دخولتسجيل الدخول

100 سؤال في التاريخ | 54. كيف حطم محمد علي المجتمع الإسلامي وأسس الدولة الحديثة؟

محمد إلهاميمحمد إلهامي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

جاء محمد علي؛ فما الذي عمله؟ محمد علي هو التجربة الأولى الناجحة في كسر المجتمع الإسلامي وإقامة دولة غربية في البيئة الإسلامية.

أنت يا أستاذ محمد من أول الحلقة مسكت محمد علي وحكمت عليه. لا بأس، سأجيء لك. أنا متوقع أن تفرش لنا شوية شوية تقنعنا. أحياناً لما بتحس أن الموضوع يضيق عليك بتقول النتيجة، ويا جماعة ما تصدقونيش، اعتبروا النتيجة دي خاضعة للاختبار، واقرأوا تاريخ محمد علي، بس اقرأوه من مصادر متعددة. من أين جاء الرجل؟ ومن أين خرج لنا؟ جندي أرسله العثمانيون مع الإنجليز لإجلاء الفرنسيين بعد نهاية الحملة الفرنسية.

كيف حكم مصر؟ أدرك أن العلماء هم الشخصية الأقوى في ذلك الوقت، فأظهر من التدين والخشوع والتمسكن واتباع العلماء والنزول على أقوالهم. وين الأزمة؟ وين المشكلة؟ جعل العلماء يرون فيه بديلاً ممكناً أن يكون والياً لمصر. هذا من المكر السياسي. هو من المكر السياسي، ومؤكد أن إنساناً مسلماً جاء وشال دولة مسلمة. ما نحن مسلمون فيما بيننا؛ ليش زعلانين؟ محمد علي خلى مصر مستعمرة أجنبية مع أنه ما فيها أي جنود أجانب. يعني أنتم معتبرينه استعمار واحتلال لمصر؟ ما عادي، لو أنت حكيت قصة محمد علي بدون ما تقول اسمه، أي أحد سيقول لك: ما اسم هذا المحتل الأجنبي؟ أه هكذا تطلع بالآخر يعني، محمد علي أنشأ استبداداً شرقياً بوسائل غربية؛ ما أخفق فيه نابليون في الحملة الفرنسية نجح فيه وبكفاءة محمد علي.

أكبر دليل على أن فترة محمد علي باشا كانت فترة ناجحة يا أستاذ محمد أنه الأوروبيين أنت بتعرف كان من مصلحتهم أن تسقط الدولة العثمانية، لكن لا تسقط بيد رجل قوي. بارك الله فيك، إذا محمد علي رجل قوي وناجح سيُعامل دولة، هذا أمر خارج نطاق وخارج سياق محمد علي. في عبارة كبيرة اسمها مشروع محمد علي، ما هو مشروع محمد علي؟ كل قوم أصحاب فكر أسبغوا على محمد علي مشروعاً من عندهم. فترة محمد علي في لها آثار ممتدة حتى اليوم، الطغيان والاستبداد من حيث المركزية، ومن حيث نفوذ الأجانب، ومن حيث اعتماد العلمانية والابتعاد عن الشريعة، ومن حيث السيطرة على كل الموارد، عجيب أمره.

سلام الله عليكم إخواني أينما كنتم، أهلاً وسهلاً ومرحباً بكم في حلقة جديدة من سلسلة مئة سؤال في التاريخ، هذه السلسلة التي من خلالها دائماً وأبداً نجيب عن التساؤلات الملحة، أو ما أطلق عليه شعبوياً هيك بيننا الشبهات التي تعرض لها تاريخنا الإسلامي الكبير العريض. لمن انضم إلينا حديثاً، أين وصلنا؟ نحن لا نزال في المحور التاسع، محور أو حقبة الاستعمار الأجنبي. أين وصلنا تحديداً إلى الحلقة الرابعة والخمسين بعد المئة؟ كما تعودنا دائماً وأبداً، لا يستقيم أن تبدأ هذه الحلقة أبداً، لا من قريب ولا من بعيد، دون الترحيب بضيفها الدائم الأستاذ محمد الهامي. أهلاً وسهلاً أستاذ محمد. حياك الله يا أبا الحارث، الله يبارك.

أستاذ محمد وصلنا إلى السؤال رقم 86. سؤال ثقيل نوعاً ما، لذلك لن أهدر أي ثانية بأي مقدمة، سأسأل السؤال مباشرة. تتذكر في الحلقة الفائتة تحدثنا عن الحملة الفرنسية على مصر، ونحن ما صدقنا ترحل هذه الحملة المصرية، وبالتالي انبسطنا عادت إلى أحضان الخلافة العثمانية. ولكن هنا بدأت أيضاً مصر تدخل في مرحلة جديدة، هي حقبة محمد علي باشا وأسرته حتى الاحتلال البريطاني. وعليه، لما بتفتح أنت ملف محمد علي باشا أستاذ محمد، وبتقرأ تاريخه، يتبادر لك مجموعة من التساؤلات، منها على سبيل المثال: لماذا إذا أراد أحدنا أن يتكلم عن بداية التغريب تحديداً، أو بداية نشأة الدولة الحديثة دعنا نقول، تكون وجهته إلى مصر وتحديداً يبدأ من عند محمد علي باشا؟ وعليه ما قصة هذا الرجل؟ من أين جاء؟ من أين خرج لنا؟ كيف حكم مصر؟ ما الذي عمله تحديداً؟

أيضاً وأنت بتدرس تاريخ محمد علي باشا، ألم يكن محمد علي باشا والياً عثمانياً وضمن الخلافة العثمانية؟ لماذا فجأة هكذا حارب الدولة العثمانية وانقلب عليها، ومن ثم عاد خضع لها عندما نزلت هي على شروطه؟ من التساؤلات التي تخطر على بالك: كيف صنع هذا الرجل هذا التغيير الهائل في مصر؟ حقيقة وأنت بتدرس عمل أشياء بصراحة كبيرة جبارة، يعني دول عاشت أكثر منه بكثير ما عملت اللي عمله، ما هو التقييم العام بالأخير؟ أنا بدأت أقرب لك على الشبهة، مش حأترك الموضوع بدون شبهة، يعني ما هو التقييم العام لمشروعه في بناء دولة عصرية حديثة قوية متفوقة؟ ما بنقدر نغمض عينينا، وعليه هل استطاع أبناؤه أيضاً أن يواصلوا هذا المشروع الذي بدأه والدهم؟

لما بتسأل كل هذه التساؤلات ستصل الآن إلى السؤال الأكبر، وهون طبعاً تحملني فيه أستاذ محمد: لماذا هذه الدولة القوية المتفوقة التي بناها محمد علي وطورها أبناؤه بالخبرات الأجنبية الحديثة تقع تحت الاحتلال الإنجليزي بعد 70 سنة من هذا النمو والتطور؟ ولأننا أستاذ محمد في سلسلة مئة سؤال في التاريخ نطرح الشبهات ونطرح الأسئلة الملحة، يعني في حدا هيسألنا: طب يعني عادي محمد علي زيه زي غيره، يعني فاتحين ملفه ادرسوه بشكل طبيعي، وين الأزمة وين المشكلة؟ هناك خلاف بين المؤرخين والمفكرين والسياسيين والمثقفين، وحتى الشعوب، حول تقييم ملف محمد علي والحكم عليه. فهل الخلاف حول محمد علي هو حول ما أنجزه، أم حول الثمن الذي دفعه المجتمع مقابل ذلك الإنجاز؟

وقبل أن تبدأ بالإجابة أستاذ محمد، هيسألنا برضه شخص قاعد هناك في الزاوية، يحكي لنا: إحنا مش في محور الاستعمار الأجنبي؟ يعني نحن مستنيين منكم تحكوا قول لنا فرنسيين على بريطانيين على إسبان على برتغال، مش مستنيين تحكوا لنا عن محمد علي، ما نحن في محور الاستعمار. يعني أنتم عفواً معتبرينه استعمار احتلال لمصر؟ ما عادي، إنسان مسلم جاء وشال دولة مسلمة، ما نحن مسلمون فيما بيننا؛ ليش زعلانين؟ عادي، مسلم بيجي، جاء الموحدون وسحقوا المرابطين وحكموا، جاء العباسيون شالوا الأمويين وحكموا؛ فليش فاتحين ملف محمد علي باشا؟ كما تعودنا أستاذ محمد، أنا على الذكر والدعاء وأنت إن شاء الله على الإجابة، وبارك الله فيك، تفضل أستاذ.

بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. حياك الله يا أبا الحارث. ما شاء الله سؤال واسع، وأنا لا أخفيك أن محمد علي أنا عن نفسي مهما تكلمت فيه، ومهما درست فيه سواء في محاضرات ولا حتى في أبحاث ولا كتب، ما يزال الملف واسعاً وما يزال كبيراً، وما يزال المجهول منه كثيراً؛ بالمناسبة نحن بعد أكثر من 200 سنة ما يزال المجهول من تاريخ محمد علي كبيراً ليس قليلاً.

أقول: رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري، واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي. أنا خليني أبدأ من الرجل الذكي الأخير الذي قاعد في الزاوية ده، الذي هو: السؤال المهم أن هو يا جماعة إحنا في محور الاستعمار، المفروض تكلمونا عن احتلال أجنبي؛ فليه بتتكلموا عن محمد علي؟ هذا أصاب المحز كما يقولون. محمد علي ببساطة وبوضوح وباختصار شديد هو التجربة الأولى الناجحة في كسر المجتمع الإسلامي وإقامة دولة غربية في البيئة الإسلامية. يعني كما قال أرنولد توينبي: ما أخفق فيه نابليون في الحملة الفرنسية نجح فيه وبكفاءة محمد علي. الحاجة التي كان عايز يعملها نابليون وما عرفش يعملها، هي الحاجة التي نجح فيها محمد علي؛ بل ونجاح محمد علي في تحطيم المجتمع الإسلامي وفي إقامة دولة على النمط الغربي هو نجاح لم يحدث لا بمثل هذه السرعة ولا بمثل هذا الرسوخ في أي مكان في الدولة العثمانية، ولا حتى الدولة العثمانية نفسها، يعني في تركيا وفي إسطنبول، تغيير لم يطق أن يفعله أي سلطان عثماني. فإنت بتتكلم عن التجربة الأولى الناجحة في كسر وتحطيم المجتمع والنظام الإسلامي وفي إقامة الدولة على المثال والنمط الغربي. هل بالفعل أقامها على المثال والنمط الغربي زي ما هو موجود في باريس وفي لندن وفي غيره؟ لا، هو جاء لنا بسيئاتها وترك حسناتها للغرب.

يعني أنشأ ما سماه فيما بعد هنري كيسنجر: استبداد شرقي بوسائل غربية. يعني إيه الكلام ده؟ ببساطة شديدة، الاستبداد الشرقي إيه فكرته؟ الاستبداد الشرقي يعني ملك جبار طاغية متحكم، لكن الملك الجبار الطاغية المتحكم ده بمثابة شيخ القبيلة الكبير شيخ العشيرة الكبير، تمام؛ اللي هو صحيح عنده ظلم وعنده أكل أموال وعنده، لكن ما بيحطمش المجتمع اللي حوله؛ يعني المجتمع اللي حوله لسه زي ما هو عشائر وقبائل. دخل في حرب وأكسبها مع ناس، ممكن يجي واحد من العلماء واحد من شيوخ العشائر يتشفع لهذا المهزوم يروح يقبله عادي، أو يطرده أو أن يقبله أو يعفو عنه وتنتهي الموضوع؛ يعني في النهاية في مجتمع قائم بتكويناته الاجتماعية وروابطه الاجتماعية، لكن صاحب القول الأول والأخير ويحكمه وربما بالمزاج وبالعسف هو واحد. طيب الاستبداد الغربي مش كده، الاستبداد الغربي نظام، الاستبداد الغربي ما فيهوش الرئيس الذي بيجي حد يتشفع له فبيشفع، ما فيهوش النظام الذي بيجي فيه الدنيا فيها قبائل له عشائر، لا؛ الغرب نظام دولة. الظلم فوضى هنا، الظلم منظم، سيستم، تمام؛ لكن نشأة الدولة في العالم الغربي جعلت هناك نوعاً من البرلمان، نوعاً من الصحافة، نوعاً من الأشياء التي تجعل الملك أو الرئيس غير مطلق الصلاحيات. تخيل بقى لما ينشأ استبداد شرقي بأدوات غربية، يعني يبقى في واحد يملك كل الناس كأنهم عبيده، ويملك الأرض كأنها ملكه صاحبها، ويملك أن يغير حياة الناس كأنه يتحكم في الحيوانات وفي البهائم وفي الجمادات، ومعه التقنية والتسلح والتفوق الغربي، ده محمد علي.

فخطورة محمد علي أنه صاحب يسميها جوان كول مؤرخ أمريكي يسميها ظاهرة وجود المستعمرة قبل وجود الاستعمار، يعني محمد علي خلى مصر مستعمرة أجنبية مع أنه ما فيهاش أي جنود أجانب، فيها كل ما يحب الأجنبي أن يكون دون وجود أي قوة أجنبية، فهو المحاولة الأولى التي نجح فيها الغرب في اختراق الديار الإسلامية وفي تحويل البلد من نظام إسلامي بيئة إسلامية إلى نظام غربي على هذا النحو من الاستبداد الشرقي أو الطغيان الشرقي. مين محمد علي؟ إيه قصة محمد علي؟ طبعاً أنا أرجع وأقول مهما قلنا في هذا البرنامج ومهما تفرعنا في هذه الحلقات فيظل العلم موجوداً في الكتب، وبالتأكيد مهما الحلقة طالت مش هنعرف نجيب كل التفاصيل، وإن شاء الله نحاول ما نطولش بحيث ما نرهقش الناس معانا، لكن لا بد من هذا التحذير؛ أنه يا جماعة من أراد العلم فليقصد الكتب.

محمد علي هو جندي جاء ضمن الجيش العثماني الذي أرسله العثمانيون مع الإنجليز؛ يعني في جيش عثماني مع الجيش الإنجليزي، نزلوا لإجلاء الفرنسيين بعد نهاية الحملة الفرنسية. في ذلك الوقت محمد علي قائد فرقة؛ يعني مش منصباً كبيراً، يعني قائد فرقة، ودخلت مصر في ذلك الوقت في حال تقدر تسميها حالة من الفوضى، يعني إيه حالة من الفوضى؟ انتهى نابوليون فبالتالي بقت مصر تتنازعها عدد من الاتجاهات: المماليك الذين كانوا موجودين في مصر وكانوا يحكموها على الحقيقة بيفكروا يرجعوا بلدهم بيفكروا يرجعوا، طيب العثمانيين الذين كانت مصر تابعة لهم اسمياً بيفكروا يرجعوا يحكموها فعلياً؛ هي تابعة لهم اسمياً دلوقتي عايزين يرجعوا يحكموها فعلياً، الإنجليز مش خايفين أن هم برضه يسيبوا مصر أو مش عايزين يسيبوا مصر علشان لا يرجع لها الفرنسيون مرة أخرى، فظلت قوة إنجليزية موجودة في مصر، مشايخ الأزهر الذين بلغوا الذروة من الزعامة؛ وطبعاً لما انهار العثمانيون ونهار المماليك مين الناس الذين تولوا إدارة البلد وكانوا ممثليها كانوا مشايخ الأزهر، فبالتالي هذه قوة اجتماعية أيضاً تطمح أن يكون لها، مش تطمح، الطبيعي أنه يكون لها كلمة في مصير البلد. الولاة الذين أرسلهم العثمانيون بعد ذلك لم تستقر لهم. الأمر المهم من سنة 1801 عام رحيل الحملة الفرنسية إلى 1805 التي هي اللحظة التي تولى فيها محمد علي، كان هناك أمور من الفوضى والاشتباكات والاضطرابات.

الفوضى والاشتباكات والاضطرابات اللي موجودة في مصر دي برضه متعلقة بأمور أخرى تجري خارج مصر لكن تؤثر عليها، من ضمنها أنه الحركة الوهابية تمددت في طبعاً هي بدأت من نجد لكن تمددت فصارت تهاجم العراق وتهاجم الشام، وكذلك صارت تتعرض لقافلة الحج العثمانية الموجودة، فالخليفة العثماني الموجود في إسطنبول في ذلك الوقت لم يعد فقط يهدده الفرنسيون والأجانب بل صار سلطانه على الحرمين مهدداً، وهذه أعظم ما قد يعني أعظم شيء يمكن أن يهدد السلطان؛ يعني الخليفة يستمد شرعية الخلافة من كونه خادم الحرمين ومن كونه القائم على الحرمين، فلما يجي مجموعة من المتمردين يستطيعون أن يقطعوا الطريق على قافلة الحج العثمانية فهناك أزمة، يبقى في أزمة موجودة في مصر وفي أزمة موجودة في الحجاز. كذلك الضعف الذي رأته الدولة العثمانية في نفسها ووجود جيش إنجليزي، كل هذه الحالة أسفرت عن حالة من الفوضى لا يسعنا الآن الكلام فيها بقى لكن ولا والي بيجي ووالي بيرحل، والي بيروح للوهابيين فبيروح واقف في مصر، هذه الفوضى أدت إلى فوضى داخل مصر ومؤثرة على شعبها، هنا كان طرفان يعملان نقدر نقول داخل هذه الفوضى، الطرف الأول هو هذا الداهية محمد علي. محمد علي أدرك أن.

العلماء هم الشخصية الأقوى في ذلك الوقت، فأظهر من التدين والخشوع والتمسكن واتباع العلماء والنزول على أقوالهم ما جعل العلماء يرون فيه بديلاً ممكناً لأن يكون والياً لمصر.

هو حتى هذه اللحظة جندي، قائد فرقة، لكن قائد الفرقة هذا مع التبدل السريع في الولاة وفي قادة الفرق، في واحد يُبعث لمصر وواحد بعد ذلك يأتيه الأمر أنه يروح الحجاز. مع التبدل السريع هذا فهو داخل على خط الصراع، لكن داخل على خط الصراع بمعنى أنه يظهر مواهبه القيادية والعسكرية في ضبط فرقته، فعلى سبيل المثال لما يبقى فيه فرقة أخرى غير منضبطة تشيع الفوضى في البلد، يتصدى لها محمد علي وفرقته، ولا يظهر من محمد علي وفرقته اعتداء على الناس، ولا يظهر من قائد من قادة الفرق الأخرى خضوع وخشوع عند العلماء كالذي يظهر من محمد علي.

ومحمد علي لا يستجيب لأوامر السلطان بالخروج من مصر أو بالذهاب إلى الحجاز أو بغيره؛ يدخل على خطوط الصراع بين الولاة القادمين والخارجين باعتبار أنه لا يستطيع أن يترك هذا المكان وباعتبار أن هذا الوالي لا ينفع أن يحكم هذه البلدة. فبدهاء سياسي كان قادراً أن يعصي أوامر السلطنة العثمانية دون أن يمثل ذلك تمرداً عليها، وكان قادراً على أن يأخذ إلى جانبه المشايخ الذين هم صاروا القوة البارزة.

هذا خط، هذا الخط الأولاني. الخط الثاني هو خط الفرنسيين أنفسهم؛ الفرنسيين لما أخفقوا في الحملة الفرنسية وجهوا قناصلهم الموجودين في مصر، كان عندهم اثنان قناصل موجودين في مصر كما قلنا، وعندهم سفير موجود في الآستانة إسطنبول، وجهوا قناصلهم أن يبحثوا في داخل هذه النخبة المصرية العثمانية عن رجل يمكن أن يكون صديقاً لهم، الحاجة التي لم نستطع أن نعملها بالاحتلال المباشر، ندور على أن مصر لا تفلت منا الانفلات التام ويبقى لنا فيها صديق. العلاقات التي كانت بين محمد علي وبين أحد هؤلاء القناصل اسمه دينيه أو اتييه ديليسبس وبين الثاني اسمه درفيتي، محمد علي أنشأ علاقة ناجحة مع القنصلين الفرنسيين، وهو محمد علي كان معجباً بالفرنسيين غاية الإعجاب، فكلاهما دبر مع محمد علي كيف يمكن أن يصل إلى ولاية مصر، وكلاهما أرسل بهذه التوصية إلى السفير الفرنسي الموجود في الآستانة كان اسمه سبستياني، لكي يدعم تولي محمد علي الولاية في مصر؛ مع أنه ليس من طبقة البشوات، هو ما زال قائد فرقة، لكن قائد فرقة أظهر الآن أمرين: الأمر الأول المشايخ وأهل البلد يريدونه، والأمر الثاني الفرنسيين موافقون عليه أو الفرنسيين يضغطون لتوليته.

هذا طبعاً أنا لما أتكلم عن محمد علي مع عميق بغضي له، هذا موضوع ثاني، لكن القدرة والدهاء وقدرته على التحكم والسيطرة في جنوده هائلة ما فيه كلام، زي ما قلنا ما حدش ينجح صدفة، يعني بيوظف مواهبه هذه في الحق أو في الباطل هذا موضوع ثاني. نعم نحن نريد أن نكون مثل الجبرتي؛ عاجبنا عاجبنا، مش عاجبنا نحن نحكي الذي موجود. الجبرتي نفسه يقول: كان يكون ملكاً عظيماً لو أُتي شيئاً من العدل.

فهنا طبعاً المشايخ ليسوا عارفين بالاتفاقيات مع الفرنسيين، هذا كلام نحن اكتشفناه بعدين في الوثائق، لكن المشايخ كانوا فاكرينه الشخص المتدين الذي يمكن أن يكون والياً. السؤال هنا: لماذا المشايخ أنفسهم لم يحكموا البلد؟ ما هم أقوى جهة في البلد الآن؟ لأنه لا يريد أن يخرج عن شرعية الدولة العثمانية، يعني المشايخ لم يكونوا شايفين أن مصر بلد مستقلة يحكمها مثلاً المصريون، هذا المعنى أصلاً، المعنى الوطني هذا لم يكن موجوداً في وقتها. فهو لما يولي واحداً عثمانياً جاء في الجيش العثماني، فهو ليس نوعاً من الخروج، يعني أنا الآن أرفض الوالي العثماني الذي هو مثلاً اسمه خورشيد ولا غيره علشان شايفه فاسد، ليس علشان أنا أعمل تمرداً على الدولة العثمانية.

إذاً التقى هدفان على تولية محمد علي، وبالفعل محمد علي تولى وكان توليه مطلباً شعبياً، يعني علماء الأزهر يريدون محمد علي، والفرنسيين يريدون محمد علي، بس الفرنسيين شغالين في الكواليس زي ما إحنا بنقول، لكن هؤلاء هم أهل الأرض، هؤلاء هم الذين قادوا مظاهرة وخلعوا الوالي العثماني خورشيد باشا ونصبوا محمد علي رغم أنف الخليفة العثماني.

أستاذ محمد، أنا كنت سألتك في البداية أنه صاحبنا الذي جاء بالزاوية هذا هو يحكي لنا أنتم لماذا تفتحون ملف محمد علي في حقبة الاستعمار؟ لأنه نحن هذه أول حالة في تاريخنا الإسلامي يُنصب حاكم، سيصبح بعد قليل حاكماً، لأنه جاء عن طريق المستعمر، لأنه جاء عن طريق الفرنسيين؛ فهي ليست حالة قدرات شخصية ذاتية. بس هذا لم يكن ظاهراً، هو قدرات شخصية وذاتية وكل حاجة وعثماني، بس هذا لم يكن ظاهراً. لا نحن نقول هذا لماذا؟ لأنه ما سيظهر من سياسة محمد علي بعد ذلك؛ يعني ببساطة وبكل وضوح، لو أنت حكيت قصة محمد علي بدون ما تقول اسمه، أي أحد سيقول لك: ما اسم هذا المحتل الأجنبي؟ هكذا تطلع في الآخر، يعني لو أنت حكيت الحكاية وقلت مثلاً نابليون، مثلاً ما قلتش محمد علي، لو واحد ما يعرفش التاريخ وجئت حكيت له حكاية مصر وقلت بدل محمد علي دائماً نابليون، سيصدق تماماً أن الفرنسيين يعملون كذا، لو قلت مثلاً قائد إنجليزي ويلسون ولا مش عارف إيه، سيصدق تماماً أنه يعمل كذا. لو قلت محمد علي لن يصدق.

فهذا الرجل كان من بني جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا، ولكن سياسته في الحكم وفي تحطيم المجتمع الإسلامي وفي نصرة الأجانب ونصرة غير المسلمين سياسة محتل لا شبهة فيها، سياسة محتل خالصة.

أنت أستاذ محمد من أول الحلقة مسكت محمد علي وحكمت عليه؟ أنا متوقع تفرش لنا شوية تقنعنا. لا ماشي، أحياناً لما تحس أن الموضوع يضيق عليك تقول النتيجة، ويا جماعة لا تصدقوني، اعتبروا النتيجة هذه خاضعة للاختبار، واقرأوا تاريخ محمد علي بس اقرأوه من مصادر متعددة؛ ليس من المصادر التي مجدت وعظمت محمد علي، لكن الآن سنقول بعض الأمور.

طيب باختصار يا سيدي، محمد علي عمل إيه في مصر؟ يعني ما الذي، الأول نقول مثلاً قصة محمد علي في مصر، برضه خليني أقولها على صيغة النتائج والناس تختبر، محمد علي كان دائماً شغوفاً بحرب المسلمين، ولم يرد أبداً أن يحارب أجنبياً، يعني عمرك ما تلاقيه أقدم على حرب غير مسلم، بينما أقدم دائماً على حرب مسلمين، كل انتصارات محمد علي على المسلمين، ما فيه مرة حارب الأجانب إلا وهزم فعلاً.

إحنا الآن محمد علي هذا حكم ما يقرب من نصف قرن، حكم من 1805 إلى 1848، يعني أنت تتكلم في 43 سنة تقريباً. هي مناسبة جيدة لتحقيب قصة الحملة بس حقب لنا إياها هكذا خلينا نكون ماشيين معك.

ماشي يا سيدي، كيف هي كل قصة محمد زمنياً؟ سأقسمهم لك على هذا الأساس، هو تولى 1805، قول أول ست سنوات كان يمكن لنفسه في مصر من 1805 إلى 1811. طيب حصل إيه في 1811؟ حصلت مذبحة المماليك، مذبحة المماليك هذه هي المذبحة التي قضى فيها على المماليك وبالتالي أنهى وجودهم كقوة اجتماعية وسياسية وعسكرية، طبعاً أنا أقول مذبحة المماليك هذه لا أحد يفهم أنها حرب، لا، هذه خدعة وغدر تماماً، هو عزمهم على حفلة داخل القلعة ثم أغلق عليهم القلعة وأطلق النيران، هذا باختصار شديد، هذا غدر هائل وغدر أهل ذلك الزمان لم يكونوا يتوقعونه، شيء لا يجيء في دماغهم، يعني أنت عند محمد علي ستنسى الأخلاق الإسلامية وتركنها على جنب.

من 1811 إلى 1820 اعتبر هذه مرحلة ثانية لأنه 1820 بدأ في غزو السودان، وعند غزو السودان سنفتح ملفاً ضخماً جداً اسمه ملف المذابح التي ارتكبها في السودان. محمد علي كان شايف أو كان عنده فكرة أن السودان يفيض بالذهب ونحن نريد فلوس، ذهبت حملة مصرية بقيادة ابنه إسماعيل، الحملة لم تجد ذهباً، قال له طيب خلاص هات عبيد للجيش، لم العبيد، غير المذابح التي عملها، لكن أريد أن أقول لك يعني هو مثلاً لم 20,000 واحد سوداني على أساس أنه يصنع منهم جيشاً، الـ 20,000 هؤلاء وصل منهم حي إلى أسوان 3000، الباقي مات من ظروف القهر في الطريق، الضرب، الحرارة، من الاكتئاب لأنه أُخذ عبداً سيق عبداً، من عدم الرعاية الصحية، المهم عدم التناغم مع الأجواء، المهم 3000، وهذا هو الذي جعله يفكر في تجنيد المصريين، السودانيون ليسوا نافعين، فهذا الذي جعله يفكر في تجنيد المصريين، يبقى 1820 عندنا الحملة على السودان، الحملة على السودان هذه أقول لك فيها مذابح غير موضوع الـ 20,000 هذه، الـ 20,000 هؤلاء رقم عادي، هذا رقم بسيط، قصدي أقول رقم بسيط بالنسبة للمذابح التي عملها، لأنه هو مثلاً ابنه إسماعيل كان يتعامل بكل عنف وشدة وسطوة مع حكام السودان، فواحد من الحكام لما كلفه ضرائب قال له لو لم تجدها سأضعك على الخازوق، وهذا واحد كبير في قومه وفي مكانه، لم يصدق يعني صدم، فلم يجد إلا أنه يظهر الاستسلام لإسماعيل، عزمه وطوّق المكان بقش وأشعل النار علشان يخلص من مصير الخازوق، فقتل ابنه إسماعيل، جاء واحد تابع لمحمد علي اسمه الدفتردار قال مقابل إسماعيل سأقتل 20,000 من السودانيين، خلال ثلاث أيام كان قتل 3000، شوف أنت تتكلم عن حالة من المذابح التي حصلت في السودان.

طبعاً هذا الكلام كله لا يظهر في كتب التاريخ الوطني المصري على هذا النحو، ويظهر على نحو ثانٍ، لكن المهم، من 1820 إلى 1830 اعتبر هذه مرحلة ثالثة، 1830 بدأ محمد علي في غزو الشام وفي محاربة الدولة العثمانية، حكم الشام ووصل إلى كوتاهية في قلب الأناضول الآن، يعني كان على أبواب إسطنبول، فهذه بداية الاصطدام الكبير والضعف الكبير الذي تناول الدولة العثمانية، أن محمد علي هزم كل الجيوش العثمانية، إلى 1840.

1840 هي اللحظة التي هزم فيها محمد علي أمام تحالف عثماني إنجليزي روسي، وهي اللحظة التي غرب فيها مشروع محمد علي، يعني محمد علي تنازل عن صرح جيشه، فك الترسانة الحربية، الجيش الكبير الضخم هذا تنازل عنه بعد ما كان 370 أو 380 ألف قبل أن يكون 18 ألف، سرح الترسانة العسكرية مقابل أن تبقى مصر والسودان في حكمه ولولده من بعده، يعني يؤسس ما يشبه الحكم الذاتي أو الإمارة الذاتية، وهنا تستطيع أن تقول غربت شمس محمد علي، فذهبت إنجازاته بين قوسين وبقيت مساوئه ومشاكله. فمن 1840 إلى 1848 إلى أن مات، لم يبقَ من دولة محمد علي إلا الطغيان والدكتاتورية فقط، وانتهت الإنجازات. هذا التاريخ السياسي العام لفكرة محمد علي.

طبعاً كان ينبغي أن أقول، وقد نسيت، أنه 1811 أنا قلت حصلت مذبحة المماليك وبدأت معها حرب الوهابيين، وبدأت معها حرب الوهابيين. فتقدر تقول ست سنين في الأول يمكن لنفسه، 10 سنين بعدها حرب الوهابيين، بعدين 10 سنين اجتياح السودان، وبعدها 10 سنين اجتياح الشام، وبعدها ثمان سنين هو غروب شمس محمد علي، هذه الصورة العامة يعني.

حكم كم سنة تقريباً هكذا؟ من 1805 إلى 1848. للـ 48؟ آه، عند الـ 48 أصابه الخرف، يعني فقد عقله، اختلت قواه العقلية، فذهب الحكم من بعده لابنه إبراهيم، ابن إبراهيم باشا هذا ذراعه الأيمن أيضاً، ذراعه الأيمن وكان على مثال أبيه، وتستطيع أن تقول كانت له نفس مهارة أبيه، يعني على الأقل العسكرية، كان قائداً عسكرياً لا يشق له غبار، مع شدة وقسوة وإلحاد وفجور، هذا موضوع ثاني يعني. وهذا إبراهيم هو الذي وصل تقريباً، إبراهيم هو الذي وصل لكوتاهية.

إبراهيم هذا حكم ستة أشهر، يعني حكم في حياة أبيه ومات في حياة أبيه، لكن أبوه في ذلك الوقت كان خرفاً لم يعرف بموت إبراهيم، فلذلك تولى الحكم بعد إبراهيم ابن أخيه عباس الأول بن طوسون بن محمد علي، هذا كان أكبر الذكور من ذرية محمد علي. أول من تولى بعد وفاة محمد علي كان حفيده. طيب طوسون هذا كان الابن الأكبر لكنه مات في حياة أبيه، مات وهو راجع من إحدى غزواته في الجزيرة العربية لقتال الوهابيين.

هذا هكذا يعني بشكل عام. وبعد عباس الأول نكمل هكذا سريعة الأبناء، بعد عباس الأول، طيب عباس الأول هذا يا سيدي حكم ست سنين، حكم من 1848 إلى 1854، عباس الأول هذا إذا جاء الوقت إن شاء الله هو الشذوذ في حالة محمد علي، الشذوذ في أسرته، هو هذا الوحيد الذي كان متديناً شوية، الوحيد الذي كان يسمع للمشايخ، الوحيد الذي كان يكره الأجانب، الوحيد الذي كان يتعاطف مع العرب، وكان له حتى أيام جده وأيام عمه إبراهيم منافرات معهما، وأكثر واحد مظلوم في التاريخ المصري هو عباس؛ لأنه يُتهم بأنه حطم ما فعله محمد علي، يعني قصدي أقول التاريخ المصري يلمع محمد علي ويلمع.

يأتي عباس ويقال لك عباس هو المشكلة، وهو الذي خرب كل ما حصل. حقيقةً، عباس هو الوحيد الذي كان متديناً وكان يسمع لرأي المشايخ، ولم يكن باطشاً بالمصريين، وهو الذي أزال الضرائب عن المصريين. عباس حكم ست سنوات، وانتهت حياته باغتيال غامض لا يزال حتى الآن مجهولاً. وبعض المؤرخين يرى أن الأجانب لهم يد في اغتياله؛ لأن اغتياله هو الذي أفسح الطريق لأول حاكم رباه الأجانب، وهو سعيد بن محمد علي؛ فابن الأخ كان أكبر من عمه.

سعيد هذا واحد تربى في السفارة الفرنسية، كان يحب الفرنسيين ويحبونه، ويكره الدين والمتدينين. هذا سعيد هو الرابع؛ فإذا قلنا محمد علي واحد، إبراهيم اثنين، عباس ثلاثة، فسعيد أربعة. حكم من 1854 إلى 1863، أي تسع سنوات وشيء. سعيد كان أول حاكم رباه الأجانب، وكما أقول لك، كان يحب الأجانب ويكره الناس. كان يدعم التعليم العلماني والتنصيري، ولا يدعم التعليم الإسلامي، بل كان يغلق المدارس الإسلامية أو الأهلية، وكان أول من رعى الإرساليات التنصيرية في مصر. وارتكب الخطيئتين الكبيرتين اللتين دفعت مصر ثمنهما طويلاً: الموافقة على حفر قناة السويس، وبداية الديون، وأسس للأجانب تأسيساً جدد به عصر محمد علي بل أكثر.

بعد سعيد جاء الخديوي إسماعيل، من 1863 إلى 1879، حكم 16 سنة تقريباً. إسماعيل رجل أراد أن يجعل مصر قطعة من أوروبا؛ فكل ما أراد تقليد أوروبا فيه، فعله إسماعيل. إسماعيل أول من عمل مسارح، وأول من عمل دار أوبرا، وأول من جلب فرق تمثيل وغناء، وأول من عمل الحفلات المختلطة رجالاً ونساءً وخموراً ورقصاً. أول من أسرف في إدخال التغريب وتمكين الأجانب؛ فالأجانب كانوا ماسكين البلد، قائد الجيش أجنبي، قائد الجمارك أجنبي، قائد البريد أجنبي، قائد المساحة أجنبي. وانتهى عهده بأن صار في البلد وزراء أجانب، وأوقف ترقي المصريين حتى في الجيش. حتى البرلمان الذي أنشأه كان ليقلد الغرب، يبقى عندنا برلمان مثلهم؛ فهو الرجل كان هدفه الكبير أن يجعل مصر قطعة من أوروبا.

حتى القاهرة الخديوية التي أنشأها، وهي المساحة بين القاهرة والنيل، التي هي الآن ميدان التحرير وما حوله وجاردن سيتي، عملها على النمط الفرنسي. أنت عندما تنزل إلى وسط البلد، في أيامها كانت المناطق الجديدة، كنت ترى جزءاً من باريس؛ العمارات والشكل والميادين والأماكن هذه كان يسكنها أجانب، لم يكن فيها مصريون، واللغة المسموعة فيها هي اللغة الفرنسية؛ فالناس لم تكن تتكلم عربياً في هذه الأحياء، وظلت لفترة طويلة هذه أماكن الهوانم والبهوات.

وبعده خلع إسماعيل بعد تمرد حصل في الجيش، وجاء بعده الخديوي توفيق ابنه. الخديوي توفيق حكم من 1879، وهنا نحتاج إلى تفصيل. الخديوي توفيق لما حصلت الثورة العرابية، هو الذي أتى بالإنجليز ليحتلوا البلد، والإنجليز نزلوا ليحتلوا البلد دفاعاً عن سلطة الخديوي. فهنا يحصل لأول مرة في تاريخنا الإسلامي أن الاحتلال الأجنبي ينزل لتثبيت حكم وطني. لأول مرة يتحد الاحتلال الأجنبي مع الطغيان المحلي؛ لأول مرة ترى أن النظام القائم في هذه البلاد الإسلامية نظام خادم للأغراض الأجنبية والمصالح الأجنبية إلى الدرجة التي تنزل فيها الجيوش الأجنبية لتثبيت هذا الحكم.

وبالفعل، ثبت الإنجليز نظام الحكم هذا إلى سنة 1952، لما حصل انقلاب يوليو العسكري، وبعدين حصل رحيل الإنجليز 1956، ضمن التصور الكبير بعد الحرب العالمية الثانية، وهي وراثه الاحتلال الأمريكي للاحتلال البريطاني؛ لأن ثورة يوليو في حقيقتها هي الأداة الأمريكية التي خلعت الاحتلال البريطاني. الإنجليز دخلوا 1882، وطلعوا 1956، أكثر من 70 سنة. كيف استقروا أكثر من 70 سنة؟ إجابة هذا السؤال عند محمد علي، سنرجع له ونحقق قاعدين كويس. هذا هو التصور العام، يعني في احتلال بريطاني تحت هيمنة الاحتلال البريطاني، إذا كنت تكمل في أسرة محمد علي، فالخديوي توفيق حكم 10 سنين ومات وهو صغير 1892، وتولى بعده ابنه عباس الثاني عباس حلمي الثاني، كان في الثامنة عشرة من عمره.

عباس حلمي الثاني حكم من 1892 إلى 1914، وفي 1914 بدأت الحرب العالمية الأولى، الإنجليز قالوا الخديوي هذا له ميول عثمانية، هو طبعاً لم يكن صحيحاً، لكن كانوا يريدون أحداً أسلَس منه فخلعوه، ونصبوا أكبر واحد في أسرة محمد علي في وقتها، كان اسمه السلطان حسين كامل، ومنحوه لقب السلطان؛ لأن مصر انفصلت عن الدولة العثمانية، فصار عندها سلطان يوازي السلطان العثماني، لم يعد خديوي تابعاً للسلطان، صار سلطاناً موازياً، وبريطانيا أعلنت الحماية. الخديوي لقب فارسي بمعنى أمير أو نائب الملك. ثلاثة كانوا خديوي: إسماعيل، وتوفيق، وعباس حلمي الثاني.

حسين كامل لم يعش كثيراً، فجاء بعده الملك فؤاد، سمي بعد ذلك سلطان ثم سمي الملك فؤاد. كل هذا تحت هيمنة الإنجليز، فمنذ توفيق ونحن تحت هيمنة الإنجليز. الملك فؤاد حكم إلى سنة 1939، ثم مات، وجاء بعده ابنه الملك فاروق، وهذا هو الذي خلع بانقلاب يوليو 1952، وجاء عبد الناصر. هذا هو المشهد العام، وهذا التحقيب العام لكل حكم محمد علي وأسرته، تقريباً 147 سنة، ابدأ من 1805 هذه البداية، إلى 1952.

أريد أن أقف عند جملة مهمة أنت حكيتها قبل قليل، ونحن نفتح ملف محمد علي؛ لأن الموضوع فيه استعمار وهيمنة واحتلال وإنجليز دخلوا، لذلك هو دخل معنا في هذا المحور. أنت قلت جملة كررتها أكثر من مرة: حطم المجتمع الإسلامي في مصر. ما الذي عمله محمد علي؟ بارك الله فيك، الناس الذين حضروا معنا الحلقة السابقة عن الحملة الفرنسية سيكونون أكثر استيعاباً لما سنقوله الآن. قلنا إن نابليون أول ما نزل إلى مصر أمر بتجريد الناس من السلاح، ومحمد علي هو الذي نجح في تجريد الناس من السلاح.

محمد علي استطاع أن يجرد الناس من السلاح، والذي يدلك على إصراره على هذا الأمر أنه جرد الناس من السلاح بعد انتصارهم على محاولة احتلال أجنبي. تخيل، محمد علي كان في معركة يطارد المماليك في الصعيد، وفي ذلك الوقت جاءت حملة إنجليزية اسمها حملة فريزر على مدينة رشيد سنة 1807، استطاع الناس بأسلحتهم البسيطة أن يتصدوا لهذه الحملة وأن يقهروا الإنجليز. ما رأيك الآن لو كنت أنت حاكماً، وفي مدينة حمتك من احتلال أجنبي بالأسلحة البسيطة، الطبيعي أن تكرمهم، وأن تسعى لنقل هذه التجربة للمدن الثغرية، بحيث لا يحصل اختراق، وأن ترى كيف انتصروا فتزيد من هذه الاستحكامات؟ محمد علي أول ما وصله الخبر قال: والله كويس، لكن لا ينبغي أن يبقى في يد الناس سلاح، إنما الحرب وظيفة العسكر، والناس عليهم العلوفات، يدفعون فلوساً، والحرب وظيفة العسكر.

هذه بداية تلتقط منها كيف كان محمد علي يفكر وينظر للشعب؛ الناس التي تعرف تقاوم وتعرف تنتصر على الأجانب، لو فكرت في التمرد على السلطة فإنها ستنتصر، وبالتالي كانت الوسيلة التي اعتمدها هي تجريد الناس من السلاح، وهذا هو الأمر الذي نجح فيه على مدار عهده. تجريد الناس من السلاح هذا أوصلنا إلى نتيجة مهمة استفاد منها الإنجليز فيما بعد: انهيار الجيش الرسمي يساوي انهيار البلد، هزيمة الجيش الرسمي تساوي احتلال البلد، دخول العاصمة يساوي دخول البلد. المماليك لما هزموا، لم تتوقف المقاومة في أيام الحملة الفرنسية، الحملة الفرنسية هزمت المماليك، ومع ذلك المقاومة لم تتوقف، ظل الناس يقاومون. لكن لما هزم الجيش المصري في معركة التل الكبير 1882، انقشعت المقاومة؛ لم يعد في أحد قادر يقاوم لأن السلاح كله أصبح عند الجيش الرسمي، وتلك معضلة لا تزال قائمة حتى هذه اللحظة. مسألة نزع السلاح هذه هي الموجودة في كل قصة احتلال وكل قصة طغيان وسيطرة.

طالما الأسلحة موجودة في يد الجيش الرسمي وحده، هذا يعني أن هذه الدولة عندها مركز قوة واحد، وضرب مركز القوة الواحد هذا يساوي انهياره. وعلشان كده الدول الغربية وحتى إسرائيل تطمئن للجيوش الرسمية، لا تخشى منها، وتخشى من انتشار السلاح بين أيدي الناس. مما لا أنسى كلمة مستشار شارون لما كان يقول: إننا كنا في اتفاقية كامب ديفيد نقول لا نريد الجيش المصري في سيناء، خذوا الجيش المصري واتركوا لنا البدو والجمال. هو يرى أن ابتعاد التسليح عن سيناء عن إسرائيل هو الذي سيجعل إسرائيل آمنة، ويقول: يا إلهي، لو عاد بي الزمن لقلت هاتوا الجيش المصري وخذوا البدو والجمال، في أمان مع الجيوش الرسمية في حالة أمان، أما السلاح إذا كان موجوداً مع الناس، لا، السلاح مع الناس هذا شيء مهدد لأي طغيان ومهدد لأي احتلال.

نرجع لمحمد علي، هو نجح في تجريد الناس من السلاح. خليني أدخل إلى موضوع محمد علي هذا، بدل ما أقولها مظاهر تبدو مشتتة، خليني أنظمها. مقدمة بسيطة: المجتمع الإسلامي منذ أن قام وتطور في الحياة الإسلامية، نظم المجتمع على هذا النحو أنه يبقى فيه توازن بين السلطة وبين الناس. السلطة قوية والمجتمع قوي؛ كيف يتم هذا؟ يتم بأن السلطة صلاحياتها تكون قليلة، والمجتمع صلاحياته تكون واسعة، ويتم بأن الناس عندها قدرة على التمويل الذاتي، عندها فلوس، فالفلوس في يد الناس هي القوة، والقوة في حقيقتها أموال وسلاح.

ظل الحكم الإسلامي مهما حصل فيه من انحرافات ومهما حصل فيه من فساد محافظاً على هذا التوازن. الدولة أو السلطة عندها المهمة القيام بالمهمات العامة الكبرى: الجهاد في الخارج، حفظ الأمن في الداخل، وما يتعلق بذلك. أما المجتمع فهو الذي عنده الاقتصاد، هو الذي عنده التعليم، هو الذي عنده الثقافة، هو الذي عنده بقية هذه الأنشطة؛ كل الحاجات دي بتحصل بدون هيمنة وتحكم من السلطة. السلطة تحب تساعد فيها أهلاً وسهلاً، وهذا عمل الأمراء الذين يحبون دائماً نهضة بلادهم، لكن افرض لم يحصل، لا يعتبر هذا تقصيراً من السلطة في القيام بمهماتها؛ لو الأمير لم يبنِ مستشفى، لن يرى أحد أن الأمير مقصر، ولو لم يعمل مدارس، لن يرى أحد أن الأمير مقصر، لكن الأمير لو عمل مدارس وعمل مستشفيات، هذا من خير الأمراء.

من الذي يعمل كل هذه الحاجات؟ هذا نشاط اجتماعي، نشاط يقوم به الناس. النشاط الذي يقوم به الناس من أين يأتي تمويله؟ يأتي تمويله من الاختراع الإسلامي العبقري الذي اسمه الأوقاف. يعني إيه الأوقاف؟ أنا مثلاً عندي دكان أو عندي أرض أو عندي أي مورد مال، بدل ما أنا بطلع 10 جنيه كل شهر، رحت عملت إيه؟ قلت هذا الدكان الذي عندي الذي يطلع 10 جنيه كل شهر هذا صار وقفاً لله، أنا أوقفته لله، معناها الحرفي كده عند الفقه، خرج من ملكي.

ملك الله، هو طبعاً كل شيء ملك الله، بس يعني هذا تنازل من فلان الفلاني، اللي هو كان صاحب الملك، لله. هذا يقوم عليه القضاء؛ يعني الأوقاف بشكل عام يديرها القضاة، والقضاة تركيبتهم برضه في المجتمع الإسلامي أنهم مستقلون عن السلطة، يعني حالة القضاء هي استقلال تام عن السلطة. أظن تكلمنا في هذا لما بنتكلم عن سليمان القانوني، وأنه القاضي هذا كل تكوينه النفسي والاجتماعي والعلمي بعيد تماماً عن السلطة؛ هي السلطة بس بتحطه في موقع إداري، يعني بتقول له: أنت قاضي المكان الفلاني، أو أنت قاضي القضاة. فبالتالي ثروة المجتمع الإسلامي في غالبها كانت بيد الناس، ولا تستطيع السلطة أن تقترب منها، لأن هذه أوقاف مقدسة.

ما فيش حاجة في الإسلام اسمها مال الدولة، ما فيش. حصل اختلاف كده بين سيدنا معاوية وبين أبي ذر، هل المال العام هذا هو مال الدولة ولا مال المسلمين؟ سيدنا معاوية كان يقول هذا المال مال الله، ويخالفه أبو ذر فيقول: لا، بل مال المسلمين. طب إيه الفرق بين الاثنين؟ كلمة مال المسلمين تضيق التفويض الممنوح للخليفة في التصرف في المال، لما تقول مال المسلمين، بيت مال المسلمين، أموال المسلمين، ده في الآخر بيضيق التفويض الممنوح للخليفة في التصرف بالمال. فما فيش حاجة في الإسلام اسمها مال الدولة، هو اسمه مال المسلمين. ولذلك بالمناسبة حتى في أحكام الفقهاء، السرقة لما أنا لو حصل لا قدر الله وسرقت من مراد شيئاً لها عقوبة، لكن لو سرقت من بيت مال المسلمين شيئاً له عقوبة ثانية، عقوبة أخف على فكرة، مش عقوبة أشد؛ لأن له حقاً في بيت المال.

لما جاء السلطان سليم في مصر وجد أن 40%، وفي رواية أخرى 66%، من أرض مصر المزروعة أوقاف. يعني الأموال الموجودة في البلد أغلبها بيد الناس، ليست بيد السلطة. ولما تدخل أنت بلداً زي مصر كده تلاقي ثلثين فلوسها أو 40% من فلوسها مش هتعرف تتصرف فيها، فواحد من حاشية السلطان سليم أغراه بأنه يستولي على الأوقاف، فقال: هذه أموال أوقفها من قبلنا فلا نحب أن يكون تعطيلها من قبلنا، فتركها. طبعاً حاول بعض الأمراء وبعض الملوك أحياناً أن يستولوا على أموال الوقف أو أن يأخذوا منها، فدائماً تصدى لهم العلماء؛ لأن الأموال دي كانت بتمول العلماء والفقهاء، وبتمول يتامى وبتمول أسرى، يعني أنت عندك هيصة كبيرة متأثرة بالأموال.

طيب يبقى المجتمع عنده أموال وفي إيده سلاح ويدير بنفسه أنشطة كثيرة. هيجي محمد علي ويعمل إيه بقى؟ أنت أستاذ محمد بتفهمنا العلاقة بين الناس والدولة، كيف شكل العلاقة بالمجتمع الإسلامي؟ جاء محمد علي، حطم كل هذا وجعل كل القوة في يد السلطة المتركزة في يد السلطة، والسلطة في حالة محمد علي يعني قوة. فأول ما بدأ أن فرض الضرائب على الأوقاف، المفترض أصلاً أن الأوقاف دي أموال مرصودة لعمل الخير، يعني للإنفاق على أعمال الخير، الإنفاق على المساجد، الإنفاق على الخطباء؛ فقال لهم: أنا اللي هاخد الفلوس دي، وأنا أنفق على عمارة المساجد وعلى الخطباء.

يجي واحد -معلش في الكلمة- مغفل يقول لك: طب وإيه يا أخي؟ إيه المشكلة؟ ما دام المقصد واحد وهو الإنفاق على المساجد والإنفاق على المشايخ، طالما الدولة هتعرف تعمل كده بكفاءة أكبر وبحسبة أدق، ما تعملها الدولة أنت إيه مشكلتك؟ المشكلة الخطيرة أن الأموال -عنصر القوة الهائل- انتقل من عند المجتمع إلى عند السلطة. فحتى لو أنا هفترض معاك أن الحاكم اللي هيجي ده هيبقى فعلاً عنده الأمانة والكفاءة والدقة في عمل الأوقاف، حتى لو ده حصل فده أصلاً مخالف للإسلام؛ لأنه نزع قوة من قوة المجتمع ووضعها عند الحاكم، فهيجي الحاكم اللي بعده هياخدها يشرب بها خمراً، يديها للأجانب، يبيعها ويطيرها في الهواء. موضع القوة خرج، أنت زي اللي بيقول لك: أنت ليه يا أخي شايل معاك سلاح؟ هاته لي بس وأنا هحميك. أنت لما تجرد نفسك من السلاح وترهن حمايتك عنده، حتى لو أنا أمين في المرحلة الأولى، لكن لا تضمن؛ ما فيش حد يضمن هل تتغير؟ هل يأتي بعدك من هو مثلك؟

هذا هو الذي فعله محمد علي؛ بدأ بفرض الضرائب على الأوقاف، ثم استولى على الأوقاف. قال: أنت الأرض اللي عندك دي فعلاً أرض وقفية؟ هات لي ما يثبت أنها وقفية. وهذا الزمان ما كانش الناس يسجل أو يوثق أو يحتفظ بالوثيقة، لأنه أجيال بتمتد. أنت عارف الظاهر بيبرس مثلاً في دولة المماليك، أعظم سلاطين المماليك، لما أراد أن يأخذ من أموال الأوقاف وهو يواجه التتار ويواجه الصليبيين، وقف له الإمام النووي، قال له: ليس في الإسلام هذا، وليس لك أن تفتش عما في يد الناس؛ فمن كان في يده شيء فهو ملكه إلا أن يظهر غير ذلك. يعني أنت دلوقتي في واحد موجود في أرض، الأرض دي بتاعته أو الأرض دي وقفية وهو يديرها، أنت عندك دليل على أنه ما عندوش أو أنه ده مش صحيح؟ أخرجه، مش هو اللي يتكلف يطلع الدليل. الدليل مطلوب من الدولة مش العكس.

طبعاً الظاهر بيبرس لم يستطع، لكن القصد هو أن محمد علي بدأ في الاستيلاء على الأوقاف. طب يعني إيه الاستيلاء على الأوقاف؟ الشيخ محمد عبده بعد 100 سنة من محمد علي وضحها بالأرقام، قال: واستولى على ما كان للأزهر من الأوقاف، وفرض له شيئاً بمقدار 4000 قرش. طيب الغلال التي استولى عليها قيمتها كام؟ نصف مليون قرش. تخيل، الحاكم لما شوف الأزهر اللي بيدخل له نصف مليون من أوقافه دخل له كام؟ 4000. ولذلك الأزهر كان واحداً من المؤسسات التي انهارت أيام محمد علي وما بعده؛ انهارت بقى على كل المستويات. بدل ما كان الأزهر المونق المورق المنتفض أمام الحملة الفرنسية، انهار الأزهر أيام محمد علي، وصار حياة أبنائه بؤساً في بؤس. اللي يقرأ ماذا كان عليه طلبة الأزهر في ذلك الوقت، يبتئس.

أنت مثلاً في واحد إنجليزي رحالة اسمه ريتشارد بيرتون، زار مصر في أيام عباس بعد محمد علي مباشرة، ودخل الأزهر، بقى يتكلم على الأزهر المتهالك، اللي مش نظيف، الحصر اللي فيه تهرأت، الأكل اللي فيه تعبان، يعني أحوال مشايخه تعبانة. كتاب مثلاً موجود على الإنترنت اسمه «من أخلاق العلماء» لواحد قاضي شرعي كان اسمه محمد سليمان، وهو يحكي عن أن الإنارة في الأزهر كانت على قدر ما يرى الشخص، مش منورة أكثر من كده. فكنت ترى طلبة الأزهر يجلسون، يعني جايبين المصباح حاطينه في النص كده، وكل واحد عايز يقرأ مثلاً في الكتاب اللي عنده، فهو المصباح في النص وهم نايمين حواليه، كل واحد مستلق على جنبه؛ المصباح في النص وبعد كده دايرة من الرؤوس، وكل واحد مستلق على جنبه علشان يعرف يقرأ الكلام. فضلاً عن أن محمد سليمان برضه في نفس الكتاب بيقول: كان مرتب أبي، وكان من علماء الأزهر الكبار، آخر مرتب وصل له هو 3 جنيهات، بينما كان مرتب المدرس في دار العلوم 12 جنيهاً أو 20 جنيهاً.

هيحصل تدمير هائل للأزهر، القصد هنا أن الأوقاف لما سُلبت من يد المجتمع ووضعت في يد السلطة، سُلِب من المجتمع مركز قوة هائل ورهيب، وهذا المركز عمل انهياراً اجتماعياً بين العلماء وبين السلطة. زمان قوة العالم كانت أنه مش محتاج السلطان في حاجة، وأنه ما بياخدش مرتباً من السلطان. هو علشان كده كان كثير من العلماء يفر من القضاء، خائف ومتورع أنه يحكم بالباطل أو خائف ومتورع أنه يحابي السلطان، ولكن مش عايز برضه يبقى أسير راتب القضاء.

يا سلام، لما بقى دلوقتي إيه مصيبة المشايخ والعلماء في عصرنا أن كلهم موظفون، وأن ما حدش يقدر يتحرك بره دائرة الدولة، كلهم أصحاب رواتب. يقول لك: القاضي راتبه عالي، فادرس يا ابني قاضي عشان راتبك يكون عالياً. ده هو ده، دلوقتي كمان حصل فصل بين القاضي وبين الشيخ؛ أنا دلوقتي بقول لك شوف أنت الشيخ زمان، كان ما كانش راتبه يخرج له من الدولة، لما صار الشيخ موظفاً، فانحط مقامه ومكانته بالنسبة للسلطة، وبقى غير قادر على قيادة المجتمع، وغير قادر على الوقوف في وجه السلطان إن هو ظلم، بل حتى غير قادر على الخروج أو الهروب من بطشه.

أنت قصدك تريد أن تقول، وهو كمان برضه المشاهد بده يقول لك: طيب هو ليش الإسلام بده الأوقاف تظل معنا، والسلاح يظل معنا، والقوة الاقتصادية بأيد الناس؟ لأن الإسلام يريد منك أن تكون إنساناً عزيزاً، وهذه الإجراءات تسحق هذه العزة فتتحول إلى إنسان ذليل، تقعد جنب المصباح أنت و20 طالباً عشان تدرسوا كتاباً. وبالتالي محمد علي الآن سيطر على السلاح، وسيطر على الأوقاف. أنت بتحكي لنا عن مظاهر سحق المجتمع.

مظاهر السيطرة على الأوقاف دي لها مظاهر كثيرة؛ منها مظهر الأزهر، ومنها مظهر المشايخ الذين انحطت مكانتهم، ومنها مظهر حتى انحطاط وجوه الناس الأعيان. مثلاً إبراهيم باشا وهو في حملة على الصعيد، يشبهها الجبرتي فيقول: وفعل في الصعيد فعل التتار، وكان يُؤتى بالرجل من سادة الصعيد فيربط، يُدار على السيخ كما يُدار الخروف المشوي، نوع من التعذيب بالاحتراق. طيب الأوقاف الكثيرة دي، الأعيان دول، الناس زمان برضه من مشاكلنا المعاصرة أن ما حدش متصور المجتمع الإسلامي كيف كان زمان؛ المجتمع الإسلامي زمان القرية، الإنسان الغني فيها مش إقطاعي على النمط الأوروبي، الإنسان الغني في القرية كان له تكاليف اجتماعية، كان مثلاً عنده كل يوم وليمة ينصبها للناس، لا سيما في رمضان أو في الحج، أو في الضيوف القادمين إليه. من العادات المتبعة أن في ضيف قادم يذهب على الغني الموجود في البلد، والغني يستضيفه ويكرمه؛ إذا حاج داخل ولا طالع، مجموعة من الحجاج.

إبراهيم باشا لما لقى واحداً يقول لك: أنت إيه الفدادين دي كلها، أنت محتاجها في إيه؟ فيقولوا له: ده عيني من أعيان البلد، يضيف الأغراب ويطعم الجائع ويضيف الحجاج. يقول: مالهوش دعوة بالكلام ده كله، أنا هسيب لك من أراضيك دي كلها الحاجه اللي تكفيك أنت وأهلك، والباقي ده كله تبع الدولة. قال له: طب والناس الجعانة والناس اللي هتيجي؟ قال له: مالكش دعوة أنت بهم، يموتوا من الجوع. منطق الدولة: أنت بتعمل إيه بالفلوس دي كلها؟ في واجبات اجتماعية، في داهية الناس وفي داهية الجوعى وفي داهية الحجاج. فهنا حصل ما يسميه الشيخ محمد عبده كسر بأس الأهالي، القوة الطبيعية التي كانت موجودة عند عموم الناس عند الأعيان عند الوجهاء، كُسرت بهذه التصرفات.

ويحاول المشاهد أن يواصل خياله وهو يشوف لما يبقى عندك فلوس كثيرة جداً، وقادر تعمل منها خيراً كثيراً جداً، وتنفق منها على ناس كثيرين جداً، تعمل إيه؟ لما لا يبقى لك إلا ما يكفيك وأهلك بتقدير السلطة، مش حتى بتقديرك أنت. الحاجه الثانية في إطار التحول إلى دولة حديثة ومركزية، اعتمد سياسة أنه الزارع الوحيد، الصانع الوحيد، التاجر الوحيد؛ أنا البلد والبلد أنا. يعني إيه الزارع الوحيد؟ يعني لأول مرة في التاريخ المصريون يهربون من أراضيهم؛ المصريون معروفون بأنهم مرتبطون جداً بأراضيهم، بل يُعيرون بهذا فيقال: فلاحون أبناء الأرض، ملتصقون بالأرض، وعلشان كده أنتم مذلولون ومستعبدون ومستضعفون. يعني شدة ارتباط المصريين بأرضهم يُعيرون بها أحياناً.

لأول مرة في عهد محمد علي هتلاقي الفلاحين يهربون من الأرض. ليه يا أستاذ؟ لكثرة الضرائب المفروضة عليهم والتي لا يستطيعون أن يدفعوها. كان عندك كل شوية ضريبة جديدة؛ ضريبة على الأرض، ضريبة على المحاصيل، ضريبة فردة على الرؤوس، يعني حتى الأبناء وحتى العيال الصغيرين وحتى النساء. ولما كانوا لا يستطيعون دفع هذه الضرائب، كانوا يتعرضون للعذاب والنكال، وربما مات تحت التعذيب، يعني ضربه بالسياط، يعني قتل، أنت وحظك في العقوبة التي ستنزل بك. حتى كان الناس حين يرون أنهم لا يستطيعون أداء الضرائب يهربون.

ويتركوا الأرض ويتركوا بيوتهم ويتركوا ممتلكاتهم. تيجي السلطة: فين الأرض دي؟ والله صاحبها تركها، يبقى بقية القرية تدفع ثمنها، بقية القرية تدفع الضريبة التي كانت مطلوبة من الإنسان الهارب. ونعمل قوانين لتعقب الهاربين ولمعاقبة شيوخ البلد والعمد الذين يمكن أن يهربوا منهم هؤلاء المزارعون والفلاحون. فهتلاقي أول مرة بقى يظهر البطاقة، ما فيش حد يمشي في البلد إلا وهو اسمه وأوصافه، من قرية إيه، إيه اللي مطلعك من البلد، واخد إذن من شيخ البلد وأنت طالع ولا لا. من لم توجد عنده هذه البطاقة عُدَّ متهربًا وعوقب.

يا سلام! هذا في زمن محمد علي؟ آه ده في زمن محمد علي، دي بقى بداية الدولة الحديثة. طبعًا إحنا دلوقتي عادي جدًا الناس كلها بتطلع بطاقة وشايفة إن ده نظام، ولا يعرفون أنه عبودية الدولة الحديثة. فبدأ في محمد علي مكافحة التهرب. طبعًا هيبقى في مكافحة تهرب من نوعين، أنا دلوقتي بتكلم عن مكافحة التهرب من الضرائب، لسه بعد شوية هنيجي لمكافحة التهرب من التجنيد.

تمام، أيوه قصة كبيرة طبعًا. طيب مكافحة التهرب من الضرائب دي أنتجت تفكك النسيج الاجتماعي بين الناس. أنت عارف النبي ﷺ استعاذ من الكفر والفقر، الفقر يورث الكفر، والناس لما توضع تحت ضغط شديد تتفتت روابطهم الاجتماعية حقيقة. فبالتالي مسألة أن فلان بيهرب، ومسألة أن بقية القرية بتدفع الثمن، كل هذا أدى إلى أن الناس بتبلغ عن بعض، أو أن شيخ البلد بيبلغ عن حد عدو باعتباره كان هيهرب حتى لو ما كانش هيهرب، أو أنا مثلًا موجود في بيتي لكن جاري ده عرفت أنه هيهرب، فأنا سأكلف الضريبة وسأكلف كمان ضريبته هو. اللي هيمشي ده في الآخر بيعمل إيه؟ بيخليني أنا ألجأ إلى السلطة وأقول لهم الراجل هيهرب، عشان ما... عشان الدنيا كلها في شرخ في المجتمع يعني.

شرخ هائل، الناس المصريين اللي كانوا طول عمرهم متكاتفين؛ زي ما قلنا من مظاهر المصريين أنهم مرتبطون بأراضيهم، فمن مظاهر المصريين كذلك أنهم متكاتفون ومتكافلون، ودي حاجة ما تلاشت منذ ذلك الوقت حتى الآن، يعني تزداد الفردانية ودي طبيعة الدولة الحديثة. الدولة الحديثة عايزة أفراد، مش عايزة تكتلات. فالمهم كان حدثًا هائلًا أن الناس بتهرب ثم يؤتى بها ويقبض عليها. طيب، يعني إيه برضه الزارع الوحيد؟ الأرض؛ أحيانًا الناس هربت وسابتها وأحيانًا قرية، طبعًا أحيانًا في بعض النواحي أو بعض البلدات كانوا يتفقوا ويهربوا كلهم مع بعض، فما فيش حد يبقى في الناحية، يعني مثلًا ممكن تبقى 10 بيوت أو حاجة أقل أو أكثر يهربوا كلهم مع بعض. طيب الأراضي التي فرغت وبارت كان بيعمل فيها إيه محمد علي؟ كان أحيانًا يمنحها للأجانب هدية، ويفرض على القرى المجاورة أن يخدموهم بالسخرة فيها؛ يبقى الأرض طلعت من إيد أهلها الأصليين وذهبت ليد الأجانب. في مذكرات نوبار باشا أحد الوزراء المشهورين في عصر الأسرة العلوية، هو يقدر في هذا الكتاب أن 400 ألف فدان ذهبت إلى الأجانب بهذه الطريقة.

طبعًا الأوقاف التي استولى عليها محمد علي أو فرض عليها الضرائب في ذلك الوقت بحسب تقدير الجبرتي كانت ثلث الأوقاف، ثلث الأرض المزروعة؛ يعني مصر كان فيها 600 ألف فدان مزروعين، الأراضي الموقوفة كانت 200 ألف فدان. إلى هذا الوقت، أستاذ، محمد علي كان والي عثماني ولا استقل عن...؟ لا، شوف يعني ولا مع بعضه، ده متوازي مع ده، طبعًا أنا عشان لما بتكلم في موضوعات فبجيب لك تطور الموضوع، مش بعضها بدأ قبل ذلك وبعضها أكمله وهو، لكن هو محمد علي في كل الأوقات كان معترفًا بالسلطان العثماني؛ يعني بيحارب السلطان العثماني وبيعترف أنه السلطان. ومن المواقف الطريفة هنا إبراهيم باشا ابنه لما استولى على دمشق، وهو في استيلاءه على الشام استولى على دمشق، فخطيب الجامع الكبير جاء إلى إبراهيم باشا قال له: إحنا دلوقتي هنخطب الجمعة، لمن ندعو في خطبة الجمعة، ندعي لمين؟

أنت عارف الخطبة هي إعلان ولاء؛ يعني زمان أيام الخلافة كان مسألة الدعاء للخلافة هي إعلان ولاء. البلد دي تمردت على الخليفة، أول مظهر من هذا التمرد هي قطع الخطبة. فإبراهيم باشا راح ماسكه وربطه في الفلقة وضربه على أساس أنه شكك في ولاء إبراهيم باشا ومحمد علي للسلطان العثماني. يعني اللي هو خد منه البلد وخد منه الشام، ولكن الشرعية، الشرعية! فبالتالي محمد علي إلى آخر وقت وهو حريص على مسألة الشرعية دي، وهو حتى تخلى عن كل أحلامه زي ما قلنا كده لما اعترفت الدولة العثمانية بأن الحكم في مصر والسودان له ولأولاده من بعده.

طب هذا يعني من المكر السياسي ولا هو عن جد حابب يعني ما يخربش الدنيا زيادة عن اللزوم؟ هو من المكر السياسي مؤكد، لكن هو بالنهاية الالتصاق بالشرعية دائمًا بيخفف عنك التمردات. أديلك مثال بسيط سياسي؛ يعني مثلًا دلوقتي في عالمنا المعاصر ده، من هو الحاكم الشرعي في أذهان الناس في زمننا ده؟ هو الحاكم اللي جاي بانتخابات، يعني الحاكم اللي جاي بانتخابات ما فيش حد بيطلع يقول على الناس أنا حكمتكم بالعافية، اللي بيحكم بيقول: الشعب اختارني، مهما كان دكتاتور لازم يعمل انتخابات بس يزورها، لكن الشكل الشرعي ما ينفعش ما يعملوهوش، ما ينفعش يجي حاكم من غير انتخابات. فالشرعية دي مهمة بالنسبة لأي حاكم من الحكام، بتوع العلوم السياسية بيقول لك الشرعية هي الفارق بين الحكم بالرضا والحكم بالقهر.

أرجع لفكرة الزارع الوحيد، برضه حصل لها أثر هائل آخر وهو: زمان قبل محمد علي كانت الناس تزرع ما تحب، يزرع كل إنسان ما يريد، النهارده محصول القطن ده كان كويس، بكرة الناس عايزة طماطم، بعده عايزة فول، كل واحد بيزرع الحاجة اللي هو متوقع أنها سوقها سيكون مزدهرًا. لا، لما جاء محمد علي قال لك: لا، كل واحد يزرع اللي أنا أقول له عليه غصبًا عنه! ليه يا أستاذ؟ يقول لك البلد دي مثلًا بتطلع القطن، المصريين كان مشهور زمان القطن عندهم باسم القطن طويل التيلة، حاجة كده الناس بتوع النسيج بيحبوها وشايفينها كفاءة. فببص على السوق العالمي وشايف أن زراعة القطن هي التي ستأتيني بالأرباح، فبالتالي الناس كلها تزرع قطن.

طيب زرعوا قطن، فبيعمل إيه محمد علي؟ بينزل جدول، أردب القطن مثلًا يباع بالسعر الفلاني، الفلاحين يبيعوه لمحمد علي بالسعر الفلاني، وبعدين محمد علي يروح منزله السوق بالسعر الثاني. طبعًا الجدول ده... كويس أن افتكرت الجدول ده عشان تشوف شناعة طغيان محمد علي إلى أي حد مص دماء الناس. في كتاب اسمه "بناء دولة"، وهو مجموعة من تقارير سفراء غربيين عن دولة محمد علي لدولهم، يعني سفير فرنسي عاش فترة في مصر وكتب عن سياسة محمد علي ورفعها لفرنسا، واحد بريطاني، واحد أمريكي وهكذا، فده كتاب في أعلى أدوات الدقة، ما كتبهوش للجمهور هو كتبه لدولته، وطبعًا اللي كتبه ده لا هو حابب ولا كاره محمد علي، دول هم حبايب أحيانًا. فتشوف حاجات عجيبة؛ القناصل الغربيين مندهشون من العنف والقسوة اللي بيعملها محمد علي في الناس. واحد فرنسي بيقول لك: التحول الزراعي الذي قضت فيه حكومة الثورة الفرنسية 30 سنة ما أخدش عند الراجل ده 30 ثانية؛ الأمور كلها تخضع لمزاج الباشا ولا يبالي بما كان بعد ذلك من آثار، يعني ما عندوش إشكال أنه بعد كده الدنيا تبوظ، تخرب، ناس تموت من الجوع، ناس تموت من العطش، ناس تموت من الذل، كل ده مش في دماغه.

مثلاً واحد فرنسي بيقول لك: أراد الباشا أن يحفر الترعة الممتدة من الإسكندرية إلى القاهرة، فأخرج إليها الفلاحين تحت سوط الكرباج، فأنجزوها في 10 أشهر، أنه إنجاز عظيم طبعًا، لكن سينسى الجميع أنه مات فيها 12 ألف فلاح. شوف يعني أخبار موت المصريين دي تاريخ مجهول لأنه ما تزال دولة محمد علي أو بقاؤها قائمة. لكن الخلاصة، أنا من الأول قلت أن الأمور ستفلت مني، خذ الزهرة من كل بستان وامشي. سريعًا في الزراعة؛ المشكلة لما يبقى هو الزارع الوحيد أنه دخل مصر في سوق التجارة العالمي، يعني المصريين زمان كان زراعتهم تكفيهم والفائض منها يُصدَّر، دلوقتي بقوا جزءًا من السوق العالمي؛ بيزرعوا كلهم القطن، القطن ده جاب مكاسب، المكاسب رايحة للباشا، طب افرض سوق القطن لأي سبب من الأسباب ما كانتش كسبانة؟ بيخسروا وما بيلاقوش بقية المحاصيل اللي كانوا محتاجينها، ما بيلاقوش الفول ولا الطماطم ولا البقوليات ولا القمح؛ لأنهم زارعين قطن. فبقت مصر لا تكفي نفسها ولا تكفي حاجتها لأول مرة في التاريخ.

طيب الصناعة؟ هو برضه الصانع الوحيد، زي ما حصل في التجنيد كده برضه محمد علي راح حطم الحرف. الحرف زمان كانت صناعات يدوية، ما كانتش مجرد ناس بيشتغلوا، بل كانت روابط أخوية وشغل أخلاق ومعلمين وبتاع. محمد علي قال لك هنعمل مصانع، كل دول يلا على المصانع. والمصانع اللي بيعملها محتاجة عمال أكتر، فيشحن إليها الناس قسرًا، بما في ذلك النساء، بما في ذلك الأطفال، العيلة كلها رايحة تشتغل في مصانع الباشا، وفي الآخر بتبيع بالسعر اللي حدده الباشا، والباشا بيرجع يبيعهولك بالسعر اللي هو محدده؛ يعني ما حدش بيستفيد بزراعته ولا بصناعته. الإنسان المواطن العادي مش مستفيد، بل لأول مرة ينزل الذل بنساء المصريين بأن يخرجوا قسرًا إلى الصناعة. نفس الكلام في التجارة، وصارت الدولة شخصًا، الشخص ده هو اللي بيتحكم في كل حاجة فيها، وبالمناسبة مش كل المشاريع دي ناجحة، هو بيعملها بالمزاج وكثير ما بتفشل منه، وكثير مزروعات بتبوظ، وكثير تجارة بتبوظ، وكثير مصانع بتبوظ، وعادي في داهية، الخسارة في الآخر دايما رايحة على الناس.

لما هو دخل إلى السودان -أروح بقى لموضوع التجنيد- قلنا إنه أراد في البداية أن يستكثر من العبيد، طبعًا هو ما انسجمش مع الجنود الذين قدم بهم الأرناؤوط والألبان والشركس، باعتبار أنهم فيهم حالة تمرد، ناس مش متعودين على الإذلال، فأراد أن يستكثر من الجنود فذهب إلى السودان. ذهب إلى السودان للذهب، لما ما لقاش ذهب جاب جنود، الجنود زي ما قلنا كده 20 ألف بقى منهم 3 آلاف، فساعةئذ اتجه إلى تجنيد المصريين. المصريين كيف رأوا التجنيد؟ طبعًا التجنيد في جيش الباشا كان بمثابة الاعتقال، أنت أُخذت من البيت ومن القرية ومن الأسرة وبقيت جنديًا عند الباشا، ما حدش عارف هتيجي إمتى، ما حدش عارف هتموت ولا هتعيش، فضلاً عما في جيش الباشا من الإذلال؛ لأن هو برضه أراد المصريين جنودًا، لم يرد أن الجنود دول يتقدموا في الرتب، سيظل قيادات الجيش وحتى قياداته الوسيطة من الشراكسة، من الأتراك، من الأرناؤوط وهكذا، لكن المصريين جنود.

ومع الذل اللي الناس شايفاه، فصار الناس يتهربون من التجنيد، الأول بيعملوا ثورة، مثلًا يتمردون، فمحمد علي واجه هذه الثورات بكل عنف وبكل قسوة، ولأول مرة مثلًا تسمع أنه فلانة اتهمت بمساعدة الثوار فيعدمها ويعلقها عارية على مدخل القرية. ده مستوى من الإذلال ومن الفجور لم يكن يخطر ببال أحد. يعني الكسر الذي كسره المجتمع المصري وده نموذج للكسر الذي كسره المجتمع الإسلامي فيما بعد؛ علشان كده بنبدأ الفكرة دي بمحمد علي لأنه أول واحد عمل هذا الأمر، يعني هذا الأمر لم يطق نابليون أن يفعله، وفيما بعد لم يطق الإنجليز أن يفعلوه. العميل أشد شراسة من الأصيل.

العميل بيبقى أشد في اضطهاد أهله من المحتل الأجنبي، وهذه عادة مطردة. المهم، الثورات أُخمدت وبقي الناس يهربون من التجنيد؛ وبدأ يكافحها بموضوع وسائل التهرب والبطاقة التي ذكرناها ومعاقبة شيوخ البلد والعمد والقرى إذا تهرب منهم أحد. وبعض الناس لما لم تجد سبيلاً آخر، صار الواحد يقطع إصبعه أو يقلع عينه أو يضع سم فئران في عينه؛ لكي يصاب بالعمى المؤقت فيصبح غير صالح للتجنيد.

فمحمد علي كان توعد لما اكتشف هذا الموضوع بأنه الذي سيفعل ذلك سيأخذه الجيش في المهمات غير القتالية، وعاقب أولئك بمن في ذلك النساء. أنت يدك لا تستطيع ضرب النار؟ تعالِ يا ست جَدِّفي في السفن، أو ستكونين في اللوجستيات؛ لا، أنت لن تضحك علي، ولن تخرج من التجنيد. وكان هذا ذلاً.

أما عن ذوي الاحتياجات الخاصة، فكل إجراء تتخذه الدولة بالشكل هذا يحدث فيه أن الناس أحياناً تستغله لمصلحتها. فمثلاً، أنا رجل زعيم في البلد وفلان هذا أعمى بالفعل، فأروح أبلغ السلطة أن فلان هذا شلع عينيه حتى لا يدخل الجندية؛ فيأخذونه. فأخذ بالفعل بعض المرضى وبعض ذوي الاحتياجات الخاصة على هذا النمط. أنت عندك حالة من الشر ومن الظلم، وفي الآخر الناس تصفي حساباتها تحتها.

على سيرة التجنيد الإجباري، كنت قرأت أنه في الأول كان إجبارياً، وبعدين صار الجندي الذي أُخِذ غصباً عنه يرجع لابس بدلة معه سلاحه، حلو ومرتب، وصار يحكي لأهله: أنا آكل لحمة ورز مفلفل ثلاث أيام في الأسبوع، فصارت الناس تقول: أوبا، طيب ما نحن أيضاً نصير عساكر وجيشاً زيك، فصار التجنيد لاحقاً فيه رغبة وتحول إلى وطنية.

في منه هذا الكلام، لكن أريد أن أقول لك هذه هي الرواية القومية؛ دي الرواية المصرية التي تحاول أن تخفف من وقع هذه الحقيقة على الناس حين تروي التاريخ. هو صحيح محمد علي بعد ما فعل ذلك وضع حدّاً أعلى للخدمة سبع سنوات، قال لك لا أحد سيخدم أكثر من سبع سنوات، وبعد شوية قال خمس سنوات، وبعد شوية مشروعه كله انهار فسرح كثيراً من الجيوش، فالموضوع انتهى. لكن هذا الكلام فعلاً كان من وسائله؛ هو طبعاً وهو يُطعمهم ويُشربهم الآن، لا يفعل ذلك لرعايتهم هم، وإنما يفعله لجيشه. وأراد استخدام المشايخ في أنه يا جماعة لا ينفع أحد يمتنع عن التجنيد، فإن هذا جهاد في سبيل الله وأن هذا قيام بمصالح المسلمين، فبقي الخطاب الديني رغم أن محمد علي يكره المشايخ إلا أن الخطاب الديني صار يحفز الناس على ألا يتهربوا من التجنيد. وجزء من عدم تهربهم من التجنيد أنه أرجع بعض الناس في إجازات لكي يتحدثوا عما يجدونه، لكن لم تكن هذه الصورة العامة، ولا الصورة التي يمكن أن يشار إليها في وسط كل هذا الجحيم الذي عاينه الناس.

في موضوع التجنيد كان هناك أيضاً هيصة كبيرة بالنسبة للمصريين، لكن ماذا حصل عندما نشأ التجنيد؟ هنا يحدث ما هو إنشاء الجماعة الوظيفية، هذا جيش على النمط الحديث. ما معنى جيش على النمط الحديث؟ ومن الذي درب هذا الجيش؟ الفرنسيون. هو جاء بجنرال اسمه سيف وسمي سليمان باشا الفرنساوي، ولماذا سمي سليمان باشا الفرنساوي؟ لأن الناس لم تكن متقبلة أن واحداً كافراً هو الذي يدربهم ويقودهم، فأظهر إسلامه ليقول لهم أنا مسلم وتمر الأمور، وبعد ذلك ارتد بعدما ذهب في آخر حياته؛ هو طبعاً دفن في مصر بالمناسبة، لكن سليمان باشا هذا هو جد نازلي، زوجة فؤاد وأم الملك فاروق؛ نازلي هذه ارتدت بعد ذلك للنصرانية، فمن كتبوا تاريخها ذكروا أنها ارتدت وعادت إلى دين جدها، فأشاروا بهذا إلى أن فلاناً هذا ما كان مسلماً فعلاً.

الجيش الحديث يختلف في ماذا عن الجيش الإسلامي؟ أنه جيش منخلع الصلة فعلاً بالقيم، ومنخلع الصلة بالدين. محمد علي رفض أن يتجند طلاب الأزهر، الناس الذين يعرفون دينهم وعندهم دين هؤلاء معفيون من التجنيد، ولذلك كان الإقبال على الأزهر من وسائل الهروب من التجنيد؛ ففي ذلك الوقت غصت أروقة الجامع الأزهر بالطلاب، وصار لا يُعرف هل الذي يطلب العلم يطلبه للعلم أم يطلبه هرباً من التجنيد.

فنشأ الجيش على النمط الحديث العلماني، الذي هو: أمر القائد أمر مقدس مهما كان؛ وهذه طبعاً مفارقة ضخمة للجندية الإسلامية. طبعاً أنت عارف الجندية الإسلامية بُنيت على، أو أظهر ما فيها قول النبي صلى الله عليه وسلم «لا طاعة لمخلوق في معصية الله». عندما واحد من الجيش قال له: أمرنا أميرنا بكذا، وكان أمراً مخالفاً للشرع، الأمير أشعل ناراً وقال لهم: ادخلوا فيها، فامتنعوا؛ قال: ألم يأمركم رسول الله بطاعتي؟ فقالوا له: إنما دخلنا الإسلام لنخرج منها. ثم عادوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا له ذلك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لو دخلوا فيها ما خرجوا منها، لا طاعة لمخلوق في معصية الله، إنما الطاعة في المعروف».

نشأة الجيوش الحديثة عامة هي نشأة الجيوش التي يتقدس فيها أمر القائد، والجندي الكفء المحترف هو الجندي الذي ينفذ أمر القائد مهما كان لا أخلاقياً. ولأجل ذلك محمد علي كافأ جندياً قتل أباه؛ وهو في ثورة، فالجندي أُرسل لإخماد ثورة في قريته، فالجندي قتل أباه، فكافأه محمد علي؛ لأنه هذا الجندي المثالي المحترف.

الأثر الثالث أنه عمل ما يسميه المسيري الجماعة الوظيفية؛ أنت عندما تأخذ من ناس قسماً وتضعهم في سياق خاص وتعطيهم قيماً خاصة وتلبسهم زياً خاصاً وتعطيهم مزايا خاصة، الجماعة هؤلاء سرعان ما يتحولون إلى جماعة خاصة منفصلة عن المجتمع؛ فلذلك، وهذه بالمناسبة حاجة عملتها كل الدول، فيبقى هناك مزايا للجيش ونوادٍ للجيش ومطاعم للجيش ومزايا خاصة للجيش، كل هذا ينشئ الجماعة الوظيفية بتعبير المسيري، يعني الجماعة التي ليس لها جذور اجتماعية والتي تستخدمها الدولة في السيطرة على المجتمع.

هذا الجيش المصري بدأ جمعه في العشرينيات 1820م. أول ما ظهر، ظهر إنجازه أو ظهرت انتصاراته على الدولة العثمانية في فترة 1830م إلى 1840م، التي هي الفترة التي غزا فيها محمد علي الشام؛ لأنه كان هذا كله بالجيش المصري، وقبل ذلك أيضاً كان في المورة في اليونان.

أريد أن أقول شيئاً مهماً جداً؛ هو سيطر اقتصادياً وبنى جيشاً وضبط وجنّد وأجبر وطحن وعجن المجتمع. واضح أنه في مشروع، وهناك عبارة كبيرة اسمها مشروع محمد علي، ومشروع محمد علي انهار. ما هو مشروع محمد علي؟ يعني ماذا كان في رأسه؟ وماذا كان يعمل؟ لكي نأتي ونمسك الجيش ونبدأ نقاتل العثمانيين ونذهب إلى الشام ونسيطر وندخل إلى الأناضول. هل كان له مشروع؟ لو أردنا أن نلخصه بجملة يا أستاذ محمد؟ لا، لن ينفع أن نلخصه بجملة، لأن مشروع محمد علي هذا هو الأمر الذي بُنيت حوله روايات التاريخ فيما بعد ذلك.

كل واحد جاء بعد محمد علي نسب إليه مشروعاً. هل الرجل جاء وفي رأسه شيء، مفهوم أنه مثلاً أنا أريد أن أحكم كل مصر وكل بلاد الشام والعراق وأسقط الدولة العثمانية وأصير أنا السلطان وأصير أنا الدولة المسلمة؟ في شيء مثل هذا أم لا؟ أم القصة كبرت في رأسه شيئاً فشيئاً؟ ظني أنها كبرت في رأسه شيئاً فشيئاً، هذا ترجيحي.

لكن المشكلة أين؟ المشكلة أن كل قوم أصحاب فكر أسبغوا على محمد علي مشروعاً من عندهم. وهذا يجيبنا على سؤال: لماذا اتفقت أطراف عديدة على تلميع محمد علي؟ لماذا صار محمد علي ممدوحاً على ألسنة ناس مختلفين؟ نحن قلنا إن محمد علي هذا أول إنهاء للمجتمع الإسلامي وأول بداية للمجتمع العلماني أو الدولة الحديثة أو المركزية.

المؤرخون الوطنيون المصريون يحبون أن يلمعوا محمد علي رداً على ودخولاً في جدال مع الاحتلال الإنجليزي الذي سيطر على مصر 70 سنة؛ الإنجليز لما سيطروا على مصر كانوا يقولون: نحن الذين رقينا مصر ونهضنا بها وعملنا فيها إصلاحات. أي أحد يريد أن يطرد الإنجليز يقول لهم: لا، مصر كانت والله عندها نهضة وعندها إصلاحات وعندها غنى وثراء وقوة من قبلكم، حتى انظروا إلى محمد علي. فجزء من تلميع محمد علي هو جزء من السجال الذي كان حاصلاً بين المدرسة الوطنية ومدرسة الاحتلال الإنجليزي.

أما القوميون العرب في أيام القومية العربية، فيقولون إن الدولة العثمانية كانت دولة ضعيفة وأدخلت العرب في الهم والغم، وانظروا، محمد علي كان صاحب مشروع إنشاء خلافة عربية، صاحب مشروع نهضة عربية، وهذا رجل ثار في المناطق العربية وأحب أن يستولي على السودان وعلى الحجاز وعلى الشام، فكانت محاولة إنشاء نهضة عربية ضد العثمانيين؛ يبقى حتى المدرسة القومية تعلقت بمشروع محمد علي ونسبت إليه إنشاء نهضة عربية وخلافة عربية.

ويبقى هناك بعض الإسلاميين الذين يرون أن محمد علي كان مشروع تجديد الخلافة العثمانية، يقول لك هو رأى الدولة العثمانية ضعيفة، والدولة العثمانية كانت تنهزم، فأخذ ما عند أوروبا من مواضع القوة وأراد أن يجدد الخلافة الإسلامية من عاصمتها، عاصمة الخلافة السابقة عليها، وهي القاهرة.

أما الجماعة العلمانيون الذين يرون أن محمد علي هذا أول واحد حذف الدين قليلاً وكسر المشايخ وكسر الأزهر وجاء بالتغريب وجاء بأوروبا، يرون أن محمد علي هذا هو بداية الانفتاح الممتاز على الغرب، والحاجة التي لم يعرف نابليون أن يعملها، عملها محمد علي؛ فبالتالي محمد علي هو باني مصر الحديثة، وهو أول واحد أخرج مصر من ظلام العصور الوسطى ومن ظلام الحكم الإسلامي إلى عصر التنوير والأخذ بأسباب القوة الأوروبية.

فعندك عدد من الأطراف اتفقوا على محمد علي، لكن كل منهم نسب إليه مشروعاً. لكن تفتش عند محمد علي نفسه ماذا كان يريد أن يفعل، لا تجد أكثر من أنه كان يريد ملكاً له ولأولاده من بعده؛ لا تتبين عنده أي مشروع، لا مشروع نهضة، ولا مشروع تجديد الخلافة. ممكن يكون فكر أن يكون هو الرجل القوي في الدولة العثمانية، على نمط البرامكة أيام العباسيين، أو على نمط بدر الجمالي أيام الفاطميين، أو على نمط المنصور بن أبي عامر في الأندلس، الوزير القوي البطل الذي يمكن أن يكون هو الشخص القوي في الدولة العثمانية؛ يحتمل الكلام الوارد عنه أن تتصور أن ذلك كان من أهدافه.

لكن الثابت بيقين أنه في أيامه لم يكن هناك شيء اسمه وطنية أصلاً، وفي أيامه لم يكن هناك شيء اسمه قومية عربية أصلاً؛ فهو بالنهاية حاكم عثماني، والي عثماني، لكن أراد أن يكون الوالي الأقوى. لكن لم يفكر أن يأخذ الخلافة لنفسه، لم يفكر أن يزعم الخلافة لنفسه، لم يفكر أن يعمل خلافة عربية، لم يفكر أن يعمل دولة مصرية؛ هذا هو أصلاً يتكلم عن المصريين باحتقار، في الوثائق المنشورة عنه هو يرى أنه يحكم شعباً من البهائم، ويكلم الأجانب ويقول لهم: أنا أفضل لكم من السلطان العثماني، السلطان العثماني متعصب دينياً لكن أنا منفتح.

فمحمد علي لا عنده طبعاً مشروع إسلامي، ولا عنده مشروع عربي، ولا عنده مشروع وطني، هو عنده مشروع لمجد شخصي أن يكون الحكم له ولأولاده من بعده. ودليل ذلك الكبير أنه بمجرد أن حصل على هذا الاعتراف من الدولة العثمانية، أنهى مشروعه، وحل جيشه، وسرح جنوده، وفكك ترسانته البحرية، ولم يبق من دولته إلا الاستبداد.

ويرضى أنه يتخلى عن مصادر قوته لو لم يتحقق هذا المشروع. طيب أنت لقيته رضي وتخلى عن مصادر قوته، فهمت إيه؟ فهمت أن مشروعه قد تحقق، أن هو دولة له ولأولاده من بعده التي هي مصر والسودان. فبالتالي هذا الذي يدعم احتمال أن هو ده مشروعه الأصلي، وأنا قلت لك أقصى ما يمكن تخيله في مشروعه هو أنه يبقى الرجل القوي.

هناك شيء مهم في حياة محمد علي أو في الأمور التي أدخلها ينبغي أن نتوقف عندها، وهي استكثاره جدًا من الأجانب ومن اليهود في بلاطه، حاشيته غاصة بالأجانب وكثير منهم كان من اليهود. شو السبب؟ ما هو أنا أقول لك أن هو كان معجبًا شديد الإعجاب بالأوروبيين وكان على نمطهم، وكان يستكثر من خبرائهم ومن فنييهم ومن عسكرييهم وهكذا. فيما يخص السبب، يعني سببين، السبب الأولاني هو أنه كان يعرف أنه منكر ومنبوذ وغير مقبول من المجتمع، فبالتالي سعى في تمكين الأقليات. نفس الفكرة التي كان عملها نابليون قبل كذا، أنك لما يبقى أركان الحكم عندك من الأقليات، فهؤلاء الأقليات تلتصق بهذا الحكم وترى أن حياتها منوطة بحياته.

أشد من ذلك يا أبا الحارث، سياسته التي طبعًا برضه مما يجب أن لا أنساه أن محمد علي عمل اللي ما كانش عمله نابليون برضه من فتح الشوارع، فتح الشوارع لكي تكون المدينة كلها مدينة مكشوفة ومدينة قادر على أن يصل إليها في أي وقت، هذا جرى تنفيذه في عهد محمد علي في القاهرة. طبعًا كل ده يوصف في كتب التاريخ المادحة باعتباره تطويرًا وتحسينًا وحداثةً للقاهرة وتحويلها إلى مدينة حديثة.

طيب، من سياساته أيضًا السنوات التي حكمها الشام التي هي من 1831 إلى 1840، هذه السنوات العشر كانت السنوات التي شهدت بذرة إنشاء الدولة اليهودية، وهذا جانب حقيقة قل من يذكره في تاريخ محمد علي. كلام مهم وأنا مش هعرف برضه أقول كل التفاصيل، فلذلك أنصح بالعودة إلى ما كنت ذكرت ذلك في كتابي خلاصة قصة فلسطين، وذكرت ذلك في كتاب في أروقة التاريخ، في أكثر من بحث في كتاب في أروقة التاريخ: بحث عن التأسيس للنفوذ الأجنبي في الشام أيام محمد علي، والبحث الثاني تعامل محمد علي مع أوقاف بيت المقدس.

ستفاجأ يا أبا الحارث، ستفاجأ بأنه 10 سنين محمد علي دخل الشام، رفع من شأن الأجانب على الرعايا، وبالنسبة للرعايا رفع من شأن اليهود والنصارى على المسلمين. عجيب أمره، عجيب أمره. والجبرتي يذكر حتى في مصر أن الجمارك كانت تأخذ ضرائب على تجارة المسلمين 10%، بينما تأخذ الضرائب على تجارة الأجانب 2.5%.

هو اللي سمح لليهود يوصلوا لحائط البراق ولا ابنه؟ هو، هو بس ابنه كان موجود هناك، إبراهيم باشا، لأن هو اللي احتل الشام. شوف القصة التي قلتها دي قصة مهمة ومعبرة، إيه اللي حصل في موضوع البراق؟ موضوع حائط البراق، واحد يهودي أراد أن يبلط مكانًا أمام حائط البراق، طبعًا المسلمون رفضوا، مجلس شورى القدس المسلمون رفضوا، فظل الرجل اليهودي استعان بالقنصل الإنجليزي. القنصل الإنجليزي كلم محمد علي، لك أن تتخيل واحد يهودي عادي عايز يعمل حاجة، ما فيش حد في كل الشام ولا كل السلطة، أصدر قرار كلهم رفعوه لمحمد علي، ومحمد علي مكنه أن يفعل ذلك، يبلط. والمجلس الشورى يقول هذه أرض وقف إسلامي وتعطل الوصول إلى وقف أبي الغوث، وهذه أمور ما كان مثلها، يعني ما حصلش قبلها زي كده.

محمد علي في فترة السنوات هذه، أول مرة تنشأ قنصلية إنجليزية في القدس، أول مرة يبقى في وجود أجنبي في القدس، محمد علي أول من فتح هجرة اليهود إلى بيت المقدس، وفي بيت المقدس في هذه العشر سنوات انقلب الميزان الاجتماعي، يعني صار اليهود أغلبية وبعدهم النصارى وبعدهم المسلمون. لأول مرة يمنع التجارة العثمانية ويسمح بالتجارة الإنجليزية والفرنسية أن تتوغل إلى الشام. العثمانيون ما كانوا يسمحوا للتجار الأجانب أن يدخلوا إلى الشام ولا للقناصل الأجانب أن يدخلوا إلى الشام، محمد علي سمح لهم وأدخل القنصل الإنجليزي في موكب هائل وهادر.

القرية إذا تمردت على محمد علي في الشام، يعزل النصارى واليهود ويعاقب المسلمون وحدهم. طب القرية كلها نصارى؟ لا تعاقب. اليهود أنفسهم اختلفوا، هذه الأعداد المتدفقة وهذه الأموال المتدفقة، نعمل بها كنيسة يهودية جديدة ولا نعمل بها مساكن لليهود المتدفقين؟ لأنه هو أول من سمح بالهجرة بالاستكثار من الهجرة اليهودية، وهو أول من أدخل الأجانب إلى الحرم الإبراهيمي، إلى مصلى عمر أقصد في بيت المقدس، تحت رعاية الشرطة، كل هذه كانت طبعًا ثوابت عمالة تتكسر وتتفجر.

المحجر الصحي الذي أنشأه في يافا جعل ريعه للرهبان، أوقاف المسلمين كان يستولي عليها، أوقاف النصارى واليهود كان يرعاها وينميها. جرد المسلمين من السلاح وأبقى السلاح مع اليهود والنصارى. نقول إيه يعني؟ عجيب عجيب. واحد مؤرخ دمشقي مجهول كتب كتاب اسمه مذكرات تاريخية، مما لا أنساه من قوله يقول فيه في لحظة استقبال هائل للقنصل الإنجليزي في دمشق: حتى كاد المسلمون تفقع مرارتهم، ويقولون هل انتهت أيام الإسلام؟ واحد شاب فلسطيني خرج صعد في نابلس إلى الجامع الكبير في نابلس ومعه صليب كبير، وضع الصليب على الجامع وهو يقول هل انتهت دولة الإسلام؟ ألا من مسلم يقوم إلى هذا الفاجر الزنديق إبراهيم باشا فيقتله؟ وصار الناس يقولون انقضت دولة الإسلام، خلاص. محمد علي حكم احتلالي بحت وأشياء كثيرة ما تزال غير مفهومة.

بالمناسبة أنا إلى الآن طبعًا في وثيقة شفتها ولا أدري معناها وتحتاج إلى بحث أكثر، لكن طبعًا الأمر يحتاج إلى الوجود في القاهرة لظروف ما، بقى مش هنتكلم فيها كثير. في مؤرخ لبناني مسيحي اسمه أسد رستم عمل كتابين عن وثائق دولة محمد علي، كتاب اسمه الأصول الملكية المصرية وكتاب اسمه وثائق الشام في دولة محمد علي أو حاجة زي كذا، واحد خمس مجلدات والثاني أربع مجلدات. المهم عمل إيه؟ بيصف الوثائق يصفها وصفًا، يقول لك وثيقة تقول كذا وكذا وكذا، وثيقة تقول كذا، فمن ضمنها وثيقة رسالة من يهودي إلى محمد علي تشرح له أخبار الشام والعراق وفارس، وده قبل ما محمد علي يروح الشام. طب السؤال هنا إيه علاقة اليهودي بمحمد علي؟ ليه في حد يهودي يبعت لمحمد علي بأخبار الشام والعراق وفارس؟ وهل فعلاً واحد يهودي فقط هو الذي يستطيع أن يحكي أخبار الشام والعراق وفارس؟ ولا ده كان زعيم تنظيم أو زعيم جماعة أو على الأقل رئيس عدد من العيون والجواسيس؟ دي مثلاً وثيقة تهدي إلى تحتاج إلى البحث وراءها كوثائق محمد علي ما يزال غير مفرج عنها.

يعني إلى الآن في مصر هناك تعقيدات كثيرة في الحصول على الوثائق، وأغلب الذين حصلوا على الوثائق حصلوا عليها لكونهم دارسين من جامعات أجنبية. يعني إلى الآن كثير من الوثائق دائمًا للأجنبي، يا أخي هي العقدة والله العظيم. طيب، الأستاذ محمد، آخر حاجة، واحد يهودي اسمه موسى مونتفيوري كان رجل أعمال كبير في وقتها زي موردوخ والحاجات دي اليومين دول. الراجل ده أول ما شاف الدنيا مزهزهة كده في الشام، طلب من محمد علي أن يعطيه 300 قرية إيجارًا في فلسطين. محمد علي قال له مع الأسف القصة دي مش من صلاحياتي، القصة دي من صلاحيات السلطان، أنت إيه رأيك هات الموافقة من السلطان بأي ضغط أجنبي وأنا أعطيك فيها حكمًا ذاتيًا. اللي هو أحلام سيادتك بكره أنا بنفذها لك دلوقتي.

وقد كانت هذه هي السنوات العشر التي نشأت فيها فكرة إنشاء دولة لليهود في فلسطين، هي دي. يعني قبل كده كانت الفكرة دي عند الدراويش والحاخامات والشعراء قبل كده، إنما الشوات دول هم الذين أنبتوا فكرة تأسيس دولة لليهود في فلسطين عند السياسيين بقى وفي البرلمان وفي الصحافة. نعم، يعني أقول أنا سمعت أنه موسى مونتفيوري هو بعد ما عمل هذا الإجراء كان بده يعمل مستشفى وقفية أشياء زي هيك، وبعدين جابوا فرمان من السلطان وعملوها مستوطنة مش مستشفى، شيء زي هيك، يعني قصة. شوف الـ 300 قرية دول حاجة غير الحاجات التي اتعملت في القدس وما حولها، الحاجات التي اتعملت في القدس وما حولها معاصر ومصابن ومصانع ومعامل ومدارس، كل هذا لإنشاء نخبة يهودية، اتعملت بتمويل اليهود واتعملت في ظل محمد علي.

مجلس شورى القدس الذي كان يحكم القدس، لأول مرة محمد علي يدخل فيه يهود ونصارى ليكونوا جزءًا من الحكم في القدس. في حادثة مشهورة مش هقولها بقى خليها مفاجأة للناس أو يدوروا عليها اسمها حادثة الباديري، واحد ثبت عليه تهمة القتل محمد علي عفا عنه. شوف تعرض المسلمون لمهازل وعجائب وغرائب، لدرجة أن السيد المسلم كان يدخل في حماية من كان سائس فرسه يهودي أو نصراني. الجيش، إبراهيم باشا ده كان يقتحم المساجد ويجعلها إسطبلات خيل، ولا يقترب من الكنائس ولا من الأديرة. كل ده المصادر التي أنا بتكلم فيها دي كلها مصادر ناس محبين لمحمد علي أو مصادر وثائق، وأنا الآن أشير إلى الأماكن التي ذكرتها بتفصيلها علشان اللي مش مصدق أو مندهش يرجع إليها.

طيب، نحن لنا حوالي ساعة و50 دقيقة بنحكي، عارف شرحناه لمحمد علي. بده يقول لك واحد يا أخي هو ما عنده شيء كويس؟ ولم نوفه حقه بالمناسبة، والله العظيم ولم نوافه حقه. طيب ما برضه في أنصار محمد علي، أنصار محمد علي واقفين قاعدين بيسمعونا، بيقول لك يعني معقول يعني هالزلمة ما عمل ولا شيء كويس؟ طب ما هو الذي يحسب له وبدون مبالغات: بنى دولة مركزية حقيقية، فأنهى فوضى المماليك، وعمل تعدد لمراكز القوة، وعمل إدارة موحدة، وجيش نظامي، وعمل بيروقراطية حديثة، ما هي نحن البيروقراطية بنشوفها شيء مش كويس لكن في ناس بيشوفوها شيء كويس، وبالتالي عمل تحول تاريخي حقيقي يعني لا يمكن إنكاره هكذا يقولون. طيب شو عمل كمان؟ تحديث عسكري وصناعي مبكر، عمل تجنيد إجباري، عمل مصانع للسلاح، عمل ترسانات، عمل بعثات تعليمية، بدأ يودي الناس تدرس بره، بعثات كانت في الطب وفي الهندسة وفي كل الصناعات الدفاعية، وبالتالي هو اللي أخرج مصر من العصور الوسطى عسكرياً. عمل استقلال حقيقي يا سيدي عن العثمانيين، العقده اللي كل ما تنحكى كلمة عثمانيين يغمى علينا، بيقول لك هو اللي عمل استقلال حقيقي عن العثمانيين، مضبوط ولا لا؟

وبالتالي خاض حروبًا ضد الدولة العثمانية، هدد إسطنبول نفسها، أجبر القوى الأوروبية على التدخل مشان يحلوا مشاكلنا. وبس يا سيدي، ما هو دخل الطابعة كمان، أنا والله نسيت شو اسمها، جاب طابعة وصار في عنا طابعة، نابليون بونابرت متذكر فكها وأخذها معه، لكن هذا الزلمة جاب لنا طابعة، مش هي كلها أشياء إيجابية؟ لذلك هو يسمى باني مصر الحديثة، لماذا ننكر هذا الكلام؟ معقول ما فيش سلبيات صح، اللي أنت حكيته موجود في الكتب والوثائق، لكن برضه الزلمة حكم، وهذا حكم بعيدًا عن المعيار الأخلاقي، أنا بحكي نحن كمسلمين لا نستطيع أن نفك عن المعيار الأخلاقي قطعًا، لكن بمنطق دولة بعيدًا عن المعيار الأخلاقي، مش اللي عمله أي حدا بده يحكم؟ أنا جاي لحالي بدي أحكم، ما لازم أسيطر عليكم؟ لازم أسيطر على كل شيء.

وبتعايرني ليش أن مشروعي فشل بالآخر؟ عادي ما يفشل بعد 40 سنة، ضحكت على الكل 40 سنة. تمام، صلي على النبي. اللهم صل على سيدنا محمد. الجدال ده متكرر، كل ما بقعد مع حد ونجيب الكلمتين دول، يطلع حد يقول يا أخي ما لوش أي مزايا؟ يا أخي خليك منصف! يا أخي مش عارف إيه! شوف يا مولانا، كل اللي أنت ذكرته ده هي مزايا من وجهة نظر الجماعة اللي أنا بقول لك عليهم، إما علمانيين، إما وطنيين. هو بيقول لك أسس لاستقلال حقيقي عن الدولة العثمانية، أيوه، أنا لو وطني مصري، بتاع مصر أم الدنيا وإحنا أولاد الفراعنة، أيوه طبعًا دي ميزة. ولكن تعالى دلوقتي قول حصلت في الإسكندرية تمرد، واستطاع بطل سكندري أن ينتزع الإسكندرية من مصر.

أنت أيها المصري شايف دي بطولة، ولا شايف ده تمرد، ولا شايف ده تمزق، ولا شايف ده تفرق، ولا شايف ده إيه؟ شايف ده استقلال حقيقي للإسكندرية؟ عارف لو الراجل اللي انتزع الإسكندرية ده عاش 100 سنة أو 200 سنة؛ هيكتب تاريخه وأسس لاستقلال حقيقي للإسكندرية، ورفع الاحتلال المصري عن مدينة الإسكندرية العريقة التي بنيت قبل أن تبنى القاهرة، ورجعنا إلى حضارة البحر المتوسط وإلى ذكرى الإسكندر المقدوني العظيم. إيه ده؟ ده بالنسبة لعموم المصريين إيه؟ دي بطولة، دي بطولة ولا تفتيت للأوطان وتمزيق للأوطان وتفريق للشعوب؟ مين يا جماعة أيام محمد علي كان يحب أن يستقل عن الدولة العثمانية؟ ما فيش، هو حتى محمد علي نفسه. فانا أقول لك اللي عمال يتكلم بهذا المنطق، بيتكلم من وجهة النظر بتاعة الدولة الوطنية الحديثة.

اللي شايفه إن ده محمد علي يعني طيب مثلاً؛ فكرة إنه أنشأ بيروقراطية، طب أنشأ بيروقراطية دي حاجة كويسة ولا وحشة أصلاً؟ ده أنا لا أستغرب إن اللي فرحان إن محمد علي أنشأ بيروقراطية ده، هو نفسه دلوقتي ممكن لما تقول له إيه الحل لمشاكل مصر، يقول لك تخفيف الترهل الوظيفي وتقليل عدد الموظفين علشان نوصل للحد العالمي، اللي هو موظف لكل 60 أو 600 مش فاكر يعني. طب ما هي الدولة العثمانية كانت بيروقراطية في ذلك الوقت، ما كانتش بيروقراطية في ذلك الوقت؟ في ذلك الوقت الدولة العثمانية نفسها ستبدأ تدخل إلى التغريب وإلى الدولة الحديثة، من أحد عوامل تأثرها محمد علي. هزمها، محمد علي بجيشه وإدارته استطاع أن يهزمها، ده جزء من الدخول؛ مثلاً هتبدأ حالة التحديث بعد القضاء على الانكشارية 1825-1826 مع محمود الثاني، وهيجي فيما بعد بقى عبد المجيد، وفي عندك 1839 وفي عندك 1856، لعلنا نأتي له في حلقة قادمة إن شاء الله، أو لعلنا تناولناها في حلقة الضعف بتاع الدولة العثمانية، اللي هو إن أنت بتلغي الشريعة عملياً، ما بتلغيهاش نظرياً يعني، وتساوي بين الأقليات وبتبدأ تعمل تراكم وظيفي كبير.

هو أساساً ليه يبقى عندنا موظفين كتير؟ ما هو هذا هو الفارق، أو هذا هو عدم إدراك الفارق بين ما كنا عليه وما صرنا إليه دلوقتي. يا جماعة، هل من مصلحة الشعوب والمجتمعات أن الدولة السلطة تبقى مسيطرة على كل تفصيلة فيها؟ مش إحنا دلوقتي الناس عمالة تعاني من أن كل مصلحة بتتعمل لازم لها من كم إمضاء وكم ختم وكم تصريح وكم مشوار؟ مش الناس بتعاني من كده؟ مش كل الناس التي تنادي بالأتمتة والدخول في الميكنة بتحاول توفر على نفسها كل هذه التفاصيل؟ طيب أصلاً ليس كان شيئاً خاطئاً، ولم يكن شيئاً صحيحاً أن الدولة تبقى مسيطرة على كل شيء، لكن الدولة علشان تبقى مسيطرة على كل شيء بتنشئ جهازاً إدارياً يزداد توسعاً وتضخماً. الموظفون بيبقوا طبقة ثقيلة موجودة لأنها تزداد تضخماً وتوسعاً علشان تبدأ تتابع كل حاجة وتشرف على كل حاجة، ولما تتابع كل حاجة وتشرف على كل حاجة بيبقوا محتاجين اللي يراقبهم، وبتبقى محتاج قدر هائل من التفكيك، قدر هائل من زيادة الموظفين وزيادة مؤسسات الرقابة علشان تسيطر على كل حاجة في المجتمع، وتسيطر برضه على حالة الموظفين، يبقى الحاكم هو الفاسد الوحيد.

دلوقتي أي دولة فيها قدر كبير من الموظفين، هتلاقي عندها أكثر من جهاز رقابي علشان حتى يمنع التواطؤ بين الجهاز الرقابي وبين الموظفين أنفسهم. طيب الموظفين دول أنفسهم عملوا برضه تأثيراً اجتماعياً خطيراً، لأن أنت بدل ما كان، أديلك مثال بسيط، دلوقتي أيهما كان أفضل؟ أتخانق أنا والشيخ مراد فنروح للقاضي الشافعي ولا الحنبلي فيحكم في جلسته، أو يحكم من يومه الثاني أو الثالث، ولا نروح للمحكمة الحديثة اللي ممكن تحكم لي بعد سنتين أو 20 سنة؟ في ناس قضاياها موجودة 20 سنة والقضايا عمالة تتأخر. طيب ليه الناس؟ وعايز أقول انظر كيف أن الناس لا يشعرون بالفساد الموجود لما تبقى الدولة متحكمه في كل حاجة، وسايبة لك مسار واحد بس للتقاضي، ومسار التقاضي ده بيجبرك على إجراءات وبيجبرك على محامين وبيجبرك على الانتظار من النظام اللي كان قبل الدولة الحديثة. نفس الكلام بالنسبة للبيع والشراء، دلوقتي البيع والشراء بدل ما كنت أبيع وأشتري من الشيخ مراد بسهولة، بقيت دلوقتي لازم تسجل عند الدولة، ولما تسجل عند الدولة الدولة تأخذ منك مصاريف التسجيل؛ ما هي الدولة هتصرف على الموظفين من عندها؟ هتصرف منين؟ ما هتصرف من فلوس الناس، وأحياناً الدولة تروح داخلة شريك، عارف أنت لما تشتري شقة مثلاً ولا لما توزع ورث ولا لما بيحصل إيه، الدولة لها نسبة كذا على كل عملية بيع وشراء. أيهما أفضل للناس؟ ليس جيداً، ليس جيداً، ليس من صالح المجتمع أن الدولة تبقى متوغلة، وأن الدولة تبقى مسيطرة على التفاصيل، وأن الدولة يبقى عندها جيش من الموظفين اللي هم فعلياً بتبقى طبقة مترهلة، وطبقة ملتصقة بالدولة، وطبقة قليلة الكفاءة في عمومها، يعني دي قصدي مشاكل الموظفين كما ظهرت في كل الدنيا مش بس ظهرت عندنا.

ساعتها بقى، عايز أقول لك إيه، وجهة النظر اللي عايزة تشوف التاريخ ده أو عايزة تشوف ده إصلاح، يقول لك في بيروقراطية ما فيش فوضى، حقيقة لا دي بيروقراطية ناجحة ولا اللي قبلها كان فوضى، على العكس. طيب، الجيش وصل عدده 236 ألفاً، أو مش عارف كم رقم ضخم، أكبر من جيش الدولة العثمانية، كويس. لكن هو بيحكي لك إنه أنا، أيوه بس الجيش ده خذ بالك عمل إيه؟ الجيش ده ماشي أنا عارف أنت محمد علي والجيش وصل في بعض الأرقام لـ 370 ألفاً، خلاص ماشي، لكن لما ألاقي الجيش ده لم ينتصر إلا على المسلمين، ولم يذبح إلا في المسلمين، وأول ما يواجه كفار فرنسيين وإنجليز يروح مهزوماً، قو لي هذا أمر جيد ولا سيئ؟ سيئ طبعاً. طيب، لما تعمل جهاز شرطة قوياً لكن جهاز الشرطة القوي ده والمحترف مش نافع ومش فالح في أكل حقوق الناس واضطهاد الناس أو إذلال الناس، نعم. فلذلك الأمور أيضاً لا بد أن تقاس بمقاصدها، يعني عارف أنت مثلاً واحدة متزوجة واحداً وكل يوم مبهدلها ومشرّدها ومطلعها في الشارع وبيضربها، دي لو فكرت في الطلاق يجي واحد يقول لها إيه: «ظل راجل ولا ظل حيطة»، ده طبيعي، هو الإنسان الأمر بمقصوده، لو في حاجة بتعمل عكس مقصودها ما يبقاش ميزة.

قال لك أي نعم هو عمل دولة قوية لكن الناس كانوا مستخدمين ما كانوا شركاء بالدولة. والسؤال إني أنا بدي أعمل دولة، هو الناس أنا بحكي بمعزل عن المنطق الأخلاقي والديني، أنا بدي أعمل دولة، لازم أجيب الناس يشاركوني في القرار، ما خلص أنا بعملها لحالي أنا. هو الأصل أن المسلمين ما ينفعش أن نفك من المنطق الأخلاقي، لا لا ما ينفعش، أنا بأكد هذا الموضوع طبعاً، حلو حتى لو رايحين للمنطق المادي، الدولة دي في خدمة الناس ولا الناس هي اللي في خدمة الدولة؟ الدولة في خدمة الناس، آه طيب ما هو ده مش اللي حصل، اللي حصل إنه خلى الناس في خدمة الدولة تماماً، يعني هي دولة محمد علي دي نشأت بالأساس لخدمة الجيش؛ فهو عايز يعمل جيشاً كبيراً فبالتالي عمل إحصاء، فبالتالي عمل مستشفيات لما الجنود بدأت تنتشر فيهم الأمراض، فبالتالي بعث اللي يتعلم الطب أو اللي يدرس الطب، فهو خلى الناس في خدمة الدولة.

عارف زمان في مثل لطيف أفتكره دائماً للدكتور مصطفى محمود الله يرحمه، بيقول لك في معضلة حصلت عند الأطباء في بريطانيا، واحد عنده مرض وهذا المرض نحن لسه ما اكتشفنا له علاجاً، جاء واحد دكتور صيني وراح جايب نبات وقال النبات ده لو حطيناه على الإكزيما دي بيزول تماماً، حصل انقسام في بريطانيا؛ ناس بتقول تعالوا يا جماعة نستخدم هذا الدواء الذي ثبتت فاعليته، وناس بتقول دي خيانة للمنهج العلمي، الدواء ده لازم نفحصه ونعرضه لاختبار السميات واختبار واختبار ولما نطمئن إن ما فيهوش كل هذه الأمور ساعتها نستخدمه، طب والراجل اللي بيموت؟ مش مشكلة لكن ما نخرق المنهج العلمي، فهنا ظهرت فكرة هو الطب ده في خدمة الإنسان ولا الإنسان في خدمة الطب؟ هي دي الفكرة، أنت دلوقتي بتعمل دولة علشان تعمل أو أنت بتحب يبقى فيه دولة علشان إيه؟ علشان تزيد من قهرك والتحكم فيك والسيطرة عليك، ولا علشان الدولة دي تخدمك وتنفعك؟ الذي حصل على الأقل في عالمنا العربي والإسلامي إن الدول التي نشأت والنموذج الأول لها كان محمد علي، هي دول نشأت للسيطرة على الإنسان ولقهر الإنسان ولإذلال الإنسان ولامتصاص كل الموارد، فبقت الناس كالأسرى.

سؤالنا الأساسي والرئيسي أستاذ محمد كان حول الخلاف حول شخصية محمد علي، يعني هل نحن مختلفين حول ما أنجزه ولا حول الثمن الذي دفعه المجتمع مقابل ذلك الإنجاز؟ فأنت وضحت لنا إن هذا المشروع اللي اسمه مشروع محمد علي كلّف المجتمع ذلاً وتراجعاً ونتج عنه بالأخير شيء اسمه الاحتلال الإنجليزي، نعم، يعني فشل المشروع حتى ضعفت الدولة العثمانية وضعفت دولته هو، ووصلنا لشيء اسمه الاحتلال الإنجليزي. أيوه أنشأ ما قد يندرج تحت كلمة مالك بن نبي القابلية للاستعمار، نظرية مالك بن نبي في إنه الاستعمار لا يأتي إلا على أوضاع تجعل، هو هذا الذي فعله محمد علي، يعني لما محمد علي، عارف أنت أقول لك زي إيه كده مثلاً، يعني مثل بسيط اعتبر يا سيدي في خمسة ستة بيدافعوا عن هذا الاستوديو ضد أي هجوم، فواحد قال لهم لا أنا هتولى الدفاع عنه وراح لامم أسلحتهم وأنتم خليكم قاعدين، وبعدين راح هو أخذ أسلحته ومشي أو على الأقل يا سيدي قاتل وهزم، حصل إيه؟ انتهى الأمر، فهو هذا هو الذي حصل، بعد ما كان فيه توازن في المجتمع محمد علي مص كل ده فخلاه لا موجود فيه هو، وهزم وانهارت بعده البلد.

في شغلة كنت قرأتها برضه هيك لجماعة اللي بيحبوا التلميع، إنه أكبر دليل على إن فترة محمد علي باشا كانت فترة ناجحة أستاذ محمد، إنه الأوروبيين أنت بتعرف كان من مصلحتهم الحقيقية إن تسقط الدولة العثمانية لكن لا تسقط بيد رجل قوي، لذلك أطالوا في عمرها ووقفوا معه عشان ما يجيش الرجل القوي، إذاً محمد علي رجل قوي وناجح، هيعمل دول، بارك الله فيك. والله برضه ده سؤال مهم وما كانش ينفع الحلقة ما تتناولهوش، السؤال لماذا وقف الروس والإنجليز وفيما بعد الفرنسيين مع الدولة العثمانية ضد محمد علي؟ هنا هذا أمر خارج نطاق وخارج سياق محمد علي، طبعاً إحنا بنتكلم دلوقتي في 1840 علشان الناس التواريخ مهمة في إدراك السياسات، دلوقتي 1840 كانت الدولة العثمانية على حالها الأول تقريباً ما عدا لم يؤخذ منها إلا الجزائر، خلاص لأنه الانهيارات ستأتي بعد ذلك، يعني بقى عند الخمسينات وعند الستينات والسبعينات والثمانينات، هنا الانهيارات وانكماش الأراضي، لكن دلوقتي الدولة العثمانية موجودة 1840 ما عدا الجزائر على حالها، يعني معها الأناضول ومعها بلاد الشام والعراق والجزيرة ومصر، وطبعاً والبلقان، يعني أنت عندك مساحات كبيرة.

التمرد اللي حصل على الدولة العثمانية وحصل فيه نوع من الانحصار وشكلي برضه اللي هو تمرد اليونان 1828 و1829، الدولة الكبيرة الهائلة دي كان فيه اعتبر في ثلاث قوى موجودة في العالم في ذلك الوقت: الروس قوة صاعدة كبيرة، الإنجليز والفرنسيين والنمساويين، يعني دول الأوروبيين تمام، وطبعاً الإنجليز والفرنسيين وبرضه النمسا وألمانيا في بينهم تنافسات داخلية، بس كل دول حاجة واحدة مع الروس، يعني أوروبا بينهم انقسامات وحروب داخلية لكن هم مع الروس كتلة، والدولة العثمانية الدولة العثمانية دي لو كانت سقطت وإحنا بنتكلم في 1840 إيه اللي هيحصل؟ اللي هيحصل إن تندلع حرب عالمية بين كل هذه القوى على تقسيم تركتها، القوى دي في سنة 1840 لا تحب هذا الخيار، لا تحب إن الأسطول الروسي بعد ما العثمانيين محاصرينه في البحر الأسود ينفتح ويدخل إلى مضيق البوسفور ومضيق الدردنيل ويبقى له سكة للبحر المتوسط، لا يحبون إن الروس هم الذين يتمددوا على جانبي الدولة العثمانية من ناحية رومانيا وبلغاريا ومن ناحية القوقاز. وبالتالي لما محمد علي كسر جيوش الدولة العثمانية ووصل إلى كوتاهية هنا في ذلك الوقت، لم يجد السلطان العثماني وكان ساعتها السلطان محمود الثاني.

في عام 1840، تولى عبد المجيد الأول الحكم، وهو أبو عبد العزيز ومحمود. في هذه السنة، عرض الروس أن يدفعوا بأسطولهم وجيوشهم لحماية السلطان العثماني من محمد علي. هذا الأمر أفزع الإنجليز والفرنسيين؛ لأن الدولة العثمانية بذلك تذهب إلى حضن ونفوذ الروس، وهذا الذي اضطرهم إلى الوقوف مع الدولة العثمانية ضد طموحات محمد علي، الذي يراه الإنجليز والروس معاً حليفاً للفرنسيين.

محمد علي كانت علاقاته قوية بالفرنسيين، وهم أكثر الناس في بلاطه وحاشيته والمتنفذين لديه، حتى إن سفيراً إنجليزياً قال: البلد هذه لا ينقصها إلا منصب أو اثنان لتصبح مثل الجزائر الفرنسية. هذا الذي منع اندلاع الحرب العالمية، ومنع دخول الدولة العثمانية في حضن الروس؛ فالحسبة الدولية كانت أكبر من قدرة محمد علي، فوقف محمد علي أمام هذا الضغط الأوروبي. الحفاظ على الدولة العثمانية ضعيفة نأخذ منها قطعة قطعة خير من أن تدخل الدولة العثمانية في النفوذ الروسي.

صحيح أن هذا أطال في عمر الدولة العثمانية سبعين أو ثمانين سنة أخرى، لكن ليس على هذا القدر؛ فما زلنا حين نتكلم عن عبد الحميد مثلاً سنجد انهيارات أخرى. لكن هذه هي السياسة العامة عند سنة 1840؛ كانت الحسبة الإنجليزية والفرنسية والروسية تجاه الروس أنه من الخطر أن تتمدد روسيا على حساب الدولة العثمانية، فساعتها كان الحفاظ على الدولة العثمانية أفضل من سقوطها المفاجئ.

بالنسبة لابنه إبراهيم، كان زعلاناً أنه لم يكمل طريقه إلى إسطنبول، لكن في الآخر سيحصل هذا التآمر؛ فمن الذي سيسقط الدولة العثمانية في نهاية الأمر؟ هم أيضاً الإنجليز والفرنسيون والروس. وعوداً لموضوع الاقتصاد، ضغطوا عليه ليفتح السوق للأجانب ورفض، لكن كل هذا الكلام انهار بعد 1840. طلبوا منه ألا يتعامل بالعملة العثمانية، وفتحت الأسواق للأجانب، ومن بعدها صارت البضائع الأجنبية موجودة في مصر، وهذا الذي أدى إلى تحول الاقتصاد المصري من اقتصاد مركزي في يد محمد علي إلى اقتصاد ليبرالي مفتوح في يد الأجانب. لقد كان الصانع الوحيد والتاجر الوحيد والزارع الوحيد، وبعدما هزم في 1840 ترك الدنيا مفتوحة ووقع على اتفاقية حرية دخول البضائع، فدفع الناس ثمن الاقتصاد في المرتين؛ مرة لمحمد علي، ومرة للأجانب مباشرة.

من الخطوط المستمرة التي كانت في سياسة محمد علي هي إيقاع العداوة والبغضاء بين مشايخ الأزهر، وهم الذين ولوه أصلاً، ونفى عمر مكرم. دخل على خط العداوة بين عمر مكرم وبين شيخ اسمه الشيخ السادات، الذي ذكرناه في الحملة الفرنسية بأنه كان حبس وحيزت أملاكه؛ لأنه كان موجوداً وداعماً لثورة القاهرة الثانية. بمجرد أن مات الشيخ السادات، استولى محمد علي على أملاكه، وتعجب المشايخ؛ فهذا نقيب الأشراف ومن كبار العلماء، وكان حليفه، فقال له: والله الشيخ السادات كان جماعاً للمال، ونحن محتاجون لهذه الأموال لنقاتل الخوارج -يقصد الوهابيين في ذلك الوقت-.

وهو الذي دخل على خط تعيين مشايخ الأزهر لأول مرة في التاريخ؛ فعين شيخ الأزهر على خلاف رغبة العلماء. فتح بذلك الباب لكي يكون شيخ الأزهر تحت إمرته؛ ففي سنة 1812، لما توفي الشيخ عبد الله الشرقاوي، ذهب المشايخ إليه ليقولوا: فرغ منصب شيخ الأزهر، تحب نولي مين؟ من الرعب والفزع بعد مذبحة المماليك، وهذا لم يكن يحدث أصلاً. قال لهم: اختاروا أنتم، بشرط ألا يكون له أغراض أو معارض، فقدموا له ثلاثة، فاختار واحداً منهم، وبذلك بدأ تعيين شيخ الأزهر من قبل محمد علي، وكانت هذه ضربة كبيرة للعلماء وللمجتمع، وإضافة جديدة للسلطة.

لو سألنا عن فترة محمد علي، فهي لها آثار ممتدة حتى اليوم، ما زلنا حتى الآن في الدولة التي صنعها محمد علي من حيث الطغيان والاستبداد، ومن حيث المركزية ونفوذ الأجانب، واعتماد العلمانية والابتعاد عن الشريعة، والسيطرة على كل الموارد. أحب أن يقرأ الناس مقال الشيخ محمد عبده بعنوان "آثار محمد علي في مصر"، منشور في مجلة المنار أو في الأعمال الكاملة؛ فهو يعطي تلخيصاً ممتازاً لهذه الفترة. بدأت بعد ذلك فترة أبنائه ودخلنا في الاحتلال الإنجليزي وقصة طويلة، لكننا في محور الاستعمار لا تزال في جعبتنا مجموعة من المسائل المهمة، ومن أهمها السلطان عبد الحميد الذي له حلقة خاصة بعون الله.

باختصار شديد، نستطيع أن نقول إن كل الطغاة والجبابرة الذين نراهم اليوم، سواء السيسي أو جمال عبد الناصر أو أتاتورك أو بورقيبة، كلهم تلاميذ عند محمد علي. محمد علي هو أخطر شخص ظهر في الشرق في المئتي سنة الماضية، ولا أظن أن غير محمد علي كان يستطيع أن يفعل ذلك. الحلقة القادمة سنبدأ مع أبناء محمد علي، وسنكمل في ملف مهم جداً وهو ملف الجزائر. شكراً جزيلاً، ولا تنسوا مشاركة هذه الحلقة، ونحن لا نسرد التاريخ بتسلسله الطبيعي، بل نحاول الإجابة عن أسئلة ملحة. ودمتم في رعاية الله.