دخولتسجيل الدخول

الحلقة 3

سعيد المريد. سعيد المري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم. أيها الأحبة، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، وهو الفصل ليس بالهزل، وهو حبل الله المتين، والذكر الحكيم، والصراط المستقيم. هو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلق على كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه. من قال به صدق، ومن عمل به أوجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم.

وبعد، فحبل الله فينا كتابه، فجاهد به حبل العدى متحب. وأخلق به إذ ليس يخلق جدة، جديدا مواليه على الجدي مقبلة. أهلاً ومرحباً بكم، وحديثنا أيها الأحبة اليوم عن أصالة علم الفقه في الكتاب المبني على الكتاب والسنة، وتجديده واتساعه لكل مناحي الحياة، مع ضيفنا الدكتور سعيد المري. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته شيخ.

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. حياك الله يا أبو ناصر، وحيا الله المشاهدين الكرام، أهلاً ومرحباً بك.

والله أمس المشهد الدرامي الذي صار ودنا نعلق عليه، دارك الوقت ما قدرنا نعلق عليه، وهي مسألة رؤية الهلال، ما دمنا في رمضان وهذه في وقته مثل ما تقول، صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته. قديماً ما كان فيه تلسكوبات، فكانت العين المجردة هي الطريقة الوحيدة التي ممكن من خلالها يشوفون الهلال، لكن الآن فيه أجهزة وفيه تلسكوبات، ليش ما يكون هذا الشيء الحديث الذي صار أو بالآلات الحديثة تحقق فيها الرؤية؟

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد. مسألة التلسكوب ليست جديدة، هي قديمة، لكن الذي يتكلم فيه الناس الآن والخلاف بين المعاصرين هو في إعمال التقنية الجديدة والتقنية الحديثة جداً، التي يمكن أن ترى الهلال حتى قبل أن تغيب الشمس، واستخدام الحساب الفلكي الدقيق؛ يقولون الآن أصبح دقيقاً، في السابق كان دقيقاً لكنه أصبح أكثر دقة في هذا العصر. في المشهد صار الخلاف بين الاثنين؛ واحد يقول صوموا لرؤيته، وواحد يقول ليش ما نستخدمها؟ الدنيا الناس تطوروا، وناس وصلوا القمر ومش عارف إيش، وأنتم لسه جالسين على الرؤية.

طبعاً هذا الكلام يذكرني بكلام بعض الناس، دائماً يعلقون تخلف الأمة للأسف بأهل الدين. يأتيك واحد ويقول لك ناس وصلوا القمر وصنعوا الطيارات وقنابل نووية ومش عارف إيش، وأنتم لازلتم، حتى بعضهم يقول في أحكام الحيض والنفاس، يعني إيش هذا؟

نحن نقول رد عليهم، أهل الدين هذا تخصصهم، أقصد الأحكام الفقهية، وهم قد برعوا في هذا التخصص وأوجدوا الحلول للأحكام المتطورة. جاء التلفون وجاء التعاقد بالتواصل الاجتماعي، جاءت أشياء وتكلموا في هذا كله، كل ما جاء ما هو مستجد بنوه على القواعد الفقهية والأدلة واستدلوا له. هم ما زالوا يصونون هذه الأمة في دينها، في عقيدتها، في أصولها، في ثوابتها، لازالوا متمسكين بهذا.

القسم الثاني وهو التطور الدنيوي، التطور الديني حاصل لأهل الدين لأنهم مواكبون للعصر بالفتاوى. التطور الدنيوي كالصناعات والتكنولوجيا هذا ليس شغل أهل الدين، هي شغل الآخرين. فلما هذا الآخر يقول لي ليش الناس صنعوا الطيارة وأنتم ما زلتم؟ طيب إحنا إيش دخلنا؟ ادخل هندسة واصنع طيارة، ما رفضنا، بالعكس. الحجاب ايش دخله في الطيارة؟ إيش دخله في الصناعة؟ فأحياناً يتوجس في النفس أن هذا بغض للدين من أساسه، أصلاً هو مبغض للدين فيريد أن يعلق كل شيء على الدين.

نحن سألنا عبر حسابنا في تويتر سؤالاً: استعمال أصول الفقه وقواعده التي كتبها القدماء تتنافى مع مواكبة مستجدات العصر ويجب تغييرها؟ والله قالوا 28% صحيح الكلام، و72% يجب تغييرها. ففي ناس يقول لك ها لازم هذه القواعد تتغير، ليش ما تتغير؟

أولاً شوف هذا الكلام الآن في هذا الاستفتاء، أنا مع الذين قالوا إنه خطأ، وأنه لا يجب تغييرها، لأن القواعد هي أصول، أصولها الأدلة الكتاب والسنة، وهي التي تنفعنا في مواكبة العصر. لما يأتيك من القواعد مثلاً "المشقة تجلب التيسير"، "الحاجة تنزل منزلة الضرورة"، "الأصل براءة الذمة"، قواعد مستقاة من الكتاب والسنة، فهي تسهل للفقيه الفتيا.

على سبيل المثال، أنا بعطيك مثالاً، وإن كان هذا المثال إلى الآن ما عرفت ما هو قول العلماء فيه، هل صار هناك فتاوى فيه، لكنه برز لي الآن وقد كنت أفكر فيه سابقاً حينما سألني عنه. عندنا مثلاً مرضى السكر، لابد أن يفحصوا كل يوم، شوف سكره مرتفع مش مرتفع. جاءت تقنية جديدة وهي شريحة توضع هنا على الجلد، هذه الشريحة تمنع وصول الماء، الشخص الذي يريد أن يغتسل عليه جنابة مثلاً أو امرأة أو حائض أو نحوه، فهذا يمنع وصول الماء، وقول الفقهاء إن ما يمنع وصول الماء لابد من إزالته، وهذا معروف في شروط صحة الوضوء وصحة الطهارة.

هل عندنا قواعد الفقهاء يجوزون مثل هذه الشريحة؟ يعني مثل الجبيره عندنا. أحسنت، الجبيرة هذا وجه، وأنت ذكرتني بالجبيرة، لكن غيره وأقرب منه "المشقة تجلب التيسير" و"الحاجة تنزل منزلة الضرورة"، والضرورة تقدر بقدرها. شخص سكره خفيف ما هو محتاج أنه يفحص دائماً، هل وضعه لهذا ضرورة ولا حاجة؟ ليس حاجة، لكن شخص يومياً لازم يفحص ويخاف على نفسه، أحياناً يهبط مع السكر في الليل، فوضعه لمثل هذه يعتبر كأنه ضرورة؛ هو حاجة تنزل منزلة الضرورة والمشقة تجلب التيسير. لو أنه فحص كل يوم في هذا مشقة، كما أن نزعه له عند الغسل فيه مشقة لأنه إذا نزعه فسد، وإذا فسد لابد يأتي بواحد، وواحد آخر ثمنه غالي. فهذه القواعد التي يقول بعض المصوتين لابد من تغييرها هي تساعدنا على الحل، وهذا الشيء راح يتبين خلال الحلقات المقبلة.

من ضمن الأمور التي يمكن أن تلحظ في الشريعة، وهي من أدلة المشقة تجلب التيسير، أن النبي صلى الله عليه وسلم أجاز للمرأة الجنب ألا تنقض ضفائرها عند الغسل، بينما أمر الحائض بنقض ضفائرها. فرق بين الحائض وبين الجنب، ليش؟ الحائض يتكرر معها مرة واحدة في الشهر، فليس هناك أي مشقة، فقال لها: «انقضي ضفائرك» حتى يصل الماء إلى أقصى فروة الرأس. لكن الجنب ممكن المرأة تجنب أكثر من مرة إذا كانت متزوجة، ربما يومياً أو في الأسبوع ثلاث مرات أو نحوه، فيكون في غسلها وفي نقضها لضفائرها مشقة، فأجاز لها أن تنقض ضفائرها. كيف يعني مجرد الماء تضرب على رأسها ثلاث حثيات فيكون قد انتهى غسلها، لكن الظفائر الشاهد منها، الظفائر لا تنقض، فإذا لم تنقض الضفائر يجوز لها أن، طبعاً الأولى أن تنقض ضفائرها، لكن إذا لم تنقض ضفائرها لا يمكن أن يصل الماء لكل جزئية في الرأس، فهذا لأنه يتكرر، وهذا الذي يوضع لأنه يتكرر يقاس على هذا.

فقواعد الشريعة هي تدلنا على الأحكام في الحقيقة وتسهل لنا الأحكام. لكن الذين يقولون، معلش أنا أدري أنكم مستعجلون لكن أنا اليوم إذا تكلمت أريد أن أكمل عشان ما يبقى ناقصاً، لأن بقيت أشياء نواقص كثيرة في الحلقتين الماضيتين. ومكره أخاك لا بطل كما يقولون، أقول شوف نسيتني الله يجزاك خير، الحين بالنسبة هذه مال السكر، المهم من القواعد الفقهية هي تساعد. هؤلاء الذين يقولون يجب تغييرها ما أقصد المصوتين طبعاً، المصوتين ما لهم إلا الظاهر، يظنون يشوفون العبارة يسمعون الذين يقولون لا تعودوا بنا إلى عصر الجمل، لا تعودوا بنا، فيظنون أن هذا عود إلى عصر الجمل كما يقال. الحقيقة هذه القواعد هي قواعد مهمة جداً، وهي مستقاة من الكتاب والسنة، والكتاب والسنة صالح لكل عصر ولكل زمان ولكل حكم. كل حكم نجده في الكتاب والسنة، إما صريحاً وإما قياساً على ما في الكتاب والسنة، وفي مسائل كثيرة راح إن شاء الله يتم توضيحها من خلال الحلقات المقبلة.

حتى في موضوع رؤية الهلال، وهي ممكن نحن نتكلم عنها، هل نتكلم فيها ولا نخليها؟ لا خلنا نتكلم فيها معلش. مسألة المشهد الذي اختلفوا فيه، فقالوا ليش ما نعتمد الحساب الفلكي الحساب الفلكي الدقيق؟ طبعاً تكليفنا الشرع كلفنا بالرؤية، فقال: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته»، فعلق دخول الشهر برؤية الهلال. هناك الصلوات نجد أن الناس يعتمدون على الرزنامة في الصلوات وعلى الحساب الفلكي في الصلوات، لأن الشرع لم يعلق الصلوات بمشاهدة المشاهد، وإنما علقها بحركة الأفلاك؛ عند دلوك الشمس، عند مغيب الشمس، فمغيب الشمس يعرف بالحساب، دلوك الشمس يعرف بالحساب، لكن رؤية الرائي للهلال لا تعرفه بالحساب.

ولذلك أجمع العلماء وهذا من ضمن الأمور التي أذكرها دائماً أن خلاف الإجماع لا ينبغي، أجمع العلماء على أن دخول الشهر لا يثبت بالحساب مطلقاً، إجماع ذكر هذا الإجماع عدد من أهل العلم. المتاخرون ظنوا أن، يعني منهم من يقول إن الرؤية يمكن حسابها، يعني نحن لا نقول يدخل الهلال أو يدخل الشهر بالاقتران؛ تعرف الاقتران؟ الاقتران هو ولادة الهلال، أن يكون الشمس والأرض والقمر على استواء واحد، وهو يسمى الإصرار في آخر الشهر، هذا يسمى الاقتران ويسمى ولادة الشهر. لو اعتمدنا الاقتران لا يمكن أن يكون كل الدول تصوم في يوم واحد، لأن الاقتران يحصل في لحظة واحدة، فيكون عند بعض الناس ليل وعند بعض الناس نهار، عند بعض الناس شروق شمس وعند بعض الناس غروب شمس، هذه ناحية.

وهكذا رؤية الهلال، رؤية الهلال متعلقة بالشهر والشمس متعلقة باليوم. الناس يقبلون من أن تختلف الأمصار أو الدول تختلف في طلوع الشمس وغروبها، فمثلاً صلاة الفجر عند إندونيسيا ليست هي مثل أهل مكة، صحيح في وقت شروق الشمس هنا والناس قابلين هذا؛ والله أشرقت الشمس عندنا الساعة 12 من الليل عند أهل قطر مثلاً، هل نستطيع أن نقول لهم لا خطأ أخطأتم إلى الآن ما أشرقت؟ لا، أشرقت عندهم ما أشرقت. هكذا الهلال يرى في الغرب قبل أن يرى، إذا رؤي في الشرق رؤي في الغرب، وقد يرى في الغرب ولا يرى في الشرق، فيكون في الغرب أول رمضان مثلاً يوم الاثنين ويكون في الشرق أول رمضان يوم الثلاثاء، وهذا لا إشكال فيه، كما أن الساعات اختلفت في النهار فالأيام تختلف في الشهر من حيث بداية الشهر، كما أن الساعات تختلف من حيث بداية اليوم من الأقطار، كذلك الشهر يختلف في بداياته باليومية من دولة لدولة، ما أدري هل هذا واضح؟

واضح، ما شاء الله، جزاك الله خير شيخنا. خلينا نقرأ الآية والحديث في موضوع حلقتنا اليوم، اللي هو أهمية المذاهب القدماء. يقول الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: 108]. وحديث الرسول صلى الله عليه وسلم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: نادى فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً انصرف عن الأحزاب: «أن لا يصلين أحد الظهر إلا في بني قريظة»، فتخوفوا دون بني قريظة، وقال آخرون: لا نصلي إلا حيث أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن فاتنا الوقت، قال: فما عنف واحداً من الفريقين، متفق عليه.

بالنسبة للآية والحديث، الحديث أمره مفهوم وهو أنه صار خلاف بين الصحابة ولم يعنف النبي أحداً من الفريقين، لأن كل فريق اعتمد على شيء؛ ففريق اعتمد على ظاهر اللفظ «لا يصلين أحدكم الظهر» وهو النص، وفريق اعتمد على مراد النص ومقصود النص، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أراد منهم العجلة، فأراد منهم العجلة فصلوا لما حانت الصلاة. فالنبي صلى الله عليه وسلم لما رأى كل واحد من الفريقين قد استعمل القياس، واستعمل فكره، واستعمل دلالات النصوص استعمالاً صحيحاً، واجتهد بحيث لا يلام بعد ذلك، لم يلمهم النبي صلى الله عليه وسلم ولم يعنف أحداً من الفريقين. وهذا أصل في الخلاف بين الفقهاء، لما يأتي الناس ويقولون والله هذا خالف هذا، لابد أن يكون هذا اعتمد على شيء وهذا اعتمد على شيء، والأمور بسيطة. النبي لم يعنف أياً من الفريقين، لم يعنف هؤلاء ولم يعنف هؤلاء، فنحن كذلك لا نعنفهم.

المشكلة حتى في الآن أي فتوى يقول لا هذا ما يفهم وهذا يفهم، إيش رأيك؟ ليش قاعد تدخل؟ يطعنون في العلماء فيها، لهالدرجة يعني؟

الآن الآية تقول: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.

التجديد لا إشكال فيه، الإشكال فيه هو التغيير؛ تغيير النصوص وتغيير القواعد، هذا هو الإشكال. هذا سبيل النبي صلى الله عليه وسلم، وهؤلاء العلماء أخذوا من النبي صلى الله عليه وسلم قوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: 108]. نحن وظيفتنا في الحياة هنا هي الدعوة إلى الله، الدعوة إلى هذا الدين، والدعوة إلى سماحة الدين. والدين الله سبحانه وتعالى هو الذي أتى به الخالق، وهو العالم بما يصلح للناس.

نحن مبتلون بفريقين؛ منهم العلمانيون الذين يرون أن الدين فقط يصلح في العبادات ولا يصلح في شيء آخر؛ فقط في المسجد. هو يعلم أنه مسلم ويدعي الإسلام، لكنه متأثر بثقافات أخرى بحيث يقول إن الدين لو تدخل في السياسة، لو تدخل في الاقتصاد، لو تدخل في كذا لأفسده. والحقيقة أن الذي يعلم هو الله؛ الذي أورد هذه الأحكام هو الخالق، ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: 14]. ينبغي أن يكون عندنا اعتقاد جازم بأن ديننا صالح لكل مكان وصالح لكل زمان، وفيه يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: 3]. وقد حكم هذا الدين العالم، أو أكبر جزء من العالم، لمدة قرون وأوجد فيه الحلول لكل شيء.

فهل العجز إذا كان هناك عجز، فهو عجز في أذهاننا نحن، وأما الدين ففيه كل ما نحتاجه؛ فيه السياسة، فيه القضاء، فيه العبادات والروحانيات، فيه المعاملات وأحكام العقود، فيه الأسرة وشؤونها، فيه كل شيء. فينبغي علينا أن ندعو على بصيرة، أي على ثبات وعلى يقين أن هذا الدين حق. الله هو الواحد سبحانه وتعالى، ما أحد يشك في وجود الله إلا الملحدون؛ ولا يكاد في جميع البشر يوجد للخالق أي منكر إلا العتاة من ذوي الجحود كمثل فرعون أو النمرود. وكم من الدلائل دلت على الخالق لكل عاقل، كقول الأعرابي: إن الأثر دل على المسير. فهذا الخالق الذي لا يمترى أحد في وجوده، هو أرسل إلينا رسولاً، لم يترك الناس في دينهم وفي معاشهم لأنفسهم، وإنما أرسل لهم رسلاً؛ لأن الناس يختلفون، عقولنا تختلف، وأذواقنا تختلف، وأجسامنا تختلف.

نحن في أجسامنا وفي أذواقنا وفي عقولنا عندنا حد أدنى وحد أعلى لا يمكن أن نتجاوزها. لا يمكن أن نفهم مثلاً اجتماع النقيضين، هل يستوعب العقل وجود الخالق الذي لا بداية له؟ كيف يستوعب العقل ذلك؟ هو مخلوق، والمخلوق لا يمكن أن يحيط بالخالق. فالله سبحانه وتعالى لم يترك حياة الناس لأنفسهم، وإنما أورد لهم الدين وهو أعلم بما يصلحهم. أحياناً نظن أن في هذا صلاحاً، مثلاً في الربا، نظن أن فيه مصلحة للاقتصاد، لكن الشرع حرمه، فأينا أعلم؟ نحن أم الشرع؟ الشرع هو الذي حرم هذا. وهكذا شرب الخمر، وهكذا كل المعاملات وكل الأحكام الموجودة؛ لا شك أن الدين أو الله سبحانه وتعالى أو المشرع أعلم بما يصلح الناس وبما يصلح للناس. الحمد لله على نعمة الإسلام.

بالنسبة للمشهد، كان فيه واحد ليس محباً أن يقرأ للقدماء ويرى أننا نحتاج إلى التطور، والثاني متمسك بالقديم. التمسك بالقديم هو مرحلة، وإن كان لا يمكن أن تحيط به، فإذا كنت طالب علم لا بد من دراسة متن فقهي أو شيء في الحديث، ولا بد من مصادر هي الأصول في أبوابها. هناك كتب أصول في أبوابها؛ يعني واحد يبغي يدرس الفقه الحنبلي مثلاً، لا بد أن يكون من أصوله «المغني» لابن قدامة؛ هو من أصول الكتب التي يرجع إليها. فلما يقول لي: لا ترجع لهؤلاء القدماء، فهذا الكلام لا يصلح.

صحيح أن المحدثين أو المعاصرين أيضاً من النباهة بمكان، أقصد العلماء، أنهم لم يكرروا ما يذكره القدماء. فمثلاً يأتون إلى مسألة عند القدماء لم تبحث بشكل موسع، أو باب من الأبواب يحتاجون إلى جمع كلامهم من هنا وهناك بحيث يكون التصور فيه واضحاً. فأكثر جهود المعاصرين في هذا؛ يأتون إلى مسائل معينة ويقتلونها بحثاً، بحيث يجمعون كلام القدماء والأدلة، بحيث يستطيعون معرفة أو تمييز أي الكلام أولى أو أقرب، وتتجلى ببحوثهم المسألة. فهؤلاء ليسوا ضداً لهؤلاء، وإنما عندهم شيء من التطوير. أنا أقصد به العلماء، لكن هناك أناس يريدون التغيير حقيقة؛ يقول لك نحن لا بد أن نغير الفقه، لا بد أن نجدد أصول الفقه، حتى أصول الفقه لا بد أن نجددها.

طيب يا حبيبنا؛ واحد من أصحابنا كنا في مجلس، وكان واحد من الجالسين يدندن على هذا الكلام: لا بد من تجديد الفقه، لا بد من تجديد أصول الفقه، وكذا وكذا. قال يا حبيبنا الكريم، أنت جيب لك منهجاً واضحاً ويصير عندك تلاميذ يحررون، وخلنا نشوفه، بس تنهانا عن الأصول القديمة وأنت ما عندك منهج الآن مكتمل! مثل ما يجيك واحد يقول لك: لا تستعمل الشركة هذه في بيتك ولا كذا، طيب أنت عندك شركة ثانية؟ لا ما عنده. فهو قال له: أوجد لنا منهجك أولاً حتى نقيمه، وبعدين ممكن نترك المنهج السابق ونسلك منهجك، دامك ما أعطيتنا منهجاً خلنا على منهجنا السابق.

هم المعاصرون مثل التكملة أو امتداد للمتاخرين؛ هو جهد المعاصرين في تنزيل هذه القواعد وهذه الأدلة على الجديد من المسائل، والاستشهاد بكلام القدماء، وتوسيع الكلام في بعض المناحي التي نحتاج إليها. وإلا فبعض المسائل أو جمهور أدلة الفقه وقواعد الفقه هي عند القدماء قد قتلوها بحثاً وانتهوا منها. بل إن القدماء عندهم من الكلام ما يمكن أن نستفيد منه في عصرنا. أعطيك على سبيل المثال، مثلاً يقولون في السفر علة القصر السفر، فالسفر إذا كان طويلاً يجيز القصر، فيجوز لك القصر ولو قطعته في لحظة، هكذا يعبرون؛ ولو قطعته في لحظة، ما كانوا يتصورون أن يجيء واحد في طيارة ممكن تقطع 80 كيلو في لحظة. وهكذا يقولون لو طار ولي لله على ومر على الميقات يحرم وهو طائر؛ فنجد عندهم من العجائب ما تدلنا على أشياء.

مثلاً يتكلمون عن الطلاق والبيوع والكتابة في ذلك، فيقولون الكتابة تؤدي مؤدى الألفاظ، لكن الطلاق بالكتابة يعتبر كناية. الحين إذا قال الرجل لامرأته: أنت طالق، هذا صريح؛ لا نسأل: هل أنت ناوي ولا مش ناوي ولا إيش تقصد؟ خلاص. لكن لو كتب: أنت طالق، اللفظ صريح؛ رسالة في واتساب ولا شيء. لكن لو قال لها مثلاً: اذهبي، أو أنتِ خلية، أو كلام ليس واضحاً في الطلاق، يسمونه كنايات الطلاق؛ فيقول له الفقهاء: ماذا قصدت؟ هل تقصد طلقة واحدة؟ هل تقصد طلاقاً أو لا تقصد؟ يسمونه كناية الطلاق، لا بد من أن يسأل. فالفقهاء ماذا قالوا في الكتابة؟ قالوا الكتابة كناية طلاق؛ يعني لو واحد أرسل بالواتساب على زوجته الطلاق بلفظ صريح، نقول له: هل نويت الطلاق؟ لأنه قد يكون يجرب، يجرب الخط يكتب.

بالنسبة للأسئلة: إذا اختلف العلماء في مسألة وكلهم بنفس المنزلة عنده من حيث العلم والثقة، فله الأخذ بأي الأقوال. أما بالنسبة للأخذ بالأسهل، فلا يجوز؛ لأنه تتبع للرخص، وتتبع الرخص لا يجوز. وإذا وجد العالم أو طالب العلم دليلاً في مسألة على خلاف إجماع العلماء، فليس له الأخذ بالدليل؛ لأن إجماع العلماء حجة قاطعة، ولا بد أن يكون هذا الدليل هو فهمه على غير وجهه. هل يصح التجديد في الأحكام الفقهية دون مراعاة الأدلة والأصول الفقهية؟ لا يصح؛ لا بد من مراعاة الأصول والقواعد المبنية على الأدلة. وقواعد الشرع تقتضي عدم الانتفاع بالدم عند الضرورة لكونه محرماً، لكن الفقهاء يقولون: أوجدوا استخدام الدم للضرورة؛ لأن الله سبحانه وتعالى لما حرم الدم: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: 173].