دخولتسجيل الدخول

الحلقة 2

سعيد المريد. سعيد المري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، أيها الأحبة، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. بقدر الكد تكتسب المعالي، ومن طلب العلا سهر الليالي، ومن طلب العلا من غير كد أضاع العمر في طلب المحالي. لم يكلفنا الله عز وجل أيها الأحبة إلا بما نقدر عليه: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286]، ولم يطالبنا إلا ببذل الاستطاعة، فاتقوا الله ما استطعتم، وعفا عن خطئنا لو أخطأنا بعد بذل الوسع. إذا اجتهد المجتهد فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر واحد.

أهلاً ومرحباً بكم أيها الأحبة في هذه الحلقة مع فضيلة الشيخ الدكتور سعيد البديوي المري، الأستاذ بكلية الشريعة والدراسات الإسلامية في جامعة قطر، واليوم يحدثنا عن الاجتهاد وشروطه وموقف المسلم العامي تجاه هذا.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته الشيخ. وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، حياك الله يا أبو ناصر وحي الله المشاهدين الكرام.

نحن تطرقنا بالأمس لموضوع الخلاف والاختلاف الذي يصير، والمدارس ونشأة المذاهب. لكن هنا السؤال الذي طرحناه على إخواننا المشاهدين عبر حسابنا في تويتر -حساب تلفزيون قطر-، السؤال كان يقول: إذا وجدنا العلماء مجمعين على حكم معين يخالف في ظاهره القرآن أو الحديث، هل نقدم القرآن والحديث أم نقدم الإجماع المتيقن؟

الناس قالوا والله 76% نقدم القرآن والحديث، والباقي قالوا الإجماع، هذا 24% شاركوا فيه تقريباً، ما شاء الله 1060 من المتابعين والمشاهدين الكرام. في بعض حتى الإجابات كل واحد برر؛ واحد يقول: لا، الإجماع المتيقن لأنهم يفقهون المعنى الباطن للآية أو الحديث. الثاني يقول: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: 10]، يقول لك: لا، هذا القرآن والسنة هو الأساس. واحد يقول مثلاً إجابات كثيرة ما شاء الله، الإجابة الثانية لأن العلماء يفقهون في اللغة أكثر منا، وهناك من يقول الإجابة الأولى: لا، لأننا نقدم كلام الله، كلام الله هو الدستور، وإذا لم يوجد في القرآن نرجع إلى الحديث، وإن لم يوجد في الحديث يجتهد أهل العلم. كل واحد قال بنظره عنده بالنسبة للسؤال، الصراحة أنا أحس أن السؤال تحيرت فيه، ولا إيش رأيك دكتور؟ تحيرنا فيه ولا سوينا فيه تحير يعني.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد. الحقيقة الكلام حول الاختلاف والاتفاق والمذاهب كلام متشعب، والاجتهاد بالأمس كنا رأينا في المشهد خلافاً على الفاتحة، وأن الشافعي رحمه الله عليه يوجب الفاتحة على المأموم والجمهور لا يوجبون، والناس الذين كانوا موجودين في المشهد متحيرين؛ واحد يأمرهم بكذا وواحد يأمرهم بكذا.

ثم أورد أحدهم تعارضاً في الظاهر بين آية وحديث، وهي قوله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا﴾ [الأعراف: 204]، والحديث: «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب». فذهب الجمهور إلى أن المأموم إذا قرأ إمامه فعليه الإنصات اتباعاً للآية، وذهب الشافعي من باب الاحتياط إلى أنه عليه أن يقرأ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب»، وهذا يعم الإمام والمأموم والمنفرد، يعم الجميع. طبعاً لكل أحد من هؤلاء العلماء وجهة نظر صحيحة وهي معتبرة جداً، وأدلتهم لو خضنا في أدلتهم هذا الموضوع بروحه لا نريد أن ندخل، شائك جداً، لكنه يصعب ترجيح أحد الأقوال على بعضها من قبلنا حقيقة، الشخص العادي لا يمكن أن يترجح له شيء، ربما يترجح له شيء لكنه بعيد عن الاستدلال والاستنباط الحقيقي.

لكن لماذا الاختلاف يا شيخنا؟ لماذا لا يكون هناك رأي موحد؟ نحن ما زلنا نتكلم عن الاستفتاء، رأي موحد لا يمكن. شوف المذاهب الأربعة، أنت أحمد ربك أنها مذاهب أربعة؛ المذاهب الأربعة هي التي وقع عليها قبول الناس، وهي التي اعتني بها عناية شديدة. مذهب الإمام مالك ومذهب أبي حنيفة ومذهب الشافعي ومذهب أحمد، الأمة كلها تقريباً نقدر نقول جل الأمة يتبعون هذه المذاهب. والعلماء على عظمتهم، كثير منهم وعظمتهم كلهم، هناك علماء فطاحل وعلماء كبار جداً؛ مثلاً الشاطبي وابن تيمية وابن عبد البر والخطيب البغدادي، أئمة كبار، ومع ذلك هؤلاء الأئمة الكبار عاشوا في ظل هذه المذاهب الأربعة، وهذه المذاهب وجد لها من ينقح ويحقق أقوال الأئمة فيها ويبين معناها، وبالتالي بنيت هذه المذاهب بناءً رصيناً.

لو أن الناس رجعوا إلى فهم الكتاب والسنة وحدهم، يعني كل عالم يقول أنا سأنطلق من الكتاب والسنة ولن يتقيد بشيء من المذهب، كم سيكون عندنا من مذهب؟ سيكون عندنا مذاهب كثيرة جداً، هذا العالم له مذهب وهذا العالم، خلاص أنت عندك أربع خيارات، بهذه الطريقة عندنا أربع خيارات؛ قبلها كان هناك خيارات كثيرة، هناك الثوري، هناك الأوزاعي، هناك الليث بن سعد، كل هؤلاء أئمة، لكن هؤلاء لم يقيد الله لهم تلاميذ يحررون مذهبهم، فبقيت المذاهب الأربعة هي المذاهب المشهورة. والحقيقة أنها شاملة لكل الأحكام ومتسعة، والآراء واسعة فيها، والاختلاف فيها من سعة هذا الدين ومن رحمة الله علينا، ولذلك قال الإمام ابن قدامة كما ذكرت في آخر كلامي في الحلقة الماضية: اختلافهم رحمة واسعة، واتفاقهم حجة قاطعة، يقصد العلماء هنا.

نرجع إلى الاستفتاء، الاستفتاء فيه إجماع وفيه سنة وكتاب، قلنا: إذا كان هناك مسألة قال العلماء فيها بقول يخالف في الظاهر الكتاب والسنة، فهل نتبع الكتاب والسنة ولا نتبع العلماء الذين أجمعوا على هذه المسألة؟ أولاً لابد أن نفترض عندنا أن العلماء لا يمكن أن يتركوا الكتاب والسنة، الكتاب والسنة أكيد الأساس، وهذا يذكرني بقول عروة بن الزبير لابن عباس؛ ابن عباس كان يأمر الناس بالإحلال إذا أحرم في الحج إذا طافوا بالبيت، يقول: أحللت من إحرامي، شئت أم أبيت، سنة أبي القاسم. فكان عروة بن الزبير -وهو تلميذ عائشة وتلميذ جماعة من الصحابة الكبار- يعارضه ويقول: تقول قولاً لم يقل به أحد من قبلك أو نحو هذا الكلام. فيقول ابن عباس: ويقول قال أبو بكر وعمر، فيقول عروة بن الزبير كذا وكذا، فيقول ابن عباس: أقول لك قال رسول الله، وتقول قال أبو بكر وعمر؟ فقال عروة بن الزبير: هما أعلم بالله ورسوله منك.

الشاهد من الكلام أن العلماء، ولذلك في الأصول عندنا في أصول الفقه في ترتيب الأدلة، هناك باب في أصول الفقه اسمه ترتيب الأدلة، كيف نرتب الأدلة عندما نستدل بها؟ فبدأ بالإجماع، يبدأ بالإجماع فالكتاب والسنة لهذا إلى الصواب. لماذا يبدأ بالإجماع؟ الإجماع إجماع علماء الأمة، ورد أنه: «لا تجتمع أمتي على ضلالة»، فالإجماع معصوم من الخطأ، والكتاب معصوم من الخطأ، والسنة معصومة من الخطأ، لكن فهمنا نحن للكتاب هو الذي يحصل فيه الخطأ. فأحياناً يأتي واحد ويفهم من الكتاب شيئاً ليس بصحيح، يظن أن هذا دليل على هذه المسألة، فلما يرى الإجماع قد خالفه فليتيقن في داخله أن فهمه للكتاب أو فهمه للسنة كان خاطئاً.

أنا كإنسان عامي، أنا كيف أرجح؟ الآن عندي الشيخ يقول رأي وشيخ آخر يقول رأي استناداً للمذاهب، أنت تريد أن تسأل ما موقف العامي؟ ما مذهبه؟ العامي مذهبه مذهب مفتيه الذي يثق به من الناس؛ عليه أن يسأله، لأنه غداً يوم القيامة سيسأله الله عما يثق به، عما يتدين به. فمثلاً إذا عندنا زيد من الناس يثق بعمر من الناس ولا يثق بخالد من الناس، ورأى أن فتوى خالد أنسب له، هل يتبع خالد ولا عليه أن يتبع من يثق به ويرى أنه أقرب وأوثق وأعلم ونحو ذلك؟ فالعامي مذهبه مذهب مفتيه، بس يمكن العامي دائماً يدور على الأيسر، هل فيها مشكلة هذه؟ طبعاً تتبع الرخص فقد تزندق، لما أنت في كل مسألة تبحث عن الأسهل في كل مسألة، فمرة تأخذ من عقيل ومرة تأخذ من خالد ومرة تأخذ من عمر لما يوافق هواك، هذا ليس من الهدي الصحيح، بل هذا يعتبر فسقاً لأنه يتتبع ما أسهل عليه.

خلينا ندخل الآن في موضوعنا، موضوع اليوم الذي هو موضوع الاجتهاد، تريد أن نقرأ الآية والحديث أم نسأل بمعنى الاجتهاد؟ إيش معنى الاجتهاد يا شيخ؟ الاجتهاد في الحقيقة هو بذل العالم وسعه للوصول إلى حكم شرعي. الاجتهاد بذل كل وسع الفقيه كي يصل لحكم شرعي، طبعاً الاجتهاد لا يكون إلا من الفقهاء، طبعاً الاجتهاد الذي أتكلم عنه هو الاجتهاد المصطلحي عند الأصوليين، ليس المقصود به الاجتهاد في اللغة لأن كل واحد يجتهد في اللغة؛ كل إنسان مجتهد صحيح بقدر أحد يزيد في الصلاة، يصلي كثيراً هذا اجتهاد منهم، العامي عنده اجتهاد لكنه بقدره، نحن نتكلم عن استنباط الأحكام هذا يكون للعلماء.

فهذا الذي أتكلم فيه الآن، أما العامي مثلاً ممكن يجتهد لمعرفة القبلة إذا كان في مكان صحيح، هذا اجتهاد من العامي، ممكن يجتهد في مسألة مثلاً يعلم أن الزيادة في الصلاة تحتاج إلى سجود سهو إذا كانت من جنس الصلاة، فيجتهد: هل هذه الزيادة التي زدتها من جنس الصلاة ولا من غير جنس الصلاة؟ إذا كانت من غير جنس الصلاة لابد أن يسجد، إذا كانت من جنس الصلاة إذا كان قليلاً أو كثيراً فهذا المجال إذا علمه العامي من العالم ينزل عليه القاعدة على فعله هو. وأما الاجتهاد الذي أتكلم عنه أو يتكلم عنه أهل العلم فهو اجتهاد العلماء؛ بذل الوسع لمعرفة حكم شرعي للوصول إلى حكم شرعي، وهذا له شروط.

شروط الاجتهاد: معرفة اللغة، ومعرفة الكتاب، ومعرفة السنة، ومعرفة الخلاف، ومعرفة الإجماع، ومعرفة الناسخ والمنسوخ؛ يبي عالم كبير. شروط هذه اجتهاد أن يكون في الفقهاء الذين يعلمون شروط الاجتهاد، يكون في الفقهاء الذين يعلمون أصول الفقه، والذي منه استمد والنقل مع مراتب له تلد. لابد أن يعرف أصول الفقه، أصول الفقه هي تلك الأدلة الإجمالية التي تدلنا على أن هذا دليل أو ليس بدليل، هذا لابد أن يعرفه المجتهد صحيح. وهكذا يعرف النقل الكتاب والسنة ومراتبها، وأيضاً يعرف من العلماء من قال، يعرف من الكتاب والسنة ما يتعلق بالأحكام من الكتاب والحديث حققاً، ما كان بالأحكام قد تعلق، وناسخ ثم ومنسوخ ورد، ثم الذي يقبل والذي يرد، وما كفى من نحو نوم اللغة تعلق بالذكر أو بالسنة ومجمعاً، ذا الذي يعلم. والذي لا يعلم ما يدخلون في أمور الطب والأمور، لا لا، هذا خلي حق للطب، لكن الدين تلاقي كل واحد ما شاء الله، ولا بد أن يكون عنده علم باللغة وبدلالة الألفاظ.

جاء يتكلم عن البخاري ومسلم ويتكلم عن حديث هناك وأنه مردود وهذا يخالف القرآن، والحديث هو أن ابن مسعود أن علقمة بن قيس النخعي جاء إلى أبي الدرداء فقال: كيف قراءة ابن مسعود؟ قال في سورة ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ قال: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى * وَالذَّكَرِ وَالْأُنثَى﴾ [الليل: 1-3]، هذا في صحيح البخاري، وفي مسلم المعروف عندنا ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى﴾ [الليل: 3]، هو قال: ﴿وَالذَّكَرِ وَالْأُنثَى﴾. طبعاً أخرجه البخاري وأخرجه مسلم وأخرجه أحمد وأخرجه أئمة الإسلام، وما علقوا عليه بشيء. طيب أنت لما ترى هذا أن الأئمة يخرجونه، هم لا يحفظون القرآن؟ كل واحد يدرك هذا الأمر الذي موجود في الحديث، فكل هؤلاء لما يخرجون ويسكتون لا بد أن عندهم فهماً لهذا الحديث. وصاحبنا يقول: والله هذا الله بريء منه وهذه سخافات وإلى آخره. طيب ماذا تعلمت أنت؟ هل رجعت إلى كلام العلم؟ هل فهمت الموضوع؟

يعني هم أحياناً مثل هؤلاء ينادون بالتعقل وباستخدام يقول لك لا تسلم عقلك لأحد، يعني أنت تفكر، طيب أنت تسلم عقلك للطبيب ولا ما تسلم؟ تسلم عقلك للمهندس ولا ما تسلم؟ الحين المذاهب الأربعة أنا أعطيك مثالاً على المذاهب الأربعة، لو كنت عندك بيت تريد أن تبنيه وبيت العمر مثل ما يقولون، ومتوفر عندك المادة، تلجأ إلى مقاول توه أمس فاتح شركته ولا تلجأ إلى شركة معتمدة، مقاول كبير صار له سنين، 50 سنة أو نحوه؟ هذه المذاهب مذاهب ترسخت، وكل العلماء أما أن يكون حنفياً أو مالكياً، وتجد أنهم قعدوا القواعد ورسخوها وفرعوا عليها.

أما بعض المذاهب الموجودة الآن التي لا تتبع إلا أشخاصاً معينين مثل مذهب ابن حزم على سبيل المثال؛ ابن حزم الظاهري لم يأتِ بعده تلاميذ يحققون مذهبه، فالذي يتمذهب بمذهب ابن حزم كأنه يأخذ من مقاول جديد. ومن الأشياء التي حصلت أعطيك على سبيل المثال، أنا أعرف أن الوقت تأخر، مثلاً الطلاق في الحيض؛ ابن حزم هو الوحيد الذي خالف الأمة وقال إن الطلاق في الحيض لا يقع، طبعاً اتبعته بعض الجهات محاكم وغيرها لأنه مذهب ابن حزم، ثم نصره ابن تيمية، ثم نصره ابن باز رحمه الله عليه، لكن العلماء قاطبة يخالفون ابن حزم في هذا. طيب ابن حزم ما قعد لمذهبه، قال إن الطلاق في الحيض لا يقع. طيب جاءت حالات عند شخص يقول بمذهب ابن حزم فقال له واحد: يا أخي أنا طلقت 20 طلقة في السابق ما أدري في حيض في غير حيض! أين التقعيد؟ وأين التفريع الذي موجود عند ابن حزم على هذه المسألة؟ لكن تذهب إلى الفقهاء الآخرين تجد التفريعات، فهي مذاهب مبنية رصينة سارت عليها الأمة 14 قرناً، نأتي نحن الآن...

ونقول والله هذا الجهد كله، ويوجد من يقول مثلاً مشكلة التراث الكبرى، ويقصد أن 13 قرناً أو 12 قرناً تذهب سُدى. لكن نحن طبعاً في أمور استُحدثت هي مدار حديثنا، وهناك علماء اجتهدوا في هذه الأمور، وهذه المذاهب قد أوجدت القواعد التي يمكن أن تُبنى وتُستنبط منها كل ما هو مستحدث. وسترى إن شاء الله مع الحلقات المقبلة ذلك.

يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العظيم: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: 83].

وهنا حديث للرسول ﷺ عن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ». متفق عليه.

بالنسبة للآية فيها فوائد كثيرة، لكن سأختصر كلامي على مسألة مهمة جداً. الآية تقول: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾. أي إذا جاءهم شيء يخيفهم أو شيء يأمنون به أذاعوا به وشهروه، ولو ردوه إلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم. وهذا منهج تربوي إسلامي قرآني للأمة؛ أنهم إذا جاءت أمور تخص الأمة، سواء في الأمن أو غيره، أن يردوها إلى أهل العلم.

ونقدر نضرب أمثلة عليها من الأمر الذي حصل لنا في هذه السنوات الماضية، الحمد لله، موضوع كورونا. كم من الناس أظهروا إشاعات في ذلك الحدث؟ الذي يقول هناك شرائح توضع، والذي يقول لك "فايف جي" (5G) أنها تنشر المرض، وكل يتكلم. حتى بالنسبة لـ "فايف جي" هذه التقنية، يقولون في دولة من الدول ثار الناس وسووا مظاهرة عوام وهدموا أبراج الاتصالات! خرج لهم المسؤول وقال: يا جماعة إحنا ما عندنا "جي"، أنتم الحين خربتم اتصالاتكم.

أحياناً إذا لم يتقيدوا بالمنهج الديني هذا القرآن يقول: ردوه إلى أهل العلم. عندنا مسألة تتعلق بالطب، من نسأل فيها؟ أهل الطب. ما يصلح لنا أن نشيع كل ما نسمعه من الناس من مقاطع، يقول هذا طبيب. طيب تعرف هذا الطبيب؟ قال: ما أعرف. شلون عرفت؟ قال: مكتوب طبيب. طيب يمكن هذا منتحل، ويمكن طبيب أصلاً مخالف للأطباء، يمكن عقله فيه شيء. ثم عندنا قاعدة في الحديث يقولون: الإسناد، لولا الإسناد لقال من شاء ما شاء. أنت الإسناد بالنسبة لوزارة الصحة سهل وواضح، وزارة الصحة تعلن لك عن الأمور، والأطباء هنا يعلنون لك عن الأمور، صحيح ولا لا؟ طيب هذا الذي أنت أخرجت كلامه هل تعرفه؟ هل سنده صحيح عندك ولا مجهول؟ مجهول، والسند المجهول من قسم الضعيف. هذا مما تدل عليه هذه الآية: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ﴾. ومن هم أولي الأمر؟ هم أهل الاختصاص، سواء أهل شريعة أو أهل طب أو أهل هندسة، نرجع في كل اختصاص إلى أصحابه.

والحديث يتكلم عن المجتهد. هذا الحديث لا يتعلق بالعامي؛ الأحكام الشرعية تختص بالمجتهد. فمثلاً شخص اجتهد وهو لا علم عنده -وهذا ممن عنده علم- شخص اجتهد ولا علم عنده وأصاب الحق، هل هو مصيب؟ هو مخطئ حتى لو أصاب الحقيقة؛ لأن فرضه سؤال أهل العلم: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. أما أن يكون يعلم فهذا يجتهد، أو لا يعلم فيسأل من يعلم. هذا ما يتعلق بالحديث. الأمر الثاني، أن العالم إذا اجتهد وأخطأ له أجر، أجره على اجتهاده لا على خطئه، وهناك إذا أصاب له أجران: أجر على اجتهاده وأجر على صوابه.

نريد أيضاً أن ندخل في دور المجامع الفقهية، وكيف هي تجمع الآراء وتقننها، ما دورها؟ ودنا لكن بعد الفاصل.

(موسيقى)

أهلاً ومرحباً بكم أيها الأحبة مع موضوعنا: موضوع الاجتهاد اليوم. وقبل الفاصل تساءلت في موضوع دور المجامع الفقهية. المجامع الفقهية لا شك أن دورها كبير جداً. أولاً المجامع الفقهية هناك عدد من المجامع؛ مجمع الأزهر، ومجمع مكة (مجمع الفقه الإسلامي)، ومجمع الفقه الإسلامي الدولي، ومجمع البحوث، والمجمع في الهند أيضاً. كل هذه المجامع بحثها وإفتاؤها واجتماعها بحث جماعي أو إفتاء جماعي. فيكون فيه إذا كانت المسألة متعلقة بالطب يكون هناك أطباء، وإذا كانت المسألة متعلقة بشيء من الفنون يكون هناك من هو مختص بذلك، فتأتي المسألة جلية ومتصورة بشكل كبير جداً.

ولذلك ينبغي الحقيقة للعلماء الكبار الذين بلغوا رتبة الاجتهاد -إن كان هناك- لا يمكن أن نقول لهم لا بد من انتظار المجامع الفقهية، لكن المشاركة مع المجامع الفقهية في كل فتوى مهمة جداً مما هو مستجد ويهم الأمة، الحقيقة ينبغي أن يستأثر بها المجمع الفقهي أو المجامع الفقهية.

الآن في هذا الوقت صار كل يدلي بدلوه، حتى الشباب طلاب العلم، مع أن العلماء يمنعون؛ قال: ومنع من لا علم عنده على الإمام أو من حاله قد جهل، منعه من الإفتاء يكون على الإمام. شخص لا علم عنده ويفتي، يوجد هذا؛ لأنه لا يدرك أنه ليس بعالم فيظن أنه عنده شيء من العلم فيفتي. وحتى أنهم يقولون: أهل الأصول يقولون لا تجوز الفتيا إلا للمجتهد، سواء مجتهد مطلق أو مجتهد مذهبي، وما عدا المجتهد لا يفتي. وأخبر المقلد المستفتي، الناس إما مجتهد مطلق أو مجتهد مذهبي أو مقلد، مقلد بمعنى تابع لشيء من المذاهب. عامة نحن مقلدون. والمقلد يكون عالماً بأصول مذهبه وبرأي إمامه، المقلد ماذا يفعل؟ يخبر المستفتي بما في مذهبه، يقول الموضوع كذا وكذا.

العامي هل يجوز له أن يفتي أو حتى يخبر؟ لا؛ لأنه ليس عنده تصور للمسألة. فأحياناً يسألون عن مسألة، فيفتي لهم العالم بما يتناسب مع سؤاله، فيظن أن هذا السؤال وهذه الفتوى منطبقة على أشياء نظائر لها، وهي ليست منطبقة. أعطيك على سبيل المثال: العزاء، فيه اختلاف بين العلماء هل يجلس له أو لا يجلس له. فمثلاً يسألني شخص ويقول: عندنا طفل، هل نجعل له عزاء؟ أقول: لا، لا عزاء له. ليش؟ لأن العزاء مختلف فيه، هذا طفل لا نكلف الناس بأن يجلسوا، أو يكون ثلاث أيام منقوصة، بدأوا من الظهر أو العصر ويقول لي: بدأنا أول أمس واليوم والثاني والثالث، هل نبقى يوماً آخر؟ أقول: لا. فيظنون أن الأيام مثلاً يومين ونص، أو يظنون أن العزاء ليس فيه جلوس للعزاء مطلقاً. فأحياناً المسائل لا تكون على قدر واحد. فالعامي لا يدرك منزع العالم لما يفتيه، فعليه أن يستفتيه، وإذا جاءت مسألة تشبه مسألته يقول: اسأل.

(موسيقى)

والله ما صلى ولا شيء، صلى معانا بس لا متوضي ولا شيء. محمد، إيش فيك؟ إيش فيك؟ عسى ما شر؟ إيش فيكم تصرخون؟ صارخ أنت اللي هي! ولا تسمع الكلام ولا ساعة أناديك وأنت مو معانا كلش. يا ربع، يا الربع لا تلوموني، لو سمعتم الكلام اللي أنا سمعته كان صار فيكم مثل هالشيء. خير إيش صاير؟ هاي الله يسلمكم واحد عندنا في الشغل زميل هو مسيحي قال لي بصراحه، وأنا بصراحة دائماً لما يتناقش معاي أغلبه، زين؟ بس هالمرة فاجأني قال لي كلام فر مخي.

أنا احتريت والله، إيش قال لك؟ قل لي. قال لي: لو أنت دينكم صحيح كان ما اختلفوا العلماء عندكم. يختلفون شلون يعني؟ هو الله يسلمك قصده عن الصيام يختلفون، يقول أنتم في الصيام غير. قلت له ليش؟ قال: شلون في بعض البلدان عندكم تصوم اليوم وبعض البلدان لا تصوم ثاني يوم ولا ثالث يوم، وفي نفس الوقت أيضاً العيد، ناس تعيد اليوم وناس تعيد يوم ثاني. زين وأنت إيش قلت له؟ أنا طبعاً تهربت، ما قلت له شيء صراحة. ما عندك سالفة شلون تتهرب؟ رد عليه قوله أصلاً هذا مو باختلاف، وقوله في ديننا ما في اختلاف جوهري يا بو سلمان. المشكلة ترى عندنا إحنا؛ بعض المشايخ الله يهديهم بس أنا ما أدري ليش يختلفون الشكل، يعني كان زين تمسكوا بالتطور الفلكي والتكنولوجيا، ليش ما يعتمدون التطور الفلكي؟

لا يبا، لا تطور فلكي ولا هم يحزنون، يبقى الرسول ﷺ قال: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ»، ما قال لا تلسكوب ولا حساب فلكي. لا يبا، التطور الفلكي أهم شيء، وهذا شيء زين، ما تعرفون أنتم يا جماعة؟ الناس الحين تغيرت، الدنيا كلها تغيرت، الناس وصلوا للقمر وإحنا للحين نتكلم في هالمواضيع، ليش ما يحددون هالشيء ونخلص؟ وبعدين الرسول ﷺ كان يتكلم في هالموضوع في زمنه هو، مو بالحين. تبي الصج والله كلامك منطقي، المفروض يعني نستخدم التطور العلمي.

لا يبا، لا تطور علمي ولا تطور فلكي ولا شيء. الرسول ﷺ لا ينطق عن الهوى، والله سبحانه وتعالى يدري أن الدنيا بتتغير، مع هذا أمرنا باتباع الرسول حتى في الرؤية، والرؤية يعني لازم واحد يشوف، عرفت شلون؟ يعني معناته كلنا نروح إذا شفنا خلاص حددنا، ما يصير. لا يبا لا تلفوا وتدوروا في الكلام، ما أحد قال هالكلام اللي أنت تقوله. يبا الدين دين، لا أحد يفتي من عنده، والرؤية رؤية. يقول يا يبا، العنز عنز حتى لو طارت. إيه هي عنز، عنز عنز ما تعرف العنز يعني؟ لا، حرف العنز، بس إيش قصدك يعني بالعنز؟ ما يقصدك أنت، لا لا هو مثل بس مثل، صدق يقول عنز. لا حول ولا قوة إلا بالله، إيش فيكم أنتم؟ يلا، أقول له ثور يقول احلبوه، بعد ثور إيش بلاك يا أخي؟ الحكي وياكم ضايع. شنو أقول تفت العنز، خليك من العنز، قال ثور الحين ثور!

(موسيقى)

الشباب ضيعونا، وضعنا وياهم. أنا ودي الإجابة على السؤال لأن بروحه موضوع شائك. يا شيخنا نخليه لبكرة يكون أفضل، وخلينا نشوف، الوقت ما عندنا وفي نفس الوقت عندنا بعض المسائل ودنا نطرحها ونشوف الإجابات لتثبيت بعض المعلومات في موضوعنا الاجتهاد.

السؤال الأول: هل يصح الاجتهاد مع وجود النص الصريح في المسألة؟ يصح أم لا؟ لا يصح، لأنه لا اجتهاد مع النص. عندنا نص، طبعاً هذا في الواضحة، أحياناً النص ما يكون نصاً في المسألة، فإذا كان نصاً في المسألة والعلماء يقولون هذا عليه العلماء، فمعناه أنه لا يجوز معه الاجتهاد.

السؤال الثاني: هل يصح الاجتهاد مع وجود الإجماع الصريح في المسألة؟ لا يصح.

السؤال الثالث: هل يجوز للعامي أن يجتهد في مسألة لم يرد فيها نص صريح؟ ما يجوز، لأن العامي ليس أهل الاجتهاد أصلاً، جميل. والعالم إنما يقيس بالقواعد والضوابط، والقياس على الكتاب والسنة، وهذا لا يدركه العامي أيضاً.

هل يجوز للعامي أن يأخذ أحكاماً من غير أهل التخصص؟ هذا أيضاً لا يجوز. العامي عليه أن يسأل أهل التخصص، تبغي طب تروح تسأل أهل الطب، تبغي شريعة ما تروح تسأل أهل الفيزياء، وهناك أهل فيزياء يفتون في الشريعة، ها المشكلة.

إذا اختلف العلماء في مسألة فما الذي ينبغي على المسلم عمله؟ يأخذ بالقول الأسهل عليه؟ يأخذ بالقول الأشد عليه؟ يأخذ بالقول الأوثق عنده؟ العامي يأخذ بالأوثق، الأوثق يعني هو يثق بفلان من العلماء أكثر من غيره، من ه الناحية. إذا اتحدوا في الثقة فيجوز له أن يختار.

بالنسبة لسؤالنا ليوم الغد، راح نعرض هذا السؤال عبر حسابنا في تويتر، ودنا والله تشاركونا، وكان تفاعل جميل صراحة في السؤال الذي طرحناه يوم أمس. السؤال يقول: استعمال أصول الفقه وقواعده التي كتبها القدماء تتنافى مع مواكبة مستجدات العصر ويجب تغييرها؛ هل هذا الكلام صحيح ولا لا؟

كلها أشياء قديمة ومفروض تتغير، هل الكلام صحيح أم لا؟ الإجابة عن هذه الدعوة موجودة، ومدعيها كثير من الناس، بارك الله فيك.

نشكر فضيلة الشيخ سعيد بديوي المري، ونشكركم على حسن متابعتكم، وإفطاراً شهياً. السلام عليكم ورحمة الله.