انت المصريون أنا زعلان منكم. ليه بس يا الحارس؟ ما فيش عندكم مطبعة ورق! بتقوللي زعلان من المصريين عشان ما عندهمش مطبعة. اليوم سنتحدث عن صدمة 1798. كانت نقطة مفصلية وحاسمة في التاريخ الأوروبي والمصري والعثماني مع بعض.
إلى أهالي مصر لقد طال ظلم المماليك. استطاع أن يهزم المماليك بهذا الشكل! لهالدرجة دارس الوضع؟ تمسك مذكرات نابليون الفصل الثاني هو فصل عن مصر. هل صحيح أنه قال من يسيطر على مصر يسيطر على الشرق؟ هذا خلاصة كلامه. مشان هيك كان عارف كيف يخاطب الناس. فرنسا كان لديها تنافس شديد مع البريطانيين تستطيع أن تقول إنه الإنجليز غلبوا فيه اللي هو أنا زعلان من البريطانيين، فقررت أروح أحتل مصر فهو دلوقتي في ظل تنافس عالمي، إحنا يا أما نكسر البريطانيين في الهند يا أما يبقى عندنا على الأقل مستعمرة زي الهند. أنت بتحكي عن الموضوع وكأنه يعني في دولة عثمانية عندها مصر وين نحن يعني الدولة العثمانية هي مين كان يحكمها في ذاك الوقت؟
العثمانيين نفسهم والمصريين طبعا ما كانوش متوقعين أن مصر تحتل. أيوه. هذه حملة كانت مبنية فعليا على دراسات وتقارير كتبت قبل ذلك وكتبت بكفاءة. طبعا من ضمن الأشياء اللي جابها وكان دخل المطبعة. المطبعة دي برده وسيلة الإعلام السلطوية اللي ما حدش عنده زيها. أيوه إذا هو مش جاي يعمل نموذج حضاري. طبعا وده دليل برده على أنه لم يرد نشر العلم. أكشف عن وجهك الحقيقي، هي دي السلطوية. طيب إحنا لعند ما اجى شرف السيد نابليون بونابرت ما فيش في عنا قناة سويس. لا ما في. لكن هو جاي وفي بمخه أنه بده يحفظ القناة. أيوه طبعا عشان يسيطر على البريطانيين، عشان يسهل لنفسه طريق الوصول إلى الهند هو فالتجارة تنتقل إليه وهكذا.
سلام الله عليكم إخواني أينما كنتم، أهلا وسهلا ومرحبا بكم في حلقة جديدة من سلسلة مائة سؤال في التاريخ. أي أين وصلنا لمن انضم معنا حديثا؟ وصلنا طبعا، نحن لا زلنا في المحور التاسع محور حقبة الاستعمار الأجنبي، وإذا فاتتك الحلقات السابقة لابد أن تذهب لكي تشاهدها عشان تقدر تلنك معنا وتشبك وتكمل هذا المحور، اللي أنا بعتبره غاية في الأهمية من أجل أن نفهم ما الذي حدث وما الذي يحدث وما الذي سيحدث أيضا. وصلنا إلى الحلقة الثالثة تحديدا، وصلنا إلى سؤال رقم خمسة وثمانين. كالعاده لا يستقيم ولا يصلح أبدا لا من قريب ولا من بعيد أن نبدأ دون الترحيب بضيف السلسلة الدائم الأستاذ محمد الهامي، أهلا وسهلا أستاذ محمد.
حياكم الله يا أبا الحارث، الله يبارك فيك. شوف طولنا الغيبة ولو طولنا أكثر كان الشباب طلعوا لنا من اليوتيوب عارف. سامحونا إخواني طولنا الغيبة عليكم، لكن يبدو أن البعض ما انتبه أننا نزلنا إعلان أننا سنتوقف عن التصوير فترة من الزمن. يعني طولت شوية لكن أعذرونا، ها نحن نكمل بفضل الله عز وجل وتوفيقه هذه السلسلة الطيبة المباركة. أستاذ محمد جاهز للسؤال خمسة وثمانين؟ توكلنا على الله.
طيب شوف قبل ما أسألك إياه الصحيح أنه أنا، أنتم المصريون أنا زعلان منكم، زعلان منكم. قل لي ليش؟ ليه بس يا حاج؟ المصريين غلب على فكرة. ليه؟ آه أنا زعلان من المصريين، يعني ما في عندكم مطبعة ورق! نعم. طب ما يعني كان عملتوا مطبعة الورق وفكيتونا من قصة أنه يأتي نابليون بونابرت ويجيبها معه مشان يعني يحتل الدنيا كلياتها، يعني سامحكم الله. اللهم آمين.
طيب أستاذ محمد شوف أنا قبل ما أسألك سؤال بدي أقرأ لك هاي الرسالة. نعم. بسم الله الرحمن الرحيم وهي الرسالة اللي بدي أقرأها لها عدة صيغ، إيش الثابت منها الله أعلم لكن هي واحدة منها يعني. بسم الله الرحمن الرحيم، لا إله إلا الله لا ولد له ولا شريك له في ملكه. إلى أهالي مصر، أيها المصريون لقد طال ظلم المماليك واستبدادهم بكم، هؤلاء القادمون من جبال الققاز والجركس قد أفسدوا في أرض مصر أجمل بقاع العالم وأخصبها، لقد آن أوان عقابهم فقد قضى الله سبحانه وتعالى بانقضاء دولتهم. يا أهل مصر قد يشاع بينكم أنني جئت لأهدم دينكم وهذا كذب وافتراء، جئت لأنتزع حقوقكم من أيدي الظالمين، وأنا أعبد الله سبحانه وتعالى وأحترم نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم والقرآن الكريم أكثر مما يفعل المماليك، إن الناس عند الله متساوون لا يفرقهم إلا العقل والفضيلة والعلم. بتحس الرسالة مين اللي كاتبها يا سلام! هارون الرشيد عارف كيف يعني.
طبعا هذه الرسالة زي ما حكينا لها عدة صيغ الله أعلم إيش الثابت منها. اليوم أستاذ محمد ونحن في محور الاستعمار سنتحدث أو سانقلك للحديث عن علي بونابرت اللي هو نفسه نابليون بونابرت. تتذكر أستاذ محمد أنت حكيت لنا في بداية هذا المحور أن قصة الاستعمار هي بدأت في عندما سقطت غرناطة، نعم اللي هو 1492، ونحن لهناك أستاذ محمد ما عنا مشكلة كان الاستعمار على الأطراف، لكن الاستعمار هذا فجاه هيك أصبح اقوى وامتلك قوة عسكرية مكنته من أن ينتقل من الأطراف إلى قلب العالم الإسلامي، نعم.
وبعدين؟ بعدين مش أي قلب؟ ذهب إلى مصر التي هي في لحظة زمنية ما كانت أهم ولاية عثمانية وكانت عاصمة الخلافة الإسلامية، نعم. جاء بونابرت واستطاع أن يحتل مصر وانهار أمامه المماليك المرعبين، ودخل مصر ودخل القاهرة وسيطر على مصر ومن ثم توجه إلى الشام. اليوم سنتحدث عن صدمة 1798، هل هي صدمة عسكرية أم صدمة حضارية؟ هذا كله اللي أنا حكيته أستاذ محمد اسمه التمهيد، وين السؤال؟
السؤال سيكون عن الحملة الفرنسية كأحد أهم محاور حقبة الاستعمار، وهذا السؤال كما عودتكم له فروع ولا شيء هم سبع فروع. يعني لماذا كانت هذه الحملة الفرنسية نقطة حاسمة في التاريخ الإسلامي والغربي؟ ما هو النمط الجديد الذي جاءت به هذه الحملة؟ كيف استقبل المصريون والعثمانيون هذه الحملة؟ الفرنسية وهل فعلا كانت بداية يعني انفتاح على أوروبا والحضارة وكانت خروج من عصر التخلف الإسلامي؟ ما هي انعكست أنت عارف، هم خرجوا من عصور الظلام وإحنا دخلنا فيها في عصور الظلام.
سؤالي الفرعي الخامس، ما هي قصة هذه الحملة طبعا بشكل أساسي ونتائجها أيضا وكيف أثرت على العالم الإسلامي؟ معلش كان غيابنا طويل، سؤالي طويل إجابتك راح تكون إن شاء الله طويلة أستاذ محمد أنا على الذكر والدعاء والميكروفون معك.
حياكم الله يا أبا الحارث. بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. أولا يا سيدي اشتقنا إليك واشتقنا لجمهور مائة سؤال، وأسأل الله تبارك وتعالى أن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه الكريم، وأنا أحب أن أخبر الجمهور بأنه التوقف كان من عندي أنا وليس من عند أبي الحارث، انشغالات كانت ضرورية أسأل الله أن يتقبل منا ومنكم. الحملة الفرنسية. طيب أنت سؤالك طويل وكما ذكرت نسأل الله أن يعيننا في الإجابة، وأنا بقى إذا نسيت حاجة أنت هتفكرني. أنا معك. تمام.
طيب أولا الحملة الفرنسية يا سيدي لو أنت بصيت في كتب التاريخ العالمي أو كتب التاريخ المختصرة أو حتى الكتب المختصرة في تاريخ مصر وتاريخ فرنسا وتاريخ الدولة العثمانية، ممكن ما تلاقيش ذكر للحمله الفرنسية. يا سلام! أو تلاقيها سطر، أو تلاقيها فقرة، أو تلاقيها حاجة. يعني الكتب المختصرة ترى أن الحملة الفرنسية حدث لا يستحق التوقف عنده. كتب التاريخ العالمي أو التاريخ العثماني أو التاريخ المصري حتى الموجزة لا تتوقف عندها، هي حملة فرنسية ثلاث سنين وفشلت، وانسحب الفرنسيون مرة أخرى وعادت مصر للدولة العثمانية، فبالتالي هي تبدو كمغامرة عسكرية فاشلة قد لا يتوقف عندها التاريخ كثيرا.
لكن في حقيقة الحال هذه الحملة كانت نقطة مفصلية وحاسمة في التاريخ الأوروبي والمصري والعثماني مع بعض، لكن لا ينتبه إلى هذا إلا حين ندخل إلى كتب التاريخ المفصلة وحين ننظر في الآثار والنتائج. يعني هي عاملة زي كده إيه؟ الفيروس، بداية الفيروس ما حدش بينتبه له، لكن حين يتطور المرض أو حين تظهر آثاره على الجسد ساعتها واحنا بندور من أين بدأنا؟ من أين كانت الإشكالية؟ هتبقى إيه هذه النقطة غير الملحوظة؟ وبالمناسبه فكثير من أحداث التاريخ التي كانت ذات تأثير واسع ممكن لا ننتبه لها. يعني حتى أضرب لك المثل بشيء نعرفه جميعا نحن المسلمون، غزوة بدر. غزوة بدر بالنسبة للتاريخ العالمي شيء لا يذكر، يعني في ثلاث مائة قاتلوا ألف في حتة في الصحراء، يعني لو في قناة أخبار في ذلك الوقت هتتابع أخبار فارس والروم المعارك في العراق والشام، ما حدش هيأخد باله أن في معركة بين قبيلتين موجودة كده في غرب الجزيرة العربية. يعني مع ذلك غزوة بدر دي كانت إيه؟ لحظة تأسيس القوة الإسلامية التي كانت أبرز حضارة ظهرت يعني منذ ذلك الوقت حتى الآن.
طيب فبالتالي الحملة الفرنسية حقيقه أهميتها فيما أحدثته من صدمة عند المصريين، أهل مصر بقى لأنه المصريين دول مش عرق، المصريين دول سكان مصر كده طول عمرها بلد مركزي، ففيها من كل الأعراق والأجناس، وعند المصريين وعند العثمانيين في التقاء بقى الحضارة الأوروبية المتفوقة القادمة الغازية الغالبة بالحضارة الإسلامية التي كانت في عصور ضعفها وانحلالها.
ولذلك يا شيخ مراد الحملة الفرنسية كانت إلى وقت قريب مثار جدل هائل، ولعله حتى الآن بالمناسبة مثار جدل هائل بين المؤرخين والمفكرين. ليه؟ ليه أستاذنا جلال كشك رحمه الله كان يقول الخلاف حول تفسير التاريخ ليس ترفا فكريا، ولكنه خلاف حول الحل في المستقبل؟ لما أنت تبقى علماني وبتحب أوروبا وشايف الحضارة الغربية هي حضارة التفوق والتنوير والنموذج ده عاجبك، هتبقى شايف أن نابليون لما جاء واحتل مصر هو هذا كان بمثابة الفتح، حتى لو أنت مكسوف تقول أن هو بمثابة الفتح هتقول دي كانت اللحظة الحضارية أو بمثابة الضرب التي أيقظت يعني الجسد المصري أو الجسد العربي أو الجسد الإسلامي النائم في ظلام العصور الوسطى ونبهته إلى أوروبا وما فيها من علوم وفنون وأسلحه وتطور ونظام حضاري جديد.
وبالتالي فصحيح ممكن نبقى خسرنا ثلث الشعب المصري أو خسرنا سدس الشعب المصري، لكن ده ثمن من أثمان التحديث والتنوير. ده العلماني أو الأوروبي أو المعجب بالغرب هيبقى شايف أنها لحظة متميزة في إخراجنا من ظلمات العصور الوسطى ومن ظلمات الحضارة الإسلامية إلى نور التقدم الأوروبي، وبالتالي هو مش شايف أن هذا استعمار، وبالتالي مش شايف أنه استعمار، أو حتى لو شاف أنه استعمار هيقول لك استعمار حلو، استعمار مفيد، مش مشكلة يعني.
بينما صاحب الفكرة الإسلامية أو صاحب الانتماء للحضارة الإسلامية هيبقى شايف هذه اللحظة هي أول لحظات النكبات الكبرى، أن الأوروبيين بعد ألف سنة بل أكثر من ألف سنة استطاعوا لأول مرة أن يصلوا إلى عقر دارنا، ليس وصولا عاديا هذه المرة ولكن وصولا مؤثرا. يعني الحملات الصليبية التي استمرت مائتي سنة أهون في الوجدان الإسلامي من الحملة الفرنسية أم ثلاث سنين. ازاي؟ لأن الحملات الصليبية حين جاءت جاء قوم همج واحتلوا البلد بغلبتهم العسكرية وبفرقتنا السياسي والعسكري، لكن أبدا لم يكن الصليبيون مثار أعجاب، يعني ما حدش من المسلمين كان منبهر بحالة الصليبيين، على العكس، الصليبيون هم اللي اكتشفوا أن هذه البلاد فيها حضارة وفيها رقي وفيها قيم. زي مثلا المغول صحيح اجتاحونا واحتلونا وسحقونا وأحرقوا ديارنا وهدموا مراكز العلم والحضارة، لكن ما حدش قال المغول نموذج جميل.
لكن اللي حصل في الحملة الفرنسية أنه الحملة الفرنسية وما بعدها وبالذات بقى وما بعدها أنتجنا هذا الإعجاب الحضاري. بقى عندنا الناس اللي شايفه أن أوروبا نموذج حضاري يستحق الإعجاب وأن الإسلام نموذج حضاري يمكن التشكك فيه ويجري التفكير في الانخلاع منه وفي التخلي عنه ونطق البعض بازدرائه. فالحملة الفرنسية، طبعا الحملة الفرنسية أم ثلاث سنين دي ما كانتش مجرد صدمة عسكرية، كانت صدمة حضارية فأنتجت أجيالا أخرى، صحيح مش هي لوحدها أم ثلاث سنين أنتجت هذا، لا، ما بعدها أنتجه ورسخه، لكن هي التي وضعت هذا النموذج، يعني ما جاء بعد الحملة الفرنسية من حكام وما جرى بعدها من تصاريف السياسة والقتال أنتج أنظمة حكم تريد أن تتمثل أوروبا.
فهنا حصل، حصل لأول مرة في تاريخنا الإسلامي انصداع حضاري. انصداع حضاري بمعنى إيه؟ الإسلام لم يعد فكر ممكن يبقى الحل وممكن ما يبقاش، ممكن يبقى هويتنا وممكن نشوف هوية تانية، إحنا مسلمين ولا إحنا مصريين؟ إحنا مسلمين بتوع الحضارة الإسلامية ولا إحنا ننتمي إلى حضارة المتوسط ولا إحنا أصلا حضارة أوروبية؟ يا سلام! يعني سؤال الهوية انضرب عنا، هي اللحظة الأولى التي يدور حولها هذا الجدل، هذه الحملة الفرنسية فلذلك كانت حملة فارقة وفاصله.
فبقول لك لماذا أخذت هذا المنحى؟ طبعا إحنا كنا بندرس في يعني أنا أدركته أنا بنفسي أهو بعد 220 سنة بنتكلم دلوقتي، أنا أدركته في أيام ما كنت في ابتدائي وفي أذيع أذكر مساوئ الاحتلال العثماني ومزايا الحملة الفرنسية. هذا ندرسه في المدارس. فالجيل ظل قوال هذه الفترة لأنه طبعا عندك وزارة الثقافة ووزارة تعليم وأنظمة حكم علمانية تريد الانخلاع من هذه الهوية الإسلامية. الانخلاع من الهوية الإسلامية وأول ما تبدأ به بالانخلاع، الانخلاع من فكرة الخلافة ومن فكرة العثمانيين، أنك كنت أنت علشان تؤسس هوية وطنية بتاعت مصر فلازم مصر دي تبقى كانت محتلة من الأتراك، محتلة من الأتراك. فضرب الهوية الإسلامية يبدأ باعتبار الأتراك محتلين وما كانوش أهل خلافة.
اللحظة التي يمكن أن تصيب فيها مقتلاً لدى الأتراك هي لحظة الحملة الفرنسية. هؤلاء لما احتلونا قعدنا نحو 300 سنة في الظلام، ما عرفناش نتطور وما عرفناش نتقدم، فلما جاءت الحملة الفرنسية عرفت تحتلنا بسرعة. هنا يبدأ هذا المفهوم، يعني لحظة الحملة الفرنسية، وطبعاً الكلام هذا كان يكتب ليس فقط في التعليم وفي الإعلام، إلى أن نهض جماعة من المفكرين. نقدر نقول إن بداية العراك حول هذا الأمر بدأت في سبعينيات القرن الماضي، يعني من 50 سنة بس؛ بدأت الرواية الإسلامية تغلب وتظهر وتفرض نفسها. طبعاً صدور كتاب مثل كتاب جلال كشك رحمه الله "ودخلت الخيل الأزهر" كان ضربة قوية لهذه الرواية، وظهور كتاب مثل "أباطيل وأسمار" للشيخ محمود شاكر؛ لأن الشيخ محمود شاكر كان يرد على لويس عوض، ولويس عوض كان أحد أعمدة الإعجاب والتنظير في أن الحملة الفرنسية هي التي أيقظتنا وأدخلتنا عصور التنوير، وله في ذلك كتاب "تاريخ الفكر المصري الحديث" يضع فيه الحملة الفرنسية كلحظة مركزية تكونت بعدها الهوية المصرية وتكون بعدها الفكر المصري.
فلذلك لويس عوض كان معجب جداً بالفرنسيين، وكل شيء عملوه -قاصدين ولا مش قاصدين- أنتجه وأعاد ذكره باعتبار أنها كانت بذور الحضارة في الأرض المتخلفة. فكتابا محمود شاكر وجلال كشك -وأكثر طبعاً جلال كشك- كانا بداية غلبة الرواية الإسلامية، ثم تتابع بعد ذلك المؤلفون على هذا السياق. وبعدين جاءت سياقات أخرى، مثل سياقات المستشرقين الذين لما انتهت الدولة العثمانية بدأوا يفكروا في أن يدرسوها باعتبارها حضارة ميتة وجثة؛ فقالوا: لا والله، مصر ما كانتش متخلفة، مصر كان فيها فكر ومصر كان فيها حضارة. وبعدين تُرجمت موسوعة "وصف مصر" التي عملها الفرنسيون، فلقينا المستشرقين الفرنسيين أنفسهم وهم يكتبون يقولون عن عدد المدارس وعدد الكتاتيب، وأن التعليم الذي في مصر أكثر من التعليم الذي في فرنسا؛ فصارت سياقات أخرى بعد ما انقضت المعركة السياسية والفكرية أعادت تصحيح التاريخ، لكن هذا في بيئة الباحثين، أما بيئة عموم الناس فلا، القصف الإعلامي والقصف التعليمي شغال.
أستاذ محمد، أيضاً إضافة سريعة على سيرة الإعجاب بالفرنسيين، كنت قرأت أنا أنه أيضاً الجبرتي، عبد الرحمن الجبرتي المؤرخ المصري المعروف وهو عاصر هذه الفترة، صحيح، هو شهد بأم عينه محاكمة سليمان الحلبي الذي قتل كليبر، وهو يحكي أن المحاكمة تبعت الفرنسيين كقضاء وكإجراءات كانت: واو! نحن أول مرة نشوفه بمصر بهذه الطريقة.
صحيح، صحيح. أنا رأيي -أعتبر هذا رأي خاص- أن الجبرتي هذا هو خاتمة المؤرخين المسلمين، خاتمة المؤرخين العظام على النهج الإسلامي؛ وسائر من جاء بعده كتبوا التاريخ بشكل فيه تلون أو بشكل فيه لون، أما كتبوه بصيغة قومية أو صيغة وطنية، وحتى الذين كتبوا بصيغة إسلامية لم ينجوا من هذا التأثر؛ إما أنهم تأثروا به بمعنى أنهم كان لهم نصيب منه، أو أنهم كانوا رد فعل شديدة وفيها غلو عليه. الجبرتي هذا واحد ما كانش عنده أدنى إشكال أن يصف السلبيات والإيجابيات ويضعهم جنب بعض، يعني فلان يقول لك مثلاً: "وكان كريماً"، وتلاقي "وكان طامعاً يحب المال"، ممكن يبقى كريماً وطماعاً؛ "وكان زاهداً في المناصب ولكنه كان متعلقاً بالنساء"، عادي جداً، يعرف يقول الاثنين جنب بعض وهو ما يشعرش بأدنى أزمة أبداً، وهذا كثير عنده. عايز أقول لك سائر من كتب بعد الجبرتي كان عنده ميل إلى تحسين أو تقبيح الشخصيات، يعني: "الرجل هذا زعيم وطني وأنا رجل وطني، فأقول محاسنه وأفسر سلبياته أو أبررها أو بلاش أذكرها".
حتى المؤرخين الإسلاميين في عمومهم عملوا كده، الشيء الذي يعجبنا نضغط على حسناته، والذي لا يعجبنا نفسره ونبرره ونعذره، وهكذا. الجبرتي هذا واحد ما عنده أدنى إشكال أن يذكر للفرد الواحد مواقف عظيمة ويذكر له مواقف سافلة جداً ويقول لك: هو هذا وهو هذا. فالجبرتي حقيقة نقل لنا الحملة الفرنسية كأفضل... هو الجبرتي على فكرة من نعم الله على هذه الأمة ومن نعم الله على المؤرخين. وبالمناسبة الجبرتي بالنسبة لعالم المؤرخين فلتة؛ لم يظهر مثله قبله بثلاث قرون، يعني من عند المقريزي؛ المقريزي تلاه بعضهم مثلاً مثل السخاوي ومثل السيوطي وغيره، لكن مؤرخو العصر العثماني في مصر لم يكونوا على مثل هذه الميزة. حتى أنا أتذكر أرنولد توينبي وهو يقول: الرجل هذا فلتة، الرجل هذا تعلم فين؟ حتى قرأت عنه أن محمد علي لما جاء طلب منه أن يكتب تاريخاً يشوه فيه صورة العثمانيين ويلمع صورته فرفض.
أنا لا أعرف هذا الموقف حقيقة، لكن الجبرتي كان من الصدق بحيث لا يُظن أنه يفعل ذلك، لكنه كان يكتب تاريخ مصر ومحمد علي عرف ذلك وعرف أنه كتب سلبياته فقتل ابنه خليل، وهو مات كمداً على ولده سنة 1824. ماذا أريد أن أقول؟ الجبرتي هو بينقل، الفرنسيين ما كانش عنده أدنى إشكال يقول حسناتهم أبداً، يعني يقول لك: "لديهم من الآلات والأمور والعقول...". هو طبعاً كان عالماً، وأبوه الشيخ حسن الجبرتي كان واحداً من علماء الفلك والهيئة أيضاً والهندسة والكيمياء وكده، فالجبرتي بيدخل المجمع العلمي الذي عملوه الفرنسيين ويشوف تجاربهم ويصفها ويقول لك: "وفيها أمور لا تسعها عقول أمثالنا"، يعترف لهم بالتفوق العلمي. لكن مثلاً في تجربة ثانية وهم يحاولون إبهار المسلمين بالمنطاد الذي يسافر، قال: "هذا مثل الطيارة الورق بس هم بيعملوا النار كذا فترتفع". التجربة التي أعجبته أبدى انبهاره، والتجربة التي لم تعجبه أبدى احتقاره، عادي خالص. فهو الجبرتي ليست عنده أي مشكلة في أن يصف مظالم الفرنسيين ويجيء عند المحكمة العلنية ويعجب بها، "والله هذا نظام حلو ويحقق العدالة"، وهو يقول ذلك، وما عنده إشكال أن يرجع ويتكلم عن توحشهم لما أحرقوا يد سليمان الحلبي ولما قتلوه بهذا الشكل الفظيع، ولما قتلوا أناساً بدون محاكمة. هم لما قتل كليبر مسكوا المجرم، العدالة تقول إنك تمسك المجرم تحاكمه محاكمة علنية، الفرنسيون طاحوا قتلاً في الناس بدون تهمة وبدون جريمة، لكن المجرم فعلاً أخذوه وعملوا له محاكمة علنية؛ فالإعجاب زي ما أنت قلت بالعملية وبالإجراء، طبعاً هذا لا يعكس قناعته بالفرنسيين أو احتلالهم أو استعمارهم، وإنما هو فقط أعجب بالفكرة نفسها، هي ما كانت موجودة عندنا.
نرجع للحملة الفرنسية، قصتها برضه علشان نوجزها للناس وما يأخذنا الكلام، فرنسا حصل فيها ثورة، الثورة الفرنسية 1789، هذه الثورة استطاعت أن تقضي على الملكية وتقضي على الإقطاع وأن تتحول إلى جمهورية، ودخلت الثورة الفرنسية في حالة من الاضطرابات نتجت عنها دولة قوية، الدولة القوية نتج عنها جيش قوي، الجيش القوي هذا استطاع أن يكتسح كثيراً من أوروبا ومن ضمنها اكتسح إيطاليا. طبعاً أنت عارف زي ما حصل عندنا في ثورات الربيع العربي، الملوك بتوع أوروبا: "ماذا؟ ناس تلغي الملكية؟"، صحيح أنا بتاع إنجلترا وأنا بتاع النمسا وأنا بتاع ألمانيا ما بحبش لويس الفرنسي، لكن هذا في الآخر يفضل ملك، كيف تحصل عليه ثورة؟ مثلما بشار الأسد يكره حسني مبارك، لكن لما حصلت ثورة على حسني مبارك بشار الأسد خاف، القذافي ما بيحبش حسني مبارك لكن لما حصلت ثورة على حسني مبارك... فالطغيان رحم بين أهله. فحصلت مؤامرة برضه على الثورة الفرنسية من ملوك أوروبا وأدت إلى أن هذا الجيش الفرنسي -جيش الجمهورية- يستطيع أن يكبر ويتضخم ويكتسح مناطق عديدة، وظهر فيها هذا القائد البارز بونابارت، وطبعاً بونابارت هذا اسمه فيما بعد سيأخذ لقب نابليون، فنحن سنقول نابليون مجازاً؛ نحن الآن مش في بحث علمي.
وكما يقول أستاذنا جلال كشك الله يرحمه: الثورات لا تغير الأهداف القومية، لويس الرابع عشر ضد الثورة، والثورة ضد لويس الرابع عشر، لكن الأهداف القومية لفرنسا ما تغيرتش؛ أهداف التوسع وأهداف المنافسة مع بريطانيا ما تغيرتش. يعني الثورة الفرنسية والجمهورية التي سيعملها نابليون ستحقق الأهداف وتنفذ المخططات التي كانت متقدمة للحكومة الفرنسية، بخلاف الانقلابات التي تلاقي الوطن ماشي يمين، فالانقلاب يجيء يرجعه وراء أو يمشيه شمال. فالذي حصل أن فرنسا كان لديها تنافس شديد مع البريطانيين، نحن قلنا لما تكلمنا عن خريطة الاستعمار إنه في فترة كانت بين الإسبان والبرتغاليين، وبعدين الفترة التي بعدها كان تنافساً بين الإنجليز والفرنسيين، والتنافس بين الإنجليز والفرنسيين تستطيع أن تقول إن الإنجليز غلبوا فيه بأكثر من جهة وبأكثر من سبب. الذي يهمنا الآن حاجتان: الحاجة الأولى أن الإنجليز كانوا يسيطرون على طريق رأس الرجاء الصالح والهند، يسيطرون على شوية فلوس كثيرة وموارد كثيرة وبشر كثير، الفلوس والموارد والبشر دول ينعكسون أموالاً وأسلحة وقوة عسكرية تجلب لهم المزيد، فالهند هذه حاجة هائلة عند البريطانيين وتمكنهم من هزيمة الفرنسيين، وفي حرب اسمها حرب السنوات السبع كانت 1756 لـ 1763، الحرب هذه هزمت فيها فرنسا وحلفاؤها وانتصرت فيها بريطانيا وحلفاؤها، وأخذت من الفرنسيين مستعمرات في الشرق وفي الغرب وحتى في أوروبا نفسها.
التفكير الاستعماري -مع أنك الآن قوة وبتتوسع- أدى بنابوليون إلى أن يفكر في غزو مصر، لماذا يفكر في غزو مصر؟ المفروض أن العلاقة جيدة بين الدولة العثمانية وفرنسا. السبب الأول أن بريطانيا تسيطر على طريق رأس الرجاء الصالح، وأنها هزمت فرنسا في حرب السنوات السبع، فهذه كانت الكرامة الفرنسية أو كان الهدف القومي الموجود عند الفرنسيين في ذلك الوقت: كيف يمكن أن يثأروا من هزيمة السنوات السبع؟ وكيف يمكن أن يكسروا هذا الاحتكار لطريق رأس الرجاء الصالح؟ فإما ينافسوا بريطانيا على الهند، أو على الأقل يبقى عندهم مستعمرة مثل الهند. التحدي كبير لأن الدول في صعود أو في هبوط، وبريطانيا الآن أقوى، "أنا زعلان من البريطانيين فقررت أروح أحتل مصر"، هذه صيغة الأقوياء دائماً، حصلت مع الإسبان والبرتغال قبل كده. سألتني قبل كده: لماذا أروح أحتل الباقيين؟ فقلت لك: يا أبا الحارث، هذا سؤال العصر الحديث بتاع الدول والحدود والقوانين، لكن العصور كلها ما كانش فيها هذا المعنى، كان الكبير... نحن الحمد لله في فترة التوقف، الأستاذ ترامب رايح جايب رئيس فنزويلا من بيته، وعايز يأخذ جرينلاند، زي ما أنت شايف كده، ويقول لك: أنا ما فيش حاجة اسمها قانون دولي وأخلاقي بس هي التي تحدد. عايز أقول لك ترامب هذا يزيل الغشاء الرقيق الذي كان اسمه نظام عالمي وقانون دولي؛ عملياً ما كانش فيه، عملياً كان القوي يكتسح ويتمدد، بس هم عملوا هذا الغشاء يقنعوننا نحن به، هو الرجل هذا الآن دماغه مريحة، الذي أريده أعمله ومسيطر.
فهو الآن في ظل تنافس عالمي، نحن إما نكسر البريطانيين في الهند أو يكون عندنا على الأقل مستعمرة مثل الهند. نقلب في الأدراج، نفتش في خطة قديمة لغزو مصر، الخطه قديمة هذه يعني بقالها 200 سنة مثلاً، 1600 وشوية، قُدمت للويس الرابع عشر، وهو أشهر ملوك فرنسا وأطولهم عهداً. لكن مصر طبعاً قبل 200 سنة كانت مع الدولة العثمانية القوية، إنما مصر الآن في دولة عثمانية ضعيفة وفي مماليك ضعاف، وتقارير فرنسا بالمناسبة كان لها ثلاث قناصل موجودين في مصر: قنصل في القاهرة وقنصل في رشيد وقنصل في الإسكندرية. الثلاث قناصل دول وطبعاً رحالة أوروبيون بدأوا ينتشرون في عالمنا وبدأوا يكتبون رحلات، من أهمها في هذه الفترة رحلتان، رحلة واحد اسمه سافاري، سافاري هذا ثاني واحد ترجم القرآن إلى الفرنسية وله كتاب في السيرة النبوية، وكتابه في السيرة النبوية بالمناسبة مترجم، لكن مترجم بعنوان ثاني اسمه "المستشرقون وكيف حرفوا السيرة النبوية" للشيخ عبد المتعال الجبري، جايب السيرة النبوية بتاعة سافاري هذه على أساس أنها نموذج من نماذج التحريف الذي ارتكبه.
المستشرقون في السيرة، وفي حقيقتهم فيما أرى، ليس تحريفاً بل هو خطأ. فعايز أقول لمن أراد أن يلقي نظرة على رحلة سافاري وهي مترجمة، ورحلة الرجل الثاني واسمه فولني وهي مترجمة أيضاً ومترجمة قديماً، هاتان الرحلتان كانتا من أوسع الرحلات التي قدمت صورة لمصر والشام في ذلك الوقت، غير تقارير القناصل، وغير أناس أرسلتهم فرنسا لكي تبحث لها في الأوضاع المصرية، وقدموا تقريراً فعلاً للحكومة الفرنسية مشهور اسمه تقرير ديتوت أو نحواً من هذا، لأن الفرنسي عندي بعافية شوية. كان يقول فيه: إن الثغور ضعيفة، ويمكن الآن احتلال مصر. يعني نحن حين نذهب وننظر إلى الإسكندرية، وننظر إلى رشيد، الثغور ضعيفة، هذه البلد يمكن أن تُحتل.
رحلة فولني مثلاً كان فيها تفاصيل أكثر، وبالمناسبة مذكرات نابليون عن الحملة على مصر مترجمة، وصدرت قبل حوالي خمس سنين في المركز القومي للترجمة في القاهرة، وكان هو اطلع فيها على رحلة فولني قبل أن يروح مصر. وسأصل معك الآن إلى تفاصيل دقيقة، مهم جداً والله يا أستاذ محمد، انظر إلى أهمية الرحالة والرحلات وكتب الرحلات، إذ تُبنى عليها قرارات. طبعاً ما هو أحد أهم الفوارق بين الحملات الصليبية وبين الموجة الاستعمارية الحديثة هو العلم والاستشراق. الجماعة الذين جاءوا جداد كان عندهم علم بالبلد، بخلاف الصليبيين الذين كانوا فاكرين أن المسلمين هؤلاء يعبدون صنماً معلقاً في السماء، هو صنم محمد، وأنهم يعبدون ثلاثة آلهة، ويضعون عليهم الجواهر والبتاع؛ يعني قصدي تصور الصليبيين لما قدموا على المسلمين كان تصوراً مضروباً تماماً.
لكن الموجة الاستعمارية الحديثة هذه كان تصورها مختلفاً تماماً، أنت مثلاً تمسك مذكرات نابليون الفصل الثاني هو فصل عن مصر، فيها كم دجاج وكم دواب وكم أرض مساحتها، وتعرف تطلع كم فرانك في السنة، ولو عملنا كذا المفروض يطلع كم فرانك ثاني، وأفرانها عاملة إزاي، والناس والمسلمين والمسيحيين فيها عاملين إزاي. تحسها دراسة جدوى، دراسة دقيقة، الفصل الثاني في مذكرات نابليون كله مصر وأرقام. يا سلام! كان عارف كيف يخاطب الناس بالضبط، وهو هذا الذي قاله في مذكراته بناءً على رحلة فولني؛ قال: الذي سيأتي مصر سيكون عنده ثلاث معارك: معركة مع الدولة العثمانية، ومعركة مع المماليك، لكن أصعب المعارك ستكون مع تدين الشعب المصري.
يا سلام! عرف كيف، تدين الشعب المصري. نابليون نفسه يكتب في مذكراته يقول: خلينا نبص على التاريخ، لما الفرس جاءوا يحتلون مصر ما عرفوا يعيشوا في مصر، ليه ما عرفوا يعيشوا في مصر؟ عشان جابوا آلهتهم معهم وعايزين المصريين يعبدوا الآلهة بتاعتهم، لكن الإسكندر لما جاء عرف يعيش ليه؟ لأنه أول ما جاء راح داخل معبد آمون وعبده، فالمصريون رأوا أنه نصير لآلهتهم فارتاحوا له. فليه ندخل معركة مع ناس متدينين إذا كان في وسعنا أننا ما ندخلهاش؟ فعلشان كذا بدأ الذي تقوله هذا، خطاب: بسم الله وحده لا شريك له ولا ولد له.
واعلموا أنني ما جئت لأشيع بينكم، إنني جئت لإزالة دينكم؛ فاعلموا أن هذا كذب باطل، وإنني مسلم وأحترم النبي والقرآن العظيم، وإننا والفرنسيون مخلصون للسلطان العثماني أدام الله ملكه. وقبل أن آتيكم خربت كرسي البابا في إيطاليا، هذا أنا ضربت لكم مركز المسيحية، مشان أثبت لكم يعني. ثم قتلت فرسان مالطا -لأنه طبعاً احتل مالطا وهو في الطريق إلى مصر- الذين يزعمون أن الله يأمرهم بحرب المسلمين. يعني أوعوا تفتكروا، الصلوات كما هي، العبادات كما هي، بل نحن مشكلتنا مع المماليك، هؤلاء المماليك الذين أفسدوا في هذا الإقليم.
أحسن يا ترى عندهم حجة بأن الله كتب لهم مصر؟ فإن لم يكن كتب فليخرجوا لنا هذه الحجة، والعلماء هم الذين سيديرون ويتولون الحكم، نحن لن نتولى الحكم بأنفسنا، وعلى القرى التي تنحاز إلينا أن ترفع ساري السلطان، ترفع علم الدولة العثمانية. يعني القرى التي ستنحاز أن ترفع علم الدولة العثمانية، مش حتى العلم الفرنسي يعني تمام، وعبادتكم كما هي وأموركم كما هي، وفعلاً كان ينبه على جنوده أننا رايحين مصر، الناس عندهم دين، ناس عندهم قرآن، ناس عندهم نساء، ما حدش يتعامل مع النساء في مصر زي ما بتتعامل مع النساء في فرنسا. فنابليون حين أتى كان مستوعباً، يعني هذه حملة كانت مبنية فعلياً على دراسات وتقارير كتبت قبل ذلك وكتبت بكفاءة.
والدليل أنه لما قضى على المماليك راح لعلماء الأزهر وقال لهم: شايفين؟ شفتوا أنا قضيت على الذين كانوا يذلونكم؟ بالضبط. أنا سأجيء لك بس أرجع الآن لفكرة الأهداف، هو ليه تحرك؟ فهو الآن تحرك علشان يعمل إيه؟ لو أنت تنظر للخريطة كده بشكل عام، نابليون كان يرى أن الفرنسيين الذين سيشوفون الخريطة سيشوفون أن فرنسا موجودة في البحر المتوسط، وطريق رأس الرجاء الصالح الذي يلف حول أفريقيا هذا بريطانيا مسيطرة عليه، فالأسطول الفرنسي لو يروح طريق رأس الرجاء الصالح سيلاقي الأسطول البريطاني عند جبل طارق والحتة التي هناك هذه. فبريطانيا فعلياً محاصرة الأسطول الفرنسي في البحر المتوسط.
طيب يعمل إيه؟ هنا فكرتين يختلف فيهما المؤرخون، بس مش سيهمنا الخلاف هذا قوي؛ يا ترى نابليون كان يريد أن يحتل مصر ولما يحتل مصر سيحفر فيها قناة السويس؟ ليه يحفر فيها قناة السويس؟ لأنه لو حُفرت قناة السويس سيكون الطريق من الشرق إلى الغرب سريعاً وقصيراً، مش هنلف حولين كل قارة أفريقيا. الذي جاي من الهند سيروح داخل البحر الأحمر، قناة السويس، البحر المتوسط؛ يبقى كذا الرجل الذي قاعد في طولون أو في مارسيليا أو في فرنسا صار أقرب بكثير للهند من الذي قاعد في لندن. فالسكة بقت قصيرة بدل ما نلف حولين القارة كلها.
طيب يا ترى هو كان عايز يحتل علشان يقصر الطريق البحري ولا علشان بريطانيا مسيطرة على الطريق البحري؟ تعال نحن نسيطر على الطريق البري، مصر ثم الشام، وطبعاً مصر والشام الآن هما ملتقى التجارة بين الغرب والشرق، ما أنت البضائع التي في الشرق ستروح الغرب إزاي؟ يا بالبر يا بالبحر. راحت بالبحر أدي مع البريطانيين، راحت بالبر ستعدي على مصر والشام. أو ممكن هو بقى عايز يكمل ويروح العراق ويروح فارس لغاية لما يحتل الهند برا، ممكن، لأنه برضه هو كان يحب الإسكندر المقدوني ومعجب به، والإسكندر المقدوني مات قبل أن يحقق حلمه ويصل إلى الهند.
والإسكندر المقدوني هذا برضه شخصية كبيرة جداً، هذا مات وهو عنده 33 سنة وعمل شيئاً ضخماً، نابليون كان يتمثله؛ لأن نابليون لما جاء يحتل مصر كان عنده 29 سنة. هو حتى يقول لك الحياة مملة، لقد حققت كل الأمجاد ولم أبلغ الثلاثين بعد، طب هعمل إيه في بقية الحياة؟ كان عنده "الأيجو"، يعني عنده جنون العظمة عالي جداً. بس هو برضه عبقرية سياسية وعسكرية وإن كرهناه، وإن كان سفاحاً. المهم فنابليون كان عايز مصر والشام، ولا عايز مصر والشام والعراق وفارس، ولا عايز مصر والشام وسيعمل قناة السويس فيسيطر على الطريق البحري؛ ثاني الأمور هذه كلها موضع خلاف وتفصيل بين المؤرخين ما تهمناش لأن كلها تأتي مع بعض.
لكن نابليون كتب في مذكراته بنفسه أنه حتى لو ما كملناش هذا المشروع، مصر لوحدها لو عرفنا نديرها مالياً هتبقى الهند الأخرى؛ يعني عايز أقول حتى الحد الأدنى من خطته هو أن السيطرة على مصر كافية، زي ما بريطانيا عندها الهند نحن عندنا مصر. هل صحيح أنه قال من يسيطر على مصر يسيطر على الشرق؟ هذا خلاصة كلامه فعلاً، نعم هذا خلاصة كلامه وكان مقتنعاً بهذا الكلام، لا شك.
نعم، هو حتى ورد هذا في خطابه؛ هذا يعني هي فكرة مصر هذه كانت فعلاً في كتاب اسمه مصر الحلم الفرنسي، واحد مؤرخ مصري تتبع الجماعة الفرنسيين، مصر هذه بالنسبة لهم جوهرة لوحدها كذا. فنعم مصر من يسيطر عليها لا شك أنه يسيطر على الشرق بما فيها من الأموال والموارد والإمكانيات. هل في له عبارة ثانية كمان أعرف هي صحيحة ولا لا؛ أنه واهم من يظن أن السيطرة على مصر فقط، يعني بما معناه، ستمكنه من السيطرة على الشرق دون السيطرة على الشام وفلسطين تحديداً؟
أنا لا أذكر أني قرأتها بهذا الشكل، لكن هذا يؤكده فعله، لأنه في الآخر لم يكتفي بمصر وإنما ذهب إلى الشام، ولولا أن تعثر عند عكا هو قال دفنت أحلامي عند عكا. فشوف برضه مما يجب لفت النظر إليه، أنا لا أدري إن كنا ذكرنا هذا في حلقة سابقة أو لا؛ نحن قلنا إنه بعد انتهاء الحروب الصليبية، قس إيطالي كتب تاريخاً للحروب الصليبية، وفيها المجلد الأخير اسمه التوصيات، أو بمعنى التوصيات خطة قدمها للبابا علشان الحملات الصليبية القادمة تعمل إيه؛ فمن ضمن هذه الخطة -أنا عندي الجزء المترجم هو الجزء الأخير إلى العربي- يذكر فيه أننا إذا عايزين نروح بيت المقدس ونأخذها نبدأ بمصر، مصر ما نبدأش بالشام، لأننا البداية من الشام خلت مصر موجودة في ظهرنا، فاستطاع المسلمون أن يستردوا بيت المقدس مرة أخرى من خلال سيطرتهم على مصر، وقعد يذكر التاريخ الذي جرى في الحروب الصليبية، إزاي لما نحن ما سيطرناش على مصر راحت مننا بيت المقدس، فبالتالي كانت خطته، والحقيقة هذه ما كانتش خطة هو ابتدأها، لا دي الخطة موجودة من الحملة الصليبية الخامسة والحملة السادسة والسابعة والثامنة، كلهم كانت خطتهم الحصول على مصر أولاً ثم الشام، لكن كلهم فشلوا إلا الحملة السادسة التي حكيناها في الحروب الصليبية.
هذا هو أول تنفيذ حديث لهذه الخطة، أن أنت تسيطر على مصر الأول وبعدين تروح للشام. المهم يا سيدي، فنابليون عرض هذه الخطة على حكومة الإدارة الموجودة في فرنسا، حكومة الإدارة كانت "أوكي"، أعطوا له الإذن. بقي له أزمة أخرى هي أزمة أن يستطيع أن يحتل مصر دون أن تعرف بريطانيا بالخبر، فرتب كل ترتيباته على أساس أن يعد الأسطول ولا يعرف أحد غرضه ولا هدفه ولا أين سيذهب به كي لا يضطر إلى خوض معركة مع الأسطول البريطاني ويذهب إلى مصر ويحتلها، وبالفعل حاول يداري طول هذه الفترة، لكن البريطانيين برضه شموا خبراً، فحصل سباق في البحر على مصر، سباق في البحر، الأسطول البريطاني بقى يلف في البحر المتوسط يريد أن يفهم أسطول فرنسا هذا رايح فين. وفي ليلة غائمة الأسطولين فعلاً عبروا جنب بعض من غير ما يشوفوا بعض تماماً.
فالبريطانيون وصلوا مصر قبل الفرنسيين، بس البريطانيين ما كانش عندهم غرض السيطرة على مصر، بعيدة شوية وهم عندهم ما يكفي، هم كان عندهم غرض أن فرنسا ما تسيطرش على مصر أو ما حدش ثاني يسيطر على مصر. فوصل الأسطول البريطاني إلى الإسكندرية، وبعثوا مركباً: يا جماعة يا مصريين يا بتوع الإسكندرية، نحن عندنا فكرة أن الفرنسيين خرجوا في أسطول عايزين يهاجموا مصر، ونحن قاعدون هنا لمجرد حمايتكم ومش عايزين أي حاجة منكم إلا الطعام والشراب بثمنه.
كان محافظ الإسكندرية بقى في ذلك الوقت واحد اسمه محمد كريم، أو السيد محمد كريم لأنه من الأشراف، أول ما شاف المنظر هذا افتكر أنها خديعة ومخادعة، فقال لهم: هذه بلاد السلطان لا هي لكم ولا للفرنسيين، وما حدش له فيها، وجاوبهم بكلام خشن -هذا تعبير الجبرتي-. قالوا له: طيب نحن أصلاً مش عايزين منك حاجة، نحن سنقعد في البحر عايزين أكل وشرب. قال لهم: ولا حتى أكل ولا شرب، وامشوا من هنا. فذهبوا إلى قبرص.
بعد ثلاث أيام وصل الأسطول الفرنسي، الذي هو جاي يحتل هذه البلد. لو سنحكي الآن قصة الحملة الفرنسية باختصار ستبقى كالتالي: الفرنسيون معهم 30 ألف جندي، بعضهم يوصلهم لـ 40 ألف جندي، والبعض حكى 36، يعني في 36 وفي 39، الأرقام والتواريخ كما اتفقنا دائماً فيها مشاكل، وفي شوية تُركوا في مالطا علشان يسيطروا عليها، ولكن هو برضه أخذ من فرسان مالطا شوية عشان يبقوا معه كتيبة في الجيش. كويس أنت يعني سنفوت لبعض شوية في التواريخ والأرقام لأننا برضه في مجلس عام، كان 150 سفينة حربية، 50 سفينة حربية فضلاً عن بقية السفن، وهو برضه لما خرج ما خرجش بجنود فقط، ده خرج ومعه 146 وبعض الناس تقول 76، على تفصيل من العلماء والرسامين والنحاتين والمؤرخين والناس الذين هم الفريق العلمي، الكتيبه العلمية هذه.
فرنسيون، نعم، هؤلاء جاءوا علشان يكشفوا أو يدرسوا مصر أكثر، ويشوفوا إزاي ممكن نستفيد منها أفضل استفادة، ونشوف إزاي نحفر قناة السويس. قناة السويس هذه مما لا يعرفه كثير من الناس أنها مشروع استعماري، يعني مشروع أجنبي مشروع أوروبي، والمسلمون طول عمرهم رفضوا حفر قناة السويس، ليه؟ للخطر الاستراتيجي الذي يهدد الحرمين؛ يعني أيام هارون الرشيد، أيام هارون الرشيد الذي هو أمطري حيث شئت..
كان المسلمون موجودين في الأندلس أيام هارون الرشيد، وكان كل البحر المتوسط بمثابة ساحله الجنوبي والشرقي إسلامي. يروي المسعودي في مروج الذهب أن هارون الرشيد فكر في حفر قناة بين البحر المتوسط والبحر الأحمر، فجاء وزيره يحيى بن خالد البرمكي وقال له: لا تفعل يا أمير المؤمنين. فسأله: لِمَ؟ قال: لو حُفرت هذه القناة ستسلك مراكب الروم من بحر الروم المتوسط إلى بحر الحرمين بحر القلزم، فستدخل مراكب تهدد الحرمين مكة والمدينة. ففي أي لحظة من لحظات الغفلة أو الضعف، ستتمكن أساطيل القسطنطينية من الدخول بسهولة.
هذه الفكرة كانت موجودة عند المسلمين ومنتبهين لها منذ زمن بعيد، وهي بالمناسبة فكرة موجودة من أيام الفراعنة. لكن لا الفراعنة ولا البطالمة ولا أي أحد فكر في حفر قناة متصلة مباشرة بين البحر المتوسط والأحمر، بل كانوا يوصلون البحر الأحمر بالنيل والنيل واصل بالبحر المتوسط. والفرق بين الاثنين أن أي مراكب تدخل الدلتا وتدخل النيل ستكون في وسط الكتلة الشعبية، أما قناة السويس فصحراء، فالخط المباشر من البحر الأحمر إلى البحر المتوسط لن يجد أحداً يدافع عنه. إذا دخلت مراكب رومية النيل، كل الناس الموجودة في مصر ستحاربها، كما أن حركة المراكب في فروع النيل صعبة جداً وسط الكتلة البشرية الضخمة، بينما في الصحراء الدنيا فراغ.
لذلك، لم يوافق أحد أبداً على حفر قناة السويس من الحكام المصريين والمسلمين، حتى في عهد سليم الثاني الذي لم تكن فيه حتى دولة بيزنطية، وكان كل البحر المتوسط -إلا جزءاً غربياً- تحت سيادة الأسطول العثماني. والعثمانيون كانوا يحاربون في الهند وعند خليج عدن وفي الخليج العربي، ففكروا في فتح قناة السويس لتسهيل حركة الأسطول بدلاً من بناء أسطول آخر أو تفكيك الأسطول وبنائه ثانية، وفكروا في تمرير الأسطول، ومع ذلك لم يتم ذلك؛ كله حماية للحرمين.
حتى عندما جاء نابليون بونابرت لم تكن هناك قناة سويس، لكنه جاء وفي ذهنه أن يحفر القناة لكي يسيطر على الطريق ويهدد التجارة البريطانية، أو على الأقل لكي يسهل لنفسه طريق الوصول إلى الهند أو ليصبح هناك طريق بحري أقصر من البريطانيين فتنتقل التجارة إليه. وهكذا.
أما عن سؤالك عن الدولة العثمانية ومصر في ذلك الوقت، فهذه هي الصدمة. سليم الثالث كان في السلطة في ذلك الوقت، ولكن الصدمة أن العثمانيين أنفسهم والمصريين لم يتوقعوا أن تُحتل مصر. هذه صدمة هائلة؛ إذ يقول الجبرتي في بداية حديثه عن الحملة الفرنسية: «وهذه سنة بداية اختلال الزمن وتوالي المحن وتعاظم الفتن وانقلاب المطبوع وانعكاس الموضوع». الناس في مصر كانوا يعيشون في أمان منذ 300 سنة، ولم يسمعوا عن صليبيين، لأن الدولة العثمانية نقلت خط الاحتكاك والصراع إلى وسط أوروبا وإلى شواطئ المغرب، فكان الناس في مصر والشام يعيشون في أمان لأكثر من 1000 سنة، ومنذ أن دخلها الإسلام وجيش عمرو بن العاص لم يستطع أحد الوصول إلى القاهرة، حتى في أيام الصليبيين لم يحتلوا القاهرة. فكانت لديهم قناعة راسخة بأن مصر لا يمكن أن تُحتل، وكان شيئاً غير متوقع أبداً.
وحتى لا يختلط الأمر عليك بخصوص المماليك، فقد قلنا إن العثمانيين لم يكونوا احتلالاً بالمعنى التقليدي للدول العربية، بل حافظوا على الأنظمة الإدارية الداخلية ولم يغيروها تغييراً كبيراً في مصر، بل أزالوا رأس النظام واستعانوا بالمماليك ورتبوا نظاماً يمنعهم من الانقلاب عليهم. وذلك كان في زمن قوة الدولة العثمانية في عهد سليمان القانوني. لكن عندما بدأت الدولة العثمانية تضعف، بدأ المماليك الموجودون على الأرض ينفلتون من آثار الحكم العثماني ويشعرون بالقوة. وفي لحظات ضعف الدولة العثمانية، كان الحكام الحقيقيون هم المماليك، والباشا العثماني كان موجوداً كرئيس شكلي فقط. لم يكونوا متمردين على السلطان العثماني، لكنهم كانوا هم من يحكمون، حتى إن المماليك خرج منهم من أراد تجديد سلطنة المماليك وأخذ مصر والشام والحجاز ثانية من العثمانيين، مثل علي بك الكبير.
في لحظة الحملة الفرنسية، كان يحكم مصر اثنان من المماليك، مراد وإبراهيم، مناصفة تقريباً. والمماليك كانوا فرساناً أشداء وأبطالاً، وهذا هو المعروف عنهم. والدولة العثمانية كانت متفاجئة سياسياً لأن الضربة جاءت من فرنسا التي كانت علاقتهم بها جيدة، ومتفاجئة عسكرياً، فنحن نتحدث عن عام 1798م، أي بعد 115 أو 117 سنة من لحظة بدء انحدار الدولة العثمانية بعد فشل الحصار الثاني لفيينا.
وبالنسبة لتفوق نابليون، فقد قلنا في حلقة «لماذا تفوق الغرب علينا» إن من أهم الأسباب تحويل العلم إلى تطبيقات، أي أسلحة وآلات، بالإضافة إلى كثرة السكان. مصر والشام كانت بلاداً يبلغ سكانها مليوني ونصف، بينما فرنسا في ذلك الوقت كان سكانها ربما سبعة أو تسعة ملايين. مصر كان يحميها مثلاً 10 آلاف مملوك، والجيش الذي جاء مع فرنسا كان تعداده 30 ألفاً. فعندما بعث محمد كريم يقول: «مراكب لا أول لها ولا آخر وهم كالجراد المنتشر»، كان يتحدث عن جيش اكتسح إيطاليا. كانت صدمة كبيرة.
وصل الفرنسيون إلى الإسكندرية وطلبوا التسليم، فلم يكن هناك تسليم، ودخلوا في قتال. محمد كريم، محافظ الإسكندرية، أبدى بسالة وشجاعة لدرجة أن نابليون وجنوده قالوا: من هذا المجنون الذي يظن أن ببضع مئات من الناس وقليل من البارود سيوقف جيش نابوليون الذي اكتسح أوروبا؟ البسالة التي أبدوها كادت تقتل نابليون وأصيب فيها بعض كبار قادته، مثل كليبر. الإسكندرية قاومت مقاومة مثيرة للإعجاب لدرجة أن نابليون عندما انتصر أصر على أن يأتوا له بمحمد كريم، وأبدى له إعجابه وأعطاه سيفه هدية وقال له: أنت محافظ الإسكندرية.
كان نابليون ذكياً، لكن عندما رحل بجيشه من الإسكندرية إلى مصر، أشعل محمد كريم مقاومة مرة أخرى. وعندما احتل نابليون مصر واكتشف مراسلات محمد كريم للمماليك يخبرهم فيها أن هؤلاء جماعة يمكن هزيمتهم، قبض عليه. وبعد أن عجز عن دفع مبلغ ضخم كفدية خلال 12 ساعة، قتلوه.
بعد احتلال الإسكندرية، بدأوا بالزحف إلى القاهرة. كان الطريق فيه مقاومة طوعية من العربان والبدو وبعض القرى، مثل دمنهور التي حدثت فيها مذبحة. نابليون كان يريد تجنب أي احتكاك مع المصريين، لدرجة أنه أمر جنوده بعدم النزول في أي بيت أو مسجد، فباتوا في العراء. إلا أن أحد جنوده خالف الأوامر وبات في مسجد، فحدث ما حدث.
إلى أن وصل إلى المعركة الكبرى، معركة المماليك التي تُعرف بمعركة إمبابة، ويسميها الفرنسيون معركة الأهرام. استغرقت المعركة ثلاثة أرباع الساعة وهُزم المماليك هزيمة قوية. عندما تقرأ في الكتب المعجبة بالغربيين، تحس أن المعركة كانت نزهة، لكن عندما تقرأ في كتاب الجبرتي أو الدراسات الجادة، تشعر أن المعركة كانت شديدة جداً وكاد يهزم فيها الفرنسيون بمدافعهم. المماليك كان معهم بنادق ومسدسات، لكن المملوك كان معتاداً على الإقدام بسيفه، وكان يرى أن المسدس والبندقية من صفات الجبان. ومع ذلك، أظهر المماليك بسالة شديدة. حتى الفرنسيون في مذكراتهم في كتاب «جيش الشرق» يقولون عن المماليك: هؤلاء لا نظير لهم في البطولة والبسالة، ولا شك أنهم أشجع المقاتلين في الوجود. لكن المشكلة كانت في أن المملوك فارس فرد، وجيش نابوليون يقاتل كمجموعة بخطة وفن حربي؛ فبينما كان المملوكي متفوقاً على الفرنسي على مستوى الأفراد، كان نابوليون متفوقاً بخطته العسكرية الجديدة وتقسيمه الجيش إلى مربعات متكتلة ومتماسكة.
بما لديه من مدافع حديثة، استطاع أن يهزم المماليك. بعد هزيمة المماليك، بدأت حالة من الفوضى في القاهرة، فالسلطة زالت كما يحدث في أي مكان، وبدأ نابليون يسيطر على الدلتا ويحاول السيطرة على الصعيد.
السيطرة على الدلتا والسيطرة على الصعيد هو تاريخ من المذابح والجهاد والنضال. خذ عندك قرى تُحرق، ومئات الناس يُقتلون، وناس على الناحية الثانية تجاهد جهاد من لا يرجو الحياة. الفرنسيون يسجلون في مذكراتهم أنهم رأوا قتالًا لم يعهدوه ولم يتوقعوه أبدًا مع إمكانيات ضعيفة، وكانوا يستهدفون إحراق القرى لكي تكون القرية المحروقة عبرة لغيرها.
بعد ذلك، ستبقى الحملة الفرنسية سنة في مصر، وبعد سنة ستبدأ بالتحرك إلى الشام. في الشام أيضًا ستحصل معارك، وستحصل مقاومة، وستحصل مذبحة هائلة في يافا، وتأتي عند عكا؛ فيستطيع أحمد باشا الجزار، وهو والي عكا، أن يتصدى للفرنسيين إلى الدرجة التي تمنعهم من اقتحام عكا. في هذه الأثناء، سيكون الإنجليز قد عرفوا أين ذهب الفرنسيون، فتأتي أساطيلهم إلى البحر المتوسط، وتخوض معركة اسمها معركة أبي قير البحرية، وتنهي الأسطول الفرنسي، وتتحول مراكبهم إلى دعم حصار عكا، ودعم أهل عكا وأحمد باشا الجزار ضد الفرنسيين. فيصير الجيش الفرنسي موجودًا في مصر على هيئة المحاصر الذي لا بد أن يتكيف، وأن يحاول تدبير أموره، وكيف يأخذ موارده، وكيف يتعايش، وكيف يستطيع الحكم دون أن ينتظر مدد فرنسا؛ لأنه خلاص الطريق البحري أُغلق عليه.
عند عكا سيحصل الإخفاق، ويرجع نابليون، وتبدأ تحصل مشاكل في فرنسا على الحكم، يرى فيها نابليون فرصة ممتازة أن يكون هو قائد الجمهورية، فيرحل منفلتًا وهاربًا بمركب إلى فرنسا، ويترك قيادة الحملة إلى كليبر. كليبر هذا لما سيجد الوضع بهذا الشكل؛ إخفاق في الشام، وبلد ثائرة في مصر، والإنجليز ضربوا الأسطول، والقوات العثمانية تتحرك، سيبدأ يدخل في تفاوض حول أن ينسحب، ولم يكن عنده مشاكل أن ينسحب، لولا أن أصر الإنجليز أن كل الفرنسيين هؤلاء يؤخذوا كأسرى حرب.
المفاوضات أخفقت، ولأن الجيش العثماني الذي كان قادمًا للاستلام لم يكن قادمًا ليقاتل، فاستطاع الفرنسيون أن يباغتوهم ويهزموا القوة العثمانية التي جاءت. فكليبر قال للإنجليز: طالما هكذا، أنا سأظل قاعدًا وسأرجع أقاتل، وقاتل العثمانيين على الأرض وهزمهم، ولم يكونوا مستعدين. وبعدها بشهور، ستخرج لنا الدرة التاريخية سليمان الحلبي، الذي سيستطيع أن يغتال كليبر. هو حلبي لأنه من حلب، كان رجلًا شجاعًا جاء من حلب ليغتال ويتدخل في الشؤون الداخلية المصرية، ويصيب وطنه.
لا يصح وصفه بالإرهابي؛ فأنت تسقط على واقعنا الكليم. قبل أن تُقسم الدول ويبقى عندنا هذه الدوافع القومية، كان الرجل الحلبي يرى أن في أرض للمسلمين احتُلت، فيروح يجاهد فيها، وما كان أحد يقول له: شو علاقتك؟ شو دخلك؟ لا تتدخل في بلدنا وحدودنا. والذين حرضوه كانوا مجاوري الأزهر، وهم طلبة في الأزهر؛ الشيخ عبد الله الغزي والشيخ محمد الغزي، رحم الله الجميع.
انتقلت القيادة إلى جاك مينو، وهو القائد الثالث، وهذا الرجل أعلن أنه أسلم فعلًا وسمى نفسه عبد الله. زعران الفرنسيين لم تكن لهم عقيدة، فالجبرتي يقول إن هؤلاء الناس ما كان لهم عقيدة، فبعضهم منطوٍ على نصرانيته ولكنه يكتمها، والبعض الآخر أهل أهواء وإلحاد لا دين له.
على سبيل المثال، حين أحب عبد الله جاك مينو فتاة مسلمة، قال لها: أريد الزواج منك. قالت: لا ينفع أن أتزوجك لأنك مسيحي. قال لها: ماذا أعمل؟ قالت له: تشهد أن لا إله إلا الله. قال: هي فقط كذا؟ أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله. خلاص. هذا أيضًا نموذج جديد الناس لم تعتد عليه؛ نموذج أن تغير دينك لأجل مصلحة. المعلم الكبير نابليون عمل هكذا أيضًا، وهذا كان بالنسبة للمصريين شيء لا يصدق؛ كيف رجل عظيم في قومه يغير دينه لأجل المصلحة؟ هذا بالنسبة للمصريين وللعرب شيء جديد وغير معقول، وشيء لا يُتوقع. فهم طول عمرهم شايفين صليبيين؛ نحن مع الصليب ويسوع المسيح وقبر المسيح، سنقاتل ونموت، هذا مفهوم. أما أن يقول لك الواحد: لو مصلحتي أن أصبح مسلمًا سأصبح، ولو مصلحتي أن أكون مسيحيًا سأكون، فهذا جديد.
عبد الله جاك مينو تفاوض على الرحيل، وساعتها الإنجليز لم يكونوا حابين أن الموضوع يطول أكثر من كذا؛ لأنهم خسروا سنة ثانية من الوجود الفرنسي في مصر. فكانت المفاوضات الثانية أفضل، ورحلت الحملة الفرنسية سنة 1801؛ فهم ثلاث سنين من 1798 إلى 1801. في ذلك الوقت رحل الفرنسيون وعادت مصر إلى الدولة العثمانية.
نيجي الآن للكلام المهم في الحملة: ما الذي يجعل هذه الحملة ليست كأي محاولة فاشلة أو محاولة عسكرية أخرى؟ النمط الجديد الذي حملته هذه الحملة العسكرية؛ نحن أشرنا في سياق الكلام إلى أن الحملة كان عندها معلومات، لم تكن حملة جاهلة كالحملات الصليبية. عندنا تقارير، عندنا معلومات، عندنا أرقام، عندنا تصور ماذا نفعل في مصر، عندنا مشروع لحفر قناة السويس، عندنا علماء وأثريون سيروحون يمسحون البلد. وبالفعل علماء الحملة قاموا بدورين كبيرين يهماننا الآن: الدور الأول أنهم حاولوا إبهار المصريين، ويقولون لهم إن عندنا علمًا مبهرًا وتفوقًا هائلًا لا قِبل لكم به. فكانوا يدخلون الناس المجمع العلمي الذي أنشؤوه، ويرونهم التجارب الكيميائية، وتجربة الكهرباء، والمنطاد، ويقولون لهم: شوفوا كيف سنضع فيه ناسًا وسيطلع للسماء ويسافر بلادًا بعيدة فيعرف لنا الأخبار على حقيقتها، وتعرفون تعملون هكذا؟ وهكذا حاولوا إبهار المصريين.
والدور الثاني أنهم فعليًا نفضوا وفتشوا أرض مصر وأخرجوا عنها موسوعة وصف مصر، التي تُعتبر رائعة من الروائع العلمية في الدقة والشمول. أنت تمسك موسوعة وصف مصر، وهي في طبعتها العربية ثمانية أو تسعة مجلدات، وفي المجلد الأخير اللوحات؛ شوف مسك البلد، المساجد، الزوايا، العمارة، البناء، نوعية الحجارة، الأرض، النهر، الزراعة، الصناعة، التجارة، التعليم، الأسبلة، الحشرات، الحيوانات، ملابس الرجال، ملابس النساء، طبقات المجتمع، والآثار الفرعونية؛ عندك تقرير شامل عن صورة مصر. مجهود علمي هائل لا شك، فالأوروبيون لم يسودوا مجانًا، بل هناك ناس أفنت نفسها في صناعة النهضة الأوروبية.
النمط الثاني وهو النمط المهم، أنه داخل بهذا المعنى الذي لا يريد أن يصطدم فيه بدين المصريين؛ فداخل يمثل عليهم أنه مسلم. نابليون من أول ما دخل، المشايخ كانوا زعلانين لأن البلد احتُلت، وكان المولد النبوي قد اقترب، ولم يحبوا عمل المولد، ونقيب الأشراف عمر مكرم هرب وترك البلد. فنبليون قال: يا جماعة، لماذا لن تعملوا المولد النبوي؟ قالوا: والله ما عندنا فلوس. قال: يا سلام، أنا أعطيكم فلوس واعملوا المولد النبوي، نحن الفرنسيين حاشى لله أن نمنع شعائر!
وعمل احتفال المولد النبوي وأظهر صبرًا عجيبًا، وكان من أوله إلى آخره جالسًا يسمع المدائح النبوية ويسمع الآيات ويتأثر، وقيل إنه كان لابسًا لباسًا عربيًا، وجنوده لابسون لباسًا عربيًا معه. وقال: يا جماعة، أنا مسلم، بس في حاجتين مش عارف أعملهم، وفي حاجة مش عارف أتركها، شوفوا لي ماذا أعمل يا جماعة العلماء؟ لا أستطيع الختان، وصعب عليّ أن أترك الخمرة، نحن عندنا البلد برد وأنا لازم أشرب الخمرة عشان الدفء، فأخرجوا لي فتوى في هذا الموضوع.
هذه هي الأشياء التي لم أستطع فعلها لأكون مسلمًا كامل الإسلام. وطبعًا وهو يقول هذا، هو القوي القاهر الذي ضارب البلد ومؤدبها، لكنه يتخادع بالقول. هذا أسلوب الاستعمار الحديث؛ امسك عصا وقل كلامًا لطيفًا. تبقى تضرب حتى بالنووي وترجع تقول أنا أريد الأمن والسلام العالمي.
هم هؤلاء المشايخ الذين حوله، علماء الأزهر طبعًا. ما أريد قوله الآن أن مظاهر أنه مسلم كثيرة؛ فأوقف الجنود يستقبلون الحجاج في موكب عسكري مهيب ووقور، وأعلن وأرسل رسالة لشريف مكة أنه لا تخف، أوقاف الحرمين الشريفين كما هي ستصلك كما كانت، نحن مشكلتنا مع المماليك لكن نحن تمام. مما لا يعرفه الناس الآن في زمننا هذا أن كل بلد من بلاد الإسلام كان فيها أوقاف موقوفة على الحرمين، كنا بلدًا واحدًا؛ ستجد واحدًا في الصعيد أوقف فدادينه على إنارة وإعمار الحرمين، والفلوس التي طالعة من الأرض هذه رايحة للحرمين. الآن مع تقسيمنا كل بلد استولت على أموال الأوقاف التي فيها، ما بقي الذي مرصود للحرمين يروح للحرمين، ولا الذي مرصود لفقراء الحرمين يروح لفقراء الحرمين.
ويضرب مثلًا بالمدافع تحية للنبي العظيم، المهم الرجل أراد بكل وسيلة أن يقول أنا ما عندي أي مشكلة مع الدين والأمور كما هي؛ فهذا أيضًا مما يشوش. هو أراد بذلك أن يشوش على الناس سبيل مقاومته، لأن نابليون وهو رايح، والمصريون وهم شايفينه غازيًا محتلًا، ما كانوا شايفين المسألة مصر وفرنسا، كانوا شايفين المسألة مسلم وكافر؛ فهو رايح يقول لهم: يا جماعة أنا مسلم، أنتم يا أهل مصر كنتم قابلين أن المماليك يحكموكم عشان مسلمين، وقبل كذا كنتم قابلين أن العثمانيين يحكموكم عشان مسلمين، أنا برضه مسلم، فما فيش ما يدعو إلى المقاومة. زي ما كان عندكم مماليك قبلهم عثمانيون، قبلهم مماليك ثاني، قبلهم أيوبيون، قبلهم فاطميون. لأن الناس الآن متصورة أن المسألة مسألة وطنية. لما الدولة العثمانية استنكرت هذا وبدأت في تسيير الجيوش، هو منذ أن قدم بهذا المعنى أنه مسلم، بدأ.
يضرب على وتر الوطنية والقومية، فهو يقول في بيانه: يا أهل مصر، وهذا الإقليم الحسن الأحسن الذي ليس في كرة الأرض مثله، ويبدأ يعمل هوية وطنية. لما الدولة العثمانية بدأت توجه الجيوش لمحاربته، راح قال: يا أيها العرب، لماذا تقبلون أن يحكمكم الترك؟ اشتغل على القومية العربية. يا ترى لو سيدنا محمد النبي العظيم نزل الآن من السماء أين كان يقيم؟ أفيقيم في القسطنطينية؟ إنها مدينة دنيوية، النصارى فيها واليهود أكثر من المسلمين. إنما كان سيقيم في الأزهر، مفتاح الكعبة، أو هيروح يقيم في الكعبة. يبقى ليه يا جماعة أنتم يا مسلمين ويا عرب تقبلوا أن التركي يحكمكم؟
لو أنا عايش هناك وسمعت هالكلمتين هصدق وهقتنع صراحة. عارف أنت زي كده برضه أيام الإنجليز والشريف حسين؛ اللي هو يا جماعة مش عندكم حديث اسمه الأئمة من قريش؟ إزاي قابلين أن التركي يحكموكم؟ ودي لو اتكلمنا عن الثورة العربية الكبرى ونبقى نجيلها إن شاء الله. فقصدي أقول شوف أنت المحتل، وأنت عارف طبعًا الإنجليز والفرنسيين بيحبوا ينفذوا سنة النبي، فإزاي الأئمة من قريش ورايحة للترك؟ لدرجة دارس الوضع، طبعًا مش طبيعي. أنا بقول شوف مفيش حد بينجح بالصدفة، النجاح والغلبة وراءها جهد مبذول. في ناس فرنسيين جاؤوا ومكثوا في البلاد وأتقنوا اللغة العربية وقدموا التقارير، مش بقول لك الراجل جه رحلة راح طلع قال له: أنت عندك ثلاث معارك وأصحابهم المعركة مع تدين المصريين، فبالتالي نابليون أظهر هذا الوجه لكي يسحب هذه المقاومة.
طيب ده نمط آخر من أوجه الاختلاف بين الحملة الفرنسية وبين الحروب الصليبية. الحاجة الثالثة أنه قال: أنا مش هحكم يا جماعة، ده العلماء هم الذين سيحكمون هنا. أتي إلى ما قلت أنت، وهو علماء الأزهر. دلوقت العصر المملوكي والعصر العثماني نقدر نقول إن هو آخر تجلي أو آخر مظهر لمظاهر الحكم الإسلامي، مع انحرافات فيه طبعًا، لكن عموم النظام نظام إسلامي، زي ما تقول كده بالمصطلح المعاصر لو حابين نقربها للناس: دولة ديمقراطية بس فيها مشاكل؛ يعني دولة ماشية بالديمقراطية كل أربع سنين عندهم انتخابات نزيهة، في برلمان، في دولة قانون ودولة مؤسسات، ديمقراطية بس فيها مشاكل. فالجماعة دول كانوا دولة إسلامية وفيهم مشاكل، نابليون هيبدأ هنا في تحطيم النموذج الإسلامي لحساب إنشاء نموذج غربي.
يعني إيه يا عم الشيخ مسألة أنه نموذج إسلامي؟ نموذج إسلامي يعني كان المماليك وكان العثمانيين بيحكموا الأمور الكبيرة؛ الأمن والدفاع وما يتعلق بهما، مهمتهم أن الدنيا في الداخل تبقى أمان، الدنيا في الخارج يبقى عندهم جهاد، ويبقى عندهم حماية للثغور. لكن العلم، الزراعة، الصناعة، كل بقية الأنشطة، الإعلام، التربية، الثقافة، كل ده يقوم به المجتمع، فلذلك من الذين يبرزون في المجتمع؟ سادة المجتمع وقادته العلماء. وعلشان كده تقع المظالم تلاقي العالم هو الذي يروح يواجه السلطان، تحصل مشكلة يروح العلماء يهددوا بغلق الأزهر، غلق الأزهر دي كانت حاجة ضخمة تهتز لها المملوك، زي كده الإضراب العام في البلد.
فبعد انهيار المماليك، اللي هي السلطة العسكرية السياسية، لم يعد يمثل الناس إلا علماء الأزهر، فنابليون تعامل مع علماء الأزهر على هذا النحو المراوغ، وهم تعاملوا معه على هذا النحو المراوغ أيضًا، يعني هم صاحيين له وفاهمين ولم ينخدعوا بذلك. نابليون قال لهم: بصوا يا جماعة إحنا جماعة ديمقراطيين -ما قالش ديمقراطيين طبعًا بس أنا بقرب الصورة- إحنا هنعمل ديوان بمثابة البرلمان، ده الديوان العام، وهنعمل ديوان خاص بمثابة الحكومة، وهنعمل في كل إقليم ديوان، ورؤساء الديوان دول هم المشايخ والأفاضل، صحيح بس هيبقى عندكم مساعد فرنسي أو مساعدين فرنسيين، مترجم، واحد يشرف على الموضوع وهكذا، لكن مين اللي هيقود البلد؟ عارف أنت القذافي لما كان بيقول أنا مش بحكم، أنا زعيم الجماهيرية الليبية، الشعب هو اللي بيحكم نفسه من خلال اللجان الشعبية، نابليون عمل دي.
السلطة الحقيقية عند الفرنسيين، اللي بيعوزوه الفرنسيين بيعملوه، واللي بيسيبوه للمشايخ يسيبوه، فلذلك لم يمر شهران إلا وقد أُهمل الديوان. السلطة الحقيقية كانت عند الفرنسيين ما كانتش عند المشايخ. طيب المشايخ عملوا إيه؟ المشايخ عملوا كما يفعل أي ناس زعماء لمجتمع في وضع ضعف، اللي هو أنت بتبدي للمحتل، المحتل ده صحيح يعطيك من طرف اللسان حلاوة ويروغ منك كما يروغ الثعلب، فإنت بتضطر إلى مجاراته، وأن تتشفع عنده لمن تنزل عليه العقوبة، يعني أنت بتضطر تقول: ماشي يا عم إحنا راضيين بحكمك، لكن الموضوع ده ينفع والموضوع ده ما ينفعش.
فعلماء الأزهر في عمومهم مثلوا قيادة المجتمع، القيادة دي وقت ما كانت تحصل مقاومة وثورة القاهرة الأولى وثورة القاهرة الثانية تلاقيهم مع المقاومة، وقت ما تنهزم المقاومة يروحوا يسعوا في السلام وفي التفاوض وفي كف الضرب. ففي علماء الأزهر من قاوم والتحق بالمقاومة بالسلاح، وفيهم من كان ممثلًا للحالة السياسية، وعلشان كده كليبر مثلًا وهو بيكلم الناس بعد ثورة القاهرة الثانية بيكلم العلماء بيقول لهم: أنا على فكرة لولا ما أنا أعطيت الأمان كنت قتلتكم كلكم، أنتم أصلًا ما لكمش لازمة، قال لهم كده: وأيش يكون نفعكم؟ إن قامت الحرب كنتم مع الناس علينا، وإن أخمدت الحرب جئتم تقولون انفلت الأمر من بين أيدينا، طب أيش رئاستكم وأيش يكون نفعكم؟ أيوه، ماذا يعني؟ شويه أنتم مالكمش لازمة لأن أنتم جايين تحاموا.
ولذلك ثورة القاهرة الأولى كان قلبها الأزهر، ولذلك لما أُخمدت الثورة ما الذي فعله الفرنسيون؟ اقتحموا الأزهر. اقتحام الأزهر ده لو أنا عايز أقربه مثلًا بالنسبة للمعاصرين أقول زي إيه؟ يعني أقول مثلًا سقوط عاصمة الثورة، مركز الثورة، اللي هو القضاء النهائي، عارف أنت مذبحة رابعة مثلًا، فض الميدان أو سقوط غزة لا قدر الله، يعني حالة سقوط غزة كده يعني. ودخلت الخيل الأزهر بقى هم عشان ينتقموا، دخلوا بخيولهم، وفيه تغوطوا وبالوا ووسخوا الأزهر، ومزقوا المصاحف وداسوها بخيولهم. اكشف عن وجهك الحقيقي، انتهى.
ولذلك نابليون أراد أن يهدم الأزهر لولا أن في واحد اسمه الشيخ الجوهري، الشيخ محمد الجوهري، الراجل ده كان من علماء مصر الكبار، وكان واخد عهد على نفسه كده أنه لا يرى حاكمًا ولا يراه حاكم أيام المماليك، وكان الناس يرون أنه صاحب كرامات وأنه مستجاب الدعوة، فنزل عن مبدأه الأهم لأول وآخر مرة في حياته، ذهب إليه وقال له: أنا لأول مرة أرى الحاكم في حياتي وقد جئت إليك أتوسل إليك أن تأمر بإخراج الجنود من الأزهر. قدّر نابليون أنه لو كسر رأي الشيخ ده المسألة ستستمر، فاستجاب لشفاعته وأمر الجنود بالخروج من الأزهر. سبحان الله، لأنه قوة، ما زال في المجتمع قوة، لكن هنا هيبدأ نابليون -وهنا نمط جديد آخر هيبدأ نابليون- في أنه جاي وفي دماغه هذا النموذج، نموذج تحطيم المجتمع الإسلامي.
معلش جملة علشان الأمور تتفهم، إحنا لما بنقول المماليك والسلطة العسكرية والسياسية عندها مهمة الأمن والدفاع وما يتعلق بها، لكن بقية نشاط المجتمع موجود عند المجتمع اللي قادته العلماء، ده عامل حالة من التوازن في القوى بين المجتمع وبين السلطة. صحيح دائمًا السلطة أقوى من المجتمع، بس في الآخر في توازن. النموذج اللي جاي به نابليون، واللي هو هيفشل فيه، لكن بعديه هينجح فيه محمد علي وبعديه هنبقى موجودين كلنا فيه دلوقت، هو أن الدولة تمتلك كل القوة، والدولة هي التي تشرف على كل الملفات، على الجيش وعلى الشرطة وعلى القضاء، وبرضه على التعليم والإعلام والثقافة والاقتصاد والزراعة والصناعة والتجارة وحتى المواليد والوفيات، وكل حاجة الدولة هي المسيطرة عليها، ده النموذج الغربي الأوروبي الذي جاء به نابليون.
علشان نابليون ينجح في وضع هذا النموذج فوق النموذج الإسلامي الذي موجود هنا، بدأ يا مولانا في سياسته، طبعًا دي سياسة بدأت من البداية، سياسة تحطيم المجتمع الإسلامي. يعني إيه تحطيم المجتمع الإسلامي؟ كالاتي: يعني أولًا عايزين نعمل إحصاء، كل مولود يولد يجي يتسجل، كل واحد يتوفى يجي يتسجل، كل تركة تورث تيجي تتسجل، كل واحد عنده بيت عنده أرض يجي يسجلها. الدولة بدأت تعمل حالة يسميها بعض علماء الاجتماع حالة "الدفترة"، اللي هو الدفتر هو المعبر عن الواقع؛ إنت موجود في الواقع مش موجود في الدفتر أنا ما أعرفكش. يعني دلوقت أنا شفتك في الشارع، فين بطاقتك؟ معيش بطاقة، إنت مش موجود بالنسبة لي. يعني الشرطي لو قتل واحد من غير بطاقة ما حدش هيحاسبه عمليًا؛ أنا بقول أو نظريًا قانونيًا، لأنه ده مش موجود. يعني واحد ما عندوش أصلًا بطاقة، ما فيش قيد، مش موجود.
يعني إنت مثلًا واحد لم يُقيد ولقاه شرطي، أو ما لقوش شرطي يا سيدي، لقاها أي واحد في الشارع وقتله، فلان ده اللي مش موجود على الورق مش موجود في الواقع. فهو لما بدأ الدفترة، بدأ يحول كل شيء موجود إلى أرقام وإحصائيات أمامه يبقى شايفها. طب أنا عندي بيت ومش هسجله، هاخده منك ملك الدولة. طب أنا عايز أسجله، تدفع ضريبة أنك هتسجله. طب البيت ده بتاعي، طب إيه دليلك؟ هات الورقة التي تثبت ملكيتك. طب والله الورقة دي سايبها أبويا ولا سايبها جدي ولا ما عرفش، يبقى مش بتاعك، طالما ما فيش ورقة يبقى دعواك مالهاش وجود، يبقى بتاع الدولة. هنا بدأت نشأة الدولة بالمعنى اللي إحنا شايفينه دلوقت، ده اللي هو كل حاجة يجب أن تأذن بها الدولة. مولود تيجي تسجله، ما سجلتهوش ما أعرفوش، حتى المتوفي تيجي تقول لي فلان توفى لو سمحت أدفنه، لو ما سمحتلكش ما تدفنش.
طب مش الدولة العثمانية كان عندها نظام التسجيل والتقييد؟ ليس على هذا النمط، وحتى سليمان القانوني عمل نظام الطابو، أيوه بس هو في فارق، إحنا قلنا أنه من سليمان القانوني بدأنا رحلة انحدار ورحلة سيطرة الدولة، لكن فارق هائل بين اللي عمله سليمان القانوني والذي جرت عليه الدولة العثمانية، وبين اللي جاي يعمله نابليون. يعني غالب ما كان في الدولة العثمانية كان استباق المنازعات، يعني الأرض نظريًا كلها ملك للسلطان، لكن ما فيش هذه الدفترة أو ما فيش هذا الإحصاء الذي يُرجى منه أو يُبتغى به السيطرة المباشرة من الدولة على الناس. هو يعمل إحصاء مثلًا أو مسح للقرية عشان يعرف القرية دي تطلع ضريبة كام، مش عشان يجي يقول لكل واحد هات لي دليل أن الأرض دي أرضك والبيت ده بيتك والابن ده ابنك. واخد بالك، ففي فارق في النوع وفي الكم وفي الغرض بالنهاية.
أي نعم، يعني هو بيعمل هذا الكلام من أجل السيطرة، من أجل السيطرة اللي هي أصلًا خطة هو مخططها من فرنسا قبل ما يجي، هي دي طبيعة الدولة كما تطورت في أوروبا. الدولة كما تطورت في أوروبا تطورت نحو المركزية بهذا الشكل. طيب هو ده بس؟ لا مش ده بس، هو لما جه مثلًا مصر لقى القاهرة دي مدينة مش مريحة للسلطة التي تريد أن تتغول، مدينة فيها دروب وفيها حواري وفيها أزقة، وفيها أبواب حول الدروب، فمن قبل ما تبدأ أي مقاومة -عشان ما حدش يفتكر أنه ده قرار أمني- من قبل ما تبدأ أي مقاومة أمر بتكسير أبواب الحارات، لازم البلد تبقى مفتوحة قدامي، أعرف أروح وأجي فيها بدوريات الشرطة، وأعرف أجيب أي واحد من بيته، ما فيش مثلًا عطفة يبقى آخرها مسدود، إيه اللي آخرها مسدود ده؟ يروح يفتح الطريق عشان يبقى دائمًا الطريق مفتوح.
فيكسر الأبواب، يفتح الدروب، يلزم كل صاحب دكان وصاحب منزل أنه يعلق قنديل على بابه، وأن يظل منيرًا موقدًا. لماذا؟ علشان تبقى البلد مكشوفة، إني حتى بالليل شايف، وأنت بتضوي على حسابك، بالضبط. ويعاقب من انطفأ سراجه ولو أطفأه البرد أو المطر، إنت مهمتك أنك قاعد متابع أن القنديل اللي إنت عامله ده منور. حتى الجبرتي يقول: فكان غاية هم الناس أن يحافظوا عليه موقدًا. وبعد شوية راح أصدر قرار أن كل ثلاثين ذراع يبقى في قنديل كبير، زي كده الإنارة العمومية، مش بس إنارة البيوت في إنارة لعموم الناس، ومين اللي هيحط هذا القنديل الكبير؟ عاد ما هو في الآخر، أمال هو هيصرف من جيبه يعني؟ ما هو في الآخر حتى لو حطه هو، بياخد ثمنه من الناس. شوف إحنا باللاوعي بدينا نناقش الدولة ونسينا الفكرة الأساسية. عارف أنت دلوقت مثلًا مش بيلزم دلوقت في قوانين في كثير أغلب الدول، أنك مثلًا هتفتح محل أو بتاع طالما على الشارع أنت ملزم تحط كاميرا؟ وضع الكاميرات ده قانون كل محل يحط كاميرا، هو ده الكاميرا بقى أيامهم يعني.
بدأ القاهرة يتحول من المدينة القديمة أو المدينة الإسلامية إلى المدينة الحديثة؛ المدينة التي يُفترض أن تبقى مفتوحة أمام السلطة ومكشوفة أمامها. هذا نمط جديد.
أحد الأشياء الجديدة أيضاً - وهو النمط الخامس - هو تمكين الأقليات. الحاكم حين يشعر أن المجتمع لا يتقبله، فإنه يأتي بالأقليات لتمكينها؛ فيأتي في المناصب المهمة بالأقباط والأروام - وهم النصارى غير المصريين - أو الإفرنج البلديين الموجودين في مصر قبل الحملة الفرنسية، ويصنع من هؤلاء نخبة جديدة تمسك بالمناصب المهمة. فمثلاً، سيطر هؤلاء على الأموال والأوقاف، بحجة أن هناك فساداً في الأوقاف، وأن الحاكم سيسيطر عليها بنفسه ليحفظ هذه الأموال. وفي حقيقة الأمر، بمجرد أن تولاها هؤلاء جعلوها غنيمة لهم، وبطل عمل المؤذنين والفقهاء والكتاتيب والعميان والزمنة والمرضى، وهي المصارف التي كانت تُنفق عليها الأوقاف.
وكذلك عيّن مدير أمن للقاهرة، وجاء بقبطي اسمه يعقوب وأمره بتشكيل فيلق من الأقباط ليكون جيشاً ملحقاً بالفرنسيين، وأي شجار بين مسلم وغير مسلم يُرفع إليه. كانت هناك سياسة لتمكين الأقليات بمعنى أن تسود على المجتمع؛ فصار بإمكان القبطي -الذي لم يكن يجرؤ قبل الحملة الفرنسية على مقابلة سيد من سادات المسلمين- أن يضربه بالكرابيج، أو يعاقبه على ضرائب لم يدفعها، أو على أموال كانت عليه. وعندما سجلوا دفاتر القرى، يذكر الجبرتي أنهم سجلوا قرى لا وجود لها أو خربت ودرست؛ وذلك لأن الضرائب التي ستُفرض عليها ستُؤخذ من القرى المجاورة لها. فحصل زلزال اجتماعي، وصار يعلو الأقباط والنصارى والأروام والإفرنج البلديون على عموم المسلمين، وصار السيد يتشفع بمن كان يسرج له خيله أو يخدمه في حقله عند الفرنسيين.
سبحان الله، ملف الأقليات هذا خطير من يوم يومه. ولذلك يقول الجبرتي: "واستطالوا في هذا الوقت، وأمروا المسلمين بأنه لا يمر أحد أمامهم إلا وقف لهم احتراماً، أو لو كان ماراً عليهم ينزل عن فرسه". وكان الناس إذا اشتكوا يقولون لهم: "وأين محمد يأتي لينقذكم؟"، ومثل هذا من الكلام الذي تقشعر منه الأبدان، حسب تعبير الجبرتي. هذا الوجه الآخر هو النمط الاستعماري الذي يعني السيطرة الكاملة بطريقة عنيفة، وقد بدأ ذلك منذ دخولهم، بما في ذلك الدفترة، وتمكين الأقليات، وإزالة الحارات.
أول قرار اتخذه نابليون -وهو الذي كان ينبغي أن أبدأ به- هو تجريد الناس من السلاح. هذا أول قرار؛ ممنوع على الناس حمل السلاح، ومعهم مهلة يوم واحد لتسليم ما لديهم من سلاح، وإلا عوقبوا بأنواع العقوبات. هذا التجريد من السلاح هو اللحظة الفاصلة في انتقال المسلمين من العزة إلى الذلة؛ لأنه طالما كان مع الناس سلاح استطاعوا المقاومة أو على الأقل لم يكن الاستبداد سهلاً عليهم، لكن عندما يفقد الناس السلاح، يصبح أي أحد قادراً على فعل ما يريد بهم. تجريد الناس من السلاح هو دائماً القرار الأول عند كل محتل، وهو أهم أسباب الفساد والطغيان. ولذلك صار حمل السلاح حقاً دستورياً عند الأمريكيين، ليمنعوا عودة الاحتلال أو نشوء الطغيان الداخلي الذي يذلهم.
أنت تبدأ بنمط من تمكين الأقليات، وخلاصته سحب كل عناصر القوة وتخزينها عند الدولة؛ فالدولة هي التي تملك كل الأموال، والدولة هي التي تملك كل السلاح، والدولة هي التي تملك كل القرارات، والدولة ترى كل الناس وتأذن بكل شيء وتشرف على كل شيء. هذا هو النمط الذي أراده نابليون. صحيح أن هذا النظام لم ينجح في الوصول إلى أهدافه خلال ثلاث سنوات، لكن النموذج الذي فشل فيه نابليون هو الذي سينفذه محمد علي من بعد ذلك وينجح فيه.
هنا يكمن الفرق المهم؛ نابليون بذل كل جهده، وتبسّط مع المشايخ، وتحمّل منهم إهانات ونفوراً، وعمل نفسه مسلماً؛ كل هذا ليعرف كيف ينفذ هذا النموذج بأقل قدر من المقاومة ولم ينجح. لما جاء محمد علي، عرف كيف ينفذه بكل قدر من القوة والخشونة ونجح. الفرق بين الأجنبي المحتل وبين الذين هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا.
ترامب كان له تصريح لطيف منذ يومين، عندما سُئل لماذا تعامل مع نائبة الرئيس الفنزويلي ولم يغيّر النظام، قال: "دعونا نتذكر عندما غيرنا النظام في العراق ماذا حصل؟ كل منتسبي الجيش والشرطة تحولوا إلى مقاومة". وأراد أن يقول: "لا تفسد النظام، خلِّ الناس يحكمهم من يشبههم، وأعطني ما أريد، وخلي الحاكم من جلدتهم ويتكلم بألسنتهم، لكي نعرف السيطرة بشكل أفضل". هذا الشكل من السيطرة مستحيل أن ينجح إلا إذا كنت مضبطاً مع الموجودين في الداخل، أي وجود جزء متنفذ موافق على وجودك. القصد هنا أن الحفاظ على النظام أهم من الحفاظ على رأس النظام. نابليون بذل كل جهده ثم أخفق، وسينجح بعد ذلك محمد علي بكل خشونة فيما أخفق فيه نابليون.
هذه الحالة من تحويل المجتمع الإسلامي إلى مجتمع دولة حديثة، وتحويل المدينة الإسلامية إلى مدينة حديثة، وتمكين الأقليات، وتجريد الناس من السلاح، وفكرة الدفترة والسيطرة على الأموال والأوقاف؛ كل ذلك كان بداية اصطدام النموذجين: الحضاري الغربي والحضاري الإسلامي. وهذا ما يجعل الحلمة الفرنسية نقطة فارقة، ويجعل الخلاف حولها ليس خلافاً حول الماضي بقدر ما هو خلاف حول المستقبل.
أما عن المقاومة التي أفرزها المجتمع، فقد كانت مقاومة إسلامية قادها علماء الأزهر، ولأن المجتمع كان عنده جزء من القوة فقد استطاع أن يقاوم عندما انهار الجيش الرسمي. بينما بعد نابليون، لما نجح محمد علي في تجريد الناس من السلاح ومن عوامل القوة، كان انهيار الجيش الرسمي يعني انهيار البلد، وكان يعني بقاء المحتل مرتاحاً يحكم لأنه لا توجد قدرة على المقاومة.
بالنسبة لتوجه نابليون إلى الشام، فقد اتخذ هذا القرار في فبراير 1799، بعد مضي سبعة أشهر من دخوله القاهرة، فتوجه إلى العريش ثم إلى يافا وعكا، وظل محاصراً لها حتى خسر وفك الحصار في مايو 1799، ثم سافر إلى فرنسا في أغسطس أو سبتمبر 1799، وتولى الأمر بعده كليبر.
أما المطبعة، فقد كانت نمطاً جديداً من أنماط الاحتلال. قديماً، كيف كان المسلمون يعرفون قرارات السلطة؟ ينادي المنادي، أو العلماء يقررون عبر المنابر في المساجد. الآلة الإعلامية كان يملكها العلماء أكثر مما يملكها السلطان. المطبعة كانت وسيلة الإعلام السلطوية التي لا يملكها أحد غير الدولة، مثل التلفزيون الرسمي أو الإذاعة قبل عصر الإنترنت. كانت المطبعة بذرة لامتلاك الدولة وسيلة إعلام واحتكارها، بحيث يكون الخطاب بين الدولة والناس عبر نشر المناشير. صحيح أنها كانت تقدماً علمياً، لكنه لم يجلبها لنشر العلم، بل ليطبع مناشير يستطيع من خلالها توجيه المجتمع أو أمره ونهيه، وهذا هو التزوير الذي يمارسه المعجبون بأوروبا.
عندما عاد نابليون مهزوماً من عكا وبلاد الشام، طبع في المطبعة أنه انتصر وسحقهم، والناس في الشوارع تعجبوا كيف أصبح بطلاً سوبرمان؟ هذه هي السلطوية؛ ألا تملك القدرة على إنتاج رواية غير رواية الدولة. التكنولوجيا والتقنية في السياق الغربي جعلتها دائماً تصب في مصلحة الدولة والسلطة، لا في مصلحة الناس. وعندما عاد إلى فرنسا، فكّ المطبعة وأخذها معه، وهو دليل آخر على أنه لم يرد نشر العلم، بل كان يريد السيطرة والاستعمار والنهب.
رجع نابليون إلى فرنسا لأنه وجد فرصة أكبر هناك، وهي فرصة أن يحكم بنفسه؛ إذ وجد في الاضطراب السياسي الفرنسي الداخلي فرصة ليدخل على خط الصراع ويصبح الحاكم، وفعلاً استطاع بعد ذلك أن يحكم فرنسا كلها. هو رأى في ذلك فرصة لمزيد من النمو أو مزيد من الصعود، ولا يمكن القول إن إحساسه بفشل حملته هو ما دفعه للرجوع، كما لا يمكن القول إنه رجع لمجرد موجه واحدة أو هزيمة. لو لم تكن تلك الفرصة موجودة في فرنسا لكان رجع وكرر التجربة مرة أخرى في مصر، فهو لم يكن ليترك مصر في حالها.
انتهت الحملة الفرنسية بتحالف عثماني إنجليزي ضد الوجود الفرنسي في مصر، وكذلك من خلال المقاومة التي أبداها الشعب ضد هذا الوجود. لقد انتهى نصف الجيش؛ إذ من أصل ٤٠ ألفاً جاءوا، مات منهم ١٥ ألفاً، خاصة بعد أن انتشر الطاعون بينهم في عكا. وبالمناسبة، من المسائل التي ذكرتها في باب السيطرة والتوغل، أن الفرنسيين كانوا يجبرون الناس على فتح بيوتهم وتفتيشها بدعوى مكافحة الطاعون؛ كأن يُنشر الفراش في الشمس، أو يُؤخذ المصاب بالطاعون من أهله ليوضع في محجر صحي، أو يُحبس من تعامل مع المصاب، أو يُغلق البيت الذي فيه طاعون حتى لا يخرج منه أحد.
نحن الآن نرى هذا الإجراء عادياً ومن مهمات الدولة، لكن في ذلك الوقت استقبله المصريون على أنه تدخل في أخص خصوصياتهم؛ فمن حق السلطة أن تدخل البيت وتأخذ واحداً لتدفنه بعيداً وتمنعهم من دفنه في المقابر، وتقفل عليهم البيت. كان هذا تغولاً سلطوياً بالنسبة للناس، ولذلك كثير منهم ترك مصر وهرب من أجل هذا التوغل. بل كان الناس يرون أن هذه من وسائل الفرنسيين لمعرفة مخبآت البيوت والبحث عن الأموال والأسرار ومعرفة كل ما يحصل في البلد.
لم يكن استقبال المصريين لهم استقبالاً موافقاً على ما يحدث. وبالمناسبة، حتى محاولات الفرنسيين إبهار المصريين بالتجارب العلمية لم تنجح؛ فمثلاً الشيخ البكري، وكان نقيب الأشراف، لما رأى المنطاد يرتفع قال للعالم الفرنسي: هل العلم الذي عندكم يقدر يخليني أصلي الظهر في مصر والمغرب في وقت واحد؟ قال له: لا ما ينفعش. فقال: إذاً هذا العلم دون علم الأولياء. فقد استُعملت العقلية الصوفية والكرامات خطاباً مقاوماً ضد إبهار الفرنسيين، بأن أولياءنا يقدرون على ما لا يقدر عليه علماؤكم.
خلاصة القول إن المقاومة الشعبية، ثم التحالف العثماني الإنجليزي، جعلت الفرنسيين يوقنون في ظل ضعف عددهم وعدم استقرار البلد، أنه لا أمل لهم في البقاء فيها. فلذلك تفاوضوا منذ أن خرج نابليون على الانسحاب. كليبر لم يعرف أن يصل إلى تفاوض لتشدد الإنجليز في أخذ الفرنسيين كأسرى حرب، وبعدها تخفف الفرنسيون، وكان وضع عبد الله جاك مينو أقل من هذا وبالتالي رحلوا.
أما عبد الله جاك مينو، فقد تزوج بنتاً من رشيد من عائلة الأشراف. والموضوع في حقيقته ليس مجرد إسلام أو كفر بل هي علمانية، إذ إنه أول ما رجع إلى فرنسا ارتد وعاد إلى المسيحية، وأخذ معه زوجته وأنجب منها ولداً. يروي الطهطاوي في "تخليص الإبريز في تلخيص باريس" أن الطهطاوي لما راح تعرف على مستشرق فرنسي يعتبر أب الاستشراق الفرنسي اسمه سلفستر دوساسي، وهذا الرجل هو الذي أقنع الزوجة المسلمة لمينو بأنه لا فرق بين الإسلام والمسيحية.
لما رجع عبد الله جاك مينو وارتد إلى النصرانية أراد أن يأخذ الولد ليعمده، فقالت له: لا، ابني مسلم ولا ينفع. حاول إقناعها فلم تقتنع، فجلب لها سلفستر دوساسي وقال لها: هذا رجل عالم في الشريعة. فقال لها: ألا تعرفين أن آية في القرآن تقول ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٦٢]؟ فأقنعها بالدين فسمحت بتعميد الولد، ثم ارتدت هي أيضاً إلى النصرانية لأنها عاشت وسط الفرنسيين.
بالنسبة لمشروع قناة السويس، فقد حصل خطأ في الحساب عند علماء الحملة الفرنسية؛ ظنوا أن أحد البحرين، الأحمر أو المتوسط، أعلى من الثاني بتسعة أمتار، وبالتالي فلا يصلح أن تُحفر القناة لكي لا تغرق البلد. هذا الخطأ في الحسابات أدى لتوقف المشروع، لكن بعدما تصحح هذا الخطأ مع المهندسين الفرنسيين في الجيل التالي، تم تنفيذ المشروع في عهد سعيد، ابن محمد علي باشا.
أما عن قصة حجر رشيد، فالمسألة أن الفرنسيين والأوروبيين عامة كانوا معجبين بحضارة الفراعنة؛ حتى في الزمن الإسلامي كان هناك نماذج مثل عبد اللطيف البغدادي، الذي عاصر صلاح الدين الأيوبي وكتب رحلته "الإفادة والاعتبار"، كان معجباً جداً بآثار الفراعنة. كان لدى الأوروبيين هدفان من نبش الحضارة المصرية القديمة: الأول هو فهم هذه الكنوز واحتيازها، ولهذا كثير من آثار مصر مسروقة في متاحف باريس ولندن ونيويورك. والهدف الثاني هدف فكري، وهو إنبات هوية قومية وطنية؛ فالمستعمر يفضل الحديث عن الهوية المصرية بدلاً من الأمة الإسلامية.
أحد أركان تكوين هوية وطنية ضيقة هو إثارة الفخر بحضارات ما قبل الإسلام، وهذا تم في مصر والعراق والشام والمغرب العربي؛ وسيلة لتفتيت الانتماء الإسلامي. حجر رشيد هو الذي فك هذا اللغز؛ إذ كان مكتوباً بثلاث لغات، الهيروغليفية ومترجم إلى القبطية أو اليونانية، ولأول مرة رأينا نصاً بالهيروغليفية مترجماً إلى لغة أخرى، فكانت بداية فك شفرة الحضارة المصرية. وبالمناسبة، كان الحجر موضوع تفاوض سياسي بين الإنجليز والفرنسيين، وأصر الإنجليز على أخذه ولم يسمحوا للفرنسيين به، مما يدل على شغفهم بالعلم وحيازة هذه العلوم.
هل كانت الحملة الفرنسية بداية انفتاح؟ هي لحظة صدمة؛ من كان معتزاً بإسلامه رآها لحظة كشف فيها الضعف الإسلامي والعثماني والغلبه الأوروبية، وبدأ يسأل: لماذا انتصروا ولماذا تخلفنا؟ وهناك موقف آخر يقول إن أوروبا نهضت وتقدمت بترك الدين، فيجب أن نترك الدين مثلهم.
لقد كان للحملة الفرنسية نشاط هائل في تغيير الحالة الاجتماعية، فقد انتعش وضع العاهرات في مصر، وعملوا نوادي ومراكز فجور، وكانوا يلحفون في الاحتفالات؛ فصار كل من يريد الهوى يذهب إليهن. استخدموا هؤلاء النساء كجواسيس، وبعد ثورة القاهرة الثانية، أحرق المصريون العاهرات اللواتي تعاون مع الإنجليز؛ لأنه كان انحلالاً أخلاقياً وخيانة للدين. كما سُبيت الكثير من المصريات وأُدخلن في نساء الفرنسيين، فصرن يلبسن مثلهم، وربما تزوج بعض الفرنسيين من مصريات بالقهر، فصارت المرأة تسير كاشفة وجهها، وهذا أحدث شرخاً اجتماعياً هائلاً وانقلاباً في الأخلاق وعلاقة المرأة بالمجتمع.
كنا نتحدث عن مسألة هل الحملة الفرنسية نموذج حضاري أم لا، وهل قصة حجر رشيد دليل على أننا بدأنا في حالة انفتاح وتقدم حضاري؟ صدقت، هذا يندرج تحت إجابة العلماني المعجب بأوروبا عن هذا السؤال، حيث يزعم أن فرنسا حررت المرأة، بينما يراها المسلم سافرة، وتغيرت الحياة فيما بعد.
ظل عندي سؤالان يا أستاذ محمد، هذا الملف كله الذي نفتحه، ما أثره على العالم الإسلامي؟ نستطيع أن نقول إن الحملة الفرنسية رغم أنها كانت ثلاث سنوات فقط، وبالنظرة العامة قد لا تلتقط في الأحداث الكبيرة، إلا أنها كانت أول ضربة أوروبية لقلب العالم الإسلامي. ولم تكن ضربة عسكرية فقط، بل كانت ضربة حضارية؛ فالمسلم الذي كان يعيش في ذلك الوقت اكتشف مع هذه الصدمة أكثر من اكتشاف مزعج. اكتشف أن الدولة العثمانية العظيمة غزيت في قلبها، واكتشف أن المماليك المرعبين هزموا أمام أوروبا، واكتشف أن أوروبا صارت قوية جداً لدرجة لا تستطيع الدولة العثمانية والمماليك لوحدهما مقاومتها، بل يستعينون بالإنجليز.
ثم اكتشف أن عندهم من العلوم والمعارف ما لا يعرفونه. هذه صدمة هائلة؛ فابن تيمية مثلاً مات سنة 728 هجرية، في القرن الرابع عشر الميلادي، وكان يقول: «ما من فضيلة في أمة الكتابين اليهود والنصارى إلا وأهل الإسلام أفضل منهم فيها، حتى العلوم الدنيوية كالطب والهندسة؛ فالمسلمون متفوقون عليهم فيها». هذا الكلام قيل بعد المماليك وبعد الصليبيين. هنا اكتشفنا أن هؤلاء الجماعة لديهم أشياء ليست عندنا، ولهم تدابير لا تسعها عقولنا، فكانت صدمة، وهذه الصدمة هي بذرة السؤال الكبير: هل كنا على صواب أم خطأ؟ هل الإسلام حق أم باطل؟ ولو كان حقاً كيف هزمنا؟
تلك الأشياء التي تحكيها إيجابية؛ فمن الضروري أن نعرف أين نحن. ولكن رده فعلك تجاهها هي محل الخلاف؛ فمثلاً اكتشاف المرض إيجابي في حد ذاته، هل ستعالجه أم ستعتبره زيادة في الصحة؟ هل السمنة علامة صحة أم علامة ضعف؟ هذا الموضوع يحتاج علاجاً، لكن كيف؟ هل نتجه يميناً أم شمالاً؟ هل العلة في القلب، أم في الرئة، أم في الأمعاء، أم في الغدة؟ هنا اختلفت الإجابات؛ فاكتشاف المرض بحد ذاته لا شك إيجابي، لكن تصرفك معه بعد ذلك هو الموقف.
ذكرت لنا أن مصر وبلاد الشام كان قد مر عليها 300 سنة لم يسمعوا فيها عن احتلال أو استعمارات، وكنا على الأطراف. لما جاءت هذه الحملة فهمتنا أن هناك تطوراً وحضارة وأسلحة، وأننا أضعف قليلاً. الجزء الذي تفوق علينا فيه الفرنسيون أو الأوروبيون بشكل عام هو أن العلم تحول إلى سلاح وتطبيقات، فغلبونا عسكرياً. أما الحضارة بمعنى الموقف من الحياة، وتفسير العلاقات الاجتماعية، وشكل الأفكار، فقد ذكرت سابقاً أن العالم الإسلامي كان يحتوي على نهوض فكري، وهناك عدد من الدراسات تثبت أن العالم الإسلامي لم يكن متخلفاً فكرياً وحضارياً، بل كان عنده علوم وآداب وأفكار وحركات نهضة، لكن كانت مكبوحة بحكم عسكري، وهو من أسباب تخلف الأمة وتعطيل تحول علومها إلى أسلحة وآلات.
ذكرنا أن الجبرتي كان يذكر أن أباه الشيخ حسن الجبرتي كان يأتيه طلاب الإفرنج يدرسون عنده. فلماذا علوم الشيخ حسن الجبرتي لم تتحول إلى أسلحة؟ لأنه كان تحت حكم المماليك في مراحل فسادهم وضعفهم، فالعلوم التي كانت مكنوزة في العقول والكتب لم تتحول إلى أسلحة وآلات. في موسوعة وصف مصر، تكلم أحد المستشرقين عن التعليم المنتشر في مصر، وكان أكثر من التعليم في فرنسا. فإذا كنت تتحدث عن مظهر حضاري، فعدد المتعلمين في مصر كان أكثر من فرنسا، فلماذا غلب الفرنسيون؟ غلبوا لأن العلوم التي عندهم حولوها إلى آلات حتى لو كان شعبهم متخلفاً وأمياً، بينما لم يكن مثل ذلك في عالمنا العربي والإسلامي. فانتشار التعليم مظهر حضاري، لكن الغلبة دائماً تبدأ بالقوة العسكرية.
الأمر سيتطور بحيث يزيد الفرنسيون في مسألة التعليم وينحدر فيه المصريون. الطهطاوي مثلاً في "تخليص الإبريز في تلخيص باريز" يشعرك بأن هناك انقطاعاً حضارياً؛ كان معجباً بعيادات طبية متخصصة في فرنسا ويقول إنها ليست عندنا، مع أنك في الطبري سنة 300 هجرية ستجد عيادات طبية متخصصة، كالكحال لتخصص العيون لا يعمل غيره. فالحضارة بالمعنى الواسع الذي فيه الفكر والآداب والعلوم لم نكن متخلفين فيه عن أوروبا، لكن النظام السياسي القوي الذي أنتج نظاماً عسكرياً مدعوماً بتطور علمي هو الذي تفوقت فيه أوروبا. فلما غلبتنا عسكرياً، حافظت على الفجوة العلمية بيننا وبينها؛ علومنا لم تتحول إلى أسلحة وتطبيقات، بينما هم بمواردهم وباحتلالم لبلادنا كانت لديهم الأموال ليصنعوا ويصرفوا على مدارس وكليات.
بالنسبة لدور الأزهر، متى فقد دوره المركزي؟ هل كانت الحملة سبباً في بداية تراجعه أم أن الموضوع جاء بعد ذلك؟ هذه الحملة كانت سبباً في علو نجم الأزهر؛ لأنه أزيلت الطبقة العسكرية المملوكية، فمشايخ الأزهر هم الذين قادوا المجتمع في هذه الفترة. ولذلك لما رحلت الحملة الفرنسية لم يكن في مصر أرفع شأناً من شيوخ الأزهر، وهم سيكونون أصحاب سهم قوي في تنصيب محمد علي بعد ذلك رغم أنف السلطان العثماني. لكن الحملة الفرنسية أظهرت النموذج الذي يحطم مشايخ الأزهر ويحطم البنية التحتية التي يعتمدون عليها؛ الطلاب والكتاتيب والحالة العلمية والدينية. سيأتي محمد علي بدعم مشايخ الأزهر، لكنه سيحطم الأزهر والتعليم والأوقاف والبيئة العلمية.
ويصير هو أول واحد يعين شيخ الأزهر؛ قبل ذلك كان العلماء هم الذين يختارون. في ظل هول ما فعله بالمصريين بعد مذبحة المماليك، صار هو من يعين، ولأول مرة ياتي العلماء ويقول لهم: شيخ الأزهر مات، عينوا من تريدون، لكن أهم شيء ألا يكون له غرض ضدي. اختاروا ثلاثة، فركل الثلاثة وعين واحداً آخر. أول واحد سيعزل شيخ الأزهر فيما بعد هو حفيده الخديوي إسماعيل. فهي الحملة الفرنسية رفعت مكانة شيخ الأزهر، لكنها قدمت النموذج الذي تحتكر فيه السلطة كل القوة وتدمر فيه البيئة التي يمكن أن تنتج زعامة الأزهر، وهو الأمر الذي سينجح فيه محمد علي.
ما هو الدرس المستفاد من قصة الحملة الفرنسية؟ الدرس هو أن النصر صبر ساعة، وأحياناً الواحد لما يصمد صموداً صغيراً في معركة صغيرة في مكانه الصغير يؤدي إلى نتائج هائلة. عارف لو أن المماليك استطاعوا صد الحملة الفرنسية وفشل نابليون في ذلك، لتغير التاريخ، مثلما تغير بسبب أفراد صمدوا أو خانوا في الحروب الصليبية عند أنطاكيا. فالتفاصيل الصغيرة هي التي أدت لنجاح الحملة الصليبية الأولى، وهي الحملة الوحيدة التي نجحت. لذا لا أحد يستهين بالثغر الذي يقف عليه الآن، ربما كلمة حق، أو فعل حق، أو صبر ساعة يغير التاريخ. محمد الفاتح لو لم يصبر آخر أيام، لظلت القسطنطينية كما هي. وهكذا جاء الجيش العثماني، وكان فيهم جندي صغير اسمه محمد علي، وبعدها دخلنا في مرحلة جديدة لحكم مصر وهي مرحلة محمد علي وأسرته، وهذا سيكون موضوع الحلقة القادمة.
محمد إلهامي