش سهل أن الرجل يدخل زوجته تضع الطعام مع وجود الضيف، في أكثر من حديث قرأته في حياة النبي ﷺ وتعاملات الصحابة.

حتى أكون دقيقاً، الأمر لم يكن بذاك الشدة؛ كان عندهم هذا البعد أن المرأة بكامل لباسها وحيائها ممكن تخرج تضع الطعام مع وجود الضيف. البعض سيعلل هذه القضية أن هذا كان قبل نزول آية الحجاب؛ هذا دائماً هو التعليل الذي يذهب إليه بعض المحدثين، أنه هذا كان قبل أن يفرض الحجاب وبعد أن فرض الحجاب منع ذلك. حقيقة لا يوجد شيء يقيني أن هذا كان قبل الحجاب أو بعد الحجاب.

النصوص كثيرة في هذا البعد تدل على أن طبيعة المجتمع في تلك الفترة لما فيه من الإيمان والخير وسلامة النفوس. في الجملة -ولا أعني أنه ما كان في معاصي- لكن في الجملة ما عندهم من الإيمان والخير، ما عندهم من الاحتشام، ما عندهم أن الرجل ما كان يفتح سالفة مع مثلاً هذه الزوجة: «أه شو أخبارك أم فلانة؟ كيف الأمور طيبة؟» ويبدأ يفتح معها ضحك، واليوم تجد رجلاً يجلس مع زوجة أخيه على طاولة أو إناء، يفتح سالفة بعد سالفة وضحك بعد ضحك وقصة بعد قصة، ما في مراعاة للحشمة والأخلاقيات، وهذه في النهاية امرأة أجنبية لا يحل لك أن تبدأ معها، والله يقول: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾ [الأحزاب: 32].

قديماً البيوت صغيرة والرجل كل بيته عبارة عن حجرة ومكان، مثل مطبخ صغير، ما في مكان أصلاً كحالنا اليوم ثلاث غرف نوم. ما عندهم هذه القضايا؛ فالرجل كان إذا جاءه ضيوف تكون امرأته في آخر المنزل، تكون حاضرة في الحجرة لأنها عبارة عن حجرة واحدة، لكن تكون بكامل حيائها ولباسها، وإذا احتاج الزوج: «يا فلانة جيبي لنا كذا»، ممكن تجيب وتضع وما شابه ذلك ضمن هذا البعد.

فأنت عندك أكثر من قضية في هذا المقام يجب أن تفهمها حتى لا يصبح عندك شبهة؛ لأنه اليوم يقرأ كثير من الجماعات النسوية وبعض من يثير الشبه بيجيب لك هذه الأحاديث: «ها هي امرأة كانت تأكل مع رجل أجنبي»، ويأتي بأكثر من قصة في البخاري ومسلم وغيرها فيها هذا البعد. لا بد أن نفهم هذا الكلام بسياقه الصحيح: أولاً طبيعة الحجر والبيوت في الزمن القديم ما كانت عبارة عن غرف متعددة في العادة، ثانياً سلامة نفوس أولئك القوم وأنهم كانوا يعرفون الحدود الشرعية في مدى الخطاب وفي مدى الحوار وما مدى تدخل المرأة في الموضوع؛ يعني أنها تضع طعاماً وخلص، يعطيها العافية.

فطبعاً هنا المرأة لماذا هي لم تأكل؟ بعلمك هي لم تأكل، هي صنعت نفسها كأنها تضع طعاماً، لكن السراج منطفئ وهي فقط توهم الضيف أن هناك وفرة في الطعام. هذه الأبعاد كلها يجب أن تكون حاضرة في ذهنك حتى لا تسقط علاقتك الاجتماعية اليوم المنفتحة التي فيها ضحك ولباس يرضي الله، والمرأة تكون متلطخة بكل أدوات التجميل وجاية تحمل لي وتقول: «أي قصة؟ السراج منطفئ». السراج منطفئ وهو ما أحد شايف الثاني، تأتي تعمل علي قصة كبيرة على جواز أكل الرجل الأجنبي مع المرأة الأجنبية؛ هذا ليس عدلاً وليس إنصافاً في فهم سياق النصوص.

المهم، هذا فقد طرحته أنه يمكن يأتي في خاطر أحدكم: «فجعل... إذا أطفأت السراج فجعلا يريانه»، كما قلت إنهما يأكلان، «فباتا طاويين». ما معنى طاويين؟ جائعين؛ الرجل وزوجته جائعين. طبعاً الرجل هذا ماشي في تلك الليلة جائع، لكنه ظفر مقابلها بماذا؟ بدعوة النبي ﷺ، إن الله يرحمه. فالنبي ﷺ في الصباح ماذا قال للرجل؟ قال: «ضحك الله الليلة أو عجب الله الليلة من فعالكما». تخيل! الله من فوق سبع سماوات ضحك أو عجب لما فعله هذا الرجل مع زوجته. يعني بعد هذا ما يريد شيء، أنت تتخيل ضحك الله من صنعهما؟ تريد أعظم من هذه البركة والخير الذي حل على هذا الأنصاري وعلى امرأته ببركة هذا الصنيع وهذا الإيثار؟ أحياناً قد يكون الشيء يسير، إيثار ليلة مقابل سعادة الأبد، والله كل الليالي تؤثرها مقابل سعادة الأبد.

النبي ﷺ كان يكرم ضيوفه حتى ولو كانوا كفاراً. يعني ممكن يجيك ضيف نصراني، هل تقول والله هذا ضيف نصراني عنه ما آكل؟ لا، ما الضيف ضيف، نصراني ولا مهما كانت ديانته، ما دمت ارتضيته ضيفاً في منزلك فالإكرام من آداب الإسلام. هنا عن أبي هريرة أن النبي ﷺ ضافه ضيف وهو كافر. كافر! بعض الناس إخواني يكون بينه وبين أقاربه خصومة، بيجوا بيزوروا ما يضيفهم، أقاربهم مسلمون وما يضيفهم لخصومة، هذا كافر غير مؤمن بالله العظيم ومع ذلك النبي ﷺ يعلمنا الضيافة.

قال: فامر له النبي ﷺ بشاة فحلبت، فشرب حلابها ثم أخرى فشرب، ثم أخرى فشرب حتى شرب سبع حلبات. هذا الكافر شربوا له سبع حلبات متواصلة. ثم هذا الكافر في اليوم الثاني أصبح فأسلم، فلما أسلم أمر له النبي ﷺ بنفس الشاة ووضع له الحلاب فشرب حلابها، ثم أمر بحلبة أخرى فلم يستطع الرجل أن يستتمها، ما قدر يكملها، قال: يا رسول الله أنا اكتفيت، فقال ﷺ: «المؤمن يشرب في مِعاء واحد، والكافر يشرب في سبعة أمعاء». يعني امبارح لما كان كافراً أخلص على الشاة التي أكل فيها، اليوم ما...

قدر يشرب قدح واحد أو قدح نصف، شو اللي فرق بين امبارح واليوم؟ إنه اليوم في إسلام، اليوم في بسم الله، اليوم في بركة؛ فكان القليل من الطعام يكفيه، أما الكافر فلا بركة ولا بسم الله، وبالتالي تجد التخمة والسمنة. انظروا إلى حال الغرب، تجدون شاهداً على هذا، أكثر شيء يمشي في الغرب اليوم هو المطاعم والوجبات السريعة، وكلها هي الحياة قائمة على الأكل وآيات البهائم، والعياذ بالله، يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام.

النبي ﷺ من أخلاقه الرفيعة كان يخدم ضيوفه بيده الشريفة، حتى لو أنت رجل كبير وعندك فضل، الأصل أن تخدم ضيوفك بنفسك، وهذا محمد ﷺ هو بنفسه كان يقطع اللحم والخبز لأصحابه. ففي الحديث أن جابر بن عبد الله أتى إلى النبي ﷺ في يوم الخندق وقال: «يا رسول الله، إني قد طعمتُ»، يعني كمية صغيرة من الطعام حاب أدعوك إليها. فقال النبي ﷺ: «تعيم لي؟»، فقام النبي ﷺ ومعك بالكثير يا رسول الله اثنين أو ثلاثة، يعني ما بدنا أكثر من هيك لأن كمية الطعام بالكاد تكفي.

فقال النبي ﷺ لجابر: «كم هو؟»، يسأله عن كمية الطعام، فقال جابر: «فذكرت له شيئاً يسيراً»، فقال النبي ﷺ: «هذا كثير، قوموا كل الجيش». فقام المهاجرون والأنصار، فجابر صُدم، فلما دخل جابر على امرأته وقال لها: «جاء النبي ﷺ بالمهاجرين والأنصار، كل الجماعة على باب البيت»، فقالت -وهل تسأل المرأة العاقلة؟-: «هل سألك النبي ﷺ كمية الطعام؟»، قال: «نعم»، إذاً المرأة اطمأنت؛ لن يضيع الله.

فقال النبي ﷺ للصحابة: «ادخلوا ولا تضاغطوا»، يعني شوي شوي لأن عددكم كبير، ادخل دفعة ثم تأتي الدفعة التي بعدها وهكذا، وهنا موطن الشاهد: فجعل يكسر الخبز ويجعل عليه اللحم بيده الشريفة. النبي ﷺ كأنه اعتبر نفسه هو صاحب الدعوة باعتبار أنه هو الذي سيكثر الطعام، فجعل يكسر الخبز للصحابة بيده، تخيل لما نكون نحن عم ننسف، وهي عادة جيدة عندنا في بلادنا، يمسك اللحم ويفتّه، وهو طبعاً إذا أحب الضيف فتّه، فبعض الناس تتقزز وتقول: «يا عمي الله يرضى عليك، أنا آكل لحالي بدون ما تفتّ»، لكن عموماً هي من الأخلاقيات الجميلة أن صاحب المنزل أو الضيافة يفت اللحم لضيوفه.

فجعل يكسر الخبز ويجعل عليه اللحم ويقربه إلى أصحابه ثم ينزع، فلم يزل يكسر ويضع ثم يترك ثم يعود فيكسر ثم يترك، حتى بقي بقية وتركها لجابر ولزوجته. النبي ﷺ من شدة حيائه وأخلاقياته مع الضيوف ما كان يحب أن يقول لضيف أطال المكث: «قم»، كان يستحي، وهذا من كمال أخلاقه الشريفة ﷺ.

فالله سبحانه وتعالى بنفسه عاتب بعض الصحابة أنهم كانوا يطيلون المكوث في منزله، وهذه حصلت القصة لما تزوج زينب بنت جحش، في ليلة دخلته، وكانت زينب في الحجرة، والبيوت قديماً كانت ضيقة، الغرفة عبارة عن حجرة ربما اثنتين أو ثلاث فقط، وكانت زينب لابسة ملابسها، جلبابها ورأسها إلى الجدار فقط هكذا، والضيوف موجودين في نفس الغرفة، حتى تعرف كم كانت الحياة قديماً صعبة.

فكانت زينب وجهها إلى الحائط وتنتظر خروج الضيوف من الحجرة، فالنبي ﷺ صنع وليمة العرس، وهي سنة، ودعا إليها جماعة من الصحابة فأكلوا، وبعد الأكل ظلوا جالسين، فالنبي ﷺ استطال جلوسهم، فخرج من الحجرة وهو يستحي أن يقول لهم قوموا، فأراد أن يوصلها كرسالة، فخرج من الحجرة ثم عاد فوجدهم جالسين، ثم خرج مرة أخرى ثم عاد وجدهم جالسين، إلى أن خرج في المرة الثالثة فعاد فانفضوا.

فأنزل الله آيات تتلى إلى يوم القيامة، قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَىٰ طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ [الأحزاب: 53]. يعني لا تتشوفوا وتشموا رائحة طعام من بيت النبوة وتنتظروا أن ينضج الطعام حتى تدخلوا، لا، فقط إذا أذن لكم أن تدخلوا تدخلوا، ولا تطرقوا عليه الباب تشوفاً إلى طعامه، ولكن إذا دعيتم فادخلوا، ﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ﴾ [الأحزاب: 53].

استناداً لحديث: «إن ذاكم كان يؤذي النبي ﷺ فيستحيي منكم»، النبي كان يستحي، هذا خلقه الرفيع، ما يحب يفشل أحد، لكن النبي ﷺ كان رفيعاً في هذا الباب لدرجة ما كان يحب أن يؤذي مشاعر أي صحابي من الصحابة رضي الله تعالى عنهم. هذا فعلاً أذى؛ فالأصل إذا طعمت لا تطل المكث، وهذه من آداب الضيافة التي لعلنا نشير إليها.

الآن تكلمنا عن النبي ﷺ باعتباره مستضيفاً، لكن قبل أن أنتقل إلى اعتباره ضيفاً، هناك قصة أوردها الشيخ في صفحة 197، كيف أن الضيف لا يحاول أيضاً أن يشعر المستضيف أنك تكلفت من أجله؛ من آداب الضيافة التي تعامل معها النبي ﷺ أنك لا تشعر من ينزل عندك أنك تكلفت من أجله، بل دائماً حاول أن تريه أن الموضوع بسيط. أحياناً بعض الناس يضع وليمة لضيوفه ويقول: «والله هذه جبتها من المطعم الفلاني»، أو «هذه كلفت 400 دينار»، لا، مش كذا، أنت كأنك بتحمله منية الضيافة، وهذا ما يضبط، بالعكس الضيف هذا ما بيرجع لو هو بيفهم، سيقول: «هذا استثقل الضيافة».

النبي ﷺ، شوف هذا الموقف الجميل في آخر صفحة 197 عن أبي هريرة رضي الله عنه، خرج النبي ﷺ ذات يوم فإذا هو...

القصة دقيقة في الصفحة 200، حديث لقيط بن صبرة، يقول: قدمنا على النبي ﷺ، فطرقنا الباب فلم نصادفه في المنزل، وجدنا عائشة رضي الله عنها عند المنزل، فأمرت لنا بخزيرة فصنعت لنا، وأتتنا بقناع، والقناع وعاء فيه تمر.

لاحظوا أن عائشة رضي الله عنها ضيفت ضيوف النبي ﷺ قبل أن يأتي النبي ﷺ، وهذا البعد الذي قلت لكم عنه؛ أن البعض يقول: كيف تتعامل عائشة مع هؤلاء الضيوف؟ فأعود فأقول: لما تنظر في كتب شروح الحديث تجد أن بعض المحدثين يفضلون دوما أن يعللوا ذلك بما قبل نزول آية الحجاب، لا، أنا في اعتقادي ما في دليل أنها قبل نزول آية الحجاب، وإنما الفكرة أن ذاك المجتمع فيه من النقاء والبساطة والعفوية أنه نعم، ممكن الزوجة تضع ضيافة لضيوف زوجها، طبعا ما بتبس معهم وإنما ترسل الضيافة مع خادم أو مولى لها تقول له: ودِّ للجماعة ضيافتهم، وتجلسهم في حجرة منفصلة أو في مكان، ولا تكون الخلوة في المنزل، فهذا الذي فعلته عائشة؛ صنعت خزيرة وأتت بصحن فيه تمر وأرسلته.

ثم جاء النبي ﷺ فقال للقيط: «أصبتم شيئا؟» يسأله، لأنه كان مشغولاً، فلما عاد إلى المنزل وجد الضيوف فقال: «يا ضيفوكم»، فقال: نعم يا رسول الله، جابونا. لكن النبي ﷺ أراد أن يكرمه أكثر وأكثر، قال: فبينما نحن مع رسول الله ﷺ جلوس، إذ دفع الراعي غنمه، النبي ﷺ كان له تقريبا 80 شاة، وكان هناك راعي للنبي ﷺ يرعى هذه الشياه، فالراعي مر بالشياه، فالنبي ﷺ سأل راعيه فقال: «ادفع الراعي غنمه إلى المراح ومعه سخلة تَعِرُ».

سمع النبي ﷺ في قطيعه من الغنم سخلة صغيرة تَعِرُ، فقال: «ما ولدت يا فلان؟»، قال: يا رسول الله هذه ولد لك بهمة صغيرة، قال: «اذبح لنا مكانها شاة». النبي ﷺ سيخبر، يقول: قال لقيط: لا تحسبن أني من أجلك ذبحناها، هي النقطة، النبي ﷺ ماذا قال لراعيه؟ «اذبح لنا شاة»، لا يشعر الضيف أنه يا رسول الله تذبح شاة كاملة من أجلي أنا، فقال: «لا تحسبن أني من أجلك ذبحناها».

يعني لا تفكر ترى أنا أذبحها من أجلك، نحن بطبيعتنا لنا غنم، كان للنبي ﷺ إذا 100 شاة، وكان لا يحب أن تزيد، فكان كلما جاء إنتاج جديد يذبح من القديم، حتى يحافظ على رقم 100 بالتحديد. ولماذا قال له ذلك؟ هو ليس قصده أن يقول له ترى أنا لست ذابحها من أجلك ليكسر خاطره، بل أراد أن يريه أننا لا نتكلف والأمور سهلة، نحن عادة نذبح هذا النوع من الشياه حتى نحافظ على رقم 100، فالأمور طيبة لا تقلق.

فهذا هديه أنه ما كان يحاول أن يشعر ضيفه بالمنّة؛ لأنك إذا جاءك ضيف تذبح له شاة، قد تكون الشاة بمبلغ كبير، وهذا يشعر فيها بالإحراج، فدائما إشعار الضيف أنه خفيف لطيف من آداب النبي ﷺ في الضيافة.

لكن نعود إلى فكرة النبي ﷺ، هو ضيف في منازل أصحابه، هل كان النبي ﷺ يشعر بالإحراج إذا ذهب ضيفا إلى منازل أصحابه؟ أم كانت تؤخذ الأمور ببساطة وعفوية؟ في هذا الجانب يقول ﷺ: «لو دُعيت إلى ذراع أو كراع لأجبت». الذراع هو أحب شيء للنبي ﷺ، فالكراع هو أحقر شيء في الشاة، رجلها التي ما عليها إلا فتاه اللحم، فيقول لو الشخص دعاني لذراع، الذي هو أحب شيء إلي، أو دعاني لكراع، الذي هو أحقر شيء بالنسبة لكم، أنا أجيب.

وما كان يتكلف أو يشعر أنه أنا رسول الله ﷺ فمثلي لا يجيب إلا الوجبات الدسمة، بعض الشباب يأتي صاحبه يدعوه لوليمة فيقول: "أه شو طابق فلان"، إذا رأى الشغلة فيها منسف ولحم يقول: "هي جايك"، إذا رأى الشغلة إندومي يقول: "يا خليه يخلي الشباب إن شاء الله وأنا أشكر لك ضيافتك".

النبي ﷺ يعلمك كل أنواع الضيافة، تقبلها لو دعاك إلى منسف، حيا الله، وإذا دعاك إلى تمر ولبن ترى الحمد لله يلبي المؤمن، وهذا من إكرام أخيك المسلم. كذلك كان يلبي حتى دعوة الغلمان الصغار، تخيل غلام يدعو النبي ﷺ، أنت رجل كبير وصاحب مكانة ويجيك شب عمره 12 أو 13 سنة يدعوك إلى وليمة أو طعام، وتذهب معه وتسر خاطره. عن أنس قال: دخلت مع النبي ﷺ على غلام له خياط، فقدم إليه قصعة فيها ثريد، والثريد قديما كان عبارة عن خبز ومرق وفوقه لحم، وأقبل الغلام على عمله، فقال يا رسول الله...

تفضل، هذه صينية، كل أنس وابن مالك، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يتتبع الدباء، وكان واضعًا له، إذا الدباء، وبتعرف الدباء اللي هو القرع اليوم، فكان يحبه صلى الله عليه وسلم، فجعل يتتبعه؛ يقول أنس: «فجعلت أتتبع الدباء من القصعة حتى أضعه بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم». وهذا يدل على أن المستضيف ليس شرطًا أن يأكل مع الضيف.

هل النبي عليه الصلاة والسلام أنكر على الغلام أنه لم يأكل معهم، ولا وضع الضيافة ورجع يشتغل في الخياطة؟ عادة في أدبياتنا نقول إنه المستضيف لازم يأكل، وإنه عيب، لازم المعزب يأكل وهو أول من يضع يده، لكن هنا النبي عليه الصلاة والسلام ما أنكر على الغلام أنه لم يأكل، والنبي عليه الصلاة والسلام إذا أقر على شيء فهذا يدل على إباحته ومشروعيته، وأن الغلام لم يفعل شيئًا خلاف السنة. فكونك أنت تضيف شخصًا وما تأكل، تتعذر عن الأكل معه لانشغالك بشيء، ترى هذا لا يخالف سنة النبي صلى الله عليه وسلم، هذه قضية مهمة.

حتى اليهود كانوا يدعون النبي عليه الصلاة والسلام فيجيب دعوتهم؛ يعني عدوك كان يدعوك فكان يجيب دعوتهم لعله يتألف قلب واحد منهم. فعن أنس بن مالك أن يهوديًا دعا النبي صلى الله عليه وسلم إلى خبز شعير وإلى أهال سنخه، والأهالة هي الدهنة، كانوا يذوبوا دهنًا بتكون فيها حتى سنخه، يعني فيها نوع رائحة زفر، ومع ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ذهب عند اليهود وأكل من مائدته.

من آداب الضيافة التي يعلمنا النبي صلى الله عليه وسلم إياها، إذا دعاك أخوك إلى ضيافته، قال لك يا فلان تعال، ليس من السنة ولا من الآداب ولا من الأخلاق أن تأتي معك بضيف زائد دون أن تستأذن صاحبك. لو صديقي دعاني لوليمة أنا ومجموعة شباب، دعانا خمسة، ينفع أجيب معي أنا ضيفًا زيادة دون أن أستأذن صاحب الوليمة؟ لا، هذا خلاف السنة والهدي.

ولذلك النبي عليه الصلاة والسلام، لاحظوا هذه القصة عن أبي مسعود الأنصاري، يقول: كان رجل من الأنصار يقال له أبو شعيب، وكان له غلام لحام، فرأى أبو شعيب رضي الله عنه النبي صلى الله عليه وسلم مجهدًا من الجوع، فقال لغلامه: «ويحك، اصنع لنا طعامًا لخمسة نفر، اعمل لي صدرًا لخمسة نفر، فإني أريد أن أدعو النبي صلى الله عليه وسلم خامسًا»، يعني مع خمسة من رجاله. فصنع الغلام طعامًا، ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فدعاه خامسًا.

فهم رايحون الخمسة إلى الوليمة، فتبعهم رجل سادس، فلما بلغوا الباب، النبي صلى الله عليه وسلم لاحظوا الآداب، قال لأبي شعيب: «إن هذا اتبعنا»، هذا أنت ما دعوته. بعض الناس يقول لك يا شيخ لا عيب عيب، ما دخله، ترى ما هو عيب، إنه ممكن أيضًا تحرج صاحب المنزل، صاحب المنزل عامل طعامًا لاثنين، يلاقي أربعة أو خمسة، وترى أنت لست صاحب كرامة ولا ولاية، يعني عمومًا أن يكثر الطعام دائمًا بوجودك.

بعض الناس يقول لك يا أخي النبي عليه الصلاة والسلام جاب المهاجرين والأنصار، طيب، النبي عليه الصلاة والسلام عنده معجزات، إن شاء الله ربنا يجري الكرامات على يديك، ما عندي مشكلة، بس الوضع الطبيعي في الحياة مش كده دائمًا، فما ينفع يكون الضيف عامل طعامًا لأربعة أو خمسة، يلاقيك جايب كل أهل المسجد، وتريد أن تقتفي بآثار المهاجرين والأنصار. فالسنة ما هي أن تستأذن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «إن هذا اتبعنا»، فإن شئت أن تأذن له وإن شئت رجع.

أحيانًا لا بد أن تروض نفسك أنك ما تزعل من الحق، بعض الناس بيعتبرها إحراجًا لهذا الرجل الذي تبع، لا، هذا حق، في النهاية هو تبع بدون أن يطلب منه أحد، فإما أن تأذن له يا صاحب المنزل وإما أن يرجع، ولذلك الله عز وجل يقول: ﴿وَإِن قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا﴾ [الصافات: 95]، فارجعوا، تقبل الحق، صعبة شوي على النفس، بس إنه هذا حق، فروض نفسك على اتباع الشرع.

قال: «لا، بل أذن له يا رسول الله»، قال: «وربما»، وهنا لاحظ هذا البعد الأبعد شوي، أنه النبي صلى الله عليه وسلم ممكن كان يطرق أحيانًا بعض بيوت أصحابه ليضيفوه. هل هذا فيه إشكال أو عيب؟ إذا صحت المودة زالت الكلفة؛ يقولون في آداب الأخوة: إذا صحت المودة زالت الكلفة. النبي عليه الصلاه والسلام أحيانًا كان يكون جائعًا فيقول لأبي بكر وعمر: «تعالوا نروح عند فلان ناكل عنده»، مع أنه في رجل ما كان يعرف، ومع ذلك يسر بقدوم النبي عليه الصلاة والسلام، لكن هذه مع من تفعلها؟ هذا الهدي مع من تثق بأخوته وتثق بمروءته.

فعن أبي هريرة رضي الله عنه خرج النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم، فإذا هو بأبي بكر وعمر الثلاثة خارجين من بيوتهم، فقال: «ما أخرجكما من بيوتكما هذه الساعة؟»، فقالوا: الجوع يا رسول الله، خرجنا نبحث عن طعام، فقال: «وأنا، والذي نفسي بيده، لأخرجني الذي أخرجكما، وأنا خرجت بسبب الجوع، فقوموا». فقام معه، فأتى رجلًا من الأنصار فإذا هو ليس في بيته، فلما رأته امرأته قالت: «مرحبًا وأهلاً».

لاحظوا كيف تتكرر قضية المخاطبة بين الرجل والمرأة بطبيعة ذاك المجتمع، لكن المجتمع ذاك فيه من النقاء والعفة والصيانة ما لا يوجد في مجتمعاتنا، فلذلك نحتاط اليوم أكثر. فلما رأت المرأة قالت مرحبًا وأهلاً، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أين فلان؟»، قال: «ذهب يستعذب لنا الماء»، كانوا قديمًا يذهبون يأخذون المياه من العيون وتكون ساخنة والمدينة حارة، فيضعونها في جرار حتى تصبح باردة، يعني ذهب ليحضر لنا ماءً باردًا نشربه.

إذ جاء الأنصاري، فنظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم وإلى صاحبيه، ثم قال... لو أنت فُعل بك هذا الموقف وعرفت أن أصحابك جايين عندك على باب الدار، والله فلان بدك تضيفنا وأنت ما عندك على البال ولا على الخاطر، هذا الموضوع في ناس ممكن ينزعج، ينقبض، يقول يا أخي والله هؤلاء الله يسامحهم، كان كلمني تليفون كنت فاضي آجي، لكن الذي أخلاقه عالية في الضيافة لا يتعامل بهذا البعد، بل يسر أن إخوانه خصوه دون غيره. يعني هي بدها درجة أخلاق عالية، أنك تصر أن إخوانك لما جاعوا أو احتاجوا طعامًا، بدكم إياه على غيركم، معناتها إيش؟ نظرة إخوانك لك.

العليا بالنسبة لهم من الثقة والأخلاق والمودة وهكذا، هذا الأنصاري فرح فقال: «الحمد لله، ما أحد اليوم أكرم ضيافا مني». سر شوف الكلام الجميل والتعبير اللبق: «ما أحد أكرم ضيافا مني، أنا اليوم أحسن الناس ضيوف عند النبي ﷺ، عندي أبو بكر وعثمان وعمر».

فانطلق فجاء أولا ليطبخ لهم لحما، فشوف الآداب والأخلاق التي فعلها هذا الرجل الأنصاري، وعارف أنه إذا بده يطبخ لحما ويذبح شاة بدها راحة ساعتين لثلاث ساعات، ما ترك ضيوفه في الجوع، بل أتى لهم بطبق من الفواكه، عن فاكهة المدينة بالنسبة لهم كانت التمر والبسر، فذهب وأتى بعذق فيه بسر، فوضعه بين يدي النبي ﷺ، وضع بسرا وتمرا ورطبا ثم قال: «كلوا من هذه، أنا رايح أجيب الشاة وأذبحها وأضبطها»، وأخذ المدي والسكين.

فقال له النبي ﷺ: «إياك والحلوب»، يعني لا تذبح لنا الشاة الحلوب، هي حرام خليها لك تحلبها، اذبح لنا سخلة صغيرة أو بهمة صغيرة، فذبح لهم فأكلوا من الشاة ومن ذلك العذق وشربوا وشبعوا جميعا. قال: فلما شبعوا، هذا يدل على مشروعية الشبع، يعني لو أنا رحت ضيف، يصير آكل حتى أشبع ولا عيب يا شيخ عامر؟ تقول لك: لا يا أخي، بقول لك واحد أكله صغيرة حتى ما يقولش والله هذا طيب ثقيل، لا، النبي ﷺ كان يأكل حتى يشبع في كثير من الأحيان، قال: «فلما شبعوا».

إذا الشبع ما هو عيب، بل بالعكس، يشعر الضيف بماذا؟ أو المستضيف عفوا، يشعر المستضيف بالسرور أنه الجماعة عجبهم الطعام، إنه أحيانا ترى قلة الأكل ممكن تشعر خاصة المدام يعني تبعتك أنه والله المرأة هي ما بتعرف تطبخ، الجماعة ما أكلوا، فذلك لا ترى أنك تأكل وتشبع، وتشعر الضيف أنه والله ما بقي عندي متسع، هذا يجعله يكون مسرورا هو وزوجته.

قال: «فلما شبعوا ورووا»، قال ﷺ لأبي بكر وعمر: «والذي نفسي بيده لتسألن عن هذا النعيم يوم القيامة». شوف حتى هذه المواقف يذكرهم النبي ﷺ بالسؤال، أنه هذه النعمة من نعم الله لك، موقف عند الله تسأل عنه؛ أخرجكم من بيتكم الجوع ثم لم ترجعوا حتى أصابكم هذا النعيم.

وعموما الفكرة العامة أن هذا لا يعتبر من التعدي، تطرق باب إخوانك تأكل عندهم في منازلهم، أليس كذلك؟ لذلك قال: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَصْدِقَائِكُمْ﴾ [النور: 61]. لماذا الصديق؟ طبعاً هنا الكلام أنه لا حرج أن تدخل بيت صديقك دون إذنه فتذهب إلى الثلاجة تأكل طعام وتخرج وتعود، هذا هو، ولا هي لو كانت بإذنه؟ أنا ممكن أدخل على بيت أي واحد بإذنه، لماذا خص الصديق؟ والآية تتكلم أن هؤلاء لك أن تدخل إلى بيوتهم بدون إذنهم فتاكل وتخرج، ليه؟ لأن الصداقة الحقيقية ترفع الكلفة.

ولذلك قال بعض السلف: ما زلت أجتهد على نفسي أن أصيب هذه الخصلة. وصديقكم يعني يرجو أن يجد صديقا يثق به فيدخل إلى منزله ويأكل من طعامه ويخرج لشدة الأمانة والثقة التي بينهما، فهذه أمور لا إشكال فيها لمن عرف أخلاقيات الإسلام. هذا يعني كلام عام فيما يتعلق بموضوع الضيافة وأخلاقها وآدابها وبساطتها وعفويتها وجماليتها وعدم التكلف فيها في حياة النبي ﷺ.

الموضوع الختام اليوم قضية تعامل النبي ﷺ مع الأصدقاء، الآن أي شخص منا يا إخواني يكون له علاقات عامة وتكون له علاقات خاصة، صحيح؟ يعني أنت بتعرف ناس كثير في المنطقة وفي الحارة وفي المسجد، لكن في النهاية هناك أناس تنتخبهم للصداقة، وأن هؤلاء معهم تثمر في الحياة وتخرج وتأتي، نسميهم ماذا؟ أصدقاء. فدائرة الصحبة دائما هناك دائرة واسعة من العلاقات وهناك دائرة ضيقة من العلاقات، والنبي ﷺ كان يراعي هذه المراتب في الصحبة، سواء العلاقات الواسعة من الصحبة أو العلاقات الضيقة.

الآن لو سألتك من أكثر الصحابة صحبة للنبي ﷺ اللي كان دائما يدخل معهم ويخرج معهم حتى أصبح شعاره أن هذين هما الصديقان للنبي ﷺ أبو بكر وعمر، ولذلك قال علي بن أبي طالب: «كنت كثيرا أسمع النبي ﷺ يقول: ذهبت أنا وأبو بكر وعمر، دخلت أنا وأبو بكر وعمر، خرجت أنا وأبو بكر وعمر». وهذا شيء طبيعي، أنت لن تكون لك علاقات قوية مع الجميع، بل هناك علاقات منتقاة، صداقة قوية وهناك علاقات طيبة مع عموم المجتمع.

الآن النبي ﷺ يعلمنا أن نعبر لأصدقائنا أننا نحبهم، يعلمنا في هديه أن نعبر لأصدقائنا أننا نحبهم، ولذلك لما سأله عمرو بن العاص -وانظروا إلى أخلاقيات النبي ﷺ الرفيعة- كل رجل كان يجلس مع النبي ﷺ كان يعتقد أنه هو أحب شخص إلى النبي ﷺ، كان لشدة جمال كلامه وابتسامته وإقباله على محدثه كل صحابي كان يظن أنه هو أعز واحد عند النبي ﷺ.

عمرو بن العاص أسلم عند فتح مكة، يعني بعد صلح الحديبية، يعتبر من المتأخرين في الإسلام، وبالعكس له مواقف مع الصحابة في الحبشة أنه كان يحاول أن يردهم إلى أرض مكة ليعذبوا، له مواقف في الجاهلية شديدة، لكن لما أسلم لشدة إقبال النبي ﷺ عليه وابتسامته معه، وقع في ذهنه أنه أكثر الناس صداقة للنبي ﷺ وأنه هو الصديق الأول المقرب، الذي بعده يأتي جميع الصحابة الكرام حتى أبو بكر وعمر، فهي الثقة التي نشأت عند عمرو بن العاص، ومن أين نشأت؟ أخلاقيات النبي ﷺ فرضت عليه هذا الشعور.

فلذلك جاء متحمس عمرو بن العاص -رضي الله عنه- قال: «يا رسول الله، من أحب الناس إليك؟»، قال: «عائشة»، قال: «يا رسول الله قصدي من الرجال»، -فهمنا- فقال أبوها: «أبو بكر»، إذا النبي ﷺ يصرح بحب أبي بكر، قال: «ثم من؟»، قلنا: من الأوائل في الإسلام، قال: «ثم من؟»، قال: «ثم عمر»، ثم جلس عمرو بن العاص، ثم من؟ عد له عشرين اسما، قال: «إذا أنا الـواحد والعشرون»، وسكت لأنه شاف أنه صحيح النبي ﷺ مقبل عليه ويهشه في وجهي ويبتسم، لكن فهم أن هذه لكمال أخلاقه وإلا فرتب العلاقات لا.

مكانها آخر، إنه في رتب في العلاقات؛ أبو بكر الصديق ثاني اثنين في الغار، وعمر الذي وقف معنا في أول البعثة، ليس كغيرهما. هذا منطق الحياة، فلا تزعل إذا كنت يا عمرو بن العاص في المرتبة الحادية والعشرين أو المئة، ففي النهاية العلاقات الاجتماعية رتب، وينبغي أن تنزل كل علاقة في مكانها.

هذه قضية الرتب في العلاقات والصداقات نتعلمها من النبي ﷺ. يعلمنا إذا دخل رجل على النبي ﷺ فقال: «يا رسول الله، إني أحب فلانًا»، فقال له: «أخبره أنك تحبه». حتى كان يعلم الصحابة أنه إذا كنت تحب أخاك في الله، فاعلمه أنك تحبه؛ هذه من السنة، أن إذا كان لك صديق بينك وبينه علاقة قوية تحافظ عليها وتنميها من خلال التصريح بهذا الحب.

ومن حبه لأصحابه، كان لا يرضى أن يتكلم عنهم بسوء على الدائرة الواسعة، فقال: «لا تسبوا أصحابي». وفي العلاقات قال: «لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه». لكن ما أريده أكثر هنا هو على دائرة العلاقات الخاصة، فقد كان يراعي مشاعر أبي بكر الصديق أكثر من مراعاته لمشاعر الصحابة، لطبيعة الوفاء والصداقة التي بينه وبين أبي بكر الصديق.

في صفحة ٢٠٦ عن أبي الدرداء يقول: كانت بين أبي بكر وعمر محاورة، أي صار بين أبي بكر وعمر نقاش فأغضب أبا بكر عمر، رفع صوته وتكلم بكلمة "الله أعلم"، فانصرف عمر مغضبًا. ذهب عمر إلى بيته مغضبًا، فأتبعه أبو بكر؛ لأنه لا يهون عليه زعل عمر، فذهب يتبعه يسأله أن يستغفر له: «يا عمر، خلص سامحني، قل اللهم اغفر لأبي بكر»، فلم يفعل، حتى أغلق عمر بابه في وجهه.

أقبل أبو بكر إلى النبي ﷺ، ويقول أبو الدرداء -وقد كان شاهدًا على المشهد-: كنت جالسًا عند النبي ﷺ إذ أقبل أبو بكر آخذًا بطرف ثوبه حتى أبدى عن ركبته، رافعًا الدشداشة من تحت حتى ركبه مبينة، فالنبي ﷺ من بعيد قال: «أما صاحبكم فقد غامر». غامر أي دخل في مشكلة لما رأى النبي ﷺ أبو بكر ماسكًا ثوبه ورافعًا ركبته.

سلم أبو بكر وقال: «إني كان بيني وبين ابن الخطاب شيء، فاصطدمت إليه -أخطأت وشتمت وقلت له كلمة- ثم ندمت، فسألته أن يغفر لي فأبى علي، فأقبلت إليك يا رسول الله». فقال: «يغفر الله لك يا أبا بكر، يغفر الله لك يا أبا بكر، يغفر الله لك يا أبا بكر» ثلاثًا. إذاً هو لم يقل لك يغفر الله لك، أنا أقولها لك أول شيء؛ أبو بكر، النبي ﷺ أزال حزنه.

ثم من الذي فطن على نفسه؟ عمر. هو في البيت ماذا فعل؟ هذا أبو بكر ليس أي شخص، فندم عمر فأتى منزل أبي بكر وسأل: أين أبو بكر؟ قالوا: لا، عرف أكيد ذهب إلى النبي ﷺ، فأتى إلى النبي ﷺ فسلم، فجعل وجه النبي ﷺ يتمعر، غضب النبي ﷺ من عمر مع أن المخطئ ابتداءً هو أبو بكر، هو المسيء لعمر، لكن أبو بكر خاصة النبي ﷺ يراعيه، فانظروا إلى الوفاء الشديد من النبي ﷺ لتلك العلاقة.

أبو بكر ليس كعمر في النهاية، فأبو بكر مواقفه الأولى شريفة، موقف الهجرة والمال الذي بذله، وكل شيء في حياة أبي بكر يشهد له. فتمعر وجه النبي ﷺ حتى أشفق أبو بكر على عمر، خاف أبو بكر أن النبي ﷺ يغضب عمر، فجثى على ركبتيه وقال: «يا رسول الله، والله إني كنت أظلم، أنا الذي غضبت عليه يا رسول الله وليس هو الذي أخطأ في حقي».

فقال النبي ﷺ: «إن الله بعثني إليكم فقلتم كذبت، وعمر في البداية كان كافرًا ثم أسلم فقلتم كذبت، وقال أبو بكر صدق، وواساني بنفسه وماله، فهل أنتم تاركون لي صاحبي؟». يا عمر، اترك أبا بكر، هذا لا أحد يلمسه، هذا من خواصي. قال: «فما أوذي بعده»، عرف الصحابة جميعًا أن أبا بكر بالنسبة للنبي ﷺ خط أحمر غير مسموح بالاقتراب منه. طبعًا هذا لا يعني أن أبا بكر يفعل ما يشاء، وأبو بكر يعرف هذه المنازل، لكن الأخطاء اليسيرة تقال: «أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم».

ومن المواقف الأخرى لأبي بكر، عن ربيعة الأسلمي يقول: إن النبي ﷺ أعطاني أرضًا وأعطى أبا بكر أرضًا، ومع مرور السنين اختلفنا في جذع نخلة، فقال ربيعة: هي في حدي، وقال أبو بكر: لا هي في أرضي. فاشتد النقاش بين ربيعة وأبي بكر حول هذه النخلة، فقال أبو بكر كلمة كرهها، أي أساء فيها لربيعة وجرح مشاعره بكلمة، حتى كرهها هو نفسه وندم عليها، فقال لي: «يا ربيعة، رد علي مثلها».

انظروا إلى نفسية أبي بكر، أبو بكر الذي يريد أن يخرج من الدنيا ولم يخطئ في حق أحد، يقول لربيعة: «رد علي الكلمة، زي ما أنا غلطت عليك اغلط علي، حتى أكون صافيًا من هذا المجلس». فقال ربيعة: «لا أفعل»، فقال أبو بكر: «لتقولن لا تردها علي أو لأستعدين عليك رسول الله ﷺ». عرف أبو بكر الدرس أن النبي ﷺ سيفزع له، فقلت: «ما أنا بفاعل»، ورفضت الأرض. انطلق أبو بكر إلى النبي ﷺ وانطلقت أتلوه، فجاء ناس من ربيعة فقالوا لي: «رحم الله أبا بكر، بأي شيء يستعدي عليك وهو الذي قال فيك؟».

عليه الصلاة والسلام هو اللي غلط عليك، فقال: «أتدرون ما هذا؟». طبعاً الربيعة هو فاهم كل شيء، قال: «أتدرون ما هذا؟ أنتم عارفين مين بتحكوا؟». أنا شوي شديت عليه، «أتدرون ما هذا؟ هذا أبو بكر الصديق، هذا ثاني اثنين، هذا شيبة المسلمين، إياكم لا يلتفت فيراكم تنصروني عليه فيغضب، فيأتي رسول الله ﷺ فيغضب لغضبه، فيغضب الله لغضبهما فيهلك ربيعة».

أنا ما رضيت أرد عليه الشتيمة، لكن إياكم، إياكم أن أبا بكر يراكم حولي فيظن أنكم جايين تنصروني عليه، لا، هذا أبو بكر، هذا ثاني اثنين، هذا الخط الأحمر. قالوا: فما تأمرون؟ إيش نعمل لك يا ربيعة؟ قال: ارجعوا لا تفزعوا لي ولا شيء، أنا أذهب إلى النبي ﷺ وأتفاهم.

فانطلق أبو بكر إلى النبي ﷺ فتبعته وحدي حتى أتى النبي ﷺ فحدثه الحديث كما كان، فرفع إليّ رأسه النبي ﷺ، رفع رأسه إلى ربيعة وقال: «يا ربيعة، ما لك ول الصديق؟». ليش مزعل الصديق؟ مع أنه لاحظ أبو بكر هو اللي شتم، لكن هذا يريك قمة الوفاء من النبي ﷺ للصحبة الخالصة، أن هذا أبو بكر خيراته وأياديه كثيرة. قلت: يا رسول الله، كان كذا وكذا، فقال لي كلمة كرهها، فقال لي قل كما قلت حتى يكون قصاصاً فأبيت. فقال ﷺ: «أجل لا ترد عليه»، يعني أحسنت أنه أنت ما شتمته وما شتمك، ولكن قل كما قلت. قلت له: غفر الله لك يا أبا بكر، وانتهت القصة، فقلت: غفر الله لك يا أبا بكر، قال: فولى أبو بكر وهو يبكي رضي الله تعالى عنه.

كذلك حتى يعطيك دائماً، الأصدقاء قلوبهم عند بعض وبيفهموا بعض من بعيد كما يقولون، لأنه ما بينهم من العشرة جعلت القلوب عند بعضها. فالنبي ﷺ لما خطب قبل وفاته بأيام وأخبر أن رجلاً خيره الله بين المكث في الدنيا وبين الذهاب إلى الرفيق الأعلى، فاختار الذهاب إلى الرفيق الأعلى، قالها على المنبر، كل الصحابة ما فهموها ما عرفوا من هو الرجل إلا أبو بكر.

فبكى أبو بكر بين يدي النبي ﷺ، وكان أبو بكر أعلمنا، يعني يفهم الكلمة من بعيد. فقال النبي ﷺ: «يا أبا بكر لا تبكي». شوف هيك، تخيل النبي ﷺ على المنبر والمسجد مليء بالمهاجرين والأنصار، ومع ذلك النبي ﷺ يخاطب أبا بكر بالتحديد أمام الناس: «يا أبا بكر لا تبكي، إن أمن الناس علي في صحبته وماله أبو بكر، أبو بكر فضله على الإسلام عظيم في نفسه وماله، ولو كنت متخذاً خليلاً من أمتي لاتخذت أبا بكر، ولكن أخوة الإسلام ومودته، لا يبقين في المسجد باب إلا سد إلا باب أبي بكر».

النبي ﷺ يعلن أمام الجميع قبل وفاته بأيام أن العلاقة بينه وبين أبي بكر ليست كأي علاقة، وأن هذه الصداقة في أعلى درجاتها. وهذا نأخذ منه أن الإنسان الذي يحب أخاً له في الله صدقاً وحقاً عليه أن يبادر إلى هذه المشاعر ويظهرها ويعترف بها لتتوثق مثل هذه العلاقات. بعض الناس ممكن يقول: يا مشايخ هي مشاعر، هذه أحاسيس، الرجال ما بيتكلموا بهذا الكلام، هذا كلام نساء! أحذر، النبي ﷺ تكلم عن حبه لأبي بكر وصرح بذلك مراراً وتكراراً، وأظهر له المنة وأظهر له الخير واعترف له بذلك. البوح بالمشاعر والأحاسيس من علامات الرجال إذا كان مظهراً من مظاهر الوفاء.

النبي ﷺ في مشهد آخر في علاقاته مع الصحابة كان يتفقد الصحابة الذين يغيبون. الآن لما يكون لك أصدقاء لابد أن تتفقد أصحابك، بعض الشباب ما آخر مرة تكلم مع صديقه أو أخيه في الله من شهرين ثلاث، وهذه لم تكن سنة النبي ﷺ، بل كان يتفقد أصحابه أولاً بأول. كان إذا شخص غاب عن الفجر يومين ثلاث: أين عمر؟ قال: يا رسول الله كذا وكذا.

وصارت القصة يوم من الأيام، جاء فترة النبي ﷺ فقد فيها ثابت بن قيس بن شماس، إلى أين ثابت؟ كان عادة يحضر الدروس والمجالس، فقيد يا رسول الله لما نزل قوله تعالى: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات: 2]. ثابت كان صوته جهورياً، كان صوته عالياً بطبيعته، فخشي أن تكون الآية نزلت به فاعتزل في بيته، ويبكي أنه هذه الآية نزلت فيه لأني أرفع صوتي على النبي ﷺ. فالنبي ﷺ سأل عن ثابت وعن أحواله وقال: «أخبروه أنه من أهل الجنة»، يعني هذه الآية لم تنزل فيك يا ثابت، هي الآية نزلت في من يتعمد رفع صوته، أما أنت رجل طبيعة صوتك جهورية، بالتالي لا إشكال وربنا يعفو عنك لأن هذه طبيعة ولست متقصداً، وحتى يطيب خاطره قال: «بل هو من أهل الجنة».

كذلك كان يتفقد أصحابه في أصعب اللحظات، كان يتفقد أصحابه بعد المعركة في نهاية غزوة أحد، النبي ﷺ مع أنه مصاب، حمزة مصاب، وأقاربه وبأبناء عمومته، ومع ذلك ما نسي النبي ﷺ رجلاً، سعد بن الربيع أحد رجالات الأنصار. قال النبي ﷺ: «أين سعد بن الربيع؟ اطلبوا لي سعد بن الربيع». فذهبوا يطلبونه فوجدوه في الأنفاس الأخيرة، وقال للصحابة: «إن رأيته فأقرئوه مني السلام، وقل له يقول لك رسول الله ﷺ كيف تجدك؟».

فأتوا إلى سعد بن الربيع وهو يلفظ أنفاسه، فقلت له: إن النبي ﷺ يقرئك السلام ويقول لك أخبرني كيف تجدك؟ فقال: «على رسول الله ﷺ وعليك السلام، قل له يا رسول الله أجد ريح الجنة، هذا الذي أجده، وقل لقومي من الأنصار لا عذر لكم عند الله إن خُلِف إلى رسول الله ﷺ»، يعني أن أحداً أذى النبي ﷺ وفيكم شفر يطرف، وفاضت نفسه رحمه الله.

أيضاً من القصص الجميلة في الوفاء حتى اللحظات الأخيرة والتفقد، ربما لم تذكر هنا، ربما سمع بعضكم قصة جليبيب. جليبيب كان شاباً من شبان المدينة، وكان هذا الشاب من حيث الخلق دميم، والفرق بين الدميم والذميم أن الذميم في الأخلاق، والدميم بالدال في الشكل والهيئة، فكان شاباً مرحاً طيباً ولكنه ربنا عز وجل ما أعطاه جمالاً كثيراً، وكان كثير المزح والضحك، والنبي ﷺ جلس معه يوماً. ولاحظوا هذا يا إخواني في أصدقائك، أنه أنت تفقد أحوال أصدقائك.

قال له: «ألا تتزوج يا جليبيب؟». دائما لما يكون لك صديق غاب عنك فترة، تقول له: يا فلان، إيش صار معك؟ تزوجت؟ جاءك ولد؟ شو صار معك في الدراسة؟ ترى مجرد سؤالك لأخيك عن أحواله، عن أخباره، أين انتهت به الحياة، يشعر بالاهتمام وأنك محتفي بأموره.

قال إن النبي ﷺ قال لجليبيب: «تزوجت؟»، قال: «من يزوجني يا رسول الله؟ شاب لا يملك مالاً ولا جمالاً ولم يُعطَ شيئاً من الدنيا». فقال له: «أنا أزوجك». شوف الاهتمام! قد يكون جليبيب ليس بمنزلة أبي بكر وعمر، لكنه من ضمن شبكة العلاقات في الصحبة. قال: «أنا أزوجك، اذهب إلى دار فلان وقل لهم النبي ﷺ يخطب ابنتكم»، ليس لنفسه بل لجليبيب.

فذهب جليبيب إلى باب هذا الرجل من الأنصار فطرق عليه، من قال: جليبيب؟ قال: ماذا تريد؟ قال: «النبي ﷺ يخطب ابنتكم». قالوا: أنعم وأبشر برسول الله ﷺ، قال: «لكن ليس له»، قالوا: لمن؟ قال: «لي». فانصرف من الرجل تماماً؛ لأنه جليبيب كان معروف شكله في المدينة أنه ربنا ما أعطاه جمالاً، كما كان دميماً.

قال: خليني أسأل المرأة، فذهب إلى زوجته قال لها: هذا جليبيب على الباب يخبرنا أن النبي ﷺ خطب ابنتنا له. فقالت: جليبيب؟ يعني امرأته انفعلت، قالت: أعطي ابنتي لجليبيب؟ يعني لو كان رجلاً آخر من الصحابة الذين أعطوا جمالاً ومالاً، لكن في جليبيب، جليبيب، جليبيب! كررتها ثلاث مرات، لا نعطيها.

طبعاً هناك فتاة تربت في بيت صالح، يعني هذه الأم مشكلة انفعال، فالفتاة تقول، تسأل أبويها: ما الذي على الباب؟ فأخبرها والده أنه هذا رجل اسمه جليبيب، والظاهر أنه كان معروفاً لنساء المدينة، فقال: «النبي ﷺ يخطبها لك»، قالت: ما دام النبي ﷺ خطبها لي، إذاً في أمره خير، وفي قضائه خير، ولا نرد خطبة النبي ﷺ. هذه الفتاة المؤمنة رضيت وأصرت أن تنزل على مراد النبي ﷺ، فتزوجها جليبيب.

وما هي إلا أيام وإلا منادي الجهاد ينادي: «يا خيل الله اركبي»، فخرج جليبيب مع جيش المسلمين واستشهد في المعركة، أيام فقط، أو لعل شهراً لم يعدوا ذلك. فالنبي ﷺ بعد انتهاء المعركة -والله أعلم أي معركة كانت، لم أجد نصاً عليها فيما وقفت عليه- قال: «هل تفقدون أحداً منكم؟»، قالوا: لا نفقد أحداً. طبعاً كما قلت لك، جليبيب ليس مشهوراً بين الصحابة، ليس كأبي بكر وعمر أو سعد بن عبادة، فقال: «هل تفقدون أحداً؟»، قالوا: لا نفقد أحداً، كررها مرتين أو ثلاثاً.

النبي ﷺ قال: «لكني أفقد جليبيباً». هذه لحالها تكفي؛ جليبيب أن النبي ﷺ تذكره يوم أن نسيه الناس. ليس متوقعاً أن مثل هذا الشاب البسيط يسأل عنه النبي ﷺ. دائماً لما تصير داعية أو رجلاً، أو لك هيئة أو مسؤولاً في شركة أو معلماً في صف، حاول دائماً من حسن إدارتك للعلاقات أن تتفقد حتى الناس الذين لا يُعَبأ بهم، ترى يجدونها كبيرة؛ أن تتفقده مع أن أغلب الناس ناسينه.

قال: «لكني أفقد جليبيباً»، فذهب النبي ﷺ وطلب من الصحابة أن يذهبوا إلى جليبيب يبحثوا عنه، فوجدوه ضمن الصرعى والشهداء رضي الله تعالى عنه، فنزل النبي ﷺ في قبره بنفسه، ووضعه على يديه الشريفتين ودفنه.

رحمه الله على جليبيب! هكذا أخلاق النبي ﷺ؛ التفقد. من أبرز الأمور في العلاقات والصداقات أن تتفقد، ألا تكون إنساناً يقول: "صاحبي ما حكى معي، لا يحكي به"، لا، ليست هكذا العلاقة. الإنسان الصادق في بناء العلاقات يطمئن ويبادر، وليس شرطاً أن الناس تقبل عليك، أنت أقبل على الناس وأرهم حسن السمت.

كان النبي ﷺ إذا أُصيب بشيء تأثر، وكان يحزن على وفاة أصحابه ويبكي لوفاتهم، فهذا عثمان بن مضعون، أول من توفي من المهاجرين في المدينة، توفي في أواخر السنة الأولى من الهجرة. النبي ﷺ دخل عليه وهو ميت، فقال: «رأيت الدموع تسيل على خديه وعينيه تذرفان». ثم ذهب إلى القبر بعد أن دفنه مع الصحابة ووضع حجراً على قبره حتى يعلمه، وقال: «أعلم بها قبر أخي»، يعني أريد أن أعلم هذا القبر حتى كلما دخلت البقيع آتي أدعو له وأستغفر له. لا ينتهي وفاؤه لأصحابه حتى بعد موتهم، وهذا مسؤول الدولة والقائم عليها، يتفقد الصحابة بعد موتهم.

ومن أخلاق الصحابة التي يعلمنا إياها النبي ﷺ، مشاورة الصحابة، مشاورة الأصدقاء؛ فكان عليه الصلاة والسلام يسهر بعد العشاء مع أبي بكر وعمر يستشيرهم في قضايا المسلمين والدولة المسلمة، وكان كثيراً ما يتقبل المشورة من أصحابه. ففي غزوة بدر لما جاءه الحباب بن المنذر قال: يا رسول الله، أهذا منزل أنزلك الله أم هو الحرب والمكيدة؟ قال: «بل الحرب والمكيدة»، قال: لا يصلح يا رسول الله، دعنا ننزل على أول بئر من آبار بدر حتى نغلق الآبار على المشركين. وعادي النبي ﷺ تقبل النصيحة والمشورة.

كذلك يوم أحد، عُقدت مشورة: نخرج نقاتل المشركين خارج أسوار المدينة أم نقاتلهم داخل المدينة؟ وأغلب شباب الصحابة صوتوا على أن يكون المقاتلة خارج المدينة، وأمضى لهم رأيهم مع أنه كانت نهاية المعركة صعبة، ومع ذلك لم يلمهم، خلص مشورة، والذي يقضي به الله خير. ليس من المشورة أن تقول: "إذا طلعت المشورة فيها مشكلة والله عمري ما بمشي معك"، لا؛ في نهاية غزوة أحد، النبي ﷺ رأيه أن يقاتل داخل المدينة، ورأي الشباب أن نقاتل خارج المدينة، فقاتلوا خارج المدينة، والنتيجة كانت مؤلمة، لكن لم يلمهم، بل كان اللوم على الذنب: "أنكم نزلتم عن جبل الرماة". خلص رأى، وكل واحد يأخذ نصيبه في هذه الحياة، ولم يعدل عن مشورتهم بعد ذلك بل صمم على هذا، وكان كثيراً ما يأخذ بمشورة الصاحبين أبي بكر وعمر.

النبي ﷺ كان إذا شعر أن الصحابة أو بعض الصحابة أصابهم حزن...

أو أخذوا على خاطرهم من تصرف من تصرفاته، يخرج مباشرة. النبي عليه الصلاة والسلام يطيب الخاطر؛ قضية أن تطيب خاطر صديقك إذا أخذ منك موقفًا. أحيانًا الحياة فيها مواقف، ممكن أنا أتكلم كلمة ما تعجب صديقي، ممكن أتصرف تصرفًا، ممكن أفعل الفعل أنا معذور فيه، لكن الصديق ما عرف عذري فيه. تذهب تبين عذرك وتطيب خاطر صديقك، ولا تقول عاد هو يجي صالحنا ترى أنا ما غلطت.

النبي عليه الصلاة والسلام في غزوة فتن، لما وزع الغنائم على رجالات الأعراب ليتألفهم، لم يعطِ الأنصار شيئًا من الغنيمة، مع أنها غنيمة كانت بمئات الآلاف، توزن بمئات الآلاف. فالأنصار أخذوا على خاطرهم: «يا أصلًا قاتلنا في بدر، والخنْدَق وشاركنا، يعني لما جاءت غنيمة دسمة أعطي رجالات الأعراب ولم نعطَ ونحن الرعيل الأول؟».

فمن جاء يخبر النبي عليه الصلاة والسلام بحزن الأنصار؟ سيدنا سعد بن عبادة، وهو سيد الخزرج، والأنصار كانوا أوسًا وخزرجًا. فجاء سعد فدخل على النبي عليه الصلاة والسلام فقال: «يا رسول الله، إن هذا الحي من الأنصار قد وجدوا عليك في أنفسهم». صراحة يا رسول الله الجماعة زعلانين وعتبانين أنك لم تعطهم من الغنيمة، لما صنعت في هذا الفيء الذي أصبت قسمك في قومك وأعطيت عطاءً عظيمًا في قبائل العرب ولم تعطهم شيئًا.

فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «أنت يا سعد وين قلبك؟ أنت عتبان علي ولا لا يا سعد؟». قال: «فأين أنت من ذلك يا سعد؟»، قال: «يا رسول الله شوف صراحة»، قال سعد: «ما أنا إلا امرؤ من قومي، أنا أكون صادقًا معك يا رسول الله، أنا والله عتبان مثلي مثل قومي لأنه ما أخذنا شيء». قال: «فاجمع لي قومك في هذه الحظيرة»، جمعهم في ساحة كبيرة. فخرج سعد فجمع الناس في الحظيرة، وكان الاجتماع مخصصًا للأنصار فقط؛ ليذهب ما في صدورهم من الاهتمام بالمشاعر والأحاسيس ورفع العتب. فجاء رجال من المهاجرين فتركهم، وإلا فهو الاجتماع مخصص للأنصار.

فلما اجتمعوا أتاه سعد فقال: «قد اجتمعوا يا رسول الله»، فأتاهم النبي عليه الصلاة والسلام فخاطبهم، شوف الكلام الجميل الراقي الرفيع، يقول عليه الصلاة والسلام: «يا معشر الأنصار، ما بلغتني عنكم ووجدتموها في أنفسكم؟ سمعت أنكم عتبانين علي في موضوع الغنيمة، أنني لم أعطكم منها؟ ألم أكن لكم ضالًا فهديتكم؟ وفقراء فأغنيتكم؟ وكانت حروب بين الأوس والخزرج فألف الله بين قلوبكم؟».

فقالوا: «بل لله ولرسوله المنّة»، قالوا: «نحن نعترف، أنتم أصحاب المنّة يا رسول الله». لكن قال شوف الحوار، قال: «لكنكم تستطيعون أن تردوا علي وتقولوا لي في المقابل، أجيبوني». قالوا: «وما نجيبك يا رسول الله؟». قال: «أما والله لو شئتم لقلتم ولصدقتم، ماذا ستقولون؟».

أي، لو شئتم لقلتم وصدقتم: «أتيتنا مكذبًا فصدقناك». أنتم تقدروا تحكوا لي صح، أنتم كونوا سببًا في إسلامنا وكنّا فقراء فغنينا بك، لكن أنتم برضه لكم منا، ممكن تقولوا: «يا رسول الله، أنت كنت في مكة محاصرًا، صحيح نحن الذين آويناك، كنت مكذبًا فصدقناك، ومخذولًا فنصرناك، وطريدًا فأويناك، وعائلًا فأغنيناك».

يعني أنتم بإمكانكم أيضًا أن تحاوروا هذا الحوار. «أو وجدتم في أنفسكم يا معشر الأنصار لعاعة من الدنيا تألفت بها قومًا من الأعراب ليسلموا؟». زعلانين من أجل مال، يعني طبعًا هي مئات الآلاف، ماذا سماها النبي عليه الصلاة والسلام؟ «لعاعة من الدنيا»، لعاعة من الدنيا تألفت بها قومًا.

ثم قال: «أفلا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير، واليوم يذهب الناس بالشاة والبعير والغنائم، وترجعون برسول الله صلى الله عليه وسلم في رحالكم؟». النبي عليه الصلاة والسلام أغلى من الذهب، أغلى من الفضة، أغلى من كل الدنيا. «هو الذي نفسي بيده، لولا الهجرة لكنت امرأً من الأنصار، يعني أنا منكم، أنا لولا أنني مهاجر فاسمي مهاجر وإلا سأكون أنصاريًا منكم، ولو سلك الناس شعبًا واختاروا خيارًا في الحياة، وسلكت الأنصار شعبًا، لسلكت شعب الأنصار».

شوف الكلام الذي، طبعًا مين يفهم هذا الكلام لو أعرابي؟ صعب، يقول: «يا رسول الله عاد نحن بدنا الغنائم». عاد هذه أمور نفسية، يعني نحن بدنا الغنائم، لكن الأنصار هم عرفوا الدين، عرفوا أن النبي عليه الصلاة والسلام أغلى من الكنز. «هو الذي نفسي بيده لولا الهجرة لكنت امرأً من الأنصار، ولو سلك الناس شعبًا وسلك الأنصار شعبًا لسلكت شعب الأنصار». اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار.

قال: فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم، يعني بلوا لحاهم من البكاء، لهذا الوفاء وهذا الحب وهذه المشاعر الجياشة من النبي عليه الصلاة والسلام تجاههم. خلاص ما بدنا أكثر من هيك، رجعنا بالنبي عليه الصلاة والسلام بما هو أعلى وأحلى وأجمل من كل الذهب والفضة والغنائم.

أيضًا النبي عليه الصلاة والسلام، وهذه قضية كم صار له ما ذكرها، كان النبي عليه الصلاة والسلام يراعي الصفات الخاصة بكل صحابي من الصحابة، وهذه جيدة أن تراعيها. بعض الشباب لما يتعامل مع إخوانه لا يراعي أن كل واحد من أصدقائه له صفة، يحب يتعامل معه وفق هذه الصفة. يعني في صديق لك طبيعته عنده غيرة، فلازم تتعامل معه وفق صفة أنه غيور. في صديق طبيعته عصبي، تتعامل معه أنه عصبي ما تستفزه. في صديق مثلاً طبيعته أنه حي، بدك تتعامل معه على أنه حي، يحب مثلاً لما ينزل في المسبح ينزل بالتيشيرت، لا بدك تقول له: «يا عمي أنا بحب»، لا، بدك تقول له: «عيب»، والشباب تفتحه، خلص تعامل معها على هذا البعد. في صديق يحب المزاح، الجدية يا أخي، خلص تعامل معه على هذا البعد.

النبي عليه الصلاة والسلام يعلمنا مراعاة هذه الصفات الشخصية في كل صديق من أصدقائك. فمثلاً عمر كان معروفًا بشدة الغيرة، رجل عنده غيرة كبيرة، فيقول النبي عليه الصلاة والسلام يومًا بينما أنا نائم: «رأيتني في الجنة، فإذا امرأة تتوضأ إلى جانب قصر، فقلت -في الرؤية- لمن هذا القصر؟ فقال: لعمر بن الخطاب، فأردت أن أدخل قصرك يا عمر، وأردت أن أدخله، فانظر فيه، فذكرت غيرتك أنه جوا القصر الحور العين اللاتي خاصات به، فذكرت غيرتك فوليت مدبرًا». فبكى عمر وقال: «أعليك أغار يا رسول الله؟». لاحظوا كيف النبي عليه الصلاة والسلام حتى في المنام يراعي أن عمر عنده الغيرة، مش قال لا، بس هو صديقي وأنا أعز الناس عليه وأكيد يدخل القصر، حتى في هذا.

راعي هذه الصفة في عمر، في المقابل مثلا عثمان، بماذا كان معروف عثمان في الحياة؟

تقول عائشة: كان النبي ﷺ جالساً يوماً في البيت، وكان رافعاً رجليه قليلاً، وبالتالي الدشداشة والثوب نازل على ركبتيه، ساقاه وركبتاه مكشوفان. فدخل أبو بكر فلم يحرك ساكناً، النبي ﷺ بقي على جلسته، ثم استأذن عمر فدخل فلم يحرك ساكناً، استأذن عثمان فغير جلسته وجلس وأنزل الثوب على الركبتين.

فلما خرجوا، قالت عائشة: يا رسول الله، دخل أبو بكر وهو أحب الناس إليك وبقيت كاشفاً على الساق والركبة، يعني ماخذ أريحيتك في الجلسة، ثم دخل عمر فكان نفس الشيء والأريحية، ليش عثمان لما دخل غيرت جلستك وأنزلت الثوب على الساقين؟ فقال: «ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة».

هذا رجل حيي، لو رأى هذا المشهد ممكن يغادر من حيائه ما يستطيع يجلس ويرى القدم مكشوفة، مع أنه بالنسبة لأبي بكر وعمر الموضوع طبيعي، بس عثمان عنده هذا العيار فيه زيادة شوي، فالنبي ﷺ يحب هذه الصفة من عثمان ويراعيها في التعامل معه.

مثلاً لما أسلم أبو سفيان، أبو سفيان يحب ماذا؟ الفخر. فالعباس قال: يا رسول الله، هذا الرجل يحب الفخر، عنده فخر، حتى إذا ذهب إلى مكة يتقوى أمره. قال: خلص، من دخل دار أبي سفيان -لما أراد أن يفتح مكة- ماذا قال؟ «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن». أراد أن يراعي هذا البعد النفسي في سيدنا أبي سفيان، أنه رجل يحب الفخر.

وهذه قضية مهمة: أنزل أصحابك منازلهم. كل شخص من أصحابك، من أصدقائك، من الذكاء ومن مفاتيح القلوب أن تعرف: هذا يحب الدعابة، هذا لا يحب الدعابة، هذا غضوب، هذا مرح، هذا طيب، هذا غراء، هذا عنده خجل. لا تحاول تكسر الحواجز بطريقة فظة بحجة أن الصداقة يجب أن تذيب كل شيء، لا، ليس صحيحاً، الصداقة لا تعني أن تذيب كل شيء بل تعني الاحترام والتقدير المتبادل.

هناك أيضاً مواقف أخرى وأفكار أخرى ممكن تأخذها أيضاً فيما دونه الشيخ المنجد في "كيف عامل النبي ﷺ أصحابه"، لكن هذه رؤوس المسائل. اللهم علمنا واجعلنا على هدي النبي ﷺ وعلى خطاه نسير، ونتعلم من مدرسته وأخلاقه وهديه وسمته. آمين آمين، وصلِّ اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.