دخولتسجيل الدخول

الحلقة 13

سعيد المريد. سعيد المري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، أيها الأحبة، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. اللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك، أمرتنا بالزكاة لتطهير أموالنا وأنت الغني عنا، وأمرت بالصيام لتزكية نفوسنا ونحن الفقراء إليك، وعلمت ضعفنا وأنه لا يمكننا التحفظ في صيامنا كما ينبغي علينا، فلم تكلنا إلى أنفسنا، بل أمرتنا بصدقة الفطر لجبر ذلك التقصير؛ فسبحانك ما أكرمك وما أرحمك!

حياكم الله أيها الأحبة، ونرحب بضيفنا فضيلة الشيخ الدكتور سعيد البديوي المري، وحديثنا اليوم عن زكاة الفطر وما استجد فيها من الأمور. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته شيخنا.

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، يا مرحبا يا أبا ناص، حياك الله وحي الله المشاهدين الكرام.

إحنا باين ماشيين على سلسلة معينة وترتيب معين؛ فبدأنا في موضوع الطهارة، ثم الصلاة، ثم الزكاة. أولاً بدأنا بمقدمات تتعلق بالاجتهاد وتاريخ الفقه، هذا لأننا سنتكلم في المستحدثات، الأشياء الجديدة. ثم كنت أردت في البداية ألا أمشي على ترتيب بحيث نبدأ مثلاً بالبيوع، وبعدين ندخل في الأحوال الشخصية، وبعدين نرجع للطهارة، وحتى كنت مقسماً الحلقات بهذه الطريقة، ثم رأيت أن الترتيب أحسن؛ هو ترتيب الفقهاء، يبدأون بالطهارة ثم الصلاة ثم الزكاة ثم الصوم.

يعني مثلاً غداً سيكون عندنا المستحدثات، أو المفطرات الجديدة، أو الأشياء الجديدة في التفطير، ثم الحج، ثم بعد ذلك ندخل إلى المعاملات ثم إلى سائر أبواب الفقه بإذن الله. اليوم موضوعنا هو زكاة الفطر.

مقدماً، نحن مقدمون عن موعده؛ موعد الزكاة أحسن نقدمه، لأن في العادة بعض الناس قد ينسى زكاة الفطر، كم من شخص عاد من العيد ثم تذكر زكاة الفطر لأنه سمعهم يتكلمون، فنحن قدمناها الآن للتذكير بها. نذكركم مقدماً بحكمها وحكمتها لأنها جاءت في السياق.

بدايه، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد: أولاً زكاة الفطر من حيث الحكم هي واجبة، وهي واجبة على من؟ (على من وجبت).

أحياناً تعرف أوامر الله سبحانه وتعالى منها ما يكون كله له حكمة بلا شك، لكن أحياناً ندرك الحكمة وأحياناً لا ندركها، خصوصاً في المسائل التعبدية. أحياناً لا ندرك حكمتها في بعض العبادات، فمثلاً الصلاة هي صلة بين عبده وربه، لكن لا ندرك حكمة أنها أربع ركعات وثلاث ركعات وركعتين، وشيء جهري وشيء سري. قد يلتمس بعض العلماء بعض الحكم من هذه، لكن أحياناً يقف العقل حائراً لا يستطيع أن يهتدي إلى تلك الحكمة، وحتى من العلماء من قال إن كل شيء له حكمة، والذي لا ندرك حكمته من حكمته التسليم لله سبحانه وتعالى، التسليم للتكليف؛ أننا مكلفون، هذا أمر الله سبحانه وتعالى، وبالتالي لما سلمنا، والإسلام قائم على الاستسلام، فلا تدري لماذا مثلاً ترمي الحصى في مكة، ترمي الجمار، لا تدري حكمة هذا؛ طبعاً هو تذكير بتضحية إبراهيم وما تعرض له، هذه حكم، لكن أحياناً لا يتوصل العقل إلى الحكمة الدقيقة، فليس له إلا التسليم وأنه ممتثل لأمر الله سبحانه وتعالى.

بالنسبة لزكاة الفطر، أنت ذكرت في مقدمتك حكمتين؛ أنت رجعت تنظر إلى المقدمة: «يمكننا التحفظ في صيامنا كما ينبغي علينا، بل أمرتنا بصدقة الفطر لجبر ذلك التقصير»، إذا كان في تقصير، إذاً من الحكمة جبر التقصير.

يقول ابن عباس رضي الله عنهما: «فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين». إذاً أول الحكم طهرة للصائم من اللغو والرفث. الصيام هو تدريب له على الرقي والأخلاق، النبي ﷺ يقول، ويقول الله تبارك وتعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾، وفي الحديث: «إذا كان صوم يوم أحدكم فلا يرفث ولا يفسق، فإن سابه أحد فليقل إني صائم». الشاهد أنه قال: «فلا يرفث ولا يفسق، فإن سابه أحد فليقل إني صائم»، فهو تدريب عملي على الأخلاق، على الحلم، على تهذيب الكلام. ولذلك قال: طهرة للصائم من اللغو والرفث؛ اللغو الكلام الفاضي، والرفث السب والملاسنة والكلام الفاحش. وبالتالي هو طهرة للصائم، قد لا يتحفظ من هذه الأمور وهو صائم، لكن قد يعترض له واحد فيسبه أو يقول كلمة لا تليق، فجاءت زكاة الفطر بمثابة سجود السهو.

أنت ترى سجود السهو في الصلاة، كيف الله سبحانه وتعالى شرع سجود السهو؛ قد يسهو الإنسان يزيد ركعة، أو ينقص شيئاً في الصلاة، أو يخطئ، أو يضيع قولاً، فشرع له سجود السهو لجبر ذلك السهو، وهكذا زكاة الفطر من حكمتها أنها شرعت لجبر النقصان الذي يحصل في الصيام من اللغو والرفث، وكل الناس يقعون في هذا، نحن بشر، مهما بلغنا لسنا ملائكة، فلا بد أن يخطئ الإنسان، ينسى، يغفل، وهذه هي الحكمة الأولى.

الحكمة الثانية قال: «وطعمة للمساكين». نحن في الصيام من حكمه كثيرة، منها تحصيل التقوى كما قال تبارك وتعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، ومنها الشعور بحال الجوع وحال المساكين، فأنت تواسيهم أو تشاركهم فيما هم فيه من الضعف والقلة. فلما يجوع الإنسان -مع أننا في هذه الأيام لا يحصل لنا الجوع إلا نادراً- نشعر بشيء لكن ليس كجوع من يبقى يومين وثلاثة وهو لا يحصل طعاماً، فهو من حكمة مشاركة هؤلاء المساكين أو هؤلاء الفقراء فيما يجدونه من ألم الجوع والعطش. ثم جاءت زكاة الفطر لمشاركتهم لنا في السعادة والفرح، فإذا أعطي الفقراء زكاة الفطر فرحوا بها يوم العيد، فيشارك الناس في العيد، الناس يفرحون في العيد وهم يفرحون أيضاً، كانوا قبل ذلك ليس عندهم شيء، فإذا هم قد ملئت أيديهم من الخير، ففيها من الحكمة الشيء العظيم.

إذن منها حكمتان منصوصتان في الحديث، وهي: طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين. وقت زكاة الفطر شيخنا ومصارفها؟

أيضاً قلنا أولاً إن زكاة الفطر هذه حكمتها وهي واجبة، والدليل على وجوبها يمكن أن يستدل بالكتاب وبالقرآن العظيم، وأظن عن معنى آية في هذا.

ومن الأدلة من الحديث، إذا أردت أن نقرأ الآية والحديث حتى نبينها، فالآية التي في موضوع حلقتنا: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّىٰ﴾ [الأعلى: 14-15]. أين موضوع الفطرة في هذه الآية؟ طبعاً هي عامة، لكن جماعة من أهل العلم يقولون إنها نزلت في زكاة الفطر وفي صلاة العيد؛ «قد أفلح من تزكى» بإخراج زكاة الفطر، «وذكر اسم ربه فصلى» أي صلى صلاة العيد، فيقولون هذا الله سبحانه وتعالى نسب الفلاح إلى من يخرج زكاة الفطر، ومعناه أنها مهمة جداً.

أما الحديث فقول النبي ﷺ: عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله ﷺ: «فرض زكاة الفطر صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير على كل حر أو عبد، ذكر أو أنثى من المسلمين». فالنبي ﷺ فرض الفطرة على كل هؤلاء؛ على كل مسلم، على كل حر أو عبد، ذكر أو أنثى، صغير أو كبير، كلها هؤلاء قد فرضت عليهم زكاة الفطر.

فالفطرة مفروضة على المسلم القادر؛ المسلم يدخل فيه الذكر والأنثى، والحر والعبد، والصغير والكبير، القادر مالياً؛ يعني حتى لو كان الصغير عنده مال وليس له ولي إلا وصي مثلاً، فيجب عليه في ماله زكاة الفطر. والوجوب الذي يخرجها هو رب الأسرة.

بالنسبة للفقير، إذا قلنا: هل تلزم فطرته عن النفس على مسلم ملك صاعاً فاضلاً عن نفسه وعن قوته وقوت من يمون وحاجة أصلية تكون؟ أي إذا كان عنده صاع من الطعام فاضل عن حاجاته الأصلية، فبمجرد ما يكون عنده صاع من الطعام وجبت عليه الفطرة، وهذا حتى الفقراء تجب عليهم الفطرة إذا كان عندهم ما يفي بهذا الشرط، وطبعاً الحنفية يقيدون الفقير والغني بمن يملك النصاب، فمن يملك النصاب هو غني ومن لا يملك النصاب هو فقير.

سأجيب بالأبيات أحسن لأنها تنظم الأفكار: تلزم فطرة عن النفس على مسلم ... ملك صاعاً فاضلاً عن قوته وقوت من يمون وحاجة أصلية تكون ... يعني فاضل عن الحاجات الأصلية ووجوبها في ليلة العيد.

طبعاً رب العائلة يخرج عن نفسه وعن أولاده وعن آبائه إذا كانوا فقراء وعن زوجته، في قول أكثر أهل العلم. ووجوبها يكون في ليلة العيد، إذا غابت شمس آخر يوم من رمضان، فمعناه دخلت ليلة العيد، وهذا وقت الوجوب عند جمهور أهل العلم.

ويترتب على وقت الوجوب أنه من كان أهلاً قبل ذلك الوقت وجبت عليه؛ فإذا مثلاً أسلم شخص قبل غياب شمس آخر يوم من رمضان، وجبت عليه زكاة الفطرة، أو ولد مولود قبل هذا الوقت تجب عليه زكاة الفطرة، لكن لو كانت ولادته أو إسلامه بعد مغيب الشمس لا تجب عليه. والجنين يستحب الإخراج عنه لكنها لا تجب لأنه ما زال في بطنه، لكن لو ولد قبل ما تغيب الشمس وجبت عليه على وليه، أو عليه إذا كان له مال.

أما الذين عندهم شركات أو عمال أو خدم في البيت؛ فالأجر في قول أكثر أهل العلم أنه لا يجب على المستأجر لهم أو الموظف لهم زكاة فطرتهم، لكن الأفضل إخراجها. والحنابلة يقولون إذا كان قوته في رمضان على رب العمل فإنه يجب عليه أن يخرج عن هذا العامل، ولا بد أن يكون مسلماً؛ «لا تلزم فطرة عن نفسه على مسلم، ولا تعطى إلا مسلم». وهذا العامل قد يكون عنده أبناء يصرف عليهم في بلده، وهو في بلد آخر، فهنا يجب عليه في غير بلده زكاة فطرته، وعليه زكاة فطرتهم في مكانهم.

وهذا يجرنا إلى نقل الزكاة وأين تجب؟ تجب زكاة الفطرة حيث كان المال زكي، ولكن زكاة الفطرة تجب في المكان الذي يوجد فيها الشخص. قال: «وحيث كان المال زكي المال، وجالت الفطرة حيث جال»، أي الفطرة في المكان الذي ذهب فيه الشخص.

وبالنسبة للأبيات التي أذكرها، هل هي مستندة على رأي الجمهور أو فقه معين؟ هي على فقه الحنابلة، لكن مذهب الجمهور هناك تشابه بينهم في كثير من الأشياء، إلا بعض الأشياء التي تفرد بها الحنابلة، مثل كونه من يمون في شهر رمضان يجب عليه هذا، ولو لم يكن ممن يجب عليه الإطعام.

وصلنا إلى مسألة: هل يجوز نقل زكاة الفطر؟ الآن الناس قد يعطون الزكاة لجمعية خيرية، والجمعية قد تنفق الزكاة في مكان خارج البلد، والعلماء اختلفوا في هذه المسألة. وجامع قولهم وما ذكرته لك في بيت الحنابلة «وجالت الفطرة حيث جال» يعني تكون الفطرة في المكان الذي هو فيه. وفريق منهم منع وقالوا لا تنقل الزكاة، سواء الزكاة العادية أو زكاة الفطرة، إلا حيث لم يوجد من يحتاجها، واستدلوا بأشياء كثيرة، منها حديث معاذ بن جبل، وحديث ابن عباس أن النبي ﷺ بعث معاذ إلى اليمن فقال له: «إنك تأتي...».

قمنا إلى أن قال: ﴿فَإِنَّهُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ﴾، فاعلم أن الله قد فرض عليهم زكاة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقراء قرائهم، فقال: تؤخذ من هؤلاء الأغنياء وترد على هؤلاء الفقراء. والآخرون الذين يجوزون يقولون: المقصود أغنياء المسلمين وفقراء المسلمين بشكل عام.

وأيضًا معاذ بن جبل كان يقول لأهل اليمن: «ائتوني بثيابي بعرض ثياب خميص أو لبيس»، فإنه أهون عليكم وأحب إلى أصحاب رسول الله ﷺ؛ ومعناه أنه يذهب بها أو ينقلها إلى أصحاب النبي ﷺ في المدينة، وهذا يدل على النقل. لكن لما في عهد عمر رضي الله عنه أرسل معاذ بعض الصدقة إلى عمر فغضب عمر، وقال في معنى كلام له عنفه أو أنكر عليه أن يأتي بالصدقة إلا قسمتها بين الناس عندك، فقال معاذ: لو وجدت من يأخذها ما بعثت بها، فمعناه أن بعث بها لما رأى أن الناس قد اكتفوا.

فهذا قول جماهير أهل العلم، ومن أهل العلم أن يقول: يجوز نقلها وإن كان هناك من يحتاجها في البلد. إذا كان هناك من هو أحوج لها من المسلمين، ممكن أكون أنا مغترب عن بلدي وعندي أقرباء محتاجون في بلدي وتعلم بهم، فالأمر فيها سعة إن شاء الله، لكن ينبغي تقديم أهل البلد الذين تخرج الزكاة فيهم على غيرهم، على الجمعيات أو غيرها. فنحن عندنا هنا كم من الناس محتاجين، يكفيك العمال موجودين، حتى الذين يعملون في المساجد أو في بعض المؤسسات وهم مسلمون، أو يوجد بعض المسلمين المتغربين عن بلدانهم الذين يحتاجون. أحيانًا بعض الناس يقول: والله ما عاد في مساكين، أنا ما حصلت مساكين، لأنه لم يبحث، لكن بمجرد أن يدور ويتقصى يجد إن شاء الله من يعطيه، لكن ليسوا بمثل الحالة التي توجد في بعض البلدان الأخرى.

زين، الآن أخرجها مبلغًا من المال أم حسب الحديث صاعًا من تمر أو صاعًا من بر؟ هذه المسألة أيضًا من المسائل التي اختلف الناس فيها قديمًا؛ ففي الحديث كما في حديث ابن عمر هنا وحديث ابن عباس أيضًا وحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، أن النبي ﷺ كان يأمرهم أن يخرجها من طعامهم: صاعًا من تمر، صاعًا من زبيب، صاعًا من أقط، صاعًا من شعير، صاعًا من تمر. ثم لما جاء معاوية رضي الله عنه خطب الناس وقال: إني أرى أن نصف صاع من هذه تعدل صاعًا من الطعام، يقصد السمراء وهي البر، وقد أخرجها جماعة من الصحابة من البر وهو لم يذكر في الحديث نصف صاع من البر، ومنهم من يخرجها صاعًا.

فعند ذلك لما ذكر النبي ﷺ هذه الأطعمة ذهب جماعة -وهم الجمهور- إلى أن المراد بزكاة الفطر هو الطعام، واحتجوا في ذلك بهذه الأحاديث التي تقول: صاعًا من طعام، صاعًا من بر، صاعًا من زبيب، واحتجوا أيضًا باسمها أنها زكاة فطر فهي خاصة بالفطر بيوم العيد، والفطر هو الإفطار والأكل والشرب، فجعلوها طعامًا والنبي نص على الطعام لأجل أنها زكاة فطر، وينبغي علينا التقيد.

والآخرون يقولون: لا، النبي ﷺ إنما نص على هذا لأنه أكثر ما هو موجود عندهم، فالناس لم يكن النقد متوفرًا جدًا، يوجد لكن ليس أكثر البيوتات وأكثر المنازل ليس فيها إلا الطعام، وإنما يتصدقون بالطعام، فمنهم من قال ذلك. وأيضًا استشهدوا بأشياء أخرى، منها أن النبي ﷺ في الزكاة العادية المفروضة أمر بأخذ الدراهم محل الشياه أو محل الإبل، فعادة أن الذي يؤخذ كل نوع من المال يؤخذ منه، فيؤخذ الإبل من الإبل والغنم من الغنم والبقر من البقر، لكن في بعض الحالات قد لا يوجد السن المراد، فقال النبي ﷺ: «يؤخذ السن الأقل أو عشرون درهمًا»، فلما سمى الدرهم دل على جواز أخذ الدراهم أو الدنانير في الزكاة.

والآن المستقر -مع أن مذهب الجمهور غير الحنفية أنه لا تؤخذ النقود لا في الزكاة المفروضة ولا في زكاة الفطر- هو أن المشتهر والقائم الآن في كل بلدان الإسلام هو جواز أخذ النقد في محل الزكاة المفروضة. ولكن الذين الآن يقولون بعدم أخذ النقد في زكاة الفطر، يجوزون أخذ النقد في الزكاة المفروضة زكاة المال، مع أن الجمهور قولهم هنا وهنا واحد، فينبغي التسويه؛ إما أن نقول لا يؤخذ هنا ولا هنا، أو نأخذ من هنا ومن هنا.

الزبدة، هل يجوز الأمر؟ أنا لا بد أن أبين لك الأدلة. وأيضًا من القدماء عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه الخليفة، كان يكتب للولاة ويأخذ منهم النقد في زكاة الفطر، وهكذا جماعتهم من السلف، وأيضًا رجحه ابن تيمية للمصلحة، قال: إذا اقتضت المصلحة أخذ النقود. الآن من الناس تأتيه بشعير فيقبله، الشعير الآن لا يأكله الناس عادة، والزبيب أيضًا وإن كان طعامًا، فلا شك الآن من حيث نظرة الناس أن النقد أفضل عندهم من الطعام، وقد يبيعون الطعام ويشترون به ويأخذون به النقد، إن تعطيه الطعام فيذهب بخسارة، يبيعونه بنصف القيمة.

على كل حال، من رأى إخراج الطعام فلا شك أنه يجزئ عنه، ومن رأى إخراج النقود فلا شك أيضًا أنه يجزئ عنه، والمبلغ على حسب كل نوع. وبعض الناس يحددون الطعام صاعًا، ربما يسألون عن الكيلو دائمًا، يقول كم كيلو؟ والحقيقة أن وزن الطعام أو كيل الطعام هو بالمكيال، والمكيال هو مساحة وليس وزنًا؛ الصاع مساحة، الصاع قدح يستوعب أربع حفنات من يدين مملوءتين، فلو جئت إلى قدح وأخذت منه الرز أو من الطحين أو من غيره وأخذت أربع حفنات وترى أين وصلت في القدح، فتقول هذا هو الصاع مساحة التي وصلت لها هذه الأربع حفنات من الطعام، هذا هو الصاع، فبإمكانك أن تجعل علامة على هذا المكان ثم تزن به كل الطعام، فأحيانًا يكون تمرًا فيكون ثقيلًا، ويكون برًا فيكون أثقل، ويكون رزًا فيكون أخف، وهكذا.

فليس هناك كيلو معين، هذا بالنسبة للصاع وحجمه. ممكن يقول أما بالنسبة للنقد فهو بحسب ما تريد أنت إخراجه، والناس حددوه هنا بناءً على ربما الطحين؛ فحدده بعض الناس بـ 15، وبعضهم حدده بـ 20 أو 25.

فإذا كنت ستخرج تمراً، فالتمر أنواع، فلو أخذت صاعاً من تمر ربما يكون قيمته 100 ريال، فتدفع 100 ريال. وكان ابن عمر لا يخرج إلا تمراً لأنه يفضله إلا مرة واحدة. وإن كنت ستخرج طحيناً أو رزاً ربما يكون قيمته 20 ريالاً، ولذلك قيدها بعضهم بـ 20 ريالاً.

جزاك الله خيراً. فاصل أيها الأحبة ونواصل حديثنا إن شاء الله، وعلى المستحدثات والمستجدات في هذا الموضوع وكيفية حسابها.

حياكم الله أيها الأحبة، قبل ما نأخذ المشهد التمثيلي في بعض المسائل نناقشه مع الشيخ هنا. نعرض السؤال الذي عرضناه عبر حسابنا في تويتر، السؤال كان يقول في موضوع النقد، أو أن الواحد يخرجه نقداً، وفي السؤال يقول: "راجعت زكاة الفطر بالقيمة عبر شيء من التطبيقات الموثوقة، يجوز ولا لا يجوز؟".

مسألة جديدة، يجوز ولا لا يجوز؟ ما شاء الله، يجوز. كم يجوز؟ 75% من الجمهور قالوا يجوز. عن طريق التطبيقات هي موضوع آخر، يعني هي مسألتان معاً: القيمة، والتطبيق.

تعرف أن المفروض الذين قالوا لا يجوز، لماذا قالوا لا يجوز؟ لأن عبر التطبيقات ليس بالضرورة أن يكون نقداً، فممكن في جمعيات يخرجونها صاعاً. هذا الذي جرى عليه عرف الجمعيات، أكثر الجمعيات تخرجها طعاماً، أنت توكلهم تعطيهم النقود توكيلاً، فهذه التطبيقات أتوقع أن فيها أدلة أو ما يبين للدافع أنهم يخرجونها طعاماً أو يخرجونها نقداً، لأن الغالب عليهم فيما أتذكر إخراجها طعاماً.

ولذلك يكون عندهم بعض الإشكالات؛ من الإشكالات التي تحصل أنه تأتيهم نقود بعض الناس لا يخرج النقد إلا في آخر الوقت، ففي الجمعية تتمشكل: ماذا يفعلون الآن؟ ما عندهم طعام، وإذا كانت المبالغ كثيرة يقعون في إحراج. ولذلك رأيت أسئلة عن هذا، ولا أدري هل يفعلون: أن بعض الجمعيات تشتري الطعام وتوزعه قبل فترة بنية أنها للمتبرع الذي سيتبرع، يعني قبل تبرع المتبرع.

هذا لا يجوز؛ لماذا؟ لأن من شروط صحة الزكاة النية، والنية يجب أن تكون موجودة. هو الآن يدفع عن غير معين، ما دفع عن الأستاذ عقيل، الأستاذ عقيل أعطاهم وقال: «ادفعوا عني»، ثم دفعوا، هنا سارت النية ماضية، من أعطى الدافع الوكيل وقد نوى إخراجها والوكيل بمنزلته. لكن هم الآن يدفعون عن غير معين، ليس عندهم أحد أكلهم، ثم إذا دفع هذا المعين قالوا في أنفسهم: "هذا الذي دفعناه لفلان"، هذا لا يصلح. أضف إلى ذلك أن فيه تقديماً لدفع الزكاة عن وقتها.

والحل في هذا هو الإخراج بالنقد. أنا لا أحرض عن الإخراج بالنقد، ولكن الجمعيات التي تحصل لها إشكالية بمعنى أن الناس يدفعون لها في آخر الأيام، في آخر يوم قبل العيد بيوم أو في ليلة العيد، فتأتيها أموال ولا يستطيعون إخراجها طعاماً. أتوقع في بعض البلدان يعينون بحيث تكون الأغراض جاهزة وتُدفع المبالغ هذه على طول وتوصل إلى مستحقيها، لكن لو كان العدد كثيراً والمندوبون قليلين، فقد يصعب ذلك. ولو حصل هذا للجمعيات بإمكانهم إخراجها نقداً.

جميل، المشهد الدرامي ونشوف ما فيه من مسائل ومشاكل. يا الربع، ترى نحن قاعدين في المجلس مع بعض، كل واحد ماسك جواله، ما يصير!

- والله أنا مشغول شوي. - ما علي، بقول لكم يا الربع: أنا جايبلكم برنامج من الآخر ووايد حلو ترتاحون منه. - برنامج شنو؟ - قولوا لي، حد منكم دفع زكاة الفطر؟ - لا يا با، شلون ندفعها أصلاً؟ زكاة الفطر ما يجوز ندفعها قبل العيد بيوم أو يومين. - من قال لك هذا الكلام؟ - لا يا با، أنا أصلاً دفعت الزكاة من أول رمضان وخلصت من بداية رمضان. - لا أصلاً ما يجوز! - ليش ما يجوز؟ - ما يصير، على كيفك؟ ما يصير. - لو ما يصير وما يجوز كان ما أخذوها الجمعية مني يا جماعة! - أنت الحين دخلت في معمعة الفتاوى، أنا جايب لكم تطبيق بكلمة زر تخلص أمورك كلها. - يا سلام عليك يا علي، تطبيق! هذا شيء حلو وهذا الذي نحتاجه فعلاً، التطور نعمة. - لحظة، لحظة! الذي يتكلم لي عن تطبيق ويقول تطور نعمة، نحن متفقون أن التطور نعمة، لكن العبادات لها أحكام ما يجوز نتجاوزها بحجة أن التطور نعمة. - إيش دعوة؟ ترى نحن مسوين منكر؟ ترى هذا تطبيق ييسر على الناس ويسهل أمورها، وبعدين العلماء أفتوا فيها. - صح، يمكن نحن ندور وما نحصل المساكين، هنا التطبيق يسهل لنا الأمور. - دعسة واحدة وكل شيء يروح! إلا مسوين المنكر ومخلين السنة، شلون يعني؟ فهمنا؟ - أنا أقول لك أول شيء: زكاة الفطر ما تجوز فلوس، وأنتم تدفعونها فلوس! - أوف، شلون؟ أنا أصلاً دفعتها فلوس. - والشيء الثاني: زكاة الفطر ما تُدفع إلا قبل العيد بيوم أو يومين، مثل الصلاة ما يصير تصليها إلا بوقتها. - لا حول ولا قوة إلا بالله! هذه مشكلة، يعني لازم أطلعها مرة ثانية طعام؟ - لحظة يا با، لحظة! أنتم أصلاً من الذي قال لكم إنكم لو دفعتم عن طريق التطبيق أو الجمعية فإنكم معناتها دافعين فلوس أو دافعين قبل وقتها؟ لا، الكلام غلط، في إجراءات ثانية تتم. - لا يا با، الكلام صحيح، أنت الحين دافع الزكاة فلوس ولا طعام؟ - فلوس. - سمعت الذي دفعها بنفسه يقول: "دفعت فلوس". زين، اسمعني، يجوز الآن أن تعطي ولدك فلوساً ليشتري من البقالة أكلاً ويوّزع على الفقراء؟ - يجوز، طبعاً. - هذه الطريقة الصحيحة؛ طعام مو بفلوس. - زين، بس أنت في النهاية أعطيته فلوس. - أعطيت الولد فلوساً واشترى بها طعاماً، نفس الكلام. نعطي الجمعية أو التطبيق فلوساً وهم الذين يشترون أكلاً ويوزعون على الفقراء. - يا سلام عليك يا سلام عليك! والله خلاص، عيل نحن مع علي وخلكم مع التطبيق.

أتوقع المسائل هذه طرحناها تمر على الناس، لكن بعض الناس يظن...

إن إعطاء الجمعيات من باب النقد، بعض الناس يتحرج من النقد، يقول أنا لابد أن أخرجها طعامًا وأبري ذمتي لأن هذاك مشكوك فيه، فيقول إعطاء الجمعيات النقد معناه أنهم يخرجونها نقدًا فلا يعطي الجمعيات. طبعًا الأفضل، لا شك أن الأفضل أن يخرجها المسلم بنفسه ويعطيها للفقير بنفسه، يبحث عن الفقراء سواء طعامًا أو نقدًا. جميل، وتوكيل الجمعيات هذا جائز مثل توكيل الشخص لأولاده أو لأخيه أن يخرج عنه زكاة فطر، نعم مجموعة من الجمعيات كما ذكرت لك أكثرها يخرجونها طعامًا.

بعض المسائل شيخنا، خلينا نشوف ما الصحيح فيها؛ وهو دفع زكاة فطر في بداية رمضان إلى الجمعيات الخيرية، هل تجزئ أم لا؟ دفعها في بداية رمضان هذا تجزئ؛ لأنهم سيخرجونها في وقتها، طبعًا والوقت نحن ما تكلمنا عن الوقت، الوقت قبل الفطر بيوم أو يومين كما قالوا، ومن أهل العلم من يجيزها في بداية رمضان.

دفع زكاة فطر على المساكين قبل دخول رمضان؛ هل تجزئ أم لا؟ يقول: قبل دخول رمضان هذا، لا تجزئ. السؤال الذي بعده: جمعية تدفع عددًا من زكاة الفطر ثم تصرفها لمن يدفع بعد ذلك مراعاة للوقت، هذه المسألة التي ذكرتها لا تجزئ؛ لأنه يشترط النية من الشخص الذي يدفع.

مسألة أخرى أيضًا: دفع زكاة فطر عن طريق تطبيق تابع لإحدى الجمعيات الخيرية، هل تجزئ أم لا؟ هذا يجزئ. السؤال الذي بعده: دفع زكاة الفطر عن طريق التطبيق ثم ولد له مولود قبل ليلة العيد، لا شيء عليه، عليه زكاة فطر لهذا المولود الجديد.

السؤال الأخير: نسي إخراج زكاة الفطر ثم علم بعد العيد أن أخاه أخرجها عنه، هل تجزئ أم لا؟ لا تجزئ؛ لأنه ينبغي عليه أن ينوي، وهذا في قول أكثر أهل العلم.

مسألة: أنا لما أدفع عن شخص لازم أقوله؟ صح، أنا أدفع عن والدي، عن والدتي، أقول: "أنا راح أدفع عنكم"، وخلاص؟ من أهل العلم من يجوز هذا، بعض المذاهب الأخرى لا أدري هل هي مذهب المالكية، أنهم يقولون إذا كان من عادته أن يخرجها وهم يعلمون ذلك لا يشترط له أن يخبره ولا حتى أن ينوي، يكفي نية هذا، ولكن مذهب الجمهور اشترط النية.

اتفاق مهم مثلاً بين العيال يبون يدفعون حق أبوهم أو أمهم، مثلاً كبيرين سن، فلازم يتفقون من الآن؛ لأنه ممكن ما أحد يدفع، كل واحد يتكل على الثاني، فمسألة لازم يكون في اتفاق صحيح: "أنا اللي بدفع"، خلاص يكون في اتفاق من الآن. نعم جميل.

السؤال لحلقة الغد إن شاء الله بكره، عندنا المفطرات اللي هي الحديثة، يقول لك: بخاخ الأنف، هل هو مفطر أو غير مفطر؟ بإمكانكم إن شاء الله التواصل مع حساب تلفزيون قطر عبر تويتر. جزاك الله خير شيخنا. نشكر فضيلة الشيخ الدكتور سعيد البديوي المري، عضو هيئة تدريس بجامعة قطر، ونشكركم على حسن متابعتكم، ونقول لكم السلام عليكم ورحمة الله.